← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الوصية الثانية: الإحسان إلى الوالدين قال الله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] ، أي: أحسنوا إلى الوالدين إحساناً، وتقدم أن الأمر بالإحسان إلى الوالدين يأتي في كثير من الآيات والأحاديث عقب الأمر بعبادة الله، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] ، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام:١٥١] ، وقول النبي ﷺ : (أي الذنب أعظم يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) ، وقوله ﵊: (أي الأعمال أحب إلى الله يا رسول الله؟ قال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين) . فالأمر بالإحسان إلى الوالدين تظافرت عليه نصوص الكتاب والسنة، وقد قال النبي ﷺ ذات يوم لما صعد إلى المنبر: (رغم أنف امرئ، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: رجل أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة) ، ولا يخفى عليكم أن عيسى ﵊ من أول الكلمات التي تكلم بها في المهد أن قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٢] بعد قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٠-٣٢] ، وقال سبحانه في شأن يحيى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:١٤] ، ولا يخفى عليكم أن أحد الثلاثة الذين انسدت عليهم الصخرة في الغار وتوسل كل واحد منهم إلى الله بصالح عمله فقال أحدهم: (اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أذهب وأحلب لهما غبوقهما، وإنه نأى بي المرعى يوماً فرجعت إليهما وقد ناما والحلاب في يدي -القدر الذي به اللبن- فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند قدمي من الجوع -يعني: الصبية يتلوون من الجوع عند رجله وهو لا يريد أن يوقظ أبويه ويزعجهما من النوم ويكره أن يسقي الأولاد قبلهما فبقي كذلك طول الليل حتى طلع الفجر- اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه) ففرج الله عنهم بعض ما هم فيه. ولا يخفى عليكم أيضاً أن أم جريج استجيبت دعوتها على ولدها إذ نادته وهو يصلي فلم يجبها وما منعه من إجابتها إلا الصلاة؛ إذ نادته فقالت: يا جريج! فقال: يا رب أمي وصلاتي، ثم أتته في اليوم الثاني والثالث وقالت: يا جريج! قال: يا رب أمي وصلاتي، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات -أي: الزواني عياذاً بالله- فما مات حتى جاءته امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل، اتفق معها بنو إسرائيل على أن تفتن جريجاً، فقالت لهم: إن شئتم فتنت جريجاً، قالوا لها: افعلي، فذهبت تطلب منه الزنا فأبى، فذهبت إلى راع فمكنته من نفسها فزنى بها وحملت وولدت، وجاءت قومها بالولد، فقالوا لها: ممن هذا؟ قالت: من جريج، فأتوا إلى صومعته وأهانوه وضربوه ودمروا صومعته، فاستجيبت دعوة أمه إلا أن الله أكرمه ونجّاه؛ لأنه كان في صلاة، فقال: أين الغلام؟ فأتي به، فقال: يا بابوس! من أبوك؟ قال: أبي هو الراعي، فأكرموه وبنوا له صومعته، وقالوا: إن شئت أن نبنيها من ذهب بنيناها، فقال: لا، ولكن من طين كما كانت. الشاهد: أن دعوة أمه استجيبت؛ لذا جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] ، فإذا كان هناك رجل يؤذي والديه: يضربهما أو يسبهما، فهو أخطر وأجرم من رجل يسرق أموال الناس، فالعاق أشد جرماً من هذا السارق؛ لأن النبي ﵊ قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) . فالذي يؤذي والديه أشد إثماً وجرماً من اللص الذي جلس يقطع الطريق ويسرق الناس، وليس معنى هذا تسهيل السرقة ولكن بيان جرم العقوق. أضف إلى ما سبق أن العلماء بوبوا بباب: إذا طلب الأب من ولده أن يطلق زوجته هل يطلقها؟ في المسألة تفصيل: ففي قصة عمر قال عبد الله بن عمر: (كانت تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها، فأبيت فذهب إلى رسول الله. فقال النبي ﷺ : طلقها، فطلقتها) وجاء الخليل إبراهيم إلى زوجة ابنه إسماعيل فلما رأى منها عدم شكر نعم الله عليها، ورأى منها تسخطاً، قال لها: إذا جاء إسماعيل فأخبريه أن شيخاً كبيراً جاء إليه وهو يقرؤه السلام، ويقول له: غير عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل وأخبرته، قال: هذا الشيخ أبي، وأنت عتبة الباب، وأنت طالق، الحقي بأهلك. فأخذ منها بعض الفقهاء: أن الأب إذا أمر ولده بتطليق زوجته فطلقها، لكن محل ذلك إذا كان الأب صالحاً، والباعث له على التطليق أمر شرعي، أما إذا كان الأب فاجراً أو فاسقاً ويأمر بطلاق المرأة لدينها؛ فرب العزة يقول: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] ، وكذلك الأم؛ إذ قال النبي ﷺ في شأنها لما سئل: (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) ، فكذلك الحكم بالنسبة للأم. قال الله جل ذكره: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) [النساء:٣٦] فهذه وصايا، ولأن البشر يخطئون ويصيبون لم نجد في الوصايا العشر للإمام حسن البنا الأمر بالإحسان إلى الوالدين مثلاً، فدل ذلك على أنه لا تعتمد إلا وصايا ربنا ووصايا نبينا محمد ﷺ ، ومن شاء أن يوصي فليوص، لكن لا تكون وصاياه شرعاً متبعاً عاماً لكل الناس يتعبد بها ويتغنى بها في التمثيليات والمسرحيات والمجالس والملاهي؛ فكل بشر يخطئ ويصيب. وقد أراد الخليفة العباسي ﵀ أن يجمع الناس على موطأ الإمام مالك، ويلزمهم بذلك، من هو الإمام مالك؟ مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، لكن من شدة إنصاف الإمام مالك وحرصه قال: يا أمير المؤمنين! إن الناس قد جمعوا أشياء لم نقف عليها، ووقفوا على أمور لم نقف عليها، فدع الناس ولا تلزمهم باتباع الموطأ ولا غير الموطأ. وكانت كلمة موفقة منه رحمه الله تعالى.

стр. 177

الوصية الأولى: عبادة الله وحده لا شريك له قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] ، وفي سورة الأنعام قال الله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] ، هذه هي الوصايا العشر لا وصايا الإمام حسن البنا ﵀، فـ حسن البنا وصاياه ليست شرعاً يتدين به، فهو يصيب ويخطئ، ويجهل ويعلم رحمه الله تعالى. وحسبنا كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن كانت ثمّ وصايا لبعض البشر فلتكن وصايا أصحاب رسول الله قبل وصايا الإمام حسن البنا، ولتكن وصايا التابعين وهم خير القرون بعد الصحابة خير من وصايا حسن البنا ﵀، ولتكن وصايا الأئمة كـ الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة ﵏ قبل وصايا الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى، وليس في هذا انتقاص له ولكنه تنزيل للأمور منازلها، فالنبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويظهر فيهم السمن) أو كما قال النبي ﷺ ، خاصة وأن هذه الوصايا التي ذكرت عن الإمام حسن البنا ﵀ ليست وصايا في مسائل نازلة، إنما هي مسائل قديمة، مثلاً: من الوصايا في حديث الرسول ﵊: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) ، لكن هل هذه الوصية تعد من أصول الدين أم أن هناك أشياء أخرى أولى منها وقبلها؟ لا شك أن هناك أمور أخرى أولى منها وقبلها، وهي المذكورة في هذه الآيات. فالشاهد: أننا لا نتدين بوصايا إلا وصايا رسولنا محمد ﵊، وكتاب ربنا بين أيدينا هو حسبنا مع سنة نبينا ﵊، وإن كان ولابد من وصايا فوصايا الأئمة المهديين خير القرون أولى من غيرهم، والله أعلم. فأول وصية من هذه الوصايا العشر: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] هذه أصل الوصايا وأصل الدين، بل أصل الأديان كلها منذ أن خلق الله آدم إلى نبينا محمد ﵊، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فهذه أولى الوصايا، وقد قال النبي ﵊ لـ معاذ بن جبل عالم الصحابة بالحلال والحرام، قال: (يا معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله إن هم فعلوا ذلك ألا يعذبهم) فمن ثم كان الأمر بعبادة الله أصل الوصايا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فهذا أصل الدين. وقد بين النبي ﷺ في جملة أحاديث أن من عمل عملاً أشرك فيه أحداً مع الله تركه وشركه، قال الله سبحانه في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فهل المراد بقوله: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الرياء، أو نفي الشريك مطلقاً سواء كان الرياء أو عبادة آلهة آخرى مع الله؟ الآية عامة، فتنفي الشركاء لله وتنفي أيضاً التوجه بالأعمال إلى غير الله ، فيدخل فيها الرياء كما يدخل فيها عبادة آلهة مع الله، والرياء لا يكاد ينجو منه شخص؛ فمن ذلك: ما روي عن أبي عبد الله المروزي وسأله سائل: متى دخلت البصرة يا أبا عبد الله؟ قال: دخلتها منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، فقال له القائل: سألتك عن مسألة واحدة وأنت أجبتني عن مسألتين، فلماذا أجبت عن مسألة لم أسألك عنها؟ فكأنه أشار إليه أن ما ذكرته أنت يا أبا عبد الله حين قلت: وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، فيه نوع من العجب والرياء والتكاثر. والله أعلم. كما تقول لقائل: صلاتك حسنة، فيقول لك: وأنا مع ذلك صائم والحمد لله، نعم أنت صائم ولكن لله، وأنا ما سألتك عن الصيام! وكما يحدث أيضاً لأهل العلم عندما يلقي محاضرة أو خطبة جمعة وتكون جيدة موفقة فيقول: ومع ذلك لم أحضر الخطبة، فتقول: ما سألناك عن تحضيرك للخطبة أو عدم تحضيرك! فاجعل نيتك لله ، وهذه دقائق أمور ينبغي أن يلتفت إليها العاملون لله حتى لا تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون، ويستشف هذا من نور الله بصيرته وزين قلبه بزينة الإيمان.

стр. 178

ذم البخل في الكتاب والسنة قال الله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُون﴾ [النساء:٣٧] البخل أنواع: النوع الأول: بخل بالزكوات المفروضة؛ فالذي يبخل بالزكاة المفروضة عليه في ماله يقول عنه النبي ﷺ : (من آتاه الله مالاً ولم يؤد زكاته؛ مثّل له يوم القيامة شجاع أقرع يتبعه وهو يفر منه فيلتفت إليه فإذا هو يتبعه، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا كنزك أنا مالك، وهو يفر منه ولا يستطيع الفرار، ثم يمد يده إليه فيقضمها كما يقضم الفحل) يعني: ثعبان عظيم يتبع مانع الزكاة، ويجري خلفه ويلاحقه ويطارده، وهو يقول: من أنت؟ فيقول: أنا مالك أنا كنزك، حتى يعطيه يده فيقضمها كما يقضمها الفحل، عياذاً بالله. قال النبي ﷺ : (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفحت له صفائح من نار فيكوى بها وجهه وجبينه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) ، وقال النبي ﷺ أيضاً: (ما من صاحب إبل لم يؤد زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر؛ فتطؤه بأخفافها وقرونها وأظلافها، فإذا مرت عليه أولاها مر أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) ، هذا بالنسبة للبخل بالزكاة المفروضة. النوع الثاني: البخل بالصدقات؛ يقول النبي ﷺ : (ما من يوم تطلع عليه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) ، يعني: يدعو على الممسك بأن يتلف الله أمواله. وهناك صور أخرى للبخل: كالبخل بالسلام، قال النبي ﷺ : (أبخل الناس من بخل بالسلام) لأن السلام لن يكلفك شيئاً. ومنه: البخل بالصلاة على النبي ﵊، قال ﵊: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي) وجاء بنوا عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال: (من سيدكم يا بني عمرو؟ قالوا: الجد بن قيس على أننا نبخله يا رسول الله، قال: وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم فلان) ، ووصف لهم سيداً آخر ليس ببخيل. قال الله: ((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ)) . أي: لا يقف بخلهم على أنفسهم بل ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧] وقوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ : محتمل أنهم يكفرون بنعم الله عليهم، أو يخفون نعم الله عن الفقراء، كما تواطأ أصحاب الجنة الذين ذكروا في سورة القلم: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] ، فإظهار نعم الله يطلب أحياناً، فمثلاً: من حق الإبل أن تحلب في المكان الذي تشرب فيه الإبل الماء، ويعطى للفقير وللمسكين من لبنها.

стр. 179

إنفاق الأموال في مصارف الخير قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٣٨] أي: طلباً لإظهار معروفهم أمام الناس. ما حكم إظهار المعروف الذي يصنعه الشخص أمام الناس؟ قد يكون ذلك الإظهار أحياناً رياءً محرماً، وقد يكون أحياناً سنة مستحبة، وقد يكون الإخفاء أحياناً أعظم أجراً وثواباً، وكل ذلك مترتب على النية والملابسات المحيطة بالصدقة، فإذا كنت تتصدق وتظهر صدقتك طلباً لنيل الثناء والحمد من الناس فهذا حرام، وإذا كنت تريد بإظهار صدقتك تشجيع الناس على الصدقة فهذا حسن، فالنبي ﷺ لما حث أصحابه على الصدقة وقام رجل وتصدق وتبعه الناس، قال النبي ﷺ : (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) ، وإذا لم يكن ثم هذا ولا ذاك، فالإخفاء أفضل، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١] . قال الله في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) [النساء:٣٨] صديقاً ومحاسباً، (فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨] فبئس القرين، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨] . ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٣٩] أي: ما يضرهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر، ﴿وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٩] . ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] فهذه الآية خبر يقتضي الحث على فعل الخير، فالله يخبر أنه لا يظلم مثقال ذرة، والمراد من هذا الخبر: التشجيع على فعل الخير، فإذا كان الله لا يظلم مثقال ذرة فبادروا بالصدقات وفعل المعروف. ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] .

стр. 180

شهادة أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء:٤١] يشهد على هذه الأمة. ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] ، وعند هذه الآية بكى رسول الله ﷺ لما تذكر أنه سيأتي شهيداً على أمته الذين يكذبونه، فقال رسول الله ﷺ لـ عبد الله بن مسعود: (اقرأ علي القرآن، قال: أأقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟) وفيه دليل: على أن الفاضل قد يستمع من المفضول، (فقرأ ابن مسعود من سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١-٤٢] فبكى النبي ﷺ وذرفت عيناه، وقال لـ ابن مسعود: حسبك) ، وهنا أخذ بعض العلماء: أن توقيف القارئ يكون بقولنا له: حسبك، كما قال الرسول لـ ابن مسعود، أما إتباع كل قراءة بصدق الله العظيم فليس هذا بلازم، بل ليس بوارد عن رسول الله ﵊، وإن كان الله هو أصدق القائلين ولا يشك في ذلك إلا كافر، لكن اتباع الهدي خير للعبد وأقرب إلى الله . قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] ، فيشهد الرسول ﷺ لأمته شهادات خاصة أحياناً وشهادات عامة أحياناً أخرى، فالرسول ﷺ في آخر حياته ذهب إلى قتلى أحد فصلى عليهم كالمودع لهم وقال: (اللهم إني شهيد عليهم) . وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ من الأعراب فأسلم واتبعه، وجاهد معه، وأرسل إليه النبي ﷺ قسطاً من المغانم، فرد الرجل المغانم إلى رسول الله وقال: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذا قسمك ونصيبك من المغانم، قال: والله يا رسول الله ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أقاتل معك فيأتيني سهم فيدخل من هاهنا -وأشار إلى رقبته- ويخرج من هاهنا فأدخل الجنة، فقال النبي ﷺ : إن يصدق الله يصدقه، فخرج إلى القتال فأصيب بسهم في الموضع الذي أشار إليه بإصبعه وخرج من الجانب الذي أشار إليه، فأتي به إلى النبي ﷺ فقال: صدق الله فصدقه الله ، ثم دفنه وقال: هذا عبدك خرج مجاهداً في سبيلك، اللهم إني شهيد عليه) . وكما أن هناك شهادات خاصة من رسول الله ﷺ لبعض أصحابه، فهناك شهادات منه ﵊ لعموم أمته، فيشهد لعموم الأمة بأنهم شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فيأتونه غراً محجلين من آثار الوضوء، ولذلك يقول النبي ﵊ لعمه أبي طالب: (يا عمي! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك بها عند الله) وفي رواية: (أشهد لك بها عند الله فلم يقل هذا أبو طالب ومات على الكفر بعد أن قال: هو على ملة عبد المطلب، فالرسول يكون شهيداً على أمته، وكل نبي يشهد على أمته، وأمة محمد ﷺ تصدق النبيين، قال رسول الله ﷺ : (يقول الله لنوح يوم القيامة: يانوح! هل بلغت؟ يقول: نعم يارب، فيقول الله لقومه: هل جاءكم من ندير؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول لنوح: من يشهد لك يا نوح؟ فيقول: محمد وأمته، فتقوم أمة محمد ﷺ تشهد لنوح بأنه قد بلغ قومه) تصديقاً لكتاب الله وتصديقاً لما أخبر نبي الله، وفي هذا يقول تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] . ثم قال الله تعالى يصف عصاة الرسل عليهم الصلاة والسلام: ((يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)) [النساء:٤٢] .

стр. 181

الأسئلة

стр. 182

الشجرة التي أكل منها آدم السؤال قال لي دكتور في الكلية وهو يشرح الدرس: بأن الشجرة التي أكل منها آدم والتي خرج بسببها من الجنة هي شجرة القمح، فهل هذا صحيح؟! الجواب ليس هناك دليل على أنها شجرة القمح ولا شجرة التين ولا غيرها من الأشجار، والاقتصار على الوارد في كتاب الله وسنة رسول الله أولى، ويطالب كل من تكلم بقول بأن يأتي بمستنده من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يأت بمستند وإن كان دكتوراً أو شيخاً عالماً واعظاً؛ فكلامه مردود بالكتاب والسنة. والله أعلم.

стр. 183

جواز المطالبة بالإرث ولو بالمحاكم السؤال رجل قبل أن يموت قام بتقسيم تركته، فكان نصيب الرجل ثمانية قيراط، والبنت أربعة قيراط، والزوجة أم الأولاد أربعة قيراط، فأحد الورثة ضم حق الوالدة ضمن أرضه واستحوذ على ميراث الأم، وعند مطالبتنا له أنكر وقال: هي أكلت بهن، رغم أنها عاشت مع أحد أبنائها ولم تقم عند هذا الشخص الذي ضم نصيب أمه إلى أرضه، فلو رفعنا عليه قضية، فهل يعتبر هذا حراماً ومن قبيل قطع الرحم؟ الجواب لا. ليس بحرام بل هو ظالم، والنبي ﷺ قال: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قيل: كيف أنصره ظالماً يارسول الله؟ قال: تمنعه من الظلم) فإن كنت مستغن أنت فسائر إخوانك لا يستغنون عن حقهم، فلا شيء فيها إذا طالبت بحقك ولو بشيء من القوة. والله أعلم.

стр. 184

موقف المحدثين من الواقدي السؤال الواقدي متهم بالكذب، ويروي في السيرة والتاريخ؛ فهل يقبل حديثه؟ الجواب لا نقبل للواقدي حديثاً، فـ الواقدي رغم أنه حافظ إلا أنه كذاب، كما وصفه العلماء. نعم هو مكثر من الحفظ لكنه يكذب في الحديث، وإذا كان يكذب في حديث رسول الله ﵊ فكيف نقبل أخباره في السيرة والتاريخ؟! وللأسف أن الذين يكتبون في السيرة والتاريخ أغلب مادتهم من الواقدي؛ لأن ابن سعد في كتابه: الطبقات أخذ جل كتاب الطبقات من الواقدي، والواقدي كذاب كما سمعتم، فإذا قلت لهم: إن الواقدي كذاب، ضيقت عليهم المادة التي يتحدثون بها، فضاقوا ذرعاً بكلامك ولم يلتفتوا وأصروا على باطلهم وقبلوا كلام الواقدي، فكما قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (ما أحوج أهل السنة إلى قصاص صدوق) أي: أن الناس يحبون الوعاظ؛ لأنهم يتكلمون بكلام كثير ويا ليته نافع كلام كثير منهم مبني على أكاذيب، فإذا قوضت وقيدت عليهم ضاقوا ذرعاً بك، وقالوا: نحن نتساهل في أمر السيرة، وهذا لا يضر. وهذا كلام خطأ، فالرجل أحياناً بل في كثير من الأحيان ينسب إلى رسول الله ما لم يفعله؛ لأنه عندما يقول: سار رسول الله من مكان كذا إلى كذا، واتجه وقابل فلاناً وأقام صلحاً مع فلان كل هذه سيرة ويبنى عليها أحكام، فإذا كانت مبنية من طريق كذاب فلا تقبل ولا تروى ولا كرامة. هذا بالنسبة لكتب السيرة، وللأسف أن الناس يتلقونها هكذا ولا يمحصون ما فيها ثم تنشأ عنها بلايا، وأحياناً حتى بعض إخواننا من أهل السنة يقعون في شيء من هذا، لكن نلتمس لهم الأعذار، مثلاً: يوجد كتاب طبع ووزع بكميات كبيرة اسمه: "السيد البدوي دراسة نقدية" وهذا الكتاب أغلب مادته مأخوذة من كتاب أحمد صبحي منصور الرجل الذي سحبت منه الرسالة الآن، وأحمد صبحي منصور هذا هل نحن نشهد أنه صادق؟ لا نشهد له بالصدق أبداً؛ فإنه طعن في نافع مولى ابن عمر الذي يروي أصح الأحاديث عن عبد الله بن عمر، وطعن في سنة رسول الله حديثاً تلو حديث تلو حديث، ثم جاء أخونا عبد الله صابر وأخذ أغلب مادته من كتاب أحمد صبحي منصور. أما السيد البدوي المأثور عنه -وعلمه عند الله- أنه من الرافضة، والشرك الذي يرتكب عند قبره يجعل الشخص يهاجمه بكل ما يتسطيع أن يهاجم به شخصاً إذا كان يقر هذا الشرك. لكن كوننا نعتمد على كتاب لرجل غير موثق وغير ثقة؛ فأظن أن هذا لا يصلح ولا يجوز، فـ أحمد صبحي منصور نفسه أخذ أغلب مادة الكتاب منه، وكتبها عبد الله بن صابر، ولما كتبها عبد الله بن صابر بعض إخواننا لتحامله -وهو تحامل في محله- عليه رماه بالشرك، وهم حقيقة يشركون بالله، لكن مع كونهم يشركون بالله لا نقل إلا شيئاً موثقاً من مصدر صحيح ثابت. والله أعلم. فإذا أردت أن تأخذ السيرة الصحيحة فخذها من صحيح البخاري في كتاب: السير والمغازي فصحيح البخاري كله مسند، يقول البخاري: حدثني إسماعيل، حدثني مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى كذا وكذا. فقد جمع المادة العلمية الصحيحة بالأسانيد الثابتة، وكذا في كتاب المغازي في صحيح مسلم، وهناك رسائل دكتوراه ألفت الآن في الغزوات، وتوجد رسالة دكتواره ألفت في غزوة تبوك جمعت المادة العلمية التي رويت عن رسول الله ﵊ في غزوة تبوك، أثبتت الثابت منها وأبعدت الضعيف منها، ورسالة أخرى ألفت في غزوة بدر أثبتت الثابت عن رسول الله في غزوة بدر وأبعدت غير الثابت عن رسول الله ﵊. وتوجد مجهودات تبذل في الجامعات سواء كانت في الأزهر أو في الجامعة الإسلامية في المدينة أو في غيرها جمعت المادة العلمية الثابتة عن رسول الله فالتعويل عليها، أما أننا نأخذ الغث والسمين، والشيخ فلان يأتي يروي القصة ويزيد عليها نصفها أو ضعفها، والشيخ الآخر ينسجم مع القصة فيجلس يفسر وينسب تفسيره إلى رسول الله! فهذا يسبب أخطاء كبيرة، حتى إن بعض الناس يدرس كتاباً اسمه: "المنهج الحركي للسيرة النبوية" ولما يقول خرج الرسول من كذا إلى كذا ويبني عليها حكماً. إذاً: أسند هذا الكلام مادمت نسبته إلى رسول الله، فديننا مبني على هذا، ونحن لسنا مطالبين بالإكثار من الكلام بل مطالبين بإعطاء الناس مادة علمية صحيحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ . فمثلاً: الآن يصاغ في غزوة تبوك رسالة دكتوراه، وقد تستغرق ثلاث سنوات أو أربع، لو وجد متفرغ لدراسة مرويات غزوة تبوك وإثبات الثابت وإبعاد الضعيف، وغيرها من مغازي رسول الله: المريسيع وتبوك وبدر وأحد والخندق والفتح، عدة مغازي فيحتاج إلى صبغة أدبية بين كل هذا الترتيب الزمني فيحتاج إلى صبغة أدبية، فقد يكون لم يؤت تلك القدرة على الصياغة الأدبية فيحتاج إلى غيره يصيغ يسبك الأحداث بصيغة أدبية تشوق الناس لقراءتها. نسأل الله أن يوفقنا لما فيه خير للإسلام والمسلمين. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 185

تفسير سورة النساء [٤٣-٤٧] أمر الله المصلي بالطهارة من الحدث الأصغر والأكبر بالماء، فإن لم يجده فبالصعيد الطيب، وهذا من يسر الشريعة وسماحتها، وللعلماء خلاف في بعض التفصيلات لهذه الأحكام. وقد حذرنا الله من أعدائنا، وأخبرنا بأنهم يحبون أن يضلونا، وبين لنا كثيراً من صفاتهم حتى لا نقع فيما وقعوا فيه.

стр. 186

مراحل تحريم الخمر الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فيقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٤٣] . قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء:٤٣] تقدم تفسيره بما حاصله: أن (يا) حرف نداء، و (أي) منادى، والهاء للتنبيه. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أيضاً تقدم تفسيرها. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا﴾ [النساء:٤٣] كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ، نهي أبلغ من قوله: لا تزنوا، فهي مبالغة في النهي. ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] ، هذه الآية جاءت بعدها آيات، تحريم الخمر وكان على مراحل: كان أولاً مباحاً كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧] ، وجاء بعد ذلك قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] ، ثم قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] ثم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] . فجاء في شأن الخمر أربع آيات: ((وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)) [النحل:٦٧] في معرض الإباحة، ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] في معرض المنع الجزئي، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩] إرهاص بين يدي تحريم الخمر، والإرهاصات بمعنى: المقدمات ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] تحريم قطعي. فجاء تحريم الخمر على أربع مراحل، وهذا التدريج في التشريع كان يتم في أمور: فهو من ناحية التخفيف ثم التشديد شيئاً فشيئاً أو العكس: الأخذ بالشدة ثم التسهيل شيئاً فشيئاً، فالتسهيل ثم التشديد شيئاً فشيئاً، والمنع والتحريم شيئاً فشيئاً مثل تحريم الخمر، ومثل الأوامر الواردة في الجهاد، أول الأمر أمر بكف الأيدي: ﴿قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٧٧] فإذا ضربت فلا تنتصر، ثم بعد ذلك جاء الإذن في الانتصار من الظالم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩] ، وبعد ذلك جاءت آية السيف: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] . ومثال العكس: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١-٢] أمر بإقامة الليل إلا القليل، ثم بعد ذلك جاء التخفيف: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ. ﴾ [المزمل:٢٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] . ونحوه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] ، كان لزاماً على الشخص أن يصابر -أي: يجاهد- عشرة من الكفار، ثم جاء التخفيف: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] ، فأصبح الواحد ينازل اثنين فقط، وهكذا على حسب أحوال المسلمين وقدرات المسلمين وطاقاتهم يأتي الشرع الحنيف السهل.

стр. 187

خلاف المفسرين في المراد بالصلاة في هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] ، ما المراد بالصلاة؟ قال بعض أهل العلم: المراد بالصلاة مواطن الصلاة، وهذا كما قال الشاعر: وسبّحت المدينة لا تلمها رأت قمراً بسوقهم نهاراً سبحت المدينة أي: سبّح أهل المدينة. ونحوه من التنزيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: اسأل أهل القرية، فعلى هذا قال بعض أهل العلم: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] أي: مواطن الصلاة، وهي: المساجد. وإن قال قائل: هل لذلك شاهد في التنزيل؟ قيل: إن شاهده قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج:٤٠] الشاهد: (وصلوات) المعنى: لهدمت صلوات. أي: مواطن الصلوات، وقد نحا بعض المفسرين منحىً آخر فقالوا: المراد (بهدمت صلوات) : الصلوات نفسها، وهدمها عدم إقامتها، فقالوا: لأنا إذا قلنا: هدمت صلوات وهدمت مساجد؛ لكان تكراراً؛ لأن الآية فيها: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج:٤٠] فلا يقال: (لهدمت مساجد ومساجد) لأنه سيكون تكراراً لا معنى له. فالشاهد: أن من أهل العلم من قال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] أي: لا تقربوا مواطن الصلاة. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ولماذا هذه الإطالة حول هذه الجزئية؟ لأن ثم حكم فقهي يترتب على تأويل قوله: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] . هل المراد الصلاة نفسها أو المراد المساجد؟ وذلك لأن الله قال: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] على التأويل الأول: لا أقرب الصلاة وأنا جنب، لكن إذا قلت: لا تقربوا الصلاة. أي: لا تقربوا المساجد، إذاً لا يقربها الجنب بلفظ هذه الآية: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] ، هنا خلاف فقهي في مسألة دخول الجنب المسجد على التأويل الثاني يستدل على المنع بهذه الآية، ويقال: إن الجنب لا يقرب المسجد؛ لأن الله قال: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ [النساء:٤٣] أي: لا تقربوها أيضاً وأنتم على جنابة، هذا إذا قلنا: المراد بالصلاة مواطن الصلاة، فيمنع الجنب من دخول المسجد لهذه الآية الكريمة، لكن لو قلنا: المراد بالصلاة على حقيقتها، فلا يستدل بالآية على منع الجنب من دخول المسجد، إلا أن الإمام أحمد روى بإسناده إلى عطاء أنه قال: (رأيت بعض أصحاب النبي ﷺ يمكثون في المسجد وهم جنب إذا توضئوا) . وكذلك أهل الصفة كانوا يبيتون في مسجد رسول الله ﵊، ولا يؤمن أن يجنب أحدهم، ومع ذلك يستمر النائم على جنابته. لكن القول بالمنع أحوط، والنائم لا حرج عليه فإنه إذا استيقظ ورأى نفسه على جنابة، خرج واغتسل. هذا على تأويل: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] أي: مواطن الصلاة.

стр. 188

حكم دخول الحائض إلى المسجد مسألة أخرى: دخول الحائض المسجد، هل يستدل بالآية نفسها على منع دخول الحائض المسجد؟ قد يقول قائل: إن الجنب كالحائض فكما أنكم منعتم الجنب فامنعوا الحائض من دخول المسجد لهذه الآية، وهذا الرأي فيه نظر من وجوه: أولها: الآية فيها نزاع: هل المراد بالصلاة: مواطنها أو هي نفسها؟ ثانياً: في قياس الحائض على الجنب نزاع، لأن الجنب أمره بيده، من الممكن أن يذهب ويزيل هذه الجنابة بالاغتسال أو بالتيمم، أما الحائض فليست كذلك، بل لا بد أن تنتهي حيضتها. فإن قال قائل: ما العلة من منع الجنب من الاقتراب من المسجد؟ فنقول: حتى يبادر إلى الاغتسال والطهارة، وهذه العلة لا تتوافر في مسألة الحائض؛ لأن الحائض تسرع أو لا تسرع فليس لها من أمرها شيء، كما قال الرسول ﷺ لـ عائشة: (إن حيضتك ليست في يدك) . ومسألة دخول الحائض المسجد فيها رأيان للعلماء: فالجمهور رأوا أن الحائض لا تدخل المسجد، ومن أهل العلم من رأى أن الحائض تدخل المسجد، فلما دب النزاع لزم البحث عن الدليل، فلما جئنا إلى الأدلة وجدناها ليست صريحة في الباب، فبقينا على البراءة الأصلية، وها هي أدلة القولين: أما القائلون بأن الحائض تمنع من دخول المسجد فمن أدلتهم ما يلي: أولاً: القياس على الجنب، وتأويل الصلاة بمواطن الصلاة في الآية. ثانياً: قول أم عطية كما في الصحيحين: (أمرنا أن نخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور لصلاة العيد، فقلن: يا رسول الله! والحيض؟ قال: يعتزل الحيض المصلى) فقوله ﷺ : (يعتزل الحيض المصلى) استدل به على أن الحائض لا تقرب المسجد، واعترض على هذا بأن النبي ﵊ كان يصلي العيد في الفضاء وليس في المسجد، فأريد بالمصلى الصلاة؛ لأنه لا يحرم على الحائض أرض الفضاء. ثالثاً: قول النبي ﷺ لـ عائشة: (ناوليني الخمرة -الخمرة: شيء يصلى عليه كالسجادة في زماننا- قالت: إني حائض يا رسول الله! قال: إن حيضتك ليست في يدك) قالوا: هي ستمد يدها، والحيضة إنما هي في الفرج وليست في اليد، فهذا فيه منع للحائض من دخول المسجد. والمعترضون استدلوا بالدليل نفسه على الجواز، فقالوا: إن معنى قوله: (إن حيضتك ليست في يدك) أي: إنما هي بيد الله فادخلي. رابعاً: قول النبي ﷺ لـ عائشة لما حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت) ، قالوا: إن قوله: (ألّا تطوفي بالبيت) يعني: لا تقربي المسجد بصفة عامة، وقال الآخرون: بل المعنى: ادخلي ولكن لا تطوفي؛ لأن الطواف كالصلاة. هذه أوجه الاستدلال للعلماء في هذا الباب، وثم أوجه أخرى متكلم فيها. فالمسألة مسألة نزاع بين أهل العلم، فإن قال قائل: ليس معي دليل صريح صحيح في المنع، فله وجه قوي، والبراءة الأصلية تؤيده، أي: أن الأصل عدم المنع، والذي يمنع عليه أن يأتي بالدليل الصحيح الصريح، فإذا لم يوجد دليل صحيح صريح بقينا على البراءة الأصلية؛ ما دام تلويث المسجد قد أمن، فالمرأة تتحفظ ولا تجعل شيئاً منها يلوث المسجد، والله أعلم. قال الله: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] (إلا) بمعنى: (لكن) مثل قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] أي: لكن الموتة التي قد ماتوها، فـ (إلا) تأتي بمعنى (لكن) : ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] أي: للمرور فقط، ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] . السؤال المؤمن يكون جنباً، وليس في المسجد شخص آخر ويريد المؤمن أن يؤذن؟ الجواب سئل عطاء أو غيره من التابعين عن ذلك، فقال: الوضوء حق وسنة، لكن هل هو واجب؟ ويمتنع المؤذن بسببه؟ لا يمتنع بسببه، لحديث أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) ، لكن يكره له ذلك لحديث رسول الله ﷺ الذي رواه البخاري من حديث أبي جهيم الأنصاري: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهارة) لكن لو دخل المؤذن المسجد وهو جنب، وليس في المسجد من يؤذن، فيجوز له أن يؤذن.

стр. 189

صفة الغسل من الجنابة قال الله: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] أي: حتى تغتسلوا من الجنابة. وصفة الغسل من الجنابة مختصراً: لا يضع المغتسل يده في الإناء مباشرة، بل يغسلها ثلاثاً قبل أن يغمسها في الإناء، ثم يأخذ ماءً فيغسل ذكره غسلاً جيداً، ثم يدلك يده في الأرض دلكاً شديداً أو ما يقوم مقام الأرض كالصابون ونحو ذلك، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ويؤخر رجليه إلى آخر الغسل، ثم يأخذ ثلاث حفنات من الماء فيخلل بها رأسه، ثم يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يغسل سائر الجسد، ثم يتنحى ويغسل رجليه. هذه الصفة مجموعة من جملة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي ثابتة في الصحيحين وفي غيرهما. من لم يفعل ذلك، ودخل مباشرة تحت (الدش) واغتسل أجزأه هذا الغسل وصح غسله، فإن النبي ﵊ قال للأعرابي: (خذ هذا الدلو فأفرغه على نفسك) وكان رجلاً قد أجنب، ولم يأمره بالوضوء، فاستدل فريق من أهل العلم بهذا الحديث على أن الوضوء بين يدي الغسل ليس بواجب. ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣] هنا تقدير ولا بد منه؛ لأنك إذا أخذت الآية على ظاهرها: (إن كنتم مرضى فتيمموا) ؛ لكان كل مريض يتيمم، لكن التقدير: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء:٤٣] فحال المرض بينكم وبين استعمال الماء، فحينئذٍ تيمموا، أما إن كنت مريضاً مرضاً لا يؤثر الماء فيه، فحينئذٍ يجب عليك أن تتوضأ. والتقديرات مستساغة في كتاب الله إذا كان المعنى يتطلبها، وقد تقدم أمثلة لذلك: كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] فالآية معناها: من كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه فارتكب محظوراً ففدية، أما إذا كان المحرم مريضاً ولم يرتكب محظوراً فلا نقول له: عليك فدية إذا كنت مريضاً وإن لم ترتكب محظوراً! فالتقدير إذاً: وإن كنتم مرضى فحال المرض بينكم وبين استعمال الماء فتيمموا. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء:٤٣] فحال السفر بينكم وبين استعمال الماء فتيمموا، خشيتم الضرر من استعمال الماء الذي معكم فتيمموا، فليس كل مسافر يتيمم، فالمسافر الذي أمامه ماء لا يقال له: تيمم! ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء:٤٣] كذلك.

стр. 190

خلاف المفسرين في معنى: (أو لامستم النساء) قال الله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] (لامستم النساء) : فيها نزاع بين أهل العلم، فيرى فريق منهم أن الملامسة عامة، فرأوا أن كل من صافح امرأة أو قبّلها يجب عليه الوضوء، وأبى ذلك فريق كبير من أهل العلم ورفضوا هذا القول، ومن الذين رفضوه: عبد الله بن عباس ﵄، فقال: المراد بملامستهن الجماع، لكن الله حيي، يكني عن الجماع بما يشاء، مثل: الإفضاء، النكاح، الملامسة، المس، كل هذه من معاني الجماع، ولكن رب العزة يكني بما يشاء. ويؤيد هذا أن النبي ﵊ كان ساجداً فجاءت عائشة فمست بيدها رجليه وهما منصوبتان، وهو يقول: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك) ، وكان ﵊: (إذا سجد غمزها) وقد يقول قائل: غمزها من فوق الثوب ولم يمسها، نقول: الغرفة كانت مظلمة، فغمزها قد يكون من فوق الثوب وقد يكون مباشرة، فبهذا الدليل وبذاك الدليل استدل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وإنما المراد باللمس في الآية: الجماع. ويؤيد هذا أيضاً: أنه لم يرد في حديث واحد عن رسول الله ﵊ -مع كثرة النسوة على عهده، وكثرة الرجال على عهده- أنه أمر رجلاً أن يتوضأ من تقبيله لامرأته أو من مصافحته لها، والبراءة الأصلية تؤيد الرأي القائل: بأن ملامسة المرأة لا تنقض الوضوء إلا إذا كان جماعاً، والله تعالى أعلم.

стр. 191

المراد بالصعيد قال الله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء:٤٣] ما المراد بالصعيد؟ في الآية ثلاثة أقوال: القول الأول: المراد بالصعيد: كل ما على وجه الأرض: أحجار، رمال، مباني، وأصل الصعيد المكان المرتفع. القول الثاني: أنه التراب ومشتقاته، مثل: الرمل، والنورة، والجص وغيرها، وكل هذه من جنس التراب، لكن ليست نفس التراب، ولكن من ناحية المادة نفسها. القول الثالث: أنه التراب فقط. والقول الأخير قوي لزيادة في حديث: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فالزيادة في هذا الحديث من النماذج التي استدل بها العلماء على زيادات الثقة، وهي: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً) زيادة: (تربتها) استدل بها على أن المراد بالصعيد هو: التراب.

стр. 192

صلاة فاقد الطهورين إذا لم يجد الشخص لا الماء ولا الصعيد الطيب، وهذا هو فاقد الطهورين، فليصل بدون تيمم وبدون وضوء، وهذا يؤيده العمومات الشرعية: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] إلى غير ذلك من الأدلة التي رفع الله بها الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واستدل بعض العلماء على جواز صلاة فاقد الطهورين بأن الصحابة لما حبسوا على غير ماء في بعض أسفارهم ولم تكن آية التيمم نزلت صلوا بغير وضوء، ولم يكن معهم دليل على أنهم يتيمموا، فصلوا بغير وضوء وبغير تيمم، فإذا نزلت آية التيمم ولم يكن عندك تراب، فالحكم كأن آية التيمم لم تنزل، وبهذا الدليل استدلوا على صحة صلاة فاقد الطهورين، واستدلوا أيضاً بأن الله رفع الحرج عن أمة محمد ﵊، وأدلة رفع الحرج أدلة ذات أهمية قصوى؛ لأنها تستعمل في مسائل كثيرة جداً، فمثلاً: استدل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على مسألة طواف المرأة الحائض التي تخشى فوات الرفقة في الحج، فالرسول ﷺ قال لـ عائشة: (افعلي ما يفعل الحاج غير الأ تطوفي بالبيت) يعني: افعلي كل شيء إلا الطواف، لكن لو أن امرأة حاضت، والصحبة التي معها ستفارقها، ولا تستطيع بحال من الأحوال أن تنتظر، ماذا تصنع؟ قيل: ترجع إلى بلدها، ثم تذهب مرة أخرى لتطوف!! لكن إذا كان بلدها لا يسمح لها بالذهاب مرة ثانية، والدولة السعودية لا تسمح لها بالمجيء مرة ثانية، ثم قد تأتي المرة الثانية وتحيض أيضاً، فماذا تصنع مثل هذه؟ فـ شيخ الإسلام ﵀ كثرت هذه المسألة في عهده، فكان أناس يأتون من المغرب أو من المشرق فتقع لنسائهم هذه النازلة، فأفتى ﵀ بجواز طواف الحائض في هذه الحالة، واستدل بأدلة رفع الحرج. مسألة أخرى: رجل كان جنباً فتيمم وصلى ثم وجد الماء: فهل يلزمه الإعادة؟ لا يلزمه، وعمار بن ياسر تمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة وصلى، ثم جاء إلى الرسول ﷺ وسأله، فعلمه كيفية التيمم الصحيحة ولم يأمره بإعادة الصلاة. مسألة أخرى: أن الله لم يرشد إلى التيمم إلا إذا فقد الماء فقال: ((فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا)) [النساء:٤٣] ، فإذا صليت الفرض بالتيمم وكنت جنباً، ثم وجدت الماء لزمك أن تغتسل، ولكن لا تعيد الصلاة.

стр. 193

شراء أهل الكتاب للضلالة وتمنيهم إضلال المسلمين قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء:٤٤] . المراد بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب قيل: إنهم -بالدرجة الأولى- اليهود، ثم النصارى، اليهود كانوا مكدسين في مدينة رسول الله ﷺ ، أما النصارى لم يكن منهم في المدينة إلا عدد قليل. فقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء:٤٤] أي: بالهدى، وشراء الضلالة بالهدى له صور متعددة. منها: كتمان الحق مقابل المال. ومنها: كتمان الحق لرياسة ووجاهة. ومنها: كتمان الحق لحسد إلى غير ذلك. والضلالة هي: الكفر والغواية. وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء:٤٤] هذه الآية تفيد أن اليهود يريدون لأهل الإسلام أن يضلوا السبيل، وأن يكفروا صراحة، فإن قال قائل: ليس لليهود والأمريكان هم يوى المال، وكل الكفرة ليس لهم هم إلا الثروات فهذا قول كذب، من قال به فهو مخطئ؛ لأن الله صرح: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧] ، وكذا الزانية تحب أن تزني النساء كلهن حتى يشاركنها في الفضيحة، والسارق يحب أن يسرق الناس كلهم حتى يكونوا كلهم سرق ولا يمتاز عليهم ولا تفضح بينهم، فاليهود والكفار كذلك: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: ودوا عنتكم. قال الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء:٤٤] (تضلوا السبيل) أي: تخطئوا طريق الحق. قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ [النساء:٤٥] ، أي: ينبئكم بأخبارهم، ويذكركم بهم، فلا يغرنكم ولا يخدعنكم رجل يقول: هم أصحابنا وأصدقاؤنا، ولا يريدون إلا السلام! وغير ذلك من الكذب؛ لأن الله أصدق القائلين يقول: ((وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ)) [النساء:٤٥] يبين لكم مقاصدهم، وهو أعلم بهم، فإن كان الكافر في الظاهر لا يكن لك العدواة فإن ربك علمك فقال: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: إن كنتم تفهمون.

стр. 194

الفرق بين الولي والناصر قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء:٤٥] ما الفرق بين الولي والناصر؟ قد يأتيان بمعنى واحد، كقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] أي: ناصر ومعين للذين آمنوا، فالولاية هنا أعم من النصرة، بل النصرة داخلة فيها، يعني: الولاية عامة. ومن أفرادها: أن ينصرك وليك، وقد يرزقك ويطعمك ويسقيك. إذاً: من مفردات الولاية: النصر، وهذا من باب عطف الخاص على العام، ومثله قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] هذا عطف خاص على عام، كذلك قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء:١٦٣] عطف خاص على عام.

стр. 195

معنى (هادوا) قال الله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦] (الذين هادوا) : هم اليهود، وهادوا معناها: مالوا ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٥٦] أي: ملنا بقلوبنا إليك. (اهدنا) أي: مِل بقلوبنا إلى الهداية؛ لأنها من مال شخص إلى شخص آخر. ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء:٤٦] أي: زعموا أنهم هادوا، (فهادوا) معناها: مالوا بقلوبهم إلى الله، (إنا هدنا إليك) أي: ملنا بقلوبنا إليك، فهم زعموا أنهم هادوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦] (من) هنا: للتبعيض، يعني: ليسوا كلهم يحرفون الكلم، فعوامهم جهلة، وليسوا ممن يحرف الكلم عن مواضعه، لكن الكبراء -أهل الرئاسات والوجاهات- يحرفون الكلم عن مواضعه، تأتي آية فيقول أحدهم: تحذف هذه الآية، أو تغير! فالكبراء هم الذين بأيديهم القوانين يعبثون بها كيفما شاءوا، مثلاً: هذه الأيام وزير له ابن راسب في الثانوية عشر سنين مثلاً، يقول له: يفعلها إحدى عشرة سنة، والسنة القادمة يلغيها. فكذلك اليهود كانوا إذا سرق شريف منهم، قالوا: بدل قطع اليد تكون العقوبة خمسة آلاف درهم غرامة! وتنفذ هذه الغرامة على ولده أو على الشريف، ومثل ذلك: ما حصل من تحريم تعدد الزوجات بالقانون، لعل امرأة كان بيدها الأمور ولا تريد زوجها يتزوج عليها، فوضعت ذلك القانون، ثم يأتي من بعدها فيرجع للأصل.

стр. 196

من أعمال اليهود الخبيثة إذاً: قال الله:: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء:٤٦] قوله: (من) للتبعيض، فليس كل الذين هادوا يحرفون الكلم، بل كبراؤهم وأصحاب الرأي فيهم هم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء:٤٦] هذا قولهم. أي: سامعون وعاصون لك، قال الله لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] فقالوا: حبة في شعرة! وقال الله لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [الأعراف:١٦١] فدخلوا يزحفون على أسفلهم، فيزحف الواحد منهم على استه عناداً لله ولرسل الله عليهم الصلاة والسلام!! : ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨] أي: يا رب! حط عنا خطايانا، فقالوا كلمة: (حبة في شعرة) ! وآخر يقول: (حنطة!) يعني: حبة السوداء، قصدهم التحريف عن عمد، ثم يقولون مع التحريف: سمعنا وعصينا، سمعنا قولك وخالفنا أمرك وعصيناك، فهذا شأن اليهود!! وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء:٤٦] لأهل العلم فيها أقوال: أشهرها: واسمع لا سمّعك الله، يعني: يدعون على الرسول ألا يسمعه الله! والقول الآخر: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع فنحن لن نستمع إلى قولك. ﴿وَرَاعِنَا﴾ [النساء:٤٦] يقصدون بقولهم: وراعنا. الرعونة وهي: الطيش وخفة العقل، وفي الظاهر يخرجونها بلفظ مهذب، لكن يقصدون بها الرعونة، ويظهرون أنهم يريدون براعنا: أن ينظر إليهم. ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء:٤٦] يلوون الكلام بألسنتهم، فيظهرون للمستمع إليهم معنى ويريدون معنى آخر، كما جاء اليهود إلى الرسول ﷺ ، وعائشة ﵂ بجواره وكانت ذكية نبيهة فطنة، فسمعتهم يقولون للرسول ﷺ : السام عليك يا محمد! يعني: الموت والهلاك عليك يا محمد! فغضبت وقالت: وعليكم السام واللعنة! وقال النبي ﵊: (وعليكم. فقالت: يا رسول الله! إنهم يقولون: السام عليك يا محمد! فقال: يا عائشة إنه يجاب لنا فيهم، ولا يجاب لهم فينا وقد قلت: وعليكم، وإن الله لا يحب الفاحش البذيء) أو كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النساء:٤٦] كأهل الإيمان الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] . قال الله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء:٤٦] أي: أعدل وأنفع. ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:٤٦] أي: كفرهم كان سبباً في إحلال لعنة الله عليهم فلم يوفقوا إلى خير. ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٤٦] أي: لا يصدقون إلا بالشيء القليل، أو لا يؤمن منهم إلا النفر القليل.

стр. 197

دعوة اليهود إلى الإيمان بالقرآن قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء:٤٧] استجاشة لما فيهم من فضل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء:٤٧] يا أيها الناس العقلاء! يا من يفترض فيكم أنكم تفهمون، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [النساء:٤٧] يؤخذ منها: الحكمة في الدعوة إلى الله. فمثلاً: لو أردت أن تدعو بقالاً ثرياً لفعل خير تأتيه وتقول: أسرتك أسرة طيبة، فلماذا لا تبنون مسجداً؟ أو لماذا لا تضع ماء سبيل يشرب الناس منه؟ يا حبذا لو تضع ثلاجة ماء أمام الدكان ليشرب منها الناس؟ وتذكره بالصلاح الذي كان في آبائه وأجداده. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ [النساء:٤٧] أي: صدقوا بالشيء الذي أنزلناه؛ فهو مصدق لما معكم، الكتب التي معكم أخبرت بأشياء هذا الكتاب جاء يصدقها، فالكتب التي معكم أخبرت بمحمد، وهذا هو محمد كما في الكتاب الذي بأيديكم، فكيف تكذبون كتبكم التي تقول: محمد سيبعث، وسيكون كذا وكذا، فهاهو محمد قد خرج وقال كذا وكذا، إذا كذبتموه فمعناه: أنكم كذبتم كتبكم التي بأيديكم. ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء:٤٧] ليس شيئاً مجهولاً ولا شيئاً مخترعاً، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء:٤٧] نطمسها: أي: نسويها فلا يبقى فيها معلم، ويصبح الوجه كالقفا، وهذه من العقوبات التي هُدِّدَ بها الإسرائيليون. الطمس، يعني: أن تمحى معالم تلك الوجوه، فيصبح الوجه في معالمه كالقفا، ولا يصبح هناك أنف ولا عين ولا فم!! ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء:٤٧] وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضى، وجزاكم الله خيراً.

стр. 198

الأسئلة

стр. 199

حكم لبس المرأة لما يسمى بالجيبة السؤال هل يجوز للمسلمة أن ترتدي ما يسمى بـ (الجيبة) ، مع العلم بأنها تتوافر فيها كل شروط الحجاب، عدا أنها تخالف شكل الجلباب على ما يبدو؟ الجواب نعم يجوز أن ترتدي (الجيبة) إذا كانت بهذه المواصفات، إذا كانت جيبة واسعة جداً غير مجسمة، وفوقها شيء آخر غير مجسم، فليس هناك مانع شرعي من ذلك، والله أعلم.

стр. 200

حكم ليلة الحناء للعروس السؤال ليلة الحناء بالنسبة للعريس، ما حكمها؟ الجواب التزين للنساء بالحناء مستحب، لكن لا يجعلنه في ليلة مخصوصة، وبعض النساء يتخذن شعاراً لهذه الليلة في كثير من البلاد، ويصنعن أشياء ما عهد أن أصحاب رسول الله كانوا يفعلون ذلك. أما كون المرأة تتزين لزوجها فهذا من السنة، قالت أم المؤمنين عائشة: (انظر إلى ثوبي هذا ما كانت امرأة تقيَّن في المدينة -يعني: تزف إلى زوجها- إلا جاءت تستعيره مني فأصبحت هذه الجارية ترفضه لأنه أصبح رخيصاً) . والحمد لله رب العالمين.

стр. 201

وجه كون السنة التقريرية شرعاً السؤال كيف تكون السنة التقريرية شرعاً مع أن الرسول لم يعملها؟ الجواب الصحابة فعلوا أشياء على عهد الرسول ﷺ ولم يأمرهم بها ﵊، مثال ذلك: الصحابي الذي دخل في الصلاة وقال: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً، فقال الرسول ﷺ : لقد رأيت بضعة عشر ملكاً يبتدرونها) الرسول ﷺ أقره، فكانت سنة تقريرية. لكن أنا الآن إذا جئت أفعل شيئاً جديداً، وقد يكون هذا الشيء صواباً وقد يكون خطأً، من الذي سيقرني الآن على صوابي ويمنعني من خطئي؟ لا أحد، فالشرع هو الحكم وانتهت الأمور. نحو ذلك: مسائل النفاق: كان يوجد نفاق على عهد الرسول، من الذي يوضح النفاق؟ إما رسول الله يوضحه لأصحابه، أو رب العزة يبين صفات هؤلاء المنافقين. قال عمر: كان النفاق على عهد رسول الله، والآن من أظهر لنا الإسلام حكمنا له بالإسلام، ومن أظهر لنا الكفر حكمنا عليه بالكفر.

стр. 202

حكم الزفة في الأعراس السؤال ما حكم ما يفعله الإخوة في حفلات العرس، ويسمونه (الزفة الإسلامية) ؟ الجواب لا أعلم لها مستنداً من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولم يكن الرجال يفعلونها على عهد الرسول ﵊. وأقول للعريس: اقتصر على عمل وليمة، وهذا بركة، وخلّ النساء يغنين للعروس، فحرام عليك أن تجمع الإخوة من كل بلد، وتدعو المشايخ إلى المسجد، وتكتب: عقد فلان على الشريعة الإسلامية، وعلى سنة رسول الله، ويأتي الشيخ المحاضر ويقول: نحن مجتمعون في خير بقعة، وفي خير مسلك، وفي خير ساعة، وبأفضل مكان يوقف فيه، فهذا ليس من السنة، بل هذا خرافة. صحيح أن المسجد أفضل بقعة، لكن كون جمع الناس في المسجد للعقد أفضل من غيره يحتاج إلى دليل، وقد يكون العقد في أي مكان سواء، فسنة الرسول هي الحكم، وقد عقد الرسول ﷺ في البيت، وفي المسجد، وتعقد حتى في الطريق، أو في أي مكان بحضور الولي والشهود. هذه هي السنة. لكن أن تعمل العقد في المسجد، وتقول للناس: هذه الصورة الإسلامية للعقد فهذا افتراء على سنة رسول الله ﵊. ثم قول السائل: (الزفة الإسلامية) : من الذي أضفى عليها أنها إسلامية؟ من الذي قال أن هذه الزفة إسلامية؟ فقولنا: (إسلامية) يعني: أن تكون موافقة لكتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ ، وهل مشي الرجال في الطرقات يغنون للعريس، واحد من هنا وواحد من هنا، ويمشون معه، هل فعل ذلك الرسول مع أصحابه؟ هل زف الرسول ﷺ هكذا على عائشة؟ هل فعلت الصحابيات ذلك بـ عائشة؟ هل زف الصحابة الرسول ﷺ زفة إسلامية لا يهودية ولا نصرانية ولا شركية؟!! لم يفعل ذلك أبداً محمد رسول الله ﷺ ، فلا يغرنك أيها السائل أفعال إخوانك حتى تعرضها على كتاب الله وسنة رسول الله ﵊.

стр. 203

رفع الملام عن الأئمة الأعلام السؤال ورد عن بعض صحابة رسول الله ﷺ أفعال وأقوال لم يفعلها النبي ﷺ ولم يأمر بها، بل نهى عن بعضها، فكيف يأتون بأمر جديد لم يفعله الرسول ﷺ . نرجو التوضيح؟ الجواب ننصح القارئ بقراءة كتاب: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لما فيه من خير في هذا الباب. فالصحابي قد يأتي بأمر لم يفعله رسول الله ﵊ بل نهى عنه لأمور: إما أنه خفي عليه أمر رسول الله، فيكون الرسول أمر بأمر ولم يسمعه من رسول الله، بل استمر على ما علم من علوم الشرع ولم يبلغه الخبر عن رسول الله. من ذلك: قول عمر في شأن أبي: (أقرؤنا أبي إلا أننا ندع من لحن أبي) ، يعني: نترك كثيراً من قراءات أبي بن كعب مع أنه أعلمنا بالقراءات؛ لأنه يقول: لا أغير شيئاً سمعته من رسول الله، والله يقول: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] فـ أبي سمع قراءات من رسول الله، والصحابة علموا أنها منسوخة لكن أبي يقول: أنا مصر على الذي سمعته من النبي ﵊، فهذا وجه ذلك، فقد تخفى السنة على الصحابي، فيعمل الصحابي برأيه وهو لا يعلم الخبر، مثال ذلك: قصة بروع بنت واشق امرأة عقد عليها رجل ولم يفرض لها صداقاً، أي: مهراً، ثم قبل البناء مات الزوج، فوقعت مسائل مشكلة: أولاً: هل لها صداق أو ليس لها صداق؟ ثانياً: هل ترث أو لا ترث؟ ثالثاً: هل تعتد أو لا تعتد؟ فوقعت بعد موت الرسول ﷺ قضية مماثلة لهذه القضية فذهبوا إلى ابن مسعود في شأنها، فقال: أقضي فيها برأيي، فإن كان خطأً فمن نفسي ومن الشيطان، وإن كان صواباً فمن الله، والله ورسوله منه بريئان: أقضي أن لها مهر نسائها اللاتي هن شبيهات بها، فإن كانت بنت ملك فمهرها مثل مهور بنات الملوك، وإن كانت بنت عبد فمهرها مثل مهور العبيد، وإن كانت من أوساط الناس فمهرها مثل مهور نساء أوساط الناس من غير وكس -يعني: بخس ولا شطط- يعني: ارتفاع -مهر متوسط وهذا أصل في مهر المثل. قال: وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن سنان فقال: (أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق مثل هذا القضاء) ، فقال: الحمد لله الذي وفقني إلى سنة رسول الله ﵊. وصحابة آخرون لم يبلغهم خبر معقل بن سنان فقالوا: لا تعتد، قياساً على مطلقة التي لم يدخل بها زوجها، لأن الله قال في المطلقة التي مات عنها زوجها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩] يعني: عقدتم عليهن ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] يعني: قبل الدخول بهن ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] فليس عليها عدة. وبعض الصحابة لما لم يجد في الباب خبراً عن رسول الله بدأ يفكر، فقال: أقيسها على المطلقة، والقياس قد يصيب وقد يخطئ، والذي يخطئه هو النص، فهذا صحابي أفتى أنها لا تعتد ولا ترث، كما أن المطلقة التي لم يدخل بها زوجها لا تعتد لا ترث، فاجتهد الصحابي وهو مأجور على اجتهاده، لكن المجتهد المصيب له أجران، فهذا نموذج من النماذج التي تبين أن الصحابي قد لا يبلغه الدليل من الكتاب أو من السنة. نموذج آخر: قد يبلغه الصحابي الدليل، ولكنه يرى أن الدليل له نازلة معينة وملابسات معينة، مثال ذلك نهي عمر ﵁ عن متعة الحج، فالصحابة لما أتوا مع رسول الله إلى الحج كان منهم: القارن، والمفرد، والمتمتع، فلما اعتمر الصحابة أمر الرسول ﵊ من لم يسق الهدي معه أن يتحلل ويجعلها عمرة فتعجب، الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك! لما ترتب في أذهانهم من قبل أن الذي يعتمر في أشهر الحج فاجر من أكبر الفجار، كما عند أهل الجاهلية فكانوا يقولون: إذا برئ الدبر -يعني: الجروح التي في ظهر الدابة- وعفا الأثر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فلما أمرهم الرسول ﷺ بالعمرة تردد الصحابة، ووقفوا مذهولين من أمر الرسول لهم بالتحلل بالعمرة، فقالوا: يا رسول الله! كيف نتحلل من العمرة؟ -أي: كيف نذهب إلى منىً ومذاكيرنا تقطر منياً من النساء- فشدد الرسول في الأمر، وأمرهم أمراً حازماً بالتحلل، وقال: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، فقام رجل وقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا -يعني: التحلل بالعمرة- أو للأبد؟ قال: بل لأبد الأبد) أي: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. فقوله ﷺ : (بل لأبد الأبد) ، خفي على أمير المؤمنين عمر، فكان ﵁ ينهى الناس عن التمتع في الحج، وكان يرى أن أمر النبي ﷺ للصحابة بالتمتع في أشهر الحج كان خاصاً في زمان رسول الله، وهذا رأيه، وصحابة آخرون لم يوافقوه، مثل: علي، وأما عثمان ﵁ فقد سلك مسلك عمر ﵃، فقال له علي: كيف تنهى عن شيء فعلناه مع الرسول؟ قال: دعنا عنك، قال: كيف أدعك؟ لبيك عمرة في حجة. فهنا عمر ﵁ اجتهد، وظن أن هذه الواقعة خاصة بزمن رسول الله ﵊، وعلي ﵁ رأى أنها لزمن رسول الله ولغير زمن رسول الله، والله يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] . هذه نماذج من المسائل التي تختلف فيها وجهات النظر. ومن أهل العلم من رأى أن الأمر بالعمرة أمر إيجاب في كل الأزمان وقال: التمتع واجب على كل المسلمين، وليس هناك إفراد ولا قران، وهذا قول مرجوح؛ لأن من الصحابة من حج مفرداً، ومنهم من حج قارناً، والرسول حج قارناً، ومنهم من حج متمتعاً، والله يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني: أن هناك من لم يتمتع. إذاً ما معنى: دخلت العمرة في الحج؟ (دخلت) أي: أصبحت مع الحج لمن شاءها إلى يوم القيامة، وليست ملزمة، بل من شاءها إلى يوم القيامة، وهذا هو الذي فهمه كثير من أصحاب رسول الله ﵊. إذاًَ: قد يخفى الدليل على الصحابي، وقد يبلغه ولكن يفهمه على غير وجهه، وهناك جملة مسائل كثيرة في هذا الباب، والله أعلم.

стр. 204

تفسير سورة النساء [٤٧-٥٧] من أساليب القرآن الكريم في الدعوة: أسلوب الحوار والمخاطبة مع غير المسلمين، ولقد برز هذا الأسلوب في حوار اليهود، والكشف عن طواياهم السيئة وأعمالهم الخبيثة؛ كإيمانهم بالجبت والطاغوت، وتفضيلهم المشركين على المسلمين، وحسدهم العرب أن بعث النبي ﷺ منهم، وكفرهم بأنبيائهم السابقين مع كونهم من بني جلدتهم، وبعد هذا الكفر والعناد يرتب القرآن الكريم جزاء الكافرين المعاندين أمثال هؤلاء اليهود، وجزاء المؤمنين المصدقين.

стр. 205

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم) باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: يقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٧-٤٨] . قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نداء إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واليهود كانوا هم غالب أهل الكتاب في مدينة رسول الله ﷺ ، أما النصارى فكانوا قلة. وقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ هو القرآن. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: موافقاً للتوراة التي معكم. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ الطمس: المحو والإزالة، وطمس الشيء: محو أثره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات:٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس:٦٦] . فقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال فريق من أهل العلم: أي: نرد الوجوه كالأقفاء، فيصبح الوجه مثل القفا لا معلم فيه لعين ولا لأنف ولا لفم ولا لخد ولا للحية ولا لغير ذلك. ومن العلماء من قال: إن الطمس عبارة عن تغيّر الأحوال، بمعنى: أن الغني يصبح فقيراً، والعزيز يصبح ذليلاً، والقوي يصبح ضعيفاً، إلى غير ذلك. وثمّ قولٌ آخر ثالث وهو أنَّ المراد تقليب القلوب إلى الكفر. والقول الأول هو الأشهر، فقد حلّت ببني إسرائيل عقوبات من هذا القبيل، فقد مسخ فريق منهم إلى القردة، وفريق آخر إلى الخنازير، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٦] ، وقال تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْت﴾ ، وأصحاب السبت: هم الذين اعتدوا في السبت، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:١٦٣] ، وأصل السبت: الراحة والسكون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ:٩] أي: راحة وسكوناً لكم، فأصل السبت: الراحة والسكون، وكان يوم السبت يوم راحة لليهود وتوقف عن الأعمال، فاعْتَدَوْا فيه كما ذكر الله في سورة الأعراف، فحلت عليهم اللعنة لاعتدائهم في السبت بعد أن نهاهم الله تعالى عن الاعتداء فيه بقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٥٤-١٥٥] .

стр. 206

تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به .) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وهذه الآية من المحكم الذي لم ينسخ، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ولقيتني لا تشرك بي شيئاً غفرت لك ما كان منك ولا أبالي) ، أو كما قال تعالى في الحديث القدسي. فالآية من الآيات المحكمات، ونحوها حديث رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر) . وهذه الآية ردٌ على كثير من الفرق التي ابتدعت في الإسلام، كفرقة الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي، وكفرقة المعتزلة، وعدد من الفرق. فأي شخص يموت على الشرك لا يغفر له هذا الشرك، ولكن إن أشرك وتاب في الدنيا قبل الممات، فالله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد كان أصحاب النبي ﷺ قبل هدايتهم أهل شرك، فتابوا وأسلموا فتاب الله تعالى عليهم، فالآية أصلٌ من أصول أهل السنة والجماعة في أنه لا يلزم أن يعذب صاحب الكبيرة وإن لم يتب، فإذا ارتكب شخصٌ كبيرة، كسرقة، أو زنا، أو قتل، أو شرب خمر، ولم يتب منها فليس بلازم أن يعذب، وأمره إلى الله تعالى فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، خلافاً لأهل الاعتزال القائلين بوجوب الاستغفار حتى ينجو الشخص من العذاب. ونحو هذا حديث الرسول ﷺ الذي رواه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن فعل ذلك فأجره على الله، ومن أتى من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله في الدنيا، فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) . وفي الآية ردٌ على بعض العلماء القائلين بأن القاتل لا بد وأن يعذب، ويستدل بعضهم كالحبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] . ويقول: إن آية النساء الطولى نزلت بعد آية الفرقان، أي: أن هذه الآية نزلت بعد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] ، فـ ابن عباس ﵄ يرى أنه ليس لقاتل النفس توبة، وهذه من المسائل التي خولف فيها من جماهير أصحاب رسول الله ﷺ . فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] أي: إذا مات الشخص على الشرك، فالشرك لا يغفر له كما قال تعالى في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) . وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] (الدون) تطلق على الأقل، وتطلق أحياناً بمعنى (غير) ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ [المؤمنون:٦٣] ، فقوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك) أي: ما أقل من ذلك، فأي ذنب غير الشرك يغفره الله سبحانه إن شاء، وإن شاء عَذّب به. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمَاً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] أي: اختلف واخترع إثماً عظيماً. فالإثم أحياناً يطلق على صغير الذنب، وأحياناً يطلق على كبير الذنب كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] ، وأحياناً يطلق على الشرك كقوله تعالى هنا: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨] .

стр. 207

خطر تزكية النفس وأحوال جوازها وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:٤٩] ، التزكية مذمومة في الأصل، ولا يزكي الإنسان نفسه ولا غيره إلا لعلة، والأدلة على ذلك من سنة رسول الله ﷺ كثيرة، فقد أثنى رجلٌ على رجلٍ عند رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (ويحك قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك-قالها ثلاث مرات- إن كان أحدكم لا محالة فاعلاً فليقل: أحسب فلاناً كذا وكذا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً) ، وقال ﵊: (احثوا في وجوه المداحين التراب) ، خاصةً الذين يبالغون في الثناء على الأمراء والرؤساء. وهذا الحديث استعمله المقداد بن الأسود لما كان جالساً عند أمير المؤمنين عثمان ﵁، وجاء رجلٌ يثني على أمير المؤمنين ثناءً زائداً في وجهه، فأخذ المقداد الحصباء وقذف بها في وجهه، وقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (احثوا في وجوه المدّاحين التراب) ، وقد قال النبي ﷺ : (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله) . فالمبالغة في الثناء قد تخرج الشخص عن حيز الاعتدال إلى حيز الذم، وهؤلاء النصارى لما بالغوا في إطراء عيسى ﵊ والثناء عليه أَلَّهوهُ وجعلوه ابناً لله ، والشيعة لما بالغوا في الثناء على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أَلَّهه فريق، وزعم فريق آخر أن علياً ﵁ أحق بالرسالة من محمدٍ ﷺ ، فالمبالغة في الثناء، والمبالغة في الإطراء، والمبالغة في التقليد تورث الشخص انهياراً وهزيمةً وعصياناً لله تعالى ولرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم. والظواهر التي بين أيدينا في الأزمنة المعاصرة شاهدة بذلك، وما كان عقب وفاة رسول الله ﵊ أيضاً يدل على ذلك، فـ المختار بن أبي عبيد الثقفي ادعى نصرته لآل بيت رسول الله ﷺ ، وتبعه الناس واغتروا به، وصاروا يمجدونه ويمدحونه حتى آل به ذلك إلى أن ادعى النبوة، ثم ادعى الألوهية! فقتل إلى غير رحمة الله . فالمبالغة في الثناء على الأشخاص أحياناً تورث شركاً، وأحياناً تورث ضلالاً مبيناً، ومن ثمّ فينبغي أن يتوسط الشخص في كل أموره وأحواله، وهذا يلحق طلاب العلم، فيلزمهم ألا يأخذوا العلم من شخص واحد أياً كان شأنه، إلا رسول الله ﷺ ، فهو الذي لا ينطق عن الهوى، أما أن يأخذ شخص أقوال عالم من العلماء، ويسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار، ويصبح له مقلداً أعمى، ويتقبل كل آرائه، فهذا يورث تقليداً بغيضاً مقيتاً، ويوقع الشخص في كل الأخطاء التي وقع فيها هذا الشيخ، وأصحاب رسولنا ﵊ رغم فضلهم وسعة علمهم رضي الله تعالى عنهم ما طلبوا ذلك من الناس، وكلٌ منهم صدرت منه اجتهادات جانب فيها الصواب، فإذا كانوا كذلك فغيرهم من باب أولى، فمن جاءك بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ فاقبله وخذه. وقوله تعالى: ﴿يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:٤٩] ، الآية محتملة لأن يكون المعنى: يزكون أشخاصهم، أو يزكون غيرهم كقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] ، من العلماء من قال أي: لا يزكي بعضكم نفسه، ومنهم من قال: ولا يزكي بعضكم بعضاً، وإطلاق النفس على الغير وارد في كتاب الله تعالى، ومنه قوله : ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] أي: على إخوانكم. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] أي: لا يلمز بعضكم بعضاً. وقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] أي: يقتل بعضكم بعضاً. فالتزكية الأصل فيها المنع إلا لعلة، ومن هذه العلل أن تكون التزكية حافزة على الخير، كما لو كان الرجل يُعلم من حاله أنه إذا أثني عليه بكلمة تشجع واستمر في الخير الذي هو فيه، فإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ إذا زكي هذا الشخص حتى يستمر في الخير الذي هو فيه استحب ذلك، وقد دلت على ذلك جملة نصوص عن رسول الله ﵊، كقوله ﷺ لـ عمر بن الخطاب ﵁: (إن الشيطان يفر منك يا ابن الخطاب!) ، وقال ﵊: (أتيت بقدح لبن فشربته ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم) . وقال ﷺ : (رأيت الناس وعليهم قمص، فمنهم من يبلغ القميص إلى ثدييه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم ما بين ذلك ورأيت عمر وعليه ثوب يجره. قالوا: فما أوَّلْت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين) . وقال ﷺ في علي ﵁: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه) . وقال ﷺ في شأن أبي بكر: (ما أحدٌ أمنّ عليّ في صحبته وماله من أبي بكر الصديق) رضي لله تعالى عنه. وقال في أبي ذر ﵁: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر) ، وكل ذلك من الثناء. وقال عثمان رضي الله تعالى عنه مثنياً على نفسه أمام الذين حاصروه: ألم تسمعوا رسول الله وقد قال: (من حفر بئر رومة فله الجنة) فحفرتها؟ ألم يقل النبي ﷺ : (من جهّز جيش العسرة فله الجنة) فجهزته؟ فكل هذا يدل على مشروعية التزكية إن احتيج إليها، فإن لم يحتج إليها فالمنع هو الأولى -والله تعالى أعلم- لما فيه من قطع الأعناق. وقد درج بعض السلف على إطلاق ألقاب على بعض أهل العلم في أزمانهم، وتبعهم ذلك بعض الخلف ولا بيان لهم من كتاب الله تعالى، أو من أفعال أصحاب الرسول ﷺ يؤيد هذا المستند، كأن يقول أحدهم: العالم الفذّ، الحجّة، وحيد دهره وسيد عصره، ويسطر سطوراً في الثناء، ولا يقول مثل هذا في أبي بكر، ولا في عمر رضي الله تعالى عنهما ولا في التابعين! فالإطراء البالغ بهذه الصورة أقرب إلى الذم منه إلى المدح، والله تعالى أعلم. قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٩] فهذا الأمر متروكٌ لله فهو الذي يرفع ويخفض. وقوله تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٤٩] أي: لا تظنون أنكم بترككم تزكية بعضكم أن بعضكم سوف يظلم، بل الله يدخر الأجور للعاملين، فهو أعلم، وهو الذي يجازي، وهو الذي يثيب . والفتيل: هو الخيط الرفيع الذي يكون بين فلقتي نواة التمر، فقوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أي: قدر الفتيل. قال تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء:٥٠] ، أي: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم كثير منهم يفترون على الله الكذب، ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٥٠] ، وهذه في شأن أقوام دون أقوام آخرين على ما سيأتي بيانه.

стр. 208

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب .) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥١-٥٢] . قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء:٥١] هم أهل العلم من اليهود. قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٥١] لأهل العلم أقوال في الجبت والطاغوت، فمنهم من يقول: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الساحر، وثمّ أقوالٌ غير ذلك. والأصل في معنى الطاغوت هو: كل من تجاوز الحد في الطغيان، كما قال تعالى لموسى ﵇: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أي: تجاوز الحد في الظلم، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة:١١] أي: زاد الماء، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس:١١] ، أي: شدة ظلمها. وأما الشيعة أهل الرفض، وأهل الخبث والإجرام، قاتلهم الله تعالى! فيؤولون الجبت والطاغوت بـ أبي بكر وعمر ﵄، ويجعلون صلاتهم وتسليمهم البغيض المقيت لعن أميري المؤمنين أبي بكر وعمر ﵄، فيقولون: اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيها وابنتيهما، ويعنون: أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا تفسير في غاية البطلان، فالذي قال الله فيه: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] يقولون: إنه الجبت! فكيف يتضارب كتاب الله على هذا النحو عندهم. وأسقط من ذلك تفاسيرهم تفسيرهم البقرة التي أُمر قوم موسى بذبحها أنها عائشة، وهذا من عمى البصائر، فأين عائشة ﵂ من زمن موسى ﷺ ؟! فالطاغوت: كل من تجاوز الحد في الظلم، شيطاناً كان أو ساحراً أو كاهناً أو حاكماً بغير ما أنزل الله أو رجلاً جباراً ظالماً قاتلاً للنفس، فكل ذلك محتمل وداخلٌ في الآية. ومن العلماء من قال: إنه كعب بن الأشراف؛ لأنه كان طاغوتاً مطاعاً في اليهود. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١] . قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:٥١] أي: من أهل مكة: ﴿هَؤُلاءِ﴾ [النساء:٥١] أي: أهل مكة ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١] . وقد ورد في أسانيد ينظر فيها أن أبا سفيان وبعض وجهاء مكة قالوا: نذهب إلى أهل الكتاب نسألهم عن محمد وشأن محمد، فإن هؤلاء أهل كتاب أعلم به منا، فذهبوا إلى كعب بن الأشرف وغيره من وجهاء اليهود فسألوهم: يا معشر يهود! أنحن على حق وخير أم محمد هو الذي على الحق والخير؟ فقالت اليهود: أنتم -يا معشر قريش- أهدى من محمد وأصحاب محمد وأفضل طريقة، فأنتم تسقون الحجيج، وهم يقطعون الأرحام -بزعمهم-، إلى غير ذلك من الأساليب التي سلكها اليهود لإغواء الناس ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١] . قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ [النساء:٥٢] أي: هؤلاء اليهود ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٥٢] ، ضلّال على علم، فقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٥٢] يدل على أن اليهود كما أنهم مغضوب عليهم، فهم ملعونون، وتفسير الرسول ﵊ لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] بأن (غير المغضوب عليهم) هم اليهود، و (الضالين) النصارى؛ ليس معناه أن النصارى غير مغضوبٍ عليهم، بل هم كذلك مغضوب عليهم، وليس معناه أن اليهود غير ضالين، بل هم ضالون أيضاً، ولكنهم اختصوا بمزيد من غضب الله تعالى واللعنة عليهم جميعاً. ومعنى: (الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أي: طردهم الله من رحمته، ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥٢] . قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء:٥٣] أي: هل لهم تدخلٌ في ملك الله أو في إعطاء الملك من أحد ونزعه من أحد؟ ﴿فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء:٥٣] . والنقير كما قال بعض العلماء: النقطة الصغيرة التي تكون على ظهر النواة.

стр. 209

تفسير قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله .) قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] فاليهود حسدوا العرب، وهم والعرب أبناء عمٍ، فأبو اليهود هو إسرائيل بن إسحاق، وإسحاق أخٌ لإسماعيل، ومن إسماعيل جاء محمد ﷺ ، ومن إسحاق جاءت كل أنبياء بني إسرائيل، فحسدت اليهود العرب على ما آتاهم الله من فضله، فكانوا يتوقعون أن يخرج النبي منهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٨٩] أي: يقولون لهم سيخرج نبيٌ نتبعه، ونقتلكم قتل عادٍ وإرم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة:٨٩] وهو محمد ﵊، وكان من غيرهم، فلم يكن يهودياً، بل كان من العرب ﴿كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] . فالناس المحسودون هنا: هم العرب، وكلمة (الناس) قد يراد بها العموم، وقد يراد بها الخصوص، فمن مجيئها بمعنى العموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] ، ومن مجيئها بمعنى الخصوص قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، فهنا ثلاثة أصناف من الناس، وكل صنفٍ له معنى، فالمقول لهم هم: محمد ﷺ وأصحابه ﵃، والقائلون لهم: هم أهل النفاق، والذين جمعوا لهم: هم أهل الشرك. فالناس المحسودون هنا: هم العرب، أو هم أهل الإسلام، أو بني هاشم، والشاهد أنهم الذين منهم محمد ﷺ ، وهذا منزل على النبوة، ثم الآية عامة، فكل من حسد الآخرين داخل في الآية، اللهم إلا حسد أهل الكفر وتمني زوال النعمة عنهم، فهذا له مستندات شرعية. وهذه ثاني آية في كتاب الله تعالى ذكر فيها الحسد صريحاً، فالأولى: قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩] . والثانية: قوله تعالى هنا: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:٥٤] . والثالثة: قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ [الفتح:١٥] . والرابعة: قوله تعالى في سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] ، فالحسد ذكر في كتاب الله صريحاً في هذه الآيات، وذكر تلميحاً في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧] ، وقوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ [القلم:٥١] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] ، فهذه الآيات تلمح وتشير إلى الحسد. وذكر الحسد في سنة رسول الله ﷺ ثابت في جملة أحاديث، منها: (باسم الله أرقيك، من كل شيءٍ يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين حاسدٍ الله يشفيك) ، وقوله ﷺ : (علام يحسد أحدكم أخاه؟) ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وقيل للحسن البصري ﵀: أيحسد المؤمن؟ قال: سبحان الله! ما أنساك لإخوة يوسف حين قال يعقوب ﵇: ((يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)) [يوسف:٥] . قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ﴾ [النساء:٥٤] أي: ما أعطاهم الله تعالى من فضله، فإن كان كذلك ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤] ، أي: إن كنتم تحسدون العرب على ما آتاهم الله تعالى من نبوة فيهم، وكفرتم بهذا النبي من أجل أنه عربي وليس منكم، فما بالكم قد جاءت فيكم النبوة، إذ أنتم من آل إبراهيم، فمنكم من آمن ومنكم من صد؟! فلماذا لم تؤمنوا إذا كانت المشكلة التي حصلت هي إرسال محمد ﷺ من العرب؟ فإذا كانت هذه علتكم وحجتكم فهي علة داحضةٌ وحجة باطلة، فقد جاءكم أنبياء من آل إبراهيم ليسوا من ذرية إسماعيل، بل من ذرية إسحاق وإسرائيل، فما بالكم كفرتم بهم؟ قال النبي ﵊: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه نبيٌ آخر) فكذبوا بعض هؤلاء الأنبياء، وقتلوا فريقاً منهم، فاليهود أهل الغدر والخيانات كما وصفهم الله في كتابه. ويؤخذ من عموم الآية أن على الشخص إذا رأى من أخيه المسلم شيئاً يعجبه أن يبرك كما قال تعالى حكاية عن الرجل الصالح: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٣٩] أي: إذا خشيت الحسد قل: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) . قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤] ، كملك سليمان وملك داود ﵉، فكان ملكاً عظيماً، وأي ملك أعظم من أن تسخر له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص؟! وأي ملك أعظم من أن يفهم الشخص لغة الطير وسائر الدواب وكلها تخضع له بإذن الله ؟! وأي ملك أعظم من أن يلين الحديد في يد شخص يتصرف فيه بيديه كيف يشاء كالحبال وكالماء؟! وأي ملك أعظم من أن تقوم تسبح فتسبح الجبال معك والطير، وتسبح الدواب معك؟! ومع هذا الملك قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء:٥٥] ، فكفروا بسليمان ﵇، وقالوا: سليمان كان ساحراً وأخضع الجن بسحره، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] ، فإن كنتم لم تؤمنوا لأن محمداً ﷺ فقير، فقد جاءكم نبي مَلَك الأرض بإذن الله تعالى، وملك الدواب بإذن الله تعالى، وسخرت له الريح، ومع ذلك كفرتم به ووصفتموه بأنه ساحر، وبأنه عبّد الشياطين بأنواع من السحر والشعوذة!

стр. 210

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً .) قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ، هذا خبر يراد منه التهديد، والآية ردٌ قوي على القائلين بفناء النار، فرب العزة ﷻ يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٥٦] ، كما يرد قولهم قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] ، وجاء أنه يوقف الموت على قنطرة بين الجنة والنار في صورة كبش أملح، ثم ينادى: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت، وينادى: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت، وكلهم ينظر إليه، فيذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وتلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] . فكل هذه الأدلة ترد على القائلين بفناء النار، وهناك ما يقرب من عشرين أو ثلاثين دليلاً على إبطال هذا القول. وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)) [النساء:٥٦] العزيز: هو عظيم الجناب منيع السلطان، الذي لا يمانع ولا يخالف. و (حكيماً) أي: في تصرفه ، وتفسير الحكمة في حق البشر: أنها هي التي تمنع صاحبها عن كل ما يشينه ويسيء إليه، وقد يكون هذا المعنى لغوياً، وقد يكون شرعياً.

стр. 211

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات .) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء:٥٧] . بعد أن ذكر تعالى عقاب أهل النار ذكر ثواب أهل الجنة، فأتى بهذا بعد هذا، فذكر عقوبة الكافرين، ثم ذكر جزاء المؤمنين يسميه العلماء مقابلة، وقد وصف الله القرآن بأنه مثاني، قال بعض أهل العلم: لأنه يأتي بعقوبة الكافرين ثم يأتي بجزاء المؤمنين، ونحوه قوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص:٥٧] ، فالحميم: شديد الحرارة جداً، والغساق: شديد البرودة جداً، وثمَّ أقوال أخر في تفسير المثاني. وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ردٌ على من قال: إن المجنون أفضل من المؤمن العاقل، وذلك لأن المؤمن العاقل عامل للصالحات، ونصوص الوعد والثواب جاءت له، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩] ، فقيد الإيمان بالعمل الصالح، والمجنون لم يعمل صالحاً، فالقول بأنه أفضل من المؤمن العاقل الذي عمل صالحاً قولٌ بلا علم، والمجنون أمره إلى الله تعالى؛ لحديث النبي ﷺ : (أربعةٌ يدلون بحججهم عند الله ، وذكر منهم رجلاً مجنوناً يقول: يا رب! أتى رسولك وأنا رجل لا أفقه، فيختبر بجنة ونار، ثم يؤمر باقتحام النار، فإن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، وإن لم يدخلها عُذّب) ، أو كما قال رسول الله ﷺ . كما أن التكريم بعمل الصالحات في هذه الآية وفي غيرها يبطل أقوال المتصوفة الذين يقولون بخلاف ذلك، كمن يصلي إلى غير القبلة، ويزعم أنه ولي من أولياء الله تعالى، أو يصلي وهو يبول على نفسه في الصلاة! كما يفعله صاحب قرية ميت الكرماء واسمه: السيد العسكري، فهو يصلي إلى غير القبلة أمام الناس كلهم، ويبول في الصلاة، ويصلي في الخيش القذرة، ومع ذلك يعبده أهل ميت الكرماء إلا من رحم الله منهم، ويزعمون أنه من أولياء الله الصالحين، بل هو من الفجار في الظاهر، والحكم عند الله يقضي فيه بما يشاء. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ [النساء:٥٧] الأزواج قد تطلق على النساء، وقد يأتي الزوج بمعنى الصنف، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ:٨] ، ومن أهل العلم من قسر الأزواج في قوله تعالى:: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ:٨] فقال: أي: ذكراً وأنثى، ومنهم من عمم التفسير وقال: إن أزواجاً معناها أصنافاً، والتفسير الأعم أولى من التفسير ببعض المفردات في كثير من الأحيان، فالأخذ بالعموم في هذا التأويل أولى من الأخذ بالخصوص؛ لأنه يدخل فيه الخصوص، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ:٨] أي: أصنافاً، فمنكم الذكر ومنكم الأنثى، ومنكم القوي ومنكم الضعيف، ومنكم العزيز ومنكم الذليل، ومنكم الجميل ومنكم الدميم، إلى غير ذلك. وأحياناً يتعين التفسير بالخصوص في بعض المفردات كما في قوله تعالى هنا: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ [النساء:٥٧] ، فالأزواج هنا لا بد أن تحمل على النساء بقرينة وهي: (مُطَهَّرَة) ، ومعنى: (مُطَهَّرَة) قال فريق من العلماء: مطهرة من البول والحيض والبزاق والتفل ونحو ذلك، وقد جاء في ذلك خبرٌ عن النبي ﷺ وهو قوله: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لا يبزقون فيها، ولا يبولون ولا يمتخطون) ، ومن أهل العلم من قال: مطهرة أيضاً من الغل والأحقاد، وصنوف الحيل والمكر التي تتسرب إلى نساء الدنيا.

стр. 212

الأسئلة

стр. 213

حكم من طلق زوجته لفظاً وكتابة للمرة الثانية السؤال رجلٌ طلق زوجته لفظاً وكتابةً للمرة الثانية، وانتهت مدة العدة، فهل يمكن مراجعتها؟ وما هي الطريقة؟ الجواب نعم. تراجع لكن بعقد جديد وبصداق جديد وبولي وشهود، ونحو هذه القصة وقعت لـ معقل بن يسار مع أخته فقد قال -كما في الصحيح-: (زوجت أختاً لي من رجل فأكرمته، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها ثم جاء يخطبها إليّ، فقلت له: زوجتك وأكرمتك، ثم طلقتها وتركتها فلم تراجعها حتى انقضت عدتها ثم جئت تخطبها إليّ! والله لا أزوجك أبداً، فأنزل الله : ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٣٢] . فيجوز له أن يرجع إليها بعقد جديد وبمهر جديد وبولي وشهود، ويبني على التطليق السابق، فله طلقة واحدة، فإن طلقها بانت منه، ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، لكن إن كان طلقها مرتين، ثم تزوجت بشخص آخر فدخل بها الزوج الجديد وجامعها، ثم طلقها ورجعت إلى الزوج الأول، فهذه قريبة من مسألة الهدم، وإن كانت ليست صريحة فيها، فالنكاح الجديد يهدم التطليقتين الأوليين، ويبدأ من جديد في احتساب ثلاث تطليقات.

стр. 214

صلة الجار المرتكب للكبائر والمطلوب نحوه السؤال جارٌ لي مريض، ولكن طبيعته سب الدين وتعاطي المخدرات والتجارة فيها ولا يصلي، فكيف أتعامل معه؟ الجواب نعوذ بالله تعالى! فكل الموبقات عنده مجتمعة، ولكن مع ذلك الجار له حق، فالرسول ﷺ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، قال القرطبي وغيره من أهل العلم: ولم يفصل النبي ﷺ بين الجار المسلم وبين الجار الكافر. ورب العزة كذلك قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] ، إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء:٣٦] ، فالنصوص جاءت عامة تحث على الإحسان إلى الجار، ولكن إذا كان بهذه الصورة المذكورة، فالتعامل معه بما يصلحه في دينه ودنياه، فإن علمت أنك بزيارتك له تصلح من شأنه، وتخفف المفاسد التي هو فيها فصله واحتسب صلتك عند الله . وإن كنت تخشى على نفسك مضرةً في دينك، وتخشى على نفسك إن دخلت بيته أن تتلوث وتقع في فواحش مع النساء، ويسحبك الشيطان من جانب الإصلاح فيوقعك في جانب الفاحشة وأنت لا تشعر، فحينئذٍ اجتنب واتق الله تعالى ما استطعت، فالمسألة مبنية على مسألة توقع المصلحة أو المفسدة الناتجة من الزيارة، والعلم عند الله تعالى.

стр. 215

لبس الخاتم في الأصبع الوسطى السؤال ما حكم لبس الخاتم في الإصبع الوسطى؟ الجواب (نهى النبي ﷺ عن التختم في الوسطى والتي تليها) ، وهذا بالنسبة للرجال، وأما بالنسبة للنساء فقد قال جمهور أهل العلم: إن المرأة يحق لها ويشرع لها أن تتختم في أي إصبع كان، في الأوسط أو في غير الأوسط، وحملوا حديث النبي ﵊ أنه: (نهى عن التختم في الوسطى والتي تليها) على أنه خاص بالرجال.
следующие страницы →