← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

استحباب جماع الرجل لزوجته يوم الجمعة هل يستحب للشخص أن يجامع زوجته يوم الجمعة وهو متجه إلى الصلاة، أو في نهار الجمعة، أو في ليلة الجمعة؟ ورد حديث فيه: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ثم أتى إلى الجمعة فاستمع وأنصت، ولم يفرق بين اثنين، ثم صلى مع الإمام فإنه لا يخطو خطوة إلا كتب له بها أجر سنة قيامها وصيامها) . أخذ بعض العلماء من قوله: (غسل واغتسل) أي: غسل زوجته - تسبب لها في أن تغتسل وذلك بالإتيان الذي يترتب عليه الجنابة فمن ثم تغتسل، وهو كذلك سيغتسل، فحملوها على هذا المعنى. وهذا الحديث -في الحقيقة- صحيح من حيث سلامة الإسناد، لكن في القلب من متنه شيء، وذلك لأن النصوص الواردة عن رسول الله ﷺ بأسانيد ثابتة صحيحة كالجبال، عمومها يفيد أن الخطوة تحط خطيئة وترفع درجة، وهي في الصحيحين أو في غيرهما، لكن هذا الحديث خارج الصحيحين. وهذا الحديث فيه زيادة وهي: (أن كل خطوة بها يكتب أجر سنة صيامها وقيامها) ، فهذا من ناحية المعنى لا يتفق مع الوارد في الصحيحين بأسانيد أثبت وأصح من هذه الأسانيد أن كل خطوة تحط خطيئة أو ترفع درجة. وقد قال الذهبي في تعليقه على مستدرك الحاكم في شأن هذا الحديث: وهذا الحديث له علة مهدرة يعني: أنه لا يقبل العلة المهدرة التي فيه. وفي الحقيقة أن بعض أهل العلم يقولون: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنهم من يقول: إن من العلماء من جعل من القرائن التي تحكم على الحديث بالضعف الأجر الكبير جداً مقابل العمل اليسير، أو العذاب الشديد جداً مقابل الذنب اليسير، فيجعلون ذلك من القرائن على الحكم على الحديث بالوضع أو بالضعف. ومن ثم فضعف بعض العلماء حديث السوق (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتبت له ألف ألف حسنة، ورفعت له ألف ألف درجة، ومحيت عنه ألف ألف سيئة) إلى آخر الحديث. مع أن الحديث الثابت في صحيح مسلم: (له بكل تهليلة صدقة) فالأحاديث الثابتة (لك بالتهليلة صدقة، وبالتسبيحة صدقة، وبالتحميدة صدقة) بينما ذاك جعل لك ألف ألف حسنة، ومحا عنك ألف ألف سيئة، ورفعت بذلك ألف ألف درجة، بيد أن الحديث في إسناده عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، وهو ضعيف، وهو غير عمرو بن دينار صاحب الصحيحين. فمن العلماء من يجعل الأجر العظيم جداً مقابل العمل اليسير فيه إشارة إلى ضعف الحديث، لكن على كل حال: إسناد الحديث حتى الآن ثابت، وهو إما صحيح أو حسن، ولا ينزل عن الحسن، إلا أن البحث ما زال جارياً عن علة لعدم طمأنينة النفس إلى هذا الحديث، كعدم طمأنينة النفس من قبل إلى حديث: (الربا سبعون باباً أيسرها أن يأتي الرجل أمه) هذا الحديث أصلاً مخالف من ناحية المعنى لثوابت أخر، فإن النبي ﷺ لما ذكر أكبر الكبائر قال (الشرك بالله، ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، ثم أن تزاني حليلة جارك) فجعل الزنا بحليلة الجار مقدم على الربا، ولا شك أن الزنا بالمحرم كالأم أو الأخت أعظم من الزنا بحليلة الجار، إذاً قدم على الربا بعمومه، فكيف تقول: أيسر شعبة في الربا بسبعين زنية بالمحرم؛ الأم أو الأخت؟ فلهذا ضعفه فريق من العلماء من هذا الباب فضلاً عن ما في أسانيده من ضعف، وثم رسالات مؤلفة في هذا الحديث. على كل حال: استحب فريق من أهل العلم الجماع يوم الجمعة؛ لما يجره الجماع من اغتسال، ولما يجره الاغتسال من ثواب سواء للرجل أو للمرأة، والله أعلم. شذ ابن حزم هنا شذوذاً غريباً خالف فيه جماهير العلماء وفحوى شذوذه: أن من جامع زوجته في يوم الجمعة فعليه غسلان، غسل لرفع الجنابة، وغسل آخر للجمعة، وهذا من القول الغريب العجيب إذ لم يرد أن الرسول اغتسل غسلين صلوات الله وسلامه عليه يوم الجمعة، لكن لعله بنى على أنه لا يصلح أن تكون هناك نيتان لعمل واحد، فقال: هذه الجنابة يلزمها غسل بنية، والجمعة يلزمها غسل بنية أخرى، لكن على كل حال هذا قول شاذ ومطرح ومنبوذ.

стр. 1402

الاستدلال بالمفهوم المخالف من أضعف الاستدلالات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] المفهوم المخالف لا يعمل به هنا، يعني: إذا لم ينادى إلى الصلاة ليس معناها لا أسعى إليها، ولهذا قال فريق من أهل العلم: إن الاستدلال بالمفهوم المخالف يكون من أضعف الاستدلالات. ومعنى المفهوم المخالف يتمثل أو يتضح عند قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] ، إن جاءنا عدل بنبأ هل لا نتبين من الأصل، أو يجوز لنا أيضاً أن نتبين؟ فالمفهوم المخالف يقول: إن جاءك عدل بنبأ فلا تتبين، لكنه ضعيف، وليس بصريح في تقرير القاعدة التي جلبت من ورائه. فكذلك هاهنا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة:٩] لا يفيد أنه: إذا لم ينادى إلى الصلاة لا تسعوا، وذلك لأن النبي ﷺ قال: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة) . وبهذا استدل العلماء على التفريق بين البدن والبقر، فقالوا: البدن: الإبل، لكن أحياناً قد يأتي التغليب وتكون البدن أو البدنة تطلق على البقرة: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] ، للعلماء فيها القولان. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] تقدم الكلام على قوله سبحانه: (وذروا البيع) ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩] ، يعني: إن كانت عندكم عقول وكنتم تفهمون أن متاع الدنيا زائل، وأن ما عند الله خير وأبقى، فإن كنتم تعلمون فإقبالكم على الجمعة خير لكم من اللهو ومن التجارة. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠] ، تقدم الكلام على ذلك أيضاً.

стр. 1403

خلاف العلماء في غسل يوم الجمعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] يلحق بنا هنا مبحث سريع في غسل الجمعة وهل هو واجب أو غير واجب؟ يرى جمهور العلماء أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب، ومن العلماء من يرى الوجوب. أما أدلة الجمهور القائلين بالاستحباب: فمنها حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان الناس يأتون من العوالي - عوالي المدينة - مسافات طويلة يمشون، فيعلوهم الغبار فيأتون إلى المسجد ولهم روائح - أي روائح كريهة من العرق والحر الشديد والغبار الذي خالط الأجسام - فقيل لهم: لو اغتسلتم) . وأوردوا أيضاً في الاستدلالات على أنه مستحب وليس بواجب حديثاً آخر: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) وهو حديث ضعيف. وأوردوا حديثاً ثالثاً في بيان الاستحباب وعدم الإيجاب وهو أن النبي ﷺ قال: (من توضأ في بيته ثم أتى إلى المسجد فصلى ما كتب الله له أن يصلي فلا يخطو خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة) ، فمن لفظه ﵊: (من توضأ في بيته) ولم يذكر (ومن اغتسل) . فأصبحت عمدة القائلين بأن الغسل - غسل الجمعة - ليس بواجب ثلاثة أحاديث: حديث أم المؤمنين عائشة وحديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) لكن في إسناده ضعف، وحديث: (من توضأ ثم أتى إلى المسجد فصلى ما كتب الله له أن يصلي ثم استمع وأنصت) الحديث. قالوا: إن فيه (من توضأ) وليس فيه من اغتسل. أما أدلة القائلين بالوجوب فمنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) . والثاني: (حق لله على كل مسلم أن يغسل جسده في كل أسبوع يوماً) . والثالث: حديث ابن عمر: (من أتى إلى الجمعة فليغتسل) . والرابع: أثر عمر لما كان يخطب فدخل أمير المؤمنين عثمان وهو يخطب، فلما رآه عمر دخل متأخراً بعد الأذان - بعد صعود الإمام المنبر - قال له: (أية ساعة هذه؟) أي: لماذا تأخرت حتى إن الملائكة طوت الصحف؟! قال: (والله يا أمير المؤمنين! ما زدت على أن توضأت. قال: (توضأت وقد علمت أن الرسول ﷺ كان يأمر بالغسل) ، فأخذوا من قوله: (أن الرسول كان يأمر بالغسل) على أن الأمر أمر إيجاب إلا إذا صرفه صارف. هذه عمدة القائلين بوجوب غسل الجمعة. وكما أسلفنا فالجمهور على أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب. قد يقول قائل: كيف يسوغ للجمهور أن يقولوا: إنه مستحب، والرسول ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) ؟! فأجاب الجمهور على ذلك: بأن كلمة (واجب) من رسول الله ﷺ لا تعني نفس المدلول الاصطلاحي الذي أصله الفقهاء والأصوليون، فكلمة (واجب) بمعنى (حق) ولا تعني الوجوب الاصطلاحي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه. وثم جملة اصطلاحات للرسول ﷺ ، بل للكتاب العزيز فيها مدلولات وللأصوليين فيها مدلولات أخر. فمثلاً كلمة الكراهية، قال الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] ، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١] ، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٣٤] ، في آخر الآيات: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] ، فالكراهية هنا تدل على التحريم يقيناً، وليس الكراهية الاصطلاحية الموضوعة في مباحث الفقهاء. هذه إجابة الجمهور على الاستدلال بحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) . أما حديث: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) ، أو حديث: (قد علمت أن الرسول كان يأمر بالغسل) فهذا وذاك قد صرفهما صارف، ألا وهو حديث عائشة: (قيل لهم: لو اغتسلتم) أو الحديث الآخر: (من توضأ في بيته ثم أتى إلى المسجد) . فالمسألة هذا حاصلها، وثم أقوال أخر فيها، والله أعلم. الحاصل أن رأي الجمهور على أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب، ومن العلماء من ذهب إلى الوجوب لظواهر الأحاديث التي سمعتموها، وقد علمتم توجيهها. يستحب للساعي إلى الجمعة أن يلبس أحسن الثياب، وذلك أنه: (لما قدمت على الرسول حلل سيراء من عطارد قال عمر يا رسول الله! خذ هذه فتجمل بها للوفود والأعياد والجمع، فردها الرسول لعلة أنها كانت من حرير، وقال: إنما يلبسها من لا خلاق له) فيستحب للجمعة لبس أحسن الثياب، وقد ورد حديث وإن كان فيه مقال: (ما على أحدكم لو اتخذ ثوباً ليوم الجمعة غير ثوب مهنته) . فيستحب للشخص أن يلبس أجمل الثياب، وأن يتطيب بأحسن ما يجد من الطيب، وأن يستاك بالسواك أو ما يقوم مقام السواك في حالة غياب السواك، فهذه سنن حث عليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1404

المراد بالسعي المأمور به إلى صلاة الجمعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، قوله سبحانه: (فاسعوا) قد تقدم الكلام عليه، وكيف يجمع بين قوله سبحانه وبين قول الرسول ﷺ : (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) ؟ ويجاب على هذا الإشكال بأن السعي تتعدد معانيه، فالسعي أحياناً يطلق على المشي، وأحياناً السعي يطلق على العمل، وأحياناً السعي يطلق على الجري: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] ، أي: تجري وتضطرب. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فللسعي معانٍ عدة. فالسعي المنهي عنه في قوله ﵊: (فلا تأتوها وأنتم تسعون) يعني: تسرعون في المشي وتجرون. أما ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] أي: فامضوا واذهبوا إلى ذكر الله. قال فريق من أهل العلم: وهكذا هي في قراءة ابن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) .

стр. 1405

من فوائد الآية عدم ذكر الأشخاص بأسمائهم وتجريحهم في الخطبة قوله سبحانه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] يؤخذ منه أدب يتأدب به الخطيب ويتأدب به المستمعون، فالخطيب الذي يقف على المنبر ويتناول الأشخاص بأسمائهم غير موافق لسنة الرسول ﷺ ومخالف للشرع من وجوه: أولاً: أن الله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ولم يقل: اسعوا إلى ذكر فلان وفلان، وكذلك ينسحب هذا على الإطراء الزائد على المنابر، إذا وقف شخص وجلس يمدح على المنابر أشخاصاً بأسمائهم في يوم الجمعة هذا أيضاً مخالف؛ لأننا ما أمرنا أن نذهب للاستماع إلى سباب فلان وفلان، أو إلى الثناء على فلان وفلان، فإن فعل فيكون عارضاً على حسب الحاجة إليه، ولا يكون أصلاً، إن الله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] فالغالب في الجمع أن يكون فيها ذكر الله ، وذكر جنته وناره. ثانياً: أن النبي ﷺ ما ذكر شخصاً باسمه على المنبر في يوم الجمعة أياً كان هذا الشخص، فما ذكر شخصاً من الذين عاصروه من الكفار أو أهل النفاق باسمه، فأشد الناس نفاقاً وأعظمهم وهو عبد الله بن أبي ابن سلول، لما فعل فعلته القبيحة وقذف أم المؤمنين عائشة ﵂، عمل أمراً مؤلماً وموجعاً غاية الإيجاع والإيلام، إلا أن الرسول ما صعد المنبر وذكر يوماً واحداً أو مرة واحدة اسم عبد الله بن أبي ابن سلول، حتى إنه لما قام على المنبر في حديث الإفك قال: (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً؟!) حتى إن الصحابة الذين كانوا يحضرون المجلس في مسجد الرسول ما عرفه إلا بعضهم، حتى قام سعد بن معاذ وقال: (يا رسول الله! أخبرنا من هو إن كان منا -أي: من الأوس- قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فقتلناه؛ فقام سعد بن عبادة يدافع. الشاهد: أن الصحابة منهم من لم يكن يعرف من هو هذا الرجل، مع أنه رئيس المنافقين، ومع أنه ارتكب فرية بقذف محصنة غافلة مؤمنة عللاوة على أنها زوجة نبي ﷺ . ثالثاً: أن النبي ما ذكر شخصاً باسمه على المنبر أياً كان هذا الشخص، وعلى هذا فأخونا الذي يقف على المنبر ذاكراً مساوئ أحد الناس يكون قد خالف الشرع، وهذا القول مني على إطلاقه وليس حباً في وزير، أو دفاعاً عن رئيس أو وزير فكل منهم له شأن ولنا شأن. أقول: الذي يقف على المنبر ويقول في خطب الجمعة -وكان هذا متفشٍ في بعض الأزمنة-: فلانة زوجة فلان فعلت كذا وكذا وصورتها في كذا وكذا كل هذا من العبث والمخالفة للشرع التي يجهلها الخطيب ويظن أنه يحسن صنعاً وهو مسيء غاية الإساءة، بتشويشه على أفكار الناس. ثم إن الله قال في كتابه الكريم: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٨] وقد تقدم أن كثرة الحديث على المفاسد والمعاصي على المنابر تسبب للناس فقدان حساسية تجاه هذه المعاصي والكبائر. تقدم أن بعض المفسرين ذكر عند قول الله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] قال: كنت ببلدة صغيرة لا يعرف أهلها الخمر، وكنا إذا سمعنا أن شخصاً أتى من الخارج مثلاً وشرب خمراً في البلدة، فكل البلدة بالإجماع تقاطعه، إذا تقدم يتزوج امتنعنا عن تزويجه، وإذا تقدم ليصلي لا نصلي وراءه، فلما ذهبت إلى بعض البلدان وجدت الخمر تباع في الطرقات، والسكارى يمشون في الشوارع، عندها قلَّت كراهيتي لشارب الخمر يوماً بعد يوم بعد يوم إلى أن تلاشت كراهيتي لشارب الخمر. فكثرة الحديث في مسألة تهونها على السامعين، فمثلاً قد تستبشع إذا سمعت أن شخصاً ما زنى، ثم بتكرار الكلام في مسائل الزنا والعياذ بالله، فلان زنى فلانة زنت أصبح الأمر عندك سهلاً، فتأتي تريد أن تسمع خبراً أبشع من الزنا، فيلفت نظرك خبر آخر أن رجلاً زنى بامرأة من محارمه فتستبشع الخبر، فيضربون على هذا الوتر مرات ومرات حتى يسهل عندك الأمر، ثم يقولون: فلان زنى بامرأة واغتصبها في الطريق فتستبشع ذلك، ولهذا عيبت الصحف وانتقدت جرائد الحوادث وصفحات الحوادث التي تروج للرذيلة من حيث لا تشعر، وتنشر الفساد في الأرض من حيث لا تشعر، والرسول يقول: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) . فتسمية الأشخاص على المنابر أمر غير محمود وغير مشروع، ونحن نحاجج من يريد أن يحاجج بأن يأتينا بأثر واحد عن رسول الله أنه سمى شخصاً واحداً على المنبر في يوم الجمعة في رواية ثابتة عنه ﷺ . فالفقه في الدين واتباع سنة الرسول ﷺ مطلب شرعي، فقد تصعد على المنبر وترتكب المخالفة، وتسب مثلاً وزير الداخلية باسمه، وبعد أن تسب وزير الداخلية تعتقل، وفي الحقيقة أنك اعتقلت أصلاً -أو أيضاً- لمخالفتك للشرع، لأنك ما وافقت سنة الرسول ﵊، ولا اتبعت سنته في الهدي، وفي التصحيح والتقويم. إذا كان هناك أمر ما مخالف للشرع فنبه على هذا الأمر المخالف للشرع لا تُمنع من ذلك أبداً، بل لزاماً عليك أن تنبه، لكن لا يلزمك أبداً ولا يتعين عليك أن تسمي الشخص باسمه، وهدي رسولنا ﷺ أكمل هدي. ثم لعل هذا الذي قذفته يتوب، فيجد بينه وبين التوبة حائلاً وهو شريطك المنتشر في العالم كله والذي تفضحه فيه وتشهر به، قد تسب شخصاً على المنبر الآن وتلعن فيه، وتسب راقصة وتلعن فيها، والله يتوب على من تاب، فالغالب أنها تتوب، فكيف تصنع أنت بشريطك الذي شهرت بها فيه وشرحتها فيه تشريحاً؟! فتكون حينئذ سلكت سبيل الذين يصدون عن سبيل الله، وينشرون للمرأة التائبة أو للممثلة التائبة أشرطتها كي يصدونها عن سبيل الله بهذه الأشرطة الفاضحة التي أخذوها عليها، فسنة الرسول ﵊ فيها خير هدي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] وهذا المنع يشمل باب الذم وباب الإطراء، فلا تقف على المنبر تسبح بحمد الأشخاص، وتثني على الأشخاص، فالرسول ﷺ يقول: (احثوا في وجوه المداحين التراب) ، وقد ورد في أثر صححه البعض وضعفه آخرون: (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما) ، فلا تسرف في الحب ولا في البغض، فالاقتصاد مطلب شرعي علمنا إياه رسولنا محمد ﷺ ، فإن المغالاة في الحب تحملك على الدفاع عن المحبوب ولو بالباطل، والمغالاة في البغض تحملك على هضم الحق وإماتته الحق والعياذ بالله. ولكن انظر إلى اتزان الرسول ﷺ والرزانة والوقار، يحب ابنته فاطمة حباً جماً ﵊، وكلما دخلت عليه قبلها وأجلسها، وكلما ذهب إليها قامت إليه فقبلته وأجلسته، لكنها محبة منضبطة بالشرع يقول: (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة سرقت لقطع محمد يدها) . يحب أسامة بن زيد غاية المحبة، يعثر أسامة فيجرح أنفه على عتبة الباب، ويذهب الرسول يمص دم أسامة بفيه، ومع ذلك يقول لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟!) . فالشاهد: لا تبالغ في الطعون ولا تبالغ في الثناءات، فالقصد القصد كما حث رسولنا محمد ﷺ .

стр. 1406

هل خطاب الذكور يشمل الذكور والإناث ؟ قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (يا) دائماً تكون حرف نداء، و (أي) منادى، والهاء للتنبيه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] هنا يثار مبحث فقهي أصولي، فحواه: هل خطاب الذكور يشمل الذكور والإناث، أم أن خطاب الذكور للذكور، ويلزم أن يكون هناك خطاب آخر للإناث؟ أي آية فيها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هل يدخل فيها الرجال والنساء أم هي خاصة بالرجال، ويلزم أن يكون هناك خطاب آخر يتعلق بالنساء؟ هذه قاعدة أصولية تنبني عليها جملة من الأحكام الفقهية. من الأحكام التي تترتب على هذه القاعدة: مسألة المجامع في رمضان، أي: الرجل الذي جامع امرأته في رمضان، فقد أمره النبي ﷺ أن يصوم شهرين متتابعين، فلما لم يستطع أمره أن يطعم ستين مسكيناً. الشاهد: هل المرأة هي الأخرى تؤمر بصيام شهرين متتابعين؟ أو هل المرأة هي الأخرى تؤمر بإطعام ستين مسكيناً؟ فإذا قلنا: إن خطاب الذكور للذكور والإناث فسيكون مقتضى أمر النبي ﷺ للرجل بصيام شهرين متتابعين أن المرأة هي الأخرى تصوم شهرين متتابعين، وإذا قلنا: إن الرجل يطعم ستين مسكيناً في حالة عدم استطاعته الصيام فالمرأة هي الأخرى تطعم ستين مسكيناً. وهي مسألة طويلة جداً طال فيها النزاع بين العلماء، وكان من أسباب طول النزاع الوارد فيها اختلافهم في أصل المسألة: هل خطاب الذكور للذكور والإناث، أم خطاب الذكور للذكور وخطاب الإناث للإناث؟ فالذين قالوا: إن خطاب الذكور يشمل الذكور والإناث استدلوا بأدلة منها: أن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] فكُتب على الجميع. وأن الله قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢] ولم يقل: وكانت من القانتات. وكذلك قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٩] ولم يقل: كنت من الخاطئات. فدخلت امرأة العزيز في الخاطئين، ودخلت مريم مع القانتين، فهذا بعض مستندات القائلين: إن خطاب الذكور للذكور والإناث. وأما الذين قالوا: إن خطاب الذكور للذكور وخطاب الإناث للإناث فاستدلوا بأدلة منها: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] . وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآية. فلو كانت المسلمات داخلات في المسلمين لابتدئ بذكر: إن المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين إلى آخر الآية، فهذه بعض استدلالات القائلين بأن خطاب الذكور للذكور فقط، وخطاب الإناث للإناث فقط. وأجاب أصحاب القول الأول على هذه الاستدلالات بقولهم: إن قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] ، من باب عطف الخاص على العام، والخاص يعطف على العام لبيان أهميته، فعطفت النساء على العام الذي هو القوم لكون السخرية في النساء أكثر منهن في الرجال، كأن تقول: جاء القوم وزيد، وزيد في الأصل جاء مع القوم، لكنك خصصت زيداً بالذكر لأهمية مجيء زيد مع القوم. وأحسن من ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] ، فمحمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم من النبيين، لكن نص عليهم أو خصوا بالذكر؛ لأنهم من أولو العزم من الرسل. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣] ، هذا من باب عطف الخاص أيضاً على العام. وكذلك قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] ، والنخل والرمان داخلان في الفاكهة، فكانت هذه إجابة فريق من العلماء على استدلال المستدل بقوله تعالى: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١] ، أنه من باب عطف العام على الخاص لكثرة السخرية في الإناث. أما إجابتهم على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ، قالوا: هذه الآية نزلت لأن النساء قلن للنبي ﷺ : (ما بال الرجال يذكرون يا رسول الله! ولا نذكر؟ فنزل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] الآية إلى آخرها) . وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩] ، إذا سلمنا أن خطاب الذكور يشمل الذكور والإناث ورد إشكال شهود النساء للجمعة، لكن قد انعقد الإجماع هنا أن هذا الخطاب لا تدخل فيه النساء. وقد نقل ابن قدامة والخطابي والنووي وغير واحد الإجماع على أن النساء لا يدخلن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، فالتحرير في مسألة خطاب الذكور هل هو للذكور والإناث أو هو للذكور فقط، ينبني على أن لكل خطاب ملابساته المحيطة به وقرائنه المحتفة به، وهي التي تستصدر الحكم الخاص في لكل قضية بعينها، يعني: فكل مسألة وجزئية ملابساتها الخاصة التي تستوجب قولاً من الأقوال. فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:٩] ، بالإجماع لا يدخل فيه النساء، فلا تجب الجمعة على النساء بالاتفاق. وإذا شهدت المرأة الجمعة أجزأت عنها أيضاً بالاتفاق، فلا تؤمر بإعادة صلاة الظهر. إن قال قائل: هل صح حديث في أن المرأة يعفى عنها أو لا تؤمر بحضور الجمعة؟ فالإجابة: قد وردت جملة أحاديث فيها أن الجمعة لا تجب على المرأة ولا على الصبي ولا على العبد. إلخ، لكن يثبت من هذه الأحاديث حديث واحد. وقال فريق من أهل العلم: إن نقل الإجماع كافٍ عن الأحاديث الضعيفة في هذا الباب. وقد قال رسول الله ﷺ : (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد) وهذا عام تدخل فيه الجمعة كما تدخل فيه غيرها من الصلوات.

стр. 1407

تفسير قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ .) ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:١٠] فيه حث على الاكتساب، وعلى الضرب في الأرض للبحث عن الرزق وقد تقدم الكلام على ذلك. وكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأكلون من عمل أيديهم، قال النبي ﷺ : (وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) ، وقال الرسول ﷺ (ما بعث الله من نبي إلا وقد رعى الغنم) كان داود ﷺ حداداً يعمل سابغات ويقدر في السرد، وكان زكريا ﷺ نجاراً كما قال الرسول ﷺ ، وكان عيسى ﵊ طبيباً بإذن الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الأعمال، فكلهم كانوا يمتهنون، والسلف الصالح كانوا يعملون نظام الحمالة في الأسواق، فـ أبو مسعود عقبة بن عمرو البدري يقول: (لما نزلت آية الصدقة كنا نذهب إلى الأسواق نحامل على ظهورنا، فنأتي بالمال ونتصدق به) ، وكان سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى تاجراً يتاجر في الزيت، كلهم كان يمتهن مهنة ويأكل من عمل أيديهم من الحلال. وكان بعضهم له أرض يكريها ويؤجرها كـ رافع بن خديج، وكانت لهم مهن متعددة، وليس في شيء من ذلك عيب، إنما العيب مد اليد للناس: (فاليد العليا خير من اليد السفلى) كما قال الرسول ﷺ ، والعيب امتهان مهنة حرام، ككتابة الربا وأكل الربا، فإن النبي ﷺ : (لعن آكل الربا، وكاتبه، وموكله، وشاهديه) ، لعن المصور ﷺ ، ونهى عن التجارة في أشياء بعينها كالتجارة بالأصنام، ونهى عن التجارة بالكلاب، وحرم ثمن الكلب، وثمن الدم ﷺ .

стр. 1408

مشروعية القيام للخطيب حال خطبة الجمعة قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] ، استدل العلماء بهذا على أن الخطيب يشرع له أن يقف في الخطبة، ولا يخطب جالساً، فإن السنة في خطبة الجمعة أن يخطب الخطيب قائماً، هكذا قال الجماهير من العلماء. ومنهم من أجاز له الجلوس لعلة، كأن يكون به مرض أو نحو ذلك؛ وذلك لأن النبي ﵊ رخص لمن هو أشد من الخطيب تلبساً بالعبادة وهو المصلي أن يصلي جالساً إذا لم يستطع الصلاة قائماً، لكن لا يتجه إلى الصلاة جالساً إلا لعذر عدم القيام، فأخذ العلماء من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] مشروعية قيام الخطيب وهو يخطب خطبة الجمعة.

стр. 1409

صلاة الجمعة تنعقد بما تنعقد به صلاة الجماعة هنا مسألة فقهية استنبطها العلماء من سبب نزول الآية ومن قصة النزول: وهي بم تنعقد الجمعة؟ قال بعض العلماء: إن الجمعة لا تنعقد إلا باثني عشر رجلاً؛ لأن الرسول ما ثبت معه إلا اثنا عشر رجلاً، وهذا القول في الحقيقة قول غير جيد؛ لأنه هب أنه لم يبق مع الرسول إلا ثلاثة، هل معنى ذلك أن الجمعة لا تنعقد إلا بالثلاثة أو أن الرسول كان يترك صلاة الجمعة؟ فهذا محل نظر. نفس هذا النظر يرد في الأيام التي تقصر فيها الصلاة، فبعض العلماء يقول: إن الرسول ﷺ سافر تسعة عشر يوماً يقصر فيها الصلاة، فإذا سافرنا تسعة عشر يوماً قصرنا، وإذا زدنا أتممنا، فنفس الإجابة ترد عليه، وما أدراك أن الرسول كان إذا زاد سيتم؟ من الذي أعلمك أن الرسول لو كان زاد وسافر خمسين يوماً كان سيتم؟ فالتحديد بتسعة عشر يوماً في الأيام التي تقصر فيها الصلاة أو باثني عشر رجلاً لانعقاد الجمعة محل نظر؛ إذ هو ليس بنص عن رسول الله، وليس بصريح حتى عن رسول الله ﵊. والذي رآه كثير من أهل العلم أن الجمعة تنعقد بما تنعقد به الجماعة، والله أعلم. ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] أي: قائماً تخطب. ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:١١] . وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1410

سبب نزول قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا .) ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١١] أي: انصرفوا إليها. نزلت هذه الآية -كما في الصحيحين وغيرهما- بسبب أن النبي ﷺ كان يخطب وأصحابه معه في المسجد، وكانوا في حال من القلة -قلة المال والطعام- فسمعوا بعيرٍ قد قدمت من الشام، ومن العلماء من ذكر أن الذي كان قادماً بالعير هو عبد الله بن سلام، ومنهم من قال أقوالاً أخر. والعير لها جلبة وهي آتية أصوات وصبيان ينادون: التجارة وصلت والبضاعة جاءت إلى آخر هذه الضجة التي تصاحب التجار، وإلى غير ذلك من الصخب الذي هو معهود من أهل الأسواق، فخرج المصلون من عند رسول الله وتركوا الخطبة، وذهبوا إلى التجارة، وبقي مع رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلاً، فهذا يفيدك إفادة أن الصحابة ﵃ بشر، يجري عليهم ما يجري على البشر، فإذا كان الصحابة ﵃ بشر، فالملتحون أيضاً بشر، والسنيون أيضاً بشر، إذا كان الصحابة ﵃ صدر من بعضهم أشياء فأولى ثم أولى أن تصدر من السنيين، فلا تستغرب إذا قيل: إن هناك سنياً سارقاً، وردت أشياء مثل ذلك على عهد الرسول ﷺ : قطعت يد المخزومية رجل من الصحابة ﵃ أقسم يميناً كاذبة امرأة على عهد الرسول اتهمها زوجها بالزنا وتلاعنا عند الرسول ﵊، وكل أقسم أربعة أيمان، والنبي ﷺ يقف يذكر بالله، والمذكر هو رسول الله! سيد ولد آدم! والزوج وزوجته معاً أمام رسول الله وأمام المسلمين، والرسول يقول لهما: (الله يعلم أن أحدكما كاذب) ، مؤكد يقيناً أن أحدهما كاذب، (الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟) ، ولم يتنبها لهذه المسألة، وأقسما، فإذا كان هذا هو شأن خير القرون، إذاً نحن من باب أولى لسنا بمعصومين، ولذلك إذا قال ربنا سبحانه في شأن أهل الإيمان: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر:٣٥] ، فدليل على أنهم عملوا أعمالاً سيئة، ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح:٥] وهذا واضح. فالشاهد: عند مناقشتك للأشياء أو عند إصلاحك بين الناس لا تجعل للحية مرتبة لا تنخرم، لا بل هم بشر، والمسلمون كلهم بشر يجري عليهم ما يجري على البشر. أصحاب رسول الله رأوا تجارة أو لهواً وانفضوا إليها وتركوا الرسول يخطب، لا أظن أن هناك من هو أحسن خطبة من رسول الله أبداً بحال من الأحوال ﵊، كلهم خرجوا، وما بقي إلا اثنا عشر رجلاً مع رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١] ، قال ﵊ في بعض الروايات: (لو انفضوا جميعاً لسال بهم الوادي ناراً) .

стр. 1411

الدين شامل لجميع مناحي الحياة ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] وهذا فيه إشارة يشير إليها العلماء وهي: أن العبادات إذا انتهت لا تظن أنك ابتعدت عن ربك سبحانه، فلست مع الرب في الصلاة فقط كما يقول أهل الكفر وغيرهم الذين يرون أن الصلاة في المساجد فقط، وخارج المساجد لا دخل للدين بالحياة، ولا دخل للدين بالسياسة، بل ربنا يقول: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] أي: فليكن ذكر الله منك على بال في عملك وفي طرقك. وهكذا أيضاً قيل في الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] ، إذا قضيتم المناسك وانتهيتم من أعمال الحج لا تظنوا أن الرب غاب عنكم، أو أنكم غبتم عنه وابتعدتم عن الرب، بل: ﴿إِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] . كذلك بعد الانتهاء من الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥] . كذلك دبر الصلوات، وبعد أن تنتهي من الصلاة، ويبوب العلماء لذلك: باب الذكر بعد الصلاة، وقد قال ابن عباس: (كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير) ، وفي رواية أخرى: (إن رفع الصوت بالتكبير عند الانتهاء من المكتوبة كان على عهد رسول الله ﷺ . فكلما انتهيت من عبادة بعد أن تلبست بها لا تظن أنك فارقت الذكر، بل حث ربنا على الذكر في كل المواطن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] تبدأ عملك باسم الله، أنت الشافي يا رب! أنت المعين يا رب! تدعو الله ، تجعل ذكر الله دائماً لك على بال، لا تفارق الذكر، فإنك مهما كنت معتصماً بالذكر فشيطانك مهزوم، وتعلوه سياط التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، أما إذا غفلت نشط عليك الشيطان وتمكّن منك، فقد وصفه الله بالخناس في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:١-٤] يخنس: أي: يختفي عند ذكر الله . ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] فأفادت الآية أن ذكر الله كثيراً يجلب لك الفلاح، والفلاح: هو الفوز بالمطلوب والفرار من المرهوب. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١٠-١١] لِم لم يقل: وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليهما؟ فالإجابة على هذا كالإجابة على قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] ولم يقل: وإنهما. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء:١١٢] ولم يقل: ثم يرم بهما بريئاً. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦٢] ولم يقل: والله ورسوله أحق أن يرضوهما. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا﴾ [التوبة:٣٤] ولم يقل: ولا ينفقونهما، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون:٥٠] ولم يقل: آيتين، إلى غير ذلك. فقال العلماء: اجتزئ بأحدهما لدلالته على الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] أي: وتقيكم أيضاً البرد، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل:٨١] فالسرابيل تقي الحر كما أنها تقي أيضاً من البرد، فحذف البرد لدلالة الحر عليه، وكذلك تقدم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] أي: ونساء كثيراً، حذفت كثيراً لدلالة السياق عليها، والله أعلم.

стр. 1412

الأسئلة

стр. 1413

حكم شق المرأة ثيابها حال الغضب السؤال عجوز شقت ثوبها في حالة الغضب فماذا تفعل؟ الجواب تستغفر الله وتفعل حسنات تضاهي شق الثياب، فشق الثياب كبيرة، قال النبي ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب) والمراد بالجيوب فتحة الصدر في الثوب، فعليها أن تعمل عملاً صالحاً يوازي هذه الكبيرة، فتتصدق مثلاً لو هي ثرية فتخرج مائة جنيه، أو تصلي عدداً كبيراً من الركعات، أو تصوم أياماً تكفر به هذا الذنب الكبير.

стр. 1414

حكم من جامع في نهار رمضان ولم يجد كفارة السؤال جامع رجل في نهار رمضان مرتين مكرهاً لزوجته، علماً بأنه يعمل في البناء وعمله شاق وهو فقير جداً، لكن هناك من أهل الخير من يتطوع بإخراج الكفارة عنه، هل يقوم أهل الخير بإخراجها أم من وقعت عليه الكفارة يخرجها بنفسه؟ الجواب هو أصلاً يخاطب بالصيام، إذا لم يستطع الصيام يكفر، ثم إذا ما استطاع أن يكفر يكفر عنه غيره وانتهى الأمر.

стр. 1415

حال حديث: (إذا حليتم المصاحف .) السؤال حديث: (إذا حليتم المصاحف وزينتم المساجد، دمرتم دنياكم) . الجواب ضعيف.

стр. 1416

حال حديث: (لو أن أمتك سلكت إليَّ كل طريق .) السؤال حديث قدسي: (لو أن أمتك سلكت إلي كل طريق، واستفتحت علي كل باب، ما فتحت لها إلا أن يأتوا خلفك) . الجواب ضعيف.

стр. 1417

حكم نزع الشخص من الصف والوقوف مكانه في الصلاة السؤال ما حكم نزع الشخص من الصف والوقوف مكانه؟ الجواب نزع الشخص من الصف والوقوف مكانه، أو نزع الشخص من الصف للوقوف معه أجازه بعض العلماء لحديث أبي بن كعب في سنن النسائي بسند صحيح من حديث قيس بن عباد قال: (كنت أصلي في الصف الأول، فجاء رجل فجذبني من الصف ووقف مكاني -يعني قيس واقف في الصف الأول وجاء شخص سحبه ووقف مكانه - فلما انقضت الصلاة التفت إليه مغضبا، فإذا هو أبي بن كعب، فقال له أبي: يا بن أخي! لا يسوءك إنه عهد النبي الأمي إلينا أن نليه في الصلاة) ، فـ أبي جذبه من الصف وهو له منزلة، يعني: سيد القراء، إذا كان الله سبحانه أمر النبي ﷺ أن يقرأ سورة البينة على أبي بن كعب! حتى إن أبياً سأل الرسول: (أسماني لك يا رسول الله؟! -يعني: قال لك فعلاً اقرأ عليَّ بالاسم- قال: نعم سماك لي، فبكى أبي) . الشاهد: أن أبياً جذب الشخص ووقف مكانه، فهذا دليل مستند يدل على الجواز.

стр. 1418

حكم المرأة إذا امتنعت عن الجماع لمرض السؤال امرأة تعتذر لزوجها عن الجماع نتيجة مرض بجسدها أو تعبها الشديد من العمل في المنزل، فهل تعاقب عليه بلعنة الملائكة؟ الجواب الأصل أنها لا تمتنع، فإذا جاء شيء فوق طاقتها فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إذا كانت لا تطيق فحينئذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وتكون معذورة.

стр. 1419

استحباب طلب الدعاء من الصالحين السؤال ما حكم طلب الدعاء من الصالحين؟ الجواب طلب الدعاء من الصالحين مستحب خلافاً لمن كرهه، أما الدليل على استحبابه فقول عمر (استغفر لي يا أويس!) ، وكذلك ورد في حديث فيه ضعف: (يا أخي! أشركنا في دعائك) قاله الرسول لـ عمر، لكن في إسناده ضعف، ثم قول أم الدرداء لرجل مسافر: (ادع لنا فإني سمعت الرسول يقول: (دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجاب، عند رأسه ملك موكل يقول: آمين ولك بمثل) .

стр. 1420

استحباب التسمي بالأسماء الحسنة السؤال هل اسم محمد من الأسماء الواجب تسميتها في كل أسرة؟ الجواب أما الوجوب فلا يجب، لكن الاستحباب أن يسمى بهذه الأسماء المباركة: عبد الله، وعبد الرحمن، وإبراهيم، ومحمد، وأحمد، يعني: يكون في البيت اسم من هذه الأسماء الطيبة.

стр. 1421

حكم فتاة تترك الصلاة وعمرها ستة عشر سنة السؤال فتاة عمرها ستة عشر سنة لا تستطيع أن تداوم على الصلاة، وهي شديدة الكذب، مع العلم أنها حجت ثلاث مرات؟ الجواب لابد أن تداومي على الصلاة، وتسألي الله العون على الصلاة، وتقولي: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتختلطي بالصالحات اللاتي يذكرنك بالله ، وفي الكذب تتذكري قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ، وقول الرسول ﷺ : (وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) .

стр. 1422

حكم من طاف طواف الوداع ثم مكث يشتري شيئاً مما يحتاجه السؤال امرأة أدت مناسك الحج كاملة، ثم طافت طواف الوداع، وقبل الرحيل احتاجت جوارب لتلبسها، فذهبت تشتري واحداً لستر قدميها من الحمامات الموجودة أسفل الحرم، فأعجبها السعر فاشترت ثلاثاً، وبعد ذلك حاولت إعادة طواف الوداع فلم تتمكن من الزحام وضيق الوقت فهل عليها شيء؟ الجواب ليس عليها أي شيء، لأنها ما أطالت المكث بعد الوداع، فالعلماء يرخصون في ساعة وساعتين وثلاث ساعات، إذا كنت في طريقك خارجاً من مكة، وعلى ذلك فليس عليها أي شيء.

стр. 1423

حكم استعمال العطور التي تحتوي على الكحول السؤال هل العطور التي بها كحوليات تنقض الوضوء؟ الجواب لا تنقض الوضوء. وهل هي محرمة الاستعمال في التطيب كحرمتها في الشرب؟ هي عندنا مكروهة لا تصل إلى التحريم؛ لأن إجراءها مجرى الخمر قولاً واحداً لا نطيقه ولا نتحمله.

стр. 1424

جواز الجمع بين نية السنة ونية تحية المسجد السؤال هل يجوز عند دخول المسجد لصلاة الفرض صلاة ركعتين بنية تحية المسجد وسنة الفرض؟ الجواب نعم يجوز، صل سنة الظهر تسقط عنك تحية المسجد، فإن الرسول ما قال: صلوا ركعتين تحية المسجد، وإنما قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) ، فكانت الركعتان سنة الوضوء، وسنة الظهر، أي ركعتين.

стр. 1425

حكم أخذ العوض الناتج عن التفريط السؤال كثيراً ما نسمع مقولة: أنا لا أقبل العوض، فنرجو معرفة هل التعويض، عن إتلاف آلة معينة أو ضرر حصل بالسيارة نتيجة حادث أو شخص استعار شيئاً وأتلفه حرام أو مكروه؟ الجواب العوض ليس بحرام ولا بمكروه، فالديات شرعها الله سبحانه، وسنها رسول الله ﷺ ، الديات قال الله سبحانه: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] ، صحيح أن الأفضل الترك: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:٤٥] ، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء:٩٢] ، لكن إذا قبلت تعويضاً من شخص أخطأ في مالك، مثلاً: لو كنت تمشي بسيارتك في طريقك مستقيماً وجاء شخص مخالف بسيارة، فسبب لك فساداً، ليس هناك أدنى حرج أن تأخذ منه قيمة التلف الذي حدث، إذا كنت أنت لا تقبل العوض أنت حر، لكن هي جائزة لا إشكال فيها، صحيح أن تركها أفضل وأكمل، لكن هي ليست بمكروهة.

стр. 1426

الغناء المباح والمحرم السؤال ورد في بعض فتاوى المفتين الاستشهاد بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة:١١] على أن الغناء مباح، بناء على أن الناس كانوا يستقبلون القوافل في المدينة بالغناء وهو اللهو فما حكم ذلك؟ الجواب مسألة الغناء فيها تفصيل لابد منه، فليس كل غناء محرم، وليس كل غناء مباح. فلا يشك عاقل أن الغناء الذي يهيج على الفواحش ويثير الكامن محرم؛ لأنه من الفساد والله لا يحب الفساد. والغناء الذي في الأفراح، والذي ليس فيه مخالفات للشرع حث عليه رسول الله ﷺ فقال (ماذا كان معكم من اللهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو) .

стр. 1427

حكم صلاة المرأة الحامل جالسة السؤال ما حكم الصلاة جالساً إذا كانت المرأة حاملاً ولا تقدر على الوقوف، أو كان بها مرض في الساقين مثل الروماتيزم أو خلافه، وهل تأخذ نصف الثواب؟ الجواب تأخذ الثواب كاملاً إذا كانت لا تستطيع القيام، لحديث النبي ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) .

стр. 1428

حكم أكل الكوارع السؤال ما حكم أكل الكوارع؟ الجواب الكوارع حلال، قال رسول الله ﷺ : (لو دعيت إلى كراع لقبلت، ولو أهدي إلي ذراع لأكلت) وقال: (لا تحقرن جارة جارتها ولو فرسن شاة) والفرسن يطلق على الحافر عند بعض العلماء.

стр. 1429

باب التوبة مفتوح السؤال ما الحكم في المداومة على نفس المعصية؟ بمعنى أنه يفعل الذنب ثم يتوب منه ويعود إليه؟ الجواب كلما أذنبت فارجع، قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما: (أذنب عبد ذنباً فقال يا رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي، قال الله سبحانه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: يا رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله سبحانه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثلاثاً وفي الآخرة قال: فليعمل عبدي ما شاء) أي: ليس معناه إباحة المعصية كما قدمنا، ولكن إذا أذنبت فاستغفر.

стр. 1430

حكم من طلق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد وهي حائض السؤال ما حكم رجل طلق زوجته ثلاث تطليقات في جلسة واحدة وهي حائض؟ الجواب حائض أو ليست بحائض فالطلقة واقعة، وهذا رأي الجماهير من العلماء، ورأي الأئمة الأربعة، صحيح أن الذي يطلق امرأته في أثناء حيضتها مخالف للسنة، لكن مع مخالفته الطلقة أيضاً واقعة، فمخالف السنة لا يكرم ويقال له: طلقتك ليست واقعة، بل يقال له: طلقتك واقعة، وإذا طلقتها عند الطهر واقعة أيضاً لرأي الجمهور؛ لأن ابن عمر قال: (حسبت علي تطليقة) ، هذه واحدة. والثانية: أن الرسول ﷺ قال: (مروه فليراجعها) ولا مراجعة إلا بعد وقوع، وقد قدمنا الكلام على هذا باستفاضة، ولكن أكرر التنبيه على الوهم الذي وهم فيه العلامة ابن القيم ﵀ تبعاً لـ أبي محمد بن حزم رحمه الله تعالى، فهو وهم نشأ عن اختصار مخل أفسد الاختصار. مما استدل به القائلون بأن طلاق المرأة في حيضتها لا يقع: ما ورد عن ابن عمر أنه سئل عن طلاق المرأة وهي حائض أيعتد بتلك؟ فقال: (لا يعتد بتلك) هكذا روي الأثر مختصراً عند ابن حزم بهذا اللفظ: (لم يعتد بتلك) ، والأثر لما وقفنا عليه مطولاً عند ابن أبي شيبة وغيره، وفيه: (سئل ابن عمر عن رجل طلق امرأته وهي حائض أيعتد بتلك الحيضة؟) يعني: يعتد بتلك الحيضة كقرء من الأقراء وتحسب كما في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] فهو سأل: هل يعتد بتلك الحيضة من زمن التطليقات أم لا؟ فقال: (لا يعتد بتلك) ، أي: لا يعتد بالحيضة التي طلقت فيها المرأة، وهذا إشكال! لما اختصر المتن، وقع ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في هذا الوهم؛ لأنه قد شنع بهذه الرواية تشنيعاً غير مقبول؛ لما سمعتموه من أن دلالة السياق المختصرة أخلت بالمعنى إخلالاً كبيراً. فنقول للرجل: أشهد شاهدي عدل أنك طلقت زوجتك مرة وراجعتها.

стр. 1431

ضابط السفر الذي تقصر به الصلاة السؤال أسافر مسافة خمسة عشر كيلو وأعود في نفس اليوم هل أقصر الصلاة، لأنه يطلق عليه سفر؟ الجواب على رأي فريق من أهل العلم أنك تقصر الصلاة إذا كان مرد السفر إلى العرف، فكل ما يسمى سفر عند فريق من أهل العلم تقصر فيه الصلاة.

стр. 1432

حال حديث: (عليكم بمزاحمة الأقدار) السؤال ما حكم هذا الحديث: (عليكم بمزاحمة الأقدار فإن أرزاق أمتي في الأسواق) ؟ ما أعرف عنه شيئاً، ولم أسمع عنه إلا الآن.

стр. 1433

تفسير سورة المنافقون سورة المنافقون من السور المدنية التي نزلت على رسول الله ﷺ بالمدينة، والنفاق لم يكن موجوداً بمكة وإنما نشأ في المدينة حينما قويت شوكة المسلمين فيها. وأهل النفاق يهتمون اهتماماً بالغاً بالمظهر دون المخبر، فهم ذوو أجسام حسنة وهيئات بهية، ولكنهم كالخشب المسندة التي لا فائدة منها، وأما أهل الإيمان فهم حريصون غاية الحرص على القلب والعمل الصالح، وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة جملة من صفاتهم وأخلاقهم وما فعلوه مع النبي ﷺ ، حتى نحذر منهم ومن أن نكون مثلهم.

стр. 1434

أقسام النفاق باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فسورة المنافقين من السور المدنية التي نزلت على رسول الله ﷺ بالمدينة، والنفاق لم يكن موجوداً بمكة، إنما نشأ النفاق بالمدينة لما قويت شوكة المسلمين فيها، والنفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق اعتقاد، ونفاق عمل. ونفاق الاعتقاد: هو الذي يخلد صاحبه في النار، وهو الذي ورد فيه قول الله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥] . أما نفاق العمل: فهو مثل الوارد في حديث النبي ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) ، وكالوارد في حديث النبي ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً) إلى آخر الحديث. فنفاق العمل يلحق بالمعاصي والآثام، ولا يخلد صاحبه في النار؛ وذلك لأن الكذب وإخلاف المواعيد ونحو ذلك، معاصٍ تكاد تصل إلى حد الكبائر، لكن لا توجب لصاحبها خلوداً في النار. أما نفاق الاعتقاد، وهو إضمار الكفر وإظهار الإسلام، فهو الذي يخلد صاحبه في النار، وهو الذي تتعلق به هذه السورة الكريمة، وكذلك أكثر الآيات الواردة في ذكر النفاق في كتاب الله سبحانه إنما تتعلق بنفاق الاعتقاد، أما نفاق العمل فوروده في كثير من أحاديث النبي ﷺ .

стр. 1435

تفسير أوائل سورة المنافقين يقول الله في كتابه الكريم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] . (نشهد) هنا بمعنى: نحلف، أحياناً يكون معنى الشهادة هو معنى الحلف، وأحياناً تختلف الشهادة عن الحلف، وما هو وجه اختلاف الشهادة عن الحلف أحياناً؟ من المعلوم عند المحاكمات أن أيمان اليهود وأيمان النصارى تجزئ ويُطلب منهم الأيمان، لكن شهادتهم لا تعتمد في كثير من المسائل، فمثلاً: في مسائل الطلاق يقول الله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] ، فأحياناً يتحد معنى الشهادة ومعنى الحلف، وأحياناً تأخذ الشهادة معنىً والحلف معنىً آخر. فمثلاً: في آيات الملاعنة يقول الله في كتابه الكريم: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٦] ، (فشهادة أحدهم) أي: يمين أحدهم، وكذلك في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ﴾ [المائدة:١٠٦] ، والآية مصدرة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة:١٠٦] ، وفي ختام الآية: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة:١٠٦] ، فالشهادة هنا هي اليمين.

стр. 1436

سبب اعتقاد المنافقين كل صيحة عليهم ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] . وهذا شأن كل أثيم، كل أثيم كما يقول المثل العامي المصري: (الذي على رأسه بطحاء يحسس) ، فأنت تتكلم مثلاً في عقوبة الزنا، وفي عقوبة السرقة، وفي عقوبة المرتشي، وليس في ذهنك شخص، ولكن هناك شخص مرتش وزان جالس فيحسب أن الكلام الذي يقال منصب عليه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] ، وكما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٦٤] . وهنا يقول الله سبحانه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] ، أي: كل آية تنزل يظنونها نزلت فيهم، فقد اجتمعت فيهم الموبقات، وعلى حسب الموبقات التي تراكمت عليهم يكون خوفهم وفزعهم، فأنت إذا كنت قد ارتكبت ذنباً واحداً فلن تحسب كل صيحة عليك، وإنما تحسب أن الحديث في هذا الذنب خاصة موجه إليك، لكن إذا كنت قد ارتكبت كل الذنوب، من سرقة وشرب خمر وربا. إلخ، فكل آية يتكلم بها الشخص تحسبها عليك. فقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] ، أي: لكثرة الموبقات التي ارتكبوها، فإنهم كذبوا على رسول الله، وآذوا رسول الله، وحدثوا فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، واؤتمنوا فخافوا، وأضمروا الكفر وأظهروا الإسلام، فكل شيء ينزل في أهل نفاق يحسبونه موجهاً لهم. قوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون:٤] ، لا يعني نفي عداوة غيرهم، وإنما يعني بيان عظيم العداوة التي يكنونها للإسلام ولرسول الله ﷺ ، وهذا كحديث النبي ﷺ : (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يتفطن إليه فيتصدق عليه) ، فالذي ترده اللقمة واللقمتان مسكين، لكن الأشد منه مسكنة هو الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يتفطن إليه فيتصدق عليه. وكذلك حديث: (ليس الشديد بالصرعة) ، وحديث: (أتدرون من الرقوب فيكم؟ قالوا: الرقوب من لم يولد له يا رسول الله، قال: ولكن الرقوب الذي لم يقدم شيئاً من الولد) أي: الذي لم يمت له أولاد. فقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون:٤] ، من هذا الباب، أي: هم كاملو العداوة لك؛ لأن الكفار أظهروا أمرهم وأظهروا عداوتهم لك، لكن هؤلاء أبطنوا العداوة وأظهروا الإسلام، فكانت عداوتهم أشد وأبشع.

стр. 1437

الإرشاد إلى عدم الاغترار بالمظاهر وربنا يقول في آية أخرى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥] ، وقد قال النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم) ، ويقول: (التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا, وأشار إلى صدره ثلاث مرات) ﷺ . وقد ضحك الصحابة ﵃ من دقة ساق ابن مسعود؛ لما صعد شجرة وكشفت الريح عن ساقه، فرأى الصحابة دقة ساقه فعجبوا منها وضحكوا، فقال النبي ﷺ : (أتعجبون من دقة ساقيه؟! لهي والله في الميزان أثقل من جبل أحد) ، وقد قال النبي ﷺ : (يؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة، وتلا قول الله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] ) . وقال الشاعر: ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير فالمعول عليه دائماً هو الإيمان، فلا تعجب ببدانة شخص، ولا بضخامة جسم شخص، ولا ببهاء شخص، فقد كان أهل النفاق ذوي أجسام حسنة، وذوي هيئات جميلة، وشارات حسنة بهية، قال الله : ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] ، أي: فعندهم ألسن يصيغون الكلام صياغات، ويتكلفون الكلام تكلفات.

стр. 1438

إعراض المنافقين عن العلم النافع ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] ، وما المراد بالخشب المسندة؟ الخشب المسندة على الجدران، فهي خشب لا فائدة منها إلا شغل المكان، فالخشبة قد يكون لها فائدة، وهي أنها تحمل سقفاً مثلاً، أو خشبة قامت مقام العمود الذي يحمل السقف، لكن هؤلاء خشب مسندة على الجدران لا فائدة منها إلا أنها شغلت المكان فحسب. وعند هذه الآية أثار العلماء بحثاً، ينصب هذا البحث على أدب الجلوس لطلب العلم، فإذا كان هناك أقوام جلوس في المسجد أثناء درس علم مثلاً، كلٌ قد أخذ له مكاناً مريحاً، هذا وراءه عمود، وهذا ذهب إلى جدار في مكان مريح ليس غرضه أن يفهم، المهم أن يستريح جسمه، وليس حريصاً على العلم، فلا يبالي فهم أو لم يفهم؛ فكان أهل النفاق هكذا، أهم شيء عند المنافق منهم أن يبحث عن مكان مريح يجلس فيه في المسجد، فلا يبالي! كما قال الله سبحانه في شأن الفئات الأخرى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [محمد:١٦] جالس يستمع في المسجد، ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦] ، أي: هذا الرجل ماذا كان يقول؟ هذا مضمون كلامهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ﴾ [محمد:١٦] ، فهم جالسون يستمعون خطب الرسول ﵊ وأقواله، ولكن أهم شيء عندهم الجلوس في مجلس مريح، فلا يبالون بالحديث من أصله، ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦] صاحبكم هذا ماذا كان يقول في المجلس؟ فهذا شأنهم، وصفهم ربنا سبحانه فقال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] ، أي كأنهم خشب مستندة إلى جدار. وفي حديث الثلاثة الذين أتوا رسول الله ﷺ في المسجد وهو يدرس أصحابه أدب لطلاب العلم، فأحدهم وجد فرجة في المجلس فأقبل وجلس فيها، والآخر جلس في آخر المسجد، والثالث أدبر وأعرض، فقال الرسول ﷺ : (أما هذا فأقبل فأقبل الله عليه، وأما هذا فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما هذا فأعرض فأعرض الله عنه) . فللجلوس في مجالس العلم آداب، منها ما يستنبطها العلماء من حديث جبريل ومجيئه إلى رسول الله ﷺ : (فجلس إلى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه) ، ثم بدأ يسأل ﷺ ، ولا يمتثل كل ما جاء في حديث سؤال جبريل ﵊، وإنما يؤخذ منها أدب السؤال كما صنع جبريل مع رسول الله ﷺ . ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] .

стр. 1439

اتقاء المنافقين بالأيمان الكاذبة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ﴾ [المنافقون:١] أي: نحلف لك بالله، ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] أي: نقسم ونحلف أنك رسول من عند الله، وهو تستر منهم وراء الأيمان، وهذا شأن أهل النفاق وأهل الكذب والغدر، يتسترون دائماً وراء الأيمان، كما قال الله سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٢] ، (اتخذوا أيمانهم جنة) أي: وقاية يتقون بها أهل الإيمان، وبطش أهل الإيمان، ويتقون بها حدود الله، إلى غير ذلك، فمن شعار أهل النفاق أنهم يكثرون من الأيمان، ولذلك كره جمهور أهل العلم الإكثار من اليمين. ومن حججهم وأدلتهم على كراهية الإكثار من اليمين: أولاً: أن الله قال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠-١١] ، فالحلاف: هو كثير الحلف. ومن أدلتهم على ذلك: أحد الوجوه في تفسير قول الله سبحانه: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٤] ، وإن كان جمهور المفسرين في تفسير الآية على أن المعنى: لا تجعلوا اليمين بالله حائلاً بينكم وبين فعل الخير، لكن ثمّ وجه آخر من أوجه التأويل بأن المعنى: لا تكثروا الأيمان. ثالث أدلة القائلين بكراهية الإكثار من اليمين: أنه فعل أهل النفاق، وقد نهينا عن التشبه بأهل النفاق، ولا يمنع هذا أن تقسم أحياناً حتى وإن لم يطلب منك القسم ولا يثرب عليك؛ وذلك لأن النبي ﷺ فعل ذلك مراراً، فحين جاءه رجلان يختصمان، فجاء الرجل وقال: (يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، فقضوا أن على ابني مائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال الرسول ﷺ : -وهذا وجه الاستشهاد- والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله ، ولم يطلب منه اليمين. وكذلك قال ﵊: (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) دون أن يطلب منه القسم، فقد يكون هناك داعٍ يدعو إلى تثبيت الحكم فيقسم الشخص، لكن لا يكون هذا القسم شعاراً له ولا ديدناً، فهو شعار وديدن المنافقين، يتقون بأس المسلمين بأيمانهم الكاذبة. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ﴾ [المنافقون:١] ، وهي: نحلف عند الجمهور من المفسرين، ومن المفسرين من قال: إن معناها نقر ونعترف، لكن أكثر المفسرين قالوا: (نشهد) أي: نحلف. ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١-٢] ، والجُنَّة هي الوقاية، ومنه ما ورد في حديث النبي ﷺ ، (في المتصدق الذي يلبس ثياباً تجن بنانه) أي: تخفيها وتغطيها، وهذا أصل مادة الجن والجُنَّة فكلها منشؤها الإخفاء، ومنه قولهم: للجن جن لاستتارهم وخفائهم، وقيل للجنة جنة؛ لأنها تجن من دخلها لكثرة أشجارها. فقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون:٢] ، أي: وقاية يتقون بها أهل الإسلام، ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٢] ، وذلك؛ لأنهم في الظاهر أهل إسلام، ومع إسلامهم يقسمون بالله أيماناً كاذبة فيظن ضعيف العلم والإيمان أنهم على حق في مقالتهم، فينصرف عن الدين وراءهم للأيمان التي يقسمونها وللشهادات التي يشهدونها في الظاهر. فلأهل النفاق علامات ذكرها الله في مواطن متعددة من كتابه، قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] . فقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ) ، أي: إن جاءته بلية أو مصيبة في بدنه أو في ماله، فلضعف إيمانه بالله يسوي بين هذه البلية وبين عذاب الله، فيترك الإيمان ويرجع إلى الكفر والردة والعياذ بالله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] ، والآيات في وصف المنافقين في غاية الكثرة والوقت لا يتسع لها، فنحن بصدد تفسير سورة المنافقين فقط. قال الله جل ذكره: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٢] ، أي: صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام، ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [المنافقون:٢-٣] ، بألسنتهم، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون:٣] ، بقلوبهم، ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ * وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٣-٤] ، هذا شأنهم وهذا حالهم، كانوا على درجة كبيرة من الحسن والبهاء والجمال، إذا نظرت إليهم أعجبك منظرهم، وإذا رأيت أولادهم أعجبك منظر أولادهم.

стр. 1440

لا منافاة بين الحذر من المنافقين وبين التوكل قال تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤] . قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤] ، أمر بأخذ الحذر، والله يقول في آية أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١] ، فالأمر بأخذ الحذر والحيطة لا ينافي التوكل، فإن قوماً فهموا هذا الباب على غير وجهه، ففهموا أن التوكل ينافي الأخذ بالأسباب، ولذلك قال الرسول ﷺ في بعض الأحاديث في البخاري وغيره: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، فجاء سعد بن أبي وقاص وسمع لمجيئه صوت السلاح، قال: جئت أحرسك يا رسول الله) . ومن الناس من يستدل بأقوال لا أعلم لها أصلاً، وخاصة الوارد عن عمر لما رآه أحدهم نائماً فقال: (حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر) ، فلم يجد عنده حراس ولا غير ذلك، وهذا الأثر لا أعلم له سنداً، والأسانيد الثابتة إلى عمر بخلاف ذلك، فإن عمر كان يتخذ الحجبة والبوابين، ففي الصحيح أن عمر كان في مجلسه وله غلام يقال له: يرفأ، فقال: يا أمير المؤمنين هذا عثمان يستأذن عليك، قال: فأذن له، ثم قال: هذا عبد الرحمن بن عوف يستأذن عليك، قال: فأذن له. وأيضاً أراد عيينة بن حصن الفزاري أن يدخل على عمر فلم يستطع، فقال لابن أخيه الحر بن قيس: يا ابن أخي! إن لك وجاهة عند هذا الأمير فاستأذن لي في الدخول عليه، فاستأذن الحر بن قيس لعمه عيينة بن حصن الفزاري في الدخول على عمر. وأيضاً علي بن أبي طالب ﵁، جاءه آتٍ فقال: يستأذن عليك ابن جرموز قاتل الزبير بن العوام فقال: ائذن له وبشره بالنار، فالشاهد في قوله: يستأذن عليك فلان. فاتخاذ الحجبة واتخاذ الحرس لا ينافي التوكل على الله، بل أمرنا الله أمراً فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] ، فهذا أمر من الله ، وهنا يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤] ، فلا يُفهم التوكل على غير وجهه الصحيح، فإن نبينا ﷺ وهو خير المتوكلين يؤمر بالحذر من المنافقين. ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [المنافقون:٤] : من العلماء من يطلق القول فيقول: كل آية فيها (قتل) ، مثل: (قاتلهم الله، أو قتل الخراصون، أو قتل الإنسان ما أكفره) فمعناها: لعن، فمعنى ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠] : لعن الخراصون، ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧] ، أي: لعن الإنسان ما أشد كفره. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] من العلماء من يجري المعنى الأصلي على هذا فيقول معناها: لعنهم الله أنى يؤفكون، و (يؤفكون) معناها: يصرفون، مثل قوله سبحانه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩] ، أي: يصرف عنه من صرف.
следующие страницы →