Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢] الخشية هي: أشد الخوف، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي: إن العلماء يخافون ربهم خوفاً شديداً، فالخشية هي: شدة الخوف.
وفي قوله تعالى: (بِالْغَيْبِ) قولان للعلماء: القول الأول: أي: يخشون ربهم وهم لا يرونه، ويشهد لهذا المعنى حديث النبي ﷺ في القوم الذين يجلسون مجلساً فتحفهم الملائكة حتى يسدوا ما بينهم وبين سماء الدنيا: (فيسأل الله ملائكته: ماذا يقول هؤلاء؟ فيقولون: يعظمونك ويحمدونك ويكبرونك ويهللونك، فيقول: هل رأوني؟ قالوا: لا ما رأوك يا رب! قال: كيف لو رأوني؟) .
فمن العلماء من قال: إن معنى: (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي: يخشون ربهم وهم لا يرونه .
والقول الثاني: أي: يخشون ربهم وهم غيب عن أعين الناس، وهم في الخلوات والفلوات منفردون بعيدون عن الناس، فيراقبون الله في السر ويراقبون الله في العلن، فلا يراءون الناس ويظهرون أمامهم الأعمال الصالحة، إنما سرهم وعلانيتهم سواء.
وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ فيه قولان: القول الأول: أي: يخشون ربهم وهم لا يرونه.
القول الثاني: أي: في حالة غيابهم وبعدهم عن الناس، كما قال النبي ﷺ في الحديث: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أفادت هذه الآية أن الإيمان والخشية سبب في مغفرة الذنوب، وسبب أيضاً في إثبات الأجور.
هناك أعمال يكفر الله بها الذنوب؛ فالصلوات الخمس مكفرات، والعمرة مكفرة، والجمع مكفرات، والحج مكفر للذنوب، كذلك حسن الخلق يكفر الذنوب، ومن المكفرات أيضاً الإيمان والخشية، فالإيمان بالله والخوف الشديد من الله سبب في تكفير الذنب، وسبب في تفريج الكرب، ألا ترى إلى أحد الثلاثة الذين آواهم المطر إلى كهف وسدت عليهم فتحته بصخرة، فتوسل أحدهم إلى الله بخشيته لله لما قعد بين رجلي ابنة عمه، فقالت له: اتق الله! ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها، وفرج الله عنهم بذلك، فالخشية سبب في مغفرة الذنوب، وسبب في إثبات الأجر الكبير: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .
стр. 1577
تفسير قوله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به)
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك:١٣] فالسر والعلن عند الله سواء، أي: سواء أسررتم القول أو جهرتم به فالسر والعلن عند الله سواء، كما قال تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود:٥] ، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ، ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص:٦٩] ، فالسر والعلن عند الله سواء، لكن ما يظنه بعض أهل النفاق أن الله يعلم الجهر ولا يعلم السر، فهذا ضرب من ضروب الجهل، وهذا من الظن السيئ بالله سبحانه، في صحيح مسلم أن ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، جلسوا فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أسررنا، فقال الثالث: إن كان يسمع إن جهرنا فهو يسمع إن أسررنا، أو إن كان يسمع إن أسررنا فهو يسمع إن جهرنا، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢-٢٣] .
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ فهذا وذاك يستويان عند الله، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك:١٣] ذات الصدور: هي: الأسرار التي يكنها الشخص في صدره، ولا يحدث بها أحداً أبداً حتى إنه لا يكاد يحدث بها نفسه، مثل ذنب أذنبه الشخص ولا يريد أن يتذكره، ولا يحدث به أحداً على الإطلاق، فهذا الذنب يقال له ولأمثاله: ذوات الصدور، يعني من الأسرار الشديدة التي التصقت بالصدور، فأصبحت كامنة في الصدور لا تفارقها أبداً بحال من الأحوال.
﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] هو الذي خلقك، فهو يعلم سرك وعلانيتك، فأنت إذا صنعت شيئاً تعرف كيف تم الشيء، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] لطيف: يعلم دقائق الأمور وما لطف منها، وفي الأصل الشيء اللطيف: هو الدقيق الخفيف، فمعنى اللطيف: الذي يعلم الأشياء الدقيقة اللطيفة، ويصلح برفق وبتلطف.
стр. 1578
تفسير قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً)
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك:١٥] أي: مذللة مسخرة كما قال عن الأنعام: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] .
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] من العلماء من قال: المناكب: الأرجاء، أي: النواحي، ومنهم من قال: المناكب هي: الجبال، أي: الأماكن المرتفعة، كما أن منكبك هو الكتف، وقد ورد أن بعض السلف الصالح -أظنه بشير بن كعب - قال لجارية له: إن أخبرتِني ما مناكبها؟ فأنت حرة لوجه الله! بمعنى: إن أخبرتني عن تفسير: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فأنت حرة لوجه الله! فقالت له: مناكبها: جبالها، فقال: أنتِ حرة لوجه الله، ثم أراد أن يتزوجها، فسأل أبا الدرداء، فقال له أبو الدرداء ﵁: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
وما معنى هذا القول في هذا الموطن؟ معناه -والعلم عند الله- أنها قد تكون فسرت الآية تفسيراً فيه خطأ، فيكون عتقها لم يقع لأن تفسيرها خطأ، فإذا جئت تتزوجها فالمسألة مشكوك فيها؛ لأن عتقها فيه شك أصلاً، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
فمن أهل العلم من قال: المناكب: الجبال، ومنهم من قال: المناكب: الأرجاء والنواحي.
﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي: إليه نشوركم أي: خروجكم من قبوركم يوم القيامة.
стр. 1579
طلب الآخرة مع طلب الرزق
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ امشوا وكلوا، ثم تذكر -يا عبد الله- الآخرة، يعني: امش في مناكبها، وكل من رزقه، ولا تنس أن هناك نشوراً، وهذا كالآية الأخرى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١]-يا داود! - ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] أي: اجعل المسمار على قدر الثقب، لا توسع المسمار فيكون غليظاً، ولا توسع الثقب فيحصل خلخلة، وبعد أن قال: (أن اعمل سابغات وقدر في السرد) قال: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [سبأ:١١] فذكر بالعمل الصالح، وكما في قوله تعالى أيضاً: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة:١٩٧] أي: أيها المسافرون! تزودوا في أسفاركم، واحملوا معكم الزاد والطعام، وهذه الآية نزلت في أهل اليمن: كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا أتوا إلى مكة مدوا أيديهم للناس! فقال الله في شأنهم: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ ثم أشار إلى الزاد الأهم فقال: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] أي: تزودوا للدنيا ولا تتركوا التزود للآخرة، وكما في الآية الأخرى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف:٢٦] وهو اللباس الذي عليكم، ﴿وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] تتجملون به، ثم أشار إلى اللباس الأفضل حتى لا ينسى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:٢٦] ، وكما في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] أي: إذا فرغت من أعمال الدنيا فاجتهد في عبادة الله، فكل هذه أدلة تحثك على العمل للدنيا، والتزود أيضاً للآخرة، فهنا قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ ثم أشار إلى الآخرة وإلى العمل لها وإلى التذكير بها في قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) .
стр. 1580
الحث على كسب الرزق
وفي الآية حث على العمل والاكتساب لقوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَاوَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ وهذا أمر، لكن هل يقتضي الوجوب؟ في الحقيقة إن الأمر في هذا الموطن يقتضي الإباحة، فلا يجب عليك أن تمشي في المناكب -إن كان عندك سعة- فالأمر أمر إباحة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة:١٠] هل يجب عليك أن تنتشر في الأرض إذا قضيت الصلاة، أو يجوز لك أن تمكث في المسجد لحديث: (الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه الذي صلى فيه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث) ؟ فقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ فيه إباحة الانتشار، وليس وجوب الانتشار، كذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] هل يجب أن يأتي الرجل امرأته إذا تطهرت أو هو أمر إباحة؟ هو أمر إباحة كما كان الأمر من قبل أن تحيض، والله سبحانه أعلم.
لكن على كلٍ فقوله سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ حث على البحث عن الأرزاق في الأرض، وقد قال النبي ﷺ : (ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) أثنى النبي ﷺ على نبي الله داود ﵊؛ لكونه كان يأكل من عمل يده، والعمل الذي كان يعمله داود ﵊ هو كما قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١] يعني: اعمل الدروع، وهي: صنعة الحدادين، هي تقي من سهام العدو، وتقي من السيوف والضربات، ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي: دروعاً سابغات، تسبغ أي: تغطي، ومنه قولهم: هذا الثوب سابغ، يعني: يغطي ما تحته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠] أي: غطاكم بنعمه الظاهرة والباطنة.
فنبي الله داود كان يأكل من عمل يده، وكان يعمل سابغات، وأخبر الرسول ﷺ (أن زكريا كان نجاراً) ونوح ﵊ امتهن نفس المهنة فصنع الفلك كما قال الله له: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧] وهذا يقتضي أن يكون ملماً بأعمال النجارة، وأيضاً قال ﵊: (ما بعث الله نبياً إلا وقد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟! قال: نعم قد رعيتها على قراريط لأهل مكة) أي: مقابل قراريط -أي: دراهم- آخذها من أهل مكة، ونبي الله موسى ﷺ جعل من نفسه أجيراً لعفة فرجه ثماني سنوات: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] ، وقد أسلفنا القول بأن سليمان كان يقف يراقب الجن وهي تحفر وتصنع التماثيل، والجفان، والقدور الراسيات: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ:١٤] .
فهذا سلوك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يأكلون من عمل أيديهم، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، وقال النبي ﷺ : (اليد العليا خير من اليد السفلى) ، وقال ﵊: (أفضل الكسب: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) وكان النبي ﷺ في أول أمره يرعى الغنم، ثم عمل تاجراً، ثم جعل رزقه تحت ظل رمحه، فكل الأنبياء كانوا يعملون ويجتهدون عليهم الصلاة والسلام، وكذلك السلف الصالح، فأمير المؤمنين عمر يقول: (ألهاني الصفق بالأسواق) يعني بالتجارة، والله يقول أيضاً: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠] فكانوا متعففين لا يمدون أيديهم للناس، بل يذهبون إلى العمل، وهكذا كان الصحابة، فهذا عبد الرحمن بن عوف قدم إلى المدينة، وجاء سعد بن الربيع يعرض عليه أن يتنازل له عن إحدى زوجتيه، وأن يشاطره ماله، قال: مالي أقسمه بيني وبينك نصفين، وانظر أي زوجتي شئت أطلقها فتزوجها!! قال: بارك الله لك في أهلك وفي مالك، ولكن دلوني على السوق؛ وهذا ينبغي أن يكون شعاراً محفوظاً: (دلوني على السوق) فدلوه على السوق، فما هي إلا أيام معدودة حتى أتى إلى الرسول ﷺ وعليه أثر صفرة، فقال: (ميهم يا عبد الرحمن؟! قال: تزوجت يا رسول الله! قال: كم سقت إليها؟ قال: وزن نواة من ذهب) ، وكان هذا مهراً كبيراً، حتى إنه جاء في بعض الروايات أن الرسول قال: (كأنما تغرفون من بطحان) أي: لكثرة المهور التي تعطونها للنساء، الشاهد: أنه تعفف عما في يد أخيه -مع أن أخاه عرض عليه المال- وأقبل على العمل.
وهذا أبو مسعود البدري يقول: لما نزلت آية الصدقة كنا نذهب إلى الأسواق فنحامل على ظهورنا، ونأتي بأموال كي نتصدق بها، وفي آخر حياته ﵁ أصبح من كبار الأثرياء، حتى إن عماراً وأبا موسى ذهبا إليه يوماً، ودارت مناقشة بين الجميع فقال أبو موسى لـ عمار: يا عمار! والله ما نقمت عليك شيئاً منذ أسلمت إلا تسرعك في هذا الأمر، أي: في الاشتراك في القتال مع علي، والاشتراك في القتال بصفة عامة، فقال عمار لهما: والله يا أبا موسى ويا أبا مسعود! ما أنقم عليكما شيئاً منذ أسلمتما إلا تخلفكما عن قتال الفئة الباغية، ثم إن أبا مسعود أمر لكل منهما بحلة، والحلة كانت باهضة غالية الثمن في ذلك الزمن، وقال: انطلقا بها إلى الجمعة.
وأم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها لم تكن في حاجة إلى المال، فرسول الله يكفيها بإذن الله، ولكنها كانت تعمل فتأتي بجلد وتدبغه في بيتها، ثم تبيعه وتأخذ ثمن الجلود تتصدق بها، ولذلك قال الرسول في شأنها: (أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً) أي: بالصدقة.
الشاهد: أن إخواننا الذين يظنون أن ديننا مبني على مد اليد وعلى التكاسل وعلى البلادة ظنهم خاطئ، فاليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا يد المعطي واليد السفلى يد الآخذ، فالعمل ليس بعيب أبداً، امتهن أي مهنة، حتى لو يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب، خير له من أن يأتي هذا فيسأله، ويأتي هذا فيسأله، فكن عفيفاً يا عبد الله! فهذا كلام الله وسنة رسول الله فيهما الحث على طلب الرزق، وقد سمعت بعض سير أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد استدل بعض العلماء بقول النبي ﷺ : (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً) فقال هذا المستدل: إن النبي قال: (لرزقكم كما يرزق الطير) نعم، الطير يرزقها الله، لكن ليس وهي في أوكارها، والله قادر أن يرزقها إذا شاء على أي وضع، لكن الطير لا تجلس بليدة كسولة وتقول: إن رزقي يأتيني في وكري، إنما تغدو أي: تخرج تبحث عن الرزق، وترجع أي: تروح، فاستدل به على أن الأخذ بالأسباب مشروع مع التوكل.
أما الحكايات والقصص والخرافات التي تحكيها بعض الجماعات وتتبناها، فلا أصل لها.
فاعملوا بالأدلة التي سمعتموها من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ وأفعال سلف الأمة ﵏.
стр. 1581
تفسير قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء .)
ثم قال سبحانه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] استدل بها على أن الله في السماء، والأدلة على هذا لا حصر لها، منها: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] ، عرج برسول الله إلى بعد السماء السابعة ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم:١٤-١٥] وفرضت عليه هنالك الصلوات، (يتنزل ربنا إلى سماء الدنيا إذا كان الثلث الأخير من الليل) ، (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) ، ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٩] ، إلى غير ذلك من الأدلة قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ (فتمور) أي: تتحرك وتضطرب اضطراباً شديداً.
﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧] أي: حصى وتراباً كثيراً، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي: كيف إنذاري لكم.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك:١٨] أي: كيف أنكرت عليهم أفعالهم، وأحللت بهم العذاب، وأنزلت بهم البلاء؟!
стр. 1582
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات .)
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ [الملك:١٩] أي: صافات الأجنحة، فهي أيضاً تسعى للأرزاق كما أنكم تسعون وتنتشرون في الأرض للأرزاق، وهناك دواب وأمم غيركم، أشير إلى بعضها في هذه الآيات، وذكر الآخر منها في آيات أخرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨] وهذا في شأن الدواب، وفي شأن الأشجار والثمار قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل:٤٩] ، وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨] الآيات.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ أي: صافات الأجنحة، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك:١٩] أي: يقبضن الأجنحة، يعني: الطير تطير في السماء صافة الأجنحة وقابضتها ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك:١٩] أي: بكم وبأعمالكم وبالطيور وبأعمالها بكل شيء بصير، وعلى كل شيء مطلع، وراء لكل شيء ومبصر له ، فالله مطلع على أعمالكم وأنتم تسيرون وتعملون الأعمال، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ والله مطلع عليكم وعلى أعمالكم، فأعمالكم تعرض على الله كما في الآية الأخرى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] يعني: أعمالك التي تعملها سيراها الله بنص الآية الكريمة: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ) ، ورسوله أيضاً سيراها ﷺ ، والمؤمنون أيضاً سيرونها، وأيضاً سيراها الملائكة كما قال الله : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٩-٢١] فالمقربون يشهدون أعمالك، فإذا كان ذلك الأمر كذلك، فأعمالك التي تعمل من سيراها؟ يراها ربك، ثم يراها نبيك ﷺ ، ويراها أهل الإيمان، ويراها الملائكة المقربون، فإذا علمت ذلك واشتد يقينك به أحسنت العمل، وأتقنت العمل؛ لأن الذي سيراه هو الله، والذي سيطلع عليه هو الله، وأيضاً غيره ممن ذكرنا.
стр. 1583
تفسير قوله تعالى: (أمن هذا الذي هو جند لكم .)
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك:٢٠] (أمن هذا) : على سبيل التحدي، من هو الشخص الذي يستطيع أن ينصركم من دون الرحمن؟ ويحمل معنى التهكم والسخرية والازدراء وبيان ضعف المخاطب، من هو هذا الذي ينصرك؟ ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك:٢٠] غرهم الشيطان.
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا﴾ [الملك:٢١] أي: تمادوا واستمروا، ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك:٢١] أي: في استكبار وعناد، والنفور: هو الابتعاد عن الحق.
стр. 1584
تفسير قوله تعالى: (أفمن يمشي مكباً على وجهه .)
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] شبه الكافر في مشيه ومسيره في الحياة الدنيا بأنه يمشي مكباً على وجهه، وهو أيضاً سيمشي مكباً على وجهه في الآخرة كذلك، كما قال سبحانه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء:٩٧] قيل للرسول ﷺ : (كيف يمشي الكافر على وجهه يوم القيامة يا رسول الله؟! قال: إن الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه في الآخرة) ، فالآية فيها مقابلة بين المسلم والكافر: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ، ومن الآيات التي على شاكلتها: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:١٩-٢١] ، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] .
стр. 1585
تفسير قوله تعالى: (قل هو الذي أنشأكم)
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك:٢٣] من العلماء من يقول: إن السمع أفضل من البصر لتقديمه في هذه الآية، وإن قال قائل: لماذا أفرد السمع وجمع البصر في هذه الآية: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ) ؟ من العلماء من قال: لأن السمع أفضل من البصر، والأفضل يفرد والمفضول يجمع، كما في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فأفرد العم وجمعت العمات: ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فأفرد الخال وجمعت الخالات، وكما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] فأفرد النور وجمعت الظلمات، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل:٤٨] أفرد اليمين وجمعت الشمائل، وهذا قول لبعض العلماء، ومن إخواننا الأطباء من يقول: يتصل بالأبصار وتران، بينما يتصل بالسمع وتر واحد، فإذا قطع الذي يصل إلى السمع صمت الأذنان معاً، أما إذا قطع الذي يصل إلى البصر فقد ترى بعين ولا ترى بالأخرى، والله أعلم.
(قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) أي: شكركم قليل.
﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك:٢٤] .
стр. 1586
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)
﴿وَيَقُولُونَ﴾ [الملك:٢٥] أي: على سبيل التحدي والجدل ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك:٢٥] أي: متى يوم القيامة؟ فهو استعجال منهم للبعث، وكما في قيلهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] ﴿وَيَقُولُونَ
الجواب
=٦٠٠٥٢٦٥>مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: الوعد بالبعث والوعد بالقيامة والوعد بالجزاء والحساب.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فيها رد على من يحدد يوم القيامة بيوم محدد: (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) وهذا من البدهيات والمسلمات، لم يقل: سنة ألفين، ولا سنة ألفين وأربعة، ولا بعد هرمجدون، ولا هذه التخاريف، كما قال الله سبحانه هنا: (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) علمها عند ربي في كتاب لا يجليها لوقتها إلا هو، في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ هذه مهمتي، وأنا أعرف قدري فلا أتجاوزه، وهذه الآية أصل في أن الشخص يعرف قدره، ويقف عند العلم الذي علمه الله إياه، ولا يتعالم ولا يدخل برأسه في كل شيء، فالرسول سئل عن مسائل لم يعلمه الله إياها فأمسك، فقد سئل عن الروح فقال الله له: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] .
وسئل عن الساعة فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) فكان ﷺ يقف عند ما لا يعلمه.
أما أن تدعي أنك تعرف في كل شيء، فهذا من الجهل والغباء، ولذلك قال عدد كثير من السلف وليس واحداً أو اثنين: ينبغي للعالم أن يعلم جلساءه شيئاً هاماً ألا وهو: (الله أعلم) ، يمسكهم بهذا الشعار، كلما سئلوا عن شيء لا يعرفونه فليصدروا الإجابة به: (الله أعلم) .
وقد قيل للقاسم بن محمد أو لابنه: إنه يعد عيباً على من هو في مثلك من الفضل أن تسأل عن شيء ولا نجد عندك فيه علماً! فقال: وأشد منه عاراً أن يقول الشخص عن الله أو عن رسوله بغير علم.
فينبغي أن يرفع الشخص شعار: (الله أعلم) ، فالرسول هنا سئل: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فليس هذا من علمه، بل هو أمر خارج عن طاقته، وخارج عن حدود معرفته، ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: عملي الإنذار والتذكير.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾ [الملك:٢٧] أي: قريباً، فالزلفى: القربة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] ، وقيل لمزدلفة: مزدلفة -كما قال بعض العلماء- لأنه ازدلف فيها آدم من حوى أي: تقاربا، والله أعلم بهذا، والظاهر أنه من الإسرائيليات، لكن الزلفى: القربة، ويتزلف فلان إلى فلان أي: يتقرب فلان إلى فلان.
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾ أي: لما رأوا هذا اليوم والعذاب قريباً ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الملك:٢٧] أي: جاءها ما يسوءها ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ [الملك:٢٧] بمعنى: تدعون وتسألون، فإنكم كنتم كما تقولون: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] ، وكنتم تقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] ، فمن العلماء من قال: (تدّعون) بمعنى: تدعون، ومنهم من قال: (تدّعون) هنا بمعنى: تكذبون، ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: تكذبون.
стр. 1587
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي .)
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الملك:٢٨] إن أهلكني الله أو رحمني، وإن مت أو حييت، فهذا بيني وبين ربي، لكن أنتم من يجيركم -يا كافرون- من عذاب أليم، فالكل ميت ومغادر لهذه الحياة الدنيا كما قال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ، وهنا قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾ إن رحمنا أو عذبنا، إن أحيانا أو أماتنا، سلوا أنتم عن أنفسكم ولا تشتغلوا بغيركم، فمن يجيركم أنتم من عذاب أليم؟ والآية فيها دلالة على أن الشخص عليه أن ينشغل كثيراً بنفسه لتهذيبها وإصلاحها، فأنا إن مت يا أيها الكافر! وأنا إن مت -يا مسلم- أو حييت أو عذبت أو رحمت، فهذا شأني مع ربي، وانشغل أنت بشأنك واسأل نفسك: بماذا ستقابل ربك ؟ وكما قال القائل: يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه!! ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾ [الملك:٢٩] الشيوعي يفتخر بشيوعيته، النصراني يفتخر بنصرانيته، الفاجر يفتخر بعشيقته وصديقته، فأنت يا مسلم! افتخر بدينك وأعلنها صريحة فأنت أولى بذلك: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾ ، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٦] ، فعار على المسلم أن ينتكس ويبتعد عن سنة رسول الله، أو يستخفي عند التمسك بالسنة!! ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: خاب من أخفى نفسه عن الخير، عار عليك أن تخفي تمسكك بسنة الرسول، والنصراني أمامك يعلق الصليب في رقبته شاهراً نصرانيته وشاهراً باطله على صدره، وأنت -يا مسلم- تتخفى وتدس نفسك وتخفيها عن الخير، ولا تعلن أنك من أتباع محمد ﷺ !! ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾ وإن كذبتم بالرحمن، وإن أشركتم مع الرحمن آلهة أخرى، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الملك:٢٩] أي: بعدٌ بعيد عن سواء الصراط، والضلال: التيه والبعد والضياع.
لو قيل: لماذا كرر اسم الرحمن كثيراً في كتاب الله؟ الظاهر -والله أعلم- لأن أهل الشرك كانوا ينكرون اسم الرحمن، في صلح الحديبية قال ﷺ لـ علي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فقام سهيل بن عمرو واعترض وقال: لا تكتب الرحمن!! فإنا لا نعرف الرحمن، ولكن اكتب: باسمك اللهم، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] .
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك:٣٠] أي: إن أصبح ماء الآبار عندكم غائراً في الأرض فلا تنالونه، ولا تدركه الدلاء، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] أي: من يأتيكم بماء عذب؟ الله رفع عنكم العذاب، ورفع عنكم البلاء وأكرمكم بهذه الكرامات، فجدير بمن صنع بكم هذا أن تشكروه وأن توحدوه وأن تكثروا من حمده وشكره، والله أعلم.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1588
الأسئلة
стр. 1589
حديث: (إذا فتحت عليكم الشام فاتخذوا منها جنداً)
السؤال
(إذا فتحت عليكم الشام فاتخذوا منها جنداً فإنهم خير أجناد الأرض) ؟
الجواب
الذي يحضرني أن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله.
стр. 1590
القول في كتاب: عمر أمة محمد ﷺ
السؤال
كتاب: عمر أمة محمد ﷺ ، ما رأيكم فيه؟
الجواب
الكتاب فيه بعض الملاحظات، وهو في أصله ومسماه خرافة، عمر أمة محمد ﷺ لا يعلمها إلا رب محمد ﷺ ، وقد سمعت الدليل على ذلك، وفي ثناياه بعض الأحاديث الثابتة فهمها أخونا المؤلف على غير وجهها، ووجَّهها على غير توجيهها الصحيح.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1591
البدوي وأحمد الرفاعي
السؤال
هناك من يقول: إن السيد البدوي وأحمد الرفاعي من نسل الحسن بن علي، ويقولون: إنهما كانا متبعين للسنة، وأن المنسوب إليهما افتراء محض، وإنهما ليسا بأهل بدعة؟
الجواب
على كلٍ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] لكن الذي يحدث الآن عند قبريهما شرك، دعنا من صلاح السيد البدوي ومن صلاح أحمد الرفاعي أو من فسادهما فهم قد أفضوا إلى ما قدموا، لكن الذي يحدث الآن شرك بالله، وهذا الذي يعنينا، ليس لنا ولا لأي شخص ولا لأي عالم أن يقطع لشخص بجنة أو نار إلا الذي جاء ذكره في كتاب الله وسنة رسول الله، وهذا من أصول اعتقاد أهل السنة، حتى إذا مات كافر أمامك ليس لك أن تقطع بأنه دخل النار، فعلم ذلك عند الله ، سواء دخل الجنة أو دخل النار، وسواء كان يتقلب في النعيم أو يتقلب في الجحيم، أمره بينه وبين الله، لكن الذي يحدث الآن في مولده شرك بالله، والله أعلم.
ولازم أن تعتقد أنه ميت لا ينفع ولا يضر، شأنه شأن أي ميت، سواء أكان من نسل رسول الله أو من غير نسل رسول الله، (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ، وإبراهيم ﵊ لما قال الله له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] أي: اجعل من ذريتي أئمة يا رب: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] يعني حتى إذا كان من ذريتك وهو ظالم ليس بإمام، وقال تعالى في شأن إبراهيم وإسحاق: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣] .
стр. 1592
حكم سؤر الحمير والبغال والسباع
السؤال
ما حكم سؤر الحمير والبغال والسباع؟
الجواب
الأحاديث التي تفيد طهارتها ضعيفة، وهي ما زالت عندي محل بحث فنظرة إلى ميسرة حتى نبحث عن الدليل.
стр. 1593
حكم التصوير بالفيديو
السؤال
ما حكم التصوير بالفيديو في الأفراح وفي خطب الجمع؟
الجواب
أما خطب الجمع فهي مشغلة وفتنة للخطيب وللمستمعين، لا يقال: هو عمل خفيف، لا، جو الخطبة سيخرج عن موضعه الذي وضع له، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] فجدير بالمساجد أن تنقى من هذه المهرجانات، وعلى الناس أن يفهموا دينهم فهماً جيداً فالمساجد ليست مسارح وليست ملاهٍ إنما قال الله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦-٣٧] .
أما الأفراح بعيداً عن المساجد فالمسألة محل اجتهاد بين العلماء، هل تستعمل الفيديوهات في الأفراح؟ إذا كانت ليست وراءها فتنة تتعلق بتصوير نساء، أما إذا كنت تصور العروسة والعريس، ثم يراها الرجال ويراها النساء فهذا فتنة ولا يجوز، فحينئذ هو حرام، فلينظر إلى ما سيصور، ومن ثم يأتي الحكم على فرض التسليم بأن الفيديو لا يدخل في باب التصوير، وهي مسألة نزاع بين العلماء.
стр. 1594
هل النوم مبطل للوضوء
السؤال
هل النوم مبطل للوضوء مطلقاً؟
الجواب
الجمهور يقولون: إن النوم لا يبطل الوضوء إلا نوم المستغرق على غير هيئة المتمكن، فإذا كنت غير متمكن ونمت واستغرقت في النوم نقض الوضوء، ومن العلماء من يقول: النوم ينقض الوضوء مطلقاً لحديث: (العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) والحديث مفهوم معناه، لكن استدل على أن النوم على هيئة المتمكن لا ينقض الوضوء بانتظار أصحاب النبي ﷺ لصلاة العشاء وهم جلوس، وكانت رءوسهم تخفق حتى يسمع لبعضهم غطيط، ثم قاموا وصلوا ولم يتوضئوا.
стр. 1595
حكم التسمية في الوضوء
السؤال
هل تصير التسمية واجبة إن صح الحديث؟
الجواب
من العلماء من قال -على فرض صحته-: هو نفي للكمال لا نفي للصحة، أي: لا وضوء كامل (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فيه نفي الكمال لا نفي الصحة؛ لأن النبي ﷺ ثبت أنه توضأ وما ورد أنه سمى، فوصف عثمان وضوء الرسول وما ذكر التسمية، ووصف أسامة وعبد الله بن عباس وضوء النبي فما ذكرا التسمية، ووصف عبد الله بن زيد وضوء النبي فلم يذكر التسمية، ومما يعكر على الوجوب ما نقله الشافعي أن الإجماع انعقد على أن من نسي وصلى، وهو لم يسمِّ على الوضوء أن صلاته صحيحة.
стр. 1596
حديث: (الأذنان من الرأس)
السؤال
حديث: (الأذنان من الرأس) ما صحته؟
الجواب
الحديث ضعيف، وقد نص على ضعفه عدد من أهل العلم كـ ابن الصلاح رحمه الله تعالى.
стр. 1597
حديث: (لا صلاة لمن لا وضوء له)
السؤال
ما مدى صحة حديث: (لا صلاة لمن لا وضوء له) ؟
الجواب
هذا القدر صحيح.
стр. 1598
حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)
السؤال
(لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ما حاله؟
الجواب
محل نزاع بين أهل العلم؛ لأن له طرقاً كلها ضعيفة إلا أن بعض العلماء يجبر ضعفها بمجموعها، والبعض يبقي ولا يجبرها ببعض، وقد ألفت فيه رسالتان، رسالة في تصحيحه ورسالة في تضعيفه، وكل طرقه فيها مقال، من العلماء من يقول: تصلح للاستدلال بمجموعها، ومنهم من يقول: لا تصلح والله أعلم، فالأمر قريب وسهل.
стр. 1599
حكم الأضحية
السؤال
قال الرسول ﷺ لما ضحى: (هذا لي، وهذا لمن لم يضح من أمتي) فما حكم الاقتداء بالرسول ﷺ في هذا الأمر؟
الجواب
الأضحية سنة وليست بواجبة لهذا الحديث، ولم يثبت حديث صريح في الأمر بالأضحية أمر إيجاب، فالأضحية مستحبة وليست بواجبة.
стр. 1600
هل يجوز للمرأة أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها ؟
السؤال
تنازلت زوجتي عن مبلغ ثلاثين ألف جنيه من ميراثها من وليها لشقيقها الوحيد الذي لم يتزوج بحجة أنه لم يتزوج، ولكنه ثري وعنده ما يكفيه، وبعد ذلك تركت له أرضها التي تؤجر بمبلغ ستة آلاف جنيه سنوياً، ويستولي أخوها على المبلغ كله دون أن يعطيها منه شيئاً، وحينما حدثتها في ذلك ثارت وقالت لي: ليس من حقك التدخل في أموالي، وعندما حدثت شقيقها في عدم أحقيته في أخذ المبلغ قال لي: ليس هذا من شأنك، وقد قرأت في فتاوي الشيخ فلان أنه لا يحق للمرأة التصرف في مالها بدون إذن زوجها، فما المطلوب مني تجاه هذا الموضوع، خصوصاً أنني غير مستريح نفسياً من زوجتي؟
الجواب
في الحقيقة أن هذا الباب وردت فيه جملة أدلة عن رسول الله ﷺ ، واستدل بها بعض العلماء على منع المرأة من التصرف في مالها إلا إذا أذن لها زوجها، كحديث: (لا يحل للمرأة عطية من مالها إلا بإذن زوجها) هذا الدليل المانع، لكن -والله سبحانه أعلم- الجمهور على أن هذا الحديث على الاستحباب وليس على الإيجاب، حتى تدوم العشرة بين الزوجين على ما يرضي، والأصل أن المرأة أحق بالتصرف في مالها، إذ هو مالها، والدليل على هذا أن النبي ﷺ (لما انتهى من خطبة العيد ذهب إلى النساء يذكرهن ومعه بلال، وبلال باسط ثوبه، فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها -أي: العقد والحلق- في حجر بلال) ، ولم يرد أن النساء ذهبن واستأذن من الأزواج حينئذٍ، فلو كان استئذان المرأة لزوجها في إنفاق مالها واجباً لأمرهن النبي أن يستأذن أزواجهن، فلما لم يأمرهن النبي ﷺ باستئذان الأزواج دل ذلك على عدم الوجوب.
بيد أن حديث (نهي المرأة عن التصدق بمالها إلا بإذن زوجها) فيه كلام من الناحية الحديثية ومن الناحية الفقهية أيضاً، فمن العلماء من حمل: (من مالها إلا بإذن زوجها) أي: من مالها الذي أعطاها إياه الزوج، وهذا وجه آخر للتوجيه، أما القطع بأن إنفاق المرأة مالها بغير إذن زوجها حرام فهو قول لا وجه له، إذ الأدلة تدفعه، والله أعلم.
لكن فقط من باب تطييب الخواطر، ودوام المودة والمحبة بين الزوجين يستحب لها ذلك، حتى تدوم معيشتها مع الزوج، وتطيب خاطره ولو بالكلمة الطيبة، أما أنه يتسلط عليها ويفرض عليها أن تفعل أو لا تفعل فليس هذا من حقه إذ قد يطلقها من الغد، فإذا قلنا: له أن يمنعها أو يجب عليها أن تستأذن منه، سيتسلط ويقول لها: أنفقي في موطن كذا، ولي هذا، وكأنه من حقه!! فالصداق الذي هو لها من الزوج يقول الله فيه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] إن طابت نفسها لزوجها بجزء من المال، فليس لأخيها أن يأتي ويقول لها: لا تعطي الزوج، ليس لأخيها ذلك.
ولكن نقول: ينبغي للمرأة أن تكون عاقلة ورشيدة في التصرف، فإذا نظرنا إلى قوله تعالى في شأن المهور: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ﴾ [النساء:٤] ولم يقل: طبن لكم عن كل الصداق، إنما قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ ، فيستحب للمرأة أن تبقي في يديها بعض الأموال لتتصدق بها وتحسن بها إلى الفقراء، وخاصة إذا كان أخوها من الأثرياء، فالصدقة على الذي هو أشد احتياجاً تبلغ مبلغاً أعظم في الأجر، فالمرأة إذا أرادت الثواب العظيم والأجر الجزيل من الله سبحانه عليها أن تعمد إلى أهل الاستحقاق فتنفق عليهم، أما الزوج فما عليه إلا النصح، والله أعلم.
стр. 1601
تفسير سورة القلم [١]
سورة القلم من جملة السور والآيات التي دافع الله فيها عن نبيه ﷺ ، وأوضح فيها عظيم جنابه ﵊، فأقسم سبحانه في صدر هذه السورة بالقلم على نفي دعوى المشركين بأن النبي مجنون، وفيها بيان أجره العظيم، وخلقه العظيم، وأن الأيام ستكشف له ولهم من هو المفتون المجنون، ثم حذر نبيه الكريم ﷺ من مداهنتهم أو مجاملتهم.
стр. 1602
تفسير قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: يقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] (ن) للعلماء في تفسيرها أقوال: أحد هذه الأقوال: أن (ن) حرف من الأحرف التي بُدئت بها السور كـ (ص) و (طه) و (ألم) و (ق) و (يس) إلى غير ذلك.
القول الثاني: أن (ن) المراد به الحوت، وكما في السورة نفسها، ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨] ، وصاحب الحوت ذكره الله في سورة الأنبياء، فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] ، فالقول الثاني من الأقوال: أن (ن) المراد به الحوت، ومما أيد ذلك ذكر صاحب الحوت في هذه السورة، وصاحب الحوت هو ذو النون كما في السورة الأخرى.
والقول الثالث: أن المراد بـ (ن) الدواة، فأقسم الله بالقلم، وبالدواة التي يغمس فيها القلم، لتمده بالحبر والمداد.
القول الرابع: أن المراد بـ (ن) اللوح الذي يكتب فيه بالقلم.
فهذه أشهر الأقوال في تفسير قوله: (ن) .
أيضاً للعلماء في الحوت أقوال لا ينبني أي شيء منها على حديث ثابت عن رسول الله ﷺ ، فمنهم من قال: هو حوت يحمل الأرض، ومنهم من قال: هو الحوت الذي التقم يونس، إلى غير ذلك من الأقوال.
﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ الواو في قوله سبحانه: (وَالْقَلَمِ) واو القسم، وكما أسلفنا مراراً أن أحرف القسم ثلاثة: الواو والباء والتاء، فالواو هنا واو القسم على رأي كثير من العلماء، فأقسم الله بالقلم.
وما المراد بالقلم؟ من أهل العلم من قال: المراد بالقلم قلم مخصوص وهو أول قلم خلقه الله، وهو أول الخلق على الإطلاق، كما جاء عن رسول الله ﷺ في حديث يصح بمجموع طرقه: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) ، فمن العلماء من قال: إن المراد بالقلم: القلم الذي خلقه الله أول ما خلق، وكتب به مقادير كل شيء، والحامل لهم على هذا الاختيار أنه درج في كتاب الله على أن الله يقسم بعظيم المخلوقات، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٥-٧] ، ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١] ، ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١] ، فيقسم الله بعظيم المخلوقات، ولا يقسم بأشياء يسيرة من خلقه، مع أن كل خلقه عظيم، لكن ما تجد ربنا أقسم بالنملة مثلاً، ولا بالبعوضة، ولا بالخنافس، ولا بالصراصير، مع أنها كلها مخلوقات لله، لكن ربنا يقسم بعظيم المخلوقات، فهذا حمل بعض العلماء على أن يقول: إن القلم هنا قلم مخصوص، وهو أول قلم خلق، وهو الذي كتبت به مقادير الخلائق.
ومن العلماء من قال: هو عموم الأقلام، وليس المقسم به قطعة خشب، وإنما المراد أهمية هذا القلم، وما ينبني عليه، فالقلم النوع الثاني من أنواع البيان، فرب العزة قال في كتابه الكريم: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٣-٤] ، فالبيان بيانان: بيان بالقلم، وبيان باللسان، وقال الله في أول سورة نزلت على نبيه محمد ﵊: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١-٤] ، فالقلم نعمة امتن الله بها على العباد.
فقد يطرح
السؤال
لماذا وهو نعمة امتن الله بها على العباد لم يعلمها الله لنبيه ﷺ ، ومع أن العلم محمود، والجهل مذموم، فلماذا حرم النبي ﷺ هذه النعمة؟ أليس تعلمها داخلاً في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] ، ويتوصل بالقراءة والكتابة إلى الاطلاع على العلوم الشرعية؟! فالإجابة: أن الرسول ﷺ منع هذه النعمة لعلة أعظم، ذكرها الله في كتابه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨] ، فلدفع الارتياب والشكوك عن الناس جعل الله الرسول ﷺ أمياً.
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] أي: وما يسطِّرون أي: وما يكتبون، فأقسم الله بالآلة، أي: بالقلم وبما كتبته الآلة: القلم وبما كتبه القلم، وعلامَ كان القسم؟! ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢] فالله يقسم على أن النبي ﷺ ليس بمجنون، كما وصفه الواصفون، فقد وصفه القرشيون المشركون بالجنون ورموه به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦] فأنت عندما ترى الناس كلهم يقذفونك ويصفونك بالجنون، قد يتسرب إلى نفسك شك أن بك شيئاً من كثرة ما تسمع؛ لأن كل هؤلاء يصفونك بالجنون وتتساءل: هل أنا على خطأ أو على صواب؟! فرسولنا وصفه الكفار بهذا الوصف، كما وصف إخوانه من المرسلين، فقد وصف بذلك نوح ﷺ كما قال تعالى: ﴿كَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩] .
وهكذا عموم الأنبياء، فربنا هو الذي دافع عن نبيه محمد ﵊ بنفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] ما أنت بمجنون من فضل الله عليك، ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم:٢] أي: من نعمة الله عليك، أنك لست بمجنون، أي: بحمد الله لست بمجنون ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢] أي: ما أنت بمجنون، وجاءت كلمة ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم:٢] اعتراضية، فيكون المعنى: ما أنت بمجنون، لكن عززت بقوله ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ ، ويصبح المعنى: ما أنت بفضل الله عليك بمجنون.
стр. 1603
تفسير قوله تعالى: (وإن لك لأجراً غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم)
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم:٣] فالآية فيها دفاع عن رسول الله ﷺ ، وفيها تصديق لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم:٢-٣] أي: غير مقطوع، يعني: أجرك ثابت، ومتواصل لا ينقطع، ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، ﵊، إذاً: القسم على ثلاثة أشياء: الشيء الأول: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢] نفي الجنون.
والشيء الثاني: أن للنبي أجراً لا ينقطع.
والشيء الثالث: أنه ﵊ على خلق عظيم، ﷺ .
وما معنى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ؟ من العلماء من فسر الخلق هنا: بالدين، قال: وإنك على دين عظيم، إذ الإسلام خير الأديان ومنهم من فسرها بعموم الأخلاق، وعلى كلٍ فما زالت الآية مجملة، فما هو هذا الخلق العظيم، إذا قيل: إن المراد به عموم الأخلاق؟ تفسيرها في آيات أخر، كما قال الله تعالى في شأنه ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] فخلقه مع أصحابه لين، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فهذا من خلقه ﵊، فهذه الآية ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] مجملة فسرتها آيات، وفسرتها أحاديث، أوضحت أخلاق رسول الله ﷺ ، أوامره كلها تحمل أخلاقاً حميدة، لما سأل هرقل أبا سفيان، بم يأمركم محمد: قال: يأمرنا بالعفاف، والصلة والصلاة والزكاة وهجر الأوثان، إلى غير ذلك.
ومن خلقه أنه حريص على أمته وليس حسوداً لها، بل هو حريص على المؤمنين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] هذه أخلاقه على وجه الإجمال، وقد سئلت أم المؤمنين عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت للسائل: (ألست تقرأ القرآن؟ قال: نعم، يا أماه! قالت: كان خلقه القرآن، ثم تلت: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ) وأبو ذر لما أرسل أخاه يتفقد أحوال رسول الله ﷺ ، ويستخبر عن رسول الله ﷺ ، جاء أخوه وقال: إني وجدت رجلاً يأمر بمكارم الأخلاق، فكانت أخلاقه حسنة في كل شيء، إذ خلقه القرآن في العبادات، وفي المعاملات، وفي سائر شئونه ﵊.
في العبادات إذا أنفق لا يتبع الإنفاق بالمن والأذى، ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] .
إذا أعطى يعطي لوجه الله، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩] .
إذا علم يعلم لله إذا صبر يصبر لله إذا تصدق كان رءوفاً بالمتصدق عليه، هذا في أبواب الإنفاق.
وفي أبواب الصلاة إذا قام يصلي قام خاشعاً لله حتى تورمت قدماه ﷺ .
في أبوب الصيام يقول: (من لم يدع قول الزور، والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) في أبوب الحج، ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] إذا حج لا يُطرد الناس عنه طرداً ويضربون ضرباً كما يحدث الآن، إنما كما قال الصحابي الكريم: (رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك) ﷺ .
في الاجتماع يأتي كذلك يعلم المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] .
ينزل الناس منازلهم فيعرف للكبير حقه، جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ ، حويصة ومحيصة، فذهب أحدهما يتكلم فقال الرسول ﷺ : (كبر، كبر) وقال ﵊: (أراني أتسوك، فأتاني رجلان فدفعت السواك للأصغر منهما، فقيل لي: كبر كبر) قال ﵊ في حالة التساوي في حفظ القرآن والسنة: (وليؤمكم أكبركم) هكذا قال الرسول ﷺ ، فأعطى للكبير حقه، وأنزل الناس منازلهم، وعرف لصاحب المنصب منصبه، ولصاحب الجاه جاهه، وعرف للفقير حاله؛ فرفق به ورحمه، قال الرسول ﷺ عام الفتح: (من دخل المسجد فهو آمن) قال ذلك للمشركين الخائفين من القتل لما فتح مكة: (من دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن) ثم الشاهد (ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فأنزل أبا سفيان منزلته باعتباره شيخاً لقريش، وأنزل أبا بكر منزلته، لما جاء أبو قحافة مع أبي بكر الصديق ورأسه مشتعلة بياضاً كالثغامة -أي: القطن- قال النبي ﷺ : (لو جلس في بيته يا - أبا بكر - لأتيناه؛ تكرمة لـ أبي بكر) ولما ذهب سعد بن معاذ ﵁ يحكم في بني قريظة فرآه الرسول وهو مقبل -وكان سيد الأوس، والأوس من الأنصار- فقال ﵊ للأنصار: (قوموا إلى سيدكم) ولما استأذن عليه عثمان والرسول حاسر عن بعض فخذه ﵊، فلما سمعه يستأذن غطى فخذيه، في رواية أنه قال: (ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة) وفي الرواية الأخرى أنه قال: (إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إذا رآني على هذه الحال ألا يبلغ إليّ في حاجته) يعني: يستحيي أن يتكلم معي ويشكو إليّ حاجته، ويسألني مسألته إذا رآني على هذه الحال.
ومن باب رده ﷺ للجميل وحفظه للمعروف -إذ ليس بجاحد للمعروف ولا منكر للجميل- كان ﵊ إبَّان مرجعه إلى الطائف وقد طرد وأخرج من مكة إلى الطائف، فلما رجع إلى مكة نزل في جوار المطعم بن عدي، والمطعم كان كافراً، فلما نزل الرسول في جواره، حمل المطعم بن عدي سلاحه هو وقبيلته، وقال: يا معشر قريش! إني قد أجرت محمداً فمن مسه بسوء كانت الفيصل بيني وبينه، فحفظ الله نبيه ﷺ ، ثم لما مات المطعم، وجاءت غزوة بدرٍ الكبرى، وأسر من المشركين سبعون؛ جاء النبي ﷺ ونظر إليهم وقال: (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء لتركتهم له) فكان يحفظ الجميل ﷺ ، ولا يضيع عنده المعروف ﵊.
وكان حسن العهد بمن مات، فيخلفه في ذراريه وفي أقاربه بخير، قال ﵊: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد موته) فإذا كان أبوك يزور شخصاً، أو يزور امرأة من أقاربك، أو من الفقيرات، فلا تقطع الود، ولا تقطع الصلة بموت الأب، ولا تُشعر من كان أبوك يحسن إليهم بالانقطاع، فزرهم وصلهم كما كان أبوك يفعل؛ قال الرسول ﵊: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد موته) هكذا قال رسولنا محمد ﵊.
وأيضاً كانت هالة بنت خويلد كلما جاءت واستأذنت على رسول الله -وهي أخت خديجة زوج الرسول ﷺ عرف من نبرات صوتها نبرات صوت أختها خديجة، تلكم المرأة الصالحة التي كانت تعينه على نوائب الحق، وتؤازره بحنانها وعطفها وما رزقها الله من مال، فلما ماتت كان النبي ﷺ إذا سمع صوت هالة، لما فيه من مشابهة لصوت خديجة ارتاع لذلك، وقال: (اللهم! هالة) حتى غارت عائشة ﵂ لكثرة ما كان النبي يكثر من ذكر خديجة ﵂، فكان حافظاً للعهد ﵊، ولا ينكر المعروف أبداً.
كان قوي الملاحظة ﵊ فليس كل الناس يستطيعون التعبير عما في أنفسهم باللسان، بل منهم من يظهر ما في قلبه على وجه، ومنهم من يعبر عما في نفسه إشارة، ومنهم من فاض الذي في قلبه حتى خرج على لسانه فيلزمك أن تكون كرسولك محمد ﷺ قوي الملاحظة فهّامة تفهم من حولك، وتفهم مدلولات الألفاظ.
من الناس من امتلأ قلبه لك حباً، فإذا رآك لا تسمع منه إلا كل خير، وكل كلم طيب معبرٍ عما في النفس، ولا ترى منه إلا البشاشات، ولا ترى منه إلا الترحيبات، ومن الناس من ملئ قلبه حنقاً، وغيظاً عليك، فكما قال الله في أضرابه من أهل النفاق: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] إن كنتم تفهمون، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠] فكان الرسول قوي الملاحظة كما كان أصحابه، وكما علم أصحابه ﵃، يقول لأم المؤمنين عائشة: (
стр. 1604
تفسير قوله تعالى: (فستبصر ويبصرون، بأيكم المفتون)
قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ [القلم:٥] أي: فستعلم ويعلمون، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم:٦] أي: أيّكم هو المفتون، من العلماء من قال: إن الباء زائدة كما في قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٠] والباء؛ قال فريق من العلماء: الباء زائدة، فقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ [القلم:٥] فستعلم يا محمد! وسيعلم هؤلاء الكفار المفترون -الذين يدعون أنك مجنون، وأنك مفتون- من المفتون! ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم:٦] و (المفتون) من العلماء من قال: معناه: المجنون، لأنها جاءت في عقب الآية التي هي ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢] فلما نفى الجنون عنه قال: ستعلمون من المجنون، ومن هو المفتون والمصروف عن الحق، فالفتنة تطلق على الصرف أحياناً، ومنه قول الشاعر: لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت سعيداً فأصبح قد قلى كل مسلم وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المتيم فقوله: (لإن فتنتني) أي: لئن صرفتني عما أنا عليه من الخير، فهي بالأمس أفتنت سعيداً، (فأصبح قد قلى كل مسلم) ، (وألقى مصابيح القراءة واشترى) أي: أنصرف عن الخير، (وألقى مصابيح القراءة واشترى) (وصال الغواني بالكتاب المتيم) .
فمفتون: إما أنه المصروف عن الحق إلى الباطل، وإما أنه المجنون.
стр. 1605
تفسير قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله .)
قال تعالى: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم:٦-٧] هو يعلم هل أنت الضال، أم هم الضلال، هو يعلم لكن -يا محمد- ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم:٨] وكما في الآية الأخرى ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] وليس لهؤلاء طاعة، (إنما الطاعة في المعروف) لمن لهم علينا حق الطاعة.
стр. 1606
تفسير قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون)
﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا﴾ [القلم:٨-٩] أي: طمعوا , وأحبّوا ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] ، أي: تميل إلى دينهم وإلى آلهتهم فيمالئونك على ما أنت عليه شيئاً ما، (تدهن) : تميل، وقالوا: إن الدهن إذا وضع على شيء يلينه، أي: تلين فيلينون، أي: تلين فيسكتون عنك، (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) أي: تميل إليهم في معتقدك، ولم يلن لهم رسول الله في شيء من معتقده أبداً، إنما إذا كان هناك شيء من إظهار الموافقة بالأعمال ليس في العقائد، فقد يقر الشرع لك أن تتلفظ بكلمة الكفر والقلب مطمئن بالإيمان، أما الإيمان القلبي فلا مساومة فيه أبداً، ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤] ولو ركنت إليهم شيئاً قليلاً ﴿إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٥] .
الممالآت باللسان إن احتيج إليها فتقدر بقدرها، يعني: إن احتجت في المعاملات العامة إلى أن تستعمل شيئاً من التقية أو المداراة، فلك أن تصرح فيها بالقدر الذي يحتاج إليه وتنصرف، لكن المعتقد القلبي لابد أن يكون مطمئناً بالإيمان.
أما المعاملات بالجوارح فلك إن أكرهت على شيء أن تتلفظ حتى بكلمة الكفر، وقد أباح الرسول ﷺ الكذب في بعض المواطن، لكن يحب أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان، ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨] الأصل أن الطاعة على أنواع: فلا يطاع أحد في العقائد، إلا إذا أكرهت على التلفظ بكلمة الكفر، فيجوز لك أن تمضيها بقدرها، وإذا أكرهت على عمل من الأعمال فأيضاً بحسب نوع هذا العمل، وهذه المسألة فقهية واسعة تحتاج إلى محاضرة أو محاضرتين لبيان الجائز منها من المحظور.
وفقنا الله إلى كل ما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1607
الأسئلة
стр. 1608
حكم لمس الخاطب لمخطوبته والخروج معها
السؤال
شخص قرأ الفاتحة على امرأة -أي: خطوبة- وخرج معها وهو متوضئ، ولمس يدها، هل يجوز أن يخرج معها؟! وما حكم مصافحة النساء؟
الجواب
قراءة الفاتحة هذه التي فعلها لا تُحل له أي شيء، فلا يجوز له أن يمس يدها؛ لأن النبي قال: (لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه، خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) .
أما هل هذا المس ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟! فقولان لأهل العلم، والأصح منهما -كما يظهر والله أعلم- اختيار عبد الله بن عباس أن المس الذي هو دون الجماع لا يوجب وضوءاً؛ لأن عائشة مست رجل الرسول وهو ساجد، ولم يخرج الرسول ﵊ من صلاته، وحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] على أن المراد هو الجماع، أما إذا شعر بأنه أمذى وخاصة إذا كان في مثل هذه الحالة من الفتوة -وهي كذلك- فإذا تأكد أنه أمذى وجب عليه الوضوء.
стр. 1609
التعارض في التصحيح والتضعيف في الأحاديث
السؤال
ماذا نفعل إذا وجدنا تعارضاً في التصحيح والتضعيف لبعض الأحاديث؛ وخاصة أنه اشتهر في هذه الأيام؟!!
الجواب
هذا ليس مشهوراً هذه الأيام، وإنما من عهد الأئمة الكبار كالإمام الشافعي رحمة الله عليه، كان في كثير من المسائل الفقهية يعلق الحكم فيها على صحة حديث ما، إذا توقف في الحكم عليه صحة أو ضعفاً، ويقول: إن صح الحديث فأنا أقول به، ويكون قولي هو كذا وكذا، ويتوقف على الحكم، فهذا الذي ذكرته يحملك على أن توسع أفقك شيئاً ما لاستقبال المسائل التي فيها وجهان للعلماء.
стр. 1610
تفسير سورة القلم [٢]
نهى الله نبيه عن المداهنة والطاعة لمن حاد عن نهج الحق وكفر بالله، واتسم بصفات الذم والمهانة، وضرب الله لهم مثلاً بأصحاب الجنة الذين تواطئوا على منع الفقراء وذوي الحاجة حقهم، وتقاسموا بالله على ذلك، فأهلك الله جنتهم، وصاروا عبرة وآية لمن بعدهم.
ثم خاطب الجبار جل وعلا كفرة قريش فقال: ((أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)) فلا يستوي الطائعون والعصاة أبداً، فكل له طريقه وسبيله ومصيره.
стр. 1611
تفسير قوله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٠-١٥] .
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ [القلم:١٠] الحلاف: هو كثير الحلف، فهل يستفاد من الآية أن كثرة الحلف مذموم، أو لا يستفاد ذلك منها؟ من العلماء من قال: إن كثرة الحلف مذموم لهذه الآية الكريمة: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ [القلم:١٠] ولقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] ، ولأن النبي ﷺ لم يكن يكثر من الأيمان، ولأن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه، فإذا أكثر الشخص من الحلف أوشك أن يقع في الحلف على الحرام، أو الحلف المحرم، أو الحلف كاذباً، أو الوقوع فيما حلف عليه وينسى -لكثرة أيمانه- فلا يكفِّر وأيضاً: لأن الله وصف أهل النفاق أنهم يكثرون من الأيمان كي يصرفوا الناس عنهم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة:١٦] أي: وقاية يتقون بها أقوال الناس فيهم وأحكام الناس فيهم، فهذه حجج من قالوا بكراهة ذلك بأن كثرة الحلف مذموم.
ومن أهل العلم من قال: إن كثرة الحلف لا بأس به إذا كان الشخص يحلف بحق، ويحلف على حق؛ وذلك لأن الحلف بالله فيه ذكر لله سبحانه، فالذي يقسم بالله يذكر الله أثناء القسم، قالوا: وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] .
قالوا: وأيضاً قد أقسم النبي ﷺ جملة أيمان دون أن يطلب منه القسم، ففي قصة العسيف -أي: الأجير- الذي كان مستأجراً عند رجل فزنى بامرأته: أتى أبوه وأتى زوج المرأة إلى رسول الله ﷺ كي يقضي بينهم، قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لأقضينّ بينكما بكتاب الله ، دون أن يطلب منه هذا القسم.
وأيضاً لأن النبي ﷺ لما جاءه أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، قال ﵊: (والذي نفس محمد بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) ، دون أن يطلب منه أيضاً القسم.
فهذه حجج من قالوا بعدم الكراهية إذا كان الشخص محقاً في قسمه، وحجج الذين قالوا بكراهية الإكثار من القسم لغير حاجة، والله أعلم.
لكن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] على ذم الإكثار من الحلف لا يتم؛ لأنها لم تنفرد بالحكم، وإنما أردفت بصفات أخرى.
(مَهِين) المهين: هو الحقير، والكذَّاب أيضاً، فالحلاف المذموم في هذه الآية هو الحلاف المهين.
стр. 1612
تفسير قوله تعالى: (هماز مشاء بنميم)
قوله تعالى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] ، أما الهماز فهو الذي يهمز الناس، أي: هو الذي يعيب الناس بأقواله كما يعيب الناس بأفعاله.
والعيب بالقول فمعلوم، أما العيب بالفعل فهو أن يتهكم بفعله كأن يمشي شخص وهو يعرج، فيأتي ساخر يمشي ويعرج خلفه ويحاكي مشيته كي يضحك الناس منه، أو شخص في لسانه شيء، فيتعمد ليَّ لسانه سخرية من أخيه.
فالهمز قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد يأتي بمعنىً أوسع، فإذا جاء مقترناً باللمز، كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] ، فالهمز بالقول واللمز بالفعل، ومن العلماء من عكس، لكن إذا جاء مستقلاً غير مصحوب باللمز فقد دخل فيه أيضاً معنى اللمز.
(مَشَّاءٍ) من المشي، (بِنَمِيمٍ) ، يمشي بين الناس بالنميمة للإفساد بينهم، وينقل الحديث من شخص إلى شخص آخر على سبيل الوشاية والإفساد بينهما، والمشي بالنميمة من الكبائر على رأي جمهور العلماء؛ وذلك لحديث النبي ﷺ لما مرّ بالقبرين (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) ثم قال: (بلى -أي: لا يعذبان في كبيرٍ في أنظاركم، ولكنه كبير عند الله- أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة) ومن الأدلة على كون النميمة من الكبائر أيضاً: قول النبي ﷺ إضافة إلى هذه الآية الكريمة ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] حدت هذه الأدلة ببعض أهل العلم إلى أن يحكموا على النمام بأنه مرتكب لكبيرة.
ومن العلماء من فصل في الذي ينُمُّ كمسألة الاغتياب، فهل الاغتياب كبيرة أو أن الاغتياب صغيرة من الصغائر؟ من العلماء من قال: إن الغيبة من الكبائر، ومنهم من قال: إنها من الصغائر، ومنهم من فصل.
فمنهم من فصل بناء على حجم المغتاب، وقدر المغتاب، ومنهم من فصل بناء على الشيء المنقول، فمثلاً: إذا كنت تغتاب رجلاً من أهل الصلاح، ليس كما لو كنت تغتاب الفسّاق، فإذا اغتبت رجلاً صالحا الحكم يختلف عما إذا اغتبت رجلا فاجراً، والأدلة تشهد لذلك كحديث: (بئس أخو العشيرة) الذي قاله الرسول ﵊.
إذا كنت تغتاب شخصاً كريماً لا كمن يغتاب شخصاً بخيلاً.
إذا كنت تغتاب على سبيل الشكوى ليس كمن يغتاب على سبيل الحاجة، فإن هنداً قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، ولم ينكر عليها رسول الله ﵌.
إذا كنت تغتاب الجاهل، فلست كمن يغتاب العالم، فإن النبي قال كما في البخاري: (ما أظن أن فلاناً وفلاناً يعرفان عن ديننا شيئاً) .
فكذلك الحكم في النميمة؛ يختلف من منقول إلى منقول آخر، ومن شخص إلى شخص آخر، ومن ثَم يقرر الحكم هل هي من الكبائر أو هي من الصغائر؟ هذا تفصيل جنح إليه عدد كبير من أهل العلم والله أعلم.
﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] (مشاء) : أي: ماشٍ (بنميم) أي بالنميمة، فـ (لا يدخل الجنة نمام) كما قال الرسول ﷺ ، وهذا في النميمة التي تفسد بين الأحبة، وتقطع المودة بين الأرحام، وأيضاً تسبب ضرراً للمسلمين، وتسبب عذاباً على مسلم وأذى لبعض أهل الإيمان.
стр. 1613
تفسير قوله تعالى: (مناع للخير معتد أثيم)
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم:١٢] كما أسلفنا أن كثيراً من العلماء قال -وأطلق بعضهم ذلك-: إذا ذكر الخير في كتاب الله، فالمراد به دوماً المال، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] أي: لحب المال لشديد، فمن العلماء من أطلق وقال: كل خير في كتاب الله يراد به المال، لكن وإن سلم لهم هذا القول كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة:١٨٠] أي: إن ترك مالاً، إن سلمنا بذلك في مواطن، فلا نسلم به في مواطن أخرى، كقوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] (خير) هنا لها معنىً أخر تماماً.
فالحاصل أن الأولى أن يقال: إن أكثر ورود الخير في كتاب الله بمعنى المال، لكن لا يتمنع أن يأتي الخير بمعنىً آخر.
قال الله ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [القلم:١٢] هل المراد بها مناع للمال، أو المراد بها نوع مخصوص من المال؟ فمن العلماء من قال: إن المراد بالخير هنا: الزكوات المفروضة.
ومنهم من قال: إن المناع للخير هنا مناع لأوجه الخير بعمومها.
وقيل: نزلت هذه الآيات -وليس لدينا شيء عن رسول الله ثابت الإسناد- في الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد رضي الله عن خالد، فكان أبوه ينفق المال الكثير، وينحر مئات من الإبل في الحج، ويرسل مناديه ينادي: من كان يريد اللحم فليأت إلى الوليد بن المغيرة فيأمر الناس بإطفاء النيران أيام منى، وإذا طلب منه شيء لله منع؛ لأنه كان لا يفعل ذلك إلا على سبيل الرياء والمباهاة، وإذا طلب منه شيء للفقراء وذوي الحاجة والمسكنة لله منع، ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ [القلم:١٢] أي: على غيره ﴿أَثِيمٍ﴾ [القلم:١٢] أي: أثيم في نفسه، يعني: بينه وبين الله آثم ومرتكب للذنوب في حق نفسه وفي حق ربه، وعلى الخلق معتدٍ أيضاً، فمعتدٍ أثيم جمعت المعنيين؛ فهو في نفسه آثم، ولخلق الله ظالم، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فجمع بين الإثم في النفس، والظلم للغير.
стр. 1614
تفسير قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم)
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم:١٣] (بَعْدَ) بمعنى: مع، وهذه لغة عدة بلاد، يقولون عن شخص: هو كذا وكذا وبعد هو كذا، ومعنى ذلك: ومع هذه الصفات هو كذا، فقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أي: مع هذه الصفات المذكورة كلها هو معها عتل، ومع ذلك كله هو زنيم، والعتل: هو الجلف الجافي الغليظ واسع البطن كما قال فريق من العلماء أي: كأنه في مطعمه ومشربه رحيب الجوف، أكول شروب ومع ذلك فهو جلف جافٍ غليظ، فتخيل شخصاً بهذه الصورة أكولاً شروباً منوعاً جموعاً للمال، ومع ذلك هو جلف في طباعه غليظ في أقواله وأفعاله، هذا تأويل العتل عند كثير من أهل العلم، (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: مع ذلك كله هو (زَنِيمٍ) وفيها أقوال: أحد الأقوال في تفسير الزنيم أنه الدعي أي: ولد الزنا الذي نسب إلى غير آبائه، وقد قيل هذا في الوليد بن المغيرة، والله أعلم فأحد الأقوال بمعنى أن (زَنِيمٍ) بمعنى: دعي إلى غير أبيه.
والقول الآخر: أن الزنيم من له زنمة وهو الشيء البارز في الرقبة كزنمة الشاة، فجمع بين الوصف السيئ في الخلق وأيضاً في الخلق فهو ذميم، فوصف بما يقتضي الذم سواء في خلقه أو في أن الله جعل فيه هذه الصفات الذميمة من الخلق لحكمة يريدها الله .
стр. 1615
تفسير قوله تعالى: (أن كان ذا مال وبنين .)
﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٣-١٥] هل (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ) مرتبطة بما بعدها، أو مرتبطة بما قبلها؟ إن قلت: إنها مرتبطة بما قبلها، فالمعنى: فلا تطع كل حلاف مهين وإن كان ذا مال وبنين يعني: وإن كان ثرياً، وإن كان له أولاد، وإن كان من أهل الجاه فلا تطعه أيضاً، فلا تطع كل حلاف مهين وإن كان هذا الحلاف من أهل الثراء ومن أصحاب المناصب والجاهات، وممن رزقهم الله الأولاد، فلا تطعه أيضاً، وإذا كان مرتبطاً بما بعده فالمعنى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٤-١٥] أي: أن ماله وبنيه الذين رزقه الله إياهم حملوه على أن يكفر بالله ويكذب بآياته فقال: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٥] فالذي حمله على الكفر والتكذيب هو الرزق بالمال والرزق بالبنين، كما قال تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم:١٤] أي: أئن كان ذا مال وبنين ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٥] هل هكذا تشكر النعم؟ والآية معناها ثابت في جملة آيات ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣] ، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٧] والآيات على هذا المنوال كثيرة، فالمعنى: أئن كان ذا مال وبنين يقابل هذه النعم ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [القلم:١٥] .
следующие страницы →