Полный текст (2 242 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
تفسير قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى .)
ثم قال الله سبحانه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) ، أي: أعطى المال وأنفقه في سبيل الله، (وَاتَّقَى) ، أي: واجتنب محارم الله ولم يقع فيها، (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) ، والحسنى لأهل العلم في تفسيرها هنا ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المراد بالحسنى: الجنة، والذين قالوا هذا القول استدلوا بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] .
القول الثاني: أن المراد بالحسنى: قول: لا إله إلا الله، أي: من صدق بالتوحيد.
القول الثالث: المراد بالحسنى: التصديق بوعد الله بأنه سيخلف على المنفق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] ، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان، يقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً) ، فللعلماء ثلاثة أقوال في تفسير الحسنى: أحدها: أن المراد بالحسنى: الجنة.
والثاني: أن المراد بالحسنى: لا إله إلا الله.
والثالث: أن المراد بالحسنى: وعد الله بالإخلاف على المنفق.
(فَسَنُيَسِّرُهُ) ، أي: سنهيئه ونوفقه، (لِلْيُسْرَى) ، أي: لعمل الخير.
стр. 2102
تفسير قوله تعالى: (وأما من بخل واستغنى .)
قال الله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) ، بخل بالمال وامتنع عن إنفاقه في أوجه الخير، (وَاسْتَغْنَى) عن ربه !! (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) * (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ، أي: سنوفقه ونهيئه لعمل الشر، قال علي ﵁: (كنا مع النبي ﷺ في جنازة في بقيع الغرقد، فجلس وجلسنا حوله، وكان معه عود ينكت به، فقال ﵊: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو مقعده من النار، فقلنا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ) .
وفي الصحيحين (أن شاباً أو شابين من الأنصار -كما في بعض الروايات- أتيا إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! أرأيت العمل الذي نعمل فيه، أهو عمل مستأنف أم عمل طويت عليه الصحف، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير؟ قال: بل تعملون عملاً طويت عليه الصحف وجفت به الأقلام وجرت به المقادير، فقالا: يا رسول الله! ففيم العمل إذاً؟ قال: اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ) .
стр. 2103
تيسير الله لمن سلك طريق الهداية
وهذه الآيات تفيد أن الشخص إذا سلك طريق الهداية يزيده الله هدىً، وإذا سلك طريق الغواية فتحت له أبواب الغواية كذلك، ففيها أن الشخص إذا التمس أسباب الخير سهلها الله عليه، وإذا التمس أسباب الشر والفساد فتحت له هذه الأبواب -والعياذ بالله-، فالشخص يقدم شيئاً من الخير ثم ييسر الله له أموره إذا اقترب من الله، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: (وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً) ، وفي هذا المعنى عدة آيات وعدة أحاديث عن رسول الله ﷺ كلها تؤكد أن الشخص إذا سلك طريقاً أُعين على هذا الطريق الذي سلكه، فمثلاً رب العزة يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] ، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ، وتقدم قول الله في شأن موسى ﵊: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٧] ، وأحاديث النبي ﷺ في هذا الباب كثيرة، يقول ﵊: (من يتصبر يصبره الله، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله) ، وكتوضيح يسير لذلك، مثلاً: أنت إذا قمت تصلي من الليل ركعتين لله، الفرش دافئ، والزوجة بجوارك حسناء، وسمعت الصارخ قبل الفجر بساعة أو أقل أو أكثر، وتريد أن تقوم إلى الصلاة، والقيام عليك في غاية المشقة، ولكنك استعنت بالله ، وتقويت به سبحانه، وتجافيت عن الفراش، وقمت واستعنت بالله وصليت ركعتين، فتذوق طعم هذه الطاعة، وكلما تذكرتها في النهار حمدت الله، وصدرك منشرح لها، وإذا وقعت في كربة في النهار تذكرت أنك قمت من الليل وصليت ركعتين لله، فتتوسل بهاتين الركعتين إلى الله، تأتي الليلة الثانية فتتذكر حلاوة الطاعة فيكون القيام عليك أيسر من القيام في الليلة السابقة، وإذا استمر بك شهراً على هذا المنوال يصبح قيام الليل عندك في غاية اليسر، يصبح على قلبك يسيراً خفيفاً بإذن الله ، ييسره الله عليك غاية التيسير، فتكون عادة لك إذا سمعت الصارخ قمت تلقائياً، كأنك تقوم لعملك، وأنت متلذذ بهذه الطاعة.
جرب طاعة أخرى، صلِ الفجر في جماعة، ثم امكث في مكان صلاتك يوماً إلى طلوع الشمس، تذكر الله، وتأتي بأذكار الصباح، وتتلو ما تيسر لك من كتاب الله، في أول يوم العمل عليك شاق غاية المشقة، وفي اليوم التالي ييسر عليك العمل شيئاً ما، وبمرور الأيام -بتوفيق الله- يصبح عليك الجلوس في المصلى إلى طلوع الشمس في غاية السهولة واليسر، وإذا قلت لرجل آخر: تعال معي نجلس من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، فكأنك تسجنه سجناً، بينما يكون العمل عليك في غاية اليسر، يأتيك ضيف مثلاً، فيبيت عندك، وأنت متعود أن تصلي الفجر وتمكث في المصلى إلى طلوع الشمس، فالضيف صلى معك الفجر، ثم قلت له: أنا أريد أجلس في المصلى إلى طلوع الشمس، يصاب بهم ما بعده هم، كأنك ضربته ضرباً مبرحاً؛ لأنه سيجلس إلى طلوع الشمس!! وأنت بسلوكك لهذا الطريق، واستمرارك عليه جعله الله يسيراً عليك بإذن الله، وهو لابتعاده عن هذا الطريق جعله الله شاقاً عليه في غاية المشقة، وهكذا كل الطاعات.
صم يوم الإثنين والخميس، أول إثنين وأول خميس تصومهما في غاية المشقة، تقول: أجوع، أنا لا أصبر إذا تأخر الغداء نصف ساعة، وأعمل مشكلة مع الزوجة في البيت، فكيف أصوم الإثنين والخميس؟ لكن جرب واصبر أول أمرك، فيسهل عليك بعد ذلك هذا الصيام، ويكون لك دأباً، وتكون تلقائياً تصبح كل يوم إثنين وأنت صائم، وكل يوم خميس وأنت صائم، بدون أي مشقة، وبدون أي تعب، وبدون تكلف، وبدون إرهاق، فمن سلك طريق الطاعات يسرها الله له، وكذلك الإعطاء كما في هذه الآية: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) أعط الناس، قد يكون الإعطاء عليك في أول يوم شاق، تخرج جنيهاً من جيبك كأنك تقطع من جلدك شيئاً وأنت تتصدق به، تقول: أنا أولى، أشتري بالجنيه كيلو سكر أو أي شيء، فكأنك تقطعه من جلدك، لكن إذا استمريت على هذه الطاعات تشعر بعد ذلك بأنك تفعل الطاعات وأنت في غاية السعادة والانشراح، وتشعر أن الله يبارك لك في صحتك، وأن الله يدفع عنك بلايا كانت ستحل بك وبنيك، ترى أبناء إخوانك عند الأطباء وفي المستشفيات وأنت مبارك لك في مالك وفي ولدك، فتحمد الله وتشكر الله.
فالشاهد: أن من سلك طريق الهداية فتح الله له أبوابها، ووفقه الله لها وسهلها عليه، قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) * (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) * (فَسَنُيَسِّرُهُ) ، أي: سنهيئه ونوفقه لعمل الخير، ونهديه للطريق اليسرى السهلة السمحاء، (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) * (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) * (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ، وهذا الذي ييُسر للعسرى.
стр. 2104
تفسير قوله تعالى: (وما يغني عنه ماله إذا تردى)
قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١] ، (تردى) أي: سقط، سقط في جهنم، هذا المال الذي جمعه ولم ينفقه في الطاعات لا يغني عنه كما قال هو بنفسه في الآية الأخرى فيما حكى الله عنه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨-٢٩] ، وكما قال سبحانه في الآية الثالثة: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ﴾ [الهمزة:٢-٣] ، أي: يظن، ﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة:٢-٦] ، فهو سينبذ في الحطمة، أي: في النار الموقدة، وماله سيقذف به أيضاً معه في الحطمة.
فهنا يقول تعالى: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ) ، أي: الذي بخل به، (إِذَا تَرَدَّى) ، أي: إذا سقط في النار، فالمال ليس بنافع صاحبه يوم القيامة، قال النبي ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله -يعني: إلى القبر- فيرجع اثنان، ويبقى واحد) ، يتبع الميت المال والأهل والعمل، فيدخل مع الميت في القبر العمل، ويرجع المال والأهل، يبقى واحد، ويرجع اثنان، العمل هو الذي يصاحب صاحبه إلى القبر، ويرجع المال ويرجع الأهل، فالمال لا ينفع صاحبه إلا مع إيمان، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧] ، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ [الأنعام:٧٠] ، أي: بالقرآن، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام:٧٠] ، أي: تحبس نفس، ﴿بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام:٧٠] ، يعني: إن تقدم كل فدية، ﴿لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام:٧٠] .
стр. 2105
تفسير قوله تعالى: (إن علينا للهدى)
قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] ، أي: علينا أن نبين للناس طريق الهداية، وطريق الغواية كذلك يبينه الله للعباد، ولكن حذف لدلالة السياق عليه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] ، أي: وتقيكم البرد، وفهم أنها تقينا البرد من كونها تقينا الحر، وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] ، أي: ونساءً كثيراً كذلك، فقوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) ، أي: وإن علينا أيضاً بيان طريق الضلالة كذلك، كما قال تعالى في الآية الأخرى، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] ، وكما قال في الآية الثالثة: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، يعني: بينا له الطريقين.
وقوله سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: إن علينا أن نبين لخلقنا طريق الهداية وطريق الغواية، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] ، فهذا هو القول الأول.
القول الثاني: إن هداية الناس مردها إلينا لا إلى غيرنا، فلا يملكها إلا الله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠] ، وكما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] ، وكما قال أهل الإيمان: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] ، وكما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] ، فهذا هو القول الثاني، (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) أي: إن أمر الهداية وكذلك أمر الغواية موكول إلينا نحن، ولا يستطيعه نبي ولا ملكٌ ولا بشرٌ ولا أي خلق، إنما مرده إلينا، والمراد بالهداية: هداية التوفيق، أما هداية الدلالة، فقال الله عنها: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فهذه هداية الدلالة، أما هداية التوفيق فمردها إلى الله وحده، لم يملكها نوح لولده، ولا إبراهيم لأبيه، ولا نوح ولا لوط لزوجتيهما، ولا نبينا محمد ﵊ لعمه، ولا يملكها أحد، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ﴾ [الليل:١٢-١٣] ، أي: للدار الآخرة، (وَالأُولَى) ، أي: الحياة الدنيا.
стр. 2106
تفسير قوله تعالى: (فأنذرتكم ناراً تلظى)
قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] ، أي: تتوهج وتتلهب وتشتعل وتتوقد، (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى) ، أي: حذرتكم من هذه النار المتوهجة الملتهبة المتقدة.
(لا يَصْلاهَا) ، أي: لا يدخلها فيصلى بحرها ﴿إِلَّا الأَشْقَى﴾ [الليل:١٥] ، والأشقى هنا هو: الكافر والمشرك، فإن قيل: هل هذه النار لا يصلاها إلا الكافر؟ هل هناك مسلمون يدخلون هذه النار أو ليس هناك مسلمون يدخلون هذه النار؟ قد يقول قائل: إن قوله: (لا يَصْلاهَا) ، أي: لا يدخلها (إِلَّا الأَشْقَى) ، وهو -كما قلتم- الكافر أو المشرك، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١] ، فهي معدة للكفار، فهل النار يدخلها أحد من المسلمين؟
الجواب
نعم، هناك مسلمون يدخلون النار، قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ فذكر أن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار) ، وهذا وهو مسلم! وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣٠-١٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨] ، فهناك مسلمون يدخلون النار، فكيف -إذاً- نوجه قوله تعالى: (لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى) ؟ للعلماء في هذا أجوبة: الوجه الأول من هذه الأجوبة: أن النار نيران، وليست ناراً واحدة، وهي دركات، فهناك نار معدة للكافرين، ونار أقل منها معدة للمسلمين العصاة الذين لم يتب الله عليهم لجرائمهم، فهم يدخلون النار مدداً ثم يخرجون منها إلى الجنان على ما ورد في حديث الرسول ﷺ ، فهذا هو الوجه الأول.
الوجه الثاني: أن المراد بقوله: (لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى) ، أي: (لا يصلاها) مخلداً فيها خالداً إلا الكافر، أما المؤمن فهو وإن دخلها فلا يخلد فيها، لقول الله كما في الحديث القدسي: (اخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه من الخير ما يزن ذرة ... ) الحديث.
﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦] ، (تولى) معناها: أعرض.
стр. 2107
تفسير قوله تعالى: (وسيجنبها الأتقى)
قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ ، فسيبعد عنها ﴿الأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] ، التقي، ﴿الَّذِي يُؤْتِي﴾ ، أي: يعطي، ﴿مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] ، أي: يتطهر، فإن بقاء أموال الزكوات معه تلوثه، أموال الزكوات تلوث من لم يخرجها (الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) ، أي: يتطهر بإيتاء المال، وأيضاً: يتطهر من الشرك ومن الكفر ومن المعاصي.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩] ، أي: يعطي المال ولا ينتظر مقابلاً من أحد من الخلق، كما في الآية الأخرى، ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٩] ، فأي عمل يُعمل لابد أن يبتغى به وجه الله وحده حتى يكمل الثواب، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] ، فالشاهد في قوله: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩] ، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢] ، فالصبر أيضاً لا يثاب صاحبه إذا كان يصبر تجلداً أو يصبر خوفاً على صحته أو يصبر ليقال عنه: صابر، إنما يصبر ابتغاء وجه الله، ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢] ، وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] ، قد تذهب للإصلاح ليقال عنك: مصلح، فلا تثاب، تتكلم كلمة طيبة ليقال عنك: متكلم بكلمة طيبة، فلا تثاب، لكن: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] ، وهنا يقول سبحانه: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ) ، أي: عند هذا التقي المنفق (مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى) ، ينتظر ثوابها، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] ، إنما ينتظر لقاء ربه وثواب ربه ، ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١] ، سوف يرضيه الله ويجازيه بنيته الحسنة الطيبة.
стр. 2108
تفسير قوله تعالى: (ألم نشرح لك صدرك)
ندخل إلى سورة الانشراح، يقول الله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] ، الهمزة للاستفهام المتضمن معنى النفي، ومن المعلوم أن نفي النفي إثبات، فعلى ذلك فالمعنى: قد شرحنا لك صدرك، كقوله تعالى حاكياً عن فرعون: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨] أي: قد ربيناك فينا وليداً، وكقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦] المعنى: الله كافٍ عبده، وكقول الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راحِ أي: أنتم كذلك، فالشاهد: أن نفي النفي إثبات، فقوله سبحانه: (أَلَمْ نَشْرَحْ) ، معناه: قد شرحنا، (لَكَ صَدْرَكَ) ، وهو تعديد لنعم الله على عبده ونبيه محمد ﵊ وتذكير له بهذه النعم، ومعنى (نشرح) : نوسع ونفسح، (أَلَمْ نَشْرَحْ) ، أي: ألم نفسح لك في صدرك ونوسع لك فيه؟ ومن المعلوم أن شرح الصدر الذي امتن الله به على نبيه محمد إنما هو شرح الصدر للإسلام، فقد يكون شرح الصدر للكفر -والعياذ بالله- كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] ، أي: وسع صدره للكفر، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، ولتقريب المعنى إلى الأذهان: أنت إذا كنت تحب شخصاً من الناس، فكل قول يقوله هذا الشخص قلبك يتسع له ويقبله، حتى الخطأ الذي يقوله تجد منك تأويلات لهذا الخطأ، أما إذا كنت تبغض شخصاً، فكل قول يصدر منه مكروه عندك، ولا يجد له أي مسلك يدخل به إلى قلبك، فالصدر ضيق مغلق تجاه أي قول يقوله، فشرح الله صدر نبينا للإسلام، وشرح الله صدور عباده المؤمنين للإسلام، فكل قول يقال لهم من ربهم، وكل أمر يؤمرون به، وكل نهي ينهون عنه؛ يجدون في صدورهم متسعاً له، ولو كانت آية ظاهرها التعارض مع آية أخرى تقبل قلوبهم أن نجمع بين الآيتين، أي تكليف يجد متسعاً ومسكناً يسكن في قلوبهم، فشرح الصدر -الذي هو التوسعة والفسح- نعمة من نعم الله على العبد، فإذا شرح الله صدرك للإسلام تجد أن كل التكاليف وكل التعاليم تدخل إلى قلبك وأنت مستريح في غاية الراحة، ومن ثم طلب موسى هذا الطلب من ربه سبحانه فقال أول ما قال لما كلفه الله الذهاب إلى فرعون: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥-٢٨] ، فشرح الصدور نعمة من رب العالمين ، فالله شرح صدر نبيه ﷺ ، وشرح الصدر أيضاً المراد به: الشق، فقد شق صدر رسول الله حقيقة مرتين: مرة وهو عند ظئره أي: مرضعه التي كانت ترضعه، فخرج يلعب مع الصبيان، فجاء جبريل ﵇ وأخذه من بين الصبيان، وشق صدره واستخرج حظ الشيطان من صدره، وغسل صدره وملأه إيماناً وحكمة، ثم لأمه -أي: ضم بعضه على بعض- فذهب الصبيان إلى ظئره وقالوا: إن محمداً قد قتل، فجاء النبي ﵊، وأثر المخيط في صدره ﷺ .
والشرح الثاني الذي تم لنبينا محمد ﵊ ليلة الإسراء، أُخذ النبي ﷺ وشرح صدره، ثم غُسل قلبه، ثم استخرج حظ الشيطان، وملئ القلب إيماناً وحكمة، ثم لئم الصدر كذلك، فصدره ﵊ شُرح بالمعنى الأول، وشُرح أيضاً بالمعنى الثاني.
فيمتن الله على نبيه صلى الله عليه، فيقول له: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) .
стр. 2109
تفسير قوله تعالى: (ووضعنا عنك وزرك)
قال تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:٢] الوزر: هو الحمل والثقل، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل:٢٥] ، الوزر يطلق على الذنب كهذه الآية، ويطلق على الحمل كما في قول الإسرائيليين لموسى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٧] ، فالوزر أصله: الحمل، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ، فالله يقول لنبيه: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) ، أي: حِملك.
قال تعالى: ﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:٣] ، (أنقض ظهرك) يعني: كأنه من ثقل الحمل على ظهرك سمع لفقار الظهر نقيض، إذا وضعت شيئاً ثقيلاً على السقف تسمع للسقف نقيض، أي: يبدأ السقف في التكسر، فكأن النبي كان يحمل أوزاراً ثقيلة، فكادت هذه الأوزار أن تكسر ظهره حتى سمع لفقار الظهر نقيض، وهذا من شدة الحمل الذي كان يحمله الرسول، فالله يمتن على نبيه ﵊ بأنه وضع عنه هذا الحمل الثقيل الذي كاد أن يكسر ظهر النبي ﷺ ، وما هو هذا الحمل الذي كاد أن يكسر ظهر النبي ﷺ ؟ ما الحمل الذي كان النبي ﷺ يحمله حتى أنقض للنبي ﷺ ظهره؟ من العلماء من يقول: إن هذا الحِمل هو هم الدعوة إلى الله ، فكان النبي يحمل هذا الحمل، ويهتم بهذا اهتماماً عظيماً ﷺ ، حتى كاد هذا الحمل أن يكسر له الظهر، ومنهم من قال: إن النبي ﷺ فعل ذنوباً صغيرة، ولكنها عند الأنبياء كبيرة، فكان يخشى منها خشية بالغة، فغفرها الله له، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] ، وكما قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:١-٣] ، فأُمر أن يستغفر، فمن العلماء من قال: إن النبي فعل صغائر، ولكنها كانت عنده بمثابة الكبائر العظيمة، فأهل الصلاح إذا صدرت منهم أشياء يسيرة فهي عندهم كبيرة كما قال الخليل: (نفسي نفسي إني كذبت ثلاث كذبات) وهذه الكذبات لا تخفى عليكم، قوله عن زوجته: هذه أختي، ويقصد أخته في الله، وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] عندما دعوه للخروج معهم إلى عبادة الأصنام، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] ، على سبيل السخرية والاستهزاء بأهل الكفر، ومع ذلك عدها ذنوباً، ويعتذر عن الشفاعة بسببها فيقول: (إني كذبت ثلاث كذبات) وكما قال أنس ﵁، (إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) أي: من المهلكات.
стр. 2110
تفسير قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك)
قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] ، رفع الله للنبي ذكره بماذا؟ رفع له ذكره بهذا القرآن أولاً، فقد قال الله عن القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ [الزخرف:٤٤] ، أي: لشرف ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] ، إن هذا القرآن -يا محمد- شرف لك؛ لأنه نزل عليك، وشرف لقومك كذلك؛ لأنه نزل على رجل منهم، ورفع له ذكره بأن قرن اسم النبي مع اسم الله في الشهادة، فمن يدخل الإسلام لابد أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وفي الأذان كذلك خمس مرات يومياً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وفي كل صلاة يصليها العبد يذكر اسم النبي ﷺ فيها، وذكر اسمه في الأولين وفي الآخرين، ففي يوم القيامة الشفاعة العظمى تحال إليه ﷺ ، ولا يفتح باب الجنة إلا لمحمد ﵊، ويقول الخازن: (بك أُمرت ألا أفتح لأحد قبلك) ، وفي الحج يذكر، وفي الصلوات يذكر، وفي كل موطن يذكر ﷺ ، فآتاه الله الوسيلة، وآتاه الله الفضيلة ﵊، وجُعل سيد ولد آدم، (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ، فرفع الذكر للشخص نعمة والله! خاصة الذكر الحسن، ومن ثم طلبه إبراهيم الخليل ﵊ فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] .
قال الله لنبيه ﵊: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥] ، فإن ابتليت بشيء -يا محمد- فاصبر فقد أذهب الله عنك هموماً كثيرة، وأعطاك من النعم ما لا يعلمه ولا يحصيه إلا هو، فإن أصابك عسر، أي: شدة وضيق وكرب، فاعلم أن مع هذا العسر يسراً، أي: فرج ومخرج وسعة وغنىً، ثم أكد هذا، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٦] ، وكما قال قائل السلف: لن يغلب عسر يسرين، فالله أكد أن مع العسر يسرى، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٦] فكل كرب يتبعه فرج، وكل شدة يتبعها رخاء، كما قال النبي ﷺ ، (وأن الفرج مع الكرب، وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسرى) وكما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة:٢١٤] ، الفقر والضر في الأبدان، ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] ، وفي الآية الأخرى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠] ، فدائماً الأمور إذا ضاقت جاء معها الفرج بإذن الله.
стр. 2111
تفسير قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] ، فرغت من ماذا؟ من أهل العلم من قال: إذا فرغت من أمور الدنيا فأقبل على العبادة وعلى الطاعة، أي: أقبل على العبادة والطاعة وأنت فارغ البال، فإن العبادة تحتاج إلى هدوء بال، ومن ثم قال النبي ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) ، هذا قول: إذا فرغت من أمور الدنيا فاجتهد في العبادة.
والقول الثاني: إذا فرغت فانصب، أي: اجتهد واتعب في العبادة، إذا فرغت من الصلاة فاجتهد في الدعاء بعد الصلاة، وهذا قول قتادة، وروي بإسناد ضعيف عن ابن عباس ﵄!
стр. 2112
حكم الدعاء بعد السلام
وهنا يرد مبحث -وقد سيق من قبل-: ما هو حكم الدعاء بعد الصلاة؟ وهل هو مشروع أو غير مشروع؟ وفي الحقيقة أن هذا يجرنا إلى تنبيه لإخواننا طلاب العلم الذين يقرءون الكتب المعاصرة، الصحوة المعاصرة اتجهت في كثير من خطواتها إلى كتب أهل علم أفاضل، كـ الشوكاني والصنعاني وابن حزم ﵏، وبعض كتب الأفاضل المتأخرين كالشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله، ولكنهم تركوا التوغل والبحث في كتب الأوائل، كالإمام الشافعي وكالإمام مالك وكالإمام أحمد وغيرهم من الأئمة، فكان جديراً بهؤلاء الإخوة الذين اتجهوا إلى طلب العلم أن يتجهوا أيضاً إلى كتب الأوائل، ويظهروا استنباطات هؤلاء الأفاضل، ولا يبخسوهم حقوقهم، كما أنهم لا يبخسون الأواخر حقوقهم كذلك.
فمثلاً: مسألتنا هذه: الدعاء بعد الصلاة، غالب المصادر التي يقرأ منها الإخوة الآن، وأقربها إلى أيديهم كتاب زاد المعاد لـ ابن القيم رحمه الله تعالى، وأنعم بـ ابن القيم، فهو من أهل العلم والفضل، وله من المنزلة والمكانة مالا يخفى عليكم، لكن ليس هو الفاضل وحده، فهناك فضلاء آخرون ينبغي أن تقرأ أقوالهم وأن تسمع أخبارهم، وأن ينظر في أدلتهم كذلك، فإن الله قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] .
وفي الحقيقة أن ذكرنا لمسألة الدعاء بعد الصلاة إنما هو فقط من باب عدم الإنكار والتشديد في الإنكار على من خالفك في الرأي إذا كانت عنده أدلة ثابتة يستدل بها، فمن الناس من يقول: إن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع واستدل هذا القائل بأمور: أول الأمور التي استدل بها: حديث عائشة ﵂، قالت: (كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته لم يقعد في مصلاه إلا بقدر ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام!) هذا هو الدليل الأول.
الدليل الثاني -وهو من ناحية النظر- قالوا: كيف تترك الدعاء أثناء الصلاة، وأنت قريب من ربك، ومقبل على ربك، ثم تدعو الله بعد الانصراف من الصلاة؟! ومن أدلتهم -وقد بالغوا في ذلك- أنهم قالوا: إنه لم يثبت عن النبي أنه دعا بعد الصلاة، وهذا هو الدليل الثالث.
ولما أوردت عليهم بعض الإيرادات، قالوا: إن دبر الشيء منه، فالأحاديث التي ورد فيها أن النبي كان يدعو دبر الصلاة، فدبر الصلاة قبل التسليم عندهم، هذا مجمل ما استدل به القائلون بمنع الدعاء بعد الصلاة.
أما الذين قالوا باستحباب الدعاء بعد الصلاة، فلهم جملة أدلة، والصراحة أنها أصرح، ومن ناحية الصحة فهي صحيحة كذلك، فمن أدلتهم حديث علي بن أبي طالب ﵁ -كما في صحيح مسلم- قال: (كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته قال: اللهم! اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت) فقالوا: هذا دليل على الدعاء بعد التسليم.
والدليل الثاني: حديث البراء بن عازب ﵄، قال: (كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه كي يلتفت إلينا إذا سلم، فسمعته يقول: رب! قني عذابك يوم تبعث عبادك) .
والدليل الثالث: قال النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل ﵄: (يا معاذ! والله! إني أحبك، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: رب! أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) .
والدليل الرابع: ما ورد عن سعد بن أبي وقاص في صحيح البخاري أنه كان يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الصبيان، ألا وهي: اللهم إني أعوذ بك من البخل، -والاستعاذة دعاء- وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر.
الدليل الخامس: حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أفضل الدعاء دبر الصلوات المكتوبات) لكن هذا الحديث الراجح فيه الإرسال، فهو من طريق عبد الرحمن بن ثابت عن أبي أمامة، وهو لم يسمع من أبي أمامة، هذا الحديث على وجه الخصوص لا يصح.
الدليل السادس: (أن النبي كان إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً) ، والاستغفار معناه: رب! اغفر لي، رب! اغفر لي، فهو دعاء.
الدليل السابع: أن الدعاء يشرع بعد الأعمال الصالحة، كحديث: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم! إني أستخيرك) ، والرجل الذي أذنب ذنباً أُمر أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويصلي، وفي صلاة الاستسقاء أو صلاة الخسوف أو صلاة الكسوف تدعو الله وتستغفر الله وتتصدق، ومن الأدلة كذلك هذه الآية (إذا فرغت فانصب) على التفسير الذي سمعتموه.
فهذه أدلة القائلين باستحباب الدعاء بعد الصلاة، وأجابوا على القائلين بأن دبر الشيء منه فقالوا: نعم قد يكون دبر الشيء منه، فدبر الدابة منها، وقد يكون دبر الشيء خارجاً عنه، والدليل على ذلك، أن النبي ﵊ قال: (معقبات لا يخيب قائلهن، ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وثلاث وثلاثون تكبيرة، دبر كل صلاة) .
ولا أعلم خلافاً أن التسبيحات والتحميدات والتكبيرات إنما تكون بعد الصلاة، فهذه أدلة القائلين بأنه يشرع الدعاء بعد الصلاة.
وتوسط قوم فقالوا: يشرع الدعاء لكن بعد ذكر، ما يدعو مباشرة بالصلاة، ولكن بعد الصلاة يذكر الله ثم بعد الذكر يأتي بالدعاء، وهذا القول قول لا طائل تحته، وإن تقلده بعض الفضلاء، ومال إليه ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، لكنه لا طائل تحته؛ لأن الرسول كان إذا انصرف من صلاته استغفر، ولم يرد أنه ذكر ثم استغفر، والاستغفار نوع دعاء.
وهل هذا الدعاء جماعي؟ لم يرد أنه جماعي، بل يدعو كل شخص بما تيسر له.
стр. 2113
مسألة رفع الأيدي في الدعاء
وهل ترفع الأيدي في الدعاء أو لا ترفع؟ الخطب في هذا يسير، والحقيقة أنه لم يرد نص أن النبي كان يرفع يديه بالدعاء دوماً بعد الصلوات، فهذا الذي يصار إليه، لكن إن رفع شخص أحياناً فلا بأس؛ لأن النبي ذكر في أبواب الدعاء: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء) فمن آداب الدعاء مد اليد إلى السماء، وصحح بعضهم حديث: (إن الله حيي ستير كريم يستحي أن يرفع العبد إليه يديه ثم يردهما خائبتين صفراً) وفيه رفع اليدين، فهذه أدلة القائلين باستحباب الدعاء دبر الصلوات، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧] ، أي: فاجتهد في العبادة، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٨] ، أي: اجعل رغبتك فيه وحده سبحانه، كما كان الصحابة يقولون في حجهم: إليك الرغباء والعمل، ارغب فيما عنده، واجعل ملتجأك إليه دون من سواه.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2114
الأسئلة
стр. 2115
حكم التصوير الفوتوغرافي
السؤال
يقول: لقد قرأت في كُتيب للشيخ عبد الله بن جبرين أن الصور الفوتوغرافية حرام، وصدقت ذلك وامتنعت عن الصور، ولكني رأيت صورة الشيخ عبد الحميد كشك والشيخ حسن البناء والشيخ محمد الغزالي على الكتب الخاصة بكل واحد منهم، وقرأت أيضاً أن الصور حرام في روائع البيان ولكني حائر هل هي حرام أم حلال؟
الجواب
حق للسائل أن يتحير؛ لأنه لم يعرف المصدر الأصل الذي يتلقى منه دينه، فاعلم أن المصدر الأصل الذي تتلقى منه دينك كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، فليست العبرة بقول الشيخ ابن جبرين، ولا بقول الشيخ الغزالي، ولا بقول الشيخ فلان ولا فلان، الحجة دائماً قال الله، قال رسول الله ﷺ ، فاسأل عن دينك، اسأل كما كان الصحابة يسألون، ماذا في كتاب الله عن كذا؟ ماذا في سنة رسول الله عن كذا؟ أما تقول: صورة الشيخ الفلاني موجودة، وتحتج بالشيخ، لا، أبداً لا تسير الأمور هكذا، إنما اسأل عن الدليل الذي استدل به هؤلاء أو أولئك، ما هو الوارد عن رسول الله في الصور؟ اسأل عن هذا: هل ورد في كتاب الله شيء عن الصور؟ اسأل: هل نبيك كانت له صورة؟ وأين صورة نبيك محمد ﵊؟ كان الممثلون والنحاتون موجودين على عهد الرسول، وكانوا يتخصصون في صناعة الأصنام التي هي أقوى من صناعة الصور، ولم ترد لنا صورة لرسول الله ﵊، ولم ترد لنا صورة لـ أبي بكر ولا لـ عمر ولا لـ عثمان ولا لـ علي، ولم ترد لنا صورة للإمام الشافعي ولا لـ مالك ولا لـ أبي حنيفة ولا لـ أحمد ولا لليث بن سعد ولا لـ عروة بن الزبير ولا لغيرهم.
اسأل عن الأدلة من السنة، قال النبي ﷺ : (لُعن المصورون) ، وقال النبي ﷺ : (لا تدع صورة إلا طمستها) ، ومن العلماء من يستدل بحديث: (إلا رقماً في ثوب) إذ أن المعنى: نقشاً في الثوب، فيجوز تصوير الصورة في الثوب، وليس الصورة الفوتوغرافية، إنما يستدل به على الثياب التي فيها صور نقوش، كثور أو نخلة أو أي شيء مرسوم في الثوب، لقوله: (إلا رقماً في ثوب) ، وبعض من العلماء قال: المراد بالرقم في الثوب: ما لم يكن من ذوات الأرواح، وكان يجدر بالسائل أن يسأل أيضاً: ما هي أقوال الصحابة بعد قول رسول الله في هذا الباب؟ جاء رجل مصور إلى عبد الله بن عباس فقال: يا ابن عباس! إني رجل مصور، وليس عندي دخل إلا من هذه التصاوير، قال: تعال، ادنُ مني، ادنُ مني، فقربه ثم قال: إن كنت صانعاً فاصنع الشجر وما لا روح فيه، (فالذين يصنعون هذه الصورة يعذبون بها يوم القيامة) ، وفي الحديث الآخر يقال لهم: (أحيوا ما خلقتم) ، (من صور صورة كُلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ) .
قال النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: والتفريق بين ماله ظل وما ليس له ظل مذهب باطل، واستدل له (بأن النبي لما رأى الستارة معلقة وعليها تصاوير؛ جاءت عائشة وشققتها أمام الرسول ﵊، وجعلت منها وسادتين) ، فهذه هي الأدلة، فكون الشيخ فلان جاء في المجلة، أو الشيخ فلان رسم صورته على كتاب، فالعبرة بالدليل، وليست بقول فلان ولا فلان، أقرب ما يقال: يا شيخ! لماذا تصور نفسك؟ هل الرسول تصور؟! رسول الله أفضل منك، هل تريدنا أن نحبك أكثر من حبنا لرسول الله؟! لا، معاذ الله أبداً أن نحبك أكثر من حبنا لنبينا محمد، ولست كـ جرير بن عبد الله البجلي صاحب رسول الله الذي كان يقال عنه: يوسف هذه الأمة؛ لجمال صورته، ومع هذا ليست له صورة، أين صورة جرير بن عبد الله؟ ليست له صورة، أين صورة يوسف الصديق ﵊؟ إن الرسول عندما دخل الكعبة وجد فيها صورة إبراهيم وإسماعيل، وهما يستقسمان بالأزلام، فقال: (قاتلهم الله! -أي: المشركين- والله! ما استقسما بالأزلام قط) ، ثم طمس الرسول صورة إبراهيم وصورة إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فلو كان شيء من ذلك باقياً لبقيت صور رسل الله عليهم الصلاة والسلام، إنما كما قال الرسول لما ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة كنيسة رأتاها بأرض الحبشة، وفي هذه الكنيسة صور، فقال: (أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة، أولئك كانوا إذا مات فيهم العبد الصالح صوروا له تلك التصاوير، وبنوا على قبره مسجداً) ، والحديث في الصحيح، فوصف النبي الذي فعل هذه الفعلة بأنهم: (شرار الخلق) .
فلا يغرنك الشيخ فلان ولا الشيخ فلان أبداً، وكيفما كان حبك للشيخ، دائماً اجعل سنة رسول الله فوق كل السنن، وهدي رسول الله فوق كل هدي، يكفينا أنه ليست بين أيدنا صورة لمحمد ﵊ أبداً، فلا تفعل ذلك، وسل دائماً عن الدليل من الكتاب والسنة، ولا يرد أن الصور لم تكن موجودة، كانت التماثيل تصنع بعالي الدقة والبراعة، ومن ثم قال الرسول: (أشد الناس عذاباً المصورون الذين يضاهئون بخلق الله) فكان هناك قوم يصورون، لكن إذا دعتك الضرورة إلى صورة بطاقة أو صورة جواز ونحو ذلك فلا بأس بذلك.
وأنا سائلكم بالله وأنصفوا من أنفسكم، الذي يصور صورته وينشرها في جريدة أو على كتاب، هل ترون -والله أعلم بالنيات، وليس لنا تدخل فيها، لكن قلوبكم لها فكر- أنه يتقرب بهذا النشر أمام الله أو أنه يريد لفت النظر إلى منظره؟ كلٌ يسأل نفسه عن ذلك، المتصور الذي ينشر صورته على كتاب، هل يريد بنشر الصورة وجه الله سبحانه؟ الله أعلم بالنيات، لكن لنا أيضاً فكر، الله يقول عن قوم: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] ، فأنت افهم الأمور كيف تسير، وليس لنا تسلط على النيات، لكن تخيل أن صورتك نشرت، فالله الله! في سنة نبينا محمد ﵊، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2116
تفسير سورة الضحى
سورة الضحى من السور التي أنزلها الله تسلية لرسوله ﷺ ، وتطييباً لخاطره بسبب انقطاع الوحي عنه وشماتة الكفار به، وقد ذكره الله فيها بنعمه عليه؛ فقد آواه بعد يتمه، وأغناه بعد فقره، وهداه بعد ضلاله، وأوصاه بمقابلة الناس بالحسنى، فلا يقهر اليتيم، ولا ينهر السائل، وأن يحدث بنعمة الله عليه.
стр. 2117
تفسير قوله تعالى: (والضحى، والليل إذا سجى)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:١-٥] .
стр. 2118
المراد بالضحى
يقسم الله بالضحى، فالواو: واو القسم.
من العلماء من قال: إن المراد بالضحى: النهار كله، والقرينة التي حملت قائل هذا القول على أن يقول به هو قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:٢] ، قال: فأقسم الله بالضحى الذي هو النهار، وبمقابله الليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١-٢] .
ومن العلماء من قال: إن المراد بالضحى: صدر النهار، أي: أول النهار إلى وقت الزوال، والمراد بوقت الزوال: زوال الشمس عن منتصف السماء، ويكون ذلك قبيل صلاة الظهر بقريب من نصف ساعة.
فالحاصل: أن لأهل العلم قولين في تحديد الضحى: أحدهما: أن المراد بالضحى النهار كله.
والثاني: أن المراد بالضحى وقت الضحى المعروف، أي: وقت صلاة الضحى، الذي يبدأ بعد الشروق بقريب من عشر دقائق أو عشرين دقيقة، وينتهي إلى قبيل الزوال الذي هو قبل صلاة الظهر بما يقارب نصف ساعة.
ويقسم الله بهذه الآيات الكونية التي هي: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١-٢] على شيء ألا وهو: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] .
стр. 2119
فضل صلاة الضحى
قبل أن ندخل في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] سنورد بعض الأحاديث التي صحت عن رسول الله ﷺ في فضل صلاة الضحى.
أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة: فأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وبكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما ابن آدم من الضحى) .
وأيضاً صح من حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاً، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة) ، فذكر نحواً من حديث أبي ذر وفيه زيادة: (النخاعة في المسجد تدفنها والشىء تنحيه عن الطريق) ، وفي بعض الطرق الأخرى: (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما ابن آدم من الضحى) .
فالشاهد: أن الإنسان عليه أن يؤدي شكر نعم الله عليه في مفاصله، ويكون ذلك بتأدية ثلاثمائة وستين صدقة إما بتسبيح أو حمد أو تكبير أو تهليل أو أمر أو نهي، ويجزئ عن ذلك كله أن يركع ركعتين من الضحى، ففي مسند الإمام أحمد من حديث نعيم بن عمار الغطفاني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : يا ابن آدم! اركع لي أربع ركعات أول النهار؛ أكفك آخره) ، فمن العلماء من حمل هذه الركعات على أنها من الضحى، فتكون هذه الركعات كالحرز يحفظك الله بها إلى آخر النهار.
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (أوصاني خليلي بثلاث: بأن أوتر قبل أن أنام، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبركعتي الضحى) .
فمن الفضل الوارد في صلاة الضحى: الأول: أن صلاة الضحى تجزئ وتكفي وتقوم مقام ثلاثمائة وستين صدقة.
الثاني: أن أربع ركعات من الضحى حرز لك حتى آخر اليوم.
الثالث: أنها إمضاء لوصية رسول الله التي أوصى بها أبا هريرة رضي الله تعالى عنه.
وثمّ فضائل أخر في صلاة الضحى.
стр. 2120
الرد على من أنكر صلاة الضحى
من العلماء من أنكر صلاة الضحى، وقال: لم يثبت أن النبي ﷺ صلى الضحى، وأورد بعض الفقهاء هذا الرأي في كتبهم وسكت عنه، وكان من اللائق أن يسترسل في توجيهه إن استطاع أن يوجهه أو إبطاله إذا احتاج الأمر إلى إيقاف، أما توجيه هذا الكلام وتسنيده فيتلخص في أمور: أولها: أن سنة النبي ﷺ منها سنن قولية أو فعلية أو تقريرية، وقد أمر النبي ﷺ بها وحث عليها، سواء فعلها أو لم يفعلها، ما دام قد حث عليها، فثبتت بهذا الحث سنية ومشروعية صلاة الضحى.
ثانيها: أنه قد ثبت عن رسول الله أنه صلى الضحى، فقد سئلت أم المؤمنين عائشة ﵂: (كم كان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: كان يصلي أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله له أن يزيد) .
وورد من حديث علي عند ابن خزيمة: (أن النبي كان يصلي الضحى) .
وورد أيضاً أن عتبان بن مالك ﵁: (دعا رسول الله ﷺ للصلاة في بيته، فأتاه النبي ﷺ ضحى، فقال له: أين تريد أن أصلي في بيتك؟ فأشار إليه إلى المكان الذي يريد أن يصلي فيه، فقام النبي ﷺ وصف الصحابة خلفه، وصلى بهم ركعتين، وكان ذلك ضحىً) ، أخرجه البخاري ومسلم.
وثبت من حديث أم هانئ رضي الله تعالى عنها: (أن النبي ﷺ صلى عام الفتح ثمان ركعات، وكان ذلك ضحىً) .
ومن المقرر أن المثبت مقدم على النافي، فإذا جاء صحابي ونفى شيئاً، وأثبته صحابي آخر، فالمقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي، فمثلاً قال بعض الصحابة: من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً.
فهذا الحديث، فيه نفي من بعض الصحابة، ولكن ثبت من حديث حذيفة في صحيح البخاري: (أن النبي ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائماً) ، وهذا حديث آخر مقابل ذلك الحديث.
فالصحابي قد يفتي بما يعلم أو أن ينقل ما رآه، لكن لا يكون علمه قد أحاط بكل أفعال النبي ﷺ ، ومن ذلك: قول أم المؤمنين عائشة ﵂: (ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) ، وثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ صلى ثلاث عشرة ركعة) ، فالمثبت يقدم قوله على قول من نفى، إذ مع المثبت زيادة علم.
فيقال لمن قال: إن النبي ﷺ لم يصل الضحى: قد ثبت أن النبي ﷺ قد صلى الضحى.
فالوجه الأول: أن النبي ﷺ حث عليها، وحثه كفعله أو أقوى من فعله، إذ الفعل قد يتجه إليه القول بأنه مخصوص، أي: أنه خاص برسول الله، لكن الحث وأمر الغير أو أمر الآخرين أقوى من مجرد الفعل.
والثاني: أنه ثبت أن النبي ﷺ قد فعل ذلك.
أما قول من قال: إن النبي ﷺ لم يصل الضحى، فيوجه قوله على الوجوه التالية: الوجه الأول: أن هذا القائل قد ينقل بناءً على ما علمه، فلما لم ير النبي ﷺ يصلي الضحى، ظن أنه ما صلاها قط، فنقل هذا النقل، وتتبعه غيره فأثبته.
والوجه الثاني: أنه قد يقال: إن هذا الصحابي الذي نقل ذلك أراد أن النبي ﷺ لم يحافظ على صلاة الضحى وإن كان قد صلاها.
ومن العلماء من يجيب على ذلك أيضاً فيقول: إن النبي ﷺ كان يجتزئ كثيراً لصلاة الليل عن صلاة الضحى، والله أعلم.
стр. 2121
عدد ركعات صلاة الضحى
ورد أن النبي ﷺ أوصى أبا هريرة أن يصلي ركعتين أو يركع ركعتين من الضحى، فصلاها ركعتين، أما أكثر ركعات صلاة الضحى فلم يرد نهي عن حد معين، أما السنة التي فعلها الرسول ﷺ أعني السنة الفعلية، فإنه قد صلى عام الفتح ثمان ركعات وكان ذلك ضحىً، ومن العلماء من يحمله على صلاة الفتح.
وورد أنه كان إذا نام عن صلاته من الليل صلى من النهار ثنتا عشرة ركعة، لكن وإن كان قد فعل ذلك، لكنه ليس هناك حد لعدد الركعات لو تجاوز، بل الأمر مفتوح إلى قبيل الزوال.
стр. 2122
قسم الله بالضحى والليل إذا سجى
يقسم الله بالضحى وبالليل إذا سجى، فهي أشياء متقابلة، فمن العلماء من قال: إن القرآن الكريم أطلق على آياته مثاني: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] ؛ لأنه يذكر فيه الشيء ويذكر مقابله، فالله يقسم بالضحى بما حواه من نهار وضياء ورؤية ووضوح، وبمقابله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:٢] ونحو ذلك: ذكر جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم يتبع بذكر جزاء الكافرين، وأيضاً: المتقابلات من أنواع العذاب والمتضادات كقوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾ [ص:٥٧] وهو الذي بلغ أعلى درجات الحرارة، وقوله: (وَغَسَّاقٌ) وهو الذي نزل إلى أقل درجات البرودة، ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٨] .
فيقسم الله بـ ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى:١-٢] ، كما أقسم بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:١-٤] ، فيقسم بقدرته على تصريف الآيات للعباد، فهو القادر على ذلك، ولن يستطيع ذلك أحد من خلقه، فهو الذي يأتي بالليل ويتبعه بالنهار، وهو الذي يأتي بالضحى ويأتي بالليل، ويحرك الشمس والقمر، هو الذي يسير الأمور وهو يدبرها.
ومعنى (سجى) : غطى، ومنه قول النبي ﷺ في قصة موسى مع الخضر: (فرجع موسى فوجد رجلاً مسجى بثوب أخضر) ، أي: مغطى بثوب أخضر.
فالليل إذا سجى، أي: أقبل وغطى على الأشياء بظلامه.
стр. 2123
تفسير قوله تعالى: (ما ودعك ربك وما قلى)
قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] ، ما ودعك أي: ما تركك، من التوديع، فودعت فلاناً إذا تركته، ((وَمَا قَلَى)) [الضحى:٣] أي: وما أبغض، فالمعنى: ما ودعك ربك وما قلاك، أي: ما تركك ربك ولا أبغضك منذ أحبك، وسبب نزول هذه الآيات أن النبي ﷺ اشتكى، بمعنى: مرض، فلم يقم ليلة أو ليلتين ليصلي الليل، فقالت امرأة: إني أرجو أن يكون صاحبك وشيطانك قد قلاك، يعني: أبغضك، وفي بعض التفاسير أن امرأة أبي لهب قالت: إني أرجو يا محمد أن يكون هذا العفريت أو الشيطان الذي يأتيك قد قلاك وابتعد عنك، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١-٣] ، أي: ما تركك ربك ولا أبغضك منذ أحبك .
стр. 2124
تفسير قوله تعالى: (وللآخرة خير لك من الأولى)
قال تعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] ما المراد بالآخرة؟ من العلماء من يقول: المراد بالآخرة: الدار الآخرة، والأولى: الحياة الدنيا، وقلة قليلة تذكر أن المراد بالآخرة: مرحلة ما بعد قول هذه المرأة أو ما بعد شكوى الرسول ﷺ ، والأولى: حال النبي ﷺ الأولى قبل نزول هذه السورة وقبل شكواه، أي: على هذا التأويل الثاني الذي تبناه قلة من المفسرين سيكون المعنى: حالك بعد انقطاع الوحي عنك سيكون أحسن من حالك قبل انقطاعه عنك، لكن التأويل الأول عليه الأكثرون.
стр. 2125
تفسير قوله تعالى: (ولسوف يعطيك ربك فترضى)
قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] يخبر الله أنه سوف يعطي نبيه ﷺ حتى يرضى، وقد وفى الله لنبيه ذلك، فأعطاه الله من خيري الدنيا والآخرة ما رضي به النبي ﷺ .
أعطي ﵊ من المال مفاتح خزائن الأرض، كما قال ﷺ ، وفتحت له دول بعد أن كان فقيراً ﵊.
وأثني عليه ثناء حسناً، فدائماً اسمه يردد في كل آذان: "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله" كما قال القائل: أغر عليه للنبوة خاتم إذا قال المؤذن عند الأذان أشهد أو كما قال الشاعر.
ففي كل أذان يذكر اسمه مع اسم الله ، وفي كل صلاة يذكر اسمه ﷺ : "التحيات لله" إلى قوله: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله".
وفي الحج يذكر اسمه ﷺ ، وفي كتاب الله يذكر اسمه، وله سورة باسمه ﷺ ، وفي الملأ الأعلى يذكر اسمه ﵊، ويصلي عليه المصلون: صلى الله على محمد، ﷺ ، ونزل القرآن بتشريفه كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ [الزخرف:٤٤] أي: لشرف لك ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤] ، فهذا كله من العطاء الذي أعطاه الله رسوله ﷺ ، فقد أوتي من النعم ما لا يعلمه إلا الله.
стр. 2126
تفسير قوله تعالى: (ألم يجدك يتيماً فآوى)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦] يمتن الله بنعمه على نبيه محمد ﵊، فيقول له: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ، أي: فآواك، وكان ذلك بضمه إلى عمه أبي طالب الذي كان يحوطه ويرعاه.
стр. 2127
تفسير قوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى)
قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] ، وهل كان الرسول ﵊ ضالاً؟ فمن العلماء من قال: إنه قد ضل في شعب من شعاب مكة، وهو صغير، وكاد يهلك، فرده الله إلى أهله سالماً.
ومن العلماء من قال: إنه كان ضالاً عن الحق، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] ، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] ، فكان النبي ﷺ عن هذا القرآن غافلاً، وقد جاء في مستدرك الحاكم بسند صحيح أن النبي ﷺ انطلق هو وزيد بن حارثة إلى زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن يبعث الرسول ﵊، وكان زيد بن عمرو بن نفيل موحداً من الموحدين، ومسلماً من المسلمين، اعتنق ملة الحنيف إبراهيم ﷺ ، كما تقدم أن: زيد بن عمرو بن نفيل ذهب إلى اليهود وقال: يا معشر اليهود! أريد أن أدخل في دينكم، قالوا: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال: أعوذ بالله من غضب الله، والله! لا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً، إنما فررت من غضب الله، هل عندكم شيء آخر؟ قالوا: لا، إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم ﵊.
فانطلق إلى النصارى وقال: يا معشر النصارى! أريد أن أدخل في دينكم، قالوا: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: لا والله! ما أحمل شيئاً أبداً من لعنة الله، هل عندكم شيء آخر؟ قالوا: لا، إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم ﵊، فخرج يقول: أشهدكم إني على ملة إبراهيم ﵊، وسلك سبيل المحسنين، فكان يمنع أن توأد البنات، وبه يفتخر الفرزدق ويقول: وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأد فالشاهد: أن الرسول ﷺ وزيد بن حارثة انطلقا إلى زيد بن عمرو بن نفيل فقربا إليه لحم شاة، فقال لهما زيد: إني لا آكل من لحومكم التي تذبحونها على أنصابكم.
فالشاهد أن من العلماء من يقول: كان ضالاً عن طريق الهداية وعن القرآن لهذه النصوص.
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] ، والضلال: الذهاب عن القصد، وقد تقدم القول فيه: ألم تسأل فتخبرك الديار عن الحي المضلل أين ساروا
стр. 2128
تفسير قوله تعالى: (ووجدك عائلاً فأغنى)
قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] والعائل هنا بمعنى: الفقير، فمنه قول الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل أي: متى يفقر؟! ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨] أي: فقراً، ومن العلماء من قال: عائلاً، أي: يعول غيره، لكن الأكثرين على أن عائلاً بمعنى: فقيراً.
وقوله: ﴿فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] ، متى أغناه وهذه السورة مكية؟! من العلماء من قال: أغناه بالفتوح التي فتحت عليه، وبالجزية التي جلبت إليه ﵊، والغنائم التي حملت له، إلا أن هذا القول معترض عليه بأن السورة مكية، والفتوحات إنما كانت بعد أن هاجر إلى المدينة، فكيف وجده عائلاً فأغنى؟ من العلماء من أجاب عن ذلك فقال: الآية باعتبار ما سيئول إليه الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١] ثم قال: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] ، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] أي: باعتبار ما ستئول إليه هذه الأموال.
ومن العلماء من قال: إنه أغناه أيضاً في نفسه، وكان النبي ﵊ فقيراً لا يجد ما يتزود به ولا ما يعمل فيه من الأموال، فتزوج بـ خديجة، وكانت ذات مال وثراء، فأغناه الله بمال زوجته خديجة.
ولا مانع أبداً أن تتزوج بامرأة ثيب إذا كنت فقيراً لا تستطيع الزواج، ولا ترهق نفسك ولا تتعب نفسك في أن تجمع الأموال من هنا ومن هنا، وأمامك نساء ثيبات يحتجن الزواج وهن صالحات، إما امرأة مات زوجها أو امرأة طلقت لفساد زوجها، أو امرأة مات زوجها بحادث، وعندها شقتها وعندها مالها، لا تكلفك شيئاً بل تحتاج إلى رجل تستظل به، فلتعف نفسك بها وتعفها هي الأخرى، وأنت مثاب، وإذا وسع الله عليك وأردت أن تتزوج بعد ذلك فالشرع يبيح لك ذلك.
فالشاهد: أن القيود التي وضعها مجتمعنا في أمور الزواج ينبغي أن تكسر؛ لأن الفساد قد استشرى في زماننا، وكما قال الرسول ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج) .
فقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨] توجيهه أن الله أغناه بتزويجه بـ خديجة ﵂.
стр. 2129
تفسير قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)
قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩] أي: كما كنت يتيماً فآواك الله، كذلك فلتقابل هذه النعمة بإحسان، والإحسان يجازى بالإحسان، كما أن الله آواك وكنت يتيماً، فكذلك أنت بالنسبة لليتيم لا تقهر اليتيم، وكما أن الله أغناك فقد كنت فقيراً، فالسائل أيضاً لا تنهره، فيؤخذ من هذا منهج الدعوة إلى الله ألا وهو: هل يذكر الشخص بما كان فيه من حال قبل أن يصل إلى منصب أو يصل إلى حالة من الثراء حتى يفعل الخير أو أن هذا التذكير غير مرغوب فيه؟
السؤال
لو ذهبت أدعو رجلاً، هل أذكره بما كان فيه قبل أن يصل إلى هذه الحال، ومن ثم أطلب منه طلبي أو لا؟ لكل وجهة، لكن أحياناً يستحب تذكير الشخص بالحال التي كان فيها قبل أن يصل إلى هذا الحال التي هو عليها، والدليل على ذلك هذه الآيات: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦-٨] فكذلك ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩] فأنت كنت يتيماً، والسائل أيضاً لا تنهره فأنت كنت أيضاً فقيراً، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] ، على ما سيأتي تأويله.
ويستدل لهذا المبدأ أيضاً بحديث الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى، فالأبرص والأقرع والأعمى لما جاءهم الملك يسألهم: ماذا تريدون؟ كل طلب مطلباً، فقال أحدهم: أريد غنماً تملأ هذا الوادي، وأريد شعراً حسناً؛ فقد تقذرني الناس، فأعطاه الله الشعر الحسن، وأعطاه من المال ما شاء، والآخر أزال الله عنه البرص الذي كان يتأذى به أمام الناس، وأعطاه الله من البقر، والثالث أعطاه الله ما شاء من الإبل وأزال عنه العمى، الحديث إلى آخره.
الشاهد: أن الملك لما جاء يسألهم مرة أخرى، قال لهم طالباً: لا بلاغ لي إلا بالله ثم بك، شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: إن الحقوق كثيرة، وجلس يتعلل بعلل، فحينئذ ذكره بالحال التي كان فيها: كأني بك كنت فقيراً فأغناك الله، وكنت أبرصاً فشفاك الله، كأني أنظر إليك، قال: لقد ورثت هذا المال كابراً عن كابر، فما نفعته الذكرى، فقال: إن كنت كما تقول؛ فردك الله إلى ما كنت فيه، الحديث.
فهل يستحب تذكير الشخص بالذي كان فيه أو يكره؟ هذه المسألة ليس فيها نص صريح عن رسول الله ﷺ أو أمر صريح بفعل معين، إنما هي مجرد تصرفات صدرت، فإن رأيت أن تذكير الشخص بما كان فيه من فقر أو غنى أو مرض ينتفع به الشخص، فذكره حينئذ وتوكل على الله؛ لأن التذكير يهيج فيه شكر نعم الله، فيحمله هذا الشكر على فعل الإحسان، وإن كنت ترى أن الشخص الذي أمامك إذا ذُكر بالحالة التي كان فيها فسينفعل وسيغضب وسيثور؛ فحينئذ يترك التذكير، كقولك للشخص: اتق الله، فكلمة (اتق الله) كلمة طيبة، فيها غاية الحسن، لكن أحياناً لا تقال، فمثلاً: الله قال لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] ، وتداول الصحابة فيما بينهم كلمة: (اتق الله) ، لكن أحياناً يكون لها موطن تكره فيه، لا تكره لأنها كلمة: (اتق الله) ، لكن كما ورد في حديث الرسول ﷺ لما كان يقسم القسمة بين أصحابه وجاءه رجل فقال: يا محمد! اتق الله واعدل في القسمة.
صحيح كلمة (اتق الله) قوية، لكن ليس هذا هو موطن قولها، فإنك تضمنها اتهاماً للشخص، فقال الرسول: (ويلك! من يعدل إذا لم أعدل؟!) .
فالكلمة الطيبة إن ضمنت معنىً يحمل اتهاماً فحينئذ تذم، لكن لا تذم لأنها هي الكلمة ولكن لما تضمنته الكلمة من معاني أخر، فمثلاً: شخص يسألك عن شخص آخر، فقلت له: الله يهديه، "الله يهديه" كلمة طيبة جداً، وفي غاية الحسن، لكن (الله يهديه) توحي بها إلى أنه ضال وزائغ، وتسأل الله له الهداية، فحينئذ تكون نوعاً من أنواع الاغتياب واللمز، والله أعلم.
فالشاهد: هل يشرع تذكير الشخص بالحال التي كان فيها قبل أن أطلب منه ما أطلب؟ هذا أمر مرده إلى حال الذي أمامي، إن رأيت أن الشخص ينتفع بهذه الموعظة قدمتها، وإن رأيت أنه سينفعل إذا ذكر بالذي كان فيه من حال! تركت هذا التذكير؛ لأنه سيكون من باب الإيذاء، والرسول ﵊ نهى عن سب الأموات؛ حتى لا يتأتى الأذى إلى الأحياء من ناحية، وأيضاً فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا من عمل.
стр. 2130
منزلة اليتيم في الشريعة الإسلامية
قال الله : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩] من محاسن هذا الدين أن جاءت نصوص الكتاب العزيز ونصوص سنة الرسول ﷺ بحفظ اليتيم، حفظه في ماله وفي عرضه وفي دمه، وفي كل شيء.
ففي باب الأموال: قال الله سبحانه محذراً أشد التحذير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠] ، ذلك أن اليتيم ليس له من يدافع عن حقه غير الله ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء:٢] ، ومهور النساء قد يتساهل فيها، لكن مهر الطفلة اليتيمة خاصة لا يتساهل فيه، ولا يجوز لك أن تأتي إلى طفلة يتيمة وتقول: أنا أزوجها من الأخ فلان بالقرآن، لا يجوز لك هذا أبداً، وإن ظننت أنك على سنة، بل أنت آكل لأموال اليتيمة بالباطل ومضيع لحقها، فالله يقول في شأن اليتيمة خاصة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:٣] أي: في صداق اليتامى: البنات الصغيرات، فلا تتزوجوهن، التقدير: فلا تتزوجوهن، أي: فالنساء سواهن كثير، فلا تقدموا على الزواج بهن إلا إذا أقسطتم لهن، ولا تقدموا على الزواج باليتيمات إلا إذا عدلتم معهن في الصداق، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:٣] ، فالتقدير: فالنساء سواهن كثير، ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] .
فجاءت الآيات بحفظ مال اليتيم، وكان بعض السلف إذا سئل عن شيء من أمر اليتيم؛ يرد ذلك إلى النيات لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] .
وهل يجوز ضرب اليتيم لتأديبه؟ يعني: إذا كان يتيماً مشاغباً، أو يسرق، أو يسب ويستعمل ألفاظاً قبيحة، يجوز ضربه لمصلحته: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] .
стр. 2131
تفسير قوله تعالى: (وأما السائل فلا تنهر)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠] السائل هنا عام، فيدخل في ذلك السائل عن العلم، فلا ينبغي لشيخ ولا لعالم ولا لأحد إخواننا الخطباء أو الدعاة أن يزجر سائله.
وأيضاً يجدر بإخواننا الدعاة أن يرفعوا الأجهزة التي وضعت في بيوتهم للرد على التلفونات، ويردوا هم مباشرة على أسئلة السائلين، وكذلك الأطباء الذين يغيرون الأرقام يومياً فراراً من المسلمين الذين يحتاجون إلى نصائحهم، جدير بكل هؤلاء أن يفتحوا صدورهم للمسلمين، جدير بهم أن يفتحوا أبوابهم ولا يكونوا كالسلاطين، سلاطين الظلم الذين يجعلون لأنفسهم بوابين وحجبة يحجبون الناس عن الدخول إليهم.
فلا يجدر بالعلماء أن يضعوا مسجلات على التلفونات، وكذلك الأطباء لا يجدر بهم أن يغيروا أرقام التلفونات يوماً بعد يوم، هذا يفر من سؤال السائل، وهذا يفر من استشارة المريض، وكل من كان في هذا المقام ينبغي له أن يفتح صدره وقلبه للمسلمين وإلا فالله قادر على أن يزيل ما به من نعمة، يقول الله لنبيه محمد ﵊: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٨٦] .
وكذلك السائل المحتاج الذي يسأل الناس أموالاً لاحتياجه وفقره، أو السائل الذي ضل الطريق، أو السائل عن أي شيء، عن صحته أو أي شيء ينتفع به في دينه ودنياه ما لم يكن سائلاً تجاوز الحد الشرعي الذي شرع له في السؤال.
стр. 2132
تفسير قوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] ، ما المراد بالتحديث بنعمة الله؟ من العلماء من قال: إن المراد بالتحديث بنعمة الله: العمل بمقتضى نعمة الله عليك.
فمثلاً، التحديث بنعمة المال: أن تنفقه في أوجه الخير، التحديث بنعمة الصحة: أن تستعملها في الخير، التحديث بنعمة المنصب: أن تساعد به أهل الاحتياج، التحديث بنعمة الزكاة: أن تفهم الأغنياء وترشدهم.
فكل نعمة لها شكر.
ومنهم من قال: اذكر نعمة الله عليك في نفسك، ولا تنساها، فإنك إذا ذكرت نعمة الله عليك في نفسك حملك هذا الذكر على فعل الخير.
ومن العلماء من قال: أظهرها للناس وحدث الناس بما أنعم الله عليك، ولكن لهذه الفقرة الأخيرة ضابطاً فقهياً.
فإذا كنت لا تخشى من الناس الحسد والمكر بك، حينئذ يستحب لك التحديث، تقول: إن الله أكرمني بكذا، أكرمني ربي بكذا، أكرمني ربي بكذا.
ومن ذلك قول النبي ﷺ : (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) ، حتى في حياتنا الدنيا، فأنت مثلاً إذا جئت وأهديت لأخيك أو لجارك الفقير ثوباً، كم تسعد إذا رأيت هذا الفقير الذي كان يلبس ثوباً مقطعاً خرج وهو منشرح الصدر ويلبس الثوب الجديد ويمشي به في الناس، فصدرك ينشرح وتسعد غاية السعادة.
إذا ذهبت إلى بيت فقير، ووجدته يتأوه ويتقلب على الفراش من البرد، وأهديته بطانية، وذهبت ورأيته يتقلب في البطانية ويحمد الله ويثني عليه، ويشكرك على صنيعك؛ لا شك أنك تفرح، وقلبك وصدرك ينشرحان لهذا الفعل الذي رأيته.
فحدث بنعمة الله عليك ولير عليك أثر نعمة الله ، ودع عنك أهل الجهل من أهل التصوف المقيت الذين يفترون أحاديث مكذوبة وموضوعة على رسول الله ﷺ ، تحمل على لبس المرقع، ويروون أشياء لا أصل لها، منها أن ثوب عمر كان فيه ثلاث عشرة رقعة، إلى غير ذلك من التخاريف التي يروونها عن أصحاب رسول الله ﷺ ، والرسول ﵊ قد خرج يوماً في حلة حمراء لم يُر على أحد مثلها.
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] هذا تفسيره، لكن إن خشيت من حسد الحاسدين، فحينئذ استر عن هذا الحاسد النعمة، كما قال يعقوب ﵊: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] ، وكما قال الرسول ﷺ : (إذا رأى أحدكم في منامه ما يحب، فليحدث به من يحب) ، فقط تحدث الذي تحبه فقط، أما الذي تخشى من حسده فاكتم عنه هذه الرؤيا.
أما حديث: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) ، فقد أطبق العلماء الأوائل: كـ أحمد بن حنبل، ويحيى ين معين وابن المديني وغيرهم على تضعيفه وتوهينه، وبالغ بعضهم فحكم عليه بالوضع، لكن معناه يدخل في القضية فقهياً.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
стр. 2133
تفسير سورة التين
كثيرة هي السور التي أقسم الله فيها بأشياء متعددة، وهو سبحانه غني عن القسم، ولكنه أقسم بهذه الأمور ليدل على عظم المقسوم به، وأهمية المقسوم عليه، ومن هذه السور سورة التين، وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة ما جبل عليه الإنسان من الكفران، ثم استشنى الله من عصم قلبه بالإيمان.
стр. 2134
تفسير قوله تعالى: (والتين والزيتون وطور سينين)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:١-٦] .
الواو في قوله تعالى: (وَالتِّينِ) واو قسم، فأقسم الله بأربعة أشياء: بالتين، وبالزيتون، وبطور سينين، وبالبلد الأمين، أما المراد بالتين: فلأهل العلم فيه أقوال، أشهرها: أنه التين الذين يأكله الناس، وكذلك الزيتون فهو الزيتون الذي يعصر، ومن أهل العلم من قال: إن المراد بالتين والزيتون: منابت التين ومنابت الزيتون، أي: الأماكن التي ينبت فيها التين، والأماكن التي ينبت فيها الزيتون.
وهذا القول له قوة.
واستظهر بعض العلماء قولاً فقالوا: إن الله أقسم بثلاثة مواطن: بمنابت التين والزيتون وهي: الشام، وبطور سينين وهو: طور سيناء، وبالبلد الأمين وهو: مكة.
قالوا: فأقسم الله بهذه المواطن الثلاثة التي نزلت فيها أشهر كتبه على أفضل خلقه عليهم الصلاة والسلام، فالتين والزيتون المراد بهما: منابت التين ومنابت الزيتون، وهي بلاد الشام التي كان فيها عيسى ﷺ ، وطور سينين وهو طور سيناء الذي كلم الله عنده موسى ﷺ ، والبلد الأمين وهو مكة التي بعث فيها رسول الله محمد ﵊.
فهذه وجهة القائلين بأن المراد بالتين والزيتون منابت التين ومنابت الزيتون.
وعلى ذلك فالقسم بثلاثة مواطن، وهي: الشام حيث ينبت التين والزيتون، وطور سينين، والبلد الأمين.
قال تعالى: (وَطُورِ سِينِين) أما الطور: فهو كل جبل ينبت يطلق عليه طور، فهناك جبال إذا نزل عليها المطر أنبتت، وجبال إذا نزل عليها المطر لا تنبت، فكل جبلٍ ينبت يطلق عليه فهو طور.
أما قوله: (سِينِينَ) فلأهل العلم فيه قولان: أحدهما: أن المراد بسينين: سيناء.
ومن العلماء من قال: إن المراد بسينين أي: مبارك حسن، وهذا مأخوذ من قول النبي ﷺ لجارية كان يقال لها أم خالد حينما أتت إلى النبي ﷺ مع بعض أقاربها وعليها ثوب حسن، فقال لها النبي ﷺ : (ما هذا يا أم خالد؟! هذا سناه، هذا سناه) ، أي: هذا حسن بلسان الحبشة، فقال هذا القائل: إن المراد بسينين: مبارك حسن، والمعنى: وطور مبارك حسن.
стр. 2135
حرمة البلد الأمين
قال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ أما الأمين: فهو الآمن، آمن أولاً بحرمة الله له، فالله سبحانه قد حرمه، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧] ، فكان الرجل يلتقي بقاتل أبيه وبقاتل أخيه ولا يعترضه بسوء، ولا يمسه بمكروه ما دام داخل الحرم، أي: داخل مكة وما حولها من الحرم، فمنى من الحرم، وكذلك جزء من مزدلفة.
ومن صور الأمن التي فيه: أن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس) فذكر الحديث، وفيه: (فلا تلتقط لقطتها إلا لمنشد، ولا يعضد شوكها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يحمل فيها سلاح، ولا يسفك فيها دم) إلخ، فلها حرمة، فأقسم الله بهذه البلدة.
وعلى ماذا يقسم الله بهذه الأشياء؟
стр. 2136
خلق الله للإنسان وما يؤول إليه هذا الخلق
يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أي: في أحسن صورة، وأكمل خلق، وأحسن استقامة واعتدال، وأحسن قوام، وأجمل منظر، فليس هو كالدواب التي تمشي على بطنها، ولا كالأنعام التي تمشي على أربع، إنما خلق الإنسان في أحسن تقويم، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ ما المراد بأسفل سافلين؟ لأهل العلم أيضاً فيها قولان مشهوران: القول الأول: أن المراد بـ ((أَسْفَلَ سَافِلِينَ)) أي: قلبناه على وجهه في النار في أقبح صورة، فعلى ذلك يكون المراد بالإنسان هنا: الإنسان الكافر، فالمعنى: لقد خلقنا هذا الإنسان الكافر في أحسن تقويم، ثم بعد ذلك لما لم يؤمن ولم يشكر؛ قلبناه على وجهه في النار في أقبح صورة.
فهذا قول لكنه ليس بالقول الأشهر، وليس عليه الأكثر.
والأكثرون على أن المراد بـ (أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أرذل العمر، كما قال الله : ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٠] ، وكما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨] ، فمعنى قوله: (أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أي: إلى أرذل العمر، وهنا يقول الشاعر: يود الفتى طول السلامة والغنى فكيف ترى طول السلامة يفعل يكاد الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا رام القيام ويحمل فبعد أن يكون في أحسن تقويم يبدأ بالتمايل وانحناء الظهر، فالمراد بالإنسان على هذا التأويل: عموم الإنسان (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ) أي: كل الإنسان، (فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) أي: في أعدل خلق، وأحسن قوام، ثم بعد ذلك (رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) أي إلى أرذل العمر، فبدأ هذا القوام الجميل المستقيم في الانحناء والرجوع.
لكن يرد على هذا الوجه من التأويل إشكال وهو: أن الله قال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ؛ فإن الذين آمنوا وعملوا الصالحات استثناء، ومن المعلوم أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الآخرون ينكسوا في الخلق، وينحنوا كما ينحني غيرهم، ويكبروا كما يكبر غيرهم، فكيف توجه هذه الآية: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ؟ أجاب الذين اختاروا هذا التأويل على هذا الإشكال بقولهم: إن قوله تعالى: (إِلَّا) بمعنى لكن، فالمعنى: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرٌ غير ممنون، واحتاجوا مع هذا إلى أن يقدروا محذوفاًَ في الآية الكريمة، فقالوا: إن في الآية محذوفاً يفهم من السياق، فالمعنى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، أي: في أحسن صورة، وأعدل قوام، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى أرذل العمر، حيث الكبر والتخريف، فلما يكبر ويخرف ينقطع عمله ولا يقبل، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تنقطع أجورهم، فهم وإن ردّوا إلى أرذل العمر، وانقطعت أعمالهم، ولم يستطيعوا القيام بما كانوا يقومون به من أعمال صالحة؛ مع ذلك كله لا تنقطع أجورهم فهم: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ، أي: غير مقطوع، ولا منقوص.
وهذا كما قال النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري في صحيحه: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له من الأجر ما كان يعمل وهو صحيح مقيم) ، فقال هؤلاء العلماء: إن قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) معناه: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات انتظروا وضعفت صحتهم، وخارت قوتهم، وانحنت ظهورهم، ولا تنقطع أجورهم؛ بل تثبت لهم الأجور وإن ضعفوا عن العمل الذي كانوا يقومون به، وذلك على خلاف الكافر.
стр. 2137
تفسير قوله تعالى: (فما يكذبك بعد بالدين)
قال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:٧] ، أي: فما يكذبك بعد هذا الذي ذكرناه لك ما يكذبك بعد هذا البيان الذي بيناه بالجزاء والحساب، أي: من هو هذا الإنسان الذي يكذبك بعد أن بيّنا هذا البيان بالجزاء وبالحساب؟ فإننا قد خلقناك أيها الإنسان في أحسن صورة وأعدل قوام، كما قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] ، بعد هذا كله، وبعد هذا التسلسل في الخلق؛ فنحن قادرون على إعادة الخلق ما دمنا قد بيّنا لك أن الإنسان هذه حاله، فلابد وأن نعيده مرةً ثانية، وقد استدل على البعث بجملة أمور، منها: تطور الإنسان في الخلق، ومنها: خروج النبات من الأرض، واشتداد عوده، ثم تمايله وسقوطه بعد ذلك، فكل هذه أدلة يثبت بها البعث، أو يستدل بها على البعث.
وثم قولٌ آخر في تفسير قوله: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) ، أي: ما هو الحامل لك أيها الإنسان على التكذيب بالدين وقد بيّنا لك حالك وما ستصير إليه؟ ما هو الحامل لك بعد هذا البيان على التكذيب بالدين؟ أي: بالجزاء والحساب.
فقوله سبحانه: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ) فيه قولان: أحدهما: أن الخطاب لرسول الله أي: فمن يكذبك بعد هذا البيان الذي بيّناه لك يا محمد؟! ومن يستطيع أن يكذبك في أن هناك بعثاً وجزاءً؟! والثاني: أن الخطاب للإنسان أي: فما الحامل لك أيها الإنسان على التكذيب بالدين؟ وما هو الذي يحملك على أن تكذب بالجزاء والحساب؟
стр. 2138
تفسير قوله تعالى: (أليس الله بأحكم الحاكمين)
قال الله : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] ، الهمزة هنا للاستفهام المتضمن معنى النفي، ونفي النفي إثبات، فالمعنى: أن الله أحكم الحاكمين، كما فصلنا ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] فالهمزة في (أَلَمْ نَشْرَحْ) همزة الاستفهام، وهي تحمل معنى النفي، ودخلت على نفي آخر وهو: (لم) فنفي النفي إثبات، فالمعنى: قد شرحنا لك صدرك، ومنه: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨] ، أي: قد ربيناك فينا وليداً، ومنه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦] ومنه: (ألستم خير من ركب المطايا) ، فهنا قال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فالمعنى: أن الله هو أحكم الحاكمين، أي: أعدل الحاكمين حكماً وقضاءً، وأتقن الحاكمين صنعاً .
وقد ورد بأسانيد فيها ضعف: (أن النبي ﷺ كان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ، قال: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين) ، لكن لم يثبت في هذا الباب خبرٌ عن النبي ﷺ ، وكل ما ورد فيه أحاديث ففيها مقال.
стр. 2139
تفسير سورة العلق
سورة العلق أول سور القرآن نزولاً على معلم الخير للبشرية ﵊، وفيها امتنان الله تعالى على الإنسان بأن علمه ما لم يكن يعلم، ولكن هذا العبد الضعيف يقابل هذه النعم بالطغيان والبعد عن سبيل الله تعالى ومحاربة أولياء الله، والله تعالى يراه ويطلع عليه ويمهله عله أن يرجع، فإن لم يرجع فلا يلومن إلا نفسه مما سيلقاه من زبانية جهنم.
стр. 2140
سبب نزول الآيات الأول من سورة العلق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد على آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن أول شيء نزل على رسول الله ﷺ هو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] ، فهذه الآيات هي أول آيات نزلت على رسول الله ﷺ .
ومن أهل العلم من قال: إن أول الآيات نزولاً على رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١-٢] .
ولكن التحقيق يقتضي أن آيات العلق الأول هي أول ما نزل على رسول الله ﷺ ، وتوجيه القول الثاني بأن يقال: إن الآيات الأول من العلق نزلت على رسول الله ﷺ ، ثم سكن الوحي مدة طويلة، ثم نزل بعد سكون الوحي سورة المدثر، فظن الراوي أن المدثر هي أول ما نزل على رسول الله، ولكن يحمل قوله على أن أول ما نزل بعد فترة سكون الوحي هو سورة المدثر.
وسبب نزول هذه الآيات الخمس الأول من سورة العلق: ما ذكرته أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ، وعائشة لم ترَ هذا؛ بل كان هذا الحدث قبل ميلاد عائشة بخمس سنين، فإن النبي ﷺ عقد على عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين، ومكث معها تسع سنين، فكان المجموع من ميلاد عائشة إلى وفاة النبي ﷺ ثماني عشرة سنة.
أما هذه الآيات فقد نزلت قبل وفاة الرسول ﵊ بثلاث وعشرين سنة، أي: أنها نزلت قبل ميلاد عائشة بخمس سنين، فكيف إذاً نوجه هذا؟ نقول: عائشة ﵂ روت شيئاً لم تره، وهذا يسميه العلماء: مرسل الصحابي، فهو إما أن يكون الصحابي قد أخذه من رسول الله، بأن تكون عائشة أُخبرت من رسول الله بهذا، أو أن صحابياً آخر هو الذي أخبر عائشة، والصحابة كلهم عدول.
ومن هذا الباب رواية أبي هريرة لجملة أحاديث حدثت لرسول الله ﵊ بمكة، ورواية ابن عباس لجملة أحاديث حدثت لرسول الله بالمدينة، وابن عباس لم يهاجر؛ بل كان من المستضعفين هو وأمه بمكة.
فالشاهد: أن كل هذه تسمى: مراسيل صحابة، والصحابة كلهم عدول، ومراسيلهم في حكم المتصل.
قالت عائشة ﵂: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ، أي: تتحقق الرؤيا كما أن الصبح يتحقق، وهذه من علامات الصلاح في الغالب، فإن صدق الرؤيا من صدق الحديث، كما قال الرسول ﷺ : (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) ، ولا يمتنع أن يكون هناك كافر تتحقق رؤياه أيضاً كما تحققت رؤيا الملك ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف:٤٣] لكن من العلماء من يحملها على أن الملك وإن كان كافراً لكنه كان صادق اللهجة، وهناك ملوك كفار لكنهم في لهجتهم أهل صدق.
قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد) ، الذي جاء في الحديث: يتحنث، والذي يقرأ الحديث يظن أن تفسير التحنث بالتعبد أنه من كلام عائشة، ولكنه ليس من كلامها؛ بل هو من كلام الزهري، وهذا يسميه علماء الحديث: المدرج، وهو: أن تنقل كلاماً عن شخص ثم تفسر إحدى الكلمات التي تكلمها الشخص، ولا تبين أن هذا التفسير من تفسيرك، فيظن القارئ أنه من كلام ذلك الشخص.
مثلاً: قال النبي ﷺ : (للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد وبر أمي لأحببت أن أكون مملوكاً) فقوله: (والذي نفسي بيده لولا الجهاد وبر أمي) ليس من كلام رسول الله قطعاً؛ لأن أم الرسول ﷺ كانت قد ماتت، وإنما هو من كلام أبي هريرة.
فالإدراج: أن تدخل لفظة في الحديث تظنها من قول الذي نُقل عنه الكلام، وهي ليست من قوله.
قالت: (ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخرج إلى حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاء الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني -أي: ضمني ضماً شديداً- وقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني وغطني الثالثة، قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] )) إلى آخر الحديث، وفي الحديث: (فرجع الرسول إلى خديجة وهو يقول: زملوني زملوني، من شدة البرد، ثم أخذته خديجة إلى ورقة بن نوفل، فقالت: اسمع يا ابن عم من ابن أخيك، فسمع ورقة من رسول الله ﷺ هذا الخبر، فقال: هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى ﷺ ، ليتني أكون فيها حياً إذ يخرجك قومك، ليتني فيها جذعاً، قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي) .
فالشاهد: أن هذا سبب نزول هذه الآيات الخمس.
следующие страницы →