← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تعريف الكبيرة من أهل العلم من قال: إن الكبائر هي التي نص عليها رسول الله ﷺ في صريح حديثه، وبيّن أنها من الكبائر، كقوله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف) . فمن العلماء من قال: إن الكبيرة هي التي نص النبي ﷺ على أنها كبيرة، وما لم ينص عليه رسول الله ﵊ وما لم يوضح أنه كبيرة فلا يدخل في عداد الكبائر، وهذا القول قد يبدو لأول وهلة صحيحاً، ولكن بإمعان النظر فيه نجده قولاً ضعيفاً واهياً، فثم جملة أمور لم ينص عليها النبي ﷺ ولم يذكر أنها كبائر، مثال ذلك: نكاح الرجل أمه أو أخته، فلم يرد نص عن رسول الله ﵊ يفيد أنها كبيرة، فزواج الرجل بأمه لم يرد فيه نص يفيد أنها كبيرة، لكن جاء في كتاب الله تهديد لمن فعل ذلك، وقال الله تعالى في نكاح امرأة الأب الذي هو أيسر من نكاح الأم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢] . فهذا حذا ببعض العلماء إلى أن يضعوا تعريفات للكبيرة، فكان حاصل تعريفهم أن الكبيرة: ما توعد فاعلها بلعن أو غضب من الله، أو طرد من رحمة الله، أو بالعذاب، أو بالنار، أو بحد من حدود الدنيا ونحو ذلك، فكل ذلك يعد من الكبائر. فالله يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾ [النساء:٣١] فهي الكبائر التي ضبطت بالضابط المتقدم، وثم بعض الأمور اختلف فيها: هل هي كبيرة أم صغيرة؟ فللعلماء أخذ ورد فيها. من ذلك مثلاً: مسألة مصافحة المرأة الأجنبية، فقد ورد فيها حديث معقل بن يسار عند الطبراني بإسناد حسن على أقل الأحوال أن النبي ﷺ قال: (لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) ، هذا الحديث كما سمعتم إسناده حسن يفيد أن الشخص إذا طعن بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، ولكن جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] جاء في تفسير اللمم ما قاله ابن عباس: (ما رأيت شيئاً أشبه في اللمم مما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﵊ إذ قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والرجل تزني وزناها المشي، واليد تزني وزناها البطش، واللسان يزني وزناه الكلام، والنفس تهوى وتتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) . ولما جاء الرجل الذي لقي امرأة في الطريق ففعل معها كل شيء إلا الجماع ثم أتى إلى رسول الله ﷺ يشكوا إليه حاله، فنزل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ، وفي هذا الصدد أمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين، فقال: (ألي خاصة يا رسول الله! أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة) . والشاهد: أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) ، فإذا كانت الصلوات الخمس لا تقوى بمفردها على تكفير الكبائر فمن باب أولى ألا يقوى النفل على تكفير الكبائر، والرسول ﷺ قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان لا يقويان -إلا إذا شاء الله- على تكفير الكبائر إلا إذا انضم إليهما شيء آخر؛ فصلاة ركعتين لا تقوى على تكفير الكبيرة، فهذا حدا ببعض الناس أن يعدوها من الصغائر. فالمسألة إذاً في هذه الجزئية تكاد تكون مسألة خلاف بين العلماء. يعني: هناك أمور كبيرة القول فيها قولاً واحداً، وأمور صغيرة القول فيها قولاً واحداً، وأمور بين ذلك تنازع فيها العلماء وتجاذبوا فيها الأقوال.

стр. 142

معنى تكفير السيئة إن الله يقول لعباده: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] نكفر: أصل التكفير التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] الذين يضعون البذرة في الأرض ويغطون عليها، وقول الشاعر: في ليلة كفر الغمام نجومها أي: غطى الغمام نجومها، فأصل التكفير التغطية. ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] أي: نغطيها ولا نؤاخذكم بها، ففي باب السيئات عفو ومغفرة وتكفير، فالعفو: المحو بالكلية والإزالة، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فالمغفرة: الستر، والتكفير: التغطية وعدم المؤاخذة. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] . يعني: إذا اجتنبتم الكبائر كفرنا عنكم الصغائر. وقد تقدم أن السيئة لها اصطلاحات، وكل اصطلاحٍ يعطي معنىً من المعاني يفهم من السياق الذي وردت فيه كلمة السيئة، وقد تقدم شرح هذا، فقيل: إن السيئات أو السيئة تطلق على الكفر أحياناً. قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧] والخلود لا يكون إلا للكفار، وقال سبحانه في شأن قوم لوط: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٨] أي: الجريمة المعهودة وهي من الكبائر، وهنا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] أي: الصغائر. فوجه الخطأ الذي يخطئ فيه الكثيرون أن يلبسوا اصطلاحاً من الاصطلاحات معنىً من المعاني ليس هو معناه المراد. فهذا باب يخلط فيه كثير من العلماء فضلاً عن المبتدئين في طلب العلم، وهو أن يلبسوا الاصطلاح معنىً غير معناه الصحيح، وأحياناً تأتي أخطاء أخر نتيجة رواية حديث بالمعنى والخطأ في روايته بالمعنى، أو اختصار الحديث والخطأ في اختصاره، ومن النماذج على ذلك: ما أورده ابن حزم وابن القيم ﵏ في مسألة طلاق الحائض: هل إذا طلق الرجل امرأة وهي حائض هل تعتْبر هذه طلقة وتحسب عليه أو لا تحسب عليه؟ فالجمهور من أهل العلم على أنها تحسب عليه طلقة، لقول ابن عمر: (حسبت عليّ طلقة) ، أورد ابن حزم ﵀ وكذلك ابن القيم ﵀ أثراً عن ابن عمر وغلطا فيه، وهذا الأثر روياه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: (وسئل عن طلاق الرجل امرأة في حيضتها؟ قال: لا يعتد بذلك) رويا الحديث مختصراً مقتصراً على هذا اللفظ فقالا: ها هو ابن عمر يفتي بأن طلاق الحائض لا يقع والقصة حدثت له. وهذا كلام غير مقبول لوجوه: منها: أن ابن عمر نفسه قال: (حسبت عليّ تطليقة) كما في صحيح البخاري، فلما بحثنا عن إسناد الحديث في بعض الكتب في المصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وجدنا الحديث من نفس طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: (أنه سئل عن طلاق المرأة وهي حائض قال: لا يعتد بتلك الحيضة) الرواية التي أوردها ابن حزم وابن القيم ﵏ وشنعوا بها (لا يعتد بذلك) هذه الرواية التي في المصنف (لا يعتد بتلك الحيضة) وهناك فرق. (لا يعتد بتلك الحيضة) ما معناها؟ يعني: لا يعتد بأن الحيضة تحسب من الأقراء، يعني: إذا طلقها وهي حائض وبدأت تعتد كما أمرها الله ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] هل يحسب هذا الحيض الذي طلقت فيه من الأقراء أو لا يحسب؟ فقال ابن عمر (لا يعتد بتلك الحيضة) ولم يقل: (بتلك التطليقة) فوهما رحمهما الله وظنا أنه قصد بقوله: (لا يعتد بذلك) التطليقة. ولذلك كل الروايات الواردة عن ابن عمر تؤيد أنها حسبت عليه. كما في الرواية: (فذهب عمر إلى رسول الله ﵊ فأمره أن يراجعها وعدّها واحدة) ، أي: أمره الرسول ﵊ أن يراجعهما. وهو أقوى مما يقول به ابن حزم. والشاهد من هذا: أن الاختصار أحياناً قد يخل.

стр. 143

معنى اجتناب الكبائر ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ [النساء:٣١] الاجتناب: أشد من النهي، والأمر به أشد من النهي المجرد، مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] فهو أبلغ من النهي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] فالأمر بالاجتناب أشد من النهي المجرد، فيقول الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] .

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به .) قال الله : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] . هل الآية على ظاهرها: فلا يجوز لنا أن نتمنى أي شيء أوتيه شخص منا؟ لا. بل هناك أشياء نتمناها، ورخص لنا الشرع في تمنيها، بل وحثنا على ذلك، مثل: حمل القرآن والعمل به، وإنفاق المال في سبيل الله. قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) . ويجوز لي -أيضاً- أن أتمنى ذرية صالحة، فإذا وجدت رجلاً عنده ذرية صالحة قلت: يا رب! ارزقني ذرية صالحة، وها هنا يقول عباد الرحمن ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] . إذاً: هناك شيء مراد بالآية: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] والله أعلم ما مراده، ولكن سياق الآية يفيد شيئاً وهو ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] يعني: لا تأتي المرأة تقول: يا ليت لي ميراث كالرجل، أو يا ليتني رجلاً، فـ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] فاقنع بالشيء الذي قدر لك به واسأل ربك المزيد من فضله على وجه الإجمال، لكن لا تتمنى أن تكون امرأة مثلاً، أو أن تتمنى المرأة أن تكون رجلاً، أو تتمنى أن يقسم لها في الميراث مثل ما للرجل ونحو ذلك. والتمني بصفة عامة هو: نوع إرادة يتعلق بالمستقبل، قال الله لـ عبد الله والد جابر لما قُتل: (عبدي تمنى عليّ فقال: أرد إلى الدنيا فأقتل في سبيلك) ، فهذا نوع من التمني، والرسول ﷺ قال: (والذي نفسي بيده، لقد وددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل) أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والتمني فيه مسائل ومباحث طويلة لا يسع المقام لذكرها، وقد أفرد البخاري في كتاب القدر من صحيحه: باب ما جاء في اللو. فهي من أبواب التمني، ويقابله أيضاً التلهف. قال الله: ((وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)) [النساء:٣٢] ، قال النبي ﷺ : (إذا نظر أحدكم إلى من فوقه في المال والرزق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه هو في المال والرزق) أو كما قال ﵊. قال الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢] * ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء:٣٣] . في أول الأمر لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري يرث الأنصاري دون أقاربه، والأنصاري يرث المهاجري، دون أقاربه حتى نزل قوله تعالى على رأي كثير من أهل العلم: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦] فنسخ التوارث بين المهاجرين والأنصار، وبقيت الموالاة والمحبة في الله، وإذا أردت أن تعطيهم شيئاً فأعطهم ما شئت، لكن التوارث أصبح بين أولي الأرحام الذين ذكرهم الله في كتابه وفي قوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب:٦] .

стр. 145

تفسير قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان .) يقول الله ﵎: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٣٣] .

стр. 146

اصطلاحات كلمة الموالي المولى له اصطلاحات متعددة: إذا أسلم على يديك سمي مولاك، كما قيل في البخاري: إنه مولى الجعفيين؛ لأن جد البخاري -وهو المغيرة - أسلم على يد رجل يقال له: اليمان الجعفي فأصبح البخاري مولى الجعفيين، ولذلك في كثير من التراجم مثلاً تقول: الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي مولاهم، أي: هو ليس من القبيلة وإنما هو دخيل على القبيلة، فإما أنه أو أجداده كانوا عبيداً فأعتقوا من هذه القبيلة، أو أسلموا على أيديهم. فالولاء له اصطلاحات متعددة وكل اصطلاح يفهم من المعنى الذي ورد فيه، فقول النبي ﷺ لـ عائشة في شأن بريرة: (أعتقيها فإن الولاء للعاتق) ، ولذلك يقال: بريرة مولاة عائشة رضي الله تعالى عنها. فالمولى يطلق على المعتق ويطلق على الذي أعتق، ويطلق على الناصر، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] ويطلق على ابن العم، ويطلق على الجار، فله عدة إطلاقات.

стр. 147

معنى: (عقدت أيمانكم) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:٣٣] والنصيب الذين عقدت أيمانكم. أي: الذين تحالفتم معهم، وهو غير مضبوط في كتاب الله ، إنما هو يرجع إلى صورة التحالف التي تمت، والوعود التي وعدت، والمكاتبات التي كتبت، والله أعلم.

стр. 148

تفسير قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء .) قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] .

стр. 149

معنى حفظ المرأة للغيب بما حفظ الله قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤] حافظات لفروجهن في غياب أزواجهن، وحافظات لأموال أزواجهن عند غيابهم، وحافظات للبيوت في غياب الأزواج، وحافظات لما استرعين عليه في البيوت، فحافظات أعم من بعض التأويلات المفردة التي فسرها به بعض العلماء، ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤] حافظات لغيب أزواجهن، وحافظات لفروجهن في حال غياب أزواجهن. حافظات للغيب، ليس بقوتهن إنما هو بما حفظ الله، فـ ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] أي: المحفوظة من حفظها الله، والمرأة لا تستطيع أن تحفظ فرجها إلا إذا ثبتها الله على ذلك، حتى لا تغتر امرأة بقوتها وأنها صارمة في البيت، فالذي ثبتها هو الله، والذي حفظها هو الله.

стр. 150

أسباب قوامة الرجل على المرأة هذه الآية أصل في القوامة -قوامة الرجل على المرأة- ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فأفادت الآية الكريمة: أن الرجال قوامون على النساء بشيئين: الشيء الأول: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤] أي: من الذكورية التي يؤتاها الرجل والقوة والعقل والجلادة والصبر ونحو ذلك، وهذا الشيء المرأة لا تناله، فجبلتها لا تساعدها على ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ : (أليس شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل؟) فعقلها لا يكافئ عقل الرجل، وقد قال الله فيهن: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] وكذلك حزمها لا يكافئ حزم الرجل، فكما قال القائل: إذا أمرت أن تقطع يد سارق وتحسمها في الزيت، فإذا جاءت تقطع يد السارق وبكى أمامها، أو وضعت يده في الزيت وبكى أمامها هربت وتركت القطع والحسم في الزيت، فجبلة الرجل غير جبلة المرأة، وقد قال الله ﵎: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)) [النساء:٣٤] بشيئين: - ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤] من ناحية القوة والعقل والاتزان والرزانة وما آتاه الله الرجل في جبلته. الشيء الثاني: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] , في الصداق والنفقة في المعيشة. ومن ذلك -كما قدمنا سالفاً- أن المرأة إذا كانت هي التي تنفق على الرجل فهي تنازعه القوامة، وصحيح أن الله فضله عليها بأشياء جبلية، لكن هي بدأت تنازع بالإنفاق عليه من أموالها، فلكي يكون الرجل تام القوامة على امرأته لابد أن يكون هو الذي ينفق، وهو الذي يرشد ويوجه، أما إذا شاركت هي بشيء وهذا جائز، فالله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] وقال الرسول ﷺ لـ زينب امرأة عبد الله بن مسعود: (زوجك وولدك أحق من تصدقتي عليهم) إذا شاركت فقد نازعت في القوامة.

стр. 151

معنى قنوت المرأة لزوجها ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ [النساء:٣٤] أي: مطيعات. استدل هذه الآية على مشروعية خدمة المرأة لزوجها، لأن الصالحات قانتات -أي: مطيعات- فإذا أمرها أن تطيعه أطاعته، ومن العلماء من أوردها فيما يستدل به على وجوب خدمة المرأة لزوجها وليس على المشروعية فحسب بل على الوجوب لكن الآية ليست صريحة في إيجاب خدمة المرأة لزوجها، إنما قوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ [النساء:٣٤] وإن قررنا أن معناها: مطيعات، فمطيعات في أداء الحق الذي للزوج عليها، ولسن مطيعات على الإطلاق إنما للزوج عليها حق، ولنفسها عليها حق، ولربها عليها حق، ولرحمها عليها حق، فهي قانتة مطيعة للزوج في الذي له عليها، ولو قال: إنها مطيعة للزوج في كل شيء، إذا أمرها مثلاً بشيء ليس من حقه بل هو من حق الله فلا تطيعه، وإذا أمرها أن تأخذ من حاجبها -مثلاً- لا تطيعه ولا كرامة، فالرسول لعن النامصة المتنمصة، وإذا أمرها أن تعطيه كل مالها أو شيئاً من مالها فلها أن ترفض؛ لأن هذا المال حقها، وإذا قال لها: اصبري عليّ حتى أضربك، بلا سبب، فليس له ذلك؛ لأن هذا بدنها ولا تستحق أن تضرب إلا إذا كان ثم سبب يستدعي ذلك، فلما كان المال من حقها كذلك بدنها من حقها. إذاً: الآية ليست صريحة في إيجاب الخدمة على الزوجة، وإلا لقال لها الزوج: اعملي في حمالة للحجارة، فلا نستطيع أن نوجب الخدمة لهذه الآية الكريمة. والأثر الوارد عن علي ﵁ الذي احتج به بعض العلماء على إيجاب خدمة المرأة لزوجها، والذي فيه: (أن النبي ﷺ قضى على علي بالخدمة الظاهرة وعلى فاطمة بالخدمة الباطنة) فهذا الأثر مرسل لا يثبت عن رسول الله ﵊ بهذا اللفظ، فراويه عاصم بن ذمرة تابعي لم يرَ رسول الله ﷺ ، فالأثر مرسل، وإنما الثابت في الصحيحين، (أن فاطمة جاءت تشتكي أثر الرحى إلى رسول الله ﷺ وتسأله خادماً فقال: هل أدلك على ما هو خير لكِ من خادم؟ تسبحين وتحمدين وتكبرين ثلاثاً وثلاثين فهو خير لكِ من خادم) فهذا الحديث فيه أن الرسول ﷺ أرشدها فقط إلى الخيرية وإلى الأفضل والأكمل. والمسألة فيها بحث طويل، والجمهور: على أن خدمة المرأة لزوجها على الاستحباب. نقله عنهم النووي والبيهقي وابن حجر وغيرهم من أهل العلم، ومن العلماء من رد المسألة إلى الأعراف، ومنهم من قال بالوجوب، والله أعلم. ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ)) [النساء:٣٤] أي: مطيعات، وإن لم تكن خدمة المرأة لزوجها واجبة، فهي على أقل الأحوال مستحبة، فإذا خدمته أجرت.

стр. 152

نشوز المرأة ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] النشوز: العلو والارتفاع، ومنه الأرض النشز. أي: المرتفعة والعالية، فمعنى الآية: اللاتي تخافون علوهن وارتفاعهن على أوامركم ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] . (الواو) في الحقيقة ليست في كل الأحوال تفيد الترتيب وإنما تفيد مطلق التشريك، جاء زيد وعمرو، ليس معناه أن زيد جاء ثم بعد يوم أو ساعة جاء عمرو ولكن يمكن أن يكون زيد جاء مع عمرو في وقت واحد. أكلت خبزاً ولحماً، ليس معناه أنك أكلت خبزاً ثم أكلت لحم، بل قد تأكل خبزاً مع لحم؛ فعلى ذلك يجوز أن يُقدم شيء على آخر إذا دعت الحاجة أو الضرورة لذلك، وإن كان الأسلم على التقعيد أن تقدم الموعظة والتذكير، ولكن شاهدنا (أن النبي ﵊ جاء يوماً من خارج البيت فوجد عائشة معلقة خميصة سترت به الجدار فيها تصاوير، فغضب ﵊ ولم يسلم عليها حتى خرجت هي وقالت: أتوب إلى الله ورسوله، ماذا أذنبت يا رسول الله؟ فقال لها: إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة) (وجاء النبي ﵊ أيضاً عندما رجع من البقيع وكانت عائشة تتابعه لما خرج إلى البقيع وتركها نائمة، فظنت أنه خرج عند بعض نسائه، فجلست تبحث عنه ثم ذهبت إلى البقيع فلما رأته قد رجع قفلت راجعة فجاءها وهي تلهث، فقال: يا عائشة! لعلك السواد الذي رأيت؟ قالت: نعم يا رسول الله) والحديث فيه: (أتظنين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ فلهدني لهدة أوجعتني) . فالشاهد: أن الشخص قد يسلك مسلكاً قبل مسلك آخر إذا احتيج إلى ذلك كأصحاب المعاصي بصفة عامة، فأصحاب المعاصي يجوز أحياناً أن تقدم التذكير، لكن إذا كان فاعلها يعلم أنها معصية وتمادى في فعلها فيجوز لك أن تسلك معه مسلكاً أقوى من مسألة النصح أحياناً، ويكون هذا المسلك في نفسه نصحاً وإرشاداً. والله أعلم.

стр. 153

ضرب المرأة عند نشوزها قال تعالى: ((فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)) [النساء:٣٤] هل تقتص المرأة من الزوج إذا ضربها مثلاً بيده؟ لم يرد أن رسول الله ﷺ اقتصت منه أزواجه في شأن الضرب ﵊، وقد ورد حديث ضعيف في سبب نزول الآية (أن سعد بن الربيع ضرب زوجته أو لطمها فجاءت تشتكي إلى رسول الله، فكأن الرسول ﵊ أراد أن يجعلها تقاد منه -أي: تقتص منه- فنزلت الآية: ((الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) [النساء:٣٤] ) ، ولكن سبب النزول هذا ضعيف، ويكفي في القول بأنها لا تقتص منه قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] ولم يرد أنها تضرب زوجها. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٣٤] إذا أطاعتك المرأة فيما لك عليها ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:٣٤] أي: ليس لك طريق تصل إليها منه تضربها بسببه، أي: إن أطاعتك فيما يرضي الله فقد سدت عليك كل الطرق الموصلة إلى ضربها، فإذا بغيت عليها فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤] ، فجاء بصفة العلو هنا ليخبرك -أيها الظالم الذي تضرب زوجتك دون سبب- أن هناك من هو أقوى وأكبر منك وأقدر عليك منك على زوجتك، ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:٣٤] ، فإن بغيتم عليهن سبيلاً فـ ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)) ، يعني: إن ربك لك بالمرصاد أكبر منك وأعلى. فلذلك لكل ختام الآيات مدلول في الآية نفسها، أي: تنزيل الآية بصفة العلو ووصف الله لذاته بأنه كبير؛ لفائدة تحمل معنى التهديد والترهيب لمن اعتدى على زوجته بغير سبب، يعني: لا تبغي عليها وتستذلها وتضربها بلا سبب فإنك إن فعلت فاعلم أن الله كان علياً كبيراً، وهو قادر على الانتقام منك، والبطش بك .

стр. 154

هجر المرأة في المضجع عند نشوزها قال الله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] من العلماء من قال: أدر ظهرك لها وهي نائمة. أي: حول وجهك إلى الجهة الأخرى. ومنهم من قال: ابق معها في المضجع ولا تكلمها. ومنهم من قال: ابق معها في المضجع ولا تجامعها، ومن أهل العلم من قال: اترك المضجع جملة واحدة. وهل يجوز الهجر خارج البيت ورد حديث نوزع فيه (ولا تهجر إلا في البيت) ولكن قد ثبت (أن النبي ﵊ -لما هو أقوى سنداً من هذا الحديث- هجر نساءه واعتزلهن في مشربة له) ، وأيضاً (ذهب الرسول ﵊ إلى بيت علي فما وجد علياً، فوجد فاطمة فسألها عن علي، فقالت: كان بيني وبينه شيء -يا رسول الله- فغاضبني فخرج، فبحث الرسول عنه فإذا هو نائم بالمسجد وعليه تراب. فقال له: قم يا أبا تراب) ، فالظاهر: أن الحاجة إذا دعت إلى ترك البيت فعل ذلك، والله أعلم.

стр. 155

الأسئلة

стр. 156

حكم قول الزوج لزوجته: أنت مطلقة بإذن الله السؤال ما الحكم في قول الزوج لزوجه: مطلقة بإذن الله؟ الجواب قال زوج لزوجته: أنتِ مطلقة بإذن الله، الظاهر والله أعلم أن في مثل هذا (لمز) ، فيسأل عن نيته. ومعنى قوله: مطلقة بإذن الله. أي: سأطلقكِ بإذن الله، أو مآلك إلى أن تكوني مطلقة بإذن الله.

стр. 157

حكم الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم السؤال هل يفدي الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم إذا أفطر؟ الجواب إن جئت إلى الأدلة: قال الله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] من هم الذين يطيقونه؟ أهل العلم لهم فيها قولان: الجمهور قالوا: الذين يطيقونه. أي: يتحملون صومه، فالآية معناها: وعلى الذين يتحملون الصوم ويستطيعون الصوم إذا أرادوا أن يفطروا أفطروا وأطعموا عن كل يوم مسكيناً ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] قالوا: على هذا التأويل جاءت الآية لكنها نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] . ابن عباس قال: الآية ليست منسوخة، إنما المعنى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٤] أي: يتحملون صومه وهو شاق عليهم، فإذا أرادوا أن يفطروا فإنهم يطعمون عن كل يوم مسكيناً، لكن هذا تأويل مخالف لتأويل الجمهور، ثم يعرض عليه أيضاً أن الشيخ الكبير لا يستطيع صومه أصلاً لا بمشقة ولا بغير مشقة. وسنة رسول الله ﷺ ليس فيها شيء فيما علمت في أمر الشيخ الكبير أصلاً، فالآثار عن الصحابة فيها أثر عن أنس بن مالك (أنه لما كبر كان يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكيناً) وهذا الوارد الصريح في الباب، لكن قال بعض أهل العلم: إن الرسول ﷺ قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام) فكيف تلزمون الشخص بشيء في ماله إن لم يلزمه به الله ورسوله، فالرجل مخاطب بالصوم، ولكنه ما استطاع الصوم، والله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقد قال النبي ﷺ : (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) وهذا لم يستطع الصوم ولا القضاء في عدة من أيام أخر، والآية ليست صريحة، إنما الجمهور قالوا فيها ما تقدم إذا كان فعل الصحابي أنس بن مالك فإن شئت أن تختر فعله لنفسك فاختر فعله لنفسك، لكن لا تلزم به غيرك من المسلمين. هذا الحاصل في هذا الباب، فإن أراد الشخص أن يفعل بفعل أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه ويفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً إذا كان شيخاً كبيراً فعل، وإلا فلا فليس هناك دليل صريح ملزم أصلاً. ويلحق بهذا: المريض مرضاً مزمناً فهو لا يستطيع الصوم ولا القضاء مطلقاً، فهذا لا نستطيع أن نلزمه بشيء، قال الله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] قال المريض: أنا أصبر إلى أن تأتي أيام أخر، ولكن مرضي لا يرجى برؤه مطلقاً، فلا دليل على إلزامه بالإطعام فيما علمت لا من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله ﷺ ، والله أعلم.

стр. 158

حكم أخذ المال ممن يعمل في بنك ربوي أو الأكل من طعامه السؤال ما حكم ما يقدمه لي رجل عندما أزوره أو يعطيني على سبيل الهدية إذا كان هذا الرجل يعمل في بنك ربوي؟ الجواب الرسول ﵊ دعته امرأة يهودي إلى شاة مسمومة فأكل منها ﵊، فإذا كنت تذهب بنية نصحه وإرشاده، أو تأليف قلبه لعمل خير جاز لك، لأن نصحه مطلوب منك، فاليهودية لما دعت رسول الله ﷺ -واليهود أموالهم مشتبهة- أكل عندها ولم يستفسر، فبالنسبة للرجل الذي يعمل في البنك فعلمه كما قال النبي ﷺ : (لعن الله آكل الربا وكاتبه وموكله وشاهديه) لكن هل المال الذي أخذه مقابل عمل أداه حرام؟ هذه المسألة شائكة بعض الشيء بين العلماء، فالربا نفسه محرم وكاتبه ارتكب جرماً وإثماً، لكن هل الأجرة التي ويحصل عليها حرام قولاً واحداً، والمفروض أن يحرقه؟ أو أن أخذ المال مقابل الكتابة والأجر صحيح. الأحوط للشخص أن يترك ذلك قولاً واحداً، وآكل الربا وكاتبه ملعون، لكن بالنسبة لك إذا ذهبت إليه فالظاهر -والله أعلم- أنه إذا دعت الضرورة إلى ذلك جاز لك أن تشرب عنده الشاي، وأن تأكل عنده اللقمة، وهذا اجتهاد مني إن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وإن أصبت فمن الله.

стр. 159

صحة أثر عمل أمير المؤمنين علي ﵁ عند يهودي أجيراً السؤال ما صحة الأثر المتداول بين الناس بأن علياً كان يعمل عند يهودي؟ الشيخ: هذا الأثر المتداول: أن علياً كان يعمل عند يهودي وكان يستخرج له دلواً ويعطيه تمرة مقابل الدلو، لم أقف له على سند، لأن كثيراً من الآثار تحتاج إلى النظر في أسانيدها، فالمسألة التي ذكرت مسألة تحتاج إلى مزيد تحقيق وتدقيق.

стр. 160

مسألة مشاركة الجني للإنسي في الطعام وغيره السؤال إذا أصيب الإنسان بمس من الجن، فهل الجن يشترك معه في كل شيء حتى الطعام؟ الجواب لا أعلم في هذا شيئاً عن رسول الله ﷺ .

стр. 161

اختلاف العلماء في دوران الأرض السؤال ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣١] هل في هذا دليل على أن الأرض ساكنة لا تتحرك؟ الجواب ليس صريحاً، في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨] في هذه الآية مبحث دقيق حيث أن (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل:٨٨] هل هي: واو الابتداء أو واو العطف؟ الآية التي قبلها تتحدث عن يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى﴾ [النمل:٨٧-٨٨] هل الواو هنا عاطفة؟ يعني: وترى يوم القيامة الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، أو هي بدائية، وترى الآن الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب؟ من العلماء من يقول: إن هذا يوم القيامة ويستأنس بقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ:٢٠] فإن قال قائل: يوم القيامة ترى الجبال تحسبها جامدة. أي: يوم القيامة أنت إذا نظرت إلى الجبال تراها جامدة أمامك بنص الآية الكريمة، لكن رب العزة قال: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج:٩] فيراها الرائي وهي كالعهن، فالخلاف اللغوي في تحديد الواو في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل:٨٨] هل هي واو العطف وأن ذلك يوم القيامة أم هي واو الابتداء ويكون عليه التفريع الوارد في هل الأرض ثابتة أو متحركة؟! كما تقدم. فمثلاً: في قوله تعالى: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد:٣٥] الواو في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ [محمد:٣٥] هل هي واو ابتداء أو واو الحال؟ يعني: لا تهنوا وتدعوا إلى السلم في حال كونكم أعلون، أو لا تهنوا وتدعوا إلى السلم مطلقاً وأنتم الأعلون مستقبلاً. فهنا (الواو) لا تستطيع أن تحزمها بمجرد العطف إلا إذا تدخلت سنة رسول الله ﵊ في ذلك، ففي سنة الرسول أن الرسول إذا كان ضعيفاً طلب الصلح، ومطلب المصالحة ﵊، فلما حاصرته الأحزاب عرض على الأنصار أن يعطي الأحزاب ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا عن النبي ﵊، وتصالح الرسول ﵊ في عدة مرات مع الكفار، وخالد بن الوليد ﵁ انحاز بالجيش يوم مؤتة، ورجع إلى رسول الله ﵊، فالسنة تتدخل لضبط مثل هل الأشياء الدقيقة. فلذلك المفسر اللغوي أو البلاغي الذي ليس عنده رصيد من سنة رسول الله تجده يسبح مع العقل أو مع اللغة فيفسر بما تقتضيه اللغة وما يقتضيه العقل؛ فيحيد في كثير من الأحيان عن سنة رسول الله ﵊، ودائماً حجج اللغويين تكون واهية، فقد يأتي بقياس ولكن يؤتى له بقياس أحسن من قياسه؛ فلذلك سنة الرسول تكون ضابطة للمسألة. هذا بالنسبة لمسألة: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨] ، فالأدلة فيها من سنة الرسول ﵊ قليلة وشحيحة، وما تقدم هو رأي بعض أهل العلم، والجمهور على أن الآية: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨] أن ذلك يوم القيامة، وبنوا تأويلهم للواو على ما سمعتموه. ومن أهل العلم من قال: لا يمنع أن تكون الواو واو الابتداء، والله أعلم.

стр. 162

انتقاد الصحيحين السؤال ماذا نقول لمن يضعف حديثاً في صحيحي البخاري ومسلم؟ الجواب تقدم الكلام على ذلك: وهو أن صحيحا البخاري ومسلم قد تلقتهما الأمة بالقبول إلا أحاديث يسيرة جداً انتقدها الحفاظ كـ الدارقطني وغيره، وهي نسبة لا تتجاوز نصف الواحد في المائة، أي: أن تسعة وتسعين في المائة ونصف صحيح ونصف في المائة ضعيف، فإذا كان المنتقد قد أورد حديثاً من الأحاديث المنتقدة، وقال: العالم الفلاني تكلم فيه فله ذلك، لكن إذا تطاول وأدلى برأيه ولم يورد مستنداً بذلك فقوله مردود عليه.

стр. 163

معاملة أصحاب المعاصي السؤال ظاهرة مشهورة بين من يعمل في مجال العلاج بالقرآن، وقد فتن أكثر من مرة وأخذ الناس يتحدثون عنه، فما هو العمل معه؟ الجواب تعامل معه بما يستحق، أي: أن كل شخص له تعامل خاص به.

стр. 164

حكم زيارة أقارب الزوجة في مواسم معينة السؤال ما الحكم فيما يسمى بالمواسم التي يأتي فيها أقارب الزوجة إلى بيت زوجها؟ وما حكم ما يأتون به من مال أو طعام؟ الجواب الأولى ترك هذه المواسم وزيارة البنت في أي يوم، أما المواسم فلم ترد عن رسول الله ﵊ أبداً، ولكن عموم التهادي وارد عن رسول الله ﵊، والتزاور وارد عن رسول الله ﵊. قالت عائشة ﵂: (قد كنا نمكث الشهرين أو الثلاثة في بيت رسول الله ولا توقد في بيوتنا نار، فقيل لها: ماذا كان يعيشكم يا أم المؤمنين؟ قالت: كان لنا جيران وكن نسوة ست وكانت لهم منائح يأتوننا بلبنها) . أو كما قالت رضي الله تعالى عنها. فالتهادي من الجيران أو من الأقارب مشروع ومسنون ومستحب، لكن المواسم والثالث والرابع وكل هذا لم يرد عن رسول الله ﷺ ، فتركه أولى، لكن المال الذي يأتون به حلال.

стр. 165

تفسير سورة النساء [٣٥-٤٢] حرص الإسلام على أن يحفظ كيان الأسرة بكل السبل، وإذا حدث بين الزوجين شجار فقد شرع الصلح، حتى تسير الأسرة إلى بر الأمان. وقد أوصى الله كل الأمم بوصايا فيها النجاة والسلامة إن هم أخذوا بها، وأولى هذه الوصايا توحيد الله ﵎، والإحسان إلى الوالدين إلى آخر تلك الوصايا المهمة، فينبغي علينا ونحن خير الأمم أن يكون لنا القدح المعلى والنصيب الأوفر من الأخذ بها.

стр. 166

الإصلاح بين الزوجين في القرآن بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: يقول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء:٣٥] . قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ ، أي: بين الزوجين. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، فإذا رأى الحكمان أن يفرقا بينهما فرقا، حتى وإن أبى الزوج وإن أبت الزوجة ما اختاره الحكمان المرسلان من قبل القاضي من أن يفرقا بين الزوجين، أو أن يوفقا بينهما ألزما به، وقد أرسل أمير المؤمنين عثمان معاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عباس للإصلاح بين زوجين من قريش أحدهما من أقارب معاوية والآخر من أقارب ابن عباس، ففي طريقهما إلى البيت قال ابن عباس: (لأفرقن بينهما) ، وكان الرجل من أولاد عقيل بن أبي طالب، وكانت المرأة بنت شيبة بن ربيعة، فكانت تفتخر على زوجها أحياناً وتقول مفتخرة بآبائها: (أين الطوال الذين رقابهم كأباريق الفضة ترد أنوفهم قبل أفواههم؟) يعني: تصف أهلها بالشهامة والجمال، فيقول لها ابن أبي طالب: (هما عن يسارك في النار) ، فأرسل إليهما عثمان معاوية وابن عباس بعد أن اشتد الخلاف بينهما، فقال ابن عباس: (لأفرقن بينهما) فقال معاوية: (ما كنت لأفرق بين شيخين من قريش) ، ففي طريقهما إليهما تصالح الزوج والزوجة وأغلقا الأبواب في وجه عبد الله بن عباس ومعاوية واصطلحا فيما بينهما. الشاهد: أن الحكمان لهما أن يفرقا ولهما أن يجمعا إن اتفقا على رأي، ويلزمهما أن يصلحا نياتهما، فالله يقول: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] فقوله: (إن يريدا) ترجع إلى من؟ قال بعض العلماء: ترجع إلى الحكمين. ومن أهل العلم من قال: ترجع إلى الزوجين، وليس هناك قرينة قوية توضح من المراد، ولقائل أن يقول: إنها تعم، فإذا أراد الزوج والزوجة الإصلاح وفق الله بينهما، وإن أراد الحكمان الإصلاح أكرمهما الله بأن يصلحا ذات بين الزوجين. والله تعالى أعلم. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيراً﴾ [النساء:٣٥] . عليماً بنيات الحكمين الذاهبين إلى الإصلاح، خبيراً بشئونهما.

стр. 167

وصايا الله للأمم الأولين والآخرين جاءت آيات محكمة من آيات الكتاب العزيز لم يتطرق إليها النسخ، ومعناها كما قال كثير من أهل العلم: ثابت في كل الشرائع التي تقدمتنا، وهي آية أطلق عليها بعض أهل العلم: آية الوصايا العشر.

стр. 168

الوصية العاشرة: حقوق ملك اليمين قال الله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦] وهم الرقيق، وقد أوصى بهم رسول الله ﷺ حتى لحظة وفاته، فيقول في ساعة وفاته: (الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة وما ملكت أيمانكم) ، وقال ﵊: (إذا ولي خادم أحدكم إصلاح طعامه فليناوله اللقمة واللقمتين) أو كما قال ﵊، وقال ﵊: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديدكم؛ فمن كان أخوه تحت يديه؛ فلا يكلفه ما لا يطيق، فإذا كلفه فليعينه -وفي رواية- فليلبسه مما يلبس ويطعمه إذا طعم) أو كما قال ﵊. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء:٣٦] ، مفتخراً على الناس بما يوليهم ويعطيهم ويسدي إليهم، مختالاً في نفسه فخوراً على غيره.

стр. 169

الوصية التاسعة: حق ابن السبيل ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء:٣٦] فابن السبيل له حق، مثلاً: قد يقابلك رجل سمته حسن، ولكن يقول لك: انقطعت بي السبل، وليس معي من المال ما يوصلني إلى بلدي، فليس من مهمتك أن تفتش، وتقول: هات بطاقتك الشخصية، وتجري معه تحقيقاً حتى تعطيه المال، فلابن السبيل حق ثابت في كتاب الله وفي سنة رسول الله، بل هو من مصارف زكوات الأموال.

стр. 170

الوصية السابعة: حق الجار الجنب قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦] ولم يقل: الجار الجنب المسلم، ولا الجار ذي القربى المسلم، فالنص عام، وقال النبي ﷺ : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن -أقسم ثلاثة أيمان بالله أنه لم يؤمن- قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه) ولم يذكر الجار المسلم أو غير المسلم، والله لا يؤمن ثلاث مرات يقسمها رسول الله على (الذي لا يأمن جاره بوائقه) ، وعظم النبي ﷺ أمر الزنا وشنع على فاعله، ولما جاء إلى الزنا بحليلة الجار كان التشنيع أعظم، فذكره في عظائم الكبائر، قال: (أن تزني بحليلة جارك) مع أن كل الزنا حرام، لكن لأنك انتهكت حرمتين: حرمة الفرج المحرم، وحرمة الجار فكان التغليظ أشد. قال الله : ((وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ)) [النساء:٣٦] قال بعض العلماء: الجار الجنب هو الجار الذي لا تربطك به قرابة.

стр. 171

الوصية الثامنة: حق الصاحب بالجنب قال الله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء:٣٦] قال كثير من أهل العلم: إنه الرفيق في السفر، فالرفيق في السفر له حق عليك، وقد ذكر العلماء مروءات الصحبة في السفر، فقالوا: من مروءات السفر: بذل الزاد للإخوان. يعني: إذا سافرت مع شخص فإن كرمك ومروءتك تظهر إذا كنت تطعم هؤلاء الإخوان الذين معك في السفر، وقلة الخلاف معهم؛ فإذا كنت مسافراً فلا تكثر الخلاف على إخوانك الذين تسافر معهم، وكثرة المزاح في غير مساخط الله ، فذكر أهل العلم: أن من مروءات السفر هذه الأشياء الثلاثة؛ لأن النبي ﷺ قال: (السفر قطعة من العذاب، فإذا قضى أحدكم نهمته فليرجع إلى أهله) وفي رواية: (فإنه أعظم لأجره) وقد كان أنجشة العبد الحبشي يحدو ويغني لإبل رسول الله في أثناء السفر حتى كانت الإبل تسرع إسراعاً شديداً، فيقول له النبي ﷺ : (ويحك يا أنجشة! رفقاً بالقوارير) ، فمن مروءات السفر: كثرة المزاح في غير مساخط الله، وقلة الخلاف، وبذل الزاد للإخوان. ومن مروءات الحضر: كثرة اتخاذ الإخوان الصالحين، وعمارة المساجد، يعني: كثرة المكث في المساجد وكثرة ذكر الله . لقد أوصى الله بالصاحب في السفر في قوله: ((وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)) .

стр. 172

الوصية الخامسة: الإحسان إلى المساكين قال الله: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء:٣٦] قد يطلق على الرجل مسكين وهو يمتلك أشياء، فقد يكون للرجل سيارة أجرة يتكسب عليه وهو مع ذلك في عداد المساكين إذا كان دخل التكسي لا يكفيه هو وأسرته. ودليل ذلك من الكتاب والسنة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] الشاهد: أنهم مع كونهم يمتلكون سفينة إلا أنهم أطلق عليهم أنهم مساكين، وكذلك قد يكون لشخص فلاح قطعة من الأرض تقوم بمائة ألف، ومع ذلك هو مسكين؛ لأن دخل الأرض لا يكفي القيام على أسرة مكونة من عشرة أو ثمانية أفراد، فيدخل في عداد المساكين الذين تحل لهم زكوات الأموال.

стр. 173

الوصية السادسة: حق الجار ذي القربى قال الله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦] والجار أيضاً له حق، (والجار ذي القربى) يعني: الجار الذي تربطك به قرابة، ويربطك به دين وتربطك به جيرة، وكم حد الجيرة؟ من أهل العلم من يقول: إن الجار إلى أربعين باباً، والحديث بهذا لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وفي الحقيقة أن الجيرة أمر نسبي، فأنت مثلاً هنا في المنصورة تقول على الذين هم في شارعك جيران، إذا خرجت إلى القاهرة وسئلت: من أين أنت؟ تقول: أنا من المنصورة، وإذا رأيت شخصاً من المنصورة تقول: هو جاري، وإن كان بينك وبينه مسافات طويلة، إذا كنت في البرازيل أو استراليا وعرفت شخصاً من مصر أو من الشرق الأوسط قلت له: نحن من بلاد واحدة، فالأمر في الجيرة أمر نسبي، ورب العزة يقول: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠] فأطلقت الجيرة هنا على كل أهل المدينة. وقد جاءت النصوص عن رسول الله ﷺ في الحث على إكرام الجار، والنصوص التي أتت في الحث على إكرام الجار لم تقيده بالجار المسلم، فعلى ذلك إذا كان جارك يهودياً أو نصرانياً يلزمك الإحسان إليه كذلك، مادام ليس محارباً لك، قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] .

стр. 174

الوصية الرابعة: الإحسان إلى الأيتام قال الله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ [النساء:٣٦] فاليتيم له حق، وحقه الإكرام، كما قال تعالى ناقماً على قوم: ﴿كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر:١٧] ، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩] واليتيم: من مات أبوه، أما من ماتت أمه فلا يطلق اليتم عليه اصطلاحاً، إنما اليتيم: من مات أبوه ولم يبلغ الحلم، فإذا كان قد بلغ الحلم أو أنزل فلا يعد يتيماً. وكذلك الإحسان إلى اليتامى ليست من وصايا الإمام حسن البنا ﵀، وهذا ليس انتقاصاً أبداً، إنما هو بيان كيف تؤخذ الأمور، والبشر تفوتهم أشياء، ولكن رسولنا محمد ﵊ لا ينطق عن الهوى، فأحياناً العالم يقول كلمة تكون مناسبة وموائمة في زمانه ولكنها لا تصلح للزمان الذي بعده؛ فالإمام أحمد مثلاً كان يقول في أهل البدع: (بيننا وبينهم الجنائز) أي: إذا متنا نحن وماتوا هم فانظروا كم سيحضر جنائزنا وكم سيحضر جنائزهم؟ هذه المقالة كانت موفقة في زمن الإمام أحمد فالناس كانوا يحبون السنة، أما لما مات جمال بن عبد الناصر كم حضر جنازته؟ ملايين من البشر ومنهجه سني، ولكن انظر إلى الخميني لما مات وهو شيعي رافضي كم حضر جنازته؟ فالعبرة دائماً بحديث رسول الله ﵊، فهو لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 175

الوصية الثالثة: حقوق ذوي القربى قال الله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦] فالأقارب أيضاً لهم حقوق كما أن الأبوان لهم حقوق، وقد قال النبي ﷺ : (إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المتقون؛ إلا أن لهم رحماً سأبلها ببلالها) أي: أصلها بصلتها، ومعنى هذا الحديث: أن لهؤلاء الناس الذين ذكروا رحم سأبلها ببلالها، ومعنى سأبلها ببلالها كما قاله الشراح: أن الرحم كجلد الشاة اليابس، فجلد الشاة بعد أن تذبح يكون يابساً وإذا بل بالماء لان في يدك، فكذلك الأقارب إذا لم يبلوا ويوصلوا أصبحوا عسرين في يدك، فإذا جئت تعرض عليهم رأياً لم يقبلوا لك رأياً، لكن إذا وصلتهم بالهدايا والكلمات الطيبة لانوا في يديك وأصبحت تحركهم كيفما شئت، تخيل أن لك قريب تهدي له وتصله وإذا مرض عدته، تخيل كيف يكون في يديك إذا أمرته بأمر؟ سيكون ليناً مطيعاً. أما من لا تصله ولا توده ولا تهدي إليه، تخيل أنك ذهبت تطلب منه شيئاً أو تأمره بأمر؟ فيكون شاقاً عليك وصلباً في يديك. وينتبه أيضاً أن لذي القربى حق وإن كان مشركاً كافراً بالله، فقد جاءت أسماء إلى رسول الله وقالت: (يا نبي الله: إن أمي أتتني وهي راغبة -أي: وهي مشركة- أفأصل أمي يا رسول الله؟ قال: نعم صلي أمك) فللأقارب حق وإن كانوا أهل شرك، فرب العزة يقول: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:٢٦] ، فدل ذلك على أن القريب له حق، وهذا الحق ما تعارف عليه الناس وما تعارف عليه علماء المسلمين في عهد الرسول ومن بعد عهد الرسول ﷺ .

стр. 176

الوصية الثانية: الإحسان إلى الوالدين قال الله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] ، أي: أحسنوا إلى الوالدين إحساناً، وتقدم أن الأمر بالإحسان إلى الوالدين يأتي في كثير من الآيات والأحاديث عقب الأمر بعبادة الله، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] ، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام:١٥١] ، وقول النبي ﷺ : (أي الذنب أعظم يا رسول الله؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) ، وقوله ﵊: (أي الأعمال أحب إلى الله يا رسول الله؟ قال: الصلاة على وقتها، ثم بر الوالدين) . فالأمر بالإحسان إلى الوالدين تظافرت عليه نصوص الكتاب والسنة، وقد قال النبي ﷺ ذات يوم لما صعد إلى المنبر: (رغم أنف امرئ، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: رجل أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة) ، ولا يخفى عليكم أن عيسى ﵊ من أول الكلمات التي تكلم بها في المهد أن قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٢] بعد قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٠-٣٢] ، وقال سبحانه في شأن يحيى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:١٤] ، ولا يخفى عليكم أن أحد الثلاثة الذين انسدت عليهم الصخرة في الغار وتوسل كل واحد منهم إلى الله بصالح عمله فقال أحدهم: (اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أذهب وأحلب لهما غبوقهما، وإنه نأى بي المرعى يوماً فرجعت إليهما وقد ناما والحلاب في يدي -القدر الذي به اللبن- فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند قدمي من الجوع -يعني: الصبية يتلوون من الجوع عند رجله وهو لا يريد أن يوقظ أبويه ويزعجهما من النوم ويكره أن يسقي الأولاد قبلهما فبقي كذلك طول الليل حتى طلع الفجر- اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه) ففرج الله عنهم بعض ما هم فيه. ولا يخفى عليكم أيضاً أن أم جريج استجيبت دعوتها على ولدها إذ نادته وهو يصلي فلم يجبها وما منعه من إجابتها إلا الصلاة؛ إذ نادته فقالت: يا جريج! فقال: يا رب أمي وصلاتي، ثم أتته في اليوم الثاني والثالث وقالت: يا جريج! قال: يا رب أمي وصلاتي، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات -أي: الزواني عياذاً بالله- فما مات حتى جاءته امرأة بغي من بغايا بني إسرائيل، اتفق معها بنو إسرائيل على أن تفتن جريجاً، فقالت لهم: إن شئتم فتنت جريجاً، قالوا لها: افعلي، فذهبت تطلب منه الزنا فأبى، فذهبت إلى راع فمكنته من نفسها فزنى بها وحملت وولدت، وجاءت قومها بالولد، فقالوا لها: ممن هذا؟ قالت: من جريج، فأتوا إلى صومعته وأهانوه وضربوه ودمروا صومعته، فاستجيبت دعوة أمه إلا أن الله أكرمه ونجّاه؛ لأنه كان في صلاة، فقال: أين الغلام؟ فأتي به، فقال: يا بابوس! من أبوك؟ قال: أبي هو الراعي، فأكرموه وبنوا له صومعته، وقالوا: إن شئت أن نبنيها من ذهب بنيناها، فقال: لا، ولكن من طين كما كانت. الشاهد: أن دعوة أمه استجيبت؛ لذا جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣] ، فإذا كان هناك رجل يؤذي والديه: يضربهما أو يسبهما، فهو أخطر وأجرم من رجل يسرق أموال الناس، فالعاق أشد جرماً من هذا السارق؛ لأن النبي ﵊ قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور) . فالذي يؤذي والديه أشد إثماً وجرماً من اللص الذي جلس يقطع الطريق ويسرق الناس، وليس معنى هذا تسهيل السرقة ولكن بيان جرم العقوق. أضف إلى ما سبق أن العلماء بوبوا بباب: إذا طلب الأب من ولده أن يطلق زوجته هل يطلقها؟ في المسألة تفصيل: ففي قصة عمر قال عبد الله بن عمر: (كانت تحتي امرأة وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال لي: طلقها، فأبيت فذهب إلى رسول الله. فقال النبي ﷺ : طلقها، فطلقتها) وجاء الخليل إبراهيم إلى زوجة ابنه إسماعيل فلما رأى منها عدم شكر نعم الله عليها، ورأى منها تسخطاً، قال لها: إذا جاء إسماعيل فأخبريه أن شيخاً كبيراً جاء إليه وهو يقرؤه السلام، ويقول له: غير عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل وأخبرته، قال: هذا الشيخ أبي، وأنت عتبة الباب، وأنت طالق، الحقي بأهلك. فأخذ منها بعض الفقهاء: أن الأب إذا أمر ولده بتطليق زوجته فطلقها، لكن محل ذلك إذا كان الأب صالحاً، والباعث له على التطليق أمر شرعي، أما إذا كان الأب فاجراً أو فاسقاً ويأمر بطلاق المرأة لدينها؛ فرب العزة يقول: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] ، وكذلك الأم؛ إذ قال النبي ﷺ في شأنها لما سئل: (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) ، فكذلك الحكم بالنسبة للأم. قال الله جل ذكره: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) [النساء:٣٦] فهذه وصايا، ولأن البشر يخطئون ويصيبون لم نجد في الوصايا العشر للإمام حسن البنا الأمر بالإحسان إلى الوالدين مثلاً، فدل ذلك على أنه لا تعتمد إلا وصايا ربنا ووصايا نبينا محمد ﷺ ، ومن شاء أن يوصي فليوص، لكن لا تكون وصاياه شرعاً متبعاً عاماً لكل الناس يتعبد بها ويتغنى بها في التمثيليات والمسرحيات والمجالس والملاهي؛ فكل بشر يخطئ ويصيب. وقد أراد الخليفة العباسي ﵀ أن يجمع الناس على موطأ الإمام مالك، ويلزمهم بذلك، من هو الإمام مالك؟ مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، لكن من شدة إنصاف الإمام مالك وحرصه قال: يا أمير المؤمنين! إن الناس قد جمعوا أشياء لم نقف عليها، ووقفوا على أمور لم نقف عليها، فدع الناس ولا تلزمهم باتباع الموطأ ولا غير الموطأ. وكانت كلمة موفقة منه رحمه الله تعالى.

стр. 177

الوصية الأولى: عبادة الله وحده لا شريك له قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦] ، وفي سورة الأنعام قال الله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] ، هذه هي الوصايا العشر لا وصايا الإمام حسن البنا ﵀، فـ حسن البنا وصاياه ليست شرعاً يتدين به، فهو يصيب ويخطئ، ويجهل ويعلم رحمه الله تعالى. وحسبنا كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن كانت ثمّ وصايا لبعض البشر فلتكن وصايا أصحاب رسول الله قبل وصايا الإمام حسن البنا، ولتكن وصايا التابعين وهم خير القرون بعد الصحابة خير من وصايا حسن البنا ﵀، ولتكن وصايا الأئمة كـ الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة ﵏ قبل وصايا الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى، وليس في هذا انتقاص له ولكنه تنزيل للأمور منازلها، فالنبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويظهر فيهم السمن) أو كما قال النبي ﷺ ، خاصة وأن هذه الوصايا التي ذكرت عن الإمام حسن البنا ﵀ ليست وصايا في مسائل نازلة، إنما هي مسائل قديمة، مثلاً: من الوصايا في حديث الرسول ﵊: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) ، لكن هل هذه الوصية تعد من أصول الدين أم أن هناك أشياء أخرى أولى منها وقبلها؟ لا شك أن هناك أمور أخرى أولى منها وقبلها، وهي المذكورة في هذه الآيات. فالشاهد: أننا لا نتدين بوصايا إلا وصايا رسولنا محمد ﵊، وكتاب ربنا بين أيدينا هو حسبنا مع سنة نبينا ﵊، وإن كان ولابد من وصايا فوصايا الأئمة المهديين خير القرون أولى من غيرهم، والله أعلم. فأول وصية من هذه الوصايا العشر: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام:١٥١] هذه أصل الوصايا وأصل الدين، بل أصل الأديان كلها منذ أن خلق الله آدم إلى نبينا محمد ﵊، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فهذه أولى الوصايا، وقد قال النبي ﵊ لـ معاذ بن جبل عالم الصحابة بالحلال والحرام، قال: (يا معاذ! هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله إن هم فعلوا ذلك ألا يعذبهم) فمن ثم كان الأمر بعبادة الله أصل الوصايا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فهذا أصل الدين. وقد بين النبي ﷺ في جملة أحاديث أن من عمل عملاً أشرك فيه أحداً مع الله تركه وشركه، قال الله سبحانه في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فهل المراد بقوله: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الرياء، أو نفي الشريك مطلقاً سواء كان الرياء أو عبادة آلهة آخرى مع الله؟ الآية عامة، فتنفي الشركاء لله وتنفي أيضاً التوجه بالأعمال إلى غير الله ، فيدخل فيها الرياء كما يدخل فيها عبادة آلهة مع الله، والرياء لا يكاد ينجو منه شخص؛ فمن ذلك: ما روي عن أبي عبد الله المروزي وسأله سائل: متى دخلت البصرة يا أبا عبد الله؟ قال: دخلتها منذ عشرين سنة وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، فقال له القائل: سألتك عن مسألة واحدة وأنت أجبتني عن مسألتين، فلماذا أجبت عن مسألة لم أسألك عنها؟ فكأنه أشار إليه أن ما ذكرته أنت يا أبا عبد الله حين قلت: وأنا منذ ثلاثين سنة صائم، فيه نوع من العجب والرياء والتكاثر. والله أعلم. كما تقول لقائل: صلاتك حسنة، فيقول لك: وأنا مع ذلك صائم والحمد لله، نعم أنت صائم ولكن لله، وأنا ما سألتك عن الصيام! وكما يحدث أيضاً لأهل العلم عندما يلقي محاضرة أو خطبة جمعة وتكون جيدة موفقة فيقول: ومع ذلك لم أحضر الخطبة، فتقول: ما سألناك عن تحضيرك للخطبة أو عدم تحضيرك! فاجعل نيتك لله ، وهذه دقائق أمور ينبغي أن يلتفت إليها العاملون لله حتى لا تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون، ويستشف هذا من نور الله بصيرته وزين قلبه بزينة الإيمان.

стр. 178

ذم البخل في الكتاب والسنة قال الله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُون﴾ [النساء:٣٧] البخل أنواع: النوع الأول: بخل بالزكوات المفروضة؛ فالذي يبخل بالزكاة المفروضة عليه في ماله يقول عنه النبي ﷺ : (من آتاه الله مالاً ولم يؤد زكاته؛ مثّل له يوم القيامة شجاع أقرع يتبعه وهو يفر منه فيلتفت إليه فإذا هو يتبعه، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا كنزك أنا مالك، وهو يفر منه ولا يستطيع الفرار، ثم يمد يده إليه فيقضمها كما يقضم الفحل) يعني: ثعبان عظيم يتبع مانع الزكاة، ويجري خلفه ويلاحقه ويطارده، وهو يقول: من أنت؟ فيقول: أنا مالك أنا كنزك، حتى يعطيه يده فيقضمها كما يقضمها الفحل، عياذاً بالله. قال النبي ﷺ : (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته صفحت له صفائح من نار فيكوى بها وجهه وجبينه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) ، وقال النبي ﷺ أيضاً: (ما من صاحب إبل لم يؤد زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر؛ فتطؤه بأخفافها وقرونها وأظلافها، فإذا مرت عليه أولاها مر أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم ينظر بعد ذلك مقعده من الجنة أو مقعده من النار) ، هذا بالنسبة للبخل بالزكاة المفروضة. النوع الثاني: البخل بالصدقات؛ يقول النبي ﷺ : (ما من يوم تطلع عليه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) ، يعني: يدعو على الممسك بأن يتلف الله أمواله. وهناك صور أخرى للبخل: كالبخل بالسلام، قال النبي ﷺ : (أبخل الناس من بخل بالسلام) لأن السلام لن يكلفك شيئاً. ومنه: البخل بالصلاة على النبي ﵊، قال ﵊: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي) وجاء بنوا عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال: (من سيدكم يا بني عمرو؟ قالوا: الجد بن قيس على أننا نبخله يا رسول الله، قال: وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم فلان) ، ووصف لهم سيداً آخر ليس ببخيل. قال الله: ((الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ)) . أي: لا يقف بخلهم على أنفسهم بل ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧] وقوله: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ : محتمل أنهم يكفرون بنعم الله عليهم، أو يخفون نعم الله عن الفقراء، كما تواطأ أصحاب الجنة الذين ذكروا في سورة القلم: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧-١٨] ، فإظهار نعم الله يطلب أحياناً، فمثلاً: من حق الإبل أن تحلب في المكان الذي تشرب فيه الإبل الماء، ويعطى للفقير وللمسكين من لبنها.

стр. 179

إنفاق الأموال في مصارف الخير قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٣٨] أي: طلباً لإظهار معروفهم أمام الناس. ما حكم إظهار المعروف الذي يصنعه الشخص أمام الناس؟ قد يكون ذلك الإظهار أحياناً رياءً محرماً، وقد يكون أحياناً سنة مستحبة، وقد يكون الإخفاء أحياناً أعظم أجراً وثواباً، وكل ذلك مترتب على النية والملابسات المحيطة بالصدقة، فإذا كنت تتصدق وتظهر صدقتك طلباً لنيل الثناء والحمد من الناس فهذا حرام، وإذا كنت تريد بإظهار صدقتك تشجيع الناس على الصدقة فهذا حسن، فالنبي ﷺ لما حث أصحابه على الصدقة وقام رجل وتصدق وتبعه الناس، قال النبي ﷺ : (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) ، وإذا لم يكن ثم هذا ولا ذاك، فالإخفاء أفضل، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٧١] . قال الله في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا) [النساء:٣٨] صديقاً ومحاسباً، (فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨] فبئس القرين، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨] . ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٣٩] أي: ما يضرهم إذا آمنوا بالله واليوم الآخر، ﴿وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٩] . ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] فهذه الآية خبر يقتضي الحث على فعل الخير، فالله يخبر أنه لا يظلم مثقال ذرة، والمراد من هذا الخبر: التشجيع على فعل الخير، فإذا كان الله لا يظلم مثقال ذرة فبادروا بالصدقات وفعل المعروف. ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠] .

стр. 180

شهادة أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء:٤١] يشهد على هذه الأمة. ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] ، وعند هذه الآية بكى رسول الله ﷺ لما تذكر أنه سيأتي شهيداً على أمته الذين يكذبونه، فقال رسول الله ﷺ لـ عبد الله بن مسعود: (اقرأ علي القرآن، قال: أأقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله؟) وفيه دليل: على أن الفاضل قد يستمع من المفضول، (فقرأ ابن مسعود من سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١-٤٢] فبكى النبي ﷺ وذرفت عيناه، وقال لـ ابن مسعود: حسبك) ، وهنا أخذ بعض العلماء: أن توقيف القارئ يكون بقولنا له: حسبك، كما قال الرسول لـ ابن مسعود، أما إتباع كل قراءة بصدق الله العظيم فليس هذا بلازم، بل ليس بوارد عن رسول الله ﵊، وإن كان الله هو أصدق القائلين ولا يشك في ذلك إلا كافر، لكن اتباع الهدي خير للعبد وأقرب إلى الله . قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] ، فيشهد الرسول ﷺ لأمته شهادات خاصة أحياناً وشهادات عامة أحياناً أخرى، فالرسول ﷺ في آخر حياته ذهب إلى قتلى أحد فصلى عليهم كالمودع لهم وقال: (اللهم إني شهيد عليهم) . وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ من الأعراب فأسلم واتبعه، وجاهد معه، وأرسل إليه النبي ﷺ قسطاً من المغانم، فرد الرجل المغانم إلى رسول الله وقال: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذا قسمك ونصيبك من المغانم، قال: والله يا رسول الله ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أقاتل معك فيأتيني سهم فيدخل من هاهنا -وأشار إلى رقبته- ويخرج من هاهنا فأدخل الجنة، فقال النبي ﷺ : إن يصدق الله يصدقه، فخرج إلى القتال فأصيب بسهم في الموضع الذي أشار إليه بإصبعه وخرج من الجانب الذي أشار إليه، فأتي به إلى النبي ﷺ فقال: صدق الله فصدقه الله ، ثم دفنه وقال: هذا عبدك خرج مجاهداً في سبيلك، اللهم إني شهيد عليه) . وكما أن هناك شهادات خاصة من رسول الله ﷺ لبعض أصحابه، فهناك شهادات منه ﵊ لعموم أمته، فيشهد لعموم الأمة بأنهم شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فيأتونه غراً محجلين من آثار الوضوء، ولذلك يقول النبي ﵊ لعمه أبي طالب: (يا عمي! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك بها عند الله) وفي رواية: (أشهد لك بها عند الله فلم يقل هذا أبو طالب ومات على الكفر بعد أن قال: هو على ملة عبد المطلب، فالرسول يكون شهيداً على أمته، وكل نبي يشهد على أمته، وأمة محمد ﷺ تصدق النبيين، قال رسول الله ﷺ : (يقول الله لنوح يوم القيامة: يانوح! هل بلغت؟ يقول: نعم يارب، فيقول الله لقومه: هل جاءكم من ندير؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول لنوح: من يشهد لك يا نوح؟ فيقول: محمد وأمته، فتقوم أمة محمد ﷺ تشهد لنوح بأنه قد بلغ قومه) تصديقاً لكتاب الله وتصديقاً لما أخبر نبي الله، وفي هذا يقول تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣] . ثم قال الله تعالى يصف عصاة الرسل عليهم الصلاة والسلام: ((يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)) [النساء:٤٢] .
следующие страницы →