Полный текст (2 242 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] أي: فمن يعمل في دنياه مثقال ذرة من الخير يراها، وما هو ضابط الذرة؟ من العلماء من قال: إن الذرة هي النملة الصغيرة الحمراء، ومنه قول الحسن البصري في بعض مقالاته في شأن الأبرار: البر هو الذي لا يؤذي الذر.
فالشاهد: أن من العلماء من ضبط الذرة بأنها النملة الصغيرة الحمراء.
فإن قال قائل: إن العلم الحديث وضح أن الذرة تنقسم إلى الكترون وبروتون، وكل هذا لا يرى بالعين المجردة، فلماذا فسرت الذرة بهذا التفسير الذي هو النملة؟ فالإجابة أن الله خاطب الناس على عهد رسول الله ﷺ بأصغر شيء في أعينهم وهو النملة الصغيرة الحمراء.
والقول الثاني: إنها ذرة الغبار التي تكون في شعاع الشمس في الغرفة التي يدخلها ثقب، على ما قاله بعض العلماء، وكان هذا أصغر شيء يتخيله العرب، لكن أصغر منه أثبت أيضاً في كتاب الله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [يونس:٦١] فأثبت الذي هو أصغر من الذرة، فيندرج تحته ما اكتشف مؤخراً ﴿وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١] .
فقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:٧] حتى الذرة، ولذلك فقد روي عن أم المؤمنين عائشة أنها كانت إذا أتاها سائل لا تبخل عليه بالصدقة، ولو بتمرة، وتقول: سبحان الله! كم في التمرة من ذرات، والله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] وقال النبي ﷺ : (يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة جارتها ولو فرس شاة) أي: لا تحقرن جارة الهدية أن تهديها إلى جارتها أو تقبلها من جارتها ولو كانت الهدية هذه حافر شاة أو رجل شاة، وإذا أهديتِ أيتها المسلمة أو إذا رغبتِ في الإهداء وليس عندك شيء فلا تستقلي الهدية أن تهديها، وإن كانت قليلة فبادري بإخراجها ولا تحتقريها، فكم فيها من ذرات.
والوجه الثاني: إذا أهدت لك أيتها المسلمة أختكِ شيئاً فاقبليه، فالهدية في أصلها دليل على المحبة، ومن ثم حسَّ بعض العلماء حديث: (تهادوا تحابوا) ، وكان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها.
فالشاهد: أنه على العبد ألا يستقل أعمال البر ولا يستصغر أعمال الشر كذلك، فقد ترى العمل في عينيك يسيراً ولكنه عند الله كبير، قال النبي ﷺ في الحديث لما مر بالقبرين (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير -أي: في أنظاركم- بلى إنه كبير) أي: عند الله .
فقد تتكلم بكل بساطة في عرض مسلم وتظن أنك ما فعلت شيئاً وأنت قد أكلت لحماً ميتاً، ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] ، وقد تقدم عن أنس بن مالك كما في البخاري (إنكم تعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إنا كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) أي: من المهلكات.
فالله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] هذا النص عام تندرج تحته كل أفعال البر وكل أفعال الشر، وقد استدل به الرسول ﷺ لما ذكر حديثاً في فضل الخيل، فسأله سائل: يا رسول الله! والحمر -أي: والحمير يا رسول الله ما القول فيها إذا احتبستها في سبيل الله- (فقال: ما أنزل عليّ فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] ) .
فأفادت الآية أن كل شيء يفعله العبد مثبت، حتى خائنة الأعين مثبتة، اللفظ الذي يتلفظه العبد مثبت، حركة اليد مثبتة، قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢-٥٣] ، وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف:٤٩] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠] ، فالأمر كما قال سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٨] ، لقد صحح بعض العلماء حديثاً عن النبي ﷺ حين قال لـ عائشة: (يا عائشة، إياكِ ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على رجل يهلكنه -وفي رواية-: كقوم نزلوا ببطن وادٍ، فجمع هذا عوداً، وجمع هذا عوداً، حتى جمعوا حطباً كثيراً فأنضجوا لحمهم) أو كما قال الرسول ﷺ ، وكما قال الشاعر: لا تحقرن من الذنوب صغيرها إن الصغير غداً يعود كبيراً إن الصغير وإن تضاءل قدره عند الإله مسطر تسطيراً فجدير بكل عبد أن يحدث توبة لكل ذنب.
والله الموفق.
стр. 2172
تفسير سورة العاديات
في هذه السورة يقسم الله بشيء من مخلوقاته وهو الخيل، ثم يستمر في وصف سرعتها وشدة اندفاعها نحو العدو من آثارها، وكل هذا ليبين الله طبيعة هذا الإنسان، وأنه ينسى كل خير ومعروف، وينكر ويجحد الجميل من ربه سبحانه، وإذا نظرت إليه تجاه الدنيا وجدته شديد المحبة للمال والجاه والسلطان، لكن لا بد أن يعلم هذا الإنسان أنه إذا بعث إلى ربه، وأخرج مكنون صدره فإنه محاسب على انشغاله بهذه الدنيا ونسيانه لطاعة ربه .
стр. 2173
تفسير سورة العاديات
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات:١-٥] كل هذا لبيان ماذا؟ قال تعالى بعد هذا: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] أي: لكفور جحود، فإلى متى أنت وحتى متى تذكر المصائب وتنسى النعم؟!
стр. 2174
بيان المراد بالآيات إذا حملت العاديات على أنها الخيل
قال تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١] ، أقسم الله بالعاديات، ما هي هذه العاديات؟ العدو: هو الجري، فالحقيقة أنه قسم بصفة.
فـ (العاديات) جمع عادية، والعدو معروف وهو: الجري، فأقسم الله بشيء يجري ويضبح، والضبح هو صوت النفس الشديد بعد الجري، فما المراد بالعاديات التي أقسم الله بها؟ جمهور العلماء قالوا: العاديات هي الخيل التي تجري وتعدو بسرعة نحو العدُوّ، هذه المناظر كان يعرفها العرب ويألفونها، مناظر تستقر في الأذهان؛ لأن على إثرها يتم وقتل أو أسر أو نصر أو هزيمة، خيول تجري مسرعة بسرعة فائقة مندفعة نحو العدو، فيحصل معها إما قتل لهذا أو قتل لذاك، أو نصر لهذا وهزيمة لذاك.
فأقسم الله بالعاديات التي هي الخيول التي تجري مسرعة نحو العدو، وتضبح بعد جريها، أي: تأخذ نفساً شديداً وتحمحم حمحمة بعد هذا الجري، فالضبح هو: صوت الأنفاس، وهو الحمحمات، (وَالْعَادِيَاتِ) أي: والخيل العاديات التي تجري نحو العدو بسرعة.
وهنا لفتة سريعة: وهي أن الله أقسم بالخيل العادية ولم يقسم بالخيل التي تحمل الزبالات، بل بالخيل العادية القوية التي تجري نحو العدو، فهناك تفاضل بين الدواب، فهناك فرس نشيط همته عالية، وفرس كسول، فرس لا يرضى أن يقف عند المزابل بل يمشي سريعاً إلى القتل والقتال، وفرس خامل بليد، رضي بالذلة والهوان، ورضي بالوقوف عند المزابل إلى غير ذلك.
﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:٢] ، يوري أي: يستخرج الشرر، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١] أي: التي توقدون وتستخرجون شررها ﴿أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ [الواقعة:٧٢] ، (فَالْمُورِيَاتِ) ، أي: الخيل إذا جرت واحتكت حوافرها بالأحجار وكانت سريعة في جريها، يخرج شرر من أثر احتكاك الحوافر بالأحجار، فتقدح الشرر أثناء جريها من شدة سرعتها.
العاديات ضبحاً: الخيل التي تجري بسرعة فائقة، فيخرج منها النفس، وتخرج منها الحمحمات، وهذه الخيول توري النيران وتستخرج الشرر من الأحجار التي تحتك بها أرجلها.
(فَالْمُغِيرَاتِ) أي: الخيل التي تغير على العدو صباحاً، ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات:٣] أي: الخيول تجري في الصباح مسرعة نحو العدو، يسمع لأنفاسها صوت، تحتك حوافرها بالأحجار فتستخرج الشرر، هذا كله على تأويل العاديات على أنها الخيل.
﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات:٤] أي: بهذا الفرس القوي السريع، ومعنى (أثرن) : أي: رفعن، والنقع: هو الغبار، يعني: من سرعته هيج التراب، حين تمشي السيارة مسرعة يخرج الغبار خلفها فكذلك الخيل، أثرن به نقعا، من الإثارة، فينفعل ويخرج كل ما عنده.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات:٥] أي: توسطنا بهذه الخيول جموع العدو، فالخيل هذا تمثيلها، خرجت مسرعة شديدة في الصباح في اتجاه العدو، فاستخرجت عند جريها الشرر من الأحجار، فتوسطت المعركة، فأثارت الغبار أثناء سيرها، ودخلت في وسط جموع العدو، وهذا التأويل عليه الأكثر.
стр. 2175
بيان المراد بالآيات إذا حملت العاديات على أنها الإبل
تأويل آخر: أن المراد بالعاديات التي تعدو الإبل التي تأتي مسرعة سرعة زائدة، فتأتي مسرعة من عرفات إلى مزدلفة بعد الحج.
(وَالْعَادِيَاتِ) الإبل التي تعدو من عرفات إلى مزدلفة، ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات:١] نفس الشيء يسمع لها صوت ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:٢] نفس الشيء تستخرج الشرر بأقدامها.
﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات:٣-٥] قال بعضهم: إن (جمعاً) هنا هي مزدلفة، فمزدلفة يطلق عليها جمع، وهي أيضاً تغير في الصباح، أي: تتجه من مزدلفة إلى منى بعد الفجر، وهنا تأويلان للآية: من العلماء من نزل العاديات على الخيل.
ومنهم من نزلها على الإبل.
والأمر في هذا قريب.
ومنهم من نزلها على القتال.
ومنهم من نزلها على الحج، والأمر يحتمل الاثنين معاً كذلك، والتفسير بالعموم أولى من التفسير بالخصوص.
وهذا القول الأخير على ما يحضرني مروي عن علي ﵁.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات:٥] ، إما بالجمع الذي هي جموع العدو، وإما جمع التي هي مزدلفة.
стр. 2176
تفسير آيات جواب القسم في سورة العاديات
﴿إِنَّ الإِنسَانَ﴾ [العاديات:٦] ، أقسم الله بهذا القسم لأجل شيء ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] ، (كنود) أي: جحود كفور، يذكر المصائب وينسى النعم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود:٩-١٠] .
стр. 2177
معنى قوله تعالى: (وإنه على ذلك لشهيد)
﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:٦-٧] ، الضمير في قوله: (وَإِنَّهُ) يرجع إلى من؟ من العلماء من قال: (وَإِنَّهُ) راجع إلى الرب، أي: إن الرب شهيد على كفر الإنسان وعلى جحوده، ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:٧] ، أي: وإن ربه على كفر عبده وجحوده لشاهد.
ومنهم من قال: إنه قوله: (وَإِنَّهُ) ، راجع إلى الإنسان، أي: والإنسان شاهد على نفسه، بأنه جحود لنعم الله ، تشهد عليه في الآخرة جوارحه، وضميره يشهد عليه كذلك أنه جحود، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] ، أي: كفور جحود، هذا على الغالب، لكن لا يمنع أن من الناس من هو مؤمن، فقد يتجه إلى الآية قولان: أحدهما: أن المراد بالإنسان الإنسان الكافر، لكن إن قيل: ومن أين هذا التقييد بالكافر؟ فالإجابة: أن الشرع يستعمل اللفظ على أغلب ما وضع له، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، والآية الأخرى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:٩٩] ، فأطلق على الأكثر، أي: فالمراد الأكثر والأغلب.
أو يقال: إن عموم الناس لا يستطيعون أن يؤدوا شكر نعم الله ، فمع صلاة الإنسان وصومه فذلك لا يوازي نعم الله عليه، كما قال الرسول ﷺ : (لن يدخل أحدكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا) فالوجهان واردان.
стр. 2178
معنى قوله تعالى: (وإنه لحب الخير لشديد)
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات:٨] ، رجع الضمير إلى الإنسان، (وَإِنَّهُ) ، أي: الإنسان (لِحُبِّ الْخَيْرِ) : الخير في أكثر الآيات في الكتاب العزيز يطلق على المال، ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٠] ، أي: إن ترك مالاً.
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات:٨] ، أي: المال، وشاهدها: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠] ، أي: (وَإِنَّهُ) ، طبيعة الإنسان، ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] ، محب المال بشدة: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا) .
стр. 2179
معنى قوله تعالى: (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور)
﴿أَفَلا يَعْلَمُ﴾ [العاديات:٩] ، هذا الإنسان الجحود المحب للمال الشديد، ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات:٩] ، أي: استخرج وأثير من في القبور، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] ، (حصل) أي: مُيز وبُين ووضح ما في الصدور.
فالمعنى: هذا الكفور المحب للمال حباً شديداً، الذي حمله حبه للمال على إضاعة دينه، كما قال الرسول ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص الرجل على المال والشرف لدينه) ، أي: حرص الشخص على المال، وحرصه على الشرف والجاه والمنصب يفسد دينه كما يفسد الذئبان الجائعان زريبة الغنم إذا نزلا فيها، كيف يصنعا بالغنم؟ يمزقان الغنم تمزيقاً، كذلك هذا الحريص على المال والجاه والشرف، يمزق الدين كما تمزق الذئاب الجائعة الأغنام في زريبة الغنم.
فالله يقول: أفلا يعلم هذا الإنسان الحريص على المال المحب له، الذي حمله هذا الحب على اكتسابه من الحرام وعلى ظلم العباد والتعالي عليهم والتكبر، ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات:٩] ، أي: استخرج وأثير من في القبور، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] .
لأنه معلوم بداهة أنك مسئول حينئذٍ، إذا أخرجت من القبر وحصل ما في صدرك، فبُين أن هذا خير هذا شر نيته صالحة نيته فاسدة.
стр. 2180
معنى قوله تعالى: (إن ربهم بهم يومئذ لخبير)
﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١١] ، هنا تقدير، أي: وسيجازيهم على ما صنعوا أو يعفو عنهم إن شاء، فإن قال قائل: لماذا قيل في هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١١] ، أليس الله بخبير أيضاً بعباده في الدنيا؟! ف
الجواب
أن الآية كقوله أيضاً: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ، أليس الملك في الدنيا لله كذلك؟! فلماذا قيل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ؟ وذلك والله أعلم لأن المقام بالنسبة للملك أنه قد يدعي رجل في الدنيا أنه ملك، وينازع ربه أمام الناس، لكن يوم القيامة ليس هناك مدع لهذا، فلا أحد يدعي أبداً أنه الملك، وأيضاً في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:١١] ، المقام مقام حساب لما في الصدور؛ لأنها استخرجت، فالمقام مقام حساب حتى تبين رهبة المقام، وحتى تدل هذه الدلالات على التحذير والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2181
تفسير سورة الفيل
تتجلى عظمة الله وقدرته في الانتقام من أعدائه والانتصار لأوليائه، وتتجلى هذه العظمة في حماية رب العالمين للبيت الحرام عندما أراد أبرهة الحبشي أن يهدم الكعبة، فأرسل الله عليهم جنداً من جنوده وهو الطير، ترميهم بحجارة قاسية، فأردتهم في الهلاك والخزي.
стр. 2182
تفسير قوله تعالى: (ألم ترك كيف فعل ربك بأصحاب الفيل .)
يقول الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١-٥] .
стр. 2183
الإشارة إلى الرسول بأن الله ناصره كما نصر قومه على أصحاب الفيل
تعد حادثة الفيل من الإرهاصات، كما أن اقتتال الأوس والخزرج يعد من الإرهاصات، أعني: من المقدمات بين يدي بعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكتوطئات لبعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [الفيل:١] قال كثير من أهل العلم: إن النبي ﷺ ولد عام الفيل فما رأى ﷺ الذي حدث في هذا العهد.
فكلمة (ألم تر) في كتاب الله تأتي أحياناً ويراد بها الرؤية الحقيقية، وتأتي أحياناً ويراد بها العلم، كقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:٢٤٣] ، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [الفجر:٦] ، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] ، فكلمة: (ألم تر) أحياناً تأتي بمعنى: ألم تعلم، وتكون الرؤية رؤيا بالقلب، أي: ألم تر بعين قلبك، وأحياناً تكون الرؤيا بالعين.
فهنا المراد بالرؤيا العلم، أي: ألم تعلم، والهمزة للاستفهام المقتضي التقرير، كما في قول فرعون لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء:١٨] أي: قد ربيناك فينا وليداً، فهي همزة للاستفهام الذي يقتضي التقرير، وكما في قول الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح أي: أنتم كذلك.
فـ (ألم تر) معناها: ألم تعلم، ومعناها أيضاً: قد علمت يا محمد كيف فعل ربك بأصحاب الفيل.
وفي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفيل:١] لم يقل: ألم تر كيف فعل الله بأصحاب الفيل، وأن ربك هو الله، للإشعار بالمؤانسة.
وأيضاً قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] معناه أن الله ناصرك، فإنه نصر قومك من قبل على أصحاب الفيل، فكلمة (ربك) هنا تشعر بالمؤازرة والمؤانسة، إذ هو ربك وهو ناصرك .
стр. 2184
ذكر قصة أصحاب الفيل
أما قصة أصحاب الفيل فإنها لم ترد بسند صحيح لذاته، أي: ليس هناك نص صريح إسناده صحيح لذاته يثبت حادثة الفيل بالتفصيل المعهود، لكن كتاب الله أثبتها إجمالاً، وجاءت الإشارة إليها في بعض الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ أثناء عام الفتح، فالنبي ﷺ عندما جاء يدخل مكة عام الفتح امتنعت ناقته من الدخول، فقال الصحابة: خلأت القصواء، وامتنعت من الدخول، فقال الرسول ﷺ : (ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل) ، يعني: أن المانع الذي منع الفيل من دخول مكة هو الذي منع القصواء من دخول مكة.
وجاءت جملة أخبار وأحاديث منقطعة ذكرها الطبري ﵀، وذكرها ابن إسحاق كذلك في سيرته تفيد أو تذكر تفصيلاً للذي حدث في هذا العام، ولأنها منقطعة؛ نأخذ منها المضمون فقط الذي أيده كتاب الله وأيدته سنة رسول الله ﷺ .
فالحاصل من القصص التي أوردوها في هذا الشأن: أن أبرهة الأشرم وكان من ملوك اليمن، وكان قبل ذلك من الأحباش، وكانت اليمن خاضعة للأحباش، وكان نصرانياً، قال القرطبي: عزم أبرهة على هدم الكعبة ونقل وجهة الحجيج إلى بلاده بدلاً من اتجاه الحجيج إلى مكة؛ حسداً من عند نفسه وانتقاماً وثأراً لبعض شيء أصابه وأصاب بلاده من بعض العرب.
فعزم على الرحيل لتدمير البيت الحرام ونقل وجهة العباد إلى بلاده، فكان ما ذكره الله أنه لما اتجه إلى مكة وقبل أن يدخلها أرسل إلى عبد المطلب جد رسول الله ﷺ بعد أن سلب منه النعم وسلب الإبل من سائر القرشيين، فجاءه عبد المطلب جد رسول الله ﷺ ، فاستعطفه برد الإبل إليه، بينما أصر أبرهة على هدم الكعبة، فخرج عبد المطلب يدعو ربه الانتقام من هذا الرجل، فأرسلت الطير الأبابيل التي ذكرها الله في كتابه.
هذا بإيجاز شديد؛ لأن القصص لا يثبت لها إسناد، إنما هي مقاطيع وبلاغات وروايات معضلة.
وقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] هل هو فيل واحد أم فيلة؟ أكثر أهل العلم على أنها مجموعة من الأفيال، ولم تكن فيلاً واحداً، ولكن أفرد الفيل وأريد به أعظم هذه الأفيال وهو الفيل الذي جندوه لسحب وتدمير الكعبة، ومن العلماء من قال: إنه اسم جنس.
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:٢] أي: جعل الله تكبرهم ومكرهم في إبطال وضياع.
قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل:٣] الأبابيل: الجماعات الكثيرة المتتابعة.
стр. 2185
تفسير قوله تعالى: (ترميهم بحجارة من سجيل)
﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٤] السجيل هو الطين المتحجر القاسي.
جاءت طيور كما في كتاب الله سبحانه ترمي هؤلاء القوم بحجارة من هذا الطين المتحجر القاسي، وبعض أهل العلم ذكر أن كل من أصيب بهذا الطين أصيب بمرض الجدري، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ شيء يشهد لهذا.
وقد ذهب بعض المفسرين وهم قلة قليلة لا يكاد يلتفت لقولهم: أن هذا الذي أصاب أبرهة وأصحابه إنما هو مرض سريع تفشى فيهم جميعاً.
وأجيب على هذا بأن قائل هذا القول يحاول أن يمنع هذه المعجزة التي هي انتقام الله من أصحاب الفيل، فقال: ليس هناك شيء، وإنما المرض تفشى في أبرهة وأصحابه، وأجيب على فرض التسليم بصحة هذه المقولة، أن الذي سلط المرض في هذه اللحظة لحظة إرادة التدمير إنما هو الله ، يعني كأنك فررت من شيء فوقعت في شيء آخر، فإن فررت من قدرة الله على إرسال طير أبابيل، فقد وقعت أيضاً في الاستسلام لتقدير الله بإرسال الأمراض في هذه الأوقات.
وقوله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٤] وقد أرسلت هذه الحجارة أيضاً على قوم لوط، قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢] .
стр. 2186
تفسير قوله تعالى: (فجعلهم كعصف مأكول)
قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] .
العصف: هو التبن على رأي كثير من العلماء، والمأكول هو الذي قد أكل منه، ومن العلماء من قال: إنه الذي أكل وأصبح روثاً، أي: العصف هو التبن وما تأكله البهائم، فالتبن بعد أن تأكله البهائم يصبح مهروساً على حاله من الإهمال.
فمنهم من قال: عصف مأكول، أي: تبن أو علف للبهائم أكل منه.
ومنهم من قال: إنه علف البهائم بعد أن أكلته فأصبح روثاً، فهكذا كان حال أبرهة وأصحابه عندما جاءت الطيور وأرسلت عليهم الحجارة، فتمزقت جلودهم وانسلخت عن عظامهم، وأصبح حالهم كالعصف المأكول.
وفي هذا بيان لقدرة الله على الانتقام من أعدائه ولمن أراد ببيته سوءاً، فجد رسول الله ﷺ وهو عبد المطلب ومن معه من القرشيين لم يبذلوا أي شيء في الدفاع عن هذا البيت، إلا أنهم دعوا الله بأن يهلك العدو، فكانت هذه تقدمة بين يدي بعثة رسول الله ﷺ .
ومن ثم امتن الله على القرشيين بها، كما في السورة التي تليها، والتي جعلها بعض أهل العلم هي وسورة الفيل سورة واحد، ألا وهي سورة قريش.
وقد ذكر فريق من العلماء أن أبي بن كعب ﵁ كان يجعل سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة ويفصل البسلمة التي بينهما، أما جمهور أهل العلم فيجعلون الفيل سورة مستقلة وسورة قريش سورة مستقلة.
стр. 2187
تفسير سورة قريش
امتن الله تعالى على قريش بأن جمعهم بعد أن كانوا متفرقين، وأمنهم بعد أن كانوا خائفين، وأطعمهم بعد أن كانوا فقراء جائعين، فكان الواجب عليهم تجاه هذه النعم العظيمة والمنن الكثيرة أن يشكروا الله تعالى حق شكره؛ ومن تمام الشكر وأوجبه تحقيق عبادة الخالق وحده، وصرف جميع أنواع الطاعات والقربات له لا لغيره.
стр. 2188
تفسير قوله تعالى: (لإيلاف قريش)
قال الله سبحانه: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش:١] ، فالذين جعلوها سورة واحدة قالوا: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) [قريش:٥] ، (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش:١] ، أي: لتأليف القرشيين ولجمع كلمتهم، فأنتم يا معشر قريش لما أتاكم أبرهة وأصحابه، أوشكتم وأشرفتم على الضياع وعلى الفرقة وعلى الهرب، كل شخص هرب في مكان، وأشرفت القبائل على التكالب عليكم، فلكي تجمع كلمتكم وتتفق وتأتلف أهلك الله عدوكم.
فـ (لِإِيلافِ) أي: لتأليف قريش، وجمع كلمتهم جعلنا أصحاب الفيل كعصف مأكول، أي: هذا الذي صنعناه بأصحاب الفيل إنما هو لمنفعتكم يا معشر قريش، ولجمع كلمتكم، فهذا قول من ربط بين السورتين.
стр. 2189
الاختلاف في تفسير الآية
قوله سبحانه: (لِإِيلافِ) من التأليف، والتأليف من معانيه الجمع والاجتماع، فـ (تأليف القلوب) أي: الجمع بين القلوب، (تأليف كتاب) : أي جمع موضوعات الكتاب وضم الموضوعات إلى بعض، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣] أي: ثم يجمع بينه، هذا هو وجه الربط، فقوله سبحانه: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أي: لتأليف قريش، ولجمع كلمة قريش، ولتوحيد قريش.
فهذا قول.
القول الثاني: أن السورة مستقلة، فإذاً: ستحتاج إلى تأويل آخر، فيكون المعنى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ لتوحيد قريش، ولجمع كلمة قريش، ماذا صنعنا لتأليفهم ولتوحيد كلمتهم؟ قال تعالى: ﴿إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:٢] أي: جعلناهم (يألفون) رحلة الشتاء والصيف، أي: يتعودون، تقول: ألِفتُ الشيء: إذا تعودت عليه، وهذا شيء مألوف، أي: شيء معتاد.
هذا على التأويل الثاني.
فقوله: (إِيلافِهِمْ) أي: تعودهم ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:٢] أي: جعلناهم يألفون ويسافرون مع بعضهم رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، فأنت إذا سافرت مع الناس ازداد التآلف فيما بينكم، وأيضاً لهذا التآليف آمنهم الله من خوف وأطعمهم من جوع، فقد كانوا يسافرون ولا يعترضهم أحد من الناس، على ما سيأتي.
الشاهد أن هنا تفسيراً آخر وهو أن: لتأليف قريش ولجمع كلمة هذه القبيلة جعلناهم يألفون رحلة الشتاء والصيف، وسهّلنا عليهم رحلة الشتاء والصيف.
وقول ثالث: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ فيه تقدير محذوف، وهو: اعجبوا لتعود قريش على رحلتي الشتاء والصيف، وبعدهم عن طريق الإيمان وعن طريق الله .
إذاً: هناك ثلاثة أقوال مشهورة في تفسير قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ .
стр. 2190
مناقب وفضائل قريش
في قبيلة قريش كما قال النبي ﷺ جملة مناقب وفضائل: منها: ما ورد في حديث رسول الله ﷺ : (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، قبيلة كنانة اصطفاها الله من أولاد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) ، فقريش من نسل إبراهيم ﷺ ، لأن قبيلة قريش من كنانة، وقبيلة كنانة من ولد إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم صلى الله عليهما وسلم، فعلى ذلك كل قرشي يرجع نسبه إلى إبراهيم ﵊.
هذا الحديث: (إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) فيه أن كل هاشمي قرشي، وليس كل قرشي هاشمياً.
ومن مناقبها: قول النبي ﷺ : (الأئمة من قريش) ، أي: من شروط إمام المسلمين الذي هو الإمام الأعظم الذي يحكم بلاد المسلمين كلها؛ من شروطه أن يكون قرشياً؛ لحديث الرسول ﷺ : (الأئمة من قريش) .
وفي الحديث زيادات: (لا ينازعهم أحد إلا أكبه الله على وجهه) ، وهذه من أقوى الاعتراضات التي كانت تدمِّر جماعة التكفير والهجرة، فـ شكري مصطفى الذي شُنِق كان يقول: إنه إمام المسلمين، كان يقول حتى في المحاكمات: أنا شكري مصطفى إمام المسلمين، فكان الإخوة الذين بصرهم الله من الذين التحقوا بجماعتهم وأراد الله لهم الابتعاد عنها يحتجون عليه بهذا الحديث، أنت لست قرشياً، والنبي ﷺ يقول: (الأئمة من قريش) ، فبأي وجه حق تستحق الإمامة.
وإن قال قائل: لماذا الأئمة من قريش؟ نقول: هذه إرادة الله، وهذه سنة رسول الله ﷺ ، فللقرشيين مواصفات طبعاً الأئمة من قريش وبني هاشم من قريش، وأي هاشمي يصلح أن يكون إماماً، وأي قرشي يصلح أن يكون إماماً، فإذا قال قائل: لماذا هذا؟ فنقول: إن الله أراد ذلك فضّل قوماً على قوم قال النبي ﷺ : (الناس تبع لقريش في الخير والشر، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم) .
وفي رواية ثالثة: (الأئمة من قريش ما أقاموا الدين) ، وفي بعض الروايات: (إذا استرحموا رحموا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) وصحح بعض أهل العلم حديث رسول الله ﷺ (للقرشي قوة رجلين من غير قريش) ، ومن العلماء من حمله على الجماع.
وفي نسائهم فضل، قال الرسول ﷺ : (خير نساءٍ ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغر، وأرعاه على زوج في ذات يده) ، والحديث ثابت في الصحيح.
فهذه مناقب لقبيلة قريش، والله يصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس، ويفعل الله ما يشاء، ويحكم الله بما يريد، والله فضل بعض الناس على بعض.
فمن شروط الإمام الأعظم الذي يحكم المسلمين عامة، أن يكون قرشياً فتصور الإمامة للمسلمين ليس كتصورها الآن، ليس في الإسلام أن كل دولة يكون لها رئيس أو ملك، بل الذي في الإسلام هكذا، في الإسلام أن للمسلمين كلهم إماماً واحداً، وهذا الإمام له شروط مبسوطة في كتب الفقه، وهذا الإمام يرسل أمراءه على البلدان، أميراً على مصر، أميراً على اليمن، أميراً على الحجاز، أميراً على المغرب، أما الآن فغيروا حتى اسم الإمام إلى الرئيس في نظام الجمهوريات التي ظهرت.
стр. 2191
تفسير قوله تعالى: (إيلافهم رحلة الشتاء .)
قال الله سبحانه: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:١-٢] ، (إِيلافِهِمْ) أي: تعودهم، كانت رحلة إلى اليمن شتاءً ورحلة إلى الشام صيفاً، لبرد الشام الشديد.
وفي قوله: (رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) في معرض الامتنان، يدخل ضمناً الحث على الأسفار لطلب الرزق، لأن الله امتن عليهم أنه عوّدهم على رحلة الشتاء وعلى رحلة الصيف، فلما امتن الله عليهم بهذا الامتنان أفاد أن هذا عمل محمود، والأسفار لكسب الأرزاق عمل مشروع في كتاب الله، قال الله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] .
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران:١٥٦] ، فقوله: (ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ) يفيد جواز السعي للتجارة، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] ، فالضرب في الأرض والسفر للبحث عن الرزق سبيل مسلوك سلكه من كان قبلنا، وأقره شرعنا، ما دام التماس الرزق من الحلال.
стр. 2192
تفسير قوله تعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت .)
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٣-٤] .
قلنا: إن الله يذكر الناس بنعمه، ثم بعد أن يذكرهم بنعمه يطلب منهم طاعته ، فمثلاً --ولله المثل الأعلى- أنا فعلت لك كذا وكذا فبناءً عليه عليك أن تفعل كذا وكذا، فالله سبحانه أنعم على قريش بنعم: أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، فمن ثم طلب منهم أن يعبدوا رب هذا البيت.
والأدلة على ذلك كثيرة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ، فلهذا الاصطفاء ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤] ، أي: خذ ما آتيتك بقوة.
وقال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٤٢] ، ثم يأتي التكليف: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣] .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١-٤] ، كل هذه نعم، فعلى ذلك ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧-٨] .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦-٨] ، لذلك ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٩-١١] .
كذلك في حديث الرسول ﵊ الذي ذكر فيه الثلاثة: الأبرص والأعمى والأقرع، لما أتاهم الملك وقال لأحدهم: كأني بك فقيراً فأغناك الله، وأقرع فرزقك الله شعراً جميلاً، هل من شاة أتبلغ بها في سفري، فيذكر العبد الناس بنعم الله عليهم ثم يطلب منهم التكاليف، وهذا واضح.
فلذلك قال سبحانه: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣] ، الذي هو البيت الحرام، وجاءت فيه جملة فضائل، والله تعالى هو رب الأرض ورب البيوت كلها، لكن نسبة البيت إلى الله هنا نسبة تشريف، وتخصيصه بالذكر لتشريفه.
стр. 2193
تفسير قوله تعالى: (الذي أطعمهم من جوع .)
قال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤] .
فنعمة الأمن نعمة يجب أن يُشكر عليها الرب ، فمثلاً: أنت تنام في بيتك آمناً مطمئناً، وغيرك يكون نائماً ويتوقع أي يوم أن ينزل به بلاء، يتوقع أي عدو يغير عليه في الليل، يتوقع أن يهجم عليه الكفار كاليهود في بلادهم.
فنعمة الأمن تحتاج إلى شكر، وقل المتفطنون لذلك، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة:١١] ، أي: هو الذي منعهم عنكم .
قال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤] ، كيف آمنهم من خوف؟ كانت القرى حول مكة يغار عليها، وتسلب أموالها، وتسبى ذراريها، وتنتهك حرمات نسائها، أما مكة فكان الرجل يلتقي بقاتل أبيه فيها ولا يعترضه بسوء، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت:٦٧] فكان المشرك يأتي إلى مكة، ويقابل من قتل أباه في الطريق فلا يعترضه بسوء؛ لأنه داخل الحرم.
وكان أهل مكة أيضاً إذا سافروا وعرف الناس أن هؤلاء من مكة وقروهم غاية التوقير واحترموهم غاية الاحترام، وخاف أحدهم أن يمس هؤلاء بسوء، وخاصة لما حدثت حادثة الفيل وجاءت طيرٌ أبابيل دمرت أبرهة بعد أن أذل أبرهة العرب.
فإن أبرهة لما قدم من اليمن، فكانت كل منطقة يمر بها ينزل بها العذاب، وينتقم من أهلها أشد الانتقام، فلما جاء أبرهة وحل به ما حل على مشارف مكة، عندها وقّر العرب أهل مكة غاية التوقير، ووقّر العرب حرمات مكة غاية التوقير بعد ذلك؛ لأنهم قالوا: هذا أبرهة ملك صُنع به الذي صنع، فدل هذا على حرمة هذه البلدة وعلى حرمة أهلها، فهذا سبب توقير الناس للقرشيين.
стр. 2194
تفسير سورة الماعون
من خصال الكافرين الذين يكذبون بيوم الدين أنهم يطردون الأيتام ويصرفونهم عن الأبواب، ولا يحثون على إطعام المساكين والمحتاجين، أما المراءون في الصلاة والساهون عنها فقد توعدهم تعالى بالويل وهو العذاب الشديد.
стр. 2195
اتصاف المكذبين بظلم الأيتام والمساكين
قال الله في سورة الماعون: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون:١-٢] (الدين) ، الدين هو البعث والجزاء، فالذي يكذب بالدين هو الذي يدع اليتيم، لكن هل كل من يدع اليتيم يكذب بالدين؟ لا يكاد ينعكس لما سيأتي، فالذي يكذب بيوم القيامة، وبالجزاء، وبالحساب، لماذا سيعطف على اليتيم؟ فإذا كان الشخص غير مقر بالبعث ولا بالجزاء، فلماذا إذاً سيكرم اليتيم؟ لذلك أذكّر دائماً بأن تقرير البعث في قلوب العباد، وتذكير الناس بالبعث وبيوم القيامة أصل في صلاح الناس، وفي حسن تصرفاتهم؛ لأن هذا المعتقد ينعكس على أفعال العباد: يمنعهم من السرقة والزنا والغش والخداع.
يقول الله سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون:١] أي: بالجزاء والحساب، هذا الذي يكذب بالدين يدع اليتيم، أي: يقهر اليتيم ويطرده طرداً شديداً.
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون:٢] : فالدع هو الطرد والدفع بشدة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣] ، وقوله: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ﴾ [الماعون:٢] أي: يطرد اليتيم ويصرفه عن الأبواب.
قال الله: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:٣] ، هذه الآية فيها إشارة إلى أن دفع اليتيم وزجره من أعمال المكذبين بالدين، أي: من أعمال الكفار.
وإذا كانت هذه الخصلة من أعمال الكفار، وأنت مأمور ابتداءً أن لا تتشبه بالكفار ولا بأفعالهم، فعليك أن ترحم اليتيم، ولا تدفعه عن الأبواب، فالذي يدفع اليتيم عن الأبواب هو الكافر.
فعلى ذلك عليك أيها المسلم أن لا تطرد يتيماً عن بابك، ولا تستعمل العنف والشدة مع الأيتام، لأن ذلك من فعل الكفار، وهذا من محاسن ديننا، ومن أصول ديننا؛ فقد جاءت جملة أحاديث وآيات في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ بهذا الصدد.
فقد أتت امرأة معها ابنتان إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ تسألها الصدقة، فما وجدت عائشة في بيتها إلا تمرة، فأعطتها إياها، فأخذت المرأة التمرة فقسمتها بين ابنتيها، فتعجبت عائشة من صنعها، فلما جاء الرسول ﷺ أخبرته بذلك، فقال ﵊: (من ابتلي بشيء من هذه البنات فأحسن إليهن، كن ستراً له من النار) .
وقال النبي ﷺ : (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين، وفرق بين أصبعيه) .
وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢٢٠] .
وقال الله في شأن اليتامى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] ، فإذا كنت قائماً على أيتام أو على أموالهم فأدبت الأولاد، واستثمرت لهم الأموال، فمن الصحابة من كان يتحرج عن التعاملات مع الأيتام تماماً خشية أن يقع في ظلمهم، فالله قال رفعاً للحرج عن هذه الأمة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] أي: يعلم هل نيتك إصلاح للأيتام، ويعلم نيتك وأنت تضرب اليتيم هل تضربه للتأديب، أم تضربه استضعافاً له وإذلالاً له؟ قال تعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:٣] أي: هذا الكافر من صفاته أنه لا يحث غيره على طعام المسكين، لأن الحض على أفعال الخير من خصال أهل الصلاح، أفعال الخير بصفة عامة والتحريض عليها من أفعال أهل الخير وأهل الصلاح، قال الله تعالى لنبيه محمد ﵊: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال:٦٥] ، وقال تعالى في آية الفجر: ﴿وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر:١٨] ، فمن خصال المؤمن أنه يحث غيره على فعل الخير، والذي لا يحث غيره على فعل الخير مذموم.
ومن خصال الكفار أنهم لا يحضون أو لا يتحاضون فيما بينهم على إطعام المسكين، فأنت يا مؤمن يستحب لك أن تحض غيرك على إطعام المسكين وعلى أفعال البر، فالمفهوم المخالف له اعتباراته في الاستدلال.
стр. 2196
جمع الأدلة واستكمالها قبل الحكم
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] .
وقد أفرد بعض أهل العلم هنا فصلاً طويلاً في التأكيد على قاعدة وجوب الأخذ بعمومات الأدلة وعدم الاقتصار على دليل واحد عند تقرير الأحكام أو القضايا، فإذا جئت مثلاً وأخذت آية واحدة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] كما قال أحدهم: ما قال ربك ويل للذي سكروا وإنما قال ويل للمصلينا وبنيت عليها العمل ضللت.
لكن حتى يستقيم لك الحكم فلابد أن تأخذ بالأدلة التي وردت في الباب كلها: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] .
(الويل) وادٍ في جهنم، أو هو التوعد بالهلاك والعذاب الشديد.
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] أصل يركز عليه، فعند البحث في مسألة عليك أن تأخذ مجمل الأدلة التي وردت فيها، وتصدر حكماً عاماً في شأنها، فمثلاً: في مسألة الشفاعة إذا أخذت دليلاً واحداً وقعت فيما وقع فيه المعتزلة حيث نفوا الشفاعة لأهل الكبائر، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] ، وقال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٧٠] .
لكن أهل السنة لما أتوا بالأدلة الأخرى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] أثبتوا الشفاعة؛ لكنها بإذن الله، فلا بد من الجمع بين الأدلة الواردة في المسألة الواحدة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵊، لنستخرج حكماً فقهياً ينتظم من هذه الأدلة جميعاً.
فمثلاً أذكر أخوة كان أحدهم يضرب ابنه ضرباً شديداً إذا رآه يشرب قائماً، ولعل عدداً من إخواني يذكرون هذا، كانوا يضربون الولد ضرباً شديداً إذا شرب قائماً، ويستدلون بحديث: (زجر رسول الله ﷺ عن الشرب قائماً) والحديث صحيح، لكن ورد أن الرسول ﵊ شرب قائماً، في البخاري وفي مسلم من حديث علي أنه قال بعد أن توضأ: (إن هناك أناساً يزعمون أن رسول الله لم يشرب قائماً، وإني رأيت النبي توضأ نحو وضوئي هذا ثم شرب قائماً) ثم شرب علي قائماً لتأكيد الفتيا.
فقد يغيب عليك الدليل فتقع بسبب ذلك في تشدد وتزمت وظلم لنفسك وللعباد، فعليك إذا أردت أن تقرر الحكم في مسألة أن تأخذ المسألة وتدرس الأدلة التي وردت فيها عموماً، وبعد ذلك تستخرج حكماً فقهياً ينتظم به الأدلة مجتمعة، وهذا في جل المسائل، سواء كان في الأدب في الأخلاق أو في العقائد، حتى لا تقع في بدعة من البدع.
والشيعة لما أخذوا حديث الرسول ﵊ في شأن علي: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) قالوا: هذا رسول الله قال لـ علي ذلك، فأي شخص حارب علياً فهو منافق عندهم؛ لأنه قال: القتال أشد من البغض.
فقيل لهم: إن الذي قال لـ علي: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) قال في شأن الزبير الذي قاتل علياً (لكل نبي حواري، وحواريي الزبير) ، وقال: (الزبير في الجنة) .
فلابد إذاً أن نجمع بين الأدلة التي فيها (الزبير في الجنة) ، وبين حديث: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) ، وهكذا فالجمع بينها يتعين.
وقد فسر العلماء حديث: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) بأن الذي يبغضك يا علي بغضاً شرعياً؛ لكونك ناصرت رسول الله وجاهدت مع رسول الله، ونمت في فراش رسول الله، وكنت سبباً في نصرة الإسلام، الذي يبغضك لهذا السبب منافق، لأنه يبغض الدين، والذي يحبك يا علي لشجاعتك ولقرابتك لرسول الله ولسبقك للإسلام، فهو في الحقيقة مؤمن، لأنه يحب أعمالك الإيمانية، ولكن إذا حصلت مشكلة بينك يا علي وبين صحابي من أجل الدنيا، فما صلة هذه بالنفاق أو بالإيمان، فقد حدثت خلافات بين علي وبين عدد من أصحاب الرسول ﵊ كـ العباس بن عبد المطلب في أموال، ومع ذلك لم يخرج العباس إلى حيز أهل النفاق رضي الله تعالى عنه.
فالشاهد: أن الجمع بين الأدلة متعين، وهذه الآية كما قال عطية محمد سالم في تتمته لأضواء البيان: إنها أصل في الجمع بين الأدلة عند مناقشة مسألة من المسائل، سواء كانت في الفقه أو في العقائد أو في الأحكام أو في الآداب أو في غير ذلك.
стр. 2197
ذم الساهين عن الصلاة
قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] وقد قال فريق من السلف: الحمد لله الذي لم يقل: الذين هم في صلاتهم ساهون؛ لأن السهو في الصلاة يعتري كل شخص.
السهو عن الصلاة للعلماء فيه أقوال: أحدها: أن المراد بالسهو عن الصلاة تأخيرها عن وقتها، فلا يبالي الشخص أصلى أم لم يصل، دخل الوقت أم لم يدخل الوقت، إن تيسر له صلى في الوقت أو بعد أن فات الوقت، فهذا هو السهو عن الصلاة، كما قال بعض السلف: إنهم لم يتركوها بالكلية، وإنما أخروها عن وقتها، فتوعدهم الله بالويل.
ومن العلماء من فسر السهو هنا بمعنى الترك.
فإذا كان الله توعد الذين سهوا عن الصلاة وأهملوها حتى خرج وقتها، فمن باب أولى الذي لا يصلي، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] .
وفي قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] دليل على أنهم يصلون، فهذا يضعف قول من قال: إن المراد بالترك بالكلية.
стр. 2198
ذم الرياء والمرائين
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٦-٧] .
(يراءون) أي: يعملون العمل كي يراهم الناس، ولا يبالون برؤية الله لهم، يأتون للصلاة ويصلون كي يراهم الناس فيثنون عليهم، ويعمدون إلى الصدقة فيأتون أمام الناس ويتصدقون عمداً كي يراهم الناس، وهكذا ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢] فهذه الآية في ذم المرائين.
وهناك آيات أخر فيها ذم المرائين كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:٤٧] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨] .
وأحاديث وردت عن رسول الله ﷺ في ذم الرياء، قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ، وقال النبي ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر.
قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء) وفي بعض الزيادات: (إذا جاء الناس بأعمالهم يوم القيامة، يقول الله: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء) ، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] .
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:٦] أي: يظهرون أعمالهم للناس، ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٧] (الماعون) : للعلماء فيه أقوال: مدارها على أن الماعون كل ما يستعار كي تقضى به الحاجة، مثل الأمور التي يستعيرها الناس بعضهم من بعض، فمثلاً: طالب يذاكر في الكلية مع طالب، قال له: أعرني كتابك أذاكر فيه إذا لم تكن تذاكر فيه، أو تقول المرأة لجارتها: أريد الخلاط أخلط فيه بعض العصيرات إذا لم تكوني تستعملينه الآن، فكل هذا المنع فاعله مذموم.
هل منع الماعون محرم أم مكروه؟ ذهب فريق من العلماء إلى أنه محرم؛ لأن الله توعد الذين يمنعون الماعون.
ومن أهل العلم من قال: إنه مكروه فقط؛ لأن الذم الذي في مانعي الماعون جاء مقروناً بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤-٧] فالمنع للماعون جاء مقروناً بترك الصلاة.
وجمهور العلماء على أن الإعارة مستحبة وليست بواجبة، وهناك نصوص حملتهم على القول بأنها مستحبة وليست بواجبة، ومن هذه النصوص الأخذ بالعمومات، كما ورد في الحديث الذي بمجموع طرقه ممكن أن يحسن: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه) ، وقوله: (هل عليّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع) هذه النصوص تحمل العلماء أحياناً على الحكم بأنها مستحبة وليست بواجبة، وهذا رأي جمهور أهل العلم، والله أعلم.
стр. 2199
تفسير سورة الكوثر
سورة الكوثر من السور القصيرة ذات الدلالات العظيمة، فإنها ذكرت ما أنعم الله به على رسوله ﷺ ، وأمرته بأن يقابل ذلك بالشكر للخالق وحده، وإفراده بالصلاة والقربات.
وهذه السورة هي مما استدل به الفقهاء على إثبات البسملة آية في أوائل السور.
стр. 2200
المراد بالكوثر
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١-٣] هذا الخطاب لرسول الله ﷺ .
ما المراد بالكوثر؟ من العلماء من فسر الكوثر بتفسير خاص، ومنهم من فسره بتفسير عام، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (الكوثر نهر أعطانيه ربي ، وقال النبي ﷺ : (أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر أعطانيه ربي ، وثبت أيضاً عن النبي ﷺ أنه فسر الكوثر بحوضه ﷺ ، فلرسول الله حوض (ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً) ، وقد ورد عن رسول الله ﷺ للكوثر تفسيران: التفسير الأول: أن الكوثر هو نهر.
التفسير الثاني: أن الكوثر هو حوض للنبي ﷺ .
وبالنسبة للأحاديث التي أثبتت الحوض لرسول الله ﷺ فهي أحاديث متواترة، جاءت من عدة طرق عن رسول الله ﷺ ، والأحاديث المتواترة أصح الأحاديث على الإطلاق، فحديث الحوض من الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ .
ومن العلماء من جمع بين القولين: أن الكوثر هو الحوض، وأن الكوثر هو النهر، وقالوا: هو نهر يصب في الحوض.
وورد عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: (الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله للنبي ﷺ ، فقيل لـ سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس: إنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الكوثر هو الحوض) ، قال: الحوض من الخير الكثير الذي أعطاه الله لرسول الله ﷺ .
فـ ابن عباس يرى التفسير بالأعم، فالخير الكثير يدخل فيه الحوض، والنهر، ويدخل فيه القرآن الذي آتاه الله للنبي محمد ﷺ ، والمقام المحمود والشفاعة العظمى، ويدخل فيه كونه ﷺ خاتم النبيين، وسيد ولد آدم، وكون أمته ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وكون أمته شهيدة على سائر الأمم، فكل المناصب التي أعطاها الله للنبي ﷺ تدخل في الكوثر.
стр. 2201
التفسير بالأعم لا ينافي التفسير بالأخص
من المفسرين من إذا فسر يفسر بالتفسير الأعم، ومنهم من إذا فسر يفسر بالتفسير الأخص، وهذان مسلكان للمفسرين، مثال ذلك ما ورد في تفسير (الغاسق إذا وقب) أن الرسول ﷺ قال لـ عائشة لما رأى القمر: (يا عائشة! استعيذي بالله من هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) ، فورد أن الرسول فسر الغاسق إذا وقب بالقمر.
ومن العلماء مع ورود حديث الرسول ﷺ الذي فيه أنه فسر الغاسق إذا وقب بالقمر، قال: الغاسق إذا وقب هو الليل إذا دخل، وقال: لا تعارض بين تفسير الغاسق إذا وقب بالقمر، وتفسيره بالليل إذا دخل، فالليل إذا دخل يدخل فيه مجيء القمر، لكن دخول الليل فيه أشياء أخرى يستعاذ بالله منها: كانتشار الجن والشياطين، وانتشار الحيات والعقارب، وانتشار اللصوص، وهناك أمور تدبر في الليل كثيرة منها: ما يأتي من الغاسق إذا وقب، ومنها ما يأتي من القمر أو يأتي القمر معها.
فالشاهد: أن هناك من يفسر بالأعم، وهناك من يفسر بالنص الوارد عن رسول الله.
ونذكر مثالاً آخر: قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] فسر الرسول ﷺ التثبيت في الحياة الدنيا وفي الآخرة أنه إجابة المؤمن في قبره إذا سئل: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ديني الإسلام، نبيي محمد ﷺ .
ومن العلماء من فسر الآية: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ بتفسير أوسع فقال: هو التثبيت على الإيمان في الدنيا، التثبيت على النطق بالشهادتين في القبر، والتثبيت على الصراط، وعند الأسئلة التي توجه إلى العبد يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] الخطاب أو السياق كله جاء في خطاب أزواج النبي؛ لأن الآية مصدرة بـ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] إلى قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤] الآيات كلها في نساء النبي، فقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ فيه تفسير أو بيان أن المراد بآل البيت: الأزواج، فمن العلماء من جنح إلى هذا، وآخرون قالوا: هي أعم من الأزواج؛ لأن النبي لما نزلت الآيات دعا علياً وحسناً وحسيناً وفاطمة ووضع عليهم الكساء وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) الشاهد: أنه أحياناً تكون هناك تفسيرات عامة، وتفسيرات خاصة تدخل تحت التفسيرات العامة، ولا يكون هناك تعارض بين التفسيرين.
فالتفسير الأعم يكون في الغالب أحوط؛ لأنه تدخل فيه مفاريد التفسيرات.
стр. 2202
إعطاء الله الكوثر لنبيه ﷺ
يقول الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فالله يمتن على نبيه محمد ﷺ بإعطائه الكوثر، فإن قال قائل: أليس المن مذموماً في شرعنا؟ والرسول ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال أبو ذر: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) فثبت بهذا أن المن في شرعنا مذموم، فلم يمتن الله على نبيه محمد ويقول له: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ؟! الإجابة: إن الله يمتن على من يشاء، إذ الخلق خلقه، والأمر أمره ، وأما بالنسبة للبشر فالمن لا يمنع في كل الأحوال، بل أحياناً إن احتاج الأمر إلى تذكر بعض مناقبك أمام قوم جحدوها وغدروا بك فلا بأس بذلك، فالنبي ﷺ قال -وإن كانت المناسبة غير المناسبة- قال للأنصار لما بلغته عنهم المقالة: (ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ قالوا: الله ورسوله أمن، ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ قالوا: الله ورسوله أمن ... ) الحديث.
وعثمان أيضاً لما حاصره الثوار وتآمروا على قتله نظر إليهم وقال: (أناشدكم الله، ولا أناشد إلا أصحاب محمد ﷺ : أما سمعتم رسول الله ﷺ يقول: من حفر بئر رومة فله الجنة، فحفرتها؟ قالوا: بلى.
قال: أناشدكم الله! ألم تسمعوا الرسول ﷺ يقول: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزته؟ قالوا: بلى، قال: فبم تقتلونني؟ والله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا ارتددت عن ديني حتى أقتل، ولا قتلت نفساً بغير حق، والنبي يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.
فبم تقتلونني؟ ... ) الشاهد: أنه ذكر بعض المناقب التي فعلها، فليس المن -أو الامتنان- مذموماً في كل الأحوال، فإن كان يراد به دفع باطل فلا بأس به، أما على سبيل التعالي والافتخار على الناس فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] فبينت الآية أن المن والأذى يبطل الصدقات ويذهب ثوابها.
стр. 2203
وجوب شكر النعم
يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] والشخص إذا أُنعم عليه بنعمة يجب عليه أن يؤدي شكراً موازياً لهذه النعمة، فالله يقول: يا محمد! أعطيناك الكوثر الذي هو نهر في الجنة، أو الحوض والخير الكثير، فلذلك صل لربك وانحر.
فالعبد إذا أنعم الله عليه بنعمة لزمه شكر يوازي هذه النعمة، ولذلك أمثلة متعددة كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١٠-١١] ، ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ:١٢] إلى قوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] ، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١-٤] إلى قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧-٨] .
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٦-١١] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٢-٤٣] فهكذا إذا أُنعم عليك بنعم لا بد أن تقابل هذه النعم بشكر يكافئها بالعمل، وباللسان، وبالقلب، كما قال القائل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
стр. 2204
تفسير قوله تعالى: (فصل لربك وانحر)
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] ، من العلماء من فسرها تفسيراً عاماً، ومنهم من فسرها تفسيراً أخص، فقال فريق منهم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: اجعل صلاتك كلها خالصة لله، ونحرك كله خالصاً لله، لا كما يفعل أهل الشرك إذ يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، ويراءون بصلاتهم، ويشركون في ذبحهم.
إذا: المعنى الأول: صل لله، واجعل صلاتك خالصة له لا لأحد سواه، وانحر لربك كما في الآية: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] .
ومن العلماء من قال: إن المراد صلاة مخصوصة، ونحر مخصوص، وهي: صلاة العيد، ونحر الأضاحي يوم العيد.
أي: صل صلاة العيد، وبعد أن تصلي صلاة العيد انحر يوم العيد.
وثم قول غريب وهو: (صل لربك وانحر) أي: اجعل يدك اليمنى على اليسرى عند النحر، وهذا قول ضعيف، لكن يرد عنده بحث: أين توضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؟ ولم يثبت في الباب أي خبر عن رسول الله ﷺ ، وإنما الثابت في أحاديث عدة أن اليد اليمنى توضع على اليد اليسرى، وأما موضعهما ففيه نزاع: كحديث سهل بن سعد الساعدي في صحيح البخاري: (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) ، وحديث وائل بن حجر ﵁: (رأيت النبي ﷺ واضعاً يده اليمنى على اليسرى في الصلاة) ، لكن أين توضع اليمنى على اليسرى؟ هل تحت السرة؟ أم فوق السرة؟ أم بمحاذاة السرة؟ أم على الصدر؟ أم على النحر؟ كخبر ثابت عن رسول الله لم يثبت في هذا الباب شيء، بل ورد فيه أثران، الأول: أثر عن طاووس بن كيسان اليماني عند أبي داود وغيره: (أن النبي كان يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره) لكنه مرسل، والمرسل من قسم الضعيف.
الثاني: زيادة في حديث وائل بن حجر: (رأيت النبي ﷺ واضعاً يده اليمنى على اليسرى على صدره) زاد (على صدره) وهي زيادة ضعيفة، فهذا أمثل ما ورد في الباب، وليس معنى كونه أمثل ما ورد في الباب أنه صحيح، لكن المعنى أنه أحسن ما ورد في الباب، والله أعلم.
من العلماء من قال: إن اليد تسدل سدلاً وتكون بجوارك، ولا توضع اليمنى على اليسرى، واستدلوا بحديث المسيء صلاته وفيه: (كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، ولم يقل له: ضع يدك اليمنى على اليسرى، وأجيب على هذا: بأن صفة صلاة رسول الله ﷺ تؤخذ من مجموع الأحاديث التي رويت لا من حديث واحد، والله تعالى أعلم.
وقال الله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] : النحر يختلف عن الذبح، فالنحر هو الطعن بالسكين في اللبة، فمعنى (انحر) أي: اطعن في اللبة التي هي منتهى اتصال رقبة الناقة بجسمها، هذه اللبة يطعن فيها بضربة قوية باليد، أما الذبح فهو: إمرار السكين على العروق.
والذبح يكون في البقر، ويجوز فيها النحر، والنحر يكون في الإبل، ويجوز فيها الذبح أيضاً، والغنم الأفضل فيها الذبح، وإن كان النحر جائزاً.
أما جواز النحر في ثلاثتها فلقول النبي ﷺ : (ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، عدا السن والظفر أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة) سكاكين الأحباش.
وأما جواز النحر في البقر فلحديث النبي ﷺ : (رأيت كأن بقراً تنحر، فأولتها على أنهم أصحابي الذين قتلوا يوم أحد) الشاهد من قوله: (رأيت بقراً تنحر) .
أما استحباب ذبح البقر فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] فهنا النص في البقر على الذبح.
إذاً: في قوله: (فصل لربك وانحر) أربعة أقوال: أحدها: صل عموم الصلوات واجعلها خالصة لله، واجعل نحرك كله خالصاً لله.
الثاني: صل صلاة العيد، وانحر الأضاحي.
الثالث: صل الفجر وبعد الفجر انحر.
الرابع: صل لربك وضع يدك اليمنى عند النحر على اليسرى.
стр. 2205
تفسير قوله تعالى: (إن شانئك هو الأبتر)
﴿إِنَّ شَانِئَكَ﴾ [الكوثر:٣] أي: مبغضك، والشانئ هو المبغض، والشنآن هو البغض: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة:٨] .
فالشانئ هو المبغض، أي: إن مبغضك يا محمد وكارهك ﴿هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣] وذلك أنهم كانوا يعيرون رسول الله ﷺ ويقولون: اتركوه فهو رجل أبتر، أي: منقطع الذكر ليس له ولد يحمل اسمه بعد موته، فإذا مات انقطع ذكره، فليس له إلا بنات والبنت ذريتها لا تكون باسمها، فيقول الكفار لبعضهم: اصبروا عليه فإنه إذا مات انقطع ذكره، فكان قائلهم يقول هذه المقالة فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣] رداً على الذي يصف النبي ﷺ بأنه أبتر.
والأبتر هو المنقطع، ومنه قول النبي ﷺ : (اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يلتمسان البصر، ويستسقطان الحبل) (والأبتر) : الحية التي هي قصيرة الذيل، فهي تلتمس البصر: يعني: تنفخ سمها في العين فتصاب بالعمى، إذا رأت الرجل من بعيد نفخت سمها في عينيه فأصيب بالعمى، فالرسول أمر بقتلها وقتل ذا الطفيتين الذي على رأسه نقطتان من الحيات؛ لأنها نقاط ممتلئة سماً.
فالشاهد: أن الأبتر هو المقطوع.
وكذلك يقولون: الخطبة البتراء، وهي: الخطبة المقطوعة التي ليس فيها حمد ولا شهادة.
والأبتر: منقطع الذكر.
فالله قال لنبيه ﷺ : ((إِنَّ شَانِئَكَ)) أي: مبغضك ((هُوَ الأَبْتَرُ)) يا محمد.
стр. 2206
البسملة في سورة الكوثر
وسورة الكوثر لما نزلت على الرسول ﷺ خرج النبي على أصحابه يتلوها ويقول: (نزلت علي آنفاً سورة هي أحب إلي من كذا وكذا، وقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] الآيات ... ) .
فلما قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) أخذ فريق من العلماء منها أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من هذه السورة؛ لأن الرسول قرأ بين يديها بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: البسملة آية من سورة الكوثر ومن غير سورة الكوثر، وهذا محل خلاف طويل، خاصة فيما يتعلق بالفاتحة، فمن العلماء من قال: البسملة آية منها لحديث الكوثر، ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] ولا تكون الفاتحة سبعاً إلا باعتبار البسملة آية على رأي الجمهور.
ومن العلماء من قال: ليست بآية، لقوله تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل: إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ... ) الحديث.
ولم تذكر البسملة، ولما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١-٢] لم يقل: (بسم الله الرحمن الرحيم) (اقرأ باسم ربك الذي خلق) .
والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2207
تفسير سورة الكافرون
من أصول هذا الدين وأركانه العظيمة: الولاء للمؤمنين، والبراء من المشركين ومما يعبدون من دون الله.
وقد جاءت سورة الكافرون معلنة لهذا المعلم البارز من معالم الدين، فأظهرت البراءة من المشركين ومعبوداتهم، وخاطبتهم خطاباً واضحاً لا نقاش فيه ولا مداهنة، تحقيقاً لمبدأ الولاء الكامل للإسلام وأهله، وتحطيماً لأي مداهنة أو مراوغة في التخلي عن توحيد الله.
стр. 2208
البراءة من آلهة المشركين
ورد في فضل سورة (الكافرون) حديث عن رسول الله ﷺ في كل طرقه مقال، يقول: (سورة (قل يا أيها الكافرون) تعدل ربع القرآن) ، ومن العلماء من حسن هذا الحديث بمجموع طرقه.
وهذه السورة قد حملت أصلاً عظيماً من أصول ديننا، وهو البراءة من آلهة المشركين، والتبرؤ من آلهة المشركين قد ورد في كتاب الله في جملة مواطن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦-٢٧] ، وقال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] .
فنتبرأ من آلهة المشركين أمر واجب، ويشهد له أيضاً نصوص أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ، فالتبرؤ من كل شيء يخالف شرع الله أمر واجب، فتبرأ من الآلهة التي تعبد مع الله، ومن القوانين التي تخالف قانون وشرعة الله ، ومن كل شيء يخالف أوامر الله ، ومن كل آلهة تعبد مع الله .
فسورة (الكافرون) حملت براءة من البراءات، وهي البراءة من آلهة المشركين، وقد ورد لها سبب نزول، لكن في إسناده ضعف: (أن المشركين عرضوا على النبي ﷺ أن يعبد آلهتهم يوماً ويعبدون إلهه يوماً، فنزلت السورة) .
стр. 2209
الحكمة من التكرير في قوله تعالى: (ولا أنا عابد ما عبدتم)
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:١-٤] ، لماذا هذا التكرير؟ من العلماء من يقول: إن التكرير للتأكيد، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٦] ، تأكيداً على أن العسر يتبعه يسر، وكما قال تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣-٤] ، وكما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٢٤] ، وكما قال النبي ﷺ ، لما استأذنه آل أبي جهل في تزويج ابنتهم لـ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: (لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن) ، وكما في قول النبي ﷺ : (ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور) ، وكما في قول الشاعر: يا علقمة يا علقمة يا علقمة خير تميم كلها وأكرمه وكما قال الآخر: يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع وهكذا فالتكرير يكون للتأكيد، فمن العلماء من قال: إن التكرير ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] حتى يقطع أمل المشركين ورجاءهم في إيمان الرسول بآلهتهم، أو في عبادة الرسول لآلهتهم.
﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] أي: الآن، ثم قال في المرة الثانية: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ [الكافرون:٤] أي: في المستقبل ﴿مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:٤] يعني: لا الآن ولا في المستقبل ولا في مقدم حياتي.
стр. 2210
التوفيق بين قوله تعالى: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وإيمان بعض الكفار بعد نزولها
قال تعالى: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] إن قال قائل: كيف وقد أسلم أناس من الكفار وعبدوا الله ؟ أو كيف نوفق بين قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] مع ما حدث من إيمان بعض الكفار بالله ؟ التوفيق والله أعلم: أن الآية محمولة على الكفار الذين كتب في علم الله أنهم سيموتون على الكفر، فالذين كتب عليهم أنهم سيموتون على الكفر لن يعبدوا إلهك أبداً.
وقول آخر: إنهم لن يعبدوا إلهك ما داموا على شركهم، ولن تتحقق عبادتهم لإلهك ما داموا على شركهم، فإن تمسكوا بشركهم وعبدوا الله فعبادتهم لله ليست بصحيحة.
следующие страницы →