Полный текст (2 242 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
تفسير قوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت .)
قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] من أهل العلم من قال: فمن طرح له
السؤال
لماذا مُثل بالإبل ولم يمثل مثلاً بالفيل وهو أعظم خلقاً من الجمل؟ فأجاب الحسن البصري رحمه الله تعالى على ذلك بقوله: إن الفيل لم يكن معروفاً عند العرب كمعرفتهم للإبل، وقال أيضاً: ثم إن الفيل كالخنزير، لا يؤكل لحمه، ولا يركب ظهره، ولا يحلب دره، أما الناقة، فيحلب لبنها، ويركب ظهرها، ويؤكل لحمها، فوجه الانتفاع بالجمال أكبر بمراحل من الانتفاع بالفيل، ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ على هذه الحال من فضل الخلق، كما هي ظاهرة بادية أمام أعينكم معشر العرب.
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إن قال قائل مثلاً: لماذا لم يقل: أفلا ينظرون إلى الشياه كيف خلقت؟ فالمطرد: أن توجيه النظر يكون إلى الأعظم دائماً، فالعرب كان كثيرٌ منهم أهل فخر واختيال، وكما قال الرسول ﷺ في شأن الفخر والخيلاء قال: (الفخر والخيلاء من الفدادين أهل الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم) ، يعني: أهل الإبل ينظرون إلى الناقة ورأسها مرتفع في السماء وأهلها يشتبهون بها، وتجده أعرابياً جلفاً جافاً ومع ذلك مستكبر غاية الكبر، ولا يبالي بأي شخص؛ لمعاشرته للجمال، أما الذي يرعى الغنم يكون فيه سكينة ووقار، فلا يخفى عليك أن الشاة دائماً رأسها منكساً في الأرض، فيكون أهل الشياه أهل تواضع، كما قال الرسول ﷺ : (ما بعث الله من نبيٍ إلا ورعى الغنم) لذلك تجد في الأنبياء تواضع، فإذا مثلت للأعرابي: أفلا ينظرون إلى الشياه كيف خلقت؟ يحتقر التمثيل ويقول: لا أريد أن أكون من أهل هذه الشياه.
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:١٧-٢١] حالك أنك مذكر، ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] ، وبين قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] لأن في باب التذكرة أنت فقط مذكر، وأمر الهداية مرده إلى الله، إلا أن من أهل العلم من قال: أن هذه الآية مسبوقة بآية السيف، لكن منهم من حملها على أنها في باب التذكير؛ وليس لك إلا التذكير، لأنك لست بمجبرٍ لهم، ولا بمسلط على قلوبهم فيؤمنوا، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] * ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] ، وكما في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق:٤٥] ، لست بمكره لهم على الإيمان.
﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ [الغاشية:٢٣] من أهل العلم من قال: (إِلَّا) هنا بمعنى: (لكن) ، فالمعنى: لكن من تولى وكفر، ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٤-٢٥] أي: رجوعهم، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٦] أي: يوم رجوعهم إلينا.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
стр. 2067
الأسئلة
стр. 2068
الجمع بين الأمر بترك صيام آخر شعبان وفعل النبي ﷺ
السؤال
حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ، وحديث: (كان النبي ﷺ يصوم شعبان كله) وفي الرواية الأخرى: (إلا قليلاً) كيف يمكن التوفيق بينهما؟
الجواب
حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) الراجح بلا تردد أنه ضعيفٌ لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، وهذا قول يحيى بن معين، وقول الإمام أحمد بن حنبل، وقول ابن عدي رحمه الله تعالى، وقول طائفة كبيرة من أهل العلم، وقد اعتبروه من الأحاديث التي استنكرت على بعض رواته وهو العلاء بن عبد الرحمن، ومن العلماء من حسن الحديث بناء على أن الحديث من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا الإسناد مركب عليه عدة أحاديث في صحيح مسلم، لكن هذا الحديث بالذات ليس في مسلم، فقالوا: إسناده حسن، لكن العلماء الذين ضعفوه قالوا: هذا الحديث من الأحاديث التي أخذت على العلاء.
يعنى: قد يكون الراوي ثقة، لكن لا ينفي بعض الأحاديث، فقالوا: من الأحاديث التي استنكرت على العلاء هو هذا الحديث، ومن العلماء من ضعف العلاء مرة واحدة بسبب روايته لهذا الحديث، من الذين ضعفوه يحيى بن معين، والإمام أحمد، وابن عدي رحمه الله تعالى، وغيرهم جمع كبير من العلماء.
إذاً: لا إشكال، فالباب قد فرغ بحديث: (كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً) ومما يدل على تضعيفه أيضاً: (أن النبي نهى عن صيام يوم الشك إلا إذا وافق صوم أحدكم) فمعنى ذلك قد يوافق صوم أحدكم يوم الشك، فإذا كنت تصوم الإثنين والخميس وجاء يوم الشك يوم الإثنين، فصم يوم الإثنين ولا شيء عليك، وهذا يوم الشك يعني يوم الثلاثين من شعبان وهو بعد منتصف شعبان، لكن أيضاً يلتمس الجمع لمن حسنوه، ووجه الجمع: أن النهي في قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) ليس النهي للتحريم، ولكن للتنبيه، فالمعنى: من كان يشق عليه أن يواصل صيام النصف الثاني من شعبان برمضان، يعني إذا صمت مثلاً خمسة عشر يوماً من النصف الثاني من شعبان، فيأتي رمضان ويشق عليك المواصلة، فلا تصم هذه الأيام حتى تتفرغ وتتقوى للفريضة، أما من استطاع أن يصوم هذه الأيام مع رمضان، فليصمها، على فرض تحسين الحديث، والله سبحانه أعلم.
стр. 2069
حكم الصلاة على الفرش المزخرفة برسم الصليب
السؤال
في بعض المساجد والمنازل على السجاد والمفروشات علامة الصليب فهل يجوز أن نصلي عليها أم لا؟
الجواب
الصلاة عليها جائزة مع الكراهة، أما الكراهة لأمرين: الأمر الأول: أنها تشغل المصلي، وقد صلى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام مخططة بخطوط، فلما انصرف من صلاته قال: (اذهبوا بخميصتي هذه وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) فقال عمر: (إياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) ، ثم أيضاً في صحيح البخاري من طريق عمران بن حطان، عن عائشة قالت: (كان النبي ﷺ لا يدع الصليب إلا نقضها) ، والله أعلم.
стр. 2070
حكم الصلاة مع الجماعة الثانية والثالثة بنية النافلة
السؤال
ما حكم الجماعة الثانية والثالثة والرابعة في الصلاة أثناء النافلة؟
الجواب
الجماعة الثانية في المسجد صحيحة، وقد قدمنا الأدلة على ذلك، منها: حديث (من يتصدق على هذا) .
стр. 2071
حكم محاسبة الرجل على معصية زوجته
السؤال
هل يحاسب الإنسان على معصية زوجته؟
الجواب
إن كان يستطيع كفها عن هذه المعصية وقصر، أما إن لم يستطع كفها عن هذه المعصية فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
стр. 2072
حكم اعتكاف المرأة في البيت أو في المسجد
السؤال
هل الأفضل للمرأة الاعتكاف في البيت، أم الاعتكاف في المسجد؟
الجواب
الأدلة بعمومها تدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، لحديث: (صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد -أو صلاتها في حجرتها خير من صلاتها في بيتها- وصلاتها في مخدعها خير من صلاتها في حجرتها) والحديث من مجموع الطرق صحيح، وإن كان أبو محمد بن حزم يغمز في الحديث ويضعفه، لكن أكثر الأئمة على تصحيحه، فهو صحيح بمجموع الطرق، والله أعلم.
فإن اعتكفت المرأة في المسجد جاز لها، لكن هل يجوز لها أن تعتكف في بيتها؟ لم أعلم دليلاً أن صحابية من الصحابيات اعتكفت في بيتها، ولا أعلم دليلاً على أن صحابية اعتكفت الاعتكاف المشروع في بيتها، وإذا كان أحد يملك دليلاً يدل على ذلك فليتحفنا به، والصلاة فيها الدليل: (أن الصلاة في بيتها أو في حجرتها أو في مخدعها أفضل من صلاتها في المسجد) لكن اعتكافها في بيتها؟! هي أصلاً في بيتها لا تخرج منه، لكن هل ورد أن صحابية على عهد النبي ﷺ اعتكفت في بيتها؟ هذا مما لا أعلمه، وأما بالنسبة لاعتكاف النساء في المسجد فقد اعتكفت أزواج النبي ﷺ ﵅.
стр. 2073
شفاعة القرآن لأصحابه
السؤال
هل القرآن والقيام يشفعان للعبد؟
الجواب
القرآن الحديث فيه ثابت، قال ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ، أما الصيغة المذكورة في السؤال فلا أعلمها صحيحة.
стр. 2074
كيفية البحث في فتح الباري
السؤال
كتاب: (فتح الباري) كيف أستفيد منه؟
الجواب
هو مرتب على أبواب الفقه، كترتيب الإمام البخاري، وهو شرح لصحيح البخاري، فإذا أردت أن تبحث مسألة في الصلاة، فابحث في أبواب الصلاة واستخرج المسألة التي تريد، وإذا كنت تريد أن تذاكره بالتسلسل، فاقرأ متون البخاري، والمشكل عليك انظره في شرح الحافظ ابن حجر؛ حتى لا تمل.
стр. 2075
حكم النفقة على العيال
السؤال
امرأة كانت قد تزوجت من رجل وهي مطلقة من رجل آخر معها منه ستة أطفال ولا ينفق عليها، وعندما تزوجت من الرجل الآخر أمرها بأن تطلق منه، وهي الآن حامل من هذا الرجل، ويريدها أن تجهض هذا الجنين، وإلا فسوف يحرمها طليقها من أولادها؟
الجواب
طليقها ليس له أي تدخل في شأنها أبداً، وإنما عليه أن ينفق على أولادها الستة الذين هم أولاده.
ولزاماً عليه أن ينفق عليهم، وهو ليس بواجب عليه أن ينفق عليها، وإنما ينفق على أولادها هم وجوباًَ، فالرجل المطلق الأول يجب عليه أن ينفق على أولاده الستة، وإن خدمت له أولاده تعطى مقابل الخدمة، أما الإنفاق عليها فمهمة الزوج الجديد، لكن كون المطلق الأول يقول لها: اجهضي حملك، فليس له ملك ولا يطاع أبداًَ، إنما الذي يطاع زوجها الجديد ويطاع في غير معصية الله.
стр. 2076
حكم التجميل والعلاج بالزبادي والعسل
السؤال
هل التجميل والعلاج بالزبادي والعسل الأبيض يجوز إذا كان يعالج التشققات على الوجه؟
الجواب
إذا كان يعالج التشققات على الوجه فلا مانع من استخدام الزبادي والعسل، ولا بأس أبداً، وليس هناك مانع شرعي أبداً من ذلك إذا كان يعالج، لكن هنا في بلادنا أحياناً تظهر أشياء: كأن تسقط اللقمة على الأرض فيأخذها الناس ويقبلونها، ما مدى مشروعية هذا العمل؟ يقولون: نعمة ربنا، ويقبلونها، السنة أن يميط ما بها من أذى ويأكلها، لكن هو لن يأكلها، وإنما يأخذها ويقبلها، ويقول: نعمة ربنا، والعمل صحيح، لكن ليس عليه دليل فيما نعلم، فقد وجد النبي ﷺ تمرة على الأرض فقال: (لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها) ، (وإذا سقطت لقمة أحدكم فليتناولها وليمط ما بها من أذى وليأكلها) ، ونحن نتكلم على مسألة تقبيل العيش الملقي على الأرض وقول: (نعمة ربنا) يرفعها إذا خشي أن تمتهن فقط فلا أعرف دليلاً عليه، وعند أبي يعلى -وإسناده حسن- أن النبي ﵊ كان يأكل مع عائشة، فدخلت سودة، فقالت عائشة لـ سودة: كلي، قالت: ما أنا بآكلة، قالت: كلي، قالت: ما أنا بآكلة، قالت: كلي أو لألطخن وجهكِ، فأبت، فقامت عائشة ولطخت وجه سودة بالطعام، فصنعت سودة بـ عائشة مثل الذي صنعت بها.
رواه أبو يعلى في مسنده بإسناد صحيح، وقد ورد أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يترامون أحياناً بالبطيخ، فقد كان البطيخ أحياناً يصل إلى كميات كبيرة فتفسد، فيترامون بها، أما إبعادها عن الطريق وتقبيلها فلا أعلم عليه دليلاً إلا: (فليمط ما بها من أذى وليأكلها) .
стр. 2077
الحكم على حديث: (اطلبوا العلم ولو في الصين)
السؤال
ما صحة حديث: (اطلبوا العلم ولو في الصين) وإذا كان صحيحاً فَلِمَ يحرم بعض العلماء السفر إلى بلاد الإفرنج لطلب العلم؛ لأنها بلاد كفر في زعمهم؟
الجواب
الحديث ضعيف لا يثبت بحالٍ عن النبي ﷺ ، أما قولك: (بلاد كفر في زعمهم) فإن زعمك أنت خاطئ، فهي بلاد كفر، فإنجلترا وفرنسا كفار، لا يوجد عندنا شك، وأمريكا أكفر وأكفر، وروسيا أشد إلحاداً وكفراً، وهذه بلاد كفر، ولا شك في ذلك، لكن هل يسافر إليها؟ فالسؤال يكون: هل يشرع السفر إلى بلاد الكفر؟ والجواب عليه: إذا كانت هناك حاجة تنفع المسلمين في دنياهم جاز السفر لها.
باختصار: إذا كان الشخص إيمانه ضعيف وليس له حاجة في هذه البلاد، ويخشى عليه من الفتنة، فالذهاب إليها لا يجوز؛ لأنه سيرى مناظر عارية أمامه، وقد يشرب كئوساً من الخمور، أو يتعرض لها، فإذا كانت هناك حاجة تعود على المسلمين بالنفع في دنياهم فله أن يسافر إليها، أما إذا لم تكن هناك حاجة تعود على المسلمين بالنفع في دنياهم، أو في دينهم فلا يسافر إليها، والله أعلم.
стр. 2078
صلاة المرأة خلف زوجها في البيت
السؤال
إذا صلت المرأة مع زوجها، فهل تقف بجواره أم خلفه؟
الجواب
تقف خلفه لحديث أنس: (صليت خلف رسول الله والعجوز خلفنا) وحديث ابن عباس: (كنت عند خالتي ميمونة) الحديث.
стр. 2079
حكم منع الزوج زوجته من إعارة دفتر محاضراتها
السؤال
هل من حق الزوج أن يمنع زوجته أن تعير دفتر محاضراتها لدروس العلم إلى زميلاتها أم لا؟ وهل له حق الطاعة في ذلك؟
الجواب
سنجيب بمقتضى السؤال: ننظر، لماذا منع الزوج، ويذكر بحديث: (من كتم علماً) وإن كان في طرقه مقال، لكن يستدل بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] ، ويذكر بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] ، ويذكر بحديث رسول الله: (والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه) ، لكن إن ذكر بكل هذا ولم يتذكر، فادفعي شره ولا تعيري دفترك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2080
تفسير سورة البلد
لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وفي هذه السورة العظيمة يقسم سبحانه بأحب البقاع إليه وهي قبلة المسلمين؛ أن الإنسان خلق في تعب ونكد ومكابدة لمتاعب هذه الحياة، ثم ذكر الله الإنسان وحثه على اقتحام العقبة الكئود حتى لا يتكرر عليه النكد يوم القيامة، وهذه العقبة يكون اقتحامها بإطعام المساكين، والنظر إلى المحتاجين، والعطف على الأيتام، وتفقد الأرامل.
стр. 2081
تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فيقول الله في كتابه الكريم في سورة البلد: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] وهذا قد يرد عليه إشكال! فقد أقسم الله بالبلد، قال الله : ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١-٣] ، فأقسم الله بالبلد.
والآية التي نحن بصددها: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ نافية للقسم بهذا البلد، وابتداء: البلد هي مكة، وقد نقل فريق من أهل العلم الإجماع على أن المراد بالبلد مكة، ثم نرجع فنقول: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ، وبين قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣] ؟ للعلماء في ذلك أقوال: هذه الأقوال تنصب على تفسير: (لا) في قوله تعالى: (لا أُقْسِمُ) ، فمن العلماء من يقول: إن (لا) نافية لشيء قد تقدم، فالمعنى: أن المشركين كانوا ينكرون البعث، ويقولون: لا بعث، فقال الله لهم: (لا) فهناك بعث، ثم أكد هذا بقوله سبحانه: أقسم على ذلك بهذا البلد، هذا التأويل مبني على الربط بين السور ببعضها، وبين المعاني ببعضها، فهذا القول الأول، حاصله: أن (لا) نافية لشيء متقدم، ثم ابتدئ الكلام بقوله: أقسم على هذا المنفي بهذا البلد.
ووجه الاعتراض على هذا القول الأول: أن الأصل أن كل سورة مستقلة بنفسها، ولا دليل على أن نربط بين السورة والأخرى إلا إذا جاء في ذلك شيء عن النبي ﷺ .
القول الثاني: أن (لا) زائدة، ومثال ذلك في كتاب الله : ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٩] ، فقوله سبحانه: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) المراد به: ليعلم، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] ، فالمعنى: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، و (لا) زائدة على قول بعض العلماء.
والشاهد من شعر العرب قول الشاعر: تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد صميم القلب لا يتقطع فـ (لا) أيضاً هنا زائدة.
واعترض على هذا: بأنه ليس في القرآن حرف زائد، وأجيب عن هذا الاعتراض: بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، ولغة العرب فيها أشياء زائدة كي يتكامل بها المعنى ويتسق.
القول الثالث: أن (لا) نافية، لكن ليس لشيء متقدم، إنما هو للشيء الآتي، فالمعنى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١-٢] يعني: لا أقسم بهذا البلد أثناء وجودك، وقد أحللت لك هذه البلدة كما سيأتي بيانه، يعني: لا أقسم بهذا البلد أثناء وجودك فيه في الوقت الذي أحللت لك هذه البلدة تفعل فيها ما تشاء.
إذاً: هي ثلاثة أقوال للجمع بين قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:٣] : أحدها: أن (لا) نافية لشيء متقدم.
الثاني: أن (لا) زائدة.
الثالث: أن (لا) نافية باعتبار ما هو آت، يعني: لا أقسم بهذا البلد حينما أحللت لك هذه البلدة.
فقوله تعالى على فرض أن (لا) زائدة (أقسم بهذا البلد) ، فيه أن الله أقسم بالبلد، وبعض العلماء يورد هنا، وما كان في مثل هذا المقام تقديراً محذوفاً، فيقول مثلاً: قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ، فيريد أن يفر من القسم بغير الله، وقال: إن الله لا يقسم إلا بنفسه، فقال: إن قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ، (وَهَذَا الْبَلَدِ) فيها تقدير محذوف (لا أقسم بهذا البلد) أي: أقسم برب هذا البلد، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] أي: ورب الشمس وضحاها، وهذا القول قول ضعيف؛ لأنه إذا قلنا: إن المقدر ورب الشمس وما ضحاها، ورب القمر إذا تلاها، ورب النهار إذا جلاها، سنأتي إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥] سنقع في إشكال، فكيف نقول: ورب السماء ورب ما بناها؟! فالذي بناها هو الله، فهذا وجه تضعيف هذا القول.
стр. 2082
تفسير قوله تعالى: (وأنت حل بهذا البلد)
قال تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ [البلد:١-٢] ما المراد بـ (أَنْتَ حِلٌّ) ؟ من العلماء من قال: إن (حِلٌّ) معناه: لست بآثم، كما تقول للشخص: أنت في حل من أمرك، أنت في حل من هذا الوعد، أنت لست بآثم إذا أخلفت هذا الوعد، وأنت لست بآثم إذا لم توف لي بهذا الأمر، فقوله تعالى: (وَأَنْتَ حِلٌّ) أي: وأنت في حل، وما المراد بهذا القول؟ المراد أن مكة بلد حرام، حرمها الله على لسان نبيه إبراهيم ﷺ ، بل حرمها يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها -لا يجوز لك أن تطير الحمام من الحرم- ولا يعضد شوكها، ولا يلتقط لقطتها، ولا يحمل فيها سلاح، ولا يقتل فيها الناس، فالبلد بلد حرام محرم.
الرسول ﷺ كانت مكة حراماً عليه كما أنها حرام على الناس، فيحرم على الرسول أن يرتكب فيها شيئاً من المذكور، لكنها أحلت لرسول الله ﷺ ساعة من نهار يوم الفتح، يفعل فيها ما يشاء، ويقتل من يشاء، وفي هذا يقول النبي ﷺ : (إن مكة بلد حرام حرمها الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده) إلى آخر الحديث: (وإنها ما أحلت لأحد قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار -أثناء فتح مكة- ثم رجعت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس إلى يوم القيامة) فأحلت مكة للرسول ساعة من النهار، قتل فيها بعض الناس، كما قال في شأن ابن خطل: (وإن وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة فاقتلوه) ، فقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:٢] أي: وأنت في حل مما تصنع في الساعة التي أحللت لك فيها هذه البلدة عام الفتح، فهذا هو تأويل قوله تعالى: (وَأَنْتَ حِلٌّ) عند الجمهور، أي: جمهور المفسرين.
وقول آخر: (وَأَنْتَ حِلٌّ) أي: قد استحل أهل هذه البلدة دمك، وهناك أقوال أخر لا نوصي بذكرها، المهم أن قول الجمهور هو الأول الذي سمعتموه.
فعلى هذا اتضحت وجهة من قال: إن (لا) نافية لشيء آت، فلا أقسم بهذا البلد في الساعة التي أُحلت لك فيها هذه البلدة، إنما أقسم بهذه البلدة في سائر الأوقات، وهذه وجهة من قال: إن (لا) نفي لشيء آت.
وهنا اعتراض على هذا التأويل وحاصله: إن هذه السورة -سورة البلد- مكية، وإنما أحلت مكة لرسول الله عام الفتح، يعني: بعد نزول هذه السورة، فكيف يلتئم الجمع بين أن السورة مكية وبين قوله تعالى: (وَأَنْتَ حِلٌّ) وهو إنما كان عام الفتح؟ فأجيب بأن هذا أطلق باعتبار ما سيكون، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر:٣٠] ليس معنى (إنك ميت) ميت الآن إنما معنى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أي: ستموت، وكقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١] ونحو ذلك.
﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١-٢] (حِلٌّ) يعني: حلال فاصنع ما تشاء.
стр. 2083
تفسير قوله تعالى: (ووالد وما ولد)
﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] المراد بالوالد عند فريق من العلماء آدم ﷺ ((وَمَا وَلَدَ)) ذريته.
وقال فريق آخر من العلماء: إن (وَالِدٍ) هو إبراهيم ﷺ ، (وَمَا وَلَدَ) الأنبياء من سلالة إبراهيم، فكل الذين جاءوا بعده من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف:٢٨] يعني: (وَمَا وَلَدَ) هم ذرية إبراهيم.
قول ثالث: أن الوالد إبراهيم، (وَمَا وَلَدَ) إسماعيل وثم أقوال أخر، واختار الطبري رحمه الله تعالى العموم، فقال: إن الله أقسم بكل والد وما ولد، فإن (ما) هنا بمعنى الذي، فالمعنى: ووالد والذي ولده.
ومن أهل العلم من قال: (وَوَالِدٍ) أي: رجل أنجب ﴿وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] أي: رجل لم ينجب، وهذا عليه قلة من المفسرين.
стр. 2084
تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)
أقسم الله بهذا البلد، وبـ ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ على شيء، وهو: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] كما أسلفنا قد يأتي ذكر الإنسان ويراد به الخصوص، وأحيانا يراد به العموم، فقال الله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] وهو آدم ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان:٢] وهم ذريته، آدم لم يخلق من نطفة، هنا يقول الله سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] المراد به عموم الإنسان، فكل بني آدم خلقوا في كبد، والكبد: المشقة والتعب والنصب والإرهاق، ومنه قول القائل: (كبّدت العدو الخسائر) أي: ألحقت به خسائر.
قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ فما هو هذا الكبد؟ قالوا: التعب والمشقة كما أسلفنا، فالإنسان منذ أن خلق؛ والتعب والمشقة ملاحقة له، فعندما يخرج من بطن أمه يتلقفه الشيطان فيطعن في خاصرته فيصرخ كما قال الرسول ﷺ : (ما من مولود يولد إلا ويطعن الشيطان في خاصرته حين يولد فيستهل صارخاً إلا مريم وابنها) الحديث، ثم يبقى يجوع حيناً ويشبع حيناً، ثم تأتيه آلام الختان، وتأتيه آلام قطع السرة، وتأتيه آلام الفطام ومنعه من الثدي، وهذا من أشق الألم عليه، ويكبر شيئاً ما فيبتلى بأصدقاء سوء يضربونه ويظلمونه، ويذهب إلى المدرسة فيبتلى بالمعلم: لماذا تركت الواجب؟ ويضربه، ويذهب إلى البيت فيكلفه أبوه بأعمال إن تخلف ضربه، ويستمر فيه الكيد يمرض! يتعب! يشاك! يقوم، وهكذا لا تكاد تجد راحة حلت به إلا وتبعها بلاء، ولا تجد فرحاً نزل به إلا وتبعه حزن، وهكذا، تبدأ مشاكل الدراسة والنجاح والرسوب والمجموع وغير ذلك.
ثم ينتهي من الدراسة فيبحث عن الوظيفة، ويبحث عن زوجة، فيتزوج ويحمل هم الأولاد والزوجة، وربما يبتلى بقوم ظالمين، إذا التزم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ تستمر به البلايا في كل حياته، يشيب وبعد أن يشيب يبدأ بالانحناء والتدهور، كما قال القائل: يسر الفتى طول السلامة والبقاء فكيف ترى طول السلامة يفعل يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا ما رام القيام ويحمل يأتي ليقف فيسقط بعد أن كان شابا قوياً، وهكذا! يبتلى بأمراض الشيخوخة التي لا تكاد تعالج إلا إذا أذن الله، ثم يبتلى بتلقف الملائكة له، هل تتلقف له بالرحمة أو تتلقف له بالعذاب؟! ويبتلى بفراق الأهل والأحباب ويدخل القبر ويبتلى في القبر ابتلاء أشد من ابتلاء المسيح الدجال، وفتنة أشد من فتنة المسيح الدجال، ثم كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] تدنو الشمس من رأسه يوم القيامة وتقترب، يبتلى بالموازين التي تقام ويوزن فيها الأعمال، يبتلى بالمرور على الصراط، وما أدراك ما الصراط؟! ويبتلى بقصاص المظالم بعد مروره على الصراط، ابتلاءات تلو ابتلاءات إلى أن يستقر إما في جنة، وإما في نار، فهكذا خلق الإنسان.
أقسم الله على ذلك، فالإنسان لا يملك لنفسه من هذه الأمور كلها شيئاً، ومن ثم يعلم أن الأمور مقدرة، وأن أقدار الله تجري عليه رغماً عنه، لا يريد الشخص أن يكون فقيراً، ولا أن يخسر، ولكن يخسر رغماً عنه، ويمرض رغماً عنه، لا يريد الشخص أن يكون تعيساً، ولا أن يكون عقيماً، لكن رغماً عنه قدر الله ينفذ فيه شاء أم أبى، كلنا يكره الموت، ولكننا كلنا سنموت، فهذا بعض ما ورد في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] .
كل بني آدم على هذا النحو، لا ينجو منهم رئيس ولا مرءوس، بل تجد هم الرئيس أكبر من همك آلاف المرات، لا يكاد ينام نوماً هادئاً هنيئاً: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ ، يتكبد المشاق في جمع المال، ثم يتكبد المشقة في حراسة هذا المال!
стр. 2085
تفسير قوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد)
قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٥] نحن الذين خلقناه في كبد، وهذه الحال التي خلق عليها، أفيحسب الإنسان أنه يعجزنا أو يفوتنا وأننا لن نقدر عليه، ولن نقبضه ولن نعيده مرة ثانية حياً بعد موته؟! ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ .
стр. 2086
تفسير قوله تعالى: (يقول أهلكت مالاً لبداً)
قال الله تعالى: (يَقُولُ) هذا الإنسان ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد:٦] أي: أنفقت مالاً كثيراً، فاللبد: الكثير المجتمع، وقريب منه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩] تكالبوا عليه واجتمعوا حوله ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ أي: أنفقت مالاً كثيراً، ومن القائل أهلكت مالاً لبداً؟ من العلماء من قال: إن القائل: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ هو الكافر، يقول الكافر من الكفار: إنني أهلكت مالاً كثيراً في عداوة محمد ﵊، كما ذكر في بعض التفاسير أن امرأة أبي لهب كان لها قلادة من ذهب، فباعتها كي تنفق ثمنها في عداوة النبي ﷺ ، هذا قول وراد في التفاسير، فالكافر يقول: أنا أنفقت مالاً كثيراً في عداوة الإسلام وأهله، وعداوة محمد، والمنافق يقول للمسلمين: إنني أنفقت مالاً كثيراً في الخير، مرائياً بهذا المال ومسمعاً، فهذه بعض الوجوه في تفسيرها.
(يَقُولُ) الإنسان بعمومه إما الكافر وإما المرائي، وقد يقولها المؤمن ليس على سبيل الرياء.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:٧] هذا الكافر يزعم أنه أنفق أموالاً طائلة ويتباهى بذلك أمام الكفار، أيظن أن أمره قد خفي علينا، وأننا لا نراه؟! فكذلك المنافق الذي أنفق الأموال مرائياً ومسمعاً، أيحسب أننا لن نراه؟!
стр. 2087
تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين .)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] العينان تشهدان على الكافر بما صنع، ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٩] فإن كنت -أيها الكافر- تظن أن أحداً لم يراك، وأنت تنفق في عداوة الأنبياء وعداوة أهل الصلاح فاعلم أن الله يراك، ثم جوارحك أيضاً شاهدة عليك، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] .
أما المتباهي بكثرة إنفاقه في سبيل الله فالتوجيه أن يقال له: إن من نعمه عليك ما أكثر من إنفاقك، فإذا كنت تدعي أنك أنفقت مالاً كثيراً لنصرة الدين فإنا قد جعلنا لك عينين، ولساناً وشفتين، والنعمة الواحدة من هذه النعم تغطي على كل ما أنفقت: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨-٩] .
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] الهداية هنا: هداية الدلالة لا هداية التوفيق، فقد تقدم أن الهداية هدايتان: هداية الدلالة، ويملكها البشر بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ، ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:١٩] أي: أدلك على عبادة ربك فتحصل على الخير، فالهداية هنا هداية الدلالة، يملكها البشر بإذن ربهم.
أما هداية التوفيق فلا يملكها إلا الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] .
قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: وضّحنا له الطريقين، وبينا له أعدل الطريقين: طريق الخير وطريق الشر، بيناهما له، كما قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) أي: أوضحنا له الطريق ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] ، وأصل النجد: المكان المرتفع، والنجود هي: الأماكن المرتفعة.
стр. 2088
تفسير قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة .)
قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:١١] من العلماء من قال: إن الهمزة هنا محذوفة، وهي: أفلا اقتحم العقبة، والمعنى: بعد إنعامنا عليه أفلا عمل أعمالاً يقتحم بها هذه العقبة ويتجاوزها.
ومنهم من قال: هي نافية، ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد:١١-١٣] .
لا يظن شخص أن تفسير العقبة: فك رقبة، وهذا خطأ يقع فيه كثير من الناس، يقول: وما أدراك ما العقبة؟! فك رقبة، العقبة شيء، وفك الرقبة سبب من أسباب اقتحام العقبة، وهذا الوهم يقع فيه كثير من الناس، مثلاً تقدم في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:١٩-٢٠] فيتوهم البعض أن ((كتاب مرقوم)) تفسير لعليين، إنما المراد كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٨-١٩] تفخيم لشأنها وتعظيم لقدرها، وهنا كذلك: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ، أي: ما عمل أعمالاً تجعله يقتحم العقبة ويتجاوزها.
وما هي العقبة؟ من أهل العلم من قال: هي عقبة يوم القيامة، يمرها ويقطعها كل شخص، المؤمن يقتحمها ويتجاوزها، والكافر يسقط فيها.
ومن العلماء من حملها على الصراط، فالمؤمن يتجاوزه ويمر عليه، والصراط عقبة أيضاً، والكافر يسقط فيه، والناس يمرون عليه بحسب الأعمال، فهذا قول قوي.
ومنهم من قال: إن العقبة جبل في النار، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر:١٧] أي: سأتعبه -أي: هذا الكافر- في الصعود على هذا الجبل، مع أنه في نار، ويضاف إلى عذابه في النار إرهاقه.
﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فلا عمل أعمالا تجعله يقتحم العقبة ويتجاوزها، ثم فخم شأن العقبة فقال الله : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ما هي الأعمال التي تجعل الشخص يقتحم هذه العقبة؟ قال الله سبحانه: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ من الأعمال التي تجعلك خفيفاً تتجاوز هذه العقبة عتق الرقاب، إما العتق أو المساهمة في العتق، قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد:١٤] والمسغبة: المجاعة، أي: يوم جاع فيه الناس، واعتراهم جوع شديد.
стр. 2089
تفسير قوله تعالى: (يتيماً ذا مقربة)
قال تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٥] ذا قرابة منك، ففيه أن الإنفاق على الأقارب الأيتام مقدم على الإنفاق على غيرهم إذا تساوت الحاجة، يعني: هنا يتيم في ظروف معينة قريب لك، ويتيم آخر ظروفه نفس الظروف بعيد منك، فالقريب هو الأولى، الأقربون أولى بالمعروف دوماً، وفي المعنى أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:١٢٣] الأقرب فالأقرب.
﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ : قدم اليتيم على المسكين، وقد جاءت جملة آيات تحث على الرفق باليتيم، والله يقول: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى:٩] ، ﴿كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر:١٧] ، ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون:١-٢] الذي يدع اليتيم رجل ضعيف الإيمان، يكذب بالدين، وفيه خصال سيئة.
стр. 2090
تفسير قوله تعالى: (أو مسكيناً ذا متربة)
قال الله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] ما معنى (ذَا مَتْرَبَةٍ) ؟ أي: ألصقته المسكنة والفقر بالأرض، فأصبح لا يملك شيئاً إلا التراب، فـ (مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) يعني: هو مسكين لا يمتلك أي شيء إلا التراب، فالمسكين الذي ألصقه الفقر وألصقته المسكنة بالتراب، فأصبح لا مأوى له إلا التراب، وفيه دليل على أن الشخص عند الإنفاق يتحرى الأحوج كي يعطيه، فمثلاً يعمد قوم إلى زكوات أموالهم فيتصرفون فيها، وفي الحقيقة أن زكاة الأموال ليس من حقك أن تتصرف فيها كما تشاء، إنما هي كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] ، فواحد مثلاً يأتي ويقول لك: يا شيخ! إن لي أختاً متزوجة، وحالتها غير متيسرة، فهل يجوز أن أعطيها الزكاة؟ فأنت قد تفتيه بالجواز؛ لأنها بحاجة لا تكفيها؛ ولأنها لا تلزمه نفقتها، فيجوز أن تكون مصرفاً للزكاة، وهي أولى، لكن ينبغي النظر إلى المستوى واليسر الذي يسأل عنه الشخص، فهو قد يقول: إنها لا تأكل في كل أسبوع لحماً، ويكون هناك أفقر منها لا يرى اللحم إلا في المواسم، بل يكون هناك من لا يرى اللحم حتى في المواسم، فيقدم الشخص الفقير في هذه الحالة على الأخت التي في بيتها تلفاز ولكنها لا تأكل لحماً إلا في كل شهر مرة، فهذه الآية الكريمة أشارت إلى هذا المعنى.
стр. 2091
الفقير أشد فاقة من المسكين
فإذا أردت أن تتصدق فتحرى الأحوج وأعطه المال، حتى يعظم لك الأجر عند الله وتأخذ أجرك مستوفياً.
هل هناك فرق بين المسكين والفقير؟ الجمهور يقولون: الفقير أشد من المسكين، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] ، وقالوا: المسكين يجد شيئاً، ولكن الشيء لا يكفيه، هذا رأي الجمهور، واعترض على هذا الرأي بأن الله قال: (مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ) وهنا المسكين ليس له أي شيء، وجمع بين الأقوال بأن قيل: إن اصطلاح المسكين والفقير قد يأخذ كل منهما معنى الآخر، إذا افترقا اجتمعا، يعني: إذا جاء المسكين في سياق ليس معه الفقير يأخذ معنى المسكين والفقير، وإذا جاء ومعه الفقير في سياق واحد، يكون الفقير أقل حاجة من المسكين، فهنا المسكين جاء في السياق وحده، لم يرد معه ذكر للفقير، فأخذ معنى الفقير والمسكين، وهو كاصطلاح البر والتقوى، فالبر إذا جاء منفرداً أخذ معه معنى التقوى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧] ، فالبر أخذ معنى التقوى في بعض الأعمال.
стр. 2092
تفسير قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا .)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧] ما هو وجه إيراد قوله تعالى: (ثم) هنا؟ من المعلوم أن الشخص الكافر إذا عمل عملاً لا يقبل منه هذا العمل إلا إذا كان مؤمناً في الأصل، وإلا عمله حابط، فلماذا أخر الإيمان هنا عن العمل مع أن جل الآيات الأخر تربط الإيمان بالعمل كقوله: ((إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) وهنا: ﴿إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد:١٤-١٧] وثم موضوعه في أغلب الأحوال للترتيب مع التراخي؟ فأجاب بعض العلماء بأجوبة، منها: أن (ثم) لترتيب الذكر، وليس للترتيب الزمني، كقول الشاعر: قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده (قل لمن ساد ثم ساد أبوه) وأبوه كان سيداً (ثم قد ساد قبل ذلك جده) فـ (ثم) للترتيب الذكري.
القول الثاني: أن (ثم) بمعنى الواو، أي: أطعم وكان مؤمناً وكان من الذين آمنوا.
القول الثالث: إنه فعل هذه الصالحات في جاهليته، فأثبتت هذه الأفعال الصالحة التي في جاهليته، فلما آمن انتقلت معه هذه الخصال الطيبة إلى إسلامه، فأصبح أيضاً بعد إسلامه كما قال الرسول ﷺ : (أسلمت على أسلفت من خير) ، هذه وجوه ثلاثة، وهناك وجوه أخر.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أي: أوصى بعضهم بعضاًَ، الصبر: الصبر على المصائب، والصبر على الطاعات، هذه نصوص عامة، فالتواصي بالصبر من شيم أهل الإيمان والصلاح ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا﴾ [العصر:١-٣] أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، ﴿بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] .
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ﴾ [لقمان:١٧] فلقمان يوصي ولده بالصبر.
((وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)) المراد بالمرحمة: رحمة الناس والرفق بهم، فالشدة على الناس الأصل أنها مذمومة إلا في حالات واستثناءات إذا رأيت أن الشدة تنفع في هذا المقام، وإلا فالأصل أن الناس يتراحمون بينهم، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق فيما بينهم، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها) ((وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ)) وفي هذه الجزئية فقه متسع، المقام لا يتحمله وتفسير السورة لا يتحمله.
﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد:١٨] أي: أصحاب اليمين الذي يتلقفون الكتب -كتب الأعمال- بأيمانهم، ومن ثم يقولون: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] .
стр. 2093
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [البلد:١٩] أي: الشمال الذي يتلقفون كتبهم بشمائلهم ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:٢٠] أي: مغلقة مطبقة، تطبق عليهم ولا تفتح، ليست ناراً مكشوفة إلى السماء، بل نار تغلق عليهم والإحراق داخلها.
وفقنا الله لما يحب ويرضى.
стр. 2094
الأسئلة
стр. 2095
حال حديث: (إن الله يبغض المرأة .)
السؤال
ما مدى صحة حديث (الله يبغض المرأة) ؟
الجواب
لا أعرف له سنداً.
стр. 2096
جواز تأديب الطفل بالضرب وهو دون العاشرة
السؤال
يقول لي زوجي: إن ضرب الأطفال وتأديبهم لا يكون إلا عند سن العاشرة قياساً على أمر الصلاة، فما مدى صحة ذلك، خاصة أني أخاف أن أتركهم بغير أن أضربهم عندما يخطئون فيفشلوا؟
الجواب
الذي يضبطنا في هذا الباب العمومات، منها قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ، إذا كان الطفل مؤذياً، يسرق، يعبث، ولا ينكف إلا بالضرب، شرع أن يضرب لتقليل المفاسد، فالله لا يحب الفساد، وإذا تركنا الأمر على ما يريد هذا الزوج، انطلق الأطفال للعبث والسرقة والضياع كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد:٢٥] فالموعظة إذا لم تنفع استعمل الضرب أحياناً، فعموم الآيات ثم إطباق أهل العلم على ذلك إذا كان لمصلحة التأديب، فهذا مما يدفع قول هذا الزوج.
стр. 2097
حكم سفر المرأة بدون محرم
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم لطلب علم خاصة وأنها سوف تستغرق يوماً واحداً؟
الجواب
إذا دعت الضرورة إلى ذلك جاز، وفي الحقيقة أن هذه قضية خاصة ما أدري هل نفتي بها أو نمسك بها بعض الشيء؟! لأنها تعتبر كفتوى وتقدر بقدرها، فمثلاً: الرسول ﷺ نهى عن سفر المرأة بدون محرم، فهل ينظر إلى العلة من نهيه ﵊ أو يوقف مع النظر ويغض الطرف عن النظر إلى العلة؟ فهذه مسالك للعلماء: فمن العلماء من ينظر ليس في هذه المسألة لخصوصها، بل ينظر في عموم الأحاديث إلى العلة من وراء هذا الحديث.
وبعض العلماء يقف على متن الحديث، ويبني عليه الحكم دون نظر إلى ما وراءه من العلة، فمثلاً: الخلط والنبذ، فمثلاً: الرسول ﷺ نهى عن نبذ الخليطين، يعني: أن تأتي بتمر وزبيب، وتنقع هذا مع هذا، هل أبني على هذا أنك إذا طرحت زبيباً وتمراً في ماء يحرم لحديث رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخليطين أو أمعن النظر في سبب النهي وأدور مع العلة كما تدور؟! فمثلاً من العلماء من قال: إن نهي النبي ﷺ عن نبذ الخليطين لأنه -يعني: التمر والزبيب- إذا نقعا معاً يسرع إليهما التخمر، فقد تأتي تشرب الشيء المنبوذ وتظن أنه لا يسكر فتفاجأ أنه قد أسكر.
ونظر فريق منهم إلى العلة وقال: إن الشراب حلال ما لم يصل إلى حد الإسكار، وأجرى هذا المجرى في حديث النهي عن الانتباذ في الظروف، نهى النبي ﷺ عن الانتباذ في الحنتم والمقير والمزفت والنقير؛ لأن هذه القدور تسرع بالنبيذ إلى الإسكار، ثم في آخر الأمر قال النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن الانتباذ في الظروف فانتبذوا ولا تشربوا مسكراً) ، فهل ينسحب هذا على الخليطين أيضاً، أي: اخلطوا ولا تشربوا مسكراً؟! الشاهد: أن من العلماء من يدور مع العلة من وراء هذه الأوامر، ومنهم من يقف عند الحديث.
مسألة: سفر المرأة بدون محرم، إذا كانت هناك ضرورة يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم، إذ الضرورات تقدر بقدرها، والضرورة تجيز للشخص أن يأكل الميتة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] .
ورد عن الرسول ﷺ أنه نهى أن تسافر المرأة مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها محرم، وورد أنه نهى أن تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا ومعها محرم، وورد أنه نهى أن تسافر المرأة مسيرة ليلة إلا ومعها محرم، وورد أنه نهى أن تسافر المرأة مسيرة بريد إلا ومعها محرم، وورد أنه نهى أن تسافر المرأة دون قيد إلا ومعها محرم.
فبالنسبة للناحية الأصولية: هل المطلق يحمل على المقيد؟ نقول: إن الروايات المطلقة كحديث ابن عباس نهى أن تسافر المرأة بدون محرم قيدتها الروايات الأخرى بالليلة أو الليلتين أو الثلاث أو البريد، ونقول: ما دون ذلك يجوز للمرأة أن تسافر أو أن الروايات المطلقة قضت على الروايات الأخر، وغطت عليها كما قال النووي وابن حزم، روايات ابن عباس هي القاضية على الروايات كلها التي فيها أن النبي نهى أن تسافر المرأة إلا ومعها محرم؟! فهذه جزئية ينبغي أن تحرر بشيء من الدقة، والقول فيها ليس واحداً، وإن كنا نجنح إلى قول النووي رحمه الله تعالى.
جزئية أخرى: هل ينظر إلى مخرج حديث الرسول ﵊ في الوقت الذي قال فيه الرسول هذه المقولة أو لا ينظر؟ يعني: الرسول قال الحديث في وقت خطورة الأسفار، وفيها صحاري يعني: إذا سافرت من المدينة إلى خيبر -مثلاً- فهي مسافات شاسعة تمشيها المرأة منفردة، لا بد حتى لو مشت ساعة واحدة أو نصف ساعة أن يتسلط عليها شرير، فيعبث بها وينصرف ولا أحد يعلم، ولا رقيب إلا الله ، فكون المرأة معرضة للفساد لا شك أنه متحقق في مثل ذلك الموطن، لكن لو أن شاباً أعزب في السعودية عقد على امرأة هنا في مصر، هو مصري يعمل في السعودية وعاقد على امرأة في مصر، وأراد أن يأتي بزوجته، فهو يقول في نفسه: وجودي بدون زوجة أخشى على نفسي الفتنة، خاصة إذا كان في بلد فيه نساء متبرجات، قال: أخشى على نفسي الفتنة، وزوجتي في بلدتي أخشى عليها أيضاً الفتنة، وهو يريد أن تأتي إليه زوجته.
ويقول: أنا أرغب أن آتي بها، لكن أموالي لا تسمح لي أن آتي بها مع محرمها، فهذا يكلف مبلغاً ليس قليلاً، هل أصبر على ما أنه فيه من العنت، وهي تصبر، أو يجوز لأخيها مثلاً أن يوصلها إلى المطار وأنا أستقبلها في مطار السعودية، والرفقة الآمنة موجودة في الطائرة، والتواطؤ على الفاحشة صعب في مثل هذا الموقف، فهل تتنزل على مثل هذه الحالة أقوال الرسول ﷺ التي صدرت على قوم كانوا في البادية أو لا تتنزل؟ والكلام هذا لا نقوله في محاضرة عامة، بل نقوله في وسط إخواننا طلبة علم، فنقول: العلماء إذا سئلوا في فتاوى عامة بمثل هذه المسائل لا بد أن تصدر منهم فتوى تسد الذريعة، يعني: إذا قال العالم: جائز للمرأة أن تسافر في الطائرة بدون محرم، فقد تسافر بنت من القاهرة إلى باريس لوحدها، وتقول: لأن العالم الفلاني أفتى، فمثل هذه المسائل تكون جرعات من الدواء تقدم للمريض بقدر حاجته.
فأظن -والله أعلم- أن الباب لا يقفل مرة واحدة أمام الاجتهاد وأمام مراعاة المصالح الأخرى، فإنه يخاف أن تقع البنت في الفاحشة مع جارها المؤذي، أو مع ساكن آخر في البيت، وهو أيضاً يخاف أن يقع في فاحشة مع امرأة متبرجة في البلدة التي هو فيها، فتصدر فتوى بقدر الحاجة إليها، لا أسد الباب قولاً واحداً وأقول: لا تذهب، ولا يفتح الباب فتصدر فتوى عامة لعموم الناس فيظنون أنه يجوز السفر بدون محرم.
стр. 2098
تفسير سورة الليل والشرح
أقسم الله في سورة الليل على أن سعي الناس مختلف، وبين أن من أعطى ما أمره الله واتقاه فسييسر له فعل الطاعات، ومن بخل واستغنى عن مولاه فإن الله ييسر له فعل المعاصي، ويحرمه من فعل الخيرات، ثم ختم الله السورة بصفات المؤمن الأتقى المخلص في نفقاته ابتغاء وجه ربه، ووعده بالرضا، فحري بنا أن نتقي الله ليرضينا في الدنيا والأخرى.
أما سورة الشرح فقد عدد الله فيها بعض نعمه على نبيه ﷺ ، ومن أعظمها أنه وسع صدره لحمل أعباء الرسالة، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، فهو أعظم وأشرف وأفضل مخلوق، وذكر الله في هذه السورة بشارة كبيرة، وفتح باب أمل واسع لمن ضاقت أحواله، فإن بعد العسر يسراً.
стр. 2099
تفسير قوله تعالى: (والليل إذا يغشى .)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فيقول الله : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:١-٤] .
يقسم الله بالليل وبالنهار، ويقسم بالذي خلق الذكر والأنثى، وهو نفسه ، يقسم بذلك على: ((إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)) .
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ أي: يغطي بظلامه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٤] أي: فاعتراها ما اعتراها، وأصابها ما أصابها، وحل بها ما حل بها، ونفس المعنى مضمن في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] ، (تغشاها) أي: جامعها، فيقسم الله بالليل عند إقباله ومجيئه وتغطيته للأشياء، ويقسم بمقابل ذلك وهو النهار: ﴿إِذَا تَجَلَّى﴾ أي: أضاء وظهر وأنار، وهذا القسم كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:١-٤] .
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ أي: والذي خلق الذكر والأنثى، يقسم الله سبحانه بهذه الأشياء على: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
стр. 2100
قراءة ابن مسعود: ((والذكر والأنثى))
ورد في صحيح البخاري ومسلم من طريق علقمة قال: أتيت الشام في نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ -أي: مع مجموعة من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، فالتقينا بـ أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: هل منكم من سمع عبد الله يقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ؟ قلنا: نعم، قد سمعناه يقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ .
قال: أيكم أقرأ؟! يعني: من منكم الأحفظ؟ فأشاروا إليَّ أي: إلى علقمة، قال أبو الدرداء: فاقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ، فقرأ فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:١-٢] ((والذَّكَرَ وَالأُنْثَى)) ، ولم يذكر كلمة (وَمَا خَلَقَ) ، فقرأها علقمة: (والذَّكَرَ وَالأُنْثَى) ، فقال أبو الدرداء: هكذا سمعتها من عبد الله؟ قال: نعم، هكذا سمعتها من عبد الله بن مسعود ﵁، قال: وأنا والله! لقد سمعتها من فيِّ رسول الله ﷺ هكذا -أي: بدون ذكر كلمة: (وما خلق) -، ولكن هؤلاء يأبون عليَّ -أي: يمنعونني أن اقرأ بهذه القراءة-، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بها، والحديث في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم.
إلا أن علماء القراءات يقولون: هذه من القراءات الشاذة، فالقراءة المتواترة هي: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى) ، وهذا لا يثار في مجالس عموم الناس، إنما يثار في مجالس طلبة العلم، ولكن على كلٍ فقد قال أهل القراءات: إنها من القراءات الشاذة، أما أهل الحديث فيقولون: السند ثابت بها إلى رسول الله ﷺ في الصحيحين وفي غيرهما.
(وَمَا خَلَقَ) أي: والذي خلق الذكر والأنثى، (إِنَّ سَعْيَكُمْ) ، السعي المراد به: العمل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩] ، فالسعي المراد به هنا أيضاً: العمل، (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) ، أي: إن عملكم لمتنوع ومختلف، فمنكم من يعمل الصالحات، ومنكم من يعمل السيئات، منكم من يعمل عمل أهل السعادة، ومنكم من يعمل عمل أهل الشقاوة، (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) ، أي: إن عملكم لمختلف ومتنوع.
стр. 2101
تفسير قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى .)
ثم قال الله سبحانه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى) ، أي: أعطى المال وأنفقه في سبيل الله، (وَاتَّقَى) ، أي: واجتنب محارم الله ولم يقع فيها، (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) ، والحسنى لأهل العلم في تفسيرها هنا ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المراد بالحسنى: الجنة، والذين قالوا هذا القول استدلوا بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] .
القول الثاني: أن المراد بالحسنى: قول: لا إله إلا الله، أي: من صدق بالتوحيد.
القول الثالث: المراد بالحسنى: التصديق بوعد الله بأنه سيخلف على المنفق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] ، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان، يقول أحدهما: اللهم! أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط ممسكاً تلفاً) ، فللعلماء ثلاثة أقوال في تفسير الحسنى: أحدها: أن المراد بالحسنى: الجنة.
والثاني: أن المراد بالحسنى: لا إله إلا الله.
والثالث: أن المراد بالحسنى: وعد الله بالإخلاف على المنفق.
(فَسَنُيَسِّرُهُ) ، أي: سنهيئه ونوفقه، (لِلْيُسْرَى) ، أي: لعمل الخير.
стр. 2102
تفسير قوله تعالى: (وأما من بخل واستغنى .)
قال الله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) ، بخل بالمال وامتنع عن إنفاقه في أوجه الخير، (وَاسْتَغْنَى) عن ربه !! (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) * (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ، أي: سنوفقه ونهيئه لعمل الشر، قال علي ﵁: (كنا مع النبي ﷺ في جنازة في بقيع الغرقد، فجلس وجلسنا حوله، وكان معه عود ينكت به، فقال ﵊: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو مقعده من النار، فقلنا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ) .
وفي الصحيحين (أن شاباً أو شابين من الأنصار -كما في بعض الروايات- أتيا إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله! أرأيت العمل الذي نعمل فيه، أهو عمل مستأنف أم عمل طويت عليه الصحف، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير؟ قال: بل تعملون عملاً طويت عليه الصحف وجفت به الأقلام وجرت به المقادير، فقالا: يا رسول الله! ففيم العمل إذاً؟ قال: اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥-١٠] ) .
стр. 2103
تيسير الله لمن سلك طريق الهداية
وهذه الآيات تفيد أن الشخص إذا سلك طريق الهداية يزيده الله هدىً، وإذا سلك طريق الغواية فتحت له أبواب الغواية كذلك، ففيها أن الشخص إذا التمس أسباب الخير سهلها الله عليه، وإذا التمس أسباب الشر والفساد فتحت له هذه الأبواب -والعياذ بالله-، فالشخص يقدم شيئاً من الخير ثم ييسر الله له أموره إذا اقترب من الله، كما قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: (وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً) ، وفي هذا المعنى عدة آيات وعدة أحاديث عن رسول الله ﷺ كلها تؤكد أن الشخص إذا سلك طريقاً أُعين على هذا الطريق الذي سلكه، فمثلاً رب العزة يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] ، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ، وتقدم قول الله في شأن موسى ﵊: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٧] ، وأحاديث النبي ﷺ في هذا الباب كثيرة، يقول ﵊: (من يتصبر يصبره الله، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله) ، وكتوضيح يسير لذلك، مثلاً: أنت إذا قمت تصلي من الليل ركعتين لله، الفرش دافئ، والزوجة بجوارك حسناء، وسمعت الصارخ قبل الفجر بساعة أو أقل أو أكثر، وتريد أن تقوم إلى الصلاة، والقيام عليك في غاية المشقة، ولكنك استعنت بالله ، وتقويت به سبحانه، وتجافيت عن الفراش، وقمت واستعنت بالله وصليت ركعتين، فتذوق طعم هذه الطاعة، وكلما تذكرتها في النهار حمدت الله، وصدرك منشرح لها، وإذا وقعت في كربة في النهار تذكرت أنك قمت من الليل وصليت ركعتين لله، فتتوسل بهاتين الركعتين إلى الله، تأتي الليلة الثانية فتتذكر حلاوة الطاعة فيكون القيام عليك أيسر من القيام في الليلة السابقة، وإذا استمر بك شهراً على هذا المنوال يصبح قيام الليل عندك في غاية اليسر، يصبح على قلبك يسيراً خفيفاً بإذن الله ، ييسره الله عليك غاية التيسير، فتكون عادة لك إذا سمعت الصارخ قمت تلقائياً، كأنك تقوم لعملك، وأنت متلذذ بهذه الطاعة.
جرب طاعة أخرى، صلِ الفجر في جماعة، ثم امكث في مكان صلاتك يوماً إلى طلوع الشمس، تذكر الله، وتأتي بأذكار الصباح، وتتلو ما تيسر لك من كتاب الله، في أول يوم العمل عليك شاق غاية المشقة، وفي اليوم التالي ييسر عليك العمل شيئاً ما، وبمرور الأيام -بتوفيق الله- يصبح عليك الجلوس في المصلى إلى طلوع الشمس في غاية السهولة واليسر، وإذا قلت لرجل آخر: تعال معي نجلس من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، فكأنك تسجنه سجناً، بينما يكون العمل عليك في غاية اليسر، يأتيك ضيف مثلاً، فيبيت عندك، وأنت متعود أن تصلي الفجر وتمكث في المصلى إلى طلوع الشمس، فالضيف صلى معك الفجر، ثم قلت له: أنا أريد أجلس في المصلى إلى طلوع الشمس، يصاب بهم ما بعده هم، كأنك ضربته ضرباً مبرحاً؛ لأنه سيجلس إلى طلوع الشمس!! وأنت بسلوكك لهذا الطريق، واستمرارك عليه جعله الله يسيراً عليك بإذن الله، وهو لابتعاده عن هذا الطريق جعله الله شاقاً عليه في غاية المشقة، وهكذا كل الطاعات.
صم يوم الإثنين والخميس، أول إثنين وأول خميس تصومهما في غاية المشقة، تقول: أجوع، أنا لا أصبر إذا تأخر الغداء نصف ساعة، وأعمل مشكلة مع الزوجة في البيت، فكيف أصوم الإثنين والخميس؟ لكن جرب واصبر أول أمرك، فيسهل عليك بعد ذلك هذا الصيام، ويكون لك دأباً، وتكون تلقائياً تصبح كل يوم إثنين وأنت صائم، وكل يوم خميس وأنت صائم، بدون أي مشقة، وبدون أي تعب، وبدون تكلف، وبدون إرهاق، فمن سلك طريق الطاعات يسرها الله له، وكذلك الإعطاء كما في هذه الآية: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) أعط الناس، قد يكون الإعطاء عليك في أول يوم شاق، تخرج جنيهاً من جيبك كأنك تقطع من جلدك شيئاً وأنت تتصدق به، تقول: أنا أولى، أشتري بالجنيه كيلو سكر أو أي شيء، فكأنك تقطعه من جلدك، لكن إذا استمريت على هذه الطاعات تشعر بعد ذلك بأنك تفعل الطاعات وأنت في غاية السعادة والانشراح، وتشعر أن الله يبارك لك في صحتك، وأن الله يدفع عنك بلايا كانت ستحل بك وبنيك، ترى أبناء إخوانك عند الأطباء وفي المستشفيات وأنت مبارك لك في مالك وفي ولدك، فتحمد الله وتشكر الله.
فالشاهد: أن من سلك طريق الهداية فتح الله له أبوابها، ووفقه الله لها وسهلها عليه، قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) * (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) * (فَسَنُيَسِّرُهُ) ، أي: سنهيئه ونوفقه لعمل الخير، ونهديه للطريق اليسرى السهلة السمحاء، (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى) * (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) * (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ، وهذا الذي ييُسر للعسرى.
стр. 2104
تفسير قوله تعالى: (وما يغني عنه ماله إذا تردى)
قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١] ، (تردى) أي: سقط، سقط في جهنم، هذا المال الذي جمعه ولم ينفقه في الطاعات لا يغني عنه كما قال هو بنفسه في الآية الأخرى فيما حكى الله عنه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨-٢٩] ، وكما قال سبحانه في الآية الثالثة: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ﴾ [الهمزة:٢-٣] ، أي: يظن، ﴿أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة:٢-٦] ، فهو سينبذ في الحطمة، أي: في النار الموقدة، وماله سيقذف به أيضاً معه في الحطمة.
فهنا يقول تعالى: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ) ، أي: الذي بخل به، (إِذَا تَرَدَّى) ، أي: إذا سقط في النار، فالمال ليس بنافع صاحبه يوم القيامة، قال النبي ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله -يعني: إلى القبر- فيرجع اثنان، ويبقى واحد) ، يتبع الميت المال والأهل والعمل، فيدخل مع الميت في القبر العمل، ويرجع المال والأهل، يبقى واحد، ويرجع اثنان، العمل هو الذي يصاحب صاحبه إلى القبر، ويرجع المال ويرجع الأهل، فالمال لا ينفع صاحبه إلا مع إيمان، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧] ، وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ [الأنعام:٧٠] ، أي: بالقرآن، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام:٧٠] ، أي: تحبس نفس، ﴿بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام:٧٠] ، يعني: إن تقدم كل فدية، ﴿لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام:٧٠] .
стр. 2105
تفسير قوله تعالى: (إن علينا للهدى)
قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:١٢] ، أي: علينا أن نبين للناس طريق الهداية، وطريق الغواية كذلك يبينه الله للعباد، ولكن حذف لدلالة السياق عليه، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل:٨١] ، أي: وتقيكم البرد، وفهم أنها تقينا البرد من كونها تقينا الحر، وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] ، أي: ونساءً كثيراً كذلك، فقوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) ، أي: وإن علينا أيضاً بيان طريق الضلالة كذلك، كما قال تعالى في الآية الأخرى، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] ، وكما قال في الآية الثالثة: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، يعني: بينا له الطريقين.
وقوله سبحانه: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: إن علينا أن نبين لخلقنا طريق الهداية وطريق الغواية، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٣] ، فهذا هو القول الأول.
القول الثاني: إن هداية الناس مردها إلينا لا إلى غيرنا، فلا يملكها إلا الله ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠] ، وكما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] ، وكما قال أهل الإيمان: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] ، وكما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] ، فهذا هو القول الثاني، (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) أي: إن أمر الهداية وكذلك أمر الغواية موكول إلينا نحن، ولا يستطيعه نبي ولا ملكٌ ولا بشرٌ ولا أي خلق، إنما مرده إلينا، والمراد بالهداية: هداية التوفيق، أما هداية الدلالة، فقال الله عنها: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧] ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ، فهذه هداية الدلالة، أما هداية التوفيق فمردها إلى الله وحده، لم يملكها نوح لولده، ولا إبراهيم لأبيه، ولا نوح ولا لوط لزوجتيهما، ولا نبينا محمد ﵊ لعمه، ولا يملكها أحد، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ﴾ [الليل:١٢-١٣] ، أي: للدار الآخرة، (وَالأُولَى) ، أي: الحياة الدنيا.
следующие страницы →