Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
تفسير قوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ .)
قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥] .
هذه الآية فيها تسلية وتسرية عن أهل الإيمان، وذلك أن أهل الإيمان وُبِّخوا من عدوهم لعمل عملوه وصنيعٍ صنعوه، وهو أن النبي ﷺ لما حاصر بني النضير، وامتنعت بنو النضير من النزول من حصونهم، قطّع النبي ﷺ النخل وحرّقه، قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه في ذلك: وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير وقال في ذلك أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه: أدام الله ذلك من صنيعٍ وحرق في نواحيها السعير فشق ذلك على اليهود أيما مشقة، وكانت مقالة تقاولتها العرب، وطعنوا بها في رسول الله ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، فقالوا: كيف يقطِّع محمد ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم النخيل؟ ولكن لله في الأمر حِكَمٌ، ومن المعلوم أن المفاسد إذا تواردت على محل اختار الشخص أخفها، فكان الأخف هو تحريق نخيل بني النضير، فحينئذ سرَّى الله عن المؤمنين، وأذهب عنهم الهموم والأحزان بقوله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) واللينة: النخلة، وقال فريق من العلماء: هي الشجرة، فأفادت الآية أن هذا أمر قدره الله وقضاه، فليس لكم -يا أهل الإيمان- أن ترتابوا في فعل نبيكم محمد ﷺ ، فما فعله لم يكن يخرج عن إذن الله، ولا عن إرادة الله، وعلى فرض كونكم أخطأتم فهذا مقدر عليكم، وعلى كل حال فـ (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) فلتطمئن خواطركم.
стр. 1297
تفسير آيتي الفيء
قال تعالى: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [الحشر:٦] الفيء يختلف شيئاً ما عن الغنيمة، فالفيء هو: مال العدو الذي يأتي إلى المسلمين على وجه مشروع بلا قتال، أما الغنيمة فهي التي تأتي للمسلمين من أموال العدو بعد قتال، وكل له مصارفه.
قول تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) أي: من بني النضير، وقوله تعالى: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) الإيجاف: الإيضاع، وهو: الإسراع، كما قال الرسول ﷺ في الحج: (فإن البر ليس بالإيضاع) أي: ليس البر بالإسراع، و (ما) في قوله تعالى: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ) نافية، أي: ما غرتم إغارة على هذه القرية قرية بني النضير بخيولكم ولا بركابكم، ولا بذلتم فيها زاداً للقتال، وما أجهزتم على عدوكم بقتلٍ بخيولكم أو بإبلكم، ولا سافرتم لعدوكم سفراً طويلاً أو قصيراً بخيولكم ولا بركابكم، فقد كانوا في أطراف مدينة رسول الله ﷺ ، ولكن الذي كان أنهم استسلموا ونزلوا على أمر رسول الله ﷺ .
فلما نزلوا على أمر رسول الله ﷺ ، وحملوا معهم ما استطاعت إبلهم وخيلهم أن تحمله، وغادروا المدينة؛ بقي هناك فيء في بيوتهم، وهذا الفيء كله له حكم، فالله هو الذي سلط عليهم رسوله ﷺ ، وهو الذي قذف في قلوبهم الرعب حتى خرجوا وتركوا الأموال وذهبوا، كما قال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] .
هذه الآية مع الآية السابقة مختلف في كونهما متغايرتين أو أن مؤداهما واحدٌ، والذي عليه فريق من العلماء أن الآية الأولى هي في بني النضير، وهي قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) أي: من بني النضير، (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ) والتقدير: وما أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال يهود بني النضير، فهذا الفيء الذي أتى إلى رسول الله من بني النضير كله خاص برسول الله ﷺ ، ليس لكم منه أي شيء يا أهل الإيمان! فالله هو الذي يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيءٍ قدير.
وأما الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) فهي في القرى الأخرى كقريظة وخيبر، فهذه مصارفها لله تعالى وللرسول ﷺ ولذي القربى واليتامى والمساكين.
فعلى هذا القول يكون فيء بني النضير خاصةً خاصٌ برسول الله ﷺ ، ومما أيد هذا القول أن أمير المؤمنين عمر ﵁ لما أتى إليه العباس وعلي ﵄ يطلبان ميراثهما من رسول الله قال لهما: (قد كانت أموال بني النضير خاصة لرسول الله) .
وأما ما أفاء الله على رسوله ﷺ من أهل القرى الأخرى كبني قريظة وخيبر وسائر الأمصار والقرى ففيئها على التقسيم المذكور في قوله تعالى: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) .
وأما الغنائم التي ذكر الله في كتابه فمحل تقسيمها في سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.
﴾ [الأنفال:٤١] ، فالأنفال التي غنمت عن طريق الحروب بين المسلمين والكفار تُقسَّم خمسة أقسام، أربعة أخماس الغنيمة للمحاربين، والخمس الخامس يُقسَّم خمسة أخماس، لله ولرسوله ﷺ ، ولذي القربى -أي: قربى رسول الله ﷺ لكونهم محرومين من الزكوات، فليس لآل البيت زكاة- واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهناك اتجاه آخر وهو اتجاه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فحواه أن الفيء في الآية الأولى -وهو فيء بني النضير- لرسول الله ﷺ ، والفيء الآية الثانية يقسم خمسة أخماس، فأربعة أخماسه لرسول الله ﷺ ، والخمس الخامس يُقسم خمسة أخماس، يدفع منها خمسٌ إلى رسول الله ﷺ ، فيصير له ﷺ من كل الفيء أربعة أخماس وخمس الخمس، والباقي يصرف في المصارف المذكورة في قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، وبعد وفاة رسول الله ﷺ يدفع للمجاهدين الذين يسدون الثغور، ويصرف في تعبيد الطرق وتشييد المستشفيات ونحوها من المجامع التي يحتاج إليها عموم المسلمين.
وفي الحقيقة آيات الأنفال والفيء من الآيات التي أُهدِر العمل بها في هذا الزمان؛ إذ المشروع في حالة انتصار دولة مسلمة على دولة كافرة أن المجاهدين يُقسم لهم كلٌ بحسب جهاده وقتاله، فالمشاة على عهد الرسول ﷺ كان لهم قسم من الغنيمة يختلف عن الركبان، ومن بذل في الجهاد واشترى فرساً يجاهد به فيعطى قسماً للفرس، ويعطى قسماً لنفسه، وكلٌ بحسب ما بذل واجتهد، وقد كان الرسول ﷺ يقول في المعارك أو في بعضها: (من قتل قتيلاً فله سلبه) .
وكل هذه المسائل أضاعتها الأنظمة العلمانية في العالم كله، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة التي أضاعت مثل هذه الأشياء، وكان من دعاوى الحكومة الإيرانية التي ذهبت أدراج الرياح مع أكاذيب الحكومة الإيرانية: أن نظام الأنفال سيعود، وكانوا يدندنون بهذا في مطلع ثورتهم، ولكنه ذهب أيضاً مع الريح، وعاد إليهم العبث الذي عاد إلى غيرهم، أو الذي هم نشئوا فيه من الأصل.
قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) هي قريظة وبنو النضير وغيرهما من القرى، وقوله تعالى: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) أي: قرابة رسول الله ﷺ ؛ لكونهم لا يأخذون من الصدقة، وهم: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس.
وقوله تعالى: (وَابْنِ السَّبِيلِ) هو المسافر الذي انقطعت به السبل، أو الذي ليس معه مال يوصله إلى بلده، فيأخذ من المال ما يكفيه للرجوع إلى بلده.
وقوله تعالى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) أي: نحن قسّمنا لكم أموال الفيء حتى لا يتسلط الأغنياء أصحاب النفوذ والسلطة على الفيء فيأخذونه غنيمة، ويتداولونه فيما بينهم، كما يحدث في الدول، فأكابر الناس والأغنياء منهم يتسلطون على الأموال وعلى الأراضي وعلى المؤسسات فينهبونها لأنفسهم، فالله جعل للفيء مصارف حتى لا يتسلط عليه الأغنياء، ويصبح مال الفيء دولةً بين الأغنياء، أي: يتداوله الأغنياء فقط، فالله يقول ما معناه: إنما أظهرت لكم مصارف الفيء كي لا يتسلط الأغنياء الأقوياء على مال الفيء فيستحوذون عليه دون الفقراء، ويقسمونه ويتداولونه فيما بينهم، فإلغاءً لهذا بيّنا لكم مصارف الفيء.
стр. 1298
وجوب اتباع الرسول ﷺ
قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي: امتثلوا أمره، واتبعوا شرعه، وما أرشدكم إليه فاعملوا به، وما أعطاكم فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا عنه، وما منعكم منه فلا تأخذوه، فالآية وإن كان ظاهرها في الفيء إلا أن معناها عام، وقد قال العلماء: العبرة بعموم الألفاظ وليس بخصوص أسباب النزول، وقد احتج ابن مسعود ﵁ بعموم هذه الآية الكريمة على امرأة يقال لها: أم يعقوب، فقد روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله ... ) الحديث.
فجاءت المرأة فقالت: يا ابن مسعود! ما لك تلعن الناس؟! قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله؟ قالت: في كتاب الله؟ والله! لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت ذلك في كتاب الله! قال: إن كنتِ قرأتِه فقد وجدتهِ، ألم تقرئي قول الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ؟ قالت بلى، قال: فهو ذاك، أو كما قال رضي الله تعالى عنه.
فالاستشهاد بعموم الكريمة رأي الجمهور، وقد قال ﵊: (يوشك رجلٌ متكئٌ على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله -أي: يعرض عن السنة، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله- فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله) ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال:٢٠] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤] .
стр. 1299
الأسئلة
стр. 1300
إسلام مارية القبطية رضي الله تعالى عنها
السؤال
كيف تم إسلام السيدة مارية القبطية رضي الله تعالى عنها ملك يمين رسول الله ﷺ ؟
الجواب
لا أعلم كيف تم إسلام السيدة مارية رضي الله تعالى عنها ملك يمين رسول الله ﷺ .
стр. 1301
المسروق الذي لا يعلم صاحبه
السؤال
سرقت وأنا في الجيش جاكتاً قبل الالتزام ولبسته، ولا أعرف صاحبه، فماذا أفعل؟
الجواب
إذا كنت سرقت الجاكت ولا تعرف صاحبه، فإما أن تتصدق بالثمن عن صاحبه، أو تتصدق بالجاكت، حتى لا يكون ملبسك حراماً، فتدعو الله فلا يستجيب لك، والله تعالى أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1302
طريق الأخذ بزيادة الثقة، والخلاف في زيادة (وبركاته) في السلام من الصلاة
السؤال
من المعلوم أن زيادة الثقة مقبولة طالما أن هذه الزيادة لا تخالف ما جاء به باقي الثقات، فكيف نوفق بين هذه القاعدة وما ذكرتموه في مسألة زيادة (وبركاته) عند التسليم من الصلاة؟
الجواب
التقرير الذي قرره السائل بأن زيادة الثقة مقبولة بالشروط التي ذكرها ليس بصحيح، وفي الحقيقة كل زيادة ثقة لها ملابستها الخاصة بها، ولا بد من النظر إلى أقوال الأئمة والعلماء فيها، بيد أن الاستدراك الأقوى الذي يمكن أن يرد على الكلام السابق هو أن هناك خلافاً في سماع علقمة بن وائل من أبيه رضي الله تعالى عنه، وهو أمثل طريق جاءت فيه هذه الزيادة، فمن العلماء من أثبَت السماع، ومنهم من نفى السماع، وممن نفى السماع يحيى بن معين رحمه الله تعالى، فقال: (لم يسمع من أبيه) ، وأما الإمام البخاري رحمه الله تعالى اضطرب عنه القول، ففي رواية أنه قال: (سمع أباه) كما في التاريخ الكبير له، ونقل الترمذي رحمه الله تعالى في سننه عن الإمام البخاري أنه قال في علقمة بن وائل عن أبيه: ما أدرك أباه، أو قال ما معناه: مات أبوه وأمه حاملة به في ستة أشهر.
واحتج من أثبتت له السماع من أبيه بإخراج مسلم رحمه الله تعالى عدة أحاديث من طريق علقمة عن أبيه، فقال الآخرون: ينظر هل هي من الأصول أو هي من المتابعات؟ فطريقة الإمام مسلم رحمه الله تعالى التساهل في المتابعات، وبعض النسخ فيها زيادة (وبركاته) عن وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، وبعض النسخ بدونها، فالأمر فيها مريب، والذي عليه الجمهور هو الاقتصار على (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) .
стр. 1303
تفسير سورة الحشر [٢]
هناك فارق بين التربية الإيمانية، وبين عادات الجاهلية والكفر، فقد عرض لنا القرآن الكريم وهو يبين بعض مصارف الفيء صورة قوم آثروا فضل الله تعالى ورضوانه على أموالهم وديارهم حين أخرجوا منها، وسلبوا حقهم، وآخرين جعلوا أموالهم وديارهم حقاً مشتركاً بينهم وبين إخوتهم في العقيدة، وآثروهم على أنفسهم حباً لا بغضاً، وطواعية لا كراهية، ثم صورة جيل آت بعدهم يترضى عنهم ويستغفر الله تعالى لنفسه ولهم، وهذه هي روابط الإيمان.
كما عرض لنا القرآن الكريم صورة أهل الكفر في أقبح ما تكون، وذكر صفاتهم القبيحة، من وعود كاذبة وجبن عند اللقاء، وخوفهم من غير الله تعالى لحرصهم على الدنيا وطمعهم فيها.
стр. 1304
تفسير قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٨-٩] .
الفيء هو: المال الذي دخل على المسلمين من عدوهم بوجهٍ مشروع من غير إيجاف خيل ولا ركاب ولا قتال، وأما الغنيمة فهي: المال الذي يدخل على المسلمين من عدوهم من جراء القتل والقتال، ومصارفها كما ذكر الله في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١] ، فهؤلاء المذكورون لهم خمس، والأربعة الأخماس الباقية للمجاهدين الغزاة، أو المجاهدين بصفة عامة، وفيما يلي ذكر لبعض الأصناف المستحقة للفيء.
قوله تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ) الفقر أمر نسبي يختلف من بلدة إلى أخرى، ومن زمن إلى زمن آخر، ففي زمن قد يكون من ملك دينارين غنياً، وفي زمن آخر قد يكون من ملك عشرة دنانير فقيراً، ومرجع ذلك إلى العرف ويترتب على هذا تحديد الفقير الذي تُخرج له الزكاة فيكون مصرِفاً من مصارفها.
وقوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) أي: تركوها رغماً عنهم، فلم يكونوا يحبون الخروج من ديارهم ولكنهم أُخرِجوا منها، وقد قال النبي ﷺ على جبل الحزورة وهو ينظر إلى مكة: (والله! إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، والله لولا أني أخرجت منك ما خرجت) ، فقوله تعالى: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا)) أي: أخرجهم غيرهم، والإخراج ليس لذنب اقترفوه ولا لإثم ارتكبوه، ولكن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] .
وقوله تعالى: (وَأَمْوَالِهِمْ) أي: أخرجوا من أموالهم كذلك، أي: تركوها.
وقوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي: ينصرون شرع الله، وينصرون رسول الله ﷺ وسنته.
قال تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) ، فهؤلاء الفقراء لهم نصيب من الفيء.
стр. 1305
تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ .)
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] الدار هي دار الهجرة، وهي مدينة رسول الله ﷺ ، ومعنى (تَبَوَّءُوا الدَّارَ) أي: سكنوها، وهم الأنصار، فقد كانوا سكان المدينة قبل قدوم المهاجرين إليهم، فعمَّروا المدينة بالإيمان، وفتحوا بيوتهم لتلاوة القرآن، وأقاموا فيها الصلاة.
وقد ذهب جمهور العلماء رحمه الله تعالى إلى أن المهاجرين على الإجمال أفضل من الأنصار، وفي كلٍ خيرٌ، وذلك بدلالة تقديمهم في عموم الآيات على الأنصار، ومنها في هذه السورة، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون هناك أنصاري أفضل من مهاجري بخصوصه، فلا يخدش هذا في التقعيد، كما في حديث الرسول ﷺ : (لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) ، فهذا على وجه الإجمال؛ إذ لا يُمتنع أن يأتي زمان خير من الزمان الذي قبله، كما كان الزمان الذي عقِب موت الحجاج بن يوسف الثقفي أفضل من زمن الحجاج، وكما هو معلوم أن زمان المهدي خير من الزمان الذي قبل المهدي، وكذلك الزمان الذي فيه رسول الله خيرٌ من الزمان الذي لم يكن فيه الرسول ﵊.
وقوله تعالى: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) ، هذه هي حال الأنصار، قلوبهم مملوءة بالحب للمهاجرين، ولا يحملون في صدورهم شيئاً على إخوانهم المهاجرين لكونهم فضِّلوا عليهم ببعض الفضائل.
стр. 1306
مدح الله للأنصار بالإيثار
وقوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) الخصاصة: الحاجة الشديدة، وأمثلة هذا الإيثار سطِّرت بها كتب السنن، وجاءت نماذج منها في كتاب الله ، فمما سطِّرت به كتب السنن ما أخرجه البخاري ومسلم: (أن ضيفاً أتى إلى رسول الله ﷺ ، فسأل أزواجه: هل في بيت إحداكن طعام؟ فكلهن قلن: والله! يا رسول الله! ما عندنا إلا الأسودان التمر والماء، فقال النبي ﷺ لأصحابه: ألا رجل يضيفه هذه الليلة؟) ، وفي هذا رفع للكلفة بين المسلمين، بل وقذف للمحبة بين المسلمين، فإذا جئت إلى أخيك وقلت له: حل بي ضيف وليس في بيتي طعام، فهل تستطيع إكرامه؟ فلا شك أن المودة تزداد والمحبة تتمكن، ففعلك هذا دليل على محبتك لأخيك، وعلى محبة أخيك لك.
(.
فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله!) وفي بعض الروايات: (أن هذا الرجل هو أبو طلحة، وزوجته هي أم سليم رضي الله تعالى عنهما، فأخذ الضيف فانطلق به إلى بيته، ولم يكن الطعام في البيت كافياً، فقال لامرأته: نوِّمي الصِّبْية، وذلك حتى لا يشاركوا الضيف في الطعام، فنوّمت الصِّبْية، وأطفأت المصباح، وقعدا يريان الضيف أنهما يأكلان وهما يتلمظان ويضربان بأسنانهما بعضها على بعض! حتى فرغ الضيف وشبع، ثم أصبح أبو طلحة فغدا على رسول الله ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : لقد عجب الله من صنيعكما البارحة! فأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] ) .
ومن ذلك ما فعله سعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما بعد أن آخى النبي ﷺ بينهما عندما آخى بين المهاجرين والأنصار عند مقدم المهاجرين إلى المدينة، فقد قال سعد لـ عبد الرحمن: قد علمت -يا عبد الرحمن - أني من أكثر الأنصار بالمدينة مالاً، وأن لي زوجتين، فأشاطرك مالي، وانظر أي امرأتي شئت فأنزل لك عنها حتى تتزوجها! فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك! ولكن دلوني على السوق الحديث.
ولما فتح الله على نبيه الفتوحات، وأراد ﵊ أن يُقطِع للأنصار البحرين، قالوا: لا -يا رسول الله- حتى تعطي إخواننا من المهاجرين مثل ذلك! فقوله : (وَيُؤْثِرُونَ) أي: يؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
стр. 1307
ذم الشح والبخل
وقوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، في هذه الآية ذم الشح، وهو نظير البخل، ومن العلماء من قال: إن الشح هو البخل مع حرص وطمع فيما أيدي الآخرين، فيبخل بما معه، ويحرص أيضاً على أخذ ما في أيدي الآخرين.
وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أنه كان يطوف بالكعبة وله دعوة واحدة يدعو بها، يقول: اللهم! قني شح نفسي، اللهم! قني شح نفسي، اللهم! قني شح نفسي.
فقال له قائل: لم تدع بهذه الدعوة يا عبد الرحمن؟! قال: إنك إن وُقِيت شح نفسك فقد أفلحت كل الفلاح -أو كما قال رضي الله تعالى عنه-، وقد قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .
وقال النبي ﷺ : (اتقوا الظلم! فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح! فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) .
وأما ذم البخل فقد وردت جملة هائلة من الأحاديث تحذر منه، بل ومن الآيات كذلك، فقد قال : ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:٣٧] ، وقال النبي ﷺ : (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً) .
وجاء بنو سلمة إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: (من سيدكم يا بني سلمة؟! قالوا: الجد بن قيس، على أنا نُبَخِّلهُ يا رسول الله! -أي: نصفه بالبخل-، قال: وأي داء أدوأ من البخل؟) ، ثم جعل سيدهم بدله عمرو بن الجموح، وكان عمرو على أصنامهم في الجاهلية، وكان يولم عن رسول الله ﷺ إذا تزوج.
وثم جملة نصوص في ذم البخل ثابتة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
كما جاء ذم البخل بلهجات شديدة على ألسنة الشعراء، ومن ذلك قول أحدهم: رأيت الفضل متكئاً يناجي الخبز والسمكا فقطب حين أبصرني ونكس رأسه وبكى فلما أن حلفت له بأني صائم ضحكا والأبيات في هذا كثيرة لا تكاد تُحصَر.
وفي مقابل البخل الإيثار والكرم، وقد تحلى بالإيثار والكرم أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وأهل الفضل والخير والصلاح، وهذا في الحقيقة منهم لأنهم أيقنوا بأن الخلف من الله ، وأن ما يُفعل من خير فلن يُكفَر، وأن من عمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن عمل مثقال ذرة شراً يره، فدل هذا الكرم، ودل هذا الإيثار، ودل هذا الإنفاق على صدق الإيمان وحسن اليقين، والله أعلم.
والشح ليس بالمال فحسب، بل وبالمناصب والمستحقات من أي شيء، فقد قال الله في شأن الزوجين المتشاحنين: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] ، فقوله سبحانه: (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) أي: كل نفس تسرَّب إليها شحها؛ فنفس الرجل أتاها الشح، ونفس المرأة أتاها الشح، وذلك أن الآية نزلت في الرجل تكون عنده المرأة لا يحبها، ويريد فراقها، فتقول له: أمسكني لا تطلقني، وأنت في حلِّ من شأني، فيقبل منها ومع قبوله يحضر نفسه شحها، ونفس المرأة يحضرها شحها، فالرجل يمسكها بلا طلاق وهو يبغضها ويكرهها، فينفق عليها إذ هي زوجة ليست بمطلقة، فيقول في نفسه: لماذا أنفق عليها وأرهِق نفسي بالإنفاق؟ ويعدد على نفسه الأشياء التي يصنعها فيها، وهي الأخرى يحضرها الشح فتقول: أنا زوجة له، فلماذا لا ينفق علي؟ ولماذا لا يأتيني في كل ليلة كما يأتي الزوجة الأخرى؟ فكل نفس يحضرها الشح، فالشح عام، وغالباً ما يراد به الخصوص، كما هو الشأن في أكثر مواضع الكتاب العزيز، بل وفي أحاديث رسول الله ﷺ .
وفي الآية الكريمة بيان لصرف الفيء في الأنصار أيضاً، فلهم نصيب منه.
стр. 1308
حق السلف على الخلف
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: أهل الإيمان الذي جاءوا من بعدهم.
وقوله تعالى: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) استدل الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذه الآية على أن الروافض والشيعة البعداء البغضاء ليس لهم نصيب من الفيء، ووجه استدلاله أن الله ذكر مصارف الفيء فقال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) ، فالذين يقولون: ربنا العن إخواننا الذين سبقونا! ليس لهم من الفيء شيء، وهؤلاء الشيعة البغضاء البعداء الروافض يلعنون أبا بكر، ويلعنون عمر رضي الله تعالى عنهما، وهم ممن سبقونا بالإيمان، فـ أبو بكر وعمر من السابقين الأولين إلى الإسلام والإيمان، فالشيعة يلعنونهما في صلواتهم، ومن مقالاتهم السخيفة التي هي مردودة عليهم بلا شك، أنهم يقولون: (اللهم العن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وابنتيهما) ، ويريدون بذلك أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، فلا شك أنهم يُحرمون من الفيء، وهذا أقل ما يُفعل بهم.
وأفادت الآية أيضاً أنه يسن لمن جاء بعد القرون المفضلة، وبعد المهاجرين والأنصار؛ أن يدعو لإخوانه السابقين بالمغفرة، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) ، وهي تشمل كل مؤمن سبقك وصدق برسول الله ﷺ وآمن ووحّد قبلك، فإذا فعلت، فمن قال بعد موتك: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) لحِق بك نصيب من هذا الدعاء الطيب.
стр. 1309
القلوب أوعية يصرفها الله
وقوله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) ، هذا الدعاء ينم عن شيء، وهو أن ما في القلوب إنما هو من الله ، ولا يرفعه إلا الله ، ولا يثبته إلا الله ، فالمحبة التي في قلبك لشخص هي من الله، والبغض الذي في قلبك لشخص هو من الله ، وإن كان لذلك أسباب، ولكن قد تُفعل الأسباب ويتخلف المطلوب، والله تعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] ، فأنت -يا عبد الله- لا تستطيع التسلط على قلبك الذي بين جنبيك فضلاً عن قلوب غيرك، فالصديق يوسف ﵇ يقول: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] ، وقال ﷺ -وإن كان فعلاً-: (اللهم! هذا قسمي فيما أملك، ولا تلمني فيما تملك ولا أملك) ، وهو المحبة القلبية.
وقال ﷺ في شأن خديجة رضي الله تعالى عنها لما كان يكثر من ذكرها، وتغار أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (إني قد رزقت حبها) ، والذي رزقه حبها هو الله .
فالأشياء التي في القلوب من محبة وبغض، كل ذلك أصله من الله ، لا يثبِته إلا الله، ولا ينزعه إلا الله ، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] .
فأهل الإيمان لما فطِنوا لهذه المسألة طلبوا من الله أن يظهر لهم قلوبهم؛ إذ هو القادر على ذلك، ولا أحد يقدر على هذا إلا هو ، فقالوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) ، ولا يليق أن يكون في قلب المؤمن غلٌ على أخيه المؤمن، ولكن من ناحية تواجده قد يتواجد، والله يقول في شأن أهل الإيمان يوم القيامة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] .
وقد أخذ بعض العلماء رحمهم الله تعالى من هذه الآية مشروعية الدعاء للنفس قبل الغير؛ إذ هم قالوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا) فدعوا لأنفسهم ثم لإخوانهم.
стр. 1310
تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا .)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر:١١] .
قوله تعالى: (أَلَمْ تَر) هذه الجملة تأتي أحياناً بمعنى: (ألم تعلم) ، وأحياناً يراد بها الرؤية بالبصر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:٢٤٦] ، والرسول ﷺ ما رآهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ [البقرة:٢٤٣] ، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] ، فقد ذكر بعض العلماء أن رسول الله ﷺ كان مميزاً أثناء هذه الحادثة.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) أي: إن طُردتم من بلادكم (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) أي: من يطلب منا شيئاً في شأنكم فلن نطيعه أبداً، بل سنؤازركم، وسنواليكم، وسنناصركم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر:١١] .
ثم قال تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١٢] هذا عام في عموم أهل الكفر، فأهل الكفر هذا شأنهم، بعضهم يبغض بعضاً ولا يحبه وإن أظهر ذلك، كما قال الله : ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] ، أي: تحسبهم مجتمعين في الظاهر لكن قلوبهم متفرقة، وكما قال سبحانه: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤] ، يقول العلماء في تفسير قوله تعالى: (فَأَغْرَيْنَا) : كأن العداوة والبغضاء بينهم أُلصِقت بالغراء، فكأن القلوب أُثبِتت بها العداوة والبغضاء كما أن الخشب يضم إلى بعضه ويلصق بالغراء، فهي ثابتة في قلوبهم تجاه بعضهم.
وكذلك عموم أهل الظلم، يجلسون جميعاً، ثم بعد التفرق كلٌ يلعن الآخر ويسب الآخر، وكل يخون صاحبه في الغالب، ومنهم الذين يضحكون ويسخرون من أهل الإيمان.
стр. 1311
الغفلة عن الله تعالى تورث جبناً وحرصاً على الحياة
قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر:١٣] .
أي: يا أهل الإيمان! أنتم (أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) ، فمن غبائهم أنهم يخافون منكم -يا أهل الإيمان- أكثر من خوفهم من الله ! فمن غباء اليهود وجهلهم، ومن جهل أهل النفاق، ومن جهل الكفار بصفة عامة أنهم يعملون للمؤمنين حساباً أكثر من هذا الذي يعملونه لربهم ! فهم يرهبون السيف ولا يرهبون الرب ، ويرهبون البشر ولا يخافون من رب البشر، وهذا دليل على ضعف الإيمان في قلوبهم، وعلى جهلهم وقلة علمهم، كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) .
قال تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:١٤] .
أفادت هذه الآية أن اليهود وأهل النفاق جبناء، وهذا الجبن منشؤه حب الدنيا وقلة اليقين في الآخرة، فهم يريدون أن يستمتعوا بحياتهم الدنيا كما قال : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦] .
فقوله سبحانه: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) هذا في شأن اليهود، فهم أشد الناس حرصاً على الحياة، وقوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) فيها تأويلان: أحدهما: أن المعنى: لتجدن اليهود أشد الناس حرصاً على الحياة، وأشد من الذين أشركوا، ويكون قوله تعالى: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) راجعاً إلى اليهود، فكلها تكون في اليهود.
الثاني: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، وأحرص من الذين أشركوا الذين يود أحدهم لو يعمّر ألف سنة، فالذين أشركوا -على التأويل الآخر- يطمع أحدهم أن يعيش ألف سنة، واليهود أشد منهم حرصاً على هذه الحياة، فمصدر الجبن عندهم حبهم الحياة.
قال تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:١٤] سبب هذا القتال (مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) هو -كما سبق- الجبن المستكن في نفوس اليهود وصدورهم، وهذا الجبن سببه الحرص على الحياة، فإذا كان هناك يقين بالآخرة وبلقاء الله، فسيتحول الأمر كما تحول مع عمير بن الحمام رضي الله تعالى عنه لمّا سمع قول النبي ﷺ : (قوموا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض) ، وكان بيده تمرات يأكلهن فقال: والله! إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل هذه التمرات، ثم ألقاهن وقاتل حتى استشهد رضي الله تعالى عنه.
وكما قال سحرة فرعون لما أيقنوا بلقاء الله واليوم الآخر: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] ، فالجبن المستكن في الأنفس، وحب الدنيا وحب الاستمتاع بها؛ هو الذي حملهم على القتال من وراء جدُر، فالتلذذ بالحياة والدنيا غاية المراد عندهم؛ إذ لا يقين عندهم بالله تعالى، ولا باليوم الآخر، وأما أهل الإيمان فليسوا كذلك، بل علموا أن الدنيا بما فيها كلها سجن للمؤمن وجنة للكافر.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى.
стр. 1312
الأسئلة
стр. 1313
الرخص والتوسع في الأخذ بها
السؤال
هل الأخذ بكل الرخص الواردة في السنة المطهرة يقدح في إيمان المسلم؟
الجواب
المسألة تحتاج لضبط أوسع، والمقام لا يتسع لها.
стр. 1314
أخذ الأم من مال بنتها خفية
السؤال
لأحد إخواني زوجة، وعندها طفلة في سن الرضاعة، ولكنها لا ترضع من ثديها، فترسل إليها أختٌ لي متزوجةٌ، بلبن لها، ولكن هذا اللبن يقع في يد أمي فتُنقِص منه مقدار كوب أو كوبين لنا، وتضع بدلاً منهما ماءً، فما حكم الإسلام؟
الجواب
إذا كانت الأم تأخذ من لبن أرسلته ابنتها فلا إشكال؛ لأنها تأخذ من مال بنتها، إلا أن في ذلك إثماً خفيفاً؛ لقول الرسول ﷺ : (والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر) ، فهي لم تأخذ اللبن فقط، بل تضع الماء مكانه، فالغش وصل بها إلى أن تضع الماء حتى تستر على نفسها، فدل ذلك على وجود الإثم.
ويصل هذا إلى التحريم إذا أفتى الإطباء أن اللبن إذا شِيب بالماء بهذه الصورة يضر بالطفلة، فيقع حينئذٍ الإثم، فإن قالوا: فيه مصلحة للطفل، يتغير الحكم.
وأخذها هذا صورته صورة السرقة، إلا أنه يخف حجم هذه السرقة؛ لأنه من ابنتها فقط، والمخرج من هذا أن يشتري للجدة لبناً لتخرج من الحرج.
стр. 1315
المشي مع المرأة لأجل خطبتها
السؤال
هل يمكن المشي مع فتاة لغرض الخطوبة؟
الجواب
لا يجوز.
стр. 1316
حديث قدسي، ومدى صحته
السؤال
ما صحة الحديث القدسي المروي عن رسول الله ﷺ : (لو أن أمتك سلكت إلي من كل طريق، واستفتحت علي من كل باب، فلن أفتح لهم إلا أن يأتوا خلفك) .
الجواب
لا يثبت.
стр. 1317
البيع والشراء في المسجد
السؤال
هل يجوز البيع والمزايدة في المسجد؟
الجواب
لا أعلم دليلاً على هذا، وقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء في المسجد.
стр. 1318
النوم عن صلاة الفجر مع أخذ الاحتياط لها
السؤال
نمت متأخراً لسبب شرعي، بعد أن توضأت وقلت أذكار النوم، ونويت الاستيقاظ للصلاة، وضبطت المنبه لذلك، لكن لم أستيقظ إلا الساعة الثامنة، فهل عليّ إثم؟
الجواب
في الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ) الحديث، وقال ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها) ، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] .
стр. 1319
الفرق بين الآفاق والأفَّاك
السؤال
ما الفرق بين الآفاق والأفاك؟
الجواب
أما الآفاق كما في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] فجمع أفق، وهي أقطار السموات والأرض، ومنه كذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] ، فالأفق المبين هو: اتجاه السماء المُظهِر للأشياء، وهو جهة طلوع الشمس، وأما الأفَّاك فهو الكذاب.
стр. 1320
أحاديث وزيادات، ومدى صحتها
حديث: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) ضعيف، لكن معناه ثابت، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ [الأعراف:٥٥] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] ، أي: طلباً لما عندنا، فالمعنى صحيح لكن الإسناد فيه ضعف.
وحديث: (رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين) إسناده ضعيف كذلك.
وحديث: (ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار) ضعيف أيضاً.
وحديث: (اللهم إني أسألك خير المولج ... ) عند دخول المنزل، إسناده منقطع.
وحديث: (سبحانك اللهم وبحمدك ... ) بعد الوضوء، في إسناده ضعف.
وزيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) بعد الفراغ من الوضوء، ضعيفة.
وحديث: (وأعوذ بك أن أقترف إثماً أو أجره إلى مسلم) لا يحضرني الحكم عليه.
стр. 1321
الوضوء عند قراءة القرآن
السؤال
ما دليل استحباب الوضوء عند قراءة القرآن؟
الجواب
الدليل هو قول النبي ﷺ : (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر) .
стр. 1322
المدن الجامعية وسكن الطالبات فيها
السؤال
ما حكم الطالبات اللاتي يسكن في المدينة الجامعية، ويتغيبن بها لفترة طويلة بعيداً عن أهلهن، وربما تصل إلى شهر في فترة الامتحانات؟
الجواب
إن كُنّ في مكان آمن، وقد أوصلهن أهلهن، ويأخذونهن عند الرجوع، والمكان آمن فلا بأس؛ إذ لم يرد في تحديد المدة خبر إلا عمومات كخوف الفتنة.
стр. 1323
تشبيك الأصابع في المسجد والصلاة، والوارد في ذلك
السؤال
هل تشبيك الأصابع منهيٌ عنه في الصلاة فقط؟ أم منهيٌ عنه مطلقاً؟
الجواب
لا أعلم حديثاً يخص الصلاة بعينها في النهي عن تشبيك الأصابع، وإنما في الباب حديث: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة) ، أو بلفظ قريب منه، فإذا أُخِذ المنع على أن النهي عن تشبيكهما في الطريق إلى المسجد بسبب أنه في صلاة، فيكون النهي عن التشبيك في الصلاة من باب أولى.
إلا أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أومأ في صحيحه إلى تضعيف هذا الخبر، حيث بوّب: (باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره) ، واستدل بأن النبي ﷺ قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) ، وبقوله ﷺ : (يأتي على الناس زمان يغربلون فيه غربلة يبقى منهم حثالة قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه) ، وهي أسانيد ثابتة صحيحة، والآخر في تصحيحه نزاع طويل.
стр. 1324
تفسير الألوسي تحت الضوء
السؤال
ما رأيك في تفسير الألوسي؟
الجواب
تفسير الألوسي من التفاسير البعيدة عن تفاسير أهل السنة والجماعة، وفيه خلل كثير، فلينتبه إلى مثل هذه التفاسير، ومن الأمثل والأقرب والأيسر تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى، وتفسير القرطبي رحمه الله تعالى على ما فيه من خلل في مسائل الأسماء والصفات، وانتصارٍ في كثير من المسائل الفقهية للمذهب المالكي، لكن على وجه الإجمال هو تفسير حسن، وقد هُذِّب إلى حد كبير في تفسير فتح القدير للشوكاني رحمه الله تعالى، واختصر تفسير فتح القدير إلى تفسير فتح البيان لـ صديق حسن خان رحمه الله تعالى، وعلى العموم فإن المبتدئ يستحسن له تفسير ابن كثير، كما يستحسن له تفسير الشيخ الجزائري حفظه الله تعالى.
стр. 1325
حكم الطلاق بعد العقد خشية الظلم والضرر
السؤال
شاب خطب فتاة وعقد عليها ولم يبن بها، ولكنه لم يشعر تجاهها بمودة، ولا توافق في الطباع، ولا اتفاق في الأفهام، فلا يقدر على الاستمرار معها ويخاف أن يظلمها فيما بعد، فهل له أن يقلل من الضرر الذي يمكن أن يحدث فيما بعد ويفارقها؟ وهل يكون ظالماً إذا طلقها؟
الجواب
نعم له ذلك، فإذا كان يشعر أن هناك ضرراً سيلحق باستمرار طول الحياة، فارتكابه بعض الضرر الذي هو إحزان لهذه الفتاة شيئاً ما، أولى من أن يعيش مكفهر الوجه طول حياته معها.
ولا يكون ظالماً لها إذا أعطاها حقوقها الشرعية، وما دام أنه قد عقد عليها؛ فإذا كان سمى الصداق فلها نصف الصداق، إلا إذا عفت هي، أو عفا هو وأعطاها الصداق كاملاً، والله تعالى أعلم.
стр. 1326
ما للمرأة إذا طلقت قبل الدخول عليها ؟
السؤال
ما حقها إذا طلقها وقد قدم لها هدية من الذهب، وعليه صداق مؤخر، ولم يدخل بها؟
الجواب
إذا قدم لها هدية، فإن كانت الهدية هبة، فالراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه كما قال ﵊، وأما إذا كان عرفه وعرف أهل بلده يعتبر أن الشبكة من الصداق، فلها نصف الصداق الذي يشمل الشبكة ويشمل المؤخر المسمَّى، ويشمل أيضاً ما إذا كانوا قد اتفقوا على عفش معين، كل هذا ينصّف نصفين، ولها النصف.
стр. 1327
تجهيز البنت للزواج ومعارضته لأداء فريضة الحج
السؤال
رجل يعيش على راتبه الشهري، وعنده ولدان متزوجان، ولكن له بنتان يجهزهما، وهو يريد أن يسافر إلى الحج، فأيهما يقدم؟
الجواب
الحج فرض، وتجهيز البنتين مستحب، وليس بواجب على الولي، فالفرض يقدم على المستحب، ولا شك.
стр. 1328
الوارد في جبن المؤمن
السؤال
ما صحة الحديث عن رسول الله ﷺ عندما سُئل: (أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم) ؟
الجواب
الحديث إلى آخره ضعيف.
стр. 1329
نفاق الأعمال ونفاق الاعتقاد
السؤال
صفات المنافقين الأربع المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر) إذا وجدت في شخص، فهل يُحكم عليه بالنفاق؟
الجواب
نعم، يحكم عليه بالنفاق، ولكن ليعلم أن النفاق على قسمين: نفاق عمل، ونفاق اعتقاد، فنفاق العمل لا يخلد صاحبه في النار، ولكن نفاق الاعتقاد -أي: أن تبطن الكفر، وتظهر الإسلام- هو المخلد صاحبه في النار حتى وإن صدق، ولم يخلف العهد، ولم يخن الأمانة، ولم يفجر في الخصومة، لكن الذي يفعل هذه الخصال الأربع، وقلبه فيه إيمان وتوحيد، فهو منافق نفاق عمل، ونفاق العمل لا يخلِّد صاحبه في النار، والله تعالى أعلم.
стр. 1330
حمل العصا وأصله في نظر الشرع
السؤال
إنا نرى كثيراً من الشيوخ والشباب، وبالأخص الملتحين يحملون العصي في أيديهم ويحثون على حملها، فهل لهذا دليل من السنة؟ وهل يسوغ حملها للشاب أم للشيخ؟
الجواب
العصا ليست للشباب ولا للشيوخ، بل من احتاج إليها حملها، ومن لم يحتج إليها فلا يحملها، فموسى ﵇ لما سأله ربه تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧-١٨] ، وسليمان ﵊ قال الله تعالى عنه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ:١٤] ، والنبي ﵊ كان يتكئ على العصا إذا كان متعباً، وإذا كان يخطب أحياناً، ولكن من الجهل بالشرع أن تحمل العصا في الطرقات وليس لك فيها فائدة، ومن الجهل أن تحول الشيء الجبلي، أو سنة العادة إلى سنة عباده، فتحول حمل العصا إلى سنة عن رسول الله ﷺ ، وتحث الناس على حملها.
فحمل العصا من أمور العادات، فإن احتجت إليها حملتها، وإن لم تحتج إليها فلا تحملها، بل قد تزري بنفسك حين تمشي وأنت تعمل شيئاً لا فائدة فيه، فجعلها سنة عن رسول الله ﷺ ثابتة، وحث الناس عليها، هذا -والله تعالى أعلم- قولٌ غير موفق للغاية، والله أعلم.
стр. 1331
تفسير سورة الحشر [٣]
من رحمة الله تعالى بعباده بيانه لهم ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة، فبين أيدينا آيات حث الله تعالى العباد فيهن على تقواه، وبين لهم كيد الشيطان في انتزاع التقوى من قلوب العباد، وذكر المؤمنين بيوم القيامة، ووصفه بما يفيد قربه، ونهاهم عن نسيانه تعالى والغفلة عنه، وذكر عباده بأن سبيل المؤمنين أهل الجنة هو سبيل الفوز والفلاح دون سبيل أهل النار، ثم وصف لخلقه كلامه وهو القرآن الكريم، وعقبه بذكر بعض أسمائه الحسنى الدالة على عظمته وإلهيته، كل ذلك ليسلك العباد طريقاً موصلة لهم إلى رضا ربهم ﵎.
стр. 1332
تفسير قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ .)
يقول الله في كتابه الكريم في شأن اليهود: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦-١٧] .
أي: مثل اليهود في انخداعهم بأهل النفاق، وذهاب وعود أهل النفاق عنهم كانخداعهم بالشيطان وذهاب وعود الشيطان عنهم وتبرؤه منهم، فكما أن أهل النفاق خدعوا اليهود وقالوا لهم: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) ، فكذلك خدع الشيطان الإنسان وقال له: (اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) ، وقد ساق العلماء عند تفسير هذه الآية آثاراً، وهي لا تثبت عن رسول الله ﷺ ، وهي من الآثار الإسرائيلية التي قال فيها النبي ﷺ وفي أمثالها: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) الآية) ، أو كما ورد عن النبي ﷺ ، فالإسرائيليات منها ما يُحكى ولا يصدق ولا يكذب، ومنها ما يصدق قولاً واحداً، ومنها ما يُكذَّب قولاً واحدا.
فالإسرائيليات التي تصدق قولاً واحداً هي: الأخبار التي أقرّها ربنا وأقرّها نبينا محمد ﷺ ، فما وافقه الشرع منها فإنه يصدق؛ إذ قد حكاها رسولنا محمد ﷺ .
والتي تكذب قولاً واحداً هي الإسرائيليات التي خالفت كتاب الله تعالى، وخالفت سنة رسول الله ﷺ ، وطعنت في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والتي بين ذلك هي: أخبار إسرائيلية لم يكذبها الله في كتابه، ولا رسوله محمد ﵊ في سنته، ولم يرد في الكتاب والسنة ما يثبتها، فهذه تُحكى ولا تُصدق ولا تكذَّب.
ومن هذا القسم الذي لا يصدق ولا يكذب: ما ورد عند تفسير هذه الآية أنه كان في بني إسرائيل عابد من العباد يعبد الله في صومعته، وكان في بلدته فتاة حسناء، ولها إخوة أربعة، فأراد إخوتها السفر، فقالوا: لن نأمن على أختنا أفضل من هذا العابد، فذهبوا إليه في صومعته، فأبى أشد الإباء أن يقبلها أو يتفقد أحوالها، فأصروا عليه، فآل الأمر إلى أن قبل رعاية أختهم وهي في بيتها، فانطلقوا مسافرين، وذهب يتفقد أحوالها اليوم بعد الآخر ويطمئن على حالها، فزيّن له الشيطان سوء العمل، وقال: سلها، فلعلها مستوحشة من فقدان الرفقة، فصار بعد أن كان يترك الطعام على باب دارها يسألها عن حالها، ثم آل به الأمر إلى أن دخل وخلا بها وارتكب معها الفاحشة، فلما حملت خشي من الفضيحة فقتلها ودفنها، فلما جاء إخوتها سألوه عن أختهم، فقال لهم: قد ماتت، وقد أحسنت إليها وقمت بدفنها وبالصلاة عليها فصدّقوه، ثم إن الشيطان أتى إخوتها في منامهم، وأوعز إليهم بالذي كان وحدث، وقال: إن أختكم في مكان كذا وكذا، فذهبوا واستخرجوها، فأتوا به إلى الملك فقرر قتله بعد أن اعترف، فأُخِذ ليقتل فجاءه الشيطان وهو في طريق القتل وقال: أنا الذي حملتك على الخلوة بها، وأنا الذي حملتك على الزنا بها، وأنا الذي حملتك على قتلها، فإن أطعتني الآن أنجيتك، قال: وما تريد مني؟ قال: تسجد لي سجدة واحدة، فسجد له فقتل وهو ساجد للشيطان، قال تعالى: (فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) .
وهذه القصة -كما أسلفنا- ليست واردة عن النبي ﷺ ، وإنما هي من الإسرائيليات، والعبرة منها مأخوذة، فالشيطان يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه يوم القيامة، كما قال تعالى عنه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٦-٣٩] ، فقوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) أي: الشياطين، وقرناء السوء، وقوله تعالى: (جَاءَنَا) وقرئ: (جاءانا) ، فكل خليل مبطل وقرين سوء يتبرأ من خليله وقرينه يوم القيامة، وقد جاء من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ وصححه السيوطي أن ابن عباس قال: كان عقبة بن أبي معيط رجلاً حليماً لا يؤذي رسول الله ﷺ مع كفره، وكان مشركو مكة إذا جلسوا إلى رسول الله ﷺ آذوه ونالوا منه، وكان لـ عقبة خليل غائب بالشام، فرجع خليله من الشام فسأل امرأته: كيف حال فلان وفلان من أهل مكة؟ فأخبرته، فقال لها: وكيف حال أخي عقبة؟ قالت له: لقد صبأ، ثم إن عقبة أتى يحيِّي صاحبه القادم من السفر، فدخل عليه يحييِّه فلم يرد عليه التحية، فقال: مالي أحييك ولا ترد علي تحيتي؟ قال: كيف أرد عليك التحية وقد صبأت؟! أي: دخلت دين محمد، وتركت دين قومك، قال: فماذا يرضيك عني حتى ترد علي تحيتي؟ قال: لا أرضى عنك بحال حتى تذهب إلى محمد في مجلسه فتسبه بأقبح ما تعلم من سبٍّ، وتشتمه بأقبح ما تعلم من شتائم، وتبصق في وجهه، فذهب الغويُّ إلى الرسول ﵊، فسبّه بأقبح السب، وشتمه بأقبح الشتائم، وبصق في وجهه، فما زاد الرسول ﷺ على أن مسح البزاق عن وجهه وقال: (لئن أدركتك خارج جبال مكة لأقتلنك صبراً) ، فلما كان يوم بدر أراد المشركون أن يُخرجوا عقبة بن أبي معيط معهم، فأبى وتذكر مقولة رسول الله ﷺ ، فأعطوه أفضل الإبل وقالوا: إن كانت لنا الدولة والدائرة شاركتنا المغنم، وإن كانت علينا فررت على هذا الجمل، فشاء الله أن يقع عقبة بن أبي معيط في الأسر، فقدِّم كي تضرب عنقه من بين الأسارى الذين قدموا الفداء، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: (نعم بما بزقت في وجهي) ، ونزل قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧-٢٩] ، فكل خليل يتبرأ من خليله يوم القيامة، وكل قرين يتبرأ من قرينه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] .
فجدير بكل واحد منا أن ينظر في أصدقائه وخلانه قبل أن يأتي يوم القيامة، فيلعن بعضهم بعضاً، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] .
стр. 1333
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ .)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يا من آمنتم بالله وصدقتم المرسلين، (اتَّقُوا اللَّهَ) أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، والوقاية تكون بكل أعمال البر، كما قال النبي ﷺ : (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) ، وقد تلا النبي هذه الآية مع آية النساء الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] في قصة، وقد تنزل الآية من عند الله في عدة وقائع، وقد تنزل عدة آيات في واقعة واحدة.
جاء وفد من غطفان إلى رسول الله ﷺ عليهم أثر الفقر والفاقة مجتابي النمار، أي: يلبسون جلود النمور من الفقر والفاقة، فخرج عليهم رسول الله ﷺ ، فرأى ما بهم من فاقة، ورأى الفقر الشديد يعلوهم، ورأى حالة المسكنة والانكسار تخيم عليهم، فخرج على أصحابه فتلا هاتين الآيتين: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ، فعمَد رجلٌ إلى صدقة فتصدق بها، فتبعه الناس على ذلك، فتهلل وجه النبي ﷺ وأشرق وأضاء، ثم قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) .
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) أي: ليوم القيامة، وعُبِّر عنه بالغد لقرب وقوعه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧] .
وقوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) تأكيد على الأمر بتقوى الله، وآيات الكتاب العزيز متعددة وفي غاية الكثرة تأمر بتقوى الله، فهي وصية ربنا لنا، ووصية الأنبياء لأممهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] .
وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) هذا الختام يعظم مراقبة العبد لربه، وينبغي أن يكون العبد على هذه الحال من المراقبة، وهي مرتبة الإحسان التي قال عنها النبي ﷺ : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وكما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٧-٢١٩] ، أي: ويرى تقلبك مع الساجدين، فجدير بالعبد أن يعبد الله على هذه الصفة كأنه يرى ربه، فإن لم يكن يرى ربه فإن ربه يراه، وكما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ [محمد:١٩] .
стр. 1334
عاقبة نسيان الله تعالى
ثم قال سبحانه محذراً إيانا من التشبه بأهل الكفر الذين نسوا الذكر وكانوا قوماً بوراً: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩] ، أي: تركوا العمل للقائه سبحانه، ونسوا ذكر ربهم كذلك.
ومن العلماء من حمل النسيان هنا على الترك، أي: تركوا العمل للقاء الله، وتركوا ذكر الله ، فأنساهم الله العمل لأخراهم.
стр. 1335
تمايز أهل الجنة وأهل النار
قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] هذه الآية قد تكرر معناها في جملة آيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٤] ، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ، وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ، إلى غير ذلك من الآيات.
следующие страницы →