← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا .) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ [الممتحنة:١٣] ، أي: لا تتخذوا قوماً، ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [الممتحنة:١٣] ، أي: أنكروا البعث وشكوا في أمر البعث، ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] ، فقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] من العلماء من قال: كما يئس الكفار من بعثة أصحاب القبور مرة ثانية، فإذا مات الكافر يئس الكافر الآخر من لقائه، فلا لقاء عندهما على الإطلاق، لا دنيا ولا آخرة، فهم لا يعتقدون بالآخرة. ومنهم من قال: إن قوله: ﴿يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] وصف للكفار الذين هم أصحاب القبور، فالكفار الذين هم في القبور يئسوا من الرحمة، ويئسوا من النجاة من النار: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣] . وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 1367

الأسئلة

стр. 1368

حال حديث: (بشر قاتل ابن صفية بالنار) السؤال حديث: (بشر قاتل ابن صفية في النار) ؟ الجواب في تصحيحه بعض النزاع.

стр. 1369

حكم دعوة النصارى لطعام الوليمة السؤال هل يجوز دعوة النصارى للطعام والوليمة وغيرها؟ الجواب نعم يجوز، وحديث: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي) فيه نظر من الناحية الإسنادية، وإن حسنه بعض العلماء، لكن على فرض تحسينه فالرسول ﷺ أطعم ثمامة إذ كان أسيراً، ودعته امرأة يهودية إلى شاة مسمومة فأكل منها الرسول ﵊، أما مشاركتهم في الأعياد فلا تجوز، فالرسول لم يشارك اليهود ولا النصارى في أعيادهم.

стр. 1370

القتال الذي بين علي والزبير لم يكن عن بغض السؤال هل كان الزبير يحارب علياً بغضاً له؟ الجواب لا، ما وجد أي شيء يدل على أن الزبير كان يبغض علياً أو أن علياً كان يبغض الزبير أثناء القتال، إنما خرج الزبير ﵁ في بداية أمره للإصلاح مع طلحة، ولكن ذلك كان شاهدي في إيراد القتال الذي دار بين الأحبة، والله أعلم.

стр. 1371

تفسير سورة الصف [١] إن الإسلام مذ نشأ كانت نشأته على أساس صلب من تلاحم الصفوف ووحدة الكلمة ورصِّ الصف أمام الأعداء، وهذا هو ما دعت إليه سورة الصف في بدايتها وأثنائها، وما تتجرعه الأمة الآن من الغصص والآلام إنما هو نتيجة محتمة ناتجة عن واقعها المر من الفرقة والشتات حتى على مستوى الجماعات العاملة في الساحة؛ ولا عزة ولا تمكين إلا بأن يكون الكل بنياناً مرصوصاً أنصاراً لدين الله على أرض الواقع.

стр. 1372

ذم الله تعالى لمن يقول ما لا يفعل باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: سورة الصف من السور المدنية، نزلت على رسول الله ﷺ بالمدينة. يقول الله فيها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الصف:١] ، أي: نزه الله كل من في السموات ومن في الأرض، وعظمه ، وهو العزيز الذي قهر، وغلب كل شيء، الحكيم في فعله وخلقه وتدبيره، كل شيء في السموات والأرض نزه الله عن كل نقص وعيب وضعف، ونزه الله عن كل مولود، وعن الوالد والزوجة والشريك كذلك. ثم هنا عتاب لأهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] ، يا من آمنتم بي، وصدقتم برسلي، وأقررتم بكتبي! (لم تقولون ما لا تفعلون) ، ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ ، وكبر: أي عظم، والمقت: هو أشد البغض. ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] ، وقد تضافرت النصوص على هذا المعنى، وذم كل من قال ولم يفعل، بل وتذم المتشبع بما لم يعط، والذي يحب أن يحمد بما لم يفعل، قال الله في كتابه الكريم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] ، وقال شعيب ﷺ لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨] ، وقال النبي ﷺ : (يؤتى بالرجل من أهل النار يوم القيامة، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه -أي: تخرج أمعاؤه من بطنه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه- فيطيف به أهل النار ويكونون من حوله، ثم يسألونه: يا فلان! ما لك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: بلى، ولكني كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) . وقد تضافرت أيضاً أشعار العرب في ذم من هذه سبيله وطريقه، فقد قال الشاعر: ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم والأشعار في هذا الباب كثيرة. فنصوص الكتاب ونصوص السنة المطهرة وأقوال الأفاضل والعلماء كلها تذم من قال قولاً ولم يعمل به، بل وتذم -كما سمعتم- من تشبع بما لم يعط، قال الله سبحانه: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٨] ، وقال النبي ﷺ (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) . قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُو﴾ [الصف:٢-٣] ، ما هو الشيء الذي تكلم به المؤمنون ولم يفعلوه حتى عوتبوا بهذه الآية الكريمة؟ ما هو الشيء الذي من أجله عوتب المؤمنون هذا العتاب بقوله سبحانه لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا﴾ اشتد غضب الله وعظم بغضه لمن قال ما لم يفعل؟ قال فريق من أهل العلم: إن هذا الشيء هو تمنيهم فرض الجهاد، وتمنيهم الإذن به، فلما أذن لهم في القتال وأذن لهم بالجهاد فر كثير منهم، كما قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد:٢٠] أي: سورة فيها إذن لنا بالقتال، ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢٠-٢١] ، فكان منهم من تمنى أن يؤذن له بالجهاد، فلما أمروا بالقتال تولوا، كما حكى تعالى قول طائفة من أهل الإيمان: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢٠-٢١] . وقال الله سبحانه أيضاً في هذا المعنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء:٧٧] أي: لا تنتصروا ممن ظلمكم، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٧-٧٨] . وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآية الأخيرة نزلت في عبد الرحمن بن عوف مع أصحاب له، أوذوا في الإسلام فقالوا: لم لم يؤذن لنا في الانتصار ممن ظلمنا، وقد كنا أعزة في الجاهلية -أي: لم يكن أحد ينال منا في الجاهلية- فلما أسلمنا أصبحنا أذلة؟ فلما فرض عليهم القتال، نكلوا عنه أو نكل فريق منهم عنه، فنزل قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا﴾ [النساء:٧٧] . وكذلك قال الله في شأن بعض أهل المدينة يوم الأحزاب: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:١٥] ، وقد كان فريق منهم عاهد الله ألاَّ يولي الأدبار، فلما جاءهم الأحزاب يوم الأحزاب قالت طائفة منهم: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣] . فهذه النصوص مجتمعة تبين أن العتاب في قوله سبحانه: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢-٣] منصب بالدرجة الأولى على الذين تمنوا الإذن في الجهاد، أو تمنوا فرض القتال، فلما فرض نكلوا عنه وقصروا فيه، وإن كان عموم الآية يخرجها إلى كل من قال ما لم يفعل. ويؤخذ من هذا: أن الشخص لا يشرع له أن يتمنى البلاء، فقد يبتلى ولا يقدر عليه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما أخرجه أبو داود بسند صحيح: (إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهاً) ، وقال النبي ﷺ : (لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) ، فلا يجوز لك أن تتمنى مزيداً من البلاء، فإن الله قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦] ، فإذا فعلت ما أمرت به ولم تطلب المزيد كان في هذا خير لك وتثبيت، وكذلك قال تعالى في الآية المشابهة: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد:٢١] أولى لك من أن تتمنى أشياء هي فوق طاقتك ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] ، فلا يشرع لك أن تتمنى البلاء، ولا يشرع لك أن تتمنى الفتن، فرسولنا يقول في دعائه المأثور: (اللهم! إذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) . فلا تدري ما تؤول إليه الفتنة معك، هل تصبر أمامها أم تضعف وترتد على الأدبار، والعياذ بالله. ولا تنافي بين هذا وبين تمني الشهادة في سبيل الله، فتمني الشهادة في سبيل الله محمود ومرغب فيه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ، فتمني الشهادة مشروع للرجال وللنساء، فقد تمنت أم حرام بنت ملحان الشهادة في سبيل الله، وعندما ذكر النبي الغزاة الذين يركبون ثبج البحر الأخضر، قالت: (ادع الله أن يجعلني منهم يا رسول الله! قال: أنت منهم) ، فكان مآلها إلى الشهادة في سبيل الله.

стр. 1373

تفسير قوله تعالى: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً) ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] ، جمهور المفسرين على تأويل هذه الآية على ظاهرها، أي: أن الله يحب من المؤمنين إذا هم قاتلوا عدوهم أن يكونوا صفوفاً متلاحمة متماسكة حتى لا يخترقهم عدو. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي: صفاً واحداً متلاحماً حتى لا يخترقهم العدو، هذا رأي أكثر المفسرين، لكن مع هذا الرأي وقفات، وآراء أخر لأهل التفسير؛ إذ الحروب تختلف في طرقها، والكر والفر أثناء القتال يستدعي مخالفة الصف، ويستدعي التقدم أو التأخر، أو الاحتيال من أجل لقاء العدو، فربنا سبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٢١] فقوله سبحانه: (وإذ غدوت) أي: خرجت في الغداة، (من أهلك) أي: من عند أهلك، وهي عائشة ﵂ كما في التفسير والأحاديث، (تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال) أي: تنزل المقاتلين منازلهم. فهل يلزم هذا الآن في صور القتال التي تختلف عن تلك الصور التي كانت على عهد الرسول ﷺ ، إذ صور القتال على عهد الرسول ﷺ كانت تتمثل في الضرب بالسيوف، والرمي بالسهام، والاتقاء بالدروع، ونحو ذلك، وهذه لا تتلاءم الآن مع أنظمة الحروب كما أسلفنا، فالكر والفر يستدعي أن تتقدم أو تتأخر. وبعض المفسرين حملوا الآية على عموم الوحدة والتآلف بين المؤمنين، التآلف القلبي والتآلف الظاهري، وعلى الوحدة القلبية والوحدة الفكرية، والسمع والطاعة للإمام، وعدم الخروج عليه أثناء القتال. فثم أقوام تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى! كما قال الله في شأن أهل الكتاب: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] أي: تحسبهم في الظاهر مجتمعين على قلب رجل واحد، ولكن قلوبهم متفرقة. والشاهد: أن من المفسرين من قال -وهو قول قوي في غاية القوة- المراد: التلاحم والتآلف بين القلوب، مع ما يترتب عليه من امتثال الأوامر الظاهرة حين يضعهم الإمام ويرتبهم، كما كان الرسول ﵊ يفعل، حيث كان ينزل الرماة منازلهم ويبوئ المؤمنين أماكنهم للقتال.

стр. 1374

تفرق المسلمين في الوقت الحاضر تفشت إلينا في أزماننا هذه بدع ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان، وتحزبات وجماعات شتت المسلمين، وفرقت شملهم؛ فتجد في المدينة الواحدة مائة جماعة، هذه جماعة الإخوان المسلمين، وتلك جماعة السلفيين، وتلك جماعة الجهاد، وتلك الجماعة الإسلامية، وتلك الجمعية الشرعية، وهذه التكفير والهجرة، أسماء ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان، ونحن من هذا الموقع نظهر ديننا، وندعو إخواننا إلى ما دعانا إليه ربنا. اسمعوا -يا مسلمون- لسنا منتظمين مع أي جماعة من الجماعات على الإطلاق، المسلمون كلهم لنا إخوة كما قال الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ [الحجرات:١٠] نتعاون مع كل مسلم في حدود استطاعتنا، وفيما يقره شرعنا، وهذه المسميات أورثت تعصبات وحزبيات وعداوات لا حصر لها، يأتي العالم ممن ليس في جماعتك فلا تحضر له درساً، ولا تسمع منه آية ولا حديثاً، ثم يأتي عالم أو جاهل من جماعتك ومن حزبك فتقوم له وتقعد، وتدعو إليه القاصي والداني، وهذا ليس من الإنصاف في شيء، فربنا أمرنا أن نكون كما قال: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥] . إمارات شتت المسلمين وفرقت جمعهم، وكل يدعي أن عمله الجماعي دعا إليه الإسلام، حقاً العمل الجماعي دعا إليه الإسلام، ولكن أي جماعة هي؟ إنها الجماعة العامة للمسلمين، ليست جماعة ولا حزباً يضحك عليه ويأمرِّ عليه أميراً، ويبدأ العمل السري الذي هو أخطبوط لا تدري ما مصدره ولا منتهاه. صحيح أن العمل الجماعي مستحب، ولكن بين عموم المسلمين، والعمل الجماعي ليس محصوراً في فئة يضحك عليها شخص أنه أمير لها، ويأتي حدث من الأحداث يعين أميراً للدقهلية، أو أميراً للغربية، ويفرح بالإمارة ويبدأ في تجميع الناس حوله. أصبحت هذه بدع بالية والحمد لله، طغت عليها كلها أقوال سلفنا الصالح من أصحاب رسول الله، ومن التابعين لهم وأتباع التابعين. وقد كان سبب ذهاب دولة الأندلس ومطالعه وبشائره السيئة هذه الفرقة التي حدثت في بلاد المسلمين الآن، جماعات متعددة، الكل يتناحر، والكل يغتاب الآخر، والكل بعيد عن كتاب الله وعن سنة رسول الله ﷺ ! فدعوة -معشر الإخوة- إلى الالتمام والانطواء تحت كتاب الله وسنة رسول الله، والسير على ما سار عليه أصحاب نبينا، وأتباع نبينا؛ إذ هم خير القرون، قال ﵊ (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب) كما قال الرسول عليه أفضل صلاة وأتم تسليم. وإنه لعجب أن يتجه أقوام إلى دينهم، يخرجون من الجاهلية، ومن لوث المعاصي، ويبتدئون في الاتجاه إلى الدين، وإذا بالأنياب تختطفهم، هذا يريدهم مع الإخوان المسلمين، وهذا يريدهم مع الجهاد، وهذا يريدهم مع التنظيم السلفي، وهذا يريدهم مع أنصار السنة! أشياء تشتت على الشخص فكره، وتشعب على المبتدئ فكره وعقله، ومن الذي يعلم الناس كتاب الله؟ ومن الذي يعلمهم سنة رسول الله ﵊؟ فمعشر الإخوة! رجعة إلى أصحاب رسول الله، ورجعة إلى منهج أصحاب رسول الله. ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حدثت بينه وبين ابن الزبير خلافات، فحواها وسببها: أن ابن الزبير لما مات معاوية، وولي ابنه يزيد الخلافة عن غير إمرة شرعية حقيقية، بل كانت سنة غير متبعة، حينها بويع لـ ابن الزبير من أهل مكة، ومن أهل الحجاز قاطبة، ومن أهل العراق، ومن عدة دول، وامتنع عليه أهل الشام في طائفة، فجيء لـ ابن عباس كي يبايع، فقال: لا أبايع حتى يجتمع المسلمون كلهم على إمام واحد، وانضم إلى ابن عباس في هذه الوقفة محمد بن الحنفية العالم الحبر الكريم ابن علي بن أبي طالب، وكان مآلهما إلى أن أخرجا وأبعدا إلى الطائف رحمة الله ورضوانه عليهما. الشاهد: أن ابن عباس لم يرض أن ينطوي تحت لواء إلا إذا اجتمع المسلمون كلهم على هذا اللواء. ثم يأتي من يشغب بأحاديث يفهمها للناس على غير وجهها، يشعب عليهم بحديث الرسول (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) ، وهذا التشغيب مرفوض، فما هي البيعة؟ هل يصح أن آخذ ثلاثة أو أربعة، أو مائة أو ألفاً، وأخدعهم وأقول لهم: أنا أميركم بايعوني وإلا فستموتون ميتة جاهلية؟ من الذي قال ذلك؟ الإمام أحمد روي أنه قال في شرحه لهذا الحديث: هذا في الإمام الذي يجتمع عليه المسلمون، ويشار إليه بالأصابع. أما التشعبات والتفرقات فقد قال فيها نبينا محمد ﵊: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) ، فمن هو الخليفة الآن؟ إنها أصبحت فوضى، كما ذكر النبي ﵊ في حديث حذيفة بن اليمان إذ قال له: (فماذا تأمرني يا رسول الله؟ قال: اعتزل تلك الفرق، ولو أن تعض على أصل شجرة) ، لكن العلماء يضبطون هذا الحديث: اعتزلهم في الشر، وشاركهم في الخير، شارك المسلمين في جنائزهم، شاركهم في أعمال البر التي يقومون بها، ولا تحكر نفسك على جماعة بعينها، كتاب الله ليس فيه أن جماعة باسمها يجب أن تتبع دون غيرها، سنة رسول الله بين أيدينا هي الحكم على القاصي والداني، إن زلت قدم شخص كائناً من كان أو وقع في شيء من هذه الأمور فإنه لا يتبع، هذا الله قد وطأ لذلك بفعل الخليل إبراهيم ﵊ لما استغفر لأبيه، فقال الله : ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] . أيها الإخوة! مضت عهود البدع والخرافات، والضحك على الشباب، والضحك على الأخوات، مضت هذه العهود بما فيها، أيام كان الجهل فيها يغطي على الأفئدة، والآن سنة رسول الله ﵊ ظاهرة للجميع، الكل لنا إخوان مسلمون، الكل إخواننا في الله، نحبهم بقدر ما فيهم من صلاح، ولا نحمد فيهم خصالهم السيئة، كذلك جعلنا ربنا أمة وسطاً. قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] .

стр. 1375

إثبات صفة المحبة لله تعالى في قوله سبحانه: (يحب) إثبات صفة المحبة لله ، وقد نفاها قوم وأولها آخرون، وليس هذا التأويل بمقبول، فصفة المحبة لله ثابتة في جملة مواطن، قال النبي ﷺ : (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: ياجبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء ... ) . الشاهد: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل) ، فصفة المحبة ثابتة لله بنصوص الكتاب ونصوص السنة، وكذلك صفة البغض. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] . أي: في تشابكهم واجتماعهم وتآلفهم، كما في الحديث (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وفي قوله ﵊: (المؤمن للمؤمن) تعميم للأخوة، قال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .

стр. 1376

النصوص الدالة على وجوب وحدة الصف إذاً: فيلزمنا نحن كمسلمين أن نكون على قلب رجل واحد، لا مسلمو مصر فحسب بل مسلمو العالم أجمع، وقد جاءت نصوص الرسول ﷺ بهذا، إذاً: لابد هنا من وقفة: فقد جاءت نصوص الرسول ﷺ ، بل وجاءت آيات الكتاب العزيز تحث على الوحدة بين عموم المسلمين، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ، وقال النبي ﷺ (المسلم أخو المسلم) ، وقال الله : ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] ، وقال النبي ﷺ : (تسموا بما سماكم الله، هو سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله) . وحذرنا ربنا من التفرق والاختلاف في جملة آيات، قال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه﴾ [آل عمران:١٠٥] ، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] . وقال صلوات الله وسلامه عليه: (عليكم بالجماعة! فإن يد الله مع الجماعة) وأي جماعة هي المرادة؟ هي جماعة المسلمين العامة؛ إذ لم تكن ثم أحزاب ولا تكتلات على عهد رسول الله ﵊، فقوله ﷺ : (عليكم بالجماعة) المراد به جماعة المسلمين العامة، التي ينطوي تحتها كل مسلم، هذا معنى كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ -كما أسلفنا- لم تكن الأحزاب، ولا التكتلات، ولا العصبيات، ولا القوميات موجودة على عهد النبي ﷺ . وقال صلوات الله وسلامه عليه (الجماعة رحمة، والفرقة عذاب) ، أي جماعة هي الرحمة؟ هي جماعة المسلمين العامة؛ إذ لم ينص في الكتاب العزيز ولا في سنة الرسول ﵊ على جماعة بعينها، إذ لم تكن -كما أسلفنا- هناك تحزبات ولا تكتلات على عهد الرسول ﷺ .

стр. 1377

ذم الرسول للنعرات الجاهلية أثيرت نعرة من النعرات الجاهلية على عهد الرسول ﷺ ، وكان من حملة هذه النعرة قوم مسلمون، مع أنها نعرة تنادي بأسماء أثنى الله عليها، لكنها لما كانت تنطوي على بث للفرقة والخلاف بين المسلمين وصفها الرسول بالنتن، كان النبي ﷺ مع أصحابه في سفر، فاختلف مهاجري مع أنصاري، فكسع المهاجري الأنصاري، فنادى الإنصاري: يا للأنصار! فاجتمع إليه قومه، ونادى المهاجري: يا للمهاجرين! فاجتمع إليه قومه، فتضاربوا فيما بينهم بالجريد والنعال، فجاء الرسول ﷺ وقال (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة) . مع أن هذا الشعار الذي رفع: يا للأنصار! وقد أثنى الله عليهم في جملة مواطن، والمهاجرون أيضاً أثنى عليهم الله في جملة مواطن، لكن لما ولَّد هذا الشعار المرفوع فرقة واختلافاً بين المسلمين شجبه الرسول ﷺ وذمه أيما ذم، ووصفه رسول الله ﷺ بالنتن بقوله: (دعوها فإنها منتنة) ، وكان من الذين أججوا شعار هذه الفتنة عبد الله بن أبي بن سلول؛ إذ قال لما رأى هذا الموقف المختلف: أو قد فعلوها؟ -يعني: المهاجرين- لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فنزل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] ، فأصول ديننا كلها تدعونا إلى الاجتماع تحت اسم واحد، هو اسم الإسلام، ومسمى المسلمين، هذه نصوص كتاب الله كلها تنطق بذلك: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْل﴾ [الحج:٧٨] (هو) : راجعة إلى من؟ قال كثير من أهل التأويل: إن (هو) راجعة إلى الله سبحانه، أي: الله الذي سمانا المسلمين، ويدل عليه حديث الرسول ﵊ الذي أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح، عن الحارث الأشعري مرفوعاً: (تسموا بما سماكم الله به، هو سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله) .

стр. 1378

حرص الكفار على تفريق المسلمين لما شعر أعداء الله بأن في اتحاد المسلمين قوة لهم كما لا يخفى، مزقوهم إرباً، مزقوهم إلى قوميات، واشتعلت في تركيا جماعة تركيا الفتاة التي تبث القومية التركية في تركيا، وتفصلها عن الإسلام، واشتعلت في بلاد العرب ما يقاوم القومية التركية، وهي القومية العربية؛ ففضلوا العربي النصراني على التركي المسلم، وتقسموا إلى دويلات كل دويلة ترفع شعارها الجاهلي، فمصر ترفع الشعار الفرعوني، والعراق ترفع الشعار البابلي كل حزب بما لديهم فرحون، كما قال تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] . ولم يقف الأمر إلى هذا الحد، بل المذاهب أيضاً التي يفترض فيها جميعها أن يكون منطلقها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في الفتيا ثم أقوال الصحابة تعصب لها أهلها غاية التعصب، تعصب الشافعية في أوقات للمذهب الشافعي أيما تعصب، وتعصب الأحناف للمذهب الحنفي أيما تعصب، وكذلك الحنابلة، وكذلك المالكية، حتى صدرت جملة من الفتاوى تحرم على بعض أهل المذاهب الزواج من المذهب الآخر، وقد شكى من هذا الصنعاني رحمه الله تعالى صاحب كتاب سبل السلام وهو ابن الأمير الهاشمي المشهور، وذكر رحمه الله تعالى أبيات شعر يتوجع فيها غاية التوجع من أهل زمانه الذين ناصبوه العداء، لا لذنب اقترفه، ولا لإثم ارتكبه، إلا لكونه متبعاً للدليل الوارد من الكتاب والسنة فقال -رحمه الله تعالى- ناعياً على قومه، وناعياً أيضاً على أقربائه من آل بيت الرسول ﵊ الذين تعصبوا للمذهب الزيدي، قال فيهم وفي غيرهم من المتعصبة الذين نبذوا الأدلة وراء ظهورهم: وأقبح من كل ابتداع رأيته وأنكاه من قلب المولع بالرشد مذاهب من رام الخلاف لبعضها يعض بأنياب الأساود والأسد فيرميه أهل الرفض بالنصب فرية ويرميه أهل النصب بالرفض والجد وليس له ذنب سوى أنه غدا يتابع قول الله في الحل والعقد فإن كان هذا ذنب فحبذا به ذنب يوم ألقاه في لحدي وفي ثناياها أبيات أخر سقطت: يصب عليه سوط ذم وغيبة ليجفوه من قد كان يهواه عن عمد الكل يصب عليه سياط الاغتياب، والقيل والقال، والكذب والافتراء، حتى يرفضه الآخرون وينبذونه. وتوجع آخر فقال: إن يسألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه وكتمانه لي أسلم ونحن لا نوافقه على مسألة الكتمان تلك، قال: إن يسألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه وكتمانه لي أسلم فإن حنفياً قلت قالوا بأنني أبيح الطلا وهو الشراب المحرم وإن مالكياً قلت قالوا بأنني أبيح لهم لحم الكلاب وهم هم وإن شافعياً قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وإن حنبلياً قلت قالوا بأنني ثقيل بغيض حلولي مجسم وإن قلت من أهل الحديث وحزبه قالوا تيس ليس يدري ويفهم عجبت من هذا الزمان وأهله فمن ذا الذي من ألسن الناس يسلم

стр. 1379

الجماعة المأمور بلزومها في النصوص إن الجماعة العامة التي نادانا الله بها، وطالبنا الله بالانضمام تحتها هي جماعة المسلمين العامة، ليس إلا ذلك، ومن عارض فهذا كتاب الله بين أيدينا، وتلك سنة رسول الله ﷺ بين أيدينا، هما حكم على الجميع، والأدلة كلها تحث على الوحدة بين المسلمين جميعاً، والمسلم يحب بقدر ما فيه من طاعة، ويبغض بقدر ما فيه من معصية. ولكن شاء الله سبحانه -ولا راد لقضائه-: أن تتفتت أمة محمد ﷺ ، وتتفرق إلى شيع وأحزاب، كما تفرق من كان قبلها، قال الرسول ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) ، وقال النبي ﷺ : (سألت ربي ثلاثاً؛ فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته ألا يجعل بأس أمتي بينها فمنعنيها) ، ولما نزل قول الله جل ذكره: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] ، قال النبي ﷺ : (أعوذ بوجهك! ولما قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال النبي ﷺ : أعوذ بوجهك! ولما قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] قال النبي ﵊: هذه أهون!) . فشاء الله أن يقتل بعض أمة محمد بعضاً، وأن يسبي بعضهم بعضاً، وأن يغير بعضهم على بعض، حكمة الله وسنة الله تعالى في خلقه، ولكن ليس لنا مخرج إلا الاجتماع تحت كتاب ربنا وسنة نبينا، والتآلف مع عموم المسلمين.

стр. 1380

إيذاء بني إسرائيل لموسى ﵊ قال الله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ [الصف:٥] إذ موسى ﵇ من الإسرائيلين، وقومه هم بنو إسرائيل، ويرجع نسبهم إلى يعقوب النبي ﷺ وفي هذا فائدة وهي: أن تلين في الخطاب مع أهلك وأقاربك: يا أحبابي! يا أقاربي! يا قومي! ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:٥] (قد) : هنا للتحقيق وللتأكيد، أي: وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم، أي: مع علمكم برسالتي.

стр. 1381

صور من إيذاء بني إسرائيل لموسى ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ ، ما هي صورة إيذاء الإسرائيليين لموسى ﷺ ؟ آذوه ﵊ في رسالته، وآذوه ﵊ في عرضه، وآذوه ﵊ في خلقه. فآذوه في رسالته بقولهم: ﴿جْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] ، وآذوه في رسالته بقولهم كذلك: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ﴾ [طه:٨٨] لما تبعوا السامري على عبادة العجل، وآذوه في رسالته بقولهم كذلك: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَة﴾ [البقرة:٥٥] ، وآذوه في رسالته بجملة من الأمور في الدين. وفي العرض كذلك، فمنهم من اتهمه بأنه قتل هارون! وأنه زنا بامرأة! وفي خلقه، قال الرسول ﷺ : إن موسى النبي كان رجلاً حيياً، فكان يستحي أن يغتسل عرياناً، فقال الإسرائيليون: ما يمنع موسى من الاغتسال عرياناً إلا أن بجسمه أُدره -يعنون أن إحدى خصيتيه أعظم من الأخرى- لذلك يمتنع عن الاغتسال أمامنا عرياناً، فالله أراد لتبرئته فذهب يغتسل وأبعد، واستتر بحجر ووضع ثيابه عليها، فشاء الله -والله على كل شيء قدير- أن تفر الصخرة بثياب موسى ومعه العصا، فجرى وراء الحجر يضربه ويقول: ثوبي يا حجر! ثوبي يا حجر! حتى رآه الإسرائيليون على أكمل خلق، وعلى أتم خلق، وعلى أجمل خلق، ففيه يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩] ، هكذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ ، أما العقلانيون، والأصح ألا يقال عنهم: العقلانيون، بل هم أهل الجهل والغباء، الذين جهلوا قدرة ربهم ، وللأسف تبعهم فريق من الكتّاب الذين كتبوا في الدين وفي الإسلام مقالات؛ إذ أنكروا كل ما لا تتصوره عقولهم، فحكموا ظلماً وعدواناً وكذباً وزوراً وبهتاناً على هذا الحديث بالضعف، لا لشيء في إسناده، ولكن قالوا: كيف يفر الحجر؟! وهذا منهم عجيب! عجيب جهلهم بقدرة الله سبحانه الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون! ألم يجعل ربنا سبحانه النار برداً وسلاماً على إبراهيم؟ ألم يجعل ربنا سبحانه الجبال تأوب مع داود ﵊، ويلين لداود الحديد ﵊؟ فالجهل بالله وبقدرة الله هو الذي حملهم على هذا الغباء، وهو الذي حملهم على هذا النفي. الشاهد: أن هذه إحدى صور الإيذاء التي آذى بها الإسرائيليون نبي الله موسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم.

стр. 1382

فقه خطاب المدعوين قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ [الصف:٥] ، يخاطبهم بالرابطة التي تربطه بهم: يا ابن عمي، يا ابن أمي، وهذا من أسلوب الدعوة النافع، أنك تهيج صلات الربط بينك وبين الناس، تذهب لابن عمك: يا ابن عمي، فحينئذ يلين لك، وهذا المنطق والمنطلق استعمله الرسول ﷺ لما قال لقومه: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] أي: القربى التي بيني وبينكم، راعوا هذه القربى، واعملوا لهذه القربى حساباً، لا أريد منكم أجراً، ولكن كفوا عني أذاكم فأنا قريب لكم، فهذه العاطفة تلين الخصم الذي أمامك، تلينه كي يرجع إلى طريق الله ، فلتُستعمل في دعوتنا لأقاربنا وقد قال هارون لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] . قال الله جل ذكره: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:٥] ، و (قد) : هنا ليست للتقليل ولا للتقريب ولكنها للتحقيق، أي: وأنتم تعلمون أني رسول الله إليكم، فهم كانوا يقرون برسالة موسى؛ إذ أنجاهم الله على يديه، وأغرق الله عدوهم أمام أعينهم على يد موسى ﷺ ، فشهادتهم له بالرسالة كائنة وثابتة. ((وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ)) يعني: هم لم يكونوا في شك من رسالة موسى ﷺ .

стр. 1383

معنى قوله تعالى: (والله لا يهدي القوم الفاسقين) قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ، إن قال قائل: ما المراد بالهداية هنا؟ قلنا: الهداية هنا هداية التوفيق، فالله يهدي الجميع هداية الدلالة ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ، فالمراد بالهداية هنا: هداية التوفيق، أي: لا يوفق القوم الفاسقين. يأتي سؤال آخر: كيف لا يوفق ربنا الفاسقين وقد آمن قوم من أهل الكفر والظلم؟ فكيف يقال: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] ؟ فالإجابة: أن المراد بالفاسقين هنا: الفاسقون الذين سبق في علم الله أنهم يموتون على الكفر والفسق، فهؤلاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٦-٩٧] ، فالمسلك هنا كالمسلك في: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٦٤] ، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] ، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] ، كلها على هذه الوتيرة عند أكثر المفسرين، يحملون (الفاسقين) هنا على من سبق في علم الله أنهم سيموتون على الفسق والكفر، هؤلاء لا يهديهم الله سبحانه ولا يوفقهم. والفسق أنواع: يأتي بمعنى الكفر ويأتي دون ذلك، قال الله سبحانه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] ، فالفسق هنا الكفر، وقال الرسول ﵊: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) ؛ فسباب المسلم ليس بكفر مخرج عن الملة، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] ؛ فالفسق هنا دون الكفر، وإسنادها ثابت بلا شك، وقد نزلت في رجال مسلمين، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] ، نزلت أيضاً في رجل مسلم، والحديث حسن بمجموع طرقه. وهذا من قواعد أهل السنة كما تقدم تقريره مراراً: أن هناك فسق دون فسق، وكفر دون كفر، وظلم دون ظلم، ونفاق عمل، ونفاق اعتقاد، وشرك أكبر، وشرك أصغر، وهذه كلها أصول يسار عليها في تقرير المسائل والأحكام، فليس حديث: (إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر) ينسحب عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ، ليست الآية منسحبة على مثل هذا؛ لأن ربنا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فهي أصول لابد أن تفهم، إذ بها جمع أهل السنة والجماعة بين مئات من الأدلة التي ظواهرها التعارض، وبين مئات من المسائل التي أشكلت على كثير من الفرق، فوقعت بسببها إما في الإرجاء، وإما في الرفض، وإما في بدعة الخوارج، وإما في بدعة النصب عياذاً بالله من ذلك كله! وصلى الله على نبينا محمد وسلم.

стр. 1384

مجازاة الله للعبد بما يستحق قال الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ، فهنا كما يقول الناس: معادلة، زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، تسببوا لأنفسهم في زيغ فأزاغهم الله، سلكوا طريق الزيغ فأزاغهم الله كما قال الله: ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٧] ، ﴿ُثمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون﴾ [الروم:١٠] . فالشخص إذا سلك طريق الزيغ أزاغه الله، وإذا سلك طريق الهداية هداه الله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] ، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] ، فإذا سلكت طريق الشر ذلل لك، وإذا سلكت طريق الخير يسره الله لك، وعلى ذلك جملة من النصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٧] ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧] ، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ، فإذا سلكت طريق الخير أعانك الله على المضي فيه، وإذا سلكت طريق الشر والعياذ بالله، نالك منه كبير حظ ووفير نصيب.

стр. 1385

تفسير سورة الصف [٢] حكى الله في هذه السورة موجز ما حدث لاثنين من أولي العزم من الرسل ﵈، وهم موسى وعيسى؛ فموسى أوذي وعيسى بلغ بقومه الطغيان إلى أن تجرءوا على قتله فرفعه الله إليه، وهكذا هم بنو إسرائيل قتلة للأنبياء وعبدة للطاغوت، ولكن البشرى لأهل الإيمان بنصرة الله تعالى، وقد كان لنا مثل في عيسى مع الحواريين لما نصروا الله فأيدهم على عدوهم وأصبحوا ظاهرين، وهكذا هي العقبى لأهل الإيمان في كل زمان ومع كل نبي إن هم صبروا ونصروا.

стр. 1386

معاناة موسى من قومه وأذيتهم له الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فيقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] . في قول موسى ﵊: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ، خطاب لقومه؛ فموسى ﷺ إسرائيلي النسب، أي: ينتهي نسبه إلى إسرائيل وهو يعقوب ﵊، فيعقوب ﷺ هو إسرائيل، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] ، فإسرائيل هو يعقوب ﵊، وبنوه كانوا من المفضلين على العالمين، كما قال الله جل ذكره في شأن بني إسرائيل -وهم أولاد يعقوب وذريته-: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢] ، وقال سبحانه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٤٧] ، فكانت هذه القبيلة التي هي سلالة وذرية إسرائيل ﵊ أفضل الأمم في زمانها بنص الكتاب العزيز: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . قال موسى ﵊ لقومه: ﴿يَا قَوْمِ﴾ فهم قبيلته. ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ ، وقد تقدم أن الأذى كان أذى في العقيدة، وأذى شخصياً أيضاً، فاجتمع له أذى في شخصه، وأذى في صلب الدين، كما في قولهم: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] ، وكما في قولهم في شأن العجل: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨] ، وكانوا يؤذونه في عموم الدين ﵊ كما ذكر الله في جملة مواطن إذ قالوا لموسى: ﴿َاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] . وآذوه أيضاً في شخصه فاتهموه باتهامات ذكرها المفسرون، منها: أنهم اتهموه بعدم كمال الخَلق في جسده، فقالوا: إنه آدر، أي: عظيم الخصية، واتهموه أيضاً بأنه زنا بامرأة أرسلها له قارون كما في بعض الآثار، واتهموه بأنه هو الذي قتل هارون ﵉. فيقول لهم: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُون﴾ و (قد) هنا للتحقيق، فهم يعلمون أنه رسول الله إليهم؛ إذ أنجاهم الله على يديه من فرعون. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ، أي: لما سلكوا طريق الزيغ سُهل لهم هذا الطريق، وقد تقدمت المباحث في هذا، ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .

стр. 1387

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل .) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦] . إن قال قائل: لماذا قال موسى: يا قوم، وقال عيسى: يا بني إسرائيل؟ فالإجابة واضحة: لأن عيسى لم يكن من بني إسرائيل، فهو ﵇ ولد من غير أب ﷺ ، أما موسى ﵊ فهو إسرائيلي كما أسلفنا.

стр. 1388

اتهام بني إسرائيل لعيسى بالسحر يقول الله : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الصف:٦] أي: بالحجج الدالة على صدقه ونبوته. وتفسير هذه البينات كما قال تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران:٤٩] . ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا﴾ قالوا: مقالة الكافرين السابقين للأنبياء، ومقالة الكافرين اللاحقين للأنبياء، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . كما قال الله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] ، وكما قال تعالى في شأن موسى وهارون وقومهما: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص:٤٨] .

стр. 1389

أسماء الرسول ﵊ اسم الرسول ﷺ محمد، والآية تقول: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ ، فكيف يدفع الإشكال بين هذا وذاك؟ أمثل ما قيل في هذا لدفع الإشكال: هو ما ذكره النبي ﷺ حيث قال: (لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، وأنا العاقب) ، فقد ذكر الله سبحانه نبينا محمداً ﵊ في كتابه العزيز باسم محمد وباسم أحمد، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] . وأحمد: من الحمد، أي: أحمد الناس لربهم، وأكثرهم حمداً لربهم هو ﵊ محمد. ومحمد بمعنى: محمود يحمده غيره، فتحمده الملائكة في الملأ الأعلى، ويحمده من آمن به ﵊، فالمادة واحدة، فأحمد من: أحمد الناس لربهم سبحانه، ومحمد من: المحمود، وهو المحمود ممن آمن به، ومحمود من ملائكة الله ﵈. فلا إشكال؛ فأحمد هو محمد كما قال الرسول ﵊، وكما قال ربنا سبحانه.

стр. 1390

من أحكام الأسماء في الشرع وقول عيسى ﵊: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ نحتاج إلى وقفة تتعلق بالأسماء، فللأسماء فقه متسع، ولا يسوغ لك أن تسمي كما تشاء، بل لزاماً عليك كمسلم أن تتقيد بالقيود الشرعية التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ في شأن الأسماء. فالأسماء منها أسماء مستحبة، ومنها أسماء مكروهة، ومنها أسماء محرمة لا يحل لك أن تتسمى بها ولا أن تسمي أبناءك بها. وابتداءً التسمية من حق الأب، ولكن اتفاق الأب مع الأم على الاسم فيه اتساع، هذا شيء. ومتى يسمى الطفل؟ يجوز أن تسميه فور ولادته، ويجوز أن تسميه في اليوم السابع، ويجوز أن تسميه بعد ذلك، ويجوز أن تسميه قبل أن يولد. أما التسمية قبل أن يولد: فإن الله قال لزكريا ﵇: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم:٧] ، وقال سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧١-٧٢] فكانت البشارة بإسحاق وبيعقوب ﵉ قبل أن يولد إسحاق وقبل أن يولد يعقوب، وكانت تسمية يحيى قبل أن يولد يحيى ﵇. أما التسمية فور الولادة فلقول النبي ﷺ (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ﵊ ، وكذلك قال أبو موسى ﵁: (ولد لي غلام فذهبت به إلى رسول الله ﷺ فحنكه وسماه عبد الله) . وكذلك تجوز التسمية في اليوم السابع لحديث النبي ﵊: (كل غلام مرتهن بعقيقته، تعق عنه يوم سابعه، ويسمى) وقد روي هذا الحديث بلفظ: (ويدمى) ، وهو خطأ، والصواب: (ويسمى) أي: ويسمى يوم سابعه، والأمر في هذا واسع. والأسماء كما أسلفنا منها المستحب، ومنها المحرم، ومنها المكروه. والأسماء المستحبة تنقسم إلى الآتي: القسم الأول: أحبها على الإطلاق: وهي ما أخرجه مسلم في صحيحه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن) ، وقد ورد في غير مسلم زيادة: (وأصدقها الحارث وهمام) ، والتحرير يقتضي أن هذه الزيادة ضعيفة، وقد حسنها بعض أهل العلم لكونها مما لا يتعلق بالأحكام، لكن التحرير أن زيادة: (وأصدقها الحارث وهمام) متكلم فيها. أما الثابت فهو ما في صحيح مسلم: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن) ، فهذان هما أحب الأسماء إلى الله على الإطلاق. القسم الثاني: كل ما عُبِّد لله سبحانه فهو مستحب، مثل: عبد الرحيم، عبد الكريم، عبد العظيم، ونحو ذلك. أما حديث: (خير الأسماء ما عُبِّد وما حمد) ؛ فحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. القسم الثالث: أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالتسمي بأسماء الأنبياء مستحب؛ لقول النبي ﷺ : (ولد لي الليلة غلام؛ فسميته باسم أبي إبراهيم ﵇ . وقد ورد حديث بلفظ: (تسموا بأسماء الأنبياء) ، وهو بهذا اللفظ متكلم فيه، والراجح عدم ثبوته عن رسول الله ﷺ . إنما يؤيد التسمي بأسماء الأنبياء قوله ﵊: (تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي) ، فحث ﵊ على التسمي بمحمد، وقد سئل رسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم عن شأن مريم فهي ابنة عمران، وموسى هو ابن عمران، ومريم أخت هارون، وموسى هو أخٌ لهارون، فكيف يلتئم هذا مع البون الشاسع والزمن البعيد بينهما؟ فأجاب النبي ﷺ بقوله: (إنهم كانوا يتسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين منهم) ، فكان اسم عمران من أسماء الصالحين في بني إسرائيل، وكان اسم هارون من أسماء الصالحين من بني إسرائيل، فيستحب التسمي بأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويستحب كذلك التسمي بأسماء الشهداء وأهل الفضل، فإن الشخص يحن إلى من تسمى باسمه. القسم الرابع: تستحب التسمية بالأسماء ذات المعاني الحسنة الطيبة، فإن الاسم له مدلول على المسمى، ولما قدم سهيل بن عمرو في صلح الحديبية كي يتفق مع رسول الله ﷺ ، قال ﵊ -فيما رواه البخاري من طريق عكرمة مرسلاً-: (قد سهل لكم من أمركم) أي: كان متفائلاً باسم سهيل بن عمرو، وقال ﵊ في القبائل: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله) ؛ فللمسمى صلة بالاسم حتى في الرؤيا، قال ﵊: (رأيت وأنا في دار عقبة بن رافع، فأتي لنا برطب من رطب ابن طاب، فأولتها أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب) ؛ فللاسم صلة بالمسمى، ويتفاءل بالأسماء الحسنة حتى في الرؤى. القسم الخامس: الأسماء المحرمة: مثل التسمي بشاهنشاه أي: ملك الأملاك، قال الرسول ﵊: (إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى بشاهنشاه، أي: ملك الأملاك) . وألحق بعض العلماء بهذا الاسم ما كان على وزنه ومعناه: كسيد السادات، وسيد الناس، إلى غير ذلك مما كان على هذه الشاكلة. وكذلك الأسماء المعبدة لغير الله تحرم: كعبد الحسين، وعبد المسيح، وعبد العزى ونحو ذلك، فكلها أسماء محرمة؛ لكونها عبدت لغير الله . كذلك أسماء الكافرين التي هي خاصة بهم: كاسم جورج، وبطرس، وزرجس، وغير ذلك من الأسماء التي أصبحت خاصة بالكافرين، فيحرم على المسلم أن يتسمى بها. كذلك التسمية بأسماء الأصنام: كشخص يسمي ولده اللات، أو العزى، إلى غير ذلك من مسميات الأصنام. كذلك التسمي بأسماء الله التي هي خاصة بالله : ككون شخص يسمي ولده الرحمن، فالرحمن لا يليق إلا بالله، ولذلك وسم مسيلمة الكذاب بأنه كذاب مع ادعاء غيره للنبوة، لكن لم يوسم أحد بهذه الصفة وتلازمه هذه الملازمة الطويلة كما لازمت مسيلمة؛ لكونه لقب نفسه برحمان اليمامة، فلما نازع الرب في هذا الاسم؛ لحقه العار إلى يوم القيامة. القسم السادس: أسماء مكروهة ومستنكرة: وهذه قد ذكرها العلماء، منها: تلكم الأسماء التي تثير السخرية كأسماء الحيوانات؛ كمن يسمي ولده: البغل! أو الجحش! أو يسمي ولده: الحمار! فكل هذه أسماء مستقبحة ومستهجنة وليست بلائقة أبداً بل فيها إهانة لمن تسمى بها. كذلك الأسماء التي لا معنى لها: كاللوح، أو برج، أو حائط، ونحو ذلك، فهي أسماء كذلك مستهجنة ومستقبحة. كذلك هذه الأسماء المائعة الرخوة التي هي إلى الميوعة والتخاذل والتهافت أقرب: كزوزو، وفيفي، وسوسو، ونحو ذلك، فهي أسماء متخاذلة متهافتة مائعة. كذلك هذه الأسماء المتتركة التي أخذت من الترك: كجودت، وشوكت، ورأفت، وحكمت ونحو ذلك، فهي في الأصل عربية إلا أنها زيدت فيها التاء، وأصبحت بهذه التاء التي ألحقت بها متتركة، كما أسلفنا في رأفت، وجودت، وحشمت، وحكمت، ونحو هذه الأسماء. كذلك هذه الأسماء المختومة بالياء: كفوزي، ووجدي، ومجدي، ورجائي، ونحو هذه الأسماء فكرهها أيضاً كثير من السلف؛ لعدم عربيتها. كذلك أسماء الكافرات: كزاكالين، وأنديرا، وسوزان، وجيهان، ونحو هذه الأسماء، فهي أيضاً أسماء كرهها كثير من أهل العلم؛ إذ هي في معانيها غير عربية، فذكر كثير من العلماء أن سوزان معناها: الإبرة! القسم السابع: أسماء تافهة لا تقرها أذواق العرب: كفانيا نانسي، وغير هذه الأسماء التي لا يستحبها العرب، إنما هي إلى الرخاوة والميوعة أقرب، كما قال القائل: أمن عوز الأسماء سميت فانيا فشر سمات المسلمين الكوافر فالاسم يدل على مدى إيمان الذي سماه، فرجل سمى ابنته نانسي، ما هو حجم عقله إذ قاده إلى أن يسمي بهذا الاسم التافه؟ أو يسمي بزوزو، أو سوسو، أو فيفي، أو نوزين، أو شرين، أو شريهان، أو غير ذلك من الأسماء. كذلك أسماء أهل الظلم والجور، فإن التشبه بأسماء أهل الجور والظلم محرم في كثير من الأحيان، ومكروه في أحيان أخر وبحسب الحال، فلا شك أن من سمى ولده بفرعون أو هامان أو قارون أنه قد أساء إلى ولده غاية الإساءة. ومن سمى ولده أو ابنته باسم ممثل فاسق أو ممثلة فاسقة، أو راقصة ماجنة، فكذلك له من الإثم والوزر نصيب، إذا كان يقصد التشبه. وكذلك الأسماء التي تحمل معاني ليست بلائقة: كشادي، وشادية، وغير ذلك، فقد ذكر البعض أن شادية بمعنى المغني، وأن شادي بمعنى القرد! فهذه أسماء كلها ينبغي أن يمعن الشخص النظر فيها، ويسمى ولده باسم يحبه الله ويرضاه، ويحبه رسول الله ﷺ ويرضاه. ومن أهل العلم من كره أيضاً كل اسم ألحقت به كلمة (الدين) : كشهاب الدين، وهو أشد كراهية؛ إذ أن الشهاب من النار، وكره فريق منهم: نور الدين، وعلم الدين، وتقي الدين، ومحيي الدين؛ لأنه اسم عظيم فيه وصف للشخص أكثر مما يستحق. وقد غير النبي ﷺ اسم زينب إذ كان اسمها برة، فقيل: تزكى - أي تزكى بهذا الاسم - ويقال: دخل عند برة وخرج من عند برة، فغير النبي ﷺ برة إلى زينب صلوات الله وسلامه عليه. كذلك التسمي بالأسماء التي لها معاني سيئة أو معان تجلب النكد والحزن، فإن النبي ﷺ لما التقى بـ حزن جد سعيد بن المسيب قال له: (ما اسمك؟ قال: حزن. قال: بل أنت سهل، قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي) . قال: فما زالت الحزونة فينا. أي -لازمتنا الحزونة لهذا

стр. 1391

فقه دعوة الناس بما يحبونه وفي قوله: (يا بني إسرائيل) فقه الدعوة إلى الله، فقد تقدم أنك تهيج الناس بمآثر آبائهم الصالحين، كما تقول: يا ابن الشجاع! بارز الأبطال، يا ابن العلماء! تعلم، يا ابن المحسنين! تصدق، فعيسى ﵇ يقول لقومه: يا أولاد هذا الرجل الصالح الطيب! يا أبناء هذا النبي الكريم إسرائيل! فإذا ذكرهم بأبيهم الصالح إسرائيل هاجوا لفعل الخير إن كان فيهم صلاح، كما تأتي أنت الآن إلى رجل من أهل بلدك تقول له: أبوك كان عاقلاً، وكان محسناً، أنشأ مسجداً، وأنشأ مستشفى، وأنشأ مدرسةً؛ فتصدق مثله، حينئذ إذا ذكرته بمآثر أبيه الصالح دفعته إلى الخير دفعاً، وعلى العكس من ذلك، إذا قلت له: أبوك كان لصاً، أو مجرماً، أو غادراً، قطعاً لن يستجيب لك بحال من الأحوال. فتهييج الناس بما فيهم من الخير عليه جملة من الأدلة من كتاب الله ومن سنة الرسول ﵊، قال الله في كتابه الكريم: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣] ، فيخاطبنا ربنا بقوله: يا ذرية القوم الصالحين المحمولين مع نوح كونوا صالحين، فإنه ما حمل مع نوح إلا صالح.

стр. 1392

رسل الله يصدق بعضهم بعضاً قال الله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (مصدقاً لما بين يدي) : أي لما سبقني، ومصدقاً للتوراة التي سبقتني، فمجيئي شاهد بصدق التوراة، فالتوراة قد أخبرت بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، فمجيء عيسى ومجيء رسول الله صلى الله عليها وسلم تصديق للتوراة، فلو لم يأت عيسى ولو لم يأت محمد لكان في التوراة إخبار بما لم يكن؛ فيتهم من تلاها بالكذب، لكن مجيء عيسى محمد صلوات الله وسلامه عليهما وبعثتهما دليل على صدق التوراة التي أخبرت بمجيئهما، وأيضاً ما جاء به عيسى من الدعوة إلى توحيد الله، وما جاء به محمد ﵊ من الدعوة إلى توحيد الله، يصدق ما في التوراة؛ إذ الذي في التوراة الدعوة إلى توحيد الله، والإنجيل والقرآن يصدقان التوراة، والتوراة كذلك تصدق الإنجيل وتصدق القرآن، فكل كتب الله سبحانه يصدق بعضها بعضاً. قال عيسى ﵊: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ، لست بإله. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ [الصف:٦] ، وهنا جملة من المباحث:

стр. 1393

تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب .) قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ﴾ [الصف:٧] ، صيغة: (ومن أظلم) وردت في هذا الموطن؛ لتفيد: أنه لا أحد أبداً أظلم ممن افترى على الله الكذب، ولكن جاءت هذه الصيغة في مواطن أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة:١١٤] ، وحديث: (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؛ فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا شعيرة) ، ونحو هذا كثير، فكيف يجمع بين هذه الأشياء؟ وأيهما أظلم: هل أظلم الناس من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه أو أظلم الناس من افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم، أو أظلم الناس من ذهب يخلق كخلق الله؟ لقد جمع العلماء بين هذه النصوص بعدة أوجه، منها: أنهم قد يكونون كلهم في الظلم سواء، وكلهم في الدرجة العليا من الظلم، أي: ينزل على الاختصاص، بمعنى: لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا أحد من الكاذبين أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم، ولا أحد من المصورين أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله ويباهي بخلق الله؛ فينزل على الاختصاص. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلامِ﴾ ، توجه له الدعوة بالخير وهو يأبى، ويقلبها إلى جحود وكفر! قال الله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصف:٧] ، الإجابة على قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ كما تقدم في قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ . لكن قد يرد إشكال: كيف هذا والله قد هدى بعض الظالمين، بل كثيراً منهم؟ فكيف يلتئم قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ مع الواقع الذي فحواه: أن من الظالمين من هداه الله؟ فالإجابة من وجهين: الوجه الأول: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، الذين سبق في علم الله أنهم سيموتون على الكفر، هؤلاء لن يهديهم الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٦-٩٧] . الوجه الثاني: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ، ما داموا قائمين على ظلمهم ولم يسلكوا سبل الهداية. هذان هما الوجهان، والله أعلم. ويراد بالظلم هنا: الشرك، وإطلاق الظلم على الشرك وارد في كتاب الله، قال الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: بشرك، كما فسرها الرسول ﵊ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] . وقد تقدم مراراً أن أهل السنة والجماعة على وجود ظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وكفر دون كفر، وشرك أكبر وشرك أصغر، ونفاق عمل ونفاق اعتقاد، وتقدم تقرير ذلك.

стр. 1394

إكمال الله نوره وإتمامه لدينه قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] ، (يريدون) أي: أهل الكفر، وما المراد بنور الله في هذه الآية الكريمة؟ للعلماء فيها أقوال خمسة: القول الأول: أن المراد بنور الله: القرآن. القول الثاني: أن المراد بنور الله: الإسلام. القول الثالث: أن المراد بنور الله: محمد ﵊. القول الرابع: أن المراد بنور الله: حجج الله، وآيات الله سبحانه، وأدلة القرآن الكريم التي يستدل بها في كتاب الله وفي السنة. القول الخامس: أن هذا مثل مضروب لمن أراد أن يذهب الخير بفيه. قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩] . ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ الرسول هو محمد ﷺ ، ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ﴾ أي: ليعليه، فالظهور هو العلو، ومنه قول الرسول ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) . ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ، والدين هنا المراد به: كل الأديان.

стр. 1395

التجارة مع الله قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:١٠] ، ذكر بعض العلماء سبباً لنزول في هذه الآية الكريمة وهو: أن أصحاب النبي ﷺ تساءلوا فيما بينهم: لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لتقربنا إلى الله به، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف:١٠-١١] . ثم فكيف قيل لهم: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف:١١] وهم في الأصل مؤمنون؛ إذ صدر الخطاب لهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الصف:١٠] ؟ فكيف يقال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ، ثم يقال لهم: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الصف:١١] ؟ فالإجابة كالإجابة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] ، فمعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] ، أي: اثبتوا على إيمانكم أو زيدوا من الإيمان، فهذا من هذا الباب. فإذا كان على هذا التأويل الثاني: زيدوا من إيمانكم، ففيه دليل على زيادة الإيمان، وزيادة الإيمان من معتقد أهل السنة والجماعة، وجمهورهم على أن الإيمان يزيد وينقص، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُم﴾ [محمد:١٧] ، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] ، إلى غير ذلك من الأدلة.

стр. 1396

وجوب نصرة الله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ في هذا أيضاً تهييج للمؤمنين ومخاطبتهم بصفة يحبونها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف:١٤] من العلماء من قال: هنا مقدر محذوف، والمعنى: كونوا أنصار دين الله، أي: انصروا دين الله، وانصروا كتاب ربكم وسنة نبيكم، وملة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّين﴾ [الصف:١٤] ، من العلماء من قال: إن الآمر بالكون هو الرسول ﵊، فقدروا حينئذ مقدراً محذوفاً فقالوا: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا نبيكم إذ قال لكم: كونوا أنصار الله كما أطاع الحواريون عيسى بن مريم لما قال لهم: كونوا أنصار الله. والمقدرات تأتي في كتاب الله في مواطن وتستاغ، وتأتي في مواطن أخر وتكون مرجوحة، وبحسب السياق الذي وردت فيه يحكم عليها بما تستحق. ﴿كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصف:١٤] أي: من ينصرني في بلاغي لدين الله؛ فعلى هذا يجوز للنبي أو للرجل الصالح أن يطلب مساعدة قومه له كي يبلغ الدين، يجوز للنبي ﵊، ويجوز للشخص الصالح أن يطلب المعاونة والمؤازرة من قومه وأتباعه وأحبابه لتبليغ هذا الدين، وفي هذا الباب يقول الرسول ﵊: (ألا هل من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي ؟ ألا هل من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي ؟) فطلب مثل هذا لا يكره ولا يخدش في توكل الشخص على الله، بل هو من باب الأخذ بالأسباب. قال عيسى للحواريين: من أنصاري إلى الله؟ والحواريون المراد بهم: الأنصار، وهذا الرأي الراجح في تفسير الحواري، ومنه قول النبي ﵊: (لكل نبي حواري، وحواري الزبير بن العوام) ، فالحواري هو الناصر، والحواريون هم الأنصار. وثم أقوال أخرى في سبب تسميتهم بالحواريين: منها: أنهم سموا بالحواريين لبياض ثيابهم، وقال آخرون: سموا بالحواريين لبياض عمائمهم، وهذه الأقوال كلها وردت بها آثار عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين، لكن لا يثبت فيها خبر عن رسول الله ﵊. ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يختبر ما عندهم، ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف:١٤] من أهل العلم من المفسرين من أورد هنا أثر ابن عباس الذي روي عنه بإسناد صحيح عند ابن أبي شيبة وغيره: (أن عيسى ﵊ خرج على أصحابه الحواريين ذات يوم فقال لهم: من يلقى عليه شبهي ويكون معي في الجنة؟ يعني: انتدبهم، فقال شاب: أنا يا رسول الله! فسكت عيسى ﵊، ثم قال: من يلقى عليه شبهي ويكون معي في الجنة؟ فسكت القوم، وقال نفس الشاب: أنا يا رسول الله! فسكت، ثم قال: من يلقى عليه شبهي ويكون معي في الجنة؟ قال: أنا يا رسول الله! فأغفى القوم كلهم إغفاءة -أي: أخذتهم سنة من النوم- وألقي شبه عيسى على هذا الغلام، ورفع الله عيسى إليه) ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] ، فرفع عيسى ﵊ وألقي شبهه على هذا الغلام، فدخل اليهود الذين كانوا قد أصدروا حكماً بصلب عيسى على الحواريين، فرءوا هذا الشاب وقد تصور بصورة عيسى، وألقي عليه شبه عيسى كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ، فأخذوه وصلبوه، وادعوا أنهم صلبوا عيسى. فاختلف الحواريون الجلساء في الأمر، فقال فريق منهم: هو الله كان بيننا ما شاء أن يكون ثم صعد، وقال آخرون: لا، بل هو ابن الله أرسله الله سبحانه كي يذبح أو يصلب تكفيراً لخطيئة آدم، وقال آخرون: هو عبد الله ورسوله. فالطائفة التي قالت: هو الله. هم اليعقوبية، والطائفة التي قالت: هو ابن الله. هم النسطورية، والطائفة الثالثة هي الطائفة المسلمة، فتعاضدت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة التي قالت: هو عبد الله ورسوله فقاتلوها، فمنهم من ثبت في القتال وقاتل حتى قتل، ومنهم من هرب إلى الفيافي والقفار والصوامع يعبد الله ، وما زال الأمر مطموساً إلى أن أيد الله هذه الفئة المؤمنة ببعثة النبي محمد ﵊، وهذا عند طائفة من المفسرين هو المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أي الذين آمنوا بعيسى أيدناهم ببعثة محمد ﵊ إليهم، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أي: فوق عدوهم، وذلك ببعثة الرسول ﵊، قال الله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء:١٥٧] ، وهذا كلام ربنا سبحانه، وهذا الفارق بين الإسلام والنصرانية، وهو من أقوى الفوارق بعد قضايا التوحيد الكبرى، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ ، هذا كلام الله سبحانه، فكل من ادعى أن المسيح قد صلب فهو كذاب أشر، مخالف لكلام الله ومخالف لكلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وثم وجه آخر من أوجه التأويل: أن التأييد والظهور بالحجة والغلبة والبيان، وأن: التأييد سيكون بنزول عيسى ﵊ في آخر الزمان، كما قال ربنا سبحانه في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف:٦١] . قوله: ((وَإِنَّهُ)) ، للعلماء فيها قولان: الأول: أنها راجعة إلى عيسى، وأن نزوله من علامات القيامة، وأن مبعثه ومخرجه علامة على اقتراب الساعة. الثاني: من العلماء من قال: هي راجعة إلى الرسول، لكن القول الأول هو الأشهر. وقال ﵊: (والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً، فيقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها) ، والقلاص هي الإبل. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1397

أنواع الجهاد في سبيل الله وقوله تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١١] ، هذه الآية تبين أن مفهوم الجهاد لا يتمثل فقط في الجهاد بالسيف. وهذا من المسائل التي أخطأ فيها المترجمون الذين ترجموا معاني مفردات القرآن وسنة الرسول ﵊، فمن الترجمة الخاطئة أن يترجم الجهاد بمعنى (Trajel) فقط، ويحصر مفهوم الجهاد في القتال. وهذا مفهوم قاصر، فالجهاد أعم من القتال، ولذلك قال الرسول ﵊: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن) ، وهناك صور من صور الجهاد غير القتال، كالجهاد بالمال، والجهاد بالكلمة، ومنها حديث النبي ﵊: (أفضل الجهاد: كلمة حق عند سلطان جائر) . ومن هذا الباب: مجيء الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال له: (يا رسول الله! إني أريد الجهاد معك، فقال له ﵊: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) ، فهناك مجاهدة بصور متعددة؛ فترجمة الجهاد إلى (Trajel) بمعنى القتال، تفسير قاصر، وترجمة قاصرة من المترجم الذي قام بها. ولذلك قال كثير من العلماء المعصرين: إن التفاسير التي ترجمت الآن من بعض الإخوان وإن كانوا على درجة من الخلق الحسن والصلاح، لكن لقلة علمهم بالمدلولات الشرعية أخطئوا في كثير من الألفاظ حين ترجموها، ولكن استدركوا على مثل هذه الترجمة القاصرة بعموم سيرة النبي ﵊، وبعموم سنة النبي ﷺ ؛ فإذا بين أن من الجهاد جهاد بالنفس قضى هذا البيان على حصر الجهاد في الجهاد بالسيف. وهنا يقول الله سبحانه: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١١] ، وكذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] ، فقدم الجهاد بالمال في بعض الآيات على الجهاد بالنفس، وفي بعض الأحيان يقدم الجهاد بالنفس على الجهاد بالمال كل بحسبه؛ فلذلك إذا سمعت حديث النبي ﵊: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) ؛ فلا تظن أنه انتهى بعدم وجود المعارك بل عليك أن توقن بحديث نبيك محمد ﵊ وأنه مراده به كل أنواع الجهاد. وفي الحقيقة أن هذا باب مفتوح لمن أراد أن يجاهد الآن، فلا تركز على مطعمك ومشربك ومنكحك وبيتك وتهمل الدعوة إلى الله، وتهمل نصرة كتاب الله وسنة رسول الله، فباب الدعوة لهذا الغرض مفتوح ومتسع، ويستنزف كل أموالك، بل كل حياتك، حتى إذا اشتريت مائة شريط في السَنة ووزعتها على سائقي السيارات، تبث من خلالها كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وتنشر بها خيراً، أو تنشيء مصالح خيرية، أو تساعد في مصالح خيرية؛ فإن الجهاد بالمال ماض أيضاً إلى يوم القيامة، وهو أحد أقسام الجهاد. كذلك كلمة الحق التي أخذها الله سبحانه منك، ومن كل من تعلم وأوتي نصيباً من العلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] ، فإذا خصصت جزءاً من حياتك للتفقه في دينك، وجزءاً من مالك لنشر كتاب ربك وسنة نبيك ﷺ ؛ فإنك مجاهد حينئذ، وأنت على ثغر من الثغور وإن كان لا يشعر بك أحد من الناس. قال الله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [الصف:١١-١٢] ، ومعنى عدن: إقامة، عدنت في مكان كذا، أي: أقمت في هذا المكان، أي: هي جنات إقامة وخلود لا يخرج منها الشخص، فإن الموت يذبح كما في الصحيح وغيره، قال ﵊: (يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيوقف على قنطرة بين الجنة والنار، فينادى: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت، وينادى: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت، فيذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار، ثم تلا الرسول ﵊ ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩-٤٠] ) ؛ فجنات عدن: أي جنات إقامة. ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ [الصف:١٢-١٣] أي: وبشارة أخرى تلحقكم إذا أنتم آمنتم وجاهدتم بالأموال وبالأنفس. ما هي هذه الأخرى التي تحبونها؟ ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [الصف:١٣] ، في الحياة الدنيا، ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف:١٣] ، ما المراد بالفتح القريب؟ قال فريق من أهل العلم: إن المراد بالفتح القريب هو فتح مكة. وقال آخرون: هو أعم من ذلك، وهو عموم الفتوحات التي فتحها الله على نبيه محمد ﷺ ، وعلى الصحابة الذين جاهدوا معه، ومن بعده. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٣] ، البشارة إذا أطلقت فهي بشارة بالخير، وإذا قيدت البشارة فعلى حسب ما قيدت به، فإذا قلت: أبشر يافلان، فهذه البشرى معناها بشرى بالخير، لكن إذا قيدت فعلى حسب ما قيدت به، كما قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣] ، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧-١٨] ، وللبشرى فقه وأحكام متسعة وليس المقام مقامها. قال : ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٣] ، يؤخذ من هذا استحباب التبشير بالخير. أما التبشير بالشر وبما يكره، هل يستحب أو يكره؟ الظاهر أن له فقهاً وأحوال، فقد تدافع علي والزبير ﵄ لما قتل حمزة، ومثل به، وشقت بطنه، واستخرجت كبده، فجاءت أخته صفية تبحث في القتلى عن أخيها حمزة، وعن الذي أصابه، فرآها علي والزبير، فقال علي للزبير: أخبر أمك بشأن أخيها حمزة، وقال الزبير لـ علي: بل أخبر عمتك أنت؛ إني أخاف على عقلها. ، الحديث إلى آخره. فهل البشارة بالسوء يتحفظ فيها الشخص؟ نعم. اللهم إلا إذا قوي إيمانك وإيمان من سيلقى إليه الخبر، فلهذه المسائل فقه، ولها أحوال، والله سبحانه أعلم. أما البشارة بالخير فقد بشر الرسول ﷺ أصحابه ﵃، كما في حديث: (ائذن له وبشره بالجنة) ، إلى غير ذلك.

стр. 1398

تفسير سورة الجمعة [٢] لقد سميت هذه السورة بسورة الجمعة برهاناً على عظم يوم الجمعة، وأنه ينبغي للمسلمين أن يتفرغوا فيه لذكر الله سبحانه، وأن يراعوا التبكير إلى الصلاة، مع الامتثال لأحكام الجمعة من غسل وتطيب وتجمل وليس أحسن الثياب، ثم إذا قضى العبد الصلاة على أكمل وجه فلا مانع من انتشاره في الأرض طلباً للرزق والمعاش، فإن شرع الله لا يتعارض مع ذلك؛ بل يحث العبد على أن يكسب ويأكل من عمل يده، وأن ينفق على زوجه وأولاده من كسب يده.

стр. 1399

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ .) باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩] .

стр. 1400

مسألة صلاة السنة بعد الجمعة ترد هنا مسألة وهي: السنة التي بعد الجمعة. ذكر البعض أن النبي ﷺ (كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً، وإذا صلى في البيت صلى ركعتين) ، وهذا التقييد غير جيد وغير صحيح، وبعد تحرير القول في هذه المسألة فالحاصل فيها أنك إن شئت صليت أربعاً في المسجد أو اثنتين، وإن شئت صليت في البيت أربعاً أو ركعتين، والتقييد هكذا ليس بمرفوع إلى رسول الله ﷺ . والذي يحضرني الآن على ما يغلب على ظني أنه من فعل ابن عمر نفسه، وليس من كلام رسول الله ﷺ ، ولا من فعل رسول الله ﷺ . فالشاهد: أنك تصلي إما ركعتين في البيت أو أربعاً، وإما ركعتين في المسجد أو أربع ركعات. ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩] ، الخيرية هنا لا تقتضي مجرد التفضيل، فقد تقول مثلاً: زيد خير من عمرو، فقولك: زيد خير من عمرو تفيد أن عمراً فيه خير، لكن زيد أفضل من عمرو، أما قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [الجمعة:٩] لا يفيد أن هناك خيرية في ترك الجمعة أبداً، بل قال الرسول: (من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً طبع الله على قلبه) ، والأحاديث في ذم التخلف عن صلاة الجمعة قد تقدمت، وهي كثيرة مشهورة جداً، ولكن كما قال الله سبحانه: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] ، فأهل النار ليسوا في شيء من الخيرية بحال.

стр. 1401

استحباب جماع الرجل لزوجته يوم الجمعة هل يستحب للشخص أن يجامع زوجته يوم الجمعة وهو متجه إلى الصلاة، أو في نهار الجمعة، أو في ليلة الجمعة؟ ورد حديث فيه: (من غسل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ثم أتى إلى الجمعة فاستمع وأنصت، ولم يفرق بين اثنين، ثم صلى مع الإمام فإنه لا يخطو خطوة إلا كتب له بها أجر سنة قيامها وصيامها) . أخذ بعض العلماء من قوله: (غسل واغتسل) أي: غسل زوجته - تسبب لها في أن تغتسل وذلك بالإتيان الذي يترتب عليه الجنابة فمن ثم تغتسل، وهو كذلك سيغتسل، فحملوها على هذا المعنى. وهذا الحديث -في الحقيقة- صحيح من حيث سلامة الإسناد، لكن في القلب من متنه شيء، وذلك لأن النصوص الواردة عن رسول الله ﷺ بأسانيد ثابتة صحيحة كالجبال، عمومها يفيد أن الخطوة تحط خطيئة وترفع درجة، وهي في الصحيحين أو في غيرهما، لكن هذا الحديث خارج الصحيحين. وهذا الحديث فيه زيادة وهي: (أن كل خطوة بها يكتب أجر سنة صيامها وقيامها) ، فهذا من ناحية المعنى لا يتفق مع الوارد في الصحيحين بأسانيد أثبت وأصح من هذه الأسانيد أن كل خطوة تحط خطيئة أو ترفع درجة. وقد قال الذهبي في تعليقه على مستدرك الحاكم في شأن هذا الحديث: وهذا الحديث له علة مهدرة يعني: أنه لا يقبل العلة المهدرة التي فيه. وفي الحقيقة أن بعض أهل العلم يقولون: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنهم من يقول: إن من العلماء من جعل من القرائن التي تحكم على الحديث بالضعف الأجر الكبير جداً مقابل العمل اليسير، أو العذاب الشديد جداً مقابل الذنب اليسير، فيجعلون ذلك من القرائن على الحكم على الحديث بالوضع أو بالضعف. ومن ثم فضعف بعض العلماء حديث السوق (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كتبت له ألف ألف حسنة، ورفعت له ألف ألف درجة، ومحيت عنه ألف ألف سيئة) إلى آخر الحديث. مع أن الحديث الثابت في صحيح مسلم: (له بكل تهليلة صدقة) فالأحاديث الثابتة (لك بالتهليلة صدقة، وبالتسبيحة صدقة، وبالتحميدة صدقة) بينما ذاك جعل لك ألف ألف حسنة، ومحا عنك ألف ألف سيئة، ورفعت بذلك ألف ألف درجة، بيد أن الحديث في إسناده عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، وهو ضعيف، وهو غير عمرو بن دينار صاحب الصحيحين. فمن العلماء من يجعل الأجر العظيم جداً مقابل العمل اليسير فيه إشارة إلى ضعف الحديث، لكن على كل حال: إسناد الحديث حتى الآن ثابت، وهو إما صحيح أو حسن، ولا ينزل عن الحسن، إلا أن البحث ما زال جارياً عن علة لعدم طمأنينة النفس إلى هذا الحديث، كعدم طمأنينة النفس من قبل إلى حديث: (الربا سبعون باباً أيسرها أن يأتي الرجل أمه) هذا الحديث أصلاً مخالف من ناحية المعنى لثوابت أخر، فإن النبي ﷺ لما ذكر أكبر الكبائر قال (الشرك بالله، ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، ثم أن تزاني حليلة جارك) فجعل الزنا بحليلة الجار مقدم على الربا، ولا شك أن الزنا بالمحرم كالأم أو الأخت أعظم من الزنا بحليلة الجار، إذاً قدم على الربا بعمومه، فكيف تقول: أيسر شعبة في الربا بسبعين زنية بالمحرم؛ الأم أو الأخت؟ فلهذا ضعفه فريق من العلماء من هذا الباب فضلاً عن ما في أسانيده من ضعف، وثم رسالات مؤلفة في هذا الحديث. على كل حال: استحب فريق من أهل العلم الجماع يوم الجمعة؛ لما يجره الجماع من اغتسال، ولما يجره الاغتسال من ثواب سواء للرجل أو للمرأة، والله أعلم. شذ ابن حزم هنا شذوذاً غريباً خالف فيه جماهير العلماء وفحوى شذوذه: أن من جامع زوجته في يوم الجمعة فعليه غسلان، غسل لرفع الجنابة، وغسل آخر للجمعة، وهذا من القول الغريب العجيب إذ لم يرد أن الرسول اغتسل غسلين صلوات الله وسلامه عليه يوم الجمعة، لكن لعله بنى على أنه لا يصلح أن تكون هناك نيتان لعمل واحد، فقال: هذه الجنابة يلزمها غسل بنية، والجمعة يلزمها غسل بنية أخرى، لكن على كل حال هذا قول شاذ ومطرح ومنبوذ.

стр. 1402

الاستدلال بالمفهوم المخالف من أضعف الاستدلالات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] المفهوم المخالف لا يعمل به هنا، يعني: إذا لم ينادى إلى الصلاة ليس معناها لا أسعى إليها، ولهذا قال فريق من أهل العلم: إن الاستدلال بالمفهوم المخالف يكون من أضعف الاستدلالات. ومعنى المفهوم المخالف يتمثل أو يتضح عند قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] ، إن جاءنا عدل بنبأ هل لا نتبين من الأصل، أو يجوز لنا أيضاً أن نتبين؟ فالمفهوم المخالف يقول: إن جاءك عدل بنبأ فلا تتبين، لكنه ضعيف، وليس بصريح في تقرير القاعدة التي جلبت من ورائه. فكذلك هاهنا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة:٩] لا يفيد أنه: إذا لم ينادى إلى الصلاة لا تسعوا، وذلك لأن النبي ﷺ قال: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة) . وبهذا استدل العلماء على التفريق بين البدن والبقر، فقالوا: البدن: الإبل، لكن أحياناً قد يأتي التغليب وتكون البدن أو البدنة تطلق على البقرة: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] ، للعلماء فيها القولان. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] تقدم الكلام على قوله سبحانه: (وذروا البيع) ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩] ، يعني: إن كانت عندكم عقول وكنتم تفهمون أن متاع الدنيا زائل، وأن ما عند الله خير وأبقى، فإن كنتم تعلمون فإقبالكم على الجمعة خير لكم من اللهو ومن التجارة. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠] ، تقدم الكلام على ذلك أيضاً.

стр. 1403

خلاف العلماء في غسل يوم الجمعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] يلحق بنا هنا مبحث سريع في غسل الجمعة وهل هو واجب أو غير واجب؟ يرى جمهور العلماء أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب، ومن العلماء من يرى الوجوب. أما أدلة الجمهور القائلين بالاستحباب: فمنها حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان الناس يأتون من العوالي - عوالي المدينة - مسافات طويلة يمشون، فيعلوهم الغبار فيأتون إلى المسجد ولهم روائح - أي روائح كريهة من العرق والحر الشديد والغبار الذي خالط الأجسام - فقيل لهم: لو اغتسلتم) . وأوردوا أيضاً في الاستدلالات على أنه مستحب وليس بواجب حديثاً آخر: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) وهو حديث ضعيف. وأوردوا حديثاً ثالثاً في بيان الاستحباب وعدم الإيجاب وهو أن النبي ﷺ قال: (من توضأ في بيته ثم أتى إلى المسجد فصلى ما كتب الله له أن يصلي فلا يخطو خطوة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة) ، فمن لفظه ﵊: (من توضأ في بيته) ولم يذكر (ومن اغتسل) . فأصبحت عمدة القائلين بأن الغسل - غسل الجمعة - ليس بواجب ثلاثة أحاديث: حديث أم المؤمنين عائشة وحديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) لكن في إسناده ضعف، وحديث: (من توضأ ثم أتى إلى المسجد فصلى ما كتب الله له أن يصلي ثم استمع وأنصت) الحديث. قالوا: إن فيه (من توضأ) وليس فيه من اغتسل. أما أدلة القائلين بالوجوب فمنها: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) . والثاني: (حق لله على كل مسلم أن يغسل جسده في كل أسبوع يوماً) . والثالث: حديث ابن عمر: (من أتى إلى الجمعة فليغتسل) . والرابع: أثر عمر لما كان يخطب فدخل أمير المؤمنين عثمان وهو يخطب، فلما رآه عمر دخل متأخراً بعد الأذان - بعد صعود الإمام المنبر - قال له: (أية ساعة هذه؟) أي: لماذا تأخرت حتى إن الملائكة طوت الصحف؟! قال: (والله يا أمير المؤمنين! ما زدت على أن توضأت. قال: (توضأت وقد علمت أن الرسول ﷺ كان يأمر بالغسل) ، فأخذوا من قوله: (أن الرسول كان يأمر بالغسل) على أن الأمر أمر إيجاب إلا إذا صرفه صارف. هذه عمدة القائلين بوجوب غسل الجمعة. وكما أسلفنا فالجمهور على أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب. قد يقول قائل: كيف يسوغ للجمهور أن يقولوا: إنه مستحب، والرسول ﷺ قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) ؟! فأجاب الجمهور على ذلك: بأن كلمة (واجب) من رسول الله ﷺ لا تعني نفس المدلول الاصطلاحي الذي أصله الفقهاء والأصوليون، فكلمة (واجب) بمعنى (حق) ولا تعني الوجوب الاصطلاحي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه. وثم جملة اصطلاحات للرسول ﷺ ، بل للكتاب العزيز فيها مدلولات وللأصوليين فيها مدلولات أخر. فمثلاً كلمة الكراهية، قال الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء:٣٣] ، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١] ، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٣٤] ، في آخر الآيات: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] ، فالكراهية هنا تدل على التحريم يقيناً، وليس الكراهية الاصطلاحية الموضوعة في مباحث الفقهاء. هذه إجابة الجمهور على الاستدلال بحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) . أما حديث: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) ، أو حديث: (قد علمت أن الرسول كان يأمر بالغسل) فهذا وذاك قد صرفهما صارف، ألا وهو حديث عائشة: (قيل لهم: لو اغتسلتم) أو الحديث الآخر: (من توضأ في بيته ثم أتى إلى المسجد) . فالمسألة هذا حاصلها، وثم أقوال أخر فيها، والله أعلم. الحاصل أن رأي الجمهور على أن غسل الجمعة مستحب وليس بواجب، ومن العلماء من ذهب إلى الوجوب لظواهر الأحاديث التي سمعتموها، وقد علمتم توجيهها. يستحب للساعي إلى الجمعة أن يلبس أحسن الثياب، وذلك أنه: (لما قدمت على الرسول حلل سيراء من عطارد قال عمر يا رسول الله! خذ هذه فتجمل بها للوفود والأعياد والجمع، فردها الرسول لعلة أنها كانت من حرير، وقال: إنما يلبسها من لا خلاق له) فيستحب للجمعة لبس أحسن الثياب، وقد ورد حديث وإن كان فيه مقال: (ما على أحدكم لو اتخذ ثوباً ليوم الجمعة غير ثوب مهنته) . فيستحب للشخص أن يلبس أجمل الثياب، وأن يتطيب بأحسن ما يجد من الطيب، وأن يستاك بالسواك أو ما يقوم مقام السواك في حالة غياب السواك، فهذه سنن حث عليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1404

المراد بالسعي المأمور به إلى صلاة الجمعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، قوله سبحانه: (فاسعوا) قد تقدم الكلام عليه، وكيف يجمع بين قوله سبحانه وبين قول الرسول ﷺ : (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) ؟ ويجاب على هذا الإشكال بأن السعي تتعدد معانيه، فالسعي أحياناً يطلق على المشي، وأحياناً السعي يطلق على العمل، وأحياناً السعي يطلق على الجري: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] ، أي: تجري وتضطرب. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فللسعي معانٍ عدة. فالسعي المنهي عنه في قوله ﵊: (فلا تأتوها وأنتم تسعون) يعني: تسرعون في المشي وتجرون. أما ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] أي: فامضوا واذهبوا إلى ذكر الله. قال فريق من أهل العلم: وهكذا هي في قراءة ابن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) .

стр. 1405

من فوائد الآية عدم ذكر الأشخاص بأسمائهم وتجريحهم في الخطبة قوله سبحانه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] يؤخذ منه أدب يتأدب به الخطيب ويتأدب به المستمعون، فالخطيب الذي يقف على المنبر ويتناول الأشخاص بأسمائهم غير موافق لسنة الرسول ﷺ ومخالف للشرع من وجوه: أولاً: أن الله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ولم يقل: اسعوا إلى ذكر فلان وفلان، وكذلك ينسحب هذا على الإطراء الزائد على المنابر، إذا وقف شخص وجلس يمدح على المنابر أشخاصاً بأسمائهم في يوم الجمعة هذا أيضاً مخالف؛ لأننا ما أمرنا أن نذهب للاستماع إلى سباب فلان وفلان، أو إلى الثناء على فلان وفلان، فإن فعل فيكون عارضاً على حسب الحاجة إليه، ولا يكون أصلاً، إن الله قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] فالغالب في الجمع أن يكون فيها ذكر الله ، وذكر جنته وناره. ثانياً: أن النبي ﷺ ما ذكر شخصاً باسمه على المنبر في يوم الجمعة أياً كان هذا الشخص، فما ذكر شخصاً من الذين عاصروه من الكفار أو أهل النفاق باسمه، فأشد الناس نفاقاً وأعظمهم وهو عبد الله بن أبي ابن سلول، لما فعل فعلته القبيحة وقذف أم المؤمنين عائشة ﵂، عمل أمراً مؤلماً وموجعاً غاية الإيجاع والإيلام، إلا أن الرسول ما صعد المنبر وذكر يوماً واحداً أو مرة واحدة اسم عبد الله بن أبي ابن سلول، حتى إنه لما قام على المنبر في حديث الإفك قال: (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً؟!) حتى إن الصحابة الذين كانوا يحضرون المجلس في مسجد الرسول ما عرفه إلا بعضهم، حتى قام سعد بن معاذ وقال: (يا رسول الله! أخبرنا من هو إن كان منا -أي: من الأوس- قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فقتلناه؛ فقام سعد بن عبادة يدافع. الشاهد: أن الصحابة منهم من لم يكن يعرف من هو هذا الرجل، مع أنه رئيس المنافقين، ومع أنه ارتكب فرية بقذف محصنة غافلة مؤمنة عللاوة على أنها زوجة نبي ﷺ . ثالثاً: أن النبي ما ذكر شخصاً باسمه على المنبر أياً كان هذا الشخص، وعلى هذا فأخونا الذي يقف على المنبر ذاكراً مساوئ أحد الناس يكون قد خالف الشرع، وهذا القول مني على إطلاقه وليس حباً في وزير، أو دفاعاً عن رئيس أو وزير فكل منهم له شأن ولنا شأن. أقول: الذي يقف على المنبر ويقول في خطب الجمعة -وكان هذا متفشٍ في بعض الأزمنة-: فلانة زوجة فلان فعلت كذا وكذا وصورتها في كذا وكذا كل هذا من العبث والمخالفة للشرع التي يجهلها الخطيب ويظن أنه يحسن صنعاً وهو مسيء غاية الإساءة، بتشويشه على أفكار الناس. ثم إن الله قال في كتابه الكريم: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٨] وقد تقدم أن كثرة الحديث على المفاسد والمعاصي على المنابر تسبب للناس فقدان حساسية تجاه هذه المعاصي والكبائر. تقدم أن بعض المفسرين ذكر عند قول الله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] قال: كنت ببلدة صغيرة لا يعرف أهلها الخمر، وكنا إذا سمعنا أن شخصاً أتى من الخارج مثلاً وشرب خمراً في البلدة، فكل البلدة بالإجماع تقاطعه، إذا تقدم يتزوج امتنعنا عن تزويجه، وإذا تقدم ليصلي لا نصلي وراءه، فلما ذهبت إلى بعض البلدان وجدت الخمر تباع في الطرقات، والسكارى يمشون في الشوارع، عندها قلَّت كراهيتي لشارب الخمر يوماً بعد يوم بعد يوم إلى أن تلاشت كراهيتي لشارب الخمر. فكثرة الحديث في مسألة تهونها على السامعين، فمثلاً قد تستبشع إذا سمعت أن شخصاً ما زنى، ثم بتكرار الكلام في مسائل الزنا والعياذ بالله، فلان زنى فلانة زنت أصبح الأمر عندك سهلاً، فتأتي تريد أن تسمع خبراً أبشع من الزنا، فيلفت نظرك خبر آخر أن رجلاً زنى بامرأة من محارمه فتستبشع الخبر، فيضربون على هذا الوتر مرات ومرات حتى يسهل عندك الأمر، ثم يقولون: فلان زنى بامرأة واغتصبها في الطريق فتستبشع ذلك، ولهذا عيبت الصحف وانتقدت جرائد الحوادث وصفحات الحوادث التي تروج للرذيلة من حيث لا تشعر، وتنشر الفساد في الأرض من حيث لا تشعر، والرسول يقول: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) . فتسمية الأشخاص على المنابر أمر غير محمود وغير مشروع، ونحن نحاجج من يريد أن يحاجج بأن يأتينا بأثر واحد عن رسول الله أنه سمى شخصاً واحداً على المنبر في يوم الجمعة في رواية ثابتة عنه ﷺ . فالفقه في الدين واتباع سنة الرسول ﷺ مطلب شرعي، فقد تصعد على المنبر وترتكب المخالفة، وتسب مثلاً وزير الداخلية باسمه، وبعد أن تسب وزير الداخلية تعتقل، وفي الحقيقة أنك اعتقلت أصلاً -أو أيضاً- لمخالفتك للشرع، لأنك ما وافقت سنة الرسول ﵊، ولا اتبعت سنته في الهدي، وفي التصحيح والتقويم. إذا كان هناك أمر ما مخالف للشرع فنبه على هذا الأمر المخالف للشرع لا تُمنع من ذلك أبداً، بل لزاماً عليك أن تنبه، لكن لا يلزمك أبداً ولا يتعين عليك أن تسمي الشخص باسمه، وهدي رسولنا ﷺ أكمل هدي. ثم لعل هذا الذي قذفته يتوب، فيجد بينه وبين التوبة حائلاً وهو شريطك المنتشر في العالم كله والذي تفضحه فيه وتشهر به، قد تسب شخصاً على المنبر الآن وتلعن فيه، وتسب راقصة وتلعن فيها، والله يتوب على من تاب، فالغالب أنها تتوب، فكيف تصنع أنت بشريطك الذي شهرت بها فيه وشرحتها فيه تشريحاً؟! فتكون حينئذ سلكت سبيل الذين يصدون عن سبيل الله، وينشرون للمرأة التائبة أو للممثلة التائبة أشرطتها كي يصدونها عن سبيل الله بهذه الأشرطة الفاضحة التي أخذوها عليها، فسنة الرسول ﵊ فيها خير هدي. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] وهذا المنع يشمل باب الذم وباب الإطراء، فلا تقف على المنبر تسبح بحمد الأشخاص، وتثني على الأشخاص، فالرسول ﷺ يقول: (احثوا في وجوه المداحين التراب) ، وقد ورد في أثر صححه البعض وضعفه آخرون: (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما) ، فلا تسرف في الحب ولا في البغض، فالاقتصاد مطلب شرعي علمنا إياه رسولنا محمد ﷺ ، فإن المغالاة في الحب تحملك على الدفاع عن المحبوب ولو بالباطل، والمغالاة في البغض تحملك على هضم الحق وإماتته الحق والعياذ بالله. ولكن انظر إلى اتزان الرسول ﷺ والرزانة والوقار، يحب ابنته فاطمة حباً جماً ﵊، وكلما دخلت عليه قبلها وأجلسها، وكلما ذهب إليها قامت إليه فقبلته وأجلسته، لكنها محبة منضبطة بالشرع يقول: (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة سرقت لقطع محمد يدها) . يحب أسامة بن زيد غاية المحبة، يعثر أسامة فيجرح أنفه على عتبة الباب، ويذهب الرسول يمص دم أسامة بفيه، ومع ذلك يقول لـ أسامة: (أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟!) . فالشاهد: لا تبالغ في الطعون ولا تبالغ في الثناءات، فالقصد القصد كما حث رسولنا محمد ﷺ .
следующие страницы →