Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
أمر الله سبحانه بتقواه والتوبة إليه والغلظة على الكفار والمنافقين
ثم اتجه الخطاب إلى عموم المؤمنين، فقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] .
هذا حال هؤلاء الملائكة، قال بعض العلماء: إن الرحمة التي في قلوبهم تجاه أهل النار نزعت، فليس في قولبهم رحمة لأهل النار أبداً، لذلك لم يضحك مالك خازن النار منذ خلقه الله .
قال تعالى: (عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ) ، كم هؤلاء الملائكة؟ فُسروا بقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] ، قال بعض العلماء: إن التسعة عشر هم الرءوس، يعني: القادة من خزنة النار، ولا يمنع هذا أن يكون هنالك ملائكة آخرون للعذاب، لما ورد في حديث الميت: (فيأتيه ملائكة معهم مسوح، وأكفان من النار ... ) إلى آخر الحديث.
والآية فيها حث بل إلزام للرجل أن يتفقد أهل بيته، ولا يترك للمرأة الحبل على الغارب لتصنع ما تشاء، فإن النبي ﷺ قال: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) ، والله قال: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦] ، ولذلك قال الله سبحانه أيضاً في الباب: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] ، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤-٥٥] .
وكان النبي يحث أهل بيته على الطاعات كما في حديث: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين، فيا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) أي: كم من نفس مكسوة مستورة في الدنيا تأتي مفضوحة يوم القيامة، لكونها عارية عن الأعمال الصالحة التي لم تجد ما تستتر به.
فأنت مسئول عن أهلك أمام الله لا تطع المرأة في المحرم لا تسحبك امرأتك إلى حيث الفسق والفساد والشر، فأنت قيم عليها، ومسئول عنها في الآخرة أمام الله ، لذلك قال بعض أهل العلم في شرح حديث النبي ﷺ : (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) .
قال: لأنه يجب عليه أن يعلمهم حرمة هذه النياحة.
لذا يلزم العبد التوبة التي لا رجعة معها إلى الذنب بحال من الأحوال، هذا وربنا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] ، ونبيه ﵇ يقول: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة) ، وأيضاً ذكر النبي: (عبداً أذنب فقال: يا رب أذنبت ذنباً فاغفره لي، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب به! قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: يا رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي، فغفر الله له ... ) الحديث إلى آخره.
وتعريف التوبة النصوح بأنها هي التوبة التي لا عودة معها إلى الذنب أبداً، كما لا يرجع اللبن إلى الضرع؛ فيه نظر.
وقد ذكر العلماء ما يقرب من عشرين قولاً في ضوابط التوبة النصوح، منها: التوبة الصادقة، والتوبة الصالحة، ومنها: أن يعزم على أن لا يرجع إلى المعصية، لكن إن غلب على ذنب فيتوب أيضاً مع الذنب الجديد، والله أعلم.
فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٨] ، أصل التوبة الرجعة، تقول: تب إلى الله، أي: ارجع إلى الله يرجع عليك الله برحمته، ويرجع عليك بمغفرته .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ﴾ [التحريم:٨] ، قال فريق من أهل العلم: إن (عسى) في كتاب الله تفيد التحقق إن شاء الله، ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم:٨] ، أي: إن أنتم تبتم.
وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، وقوله في نفس الآية: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم:٨] ، دليل على أن أهل الإيمان تصدر منهم سيئات.
﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم:٨] أي: نورهم يتقدمهم من كل اتجاه، من الأمام وعن اليمين، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم:٨] ، هذا النور كما تقدم تحريره يكون على قدر الأعمال وعلى قدر الصلاح، فمن كان على درجة عالية من الصلاح كان نوره أقوى وأشد، ومن كان على درجة من الشر والفساد كان نوره خافتاً، ومن كان على نفاق انطفأ نوره وهو في أشد الحاجة إليه.
قال الله سبحانه: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم:٨] ، أي: أهل الإيمان، لكن متى يقولون هذا الدعاء؟ يقولونه وقد اعتراهم الخوف الشديد، لأنه فجأة يحدث إطفاء لبعض الأنوار أقوام كلهم سائرون معهم نور، ثم فجأة تنطفئ أنوار أقوام منهم، وهم أهل النفاق، كما قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، فقد كان معهم أنوار.
فانطلقوا فإذا بنور أهل الإيمان يثبت وإذا بنور أهل النفاق يخفت، فينادي المنافقون أهل الإيمان: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] ، أي: نستضيئ بنوركم، ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣] ، أي: هناك نور يوزع ويقسم في المكان الذي أخذنا جميعاً النور منه، فيذهبون يلتمسون نوراً فلا يجدون، فيرجعون كرة أخرى كي يدركوا أهل الإيمان، فيضرب ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] * ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤] .
فأهل الإيمان يتوسلون إلى الله ويرجون ربهم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨] .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة:٧٣] ، بالسيف والسلاح، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة:٧٣] ، بالحجة واللسان، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] .
وهنا لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] ، وبين قوله تعالى لموسى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] * ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] ، فهناك فقه للخطاب -ولعله يأتي في محاضرة مستقلة إن شاء الله- فهناك أقوام تجدي معهم الكلمات اللينة، وأقوام لابد لهم من الغلظة والشدة حتى ينزجروا.
قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التحريم:٩] ، الذي يصيرون إليه.
стр. 1542
ضرب الله مثلاً للذين كفروا في أنهم لا تنفعهم قرابتهم من المؤمنين
ثم قال الله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠] .
وصف نوح ووصف لوط بهذا الوصف: (عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) ، فيه رد على المغالين في الأشخاص ممن أطلقوا عليهم أولياء الله، وهذا التعبير سائد في كتاب الله، (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) ، أي: فليسا بإلاهين، وقال الله في شأن عيسى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] ، وقال الله عن نبينا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ، والآيات في هذا كثيرة متعددة.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) ، فالآية أفادت المقرر شرعاً: أن لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، فهذان مثلان لزوجتين كافرتين ولزوجين مسلمين.
مثال آخر لوالد مؤمن مع ولد كافر، وهو نوح ﵇ إذ يقول: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:٤٢] * ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] .
مثال آخر لولد مع والده، وهو إبراهيم إذ يقول: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥] .
مثال ثالث للرسول ﷺ مع عمه: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله) ، فيصر عمه على الكفر والعياذ بالله.
وقول الرسول: (يا فاطمة! سليني من مالي ما شئت، فإني لا أغني عنكِ من الله شيئاً) .
يقول الله : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) ، قال جمهور العلماء: ليس المراد بالخيانة هنا خيانة الفراش، أي: الخيانة بالزنا، إنما المراد الخيانة في الدين، فكانتا تدلان الكفار على الأماكن التي يستطيعون منها الطعن في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فالخيانة هنا الكفر وإرشاد الكفار إلى مواطن يطعنون منها في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
فإن قال قائل: كيف ذلك والله يقول: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠] ؟ فالإجابة: أن هذا كان سائغاً في شريعة من قبلنا، بل في أوائل شريعتنا وفي أوائل بعثة النبي ﷺ ، وقد كان عمر متزوجاً بكافرة، وكان يجوز للشخص المسلم أن يتزوج الكافرة إلى أن أتى التحريم.
سؤال آخر قد يرد: كيف والله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] ، فكيف بنوح الطيب مع امرأة خبيثة؟ فالإجابة من وجهين: الوجه الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ على قول لبعض المفسرين الأقوال الخبيثة لا تصدر إلا من الخبيثين، والخبيثون لا تصدر منهم إلا الأقوال والأعمال الخبيثة، كذلك الطيبون تصدر منهم الأقوال الطيبة، فليس ما هنا من ذلك، هذا أحد الأقوال في الآية، وهو الذي عليه أكثر المفسرين كما ذكره البغوي والقرطبي وصديق حسن خان وغيرهم.
القول الثاني: أن الآية وإن حملناها على هذا الوجه: وهو أن الزوج الطيب يحرص على زوجة طيبة، والزوج الخبيث يحرص على زوجة خبيثة.
فهذا في الغالب، لكن قد يأتي من لا يعلم الغيب فينتقي امرأة على أنها صالحة وقد تكون فاجرة من الفاجرات، والله أعلم بالعباد، فيكون حكماً أغلبياً استثنيت منه هاتان المرأتان، والله أعلم.
стр. 1543
ضرب الله مثلاً للذين آمنوا بامرأة فرعون
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:١٠] .
ثم يقول الله سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] ، هذا مثال آخر لامرأة صالحة تحت رجل كافر.
والجواب عليها هو ما أُجيب به على ما سبق من أن هذا قبل أن تحرم المؤمنات على الكفار، فأفاد هذا المعنى أنه لا يتسلط أحدٌ على قلب أحد، وأن الإيمان وعكسه مرده إلى الله ، ففرعون أطغى شخص عُرف على وجه الأرض لم يتسلط على قلب زوجته التي هي في بيته رضي الله تعالى عنها، مع أنه أظلم رجل عرفه التاريخ، وأظلم رجل ذكر في كتاب الله ، وكان من البشاعة بمكان، ومع هذا لم يتسلط على قلب امرأة ضعيفة أسيرة في بيته! وكذلك نوح ﵇ مع أنه من أولي العزم من الرسل، ولكنه لم يستطع أن يحيل قلب امرأته وولده من كفر إلى إيمان، فتؤكد لنا هذه الآيات معنى: ألا وهو الكامن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠] .
وتؤكد لنا المعنى الموجود أيضاً في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] ، فحتى أنت وهو قلبك لا تملكه.
العلماء الذين يتتبعون اللطائف في التفسير يقولون: اختارت الجار قبل الدار بقولها (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) ، فيأخذ منها الفقهاء أشياءهم التي يأخذونها من اللطائف، فيقولون: قبل أن تشتري الدار اسأل عن الجار، فقد ترتفع قيمة المنزل أضعافاً مضاعفة مقابل تواجدك بجوار رجل صالح، فقد يكون جارك تاجر مخدرات، أو جاراً مؤذياً كل يوم وأنت معه في مشكلة، فالبيت الذي هو بمائة ألف لا يساوي بجوار مثل هذا عشرين ألفاً، تأتيه حملة للقبض عليه فيلقي المخدرات على بيتك.
فقال العلماء: اختر الجار قبل الدار، كما اختارت آسية امرأة فرعون وقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] .
стр. 1544
ضرب الله مثلاً للذين آمنوا بمريم ﵍
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم:١٢] .
قال النبي ﷺ : (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع؛ مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون ... ) الحديث.
فنسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يتوفانا وإياكم على الإيمان والإسلام.
وصلى وسلم الله على نبينا محمد وسلم.
стр. 1545
الأسئلة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
стр. 1546
الآداب الواجبة على زائر قبر الرسول ﷺ
السؤال
ما الآداب التي يجب اتخاذها عند قبر الرسول ﷺ ؟
الجواب
بالنسبة لآداب زيارة المسجد النبوي وقبر الرسول ﷺ ، فالإجابة واسعة، لكن باختصار: لا تدعو الرسول هناك، لا تقل: يا رسول الله! افعل لي كذا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف:٥] .
إذا جئت عند قبر الرسول فلا ترفع صوتك: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ، وقل كما كان ابن عمر يفعل: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه) ، ثم ينصرف، هذا الذي كان يفعله ابن عمر ﵄.
واحرص على أن تصلي الصلوات في مسجد الرسول ﷺ ، فصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه من المساجد، (والمدينة حرم كمكة) كما قال الرسول ﷺ .
стр. 1547
حكم قراءة سورة يس على الميت وتوجيهه إلى القبلة
السؤال
ذُكر في كتاب فقه السنة في أحكام الجنائز جواز قراءة سورة يس على الموتى، وتوجيه الميت إلى القبلة، فما الرأي؟
الجواب
أما قراءة سورة يس على الموتى فلا يثبت فيها أي خبر عن رسول الله صلى عليه وسلم، ولم يثبت في فضل سورة يس أي حديث، إنما شأنها شأن سائر سور القرآن، كما في الحديث: (من قرأ حرفاً فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها) ، إلى غير ذلك من الفضائل.
أما توجيه المحتضر إلى القبلة، فجمهور الفقهاء على مشروعية توجيه المحتضر إلى القبلة، وبعض أهل العلم الأفاضل كالشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى يعد هذا من بدع الجنائز في كتابه أحكام الجنائز، فكأن الأخ السائل سأل السؤال من أجل هذا، فالشيخ ناصر رحمه الله تعالى استدل بأثر -على ما يحضرني- لـ سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وأنه جيء به كيما يوجه إلى القبلة أثناء احتضاره، فقال: أو كنت على غير القبلة قبل ذلك؟ فكأن سعيداً ما أقر على أن يوجه إلى القبلة، فاعتبر الشيخ ناصر التوجيه إلى القبلة بدعة.
أما الجمهور الذين ذهبوا إلى مشروعية توجيه المحتضر إلى القبلة، بل نقل بعضهم الإجماع على مشروعية ذلك واستحبابه كـ النووي، إلا أنه استثنى سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، فمن حججهم أحاديث يرى البعض أنها حسنة بمجموع الطرق، كما في قصة البراء بن معرور أنه أوصى أن يوجه إلى القبلة عند موته، فقال الرسول ﷺ : (أصاب الفطرة) ، وهو حديث قابل للأخذ والرد من ناحية الصحة والضعف، فالأمر فيه محتمل إذ له شاهد يجعله عند بعض العلماء يُحسَّن، ومن العلماء من يبقيه في حيز الضعف.
لكن ورد أيضاً عن عطاء: (أنه سُئل عن توجيه المحتضر إلى القبلة، فقال: سبحان الله! وهل يترك ذلك أحد من المسلمين؟ قد كنا نأتي بالميت نوجهه إلى القبلة، فإذا لم نستطع توجيهه إلى القبلة أدرنا السرير كله إلى القبلة) ، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وعبد الرزاق في المصنف، وأسانيده صحيحة.
فالأمر في المسألة واسع؛ لكن رأي الجمهور هو التوجيه إلى القبلة، ولا ينبغي أن المسائل التي حدث فيها اختلاف بين أهل العلم نتيجة اختلافهم في تحسين حديث أو تضعيفه أن يحكم على الرأي الآخر بالتبديع، والله أعلم.
стр. 1548
وقوع الطلاق الغيابي شرعاً
السؤال
إذا طلق الرجل زوجته بلفظ: (أنتِ طالق) أمام رجل دون أن تسمع المرأة كلمة الطلاق؟
الجواب
يعني الطلاق الغيابي، والطلاق الغيابي يقع؛ لأن فاطمة بنت قيس أرسل إليها زوجها بآخر ثلاث تطليقات من اليمن، فطلاق الغائب يقع.
стр. 1549
حكم إنشاد النساء في الأعراس
السؤال
في حفلات عرس لأخوات، تقوم بعض الأخوات بإنشاد بعض الأبيات الجميلة، فهل للأخت منا أن تشارك معهن في الإنشاد، علماً بأن الحاضرات قد لا يكن كلهن ملتزمات، فتخرج وتصف ما حدث من أن الأخت فلانة فعلت وكان صوتها جميلاً، وكثيراً ما تتعرض الأخوات المنشدات لذلك؛ لكنها لا تستطيع أن تتأخر؟
الجواب
فلتنشد الأخت؛ لأن الرسول قال: (يا عائشة! ماذا كان معكم من اللهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو؟) ، وعلى عهد الرسول ﷺ كان من أهل المدينة منافقين من الرجال، قال الله : ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] ، فكان فيها مسلمون في الظاهر وهم في الباطن أهل نفاق.
وكذلك في أوساط النساء على عهد الرسول لم يكن كلهن صالحات، فمنهن التي تخرج تفشي سر الزوجية تقول: زوجي يفعل معي كذا وكذا، فإذا كانت هذه تفشي سر الزوجية، حتى يقول الرسول ﵊: (ذاك شيطان يجامع شيطانة) ، أو كما قال: (إن شر الناس منزلة المرأة تفضي إلى الزوج أو الزوج يفضي إلى المرأة ثم ينشر سرها) ، إذا كان هذا يحدث على عهد الرسول ﷺ ، فأيضاً أخواتنا هنا لسن كلهن معصومات، فالمباح يباح والمحرم يحرم.
على عهد الرسول ﷺ ، ثبت أن هناك نسوة كانت أصواتهن جميلة، وهناك نسوة جميلات وحسناوات، وكن يختلطن بنساء المسلمين، فإذا كانت المفسدة متوقعة فاترك الظن واتبع الوارد، فإن الرسول ﷺ قال: (يا عائشة ماذا كان معكم من اللهو؛ فإن الأنصار يعجبهم اللهو؟ ولقنها الرسول هلا قلتِ: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم) إلى غير ذلك، والله أعلم.
стр. 1550
حكم تقبيل المرأة لزوج ابنتها
السؤال
هل يجوز للزوجة أن تقبل زوج ابنتها؟
الجواب
كيف تقبله؟ هل تقبل رأسه وتراضيه، فيجوز لها وليس المجال مجال فتنة، أقصد أنه لن تكون هناك شهوة في مثل هذه الحالة، والأصل الإباحة؛ لأنه محرم لها والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 1551
ما أعده الله للنساء في الجنة
السؤال
يثاب الذي يقوم الليل ويفعل الصالحات بالحور العين، هذا بالنسبة للرجال، فماذا عند النساء؟
الجواب
﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] ، فكل شيء تشتهيه المرأة المؤمنة في الجنة يعطيها الله إياه، وقد يعفها الله بلا زوج.
стр. 1552
ضعف حديث (جنبوا أطفالكم المساجد)
السؤال
ما صحة حديث: (جنبوا أطفالكم المساجد) ؟
الجواب
حديث ضعيف.
стр. 1553
حكم القنوت في صلاة الفجر
السؤال
هل دعاء القنوت في صلاة الفجر بدعة؟
الجواب
تقدم الحديث على ذلك باتساع، وأن للعلماء فيه أربعة أقوال مشهورة: فريق من العلماء يرى أنه مسنون ومشروع في صلاة الفجر، ومنهم الإمام الشافعي ﵀، ومنهم من يرى أنه بدعة، فالمسألة فيها أربعة أقوال، والأمر فيها واسع، والله أعلم.
стр. 1554
حكم الإعلان في الزواج
السؤال
حدثت خطوبة بإشهار وإعلان بين الناس، وبعدها بعام تم عقد رسمي بدون إعلان أو علم الأهل أو الناس، فهل يصح الزواج؟
الجواب
إذا كان الزواج بولي وشهود فالزواج صحيح، وبعد ذلك يخبر الناس، أما إذا كان بدون ولي فالزواج باطل؛ لقول النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) .
стр. 1555
حكم ما ورد من الآثار والقصص عن السلف في الزهد ونحوه وهي لا توافق السنة
السؤال
بعض الآثار التي ترد عن السلف الصالح ﵏ يكون فيها أحياناً مصادمات لما ورد في سنة الرسول ﷺ ، كآثار وردت عن بعض التابعين وبعض السلف الصالح أنه كان يختم القرآن في كل ليلة، أو يقرأ القرآن في ركعة، أو أن بعض الصحابة كانت على خدودهم خطوط من الدموع، يقول السائل: ماذا نفعل أمام هذه الآثار وأمام الوارد عن رسول الله ﷺ ؟
الجواب
في الحقيقة أنه سؤال حسن ومن الأهمية بمكان؛ لأن إخواننا الوعاظ والمحاضرين كثيراً منهم يتوسع في هذا الباب توسعات تؤخذ عليه لا له.
هذه الآثار التي وردت عن السلف الصالح ﵏ هي جملة آثار في عدة أبواب: منها: أن بعض السلف كان يضع حصاة تحت لسانه حتى لا يكثر الكلام، وفي بعض الآثار أن بعض السلف كانت على وجهه خطوط من أثر الدموع، وأن واحداً مثلاً كان يجوع وما كان عنده وقت يأكل، ومثل هذا أشياء كثيرة جداً.
وإذا جئت تزن هذه الأشياء على سنة الرسول ﵊ تجد: أولاً: أن الرسول خير الخاشعين وخير البكائين لله سبحانه، فهو سيد ولد آدم، وهو أخشى الناس وأتقاهم لله، ومع ذلك لم يكن على خده خطوط من مجرى الدموع ﷺ ، أيضاً كان أشد الناس انشغالاً بالدعوة إلى الله، ومع ذلك لم يأت أنه ترك الطعام لعدم وجود الوقت، وكان كلامه من جوامع الكلم، ومع ذلك لم يأت بحصاة يضعها تحت لسانه حتى لا يتكلم، إلى غير ذلك مما ورد من أشياء يتعجب الشخص إذا سمعها، فهذه الأشياء على أقسام: منها أشياء ثبتت السنة على خلافها أو السنة تضادها في الأصل، فإذا كانت هذه الأشياء تخالفها السنة أو تضادها في الأصل فلا تعتبر من أي شخص كان، فخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فلا يعدل أبداً أي هدي بهدي رسول الله، فالرسول مثلاً قال في شأن القرآن: (اقرأه في ثلاث ولا تزد على ذلك) هنا نمتثل هذا الهدي عن رسول الله ﷺ ، ونقرؤه في ثلاث ولا نزيد على ذلك، وإن ورد عن غيره أنه زاد فله اجتهاده الخاص به، ونعتذر له حتى لا يُنال منه، وحتى تحفظ له وجاهته ويحفظ له رأيه، لكن المتبع عندنا هو كلام رسولنا وهدي رسولنا محمد ﷺ ، فالآثار التي فيها مخالفات صريحة لسنة الرسول، فنحن ابتداءً وانتهاءً مع سنة الرسول ﵊.
ثانياً: أما الآثار الأخرى التي ليس فيها مصادمات مع السنة، فهذه ورد فيها كثير من هذه الآثار، ولا أعني الأثر بعينه، إنما أعني كثيراً من هذه الآثار: كمن كان له حصاة يضعها تحت لسانه حتى لا يتكلم، فهذه لا أعلم لها إسناداً صحيحاً أصلاً، ولا نعلم لها أسانيد ثابتة، فربما قرأها شخص في كتاب، وليس كل ما قُرئ في كتاب صحيحاً، فعلى شرط أهل الحديث نادراً ما يصح أثر من هذه الآثار، وإذا لم يصح فما فائدة الحديث به.
ثالثاً: لابد من تخريج هذه الأعمال حتى على فرض صحتها، فأنا مثلاً ممكن في أي وقت من الأوقات آخذ مسألة علمية وأحرر هذه المسألة العلمية تحريراً، والمسألة شاغلة ذهني شغلاً زائداً، أجوع فآكل وعندما أكون في الأكل أذكر ما يخدمني في المسألة فأترك الأكل وأرجع، فأحياناً المرق أحسن لي من اللحم الذي يؤخرني، فتكون حالة عرضت لي فلا أجعلها تأسيساً يؤسس عليه العمل كله، ولا تكون قاعدة يسار عليها أبداً.
فإذا جاء واحد من إخواننا الأفاضل أو العلماء يدرس هذه المسألة، أو يحث مثلاً على اغتنام الأوقات أو الحرص على الأوقات إذا به يذكر أن من السلف من كان يأكل السمكة بدون أن يطبخها! وهذه حالة حصلت وممكن أن تحصل، مثلاً: مهندس كان يرسم لوحة وذهنه مشغول جداً بها فربما يفعل هذا، لكن ليس معنى هذا أنه كل يوم يأكل السمك هكذا، أو طبيب يقوم بإجراء عملية جراحية، ومن الخطر أنه يترك العملية ويمشي، واستمرت معه عشر ساعات أو عشرين ساعة، فالشرع يجوز له أن يجمع بعض الصلوات عند الضرورات القصوى، والرسول ﵊ قال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً) .
فلا تأخذ أي قول وتجعله قواعد تسير عليها، نحن عندنا سيرة الرسول خير سيرة، مثلاً: ذهب شخص إلى مجلس من المجالس وهو ذاهب متوقع أن هذا المجلس سيحدث به اغتياب مثلاً، أو تحدث به مشكلة أو أي شيء، فقال: ماذا أفعل حتى لا أتكلم في مثل هذا المجلس، وأنا ضعيف وأخشى أن أغلط؟ كما قالت عائشة ﵂ لما خرجت مع الرسول ﵊ مسافرة، فقالت لها حفصة من باب الاحتيال كي تمكث مع الرسول: (يا عائشة! ألا تركبين بعيري وأركب بعيركِ تنظرين وأنظر -لأن الرسول كان يحب أن يركب مع عائشة - قالت: نعم أركب، فركبت عائشة بعير حفصة وحفصة ركبت بعير عائشة، فجاء الرسول إلى بعير عائشة ودخل على الهودج فإذا بـ حفصة، فاستحى الرسول أن يخرج، فبقي مع حفصة في السفر كله، وعائشة تقول: ماذا أصنع؟ فكانت تضع رجليها في الأرض وتقول: يا رب سلط عليَّ عقرباً تلدغني، نبيك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً، فكانت تنفعل وتدعو على نفسها بأي شيء يحدث لها حتى لا تؤذي الرسول، فأنا لا آخذ من فعلها مشروعية الدعاء على النفس.
فلا تأخذ هذه الآثار وتؤسس عليها قواعد، فإنك إذا أسست عليها قواعد خالفت سنة الرسول ﵊، فكثير من هذه الآثار مخارجها لا تتبين، فلابد أن تخرج هذه الأشياء وتوضح للناس حتى لا تفهم على غير وجهها، والله أعلم.
أحياناً بعض إخواننا يفهم أشياء خطأ، ويطبق خطأ، مثلاً من الملاحظات التي رأيتها مع بعض الإخوة الحريصين على السنة في الظاهر: أنا خرجنا مرة إلى بعض البوادي في بعض الدول، ونحن نقرأ حديث النبي ﵊ في شأن العرنيين الذين أتوا إلى المدينة وأمرهم الرسول عليه الصلاة بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها، فقام إخواننا الذين يشتكون البطون والذين لا يشتكون، وكلهم أتى بقدر ووضعه تحت الناقة وهي تبول، وأخذ البول وشرب.
فالمريض معه عذر أنه مريض، ويمتثل حديث الرسول ﵊: (اشربوا من ألبانها وأبوالها) ، لكن السليم المعافى لماذا يشرب من البول؟ الرسول ﵊ كان معافى، فهل شرب من البول؟ فأحياناً الأفهام تأتي على غير وجهها والله أعلم، وجزى الله الأخ السائل خيراً.
стр. 1556
حكم النافلة في حق المسافر
السؤال
رجل يسافر إلى بلاد في عرفنا أن الذهاب إليها يطلق عليه سفر، ويدرك الجماعة في مساجد هذه البلاد، فهل تسقط عنه النافلة؟
الجواب
النفل الراتب يسقط عن المسافر؛ لقول ابن عمر: (لو كنت مسبحاً لأتممت) ، ولأنه لم يرد أن النبي ﷺ صلى النوافل في السفر إلا النفل المطلق، وهو راتبة الفجر والوتر، والله أعلم.
стр. 1557
قصر المسافر للصلاة وإن طالت مدة سفره
السؤال
إذا كنت من المنصورة وسافرت إلى محافظة أخرى، وأستمر في العمل مدة عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً ثم أعود إلى بلدي، فهل أقصر الصلاة، أم أتم؟ وإذا سئلت عن كيفية الصلاة هل أنصح بالإتمام أم القصر؟
الجواب
إذا استمر الشخص في العمل في بلدة أخرى وليس له بها دار إقامة فله القصر فيها، فتقصر طالما أنك لم تتخذ بيتاً، أما إذا رجعت إلى البلدة فتتم.
стр. 1558
حكم صلاة الفريضة على الراحلة إلى غير القبلة
السؤال
كثيراً ما أتعرض للسفر ويأتي وقت الصلاة وأنا في الطريق، فهل أصلي وأنا جالس إلى غير القبلة أم أنتظر وأصليها قضاءً؟
الجواب
إذا كانت الفريضة سينتهي وقتها تماماً وأنت ما زلت في السيارة، كأن تكون مسافراً قبل الفجر بنصف ساعة، وركبت السيارة والسائق لا يوافق أبداً على أن يوقف السيارة من أجلك، وإذا انتظرت إلى أن تصل لم تصل إلا بعد طلوع الشمس، فصلِّ على ما تيسر لك إن كنت متوضئاً صليت على حالك إلى أي اتجاه كنت، وإن كنت غير متوضئ فتتيمم وصل على أية حالة، فلا تترك فريضة كالفجر إلى خروج وقتها.
أما إذا كانت الصلاة من الصلوات التي تجمع فلك أن تجمع، أما إذا كان الجمع أيضاً سيفوتك، أي: أخرت الظهر إلى العصر والسائق لم يقف إلا بعد المغرب فصلِ حينئذٍ الظهر والعصر على ما تيسر لك.
وذلك لأدلة منها: قول النبي ﷺ لـ عمران بن حصين: (صلِ قائماً؛ فإن لم تستطع فقاعداً؛ فإن لم تستطع فعلى جنب) ، وقول الله : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ، وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
стр. 1559
حكم من يعمل في بيع الأغراض النسائية
السؤال
عملي متعلق بالأغراض النسائية وبيعها، فماذا أفعل؟
الجواب
أنت إذا استفتيت نفسك أولاً تجد الجواب، أعني: أنك أعرف بعملك منا.
فإذا كان يقيس جسم المرأة، ويتحسس عورتها، ويفعل ويفعل ويفعل، بما هو أدرى به منا، فالعمل محرم.
فالضوابط المحيطة بالعمل هي التي تفيدنا، لكن الذي نفهمه عن العمل الحريمي على الإجمال أنه عمل مذموم جداً، بل محرم إذا باشرت محرماً، أما إذا كانت هناك أشياء أُخر، كأن تكون مثلاً شخصاً محترماً وزوجتك هي التي تأخذ المقاس وأنت تنفذ، فسيبقى علينا الكلام عن التنفيذ، هل تنفذ شيئاً تتبرج به المرأة في الطريق، أم شيئاً محترماً موقراً؟ ففيها أيضاً ملابسة، الملابسة الأولى: إمساكك المباشر لجسم المرأة، وخلوتك بالمرأة أثناء التفصيل.
وعلى فرض أنك اتقيت هذه المسائل بزوجة تأخذ لك المقاسات وأنت تطبق وتنفذ، فالذي تنفذه تُسأل عنه: هل تنفذ ثياباً للمتبرجات يفتن بها الرجال، أو تنفذ ثياباً واسعة أو تلبس في البيت؟ فيأتي الحكم بناءً على طبيعة العمل، والله أعلم.
стр. 1560
تفسير سورة الملك [١]
ورد في فضل سورة تبارك أحاديث، وورد أن النبي ﵊ كان لا ينام كل ليلة حتى يقرأها، وهذا يدل على عظم ما اشتملت عليه من الآيات؛ ففيها ذكر جملة من أسماء الله وصفاته، وفيها ذكر الغاية من خلق الموت والحياة، وفيها الحث على التفكر في السماء وما فيها من الآيات الباهرات، وفيها ذكر مآل شياطين الجن والإنس إلى غير ذلك من المعاني العظيمة التي يحيا بتذكرها القلب، فما أحوج المسلم إلى تدبر هذه السورة المباركة.
стр. 1561
ما ورد في فضل سورة تبارك
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: نتناول في ليلتنا هذه -إن شاء الله- تفسير سورة تبارك، سورة تبارك ورد في فضلها جملة أحاديث عن رسول الله ﷺ ، وكلها متكلم فيها، ومن أهل العلم من يحسنها لكونها في فضائل الأعمال.
من هذه الأحاديث التي وردت في فضل سورة تبارك قول النبي ﷺ : (إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لصاحبها عند الله فهذا الحديث إسناده فيه ضعف، لكن من العلماء من قبله؛ لأنه من فضائل الأعمال، وكذلك ورد: (أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ سورة تبارك) ، ولكن في الحديث ضعف، ومن أهل العلم من حسنه لكونه في فضائل الأعمال، وورد حديث يصفها (بأنها منجية) وأيضاً في إسناده كلام.
стр. 1562
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك)
يقول الله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١] (تبارك) من العلماء من قال: إن معناها: كثرت بركته، ومنهم من قال: إن معناها: تعالى وتعاظم، فتبارك: كثرت بركته، وتعالى وتعاظم، وأصل البركة ثبوت الخير في الشيء، وتطلق البركة أيضاً على النمو والازدياد، فمثلاً قول القائل: بارك الله فيك، أي: كثر الله الخير فيك، وأيضاً: ثبت الله الخير فيك، فالبركة تطلق على ثبوت الخير في الشيء، وتطلق أيضاً على النمو والازدياد.
فتبارك: تفاعل من البركة، أي: تزايدت بركته وتكاثرت بركته، ومن أهل العلم من قال: تعالى وتعاظم.
وفي الآية الكريمة إثبات صفة اليد لله ، وقد تقدم الحديث على هذا باستفاضة.
ومن الأدلة في هذا الباب: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] , وقول النبي ﷺ : (يد الله ملأى، سحاء الليل والنهار) , فلله يد لكن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ملك ماذا؟ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الزخرف:٨٥] وملك كل شيء, ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:٢] من العلماء من قدر محذوفاً وقال: هو الذي خلق الموت والحياة أي: خلقكم للموت وخلقكم للحياة, هذا قول، والقول الآخر أن الموت والحياة مخلوقان من مخلوقات الله , كما في حديث النبي ﷺ : (يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح, فيوقف على قنطرة بين الجنة والنار, ثم ينادى: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت! ويقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم نعرفه هذا الموت! فيذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار ثم تلا النبي ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] ) ، فالشاهد: أن من أهل العلم من قال: إن الموت والحياة مخلوقان من مخلوقات الله , كسائر المخلوقات لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ وما هي إلا عبرة.
والعلة من خلق الموت والحياة بينها الله في قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ) أي: ليختبركم (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أي: من منكم أحسن عملاً؟ إذاً: فالعلة من خلق الموت والحياة هي الاختبار, فالله قد نفى عن نفسه العبث قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥-١١٦] أي: تعالى الله عن العبث, فما خلقكم عبثاً أبداً، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥-١١٦] تعالى وتنزه عن أن يعبث، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦] , ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان:٣٩] ، وقال سبحانه: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧] ، وعلى هذا: فحياتنا ليست للهو ولا للعبث ولا للمجون ولا للتسالي, إنما كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، فهذه الفترة التي نعيشها هي أعمارنا، وهي كما قال النبي ﷺ في حديثه على وجه الإجمال والتغليب: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل منهم من يتجاوز ذلك) ، هذه المدة الزمنية التي نعيشها نحن, إنما نعيشها للابتلاء فيها وللاختبار كما اختبر من كان قبلنا, فقد اختبرت أمم من قبلنا كانوا أقوى منا أجساماً وأبداناً، وأطول منا أعماراً، ذكرهم الله في كتابه فقال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨-٣٩] ، فالمدة التي نعيشها في زماننا -التي هي ستون إلى سبعين سنة من أعمارنا على الغالب- مدة للاختبار وللابتلاء كما ابتلي من كان قبلنا، فلسنا بدعاً من الخلق, ورسولنا ليس بدعاً من الرسل ﷺ , فكما جلس مثل مجالسنا من كان قبلنا فكذلك نحن نجلس مثل هذه المجالس للاختبار في هذه الحياة الدنيا، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] أي: ليختبركم, ليظهر منكم من هو أحسن عملاً من الآخر، ولم يقل: أكثر عملاً، فدل على أن حسن العمل هو الأمر المطلوب قبل كثرة العمل, فقد يكثر الشخص العمل، وعمله باطل أو ليس بباطل ولكنه قليل في أجره, وقد ذكر النبي ﷺ الخوارج فقال: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فالخوارج -كطائفة من أهل عمان الآن- إذا جلست بجوار أحدهم وهو يصلي مثلاً في الحرم بعد المغرب لا تستطيع أبداً أن تسابقه في صلاته! يصلي بجوارك عشرين ركعة وهو لا يمل! (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم, وصيامكم إلى صيامهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) كما أن السهم يدخل في الهدف الذي صوب إليه ويخرج سريعاً لا يكاد يبتل بالدم, فكذلك هم يدخلون الدين ويخرجون منه ولا يكادون ينالون أي فضل، ولا يظهر عليهم أي أثر من هذا الدين!! ففي قوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) دلالة على أن حسن العمل أفضل من كثرة العمل, فلا بد -أولاً- من سلامة العمل ومن حسن العمل, قد يكون العمل قليلاً، ويسبق عملاً كثيراً عمله آخرون!! حتى أبواب الخير تتفاضل، قال ﵊ لـ جويرية وقد تركها، وهي تذكر الله بعد صلاة الصبح، وخرج وانصرف وغاب عنها مدة ثم رجع فقال: (ما زلت على الحالة التي فارقتكِ عليها! لقد قلت بعدكِ أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلتي لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) ، فالكلام الكثير الفارغ -خاصة في زماننا هذا- مذموم إذا لم يكن يحمل علماً أصيلاً من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ , ومن أقوال الصحابة ﵃.
وقد تفشت عادة إطالة الخطب مع قلة الفائدة! عادة حشو الخطب وملؤها بالقصص والحكايات والخرافات والأضاحيك والمزعجات، والأشياء التي تبكي والأشياء التي تضحك، وروايات مملة مخلة والجدوى من وراءها ضعيفة, ويقصون تجارباً للبشر، وكل هذه لا تكاد تثبت في القلوب كما يثبت قول الله وكما يثبت حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قالت أم المؤمنين عائشة: (لم يكن ﷺ يسرد الحديث كسردكم, إنما كان يتكلم كلاماً لو عدَّه العاد لأحصاه) ، وقال ﵊: (إن قصر خطبة الرجل وطول الصلاة مئنة من فقهه) يعني: متوقفة على فقه الرجل.
فيجدر بإخواننا -الذي هم دعاة وخطباء في المساجد- أن يركزوا في خطبهم على المادة العلمية الصحيحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله, فسر للناس آية من كتاب الله أو حديثاً من أحاديث رسول الله ﷺ , أو اشرح لهم مسألة من مسائل الفقه، وكيف يجمع بين هذه الآية وهذا الحديث؟ كيف يزال الاضطراب الذي قد يتوهمه شخص بين هذه الآية وبين تلك الآية؟ حتى يخرج الناس وقد تعلموا شيئاً من كتاب ربهم ومن سنة نبيهم ﷺ ، أما أن تحكي لهم تجاربك الشخصية ومغامراتك وقصصك وخيالاتك، فكل هذا لا نفع فيه, إنما النفع بالدرجة الأولى في كتاب الله وفي سنة رسول الله، وأنت إذا بلغت عن الله آية تثاب على تبليغها, وإذا بلغت عن رسول الله حديثاً تثاب على تبليغه، قال ﵊: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها) ، لكن إذا حكيت للناس قصة فقد تخطئ في تلك القصة وقد تصيب, وقد تعطي الغرض منها من جانب، وتضر من جانب آخر, فلزاماً أن نكرس جهودنا في تبليغ كتاب الله ، وفي تبليغ حديث رسول الله! ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الغَفُور﴾ [الملك:٢] العزيز: منيع الجناب عظيم السلطان لا يغلبه أحد, فهو لا يغالب ولا يمانع مما أراد, وإذا أراد الله شيئاً فلا راد لقضائه وإرادته, فالعزيز هو: منيع الجناب، عظيم السلطان، لا يغالب ولا يقهر .
(الْغَفُورُ) يدل هذا الاسم على سعة مغفرة الله , وعلى كثرة مغفرته , إذا علمت أن الله غفور دفع عنك اليأس من رحمة الله, فإن اليأس من رحمة الله كبيرة من الكبائر, ففي هذه الآية قال: (غفور) ، وفي الآية الأخرى قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] , وفي الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠] وأضيفت إلى الغفور صفة الرحمة (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) ، وفي الآية الرابعة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] .
فدلّت هذه ا
стр. 1563
تفسير قوله تعالى: (الذي خلق سبع سماوات طباقاً)
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣] الطابق معروف لديكم, والأطباق: الأدوار، ومن العلماء من فسر قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر:٤٤] على أن الأبواب هي الأطباق في النار، وفسر بعض العلماء قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبَنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ بفتح الباء أي: سماء بعد سماء أي: لتركبَنّ يا محمد! ﷺ فيعرج بك سماء بعد سماء، وقد تقدم أن أشهر الأقوال في هذه الآية: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩] حالاً بعد حال.
لكن هنا: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك:٣] أي: سماء فوق سماء، ثم سماء فوق سماء، إلى آخره، أو كل ما علا يطلق عليه: سما, يقال: سما فلان، أي: علا فلان, فالسماوات أطلق عليهن سماوات لعلوها وارتفاع مكانها.
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك:٣] أي: لا ترى خللاً ولا ترى ثقباً في هذه السماوات كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] , فلا ثقب فيها، ولا تشقق فيها، ولا تصدع فيها.
قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ [الملك:٣] وأصل الفطور التشقق، (كان النبي ﷺ يقوم الليل حتى تفطّرت قدماه) أي: تشققت قدماه، (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) أي: هل ترى من شقوق؟! ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] أي: مرتين أخريين بعد المرة الأولى, أي: انظر إلى السماء مرتين أخريين، وركز البصر هل تكتشف فيها ثقوباً أو لا؟ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ﴾ [الملك:٤] أي: يرجع, ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١] أي: رجعوا, ومنه قول صفية بنت حيي: (قام معي النبي ﷺ ليقلبني إلى بيتي) ، أي: يرجعني إلى بيتي، ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٤] الخاسئ: المطرود المبعد, ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] أي: مطرودين مبعدين, ومنه قول الرسول ﷺ لـ ابن صياد: (اخسأ! فلن تعدو قدرك) , فالخاسئ هو: المطرود.
(يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا) مبعداً طريداً (وَهُوَ حَسِيرٌ) أي: كليل, فالحسير: المتعب الكليل، (يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) يعني: إذا فكرت أن تكتشف في السماء ثقباً أو خللاً أو عيباً في بنائها فانظر وركز النظر, ثم أعد النظر مرتين, ففي كل مرة من هذه النظرات سينقلب إليك البصر فاشلاً في الاكتشاف، وسيرجع ذليلاً مطروداً خاسئاً كما قال تعالى: (يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) ففي الآية حث على التفكر في مخلوقات الله, وقد كان النبي ﷺ (يقوم من الليل فينظر إلى السماء ويقرأ هذه الآيات، وهي خواتيم آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران:١٩٠-١٩١]-أي: ما خلقت هذا أبداً عبثاً ولا لهواً- ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١] إلى آخر الآيات العشر) .
فيجدر بالعبد أن يتفكر في مخلوقات الله ، وهذا علم ضيعه الأكثرون, علم التفكر في مخلوقات الله, والنظر في آثار المتقدمين والمتأخرين والاعتبار بهم, والاعتبار بمخلوقات الله كما قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧-٢٠] كل هذا نوع من أنواع العلوم شغل الناس عنه ببهرج وزخارف الحياة الدنيا.
стр. 1564
تفسير قوله تعالى: (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح)
﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥] السماء الدنيا أي: السماء القريبة, فالأدنى هو الأقرب, والدنيا قيل لها: دنيا؛ لسرعة زوالها وقرب انتهائها، فالسماء الدنيا هي السماء القريبة، والمصابيح هي: النجوم، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٥] قال قتادة رحمه الله تعالى: خلق الله النجوم لثلاثة أشياء من تجاوزها فقد تعدى وظلم: زينة للسماء الدنيا, ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر -لقوله تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]- ورجوماً للشياطين.
(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) أي: جعلنا هذه النجوم رجوماً للشياطين كما قال النبي ﷺ : (ومسترق السمع هكذا بعضهم فوق بعض, يتسمعون الملأ الأعلى, فيسمعون إلى الملائكة وهم يتكلمون في العنان, فيخطف أحدهم -أي: الجني- الكلمة خطفاً, فيتبعه شهاب ثاقب) وكما قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:٦-٩] .
فالجن كانت تتنصت في السماء، وتستمع إلى الملائكة التي تتحدث فيها, وتختطف الأخبار وتنزل بها على الكهنة, فبعد بعثة النبي ﷺ شددت الحراسة على السماء كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن:٩] أي: من السماء, ﴿مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن:٩] أي: للتجسس والتصنت ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩] , بعد بعثة الرسول شددت الحراسة على السماء وأصبح أي جني يستمع يأتيه شهاب يحرقه إما قبل أن يلقي الكلمة على فم الكاهن، وإما بعد أن يلقيها على فم الكاهن (فيكذب الكاهن معها مائة كذبة) كما قال الرسول ﷺ .
الشاهد: أن الله قال: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) فالنجوم من فوائدها: أنها زينة للسماء الدنيا, (وَجَعَلْنَاهَا) أي: جعلنا هذه المصابيح أيضاً رجوماً للشياطين, وهل قوله: (وَجَعَلْنَاهَا) من باب: أكلت رغيفاً ونصفه, ومن باب: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] أو من باب آخر؟ ومعنى قولهم: أكلت رغيفاً ونصفه، أي: أكلت رغيفاً ونصف رغيف آخر, ومعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر:١١] أي: من عمر معمر آخر، فكذلك هنا هل يقال: من النجوم نجوم زينة للحياة الدنيا, ونجوم أخر لرجم الشياطين, أم أن الكواكب التي هي زينة هي نفسها التي ترجم الشياطين؟ للعلماء في ذلك قولان، ولعل هذا واضح.
стр. 1565
تفسير قوله تعالى: (وأعتدنا لهم عذاب السعير)
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ [الملك:٥] أي: للشياطين ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٥] وفي قوله سبحانه: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ) ما يدل على ما سلف التأكيد عليه مراراً أن النار مخلوقة, فأعتدنا معناها: أعددنا, وأعددنا فعل ماضٍ, وقد جاء في السنة ما يؤكد هذا، قال النبي ﷺ : (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف, فأشد ما تجدون في الشتاء من من زمهريرها, وأشد ما تجدون في الصيف من حرها) فدل ذلك على أنها مخلوقة, وفي هذا الباب ما يقارب عشرين دليلاً عن رسول الله ﵊.
(وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) من أهل العلم من قال: إن السعير إحدى دركات النار, وقد سلف أن منهم من قال: هناك الحطمة, وجهنم, والسعير, ولظى, إلى غير ذلك.
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ * وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [الملك:٥-٦] للشياطين عذاب السعير, وللذين كفروا من الآدميين ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك:٦] , ولا يمنع أن يدخل الجن جهنم أيضاً، ويدخل الإنس السعير أيضاً بدليل قوله تعالى مخبراً عن قول الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤-١٥] فمن الجن من يدخل جهنم, وهذا على القول بأن جهنم دركة، والسعير دركة أخرى، أما إذا قيل: إن جهنم والسعير ولظى والحطمة كلها مسمى لشيء واحد وهو النار على اختلاف دركاتها؛ فلا إشكال، وهو قول تبناه عدد من أهل العلم.
(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الذي يصيرون إليه.
﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ [الملك:٧] فيه دليل على أن النار لها شهيق, ولها أيضاً زفير كما قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان:١٢] فإن قال قائل: لماذا عبر في هذه الآية الكريمة بلفظ: الشهيق، وفي الآية الأخرى بلفظ الزفير؟ الشهيق -كما هو معلوم لديكم- إدخال الهواء بشدة إلى الجوف, فكأن جهنم عندما يلقى فيها الكفار تشهق شهقة تأخذهم وتسحبهم إلى جوفها من الداخل، أما (إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) فكأنها كانت تكتم شيئاً في صدرها، فأخرجت النفس ارتياحاً لأنها رأت بغيتها! فلما رأتهم من مكان بعيد أخرجت الهواء الذي بداخلها ثم لما ألقوا فيها سحبتهم بشهيق زائد حتى أدخلتهم في جوفها حتى يتمكنوا فيها من الداخل, والله أعلم.
قال تعالى: (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ) تفور: تغلي, فالنار لها شهيق، ولها زفير، وهي تتكلم, وهي أيضاً تتغيظ كما قال تعالى: (إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) وكل هذه صفات للنار على وجه الإجمال، وهي تتكلم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يخرج عنق من النار فيقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد, وبمن جعل مع الله إلهاً آخر, وبالمصورين) .
﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك:٨] يعني: تكاد أن تتقطع قطعاً من شدة تغيظها على الكفار, وذكر بعض علماء الحيوان أن من الحيات حيات شديدة التغيظ على بني آدم، وقد قال الرسول ﷺ في شأن الحيات على وجه الإجمال: (والله ما سالمناهن منذ حاربناهن) فبين الحيات وبين بني آدم عداوات منذ أن بدأت بينهما الحرب, ومتى بدأت هذه الحرب بينهما؟ الله أعلم بالتحديد, لكن في بعض الروايات الإسرائيلية وبعض آثار السلف أن هذا بدأ منذ إخراج آدم من الجنة ﵇، الشاهد: أنهم يذكرون أن من أنواع الحيات حيات شديدة التغيظ جداً على بني آدم, كلها غيظ عليك, إذا رأتك من مكان بعيد دفعت برأسها وطارت إليك! ويسمع لها دوي هائل وهي في الطريق إليك, فإذا صادفتك خرقت جسمك ودخلت من ناحية وخرجت من ناحية أخرى!! وذكروا مخرجاً من هذه الحيات فقالوا: إذا سمعت صوتها في الهواء، وهي متجهة إليك، فانبطح على الأرض على بطنك, فإذا نزلت بجوارك ولم تصب مرادها منك، تقطعت قطعاً من شدة غيظها، وتتفتت أمامك!! فالغيظ يفتتها قطعاً! فجهنم يقول الله عنها: (تَكَادُ تَمَيَّزُ) والتميز: التقطع والانفصال, ومنه قوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] أي: انفصلوا اليوم أيها المجرمون، فـ (تكاد تميز من الغيظ) أي: تكاد تتقطع النار من شدة غيظها على الكفار, انظر إذا كنت متغيظاً على شخص ثم تمكنت منه كيف تكاد تتقطع منه؟!
стр. 1566
تفسير قوله تعالى: (كلما ألقي فيها فوج)
﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك:٨] فيه دليل على أن دخول الكفار النار يكون على مراحل, فئة تدخل، ثم تدخل فئة، ثم تدخل فئة, وكذلك دخول المؤمنين الجنة يكون على مراحل: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣] أي: جماعات جماعات، (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ) أي: جماعة ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك:٨] والخزنة -على الإجمال- تسعة عشر ملكاً, كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] وكبيرهم هو: مالك ﵇, قال النبي: (هذا مالك) ، وقال الرجلان كما في قصة رؤيا النبي التي رواها سمرة بن جندب وأخرجها البخاري ومسلم، وفيها أنه (رأى رجلاً لا يضحك فسأل من هذا؟! فقال الملكان-: هذا مالك خازن النار لم يضحك منذ خلقه الله) ، فكبيرهم مالك بنص الكتاب: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، ونص السنة: قال الرسول ﷺ : (هذا مالك خازن النار) .
أما ما جاء أن رضوان خازن الجنة فلا أعلم فيه خبراً صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر:٧١] فالخزنة تسعة عشر لقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] ولماذا تسعة عشر؟ لماذا هذا العدد بالذات؟ جعل الله هذا العدد فتنة: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر:٣١] أي: عددهم ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر:٣١] ، لكن هل الخزنة هؤلاء لهم أتباع أو ليس لهم أتباع؟ وكذلك ملك الموت هل هو ملك واحد أم هم عدة ملائكة كبيرهم واحد وهو يأمرهم بالأمر وهم ينفذونه؟ من العلماء من قال: إن ملك الموت الكبير واحد, وله أتباع لقوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] ومن العلماء من قال: هو واحد بلا أتباع لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] ، فهل يقال أيضاً في خزنة النار: إن الكبار هم التسعة عشر، ولهم أتباع أو نمسك عن ذلك إلى أن تأتينا نصوص أخر؟ هناك دليل قد يشهد للقول بأن لهم أتباعاً، وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه -وإن كان فيه نوع انتقاد- قال: (يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام, مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] .
قال سبحانه: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا) الخزنة أي: القائمين عليها, ومنه حديث النبي ﷺ : (الخازن الأمين إذا أعطى ما أمره به سيده فهو أحد المتصدقين) الخازن الأمين يكون -مثلاً- خازناً لرجل ثري, أو لرجل له تجارات, فيكون قائماً على المخزن فيقول له: اعط فلاناً كذا, فقد يكون الخازن بخيلاً لا يريد أن يعطيه أصلاً، ومنهم من يكون سهلاً يقول له: خذ تفضل، فهذا أحد المتصدقين.
يقول الله سبحانه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨-٩] صار الكلام الآن على لسان الملائكة, فالملائكة ترد عليهم وتقول: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٩] , وهذا واضح، فقد يكون الخطاب على وتيرة واحدة ثم يتحول من شخص إلى شخص آخر, كما في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥١-٥٢] القائل: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) هم الكفار, ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] كثير من المفسرين يقولون: إن القائلين: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) هم الملائكة، فالكفار يقولون: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) فتقول الملائكة: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) , ومنهم من يقول: هي أيضاً من قول الكفار، فهنا قوله تعالى: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) (قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) فترد الملائكة عليهم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) .
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] نادوا على أنفسهم بالغباء وبالجهل, نادوا على أنفسهم على رءوس الأشهاد بأنهم كانوا في الدنيا أغبياء جهلة.
﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا﴾ [الملك:١١] أي: بعداً وهلاكاً ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١] .
استدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] على مسألة العذر بالجهل, وأورد الشنقيطي في أضواء البيان هذه الآية في جملة الآيات التي يستدل بها على مسألة العذر بالجهل, والآيات الأخرى التي على شاكلتها هي قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] , وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] , وقول الحواريين لعيسى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة:١١٢] فالشك في قدرة الله كفر, لكنهم ما كفروا بسبب جهلهم، وقول بني إسرائيل لموسى: ﴿يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] , وقول أصحاب رسول الله ﷺ للنبي ﷺ : (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) , وقول ذلك الرجل كما في الحديث: (لئن قدر عليّ ربي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين) وسجود بعض الصحابة لرسول الله ﷺ قبل أن يرد النهي، في جملة استدلالات استدلوا بها على مسألة العذر بالجهل, والحاصل: أن من فعل شركاً وهو جاهل لا يؤاخذ بهذا الشرك مادام يشهد أن لا إله إلا الله، ويشهد أن محمداً رسول الله, والله أعلم.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.
стр. 1567
الأسئلة
стр. 1568
حكم التورك في الصلاة إذا كان المسجد مزدحماً
السؤال
كنت في الصلاة وبجواري طالب علم، وكان الزحام شديداً جداً، وتورك في تشهد الصلاة مما أدى إلى إيذائي جداً, وتحامل على ساقي جداً, وبعد الصلاة قلت له: إذا كان الزحام شديداً بالمسجد فلا تتورك حتى لا تؤذي غيرك، ولك الأجر بالنية، وأنا رجلي توجعني, فقال: أعطل سنة من أجل رجلك التعبانة!! فما رأيكم في هذا؟
الجواب
مع احترامنا له هو جاهل بسنة الرسول ﷺ أنه إذا تدافعت الأمور اختار الأيسر منها, مثلاً: خطأان لازم أن تقع في واحد منهما فاختر الخطأ الأقل, والحاصل هنا أن أحد الخطأين هو أن أؤذي جاري وأضر بالمسلم الذي بجواري وأؤلمه طول الصلاة والرسول ﵊ نهى عن إيذاء الجار، والخطأ الثاني أن أترك سنة من سنن الرسول ﷺ في الصلاة، وهي لا تخل بصحة الصلاة ولا تؤثر على سلامتها, الصواب أن أختار أخف الضررين فإن الرسول (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً) ، والنبي يقول: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) يعني: صل على الحال التي تستطيع, إذا ما استطعت أن تصلي قائماً صل جالساً, وإذا ما استطعت أن تصلي جالساً صل مضطجعاً, وإذا ما استطعت أن تصلي مضطجعاً أومئ إيماءً بعينك, وإذا ما استطعت أن تومئ بعينك مرر أركان الصلاة على قلبك، لكن أن تؤذي عبداً من عباد الله بجوارك وتزعم أنك مطبق للسنة!! هذا ضرب من ضروب الجهل يا إخوة! لأنه حصر السنة في التورك فقط, وغفل أن من سنة الرسول أنه بالمؤمنين رءوف رحيم ﷺ .
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى, والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1569
من أحدث حدثاً أصغر أثناء غسله من الجنابة
السؤال
إذا أحدث المرء حدثاً أصغر قبل تمام غسله من الحدث الأكبر, هل يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟
الجواب
الوضوء قبل الحدث الأكبر لا يجب, ويجزئ أن تغسل كل جسمك مرة واحدة ولو بالدش مرة واحدة, لكن إذا أحدثت حدثاً أصغر في نصف الاغتسال فأقول لك من باب الاحتياط: ابدأ غسلك من جديد, والله أعلم.
стр. 1570
دراسة البنت خارج محافظتها لمدة عام
السؤال
هل يجوز أن تلتحق ابنتي بكلية خارج المحافظة لمدة عام ثم تعود؟
الجواب
يجوز إذا لم تكن ستسافر بلا محرم، وكان لها مكان آمن تستقر فيه هنالك, إذا وصلتها أنت إلى مكان آمن، مثلاً: كلية داخلها جمعية للبنات, وأنت توصلها إلى هناك، وإذا أرادت أن ترجع أرجعتها بنفسك, والمكان آمن، كله بنات مع بعضهن البعض، فهذا يجوز مع أن الأولى ترك ذلك, والله أعلم.
стр. 1571
من اغتسل من الجنابة ثم خرج من فرجه شيء كالمني
السؤال
اغتسلت من الجنابة، وبعد لبس الملابس خرج من الفرج شيء يشبه المني, ولا أعلم هل هو مني أم لا؟ وهو سائل شفاف أبيض، فقمت بالاغتسال مرة أخرى! وعند لبس الملابس حدث أن خرج نفس الشيء مرة ثانية!! فقمت في هذه المرة بغسل الفرج فقط وتوضأت، فهل هذا صحيح؟
الجواب
نعم هذا صحيح, والعلماء يذكرون هذا خاصة في النساء إذا جامع الرجل زوجته وبعد أن جامعها قامت سريعاً فاغتسلت, وبعد أن اغتسلت خرج منها مني الرجل, فيقولون: يلزمها الوضوء فقط.
وكذلك الرجل إذا قضى حاجته وبعدما استنجى خرج منه السائل الأبيض, فيتوضأ ويغسل ذكره, وهذا ودي لأن من صفات المني الذي يوجب الاغتسال: أن يخرج بشهوة وبدفق ويتبعه فتور, كما قال العلماء في وصفه: يخرج بشهوة وبدفق ويتبعه فتور, والذي حدث عند السائل -أظنه والله أعلم- من باب الودي، وليس منياً، والله أعلم.
стр. 1572
حكم عزم الرجل على الطلاق وعدم تنفيذه
السؤال
أخ ملتزم حلف على زوجته الملتزمة ألا تذهب إلى عرس أختها، والذي سترتكب فيه محرمات، وإلا سيكون ذلك طلاقاً لها، وهو يصر على هذا، فهل عليه إثم؛ لأنه عقد العزم على طلاقها؟
الجواب
يا إخوان! الأخ الملتزم والأخت الملتزمة اصطلاحات جديدة لم تكن دارجة بين أصحاب الرسول, الملتزم والملتزمة هذه الألفاظ ابتعدوا عنها، قولوا كما قال الله: ﴿إنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] تلك اصطلاحات دخلت في أوساطنا، واستعلمها حتى بعض المشايخ!! هذا كتاب الله ليس فيه كلمة ملتزم, وكذلك سنة الرسول، قولوا: الصالحات والطيبات بالاصطلاحات التي في كتاب ربنا وفي سنة نبينا ﷺ : ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] , قولوا: عبد الله، رجل صالح, هذه الألفاظ نريد أن نعيدها بدل الأخ الملتزم والأخت الملتزمة, حتى في اصطلاحات البيوت يأتيك فيها جديد، يقول لك: عم فلان! والصواب عمك فلان، الآن يقول الأب لابنه إذا جاءهم شخص غريب: هذا عم فلان!! لم لا يقول: هذا عمك فلان، ويقول: خالة فلانة! لم لا يقول: خالتك فلانة؟ هذه تعديلات حصلت على الاصطلاحات التي كانت على عهد النبي ﷺ ، والناس ينساقون وراءها ولا يفكرون, كلٌ يأخذ من فم الآخر ويطبق, فيجب أن تأخذ الذي صدر من في الرسول ﵊ وتطبقه.
أما فيما يتعلق بالإجابة على السؤال فلأقول: ليس عليه إثم, قال النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل) .
стр. 1573
نصيحة للعمال بشأن الصلاة
السؤال
يقول الأخ: نرجو أن تذكروا إدارة المسجد بشأن العمال القائمين على أعمال الخرسانة الذين يعملون وقت الصلاة دون أن يحثهم أحد على ترك أعمالهم لأداء الصلاة, وإن قيل: إن عملهم سيفسد بتركه للصلاة فهل هم لا يتناولون الطعام؟!
الجواب
صحيح هذا باب يجب أن ينبه عليه, حتى لا يكون هؤلاء أشقياء في الدنيا وأشقياء في الآخرة, فجدير بنا أن نذكرهم ونعينهم على أنفسهم, وقت الصلاة لابد من إيقافهم وإدخالهم المسجد، وينبغي للعمال أن يرتبوا أنفسهم من بداية الخلطة على أن الخلطة تنتهي عند وقت الصلاة.
стр. 1574
الصدق في الدعوى
السؤال
يقول الأخ: فقدت دراجتي منذ أسبوعين وعملت محضراً وقلت فيه: أنا لا أتهم أحداً بالسرقة, ثم بعثوا إليّ بأنهم وجدوا الدراجة, ولما ذهبت وجدت اسمي على دراجة أخرى أفضل من دراجتي, ولما جادلت أمين الشرطة قال لي زميل له: لو لم تأخذها غيرك سيأخذها, ثم عمل محضراً بعدما أبديت الموافقة وجاء فيه: هل تتهم فلاناً وفلاناً بسرقة الدراجة؟ فأجاب الأمين على نفسه: نعم أتهم, والأمين هو الذي أجاب بلسان صاحب الدراجة، ثم وقعت على ذلك! فما الحكم؟
الجواب
أنت الآن آثم وظالم, أولاً: أخذت غير دراجتك.
ثانياً: اتهمت أناساً بناء على اتهام أمين الشرطة, ووقعت على ذلك, فإذا أخذت شيئاً ليس لك فأنت كالسارق، وقد ظلمت عباداً لله .
السائل: ثم قال لي: بعد يومين ستستلم الدراجة, ثم بعثت إلي النيابة لأحضر للتحقيق أمامها, فذهبت وأنكرت اتهامي للمتهمين! الشيخ: أحسنت.
السائل: ثم أبديت موافقة على أن هذه الدراجة التي رأيتها في المحضر ملكي, ثم وقعت على ذلك؟ الشيخ: ماذا تريد؟ أنت -أولاً وأخيراً- مسرف على نفسك، كان الواجب عليك إذا سُئلت: الدراجة لك؟ تقول: لا، ليست لي، ليست حقي.
وإن سئلت: هل تتهم فلاناً؟ تقول: لا أتهم فلاناً, وانتهى الأمر.
أما كونك ترتكب جرائم في حق الناس وتريد أن نحلها لك!! عليك الآن أن تستغفر الله, وإن استطعت أن تبرئ من اتهمتهم أبرأته، وعليك أن ترد ما ليس لك باختصار, لا تأخذ شيئاً ليس لك, ولا تتهم إنساناً بريئاً.
فإن صدر منك شيء، فاجتهد أن تتحلل من كل شيء ارتكبته في حق الناس.
стр. 1575
تفسير سورة الملك [٢]
اشتملت سورة الملك على معان عظيمة، ومما اشتملت عليه: فضل الذين يخشون ربهم بالغيب، وفيها ذكر نعم الله على عباده، وحثهم على طلب الرزق، وألا ينشغلوا به عن تذكر الآخرة، وفيها ذكر بطش الله بمن عصاه، وفيها ذكر حال الكافرين الذين ضلوا عن سواء السبيل في الدنيا، ثم ذكر حالهم في الآخرة، وغير ذلك من المعاني التي تزيد الإيمان، وتزكي النفوس، وتطهر القلوب.
стр. 1576
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢] الخشية هي: أشد الخوف، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي: إن العلماء يخافون ربهم خوفاً شديداً، فالخشية هي: شدة الخوف.
وفي قوله تعالى: (بِالْغَيْبِ) قولان للعلماء: القول الأول: أي: يخشون ربهم وهم لا يرونه، ويشهد لهذا المعنى حديث النبي ﷺ في القوم الذين يجلسون مجلساً فتحفهم الملائكة حتى يسدوا ما بينهم وبين سماء الدنيا: (فيسأل الله ملائكته: ماذا يقول هؤلاء؟ فيقولون: يعظمونك ويحمدونك ويكبرونك ويهللونك، فيقول: هل رأوني؟ قالوا: لا ما رأوك يا رب! قال: كيف لو رأوني؟) .
فمن العلماء من قال: إن معنى: (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي: يخشون ربهم وهم لا يرونه .
والقول الثاني: أي: يخشون ربهم وهم غيب عن أعين الناس، وهم في الخلوات والفلوات منفردون بعيدون عن الناس، فيراقبون الله في السر ويراقبون الله في العلن، فلا يراءون الناس ويظهرون أمامهم الأعمال الصالحة، إنما سرهم وعلانيتهم سواء.
وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ فيه قولان: القول الأول: أي: يخشون ربهم وهم لا يرونه.
القول الثاني: أي: في حالة غيابهم وبعدهم عن الناس، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أفادت هذه الآية أن الإيمان والخشية سبب في مغفرة الذنوب، وسبب أيضاً في إثبات الأجور.
هناك أعمال يكفر الله بها الذنوب؛ فالصلوات الخمس مكفرات، والعمرة مكفرة، والجمع مكفرات، والحج مكفر للذنوب، كذلك حسن الخلق يكفر الذنوب، ومن المكفرات أيضاً الإيمان والخشية، فالإيمان بالله والخوف الشديد من الله سبب في تكفير الذنب، وسبب في تفريج الكرب، ألا ترى إلى أحد الثلاثة الذين آواهم المطر إلى كهف وسدت عليهم فتحته بصخرة، فتوسل أحدهم إلى الله بخشيته لله لما قعد بين رجلي ابنة عمه، فقالت له: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها، وفرج الله عنهم بذلك، فالخشية سبب في مغفرة الذنوب، وسبب في إثبات الأجر الكبير: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .
стр. 1577
تفسير قوله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به)
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك:١٣] فالسر والعلن عند الله سواء، أي: سواء أسررتم القول أو جهرتم به فالسر والعلن عند الله سواء، كما قال تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود:٥] ، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ، ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص:٦٩] ، فالسر والعلن عند الله سواء، لكن ما يظنه بعض أهل النفاق أن الله يعلم الجهر ولا يعلم السر، فهذا ضرب من ضروب الجهل، وهذا من الظن السيئ بالله سبحانه، في صحيح مسلم أن ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، جلسوا فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أسررنا، فقال الثالث: إن كان يسمع إن جهرنا فهو يسمع إن أسررنا، أو إن كان يسمع إن أسررنا فهو يسمع إن جهرنا، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢-٢٣] .
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ فهذا وذاك يستويان عند الله، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك:١٣] ذات الصدور: هي: الأسرار التي يكنها الشخص في صدره، ولا يحدث بها أحداً أبداً حتى إنه لا يكاد يحدث بها نفسه، مثل ذنب أذنبه الشخص ولا يريد أن يتذكره، ولا يحدث به أحداً على الإطلاق، فهذا الذنب يقال له ولأمثاله: ذوات الصدور، يعني من الأسرار الشديدة التي التصقت بالصدور، فأصبحت كامنة في الصدور لا تفارقها أبداً بحال من الأحوال.
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] هو الذي خلقك، فهو يعلم سرك وعلانيتك، فأنت إذا صنعت شيئاً تعرف كيف تم الشيء، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] لطيف: يعلم دقائق الأمور وما لطف منها، وفي الأصل الشيء اللطيف: هو الدقيق الخفيف، فمعنى اللطيف: الذي يعلم الأشياء الدقيقة اللطيفة، ويصلح برفق وبتلطف.
стр. 1578
تفسير قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً)
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك:١٥] أي: مذللة مسخرة كما قال عن الأنعام: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] .
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] من العلماء من قال: المناكب: الأرجاء، أي: النواحي، ومنهم من قال: المناكب هي: الجبال، أي: الأماكن المرتفعة، كما أن منكبك هو الكتف، وقد ورد أن بعض السلف الصالح -أظنه بشير بن كعب - قال لجارية له: إن أخبرتِني ما مناكبها؟ فأنت حرة لوجه الله! بمعنى: إن أخبرتني عن تفسير: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فأنت حرة لوجه الله! فقالت له: مناكبها: جبالها، فقال: أنتِ حرة لوجه الله، ثم أراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال له أبو الدرداء ﵁: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وما معنى هذا القول في هذا الموطن؟ معناه -والعلم عند الله- أنها قد تكون فسرت الآية تفسيراً فيه خطأ، فيكون عتقها لم يقع لأن تفسيرها خطأ، فإذا جئت تتزوجها فالمسألة مشكوك فيها؛ لأن عتقها فيه شك أصلاً، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
فمن أهل العلم من قال: المناكب: الجبال، ومنهم من قال: المناكب: الأرجاء والنواحي.
﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: إليه نشوركم أي: خروجكم من قبوركم يوم القيامة.
стр. 1579
طلب الآخرة مع طلب الرزق
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ امشوا وكلوا، ثم تذكر -يا عبد الله- الآخرة، يعني: امش في مناكبها، وكل من رزقه، ولا تنس أن هناك نشوراً، وهذا كالآية الأخرى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١]-يا داود! - ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] أي: اجعل المسمار على قدر الثقب، لا توسع المسمار فيكون غليظاً، ولا توسع الثقب فيحصل خلخلة، وبعد أن قال: (أن اعمل سابغات وقدر في السرد) قال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [سبأ:١١] فذكر بالعمل الصالح، وكما في قوله تعالى أيضاً: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة:١٩٧] أي: أيها المسافرون! تزودوا في أسفاركم، واحملوا معكم الزاد والطعام، وهذه الآية نزلت في أهل اليمن: كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا أتوا إلى مكة مدوا أيديهم للناس! فقال الله في شأنهم: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ ثم أشار إلى الزاد الأهم فقال: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] أي: تزودوا للدنيا ولا تتركوا التزود للآخرة، وكما في الآية الأخرى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف:٢٦] وهو اللباس الذي عليكم، ﴿وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] تتجملون به، ثم أشار إلى اللباس الأفضل حتى لا ينسى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٢٦] ، وكما في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] أي: إذا فرغت من أعمال الدنيا فاجتهد في عبادة الله، فكل هذه أدلة تحثك على العمل للدنيا، والتزود أيضاً للآخرة، فهنا قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ ثم أشار إلى الآخرة وإلى العمل لها وإلى التذكير بها في قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) .
стр. 1580
الحث على كسب الرزق
وفي الآية حث على العمل والاكتساب لقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَاوَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ وهذا أمر، لكن هل يقتضي الوجوب؟ في الحقيقة إن الأمر في هذا الموطن يقتضي الإباحة، فلا يجب عليك أن تمشي في المناكب -إن كان عندك سعة- فالأمر أمر إباحة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠] هل يجب عليك أن تنتشر في الأرض إذا قضيت الصلاة، أو يجوز لك أن تمكث في المسجد لحديث: (الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه الذي صلى فيه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث) ؟ فقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ فيه إباحة الانتشار، وليس وجوب الانتشار، كذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] هل يجب أن يأتي الرجل امرأته إذا تطهرت أو هو أمر إباحة؟ هو أمر إباحة كما كان الأمر من قبل أن تحيض، والله سبحانه أعلم.
لكن على كلٍ فقوله سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ حث على البحث عن الأرزاق في الأرض، وقد قال النبي ﷺ : (ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) أثنى النبي ﷺ على نبي الله داود ﵊؛ لكونه كان يأكل من عمل يده، والعمل الذي كان يعمله داود ﵊ هو كما قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١] يعني: اعمل الدروع، وهي: صنعة الحدادين، هي تقي من سهام العدو، وتقي من السيوف والضربات، ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي: دروعاً سابغات، تسبغ أي: تغطي، ومنه قولهم: هذا الثوب سابغ، يعني: يغطي ما تحته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠] أي: غطاكم بنعمه الظاهرة والباطنة.
فنبي الله داود كان يأكل من عمل يده، وكان يعمل سابغات، وأخبر الرسول ﷺ (أن زكريا كان نجاراً) ونوح ﵊ امتهن نفس المهنة فصنع الفلك كما قال الله له: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧] وهذا يقتضي أن يكون ملماً بأعمال النجارة، وأيضاً قال ﵊: (ما بعث الله نبياً إلا وقد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟! قال: نعم قد رعيتها على قراريط لأهل مكة) أي: مقابل قراريط -أي: دراهم- آخذها من أهل مكة، ونبي الله موسى ﷺ جعل من نفسه أجيراً لعفة فرجه ثماني سنوات: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] ، وقد أسلفنا القول بأن سليمان كان يقف يراقب الجن وهي تحفر وتصنع التماثيل، والجفان، والقدور الراسيات: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ:١٤] .
فهذا سلوك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأكلون من عمل أيديهم، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، وقال النبي ﷺ : (اليد العليا خير من اليد السفلى) ، وقال ﵊: (أفضل الكسب: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) وكان النبي ﷺ في أول أمره يرعى الغنم، ثم عمل تاجراً، ثم جعل رزقه تحت ظل رمحه، فكل الأنبياء كانوا يعملون ويجتهدون عليهم الصلاة والسلام، وكذلك السلف الصالح، فأمير المؤمنين عمر يقول: (ألهاني الصفق بالأسواق) يعني بالتجارة، والله يقول أيضاً: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠] فكانوا متعففين لا يمدون أيديهم للناس، بل يذهبون إلى العمل، وهكذا كان الصحابة، فهذا عبد الرحمن بن عوف قدم إلى المدينة، وجاء سعد بن الربيع يعرض عليه أن يتنازل له عن إحدى زوجتيه، وأن يشاطره ماله، قال: مالي أقسمه بيني وبينك نصفين، وانظر أي زوجتي شئت أطلقها فتزوجها!! قال: بارك الله لك في أهلك وفي مالك، ولكن دلوني على السوق؛ وهذا ينبغي أن يكون شعاراً محفوظاً: (دلوني على السوق) فدلوه على السوق، فما هي إلا أيام معدودة حتى أتى إلى الرسول ﷺ وعليه أثر صفرة، فقال: (ميهم يا عبد الرحمن؟! قال: تزوجت يا رسول الله! قال: كم سقت إليها؟ قال: وزن نواة من ذهب) ، وكان هذا مهراً كبيراً، حتى إنه جاء في بعض الروايات أن الرسول قال: (كأنما تغرفون من بطحان) أي: لكثرة المهور التي تعطونها للنساء، الشاهد: أنه تعفف عما في يد أخيه -مع أن أخاه عرض عليه المال- وأقبل على العمل.
وهذا أبو مسعود البدري يقول: لما نزلت آية الصدقة كنا نذهب إلى الأسواق فنحامل على ظهورنا، ونأتي بأموال كي نتصدق بها، وفي آخر حياته ﵁ أصبح من كبار الأثرياء، حتى إن عماراً وأبا موسى ذهبا إليه يوماً، ودارت مناقشة بين الجميع فقال أبو موسى لـ عمار: يا عمار! والله ما نقمت عليك شيئاً منذ أسلمت إلا تسرعك في هذا الأمر، أي: في الاشتراك في القتال مع علي، والاشتراك في القتال بصفة عامة، فقال عمار لهما: والله يا أبا موسى ويا أبا مسعود! ما أنقم عليكما شيئاً منذ أسلمتما إلا تخلفكما عن قتال الفئة الباغية، ثم إن أبا مسعود أمر لكل منهما بحلة، والحلة كانت باهضة غالية الثمن في ذلك الزمن، وقال: انطلقا بها إلى الجمعة.
وأم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها لم تكن في حاجة إلى المال، فرسول الله يكفيها بإذن الله، ولكنها كانت تعمل فتأتي بجلد وتدبغه في بيتها، ثم تبيعه وتأخذ ثمن الجلود تتصدق بها، ولذلك قال الرسول في شأنها: (أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً) أي: بالصدقة.
الشاهد: أن إخواننا الذين يظنون أن ديننا مبني على مد اليد وعلى التكاسل وعلى البلادة ظنهم خاطئ، فاليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا يد المعطي واليد السفلى يد الآخذ، فالعمل ليس بعيب أبداً، امتهن أي مهنة، حتى لو يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب، خير له من أن يأتي هذا فيسأله، ويأتي هذا فيسأله، فكن عفيفاً يا عبد الله! فهذا كلام الله وسنة رسول الله فيهما الحث على طلب الرزق، وقد سمعت بعض سير أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد استدل بعض العلماء بقول النبي ﷺ : (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) فقال هذا المستدل: إن النبي قال: (لرزقكم كما يرزق الطير) نعم، الطير يرزقها الله، لكن ليس وهي في أوكارها، والله قادر أن يرزقها إذا شاء على أي وضع، لكن الطير لا تجلس بليدة كسولة وتقول: إن رزقي يأتيني في وكري، إنما تغدو أي: تخرج تبحث عن الرزق، وترجع أي: تروح، فاستدل به على أن الأخذ بالأسباب مشروع مع التوكل.
أما الحكايات والقصص والخرافات التي تحكيها بعض الجماعات وتتبناها، فلا أصل لها.
فاعملوا بالأدلة التي سمعتموها من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ وأفعال سلف الأمة ﵏.
следующие страницы →