← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 2206–2242 · переход к 2211.

стр. 2206

البسملة في سورة الكوثر وسورة الكوثر لما نزلت على الرسول ﷺ خرج النبي على أصحابه يتلوها ويقول: (نزلت علي آنفاً سورة هي أحب إلي من كذا وكذا، وقرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] الآيات ... ) . فلما قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) أخذ فريق من العلماء منها أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من هذه السورة؛ لأن الرسول قرأ بين يديها بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: البسملة آية من سورة الكوثر ومن غير سورة الكوثر، وهذا محل خلاف طويل، خاصة فيما يتعلق بالفاتحة، فمن العلماء من قال: البسملة آية منها لحديث الكوثر، ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] ولا تكون الفاتحة سبعاً إلا باعتبار البسملة آية على رأي الجمهور. ومن العلماء من قال: ليست بآية، لقوله تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل: إذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ... ) الحديث. ولم تذكر البسملة، ولما نزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١-٢] لم يقل: (بسم الله الرحمن الرحيم) (اقرأ باسم ربك الذي خلق) . والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2207

تفسير سورة الكافرون من أصول هذا الدين وأركانه العظيمة: الولاء للمؤمنين، والبراء من المشركين ومما يعبدون من دون الله. وقد جاءت سورة الكافرون معلنة لهذا المعلم البارز من معالم الدين، فأظهرت البراءة من المشركين ومعبوداتهم، وخاطبتهم خطاباً واضحاً لا نقاش فيه ولا مداهنة، تحقيقاً لمبدأ الولاء الكامل للإسلام وأهله، وتحطيماً لأي مداهنة أو مراوغة في التخلي عن توحيد الله.

стр. 2208

البراءة من آلهة المشركين ورد في فضل سورة (الكافرون) حديث عن رسول الله ﷺ في كل طرقه مقال، يقول: (سورة (قل يا أيها الكافرون) تعدل ربع القرآن) ، ومن العلماء من حسن هذا الحديث بمجموع طرقه. وهذه السورة قد حملت أصلاً عظيماً من أصول ديننا، وهو البراءة من آلهة المشركين، والتبرؤ من آلهة المشركين قد ورد في كتاب الله في جملة مواطن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف:٢٦-٢٧] ، وقال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] . فنتبرأ من آلهة المشركين أمر واجب، ويشهد له أيضاً نصوص أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ، فالتبرؤ من كل شيء يخالف شرع الله أمر واجب، فتبرأ من الآلهة التي تعبد مع الله، ومن القوانين التي تخالف قانون وشرعة الله ، ومن كل شيء يخالف أوامر الله ، ومن كل آلهة تعبد مع الله . فسورة (الكافرون) حملت براءة من البراءات، وهي البراءة من آلهة المشركين، وقد ورد لها سبب نزول، لكن في إسناده ضعف: (أن المشركين عرضوا على النبي ﷺ أن يعبد آلهتهم يوماً ويعبدون إلهه يوماً، فنزلت السورة) .

стр. 2209

الحكمة من التكرير في قوله تعالى: (ولا أنا عابد ما عبدتم) قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:١-٤] ، لماذا هذا التكرير؟ من العلماء من يقول: إن التكرير للتأكيد، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٦] ، تأكيداً على أن العسر يتبعه يسر، وكما قال تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣-٤] ، وكما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:٢٤] ، وكما قال النبي ﷺ ، لما استأذنه آل أبي جهل في تزويج ابنتهم لـ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: (لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن) ، وكما في قول النبي ﷺ : (ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور) ، وكما في قول الشاعر: يا علقمة يا علقمة يا علقمة خير تميم كلها وأكرمه وكما قال الآخر: يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع وهكذا فالتكرير يكون للتأكيد، فمن العلماء من قال: إن التكرير ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] حتى يقطع أمل المشركين ورجاءهم في إيمان الرسول بآلهتهم، أو في عبادة الرسول لآلهتهم. ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون:٢] أي: الآن، ثم قال في المرة الثانية: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ﴾ [الكافرون:٤] أي: في المستقبل ﴿مَا عَبَدتُّمْ﴾ [الكافرون:٤] يعني: لا الآن ولا في المستقبل ولا في مقدم حياتي.

стр. 2210

التوفيق بين قوله تعالى: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وإيمان بعض الكفار بعد نزولها قال تعالى: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] إن قال قائل: كيف وقد أسلم أناس من الكفار وعبدوا الله ؟ أو كيف نوفق بين قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] مع ما حدث من إيمان بعض الكفار بالله ؟ التوفيق والله أعلم: أن الآية محمولة على الكفار الذين كتب في علم الله أنهم سيموتون على الكفر، فالذين كتب عليهم أنهم سيموتون على الكفر لن يعبدوا إلهك أبداً. وقول آخر: إنهم لن يعبدوا إلهك ما داموا على شركهم، ولن تتحقق عبادتهم لإلهك ما داموا على شركهم، فإن تمسكوا بشركهم وعبدوا الله فعبادتهم لله ليست بصحيحة.

стр. 2211

الرد على شبهة الإقرار بدين الكفار في قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين) هل في الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] بأنهم يقرون على دينهم ولا يعترضون؟ الآية وإن فهم منها ذلك، لكن جاءت آيات أخر بعدها تضيق في ذلك بل تنفيه، قال الله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] . وقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١] الآيات. وقال النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك؛ فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) . وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] فالمفهوم: إذا لم يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة؛ فلا تخلوا سبيلهم. فإن فهم من الآية أن الكفار يقرون على كفرهم ولا يمسون بسوء من دول الإسلام، فهذا مدفوع بما ذكرنا من الآيات. أما إن قيل: إن معنى الآية الكريمة: أنتم لكم دينكم وجزاء دينكم أو وجزاء عبادتكم، فالدين أحياناً يحمل على الجزاء؛ فإن حمل على أن المعنى لكم دينكم، أي: جزاؤكم على كفركم، ولي جزائي على إيماني، فهو معنى صحيح، وتشهد له آيات متعددة لقوله تعالى: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] ، وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ، وحديث: (كما تدين تدان) إلى غير ذلك. وإن قيل: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٦] أي: لكم عبادتكم وستجازون عليها، ولي عبادتي وسأجازى عليها، وليس فيه تعرض للمعاملات الدنيوية؛ فهو أيضاً له وجه قوي. والله أعلم.

стр. 2212

تفسير سورة النصر نعت سورة النصر إلى رسول الله ﷺ أجله، وذلك بعد أن تحقق النصر المبين والفتح العظيم، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فأمر الله نبيه بعد ذلك أن يستعد لملاقاة ربه، وذلك بالتسبيح والاستغفار.

стр. 2213

سبب نزول سورة النصر سورة النصر آخر سورة نزلت في كتاب الله على رسول الله ﷺ ، وقد نعت إلى رسول الله ﷺ أجله، أي: أُخبر فيها أنه سيموت ﵊. كان أمير المؤمنين عمر ﵁ يدخل كبار الصحابة من أهل العلم وأهل الفضل، وكبار الصحابة من البدريين الذين شهدوا بدراً؛ كان يدخلهم عمر إلى مجلسه ويستشيرهم في شئون المسلمين، وكان يدخل معهم عبد الله بن عباس ﵄، وكان صغيراً، كان عمره عشرين سنة تقريباً، فقال الصحابة: لماذا تدخل هذا الغلام معنا، ولنا أبناء مثله أو أكبر من سنه ولا تدخلهم؟ قال: إنه من حيث علمت. أي: إنه ابن عم رسول الله، وله فقه واسع في الدين، فالرسول ﷺ دعا له بالفقه في الدين، إذ قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) . قال ابن عباس: فدعاني عمر يوماً، ورأيت أنه ما دعاني إلا ليريهم مني أشياء -أي: يسألني أمامهم- فسأل عمر ﵁ الصحابة: ما تقولون في سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١-٣] ؟ ففسروا الآيات على ظاهرها، وقالوا: أمرنا الله إذا انتصرنا ودخل الناس في الدين جماعات أن نسبح بحمد ربنا ونستغفره، قال: ما تقول أنت يا ابن عباس في هذه السورة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أما أنا فلا أقول كما قالوا، إنما هذه السورة نعت إلى رسول الله أجله، أي: أخبرت الرسول أنه سوف يموت، فيستعد للموت بالاستغفار. وقد استنبط عبد الله بن عباس ذلك من جملة نصوص: - أن الصلاة تختم بالاستغفار. - وأن نوحاً ﵇ لما أغرق الله قومه قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] . - وأن المجالس تختم بالاستغفار: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) . - وأن الله قال في الحج: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة:١٩٨] إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] . فالأعمال تختم بالاستغفار، ففهم أن المراد أن السورة نعت إلى الرسول ﷺ أجله، أي يا محمد! استغفر؛ لأنك ستموت. فقال عمر: (والذي نفسي بيده ما أعلم منها إلا كما علمت يا ابن عباس) . فأقر المحدث الملهم عمر عبد الله بن عباس ﵄ على هذا الفهم، وكان كذلك، فلما مات لم تنزل سورة بعدها، مات الرسول ﷺ وكان يقول في ركوعه وسجوده بعد نزول هذه السورة عليه: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن. وكان يقول في مرض موته: (اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق) ، وفي رواية أخرى: (وألحقني بالرفيق الأعلى) ، والرفيق: هم الرفقاء من المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

стр. 2214

تفسير قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح) قال الله سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ، نقل عدد من المفسرين الإجماع على أن المراد بالفتح فتح مكة، وقد كان المشركون في الجزيرة العربية متوقفين في الإسلام، قالوا: محمد يحارب قومه، هو من أهل الحرم، وهم من أهل الحرم، هم قرشيون وهو قرشي، فكانت العرب تترقب من الذي سينتصر؟ إن انتصر المشركون على محمد فنحن باقون على ديننا لا نترك الدين، لأن الأمر لن يتغير، وإن انتصر محمد على المشركين وفتح مكة فسوف ندخل في هذا الدين. كان هذا موقف الجزيرة بصفة عامة، كانوا ينتظرون المعركة الحاسمة، فإذا انتصر محمد فنحن معه، وإن لم ينتصر محمد فهم مع المشركين، قالوا: فلما انتصر النبي ﷺ وفتح مكة جاءت الوفود تبايع رسول الله ﷺ من كل فج، وجاءت القبائل فوجاً فوجاً، كل فوج يبايع الرسول ﷺ على الإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ودخلوا في دين الله أفواجاً، وهم محسنون صحابة، لكن الذي أنفق في أوقات الشدة وجاهد قبل الفتح أفضل من الذي علق إيمانه على الفتح، فلذلك قال الرسول ﷺ : (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية) . فهناك أوقات درهم يسبق فيها ألف درهم، وعمل صالح يسبق فيها ألف عمل صالح، ولذلك فإن من أكثر الصحابة الذين أنفقوا مالاً عثمان ﵁، وإنفاق أبي بكر مع أنه أقل من إنفاق عثمان، لكنه أعظم أجراً من إنفاق عثمان، مع أن في الكل أجراً؛ لأن أبا بكر أنفق وقت شدة المسلمين وحاجتهم إلى المال، لذلك قال الرسول ﷺ : (ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر) . فجُعل الفتح فيصلاً بين المنفقين قبله والمجاهدين قبله، وبين المهاجرين والمنفقين فيما بعد، ولذلك كان الخلفاء الراشدون إذا قسموا أموالاً أو غنائم يعطون الذين هاجروا قبل الفتح أكثر من الذين هاجروا بعد الفتح؛ لأن هؤلاء بذلوا، وهؤلاء وإن بذلوا لكن بذلهم كان في وقت أقل احتياجاً من هؤلاء الذين بذلوا في أول الأمر.

стр. 2215

تفسير قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره) يقول الله لنبيه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١-٢] وقد أسلفنا أن النعم تحتاج إلى شكر فلذلك قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] . معنى (فسبح بحمد ربك) من العلماء من قال: قل: سبحان الله وبحمده على ظاهرها، وأيد هذا القول بأن النبي ﷺ لما نزلت هذه السورة كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. ومن العلماء من قال: هذا أمر من الله لنبيه بالاستغفار؛ لأن الاستغفار في حد ذاته عبادة تثاب عليه كما تثاب على الذكر والصلاة، فإذا قلت: الحمد لله فأنت مثاب؛ لأنك حمدت الله وعبدته، إذا قلت: أستغفر الله، فهي عبادة أيضاً يثاب فاعلها. ومن العلماء من قال: إذا كان الأفضل والأورع وسيد ولد آدم أُمر بالاستغفار فهو حث لغيره من باب أولى، فكأنه يقول: إذا كان أفضلكم أمر أن يستغفر، فإذاً أنتم أيها المذنبون الأكثر ذنوباً من باب أولى أن تستغفروا. ومن العلماء من قال: إنها على بابها، لكن كما قال القائل: إن أهل الفضل والصلاح يرون صغار الهفوات ذنوباً كبيرة لأنها تتساقط عليهم، كما في الحديث: (إن المؤمن يرى صغار الذنوب كجبل يريد أن يسقط عليه) ، فالمؤمن إذا أذنب ذنباً صغيراً يرى أن هذا الذنب جبل سيسقط عليه، وأما الفاجر فيرى كبار الذنوب كذبابة جاءت على أنفه فهشها فطارت. ولذلك يقول إبراهيم ﵇: (نفسي نفسي! إني كذبت ثلاث كذبات) اثنتان منها في ذات الله: لما دعوه لعبادة الأصنام وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] ولم يخرج لعبادة الأصنام، ولكنه عدها كذبة. فعزز هؤلاء القوم قولهم بأن النبي ﷺ قال: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة) ، وبقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] ، وبقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم) ، وببعض النصوص الأخرى. وأوردوا أن الرسول ﷺ اختار اختيارات غيرها أفضل منها، فعوتب فيها، كقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١-٢] ، وكقوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] ، وبكاء النبي ﷺ وقوله لـ عمر: (لقد عرض علي عذاب أصحابك أدنى من هذه الشجرة يـ ابن الخطاب، ولو نجا أحد لكان أنت يا عمر) ، وبأنه مثلاً لما قيل له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] استغفر للمنافقين وبعد ذلك قيل له: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] . قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣] في كلمة (سبحان الله وبحمده) فضل، جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) فكلمة (سبحان الله وبحمده) التي هي تأويل ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ من فضلها أنها تمحو الذنوب وتغسل الذنوب. قال ﵊ أيضاً في نفس الباب: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) . قول الله: (وَاسْتَغْفِرْهُ) أمر بالاستغفار، وهذا الأمر امتثله عموم الأنبياء: فنوح ﵇ كان يستغفر الله، قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] ، وإبراهيم ﵇ قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] ، وأبونا آدم ﵇ يقول هو وزوجه: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] ، وموسى ﵇ يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥١] ، ونبينا ﷺ كان يعد له أصحابه في المجلس الواحد: (رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور) مائة مرة. قال الله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] ، التوبة هي الرجوع، فتب إلى الله، معناها: ارجع إلى الله، يتب الله عليك، أي: يرجع الله برحمته وفضله عليك، وتقول: تب علينا، أي: لا تحرمنا فضلك وتفضل علينا برحمتك وبفضلك. فالتوبة من معانيها الرجوع ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: إذا تبتم إلى الله رجع عليكم فضل الله ، ورجعت عليكم رحمة الله ، وغفر لكم ربكم ذنوبكم. قال الله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] ، فإذا أقبلت على الله فقد قال: (من أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً) فالأئمة من العباد مذنبون، لذلك قيل في قصة سبأ: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [سبأ:١٥] ، وأتبعت البلدة الطيبة بقوله تعالى: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] ، فإنكم مع أكلكم وشكركم تصدر منكم زلات وهفوات ويصدر تقصير منكم، فاعلموا أن الرب غفور ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٥] . قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] أي: رجاعاً للعباد برحمته إذا هم تابوا وأقلعوا عن ذنوبهم. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2216

تفسير سورة المسد من دلائل نبوة نبينا محمد ﵊ أنه أخبر عن أمور مستقبلية ستحدث، فكانت كما أخبر، ومن ذلك نبأ أبي لهب وزوجه وما ماتا عليه من الكفر والإلحاد والعياذ بالله، وذلك بسبب أذيتهما لرسول الله وصد الناس عن اتباعه.

стр. 2217

سبب نزول سورة المسد ودلالتها على صدق نبوة رسول الله ﷺ يقول الله في كتابه الكريم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١-٢] . لهذه السورة سبب نزول ألا وهو ما أخرجه البخاري وغيره، وفيه: (لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] صعد النبي ﷺ على جبل الصفا، فنادى بأعلى صوته: يا معشر قريش! يا بني عبد مناف! ونادى على قبائل قريش، فأجابوه إلى طلبه، ومن لم يستطع منهم الإتيان إليه بعث إليه نائباً عنه، فلما اجتمعوا حول رسول الله ﷺ خاطبهم قائلاً: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي تريد غزوكم، أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم. ما جربنا عليك كذباً قط، فقال النبي ﷺ : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟! فنزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١-٣] ) . فعلى ذلك فقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] نزل قبل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١-٢] . وأبو لهب اسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وهو عم رسول الله ﷺ ، وهو أخو عبد الله والد رسول الله ﷺ . وامرأته اسمها: العوراء أم جميل، وكانت امرأة مؤذية كافرة، تؤذي رسول الله ﷺ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. هذه السورة تعد علماً من أعلام النبوة، ودليلاً من أدلة نبوة رسول الله ﷺ . فمن دلائل نبوة النبي ﷺ : أنه أخبر عن أمور مستقبلية ستحدث، فحدثت كما أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه. ومن هذه الأمور المستقبلية أمور جاء ذكرها في كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٢-٤] ، وقد كان كما أخبر رسول الله ﷺ . ومن هذه الدلائل: الأشراط الصغرى والأشراط الكبرى للساعة. وقد أخبر النبي ﷺ ببعض الأشراط الصغرى وبعض الأشراط الكبرى، فوقع جلّ الأشراط الصغرى ووقع بعض الأشراط الكبرى، كالنار التي حشرت الناس، وباتت معهم حيث باتوا، وقالت معهم حيث قالوا. فمن دلائل نبوة الرسول ﵊ أنه أخبر في هذه السورة أن أبا لهب ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] . ومن مقتضيات ذلك ومن لوازمه: أن يموت أبو لهب على الكفر، فكان من الممكن أن يسلم أبو لهب كما أسلم غيره من الكفار؛ ولكن مات أبو لهب على الكفر، فصدِّقت الآيات بعد موته على الكفر. فكان في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] وتحقُّقِ ذلك بموت أبي لهب على الكفر علماً من أعلام نبوة رسول الله ﷺ ، ودليلاً من أدلة نبوة الرسول ﵊.

стр. 2218

تفسير قوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب) - يقول الله : (تَبَّتْ) أي: هلكت أو قطعت. قال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ، لماذا كرر (تَبَّتْ) (وَتَبَّ) ؟ الجواب من العلماء من قال: إن التكرير للتأكيد، وهو يأتي كثيراً جداً، كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:١٥] وكررت هذه الآية مراراً في السورة. وكما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣-٤] . وكما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥-٦] . وكما في قول النبي ﷺ : (إن آل أبي جهل استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، وإني لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن) ، فهذا التكرير للتأكيد. وكقول الشاعر: يا علقمة يا علقمة يا علقمة خير تميم كلها وأكرمه وقوله: يا أقرع بن حابس يا أقرع إنك إن يصرع أخوك تصرع وكل هذه للتأكيد. فمن العلماء من قال: إن قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] تأكيد لهلاك أبي لهب. ومن العلماء من قال: هلكت يداه وقد هلك. وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] ، لماذا عُبِّر باليد دون غيرها من الجوارح؟ قال فريق من العلماء: لأن اليد هي التي تسعى بالأعمال؛ أعمال الخير أو أعمال الشر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠] أي: ذلك بما عملت، فلأن أغلب الأعمال تكون باليد؛ سواء كانت أعمال خير أو أعمال شر، فوُصفت اليد بالهلاك؛ لأنها هي صاحبة الأعمال. ولا يُعترض على هذا بحديث النبي ﷺ : (يا معاذ! وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم؟!) لأن المراد هنا أعمال الألسُن؛ لكن الأغلب يكون باليد. وقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] كان أبو لهب يؤذي رسول الله ﷺ بصور كثيرة من الأذى، فكانت الوفود تأتي إلى مكة وإلى أسواقها يسألون عن رسول الله ﷺ وعما جاء به، وأبو لهب يتبع الرسول ﷺ يضربه بالحجارة والطوب من خلفه حتى يُدمي رجليه، ويقول: أيها الناس! هذا هو ابن أخي وأنا أعرَف الناس به، إنه كذاب، يكذب على الله. فالرسول ﷺ كان يقول لقريش: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) ، وأبو لهب يتبع رسول الله، ويقول: هذا ابن أخي وهو كذاب ويكذب على الله، وأنا أعرَف الناس به. فكان يؤذي رسول الله ﷺ أذىً شديداً. وفي الحقيقة: أن الأذى بالتكذيب أشد من الأذى بالضرب. ولذلك لما سألت عائشة رسول الله ﷺ ، فقالت: (يا رسول الله! هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ قال: نعم يا عائشة، لقد لقيت من قومك ما لاقيت، وكان أشدها علي يوم أن عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فردني وكذبني) ، فكان هذا من عبد ياليل بن عبد كلال لرسول الله أشد من الذي لقيه الرسول ﷺ يوم أحد. يقول الله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] أي: هلكت يداه وقد هلك، أو هلك وهلك للتأكيد.

стр. 2219

تفسير قوله تعالى: (ما أغنى عنه ماله وما كسب) قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ [المسد:٢] : المال معروف، (وَمَا كَسَبَ) الكسب هنا: قال كثير من المفسرين: إن المراد به الولد، فالمعنى: ما أغنى عنه ماله، وما أغنى عنه ولده. فقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:٢] أي: ولا الذي كسب. وقد ورد أن ابن عباس ﵄ تدخل ذات مرة للإصلاح بين أولاد أبي لهب، فجاء أحدهم وكان ابن عباس قد عمي، فضرب ابن عباس ضربة أسقطته على الأرض، فقال ابن عباس: (كسبٌ خبيث) ، فحمل الكسب على الولد. فكثير من أهل العلم من فسروا الكسب هنا بالولد. وبعضهم يحمل الكسب على العمل، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤] ، والمعنى: فما أغنى عنه ماله ولا عمله. لكن في مثل هذا الموطن حمل الكسب على الولد أليق؛ لوجود نظائر لهذه الآية تحمل معنى المال والولد ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ [الكهف:٣٤] ، فكان الافتخار في الغالب بالمال وبالنفر الذين هم الولد والحاشية وغير ذلك. قال تعالى: (سَيَصْلَى) أي: سيدخل ويذوق، ﴿نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] أي: ذات شرر.

стр. 2220

ذم زوجة أبي لهب قال تعالى: (وَامْرَأَتُهُ) : هي الأخرى، واسمها العوراء أم جميل، ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] : لماذا وُصفت بأنها حمالة الحطب؟ لذلك تعليلات عند العلماء: التعليل الأول: أن هذه المرأة كانت تسعى بين الناس بالنميمة، والذي يسعى بين الناس بالنميمة يقال فيه: إنه يحمل الحطب بين الناس، أي: يحمل الحطب لكي يوقد النار ويشعل الفتنة بين الناس. التعليل الثاني: لأنها كانت تحمل الحطب والشوك وتلقيه في طريق رسول الله ﷺ . التعليل الثالث: أن هذا تعيير لها وتوبيخ، فقد كانت تعير رسول الله ﷺ بالفقر، وعملها كان الاحتطاب، فالمعنى: كيف تعيرين رسول الله بالفقر وأنت حمالة الحطب؟! التعليل الرابع أن: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ أي: حمالة الذنوب والأوزار.

стр. 2221

تفسير قوله تعالى: (في جيدها حبل من مسد) قال تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا﴾ [المسد:٥] أي: في عنقها، ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥] : المسد فيه أقوال: قيل: إن المسد هو: النار، أي: في رقبتها حبل من نار ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦] ، فكما كانت تحمل الحبل في رقبتها وتربط فيه الحطب الذي تؤذي به رسول الله، فكذلك في النار سيكون في رقبتها حبل. وقيل: إن الحبل من مسد: الحبل من الليف، فالمسد هو الليف. وقيل: إن المسد هو السلسلة المذكورة في قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠-٣٢] . فقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:٥] أي: يوم القيامة، وهذا يفيد أن الجزاء دائماً من جنس العمل، فكما كانت تربط في رقبتها حبلاً وتربط به الشوك الذي تلقيه في طريق رسول الله، كذلك يُربط في رقبتها حبل من نار يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل. كذلك كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٧] ، لما فكر وقدر وشخص ببصره إلى أعلى وخفض وأدبر واستكبر، قال الله سبحانه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٧] أي: سيطلع وينزل ويصعد في جهنم ويُرهَق؛ لأن الصعود يُرهِق، فالصعود في النار أشد إرهاقاً؛ لأن المقرر أن الجزاء من جنس العمل. وعلى ذلك جملة أدلة في الخير أو في الشر، كقوله ﵊: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه) ، (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) ، (ارحموا تُرحموا) ، (اغفروا يُغفر لكم) ، (يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأخفافهم) . فدائماً (الجزاء من جنس العمل) .

стр. 2222

حكم قراءة سورة المسد في الصلاة بعض الناس يكره القراءة بسورة (تَبَّتْ) في الصلوات! ولا نعلم لهذه الكراهية مستنداً، لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، فهي سورة كسائر سور القرآن، الحرف منها بعشر حسنات كالحرف من غيرها، ولا داعي لوسوسة موسوس وتشغيب مشغب بلا دليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. صحيحٌ أن سور القرآن تتفاضل، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن، و (الفاتحة) هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيه رسول الله، و (آية الكرسي) هي أعظم آي القرآن؛ لكن ليس معنى ذلك أن يُتخذ شيء من القرآن مهجوراً. والله أعلم.

стр. 2223

تفسير سورة الإخلاص ثبت عن الرسول ﷺ أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وذلك لأن آي القرآن على ثلاثة أقسام: أحكام، وعقائد، وقصص وأخبار، فكانت سورة الإخلاص تحمل العقائد التي توحد الرب وتنزهه عن الشريك والمثيل، والصاحبة والولد، وهي فرق بيننا وبين أهل الكتاب والملحدين.

стр. 2224

فضل سورة الإخلاص هذه السورة تسمى سورة الإخلاص، ومن الناس من يطلق عليها سورة الصمد، وقد جاء في فضلها جملة أحاديث عن رسول الله ﷺ : منها: أن النبي ﷺ قال لأصحابه: (احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن. ثم خرج عليهم فقرأ سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، ثم دخل، وانتظره الصحابة ﵃ فقالوا: لعله شُغِل! لعله نزل عليه شيء! ثم خرج لهم رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: يا رسول الله! قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ثم قرأت سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ودخلت، قال: والذي نفسي بيده، إنها تعدل ثلث القرآن) . قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: وذلك لأن العلماء قسموا القرآن إلى: · أحكام. ·عقائد. ·قصص وأخبار. فكانت سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تحمل العقائد، وتخالف بها أمة الإسلام سائر الأمم، فكل الملل وكل الأمم إذا رتبتها من ناحية الأديان تجد لها أكثر من إله، أما أمة محمد ﷺ فهي تخالف الأمم كلها، فلها إله واحد ، حتى الذين يدرسون الأديان -الآن- في الجامعات الأمريكية وغيرها يقسمون الناس أو العالم كله إلى قسمين: · قسم اتخذ عدة آلهة يعبدها. ·وقسم له إله واحد. فالمسلمون فقط هم الذين تحت بند من يعبد إلهاً واحداً. وجاء في فضلها أيضاً: أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ كان في غزوة من الغزوات أميراً وكان يصلي بالناس، وكلما صلى صلاة قرأ فيها بسورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] بعد الفاتحة، وإما أنه يقرأ سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] بعد الفاتحة ثم يركع، أو أنه يقرأ سورة بعد الفاتحة ويُتْبِعها بسورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، أو يقدمها بسورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، فتضايق أصحابه من ذلك؛ فقالوا له: إما أن تقرأ بسورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وإما أن تقرأ بسورة أخرى، أما كل يوم وكل صلاة تقرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فلا! فشكوه إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ (سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: يا رسول الله! إنها صفة الرحمن وإني أحبها، فقال ﵊: حبك إياها أدخلك الجنة) . وفي رواية أخرى: (أخبروه أن الله يحبه) . فهذا بعض الوارد في فضلها. وأيضاً كان النبي ﷺ يقرأ بها في: · ركعتي المغرب في الركعة الثانية. ·وركعتي الفجر النافلة في الركعة الثانية. ·وركعتي الطواف في الركعة الثانية. ·والركعة الأخيرة من ركعات الوتر. ·وكان ﵊ يقرأ بها مع المعوذات إذا اشتكى، فإذا اشتكى نفث في يديه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] والمعوذات ومسح بها رأسه وسائر جسده. ·وكان يقرأ بها أيضاً مع المعوذات عند النوم. ·وكان يقرأ بها مع المعوذات صباحاً ومساء. وقد يقال: وهل كان النبي ﷺ يقرأ بها في صلاة الاستخارة؟! و الجواب أما الاستخارة فلم يثبت فيها قراءة، ولم يثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ فيها بقراءة معينة؛ لأن الوارد فيها من حديث جابر: (إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك) ، وليس فيها تفصيل. فحديث جابر في الاستخارة أخرجه البخاري وغيره وهو أصح ما ورد، وهذا لفظه: (إذا هَمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك) . وكل حديث ورد في الاستخارة غير حديث جابر فهو حديث ضعيف؛ حتى حديث جابر مع كون البخاري ﵀ أخرجه إلا أن من أهل العلم من تكلم فيه أيضاً كالإمام أحمد، قال: هذا الحديث رُوي من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر عن جابر، وأهل المدينة إذا كان الحديث غلطاً يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وهذا منكَر. لكن من العلماء من حَمَل قول أحمد: (منكَر) على أنه يريد بها التفرد، كما قال العلماء في ترجمة محمد بن إبراهيم التيمي راوي حديث: (إنما الأعمال بالنيات) . فالشاهد: أنه لم يصح في الاستخارة خبر إلا هذا الخبر، أما حديث: (اللهم اغفر لي واختر لي) وغيره، فكل ما ورد في الاستخارة من حديث فهو ضعيف. وعلى ذلك: فالذي يظن أن الاستخارة لا بد أن تتبعها رؤيا من الرؤى يراها في نومه، أو انشراحاً في الصدر، أو أي شيء من ذلك، فليس على هذا دليل؛ وإن حصل فلا مانع من حصوله؛ لكن كونه يسلتزم أن ترى رؤيا فليس هناك دليل يفيد ذلك، إنما الاستخارة دعاء. فالشاهد: أنه لم يرد أن النبي ﷺ قرأ فيها بسور معينة، فإنما هي ركعتان غير الفريضة. وكان النبي ﷺ يقرأ بالإخلاص إذا اشتكى، ويقرأ بها عند نومه، ويقرأ بها في الصباح والمساء، ويقرأ بها أدبار الصلوات، وبعد صلاة المغرب ثلاثاً، وبعد صلاة الفجر ثلاثاً. وهناك عدة روايات تفيد أن النبي ﷺ كان يكثر من قراءة هذه السورة، ولك أن تتخيل كم مرة كان الرسول يقرأ بها في يومه؟! كان يقرأ كل ليلة عند النوم مع المعوذات (ثلاث مرات) ويقرأ بها بعد كل صلاة. (فهذه خمس) . ويقرأ بها أيضاً في الصباح والمساء (ثلاثاً ثلاثاً) . ويقرأ بها في ركعتي الفجر، وكان الرسول ﷺ يصلي ركعتي الفجر يومياً، ولم يتركها في سَفَر ولا في حَضَر. ويقرأ بها في ركعتي المغرب. فهذه ست عشرة مرة. أضف إلى ذلك: إذا اشتكى صلى الله عليه وسسلم. يقول النبي ﷺ : (أيعجز أحدكم أن يقرأ في كل ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وأينا يطيق ذلك يا رسول الله؟! قال: إن سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن) . فالآن ينبغي أن تقرأ بها وأنت في مسجدك، وتقرأ بها وأنت على جنبك، وتقرأ بها في طريقك، لِمَا علمته من فضلها.

стр. 2225

معنى الصمد وأقوال العلماء فيه وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] : أما (الصمد) ففيها عدة أقوال: القول الأول: أن (الصمد) الذي يصمد إليه الخلق لقضاء حوائجهم، -أي: يتجه إليه الخلق- ولدفع الضر عنهم، ولجلب الخير لهم. القول الثاني: أن (الصمد) هو السيد الذي انتهى إليه السؤدد، أو الذي انتهت إليه السيادة في كل شيء، فهو الكريم الذي إليه المنتهى في الكرم، والرحيم الذي إليه المنتهى في الرحمة، والحليم الذي إليه المنتهى في الحلم، والغني الذي إليه المنتهى في الغنى، وانتهى إليه السؤدد في كل شيء، وانتهت إليه السيادة في كل شيء. القول الثالث: أن المراد بـ (الصمد) الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣-٤] . القول الرابع: أن المراد بـ (بالصمد) : المُصْمَد الذي لا جوف له، وقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: (لما خلق الله آدم جعل إبليس يطيف به) يعني: يدور حول آدم، ينظر! ما هذا المخلوق الجديد؟! (فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك) ، أي: يسقط سريعاً، وأيُّ شيء يسقطه بسرعة. فمن العلماء من قال: إن (الصمد) : الذي لا جوف له. ومن العلماء مَن قال: (الصمد) يحمل هذه المعاني كلها: ·فهو سبحانه السيد الذي انتهت إليه السيادة في كل شيء. ·وهو سبحانه الصمد الذي يصمد إليه الخلق لقضاء حوائجهم. ·وهو سبحانه الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣-٤] . إلى غير ذلك مما ورد في تفسير (الصمد) .

стр. 2226

تفسير قوله تعالى: (قل هو الله أحد) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] : بهذه الآية تفارق المشركين، فكل مشرك يخالفك كمسلم في هذه الآية، فأنت تقول: الله أحد، والمشرك يقول مع الله آلهة، سواءً كانت هذه الآلهة أصناماً أو كانت بشراً أو ملائكةً أو شمساً أو قمراً أو غير ذلك، فالمشركون يشركون مع الله آلهةً أخرى كاللات، والعزى، ومناة، وهُبل وغير ذلك، وطائفة من مشركي العرب كان تقول: الملائكة بنات الله، وطائفة من الموجودين الآن يعبدون العجول والبهائم والفروج ونحو ذلك فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تفارق بها جميع مَن أشرك مع الله آلهةً أخرى. ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١-٢] : لو كان هناك رجل -والعياذ بالله- يرتكب الفواحش ويشرب المسكرات ويتعاطى المخدرات ويسكر ويعربد ويفعل كل شيء؛ لكنه يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، ورجل يقول مع الله إلهاً آخر، ويعمل صالحاً ويتصدق ويصلح بين الناس؛ فأيهما أشر؟ المشرك أشر. فالعقيدة أو الاعتقاد القلبي أهم من العمل ولذلك قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] . فهذا الأخير الذي يسكر ويشرب ويزني ويقتل قد يغفر الله له: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وهو وإن عُذِّب ألف سنة أو ألفين في نار جهنم؛ لكن مآله إلى الخروج باعتباره من الموحدين. أما الآخر فكما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] .

стр. 2227

تفسير قوله تعالى: (لم يلد) ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:٣] : أي: ليس له ولد سبحانه، وهذه أيضاً تفارق بها اليهود والنصارى، وتفارق بها طوائف من مشركي جزيرة العرب، فاليهود يقولون: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ، والنصارى يقولون: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ، ومشركو جزيرة العرب يقولون: إن الملائكة بنات الله، فبقولك: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فارقتَ كل هؤلاء. وقد جاءت الأدلة في كتاب الله متكاثرة ومتضافرة تؤيد هذا المعنى، وهذا لا شك فيه: قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَاً * قَيِّماً لِيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:١-٥] . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدَّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدَّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ [مريم:٨٨-٩١] . وقال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] . والآيات في هذا الباب لا تحصى، ولا أحدٌ أصبر -على أذىً سمعَه- من الله، يدَّعون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم . فالذي يقول: إن لله ولداً، مشرك، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٠-٣١] .

стр. 2228

تفسير قوله تعالى: (ولم يولد) ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] : هذه أيضاً تفارق بها النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، وهذا من العجب! إذ يقولون: إن عيسى هو الله وقد ولدته مريم! فمن هو الله قبل أن تخلق مريم؟! وأين كان الله قبل أن تخلق مريم إذا قالوا: إن عيسى هو الله! ويُجاب عليهم: إذا كان هذا هو الرب، فقبل أن يولد من الذي كان يدبر أمر السماء والأرض؟! وقبل أن تولد مريم، فضلاً عن عيسى ولدها؟! من الذي كان يدير السماوات والأرض ويدبر أمرها؟! وهل بطن امرأة مليء بالدم وقد حوت جوانبُها العذرةَ؛ هل بطن هذه المرأة يسع إلهاً يحكم السماوات والأرض؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! وأما أضل خلق الله فهم الهنود الكفرة الذين يقولون: إن إلههم هو العجل والبقرة. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] أي: لم يكن له قريب، لا أخ، ولا ابن عم، ولا ابن خال، ولا عم، ولا خال.

стр. 2229

تفسير قوله تعالى: (ولم يكن له كفوا أحد) ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، فليس له شريك. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] . وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سبحانه وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٤٢-٤٣] . فلو كانت هناك آلهة مع الله لتصارعت هذه الآلهة حتى ترى مَن الذي ينتصر ويدبر أمر السماء والأرض! ﴿سبحانه وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٤٣] . والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2230

تفسير سورتي الفلق والناس أفضل العبادة هو الدعاء، وقد ختم الله كتابه بسورتين من الدعاء، وهما: سورتا الفلق والناس، اللتان اشتملتا على الاستعاذة بالله من شر ما خلق عموماً، فكانتا حرزاً ورقية من الأدواء والأوجاع والسحر والحسد والوسوسة وغيرها؛ لذا قال ﵊: (ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما) .

стр. 2231

تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الفلق) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فسورة الفلق تقرأ مع سورة الإخلاص في عدة مواطن. ورد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قول شذ فيه عن سائر أصحاب النبي ﷺ ، وهو أنه كان يرى أن سورة: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) ليستا من القرآن، إنما أمر النبي أن يقول فقال، ولم يثبتها ابن مسعود في مصحفه، وجمهور الصحابة أثبتوا هاتين السورتين في مصاحفهم على النمط الذي هي فيه الآن. وقد أجاب أبي بن كعب على ذلك، فقال: (سألت الرسول، فقال لي: قل، فقلت كما قال لي) . ما معنى: (الْفَلَقِ) ؟ الفلق هو كل شيء ينفلق عن الشيء الآخر، أي: ينفصل عنه، فالصبح ينفلق عن الليل، قال الله: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام:٩٦] ، والحب ينفصل عن النوى، ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:٩٥] ، ومنه قول العامة: (أفلق رأسك) ، أي: أفصله عن بعضه، فالفلق كل شيء يفصل، ورب الفلق هو: رب الشيء الذي ينفصل عن الشيء، هذا من الناحية اللغوية، لكن الفلق هنا في هذه السورة الكريمة المراد به الصبح عند أكثر أهل العلم. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] الفلق: الصبح، ودليله: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام:٩٦] . ((قُلْ أَعُوذُ)) أي: ألجأ وأستجير.

стр. 2232

تفسير قوله تعالى: (من شر ما خلق) ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] يا رب! لذت بك، واعتصمت بك، واستجرت بك، ومن شر كل خلق، من شر عموم الخلق، فدخل فيه شر الإنس، ودخل فيه شر الجن والشياطين، ودخل فيه شر السباع والهوام، والحيات والعقارب، ودخل فيه شر الرياح، ودخل فيه شر الظلام، وشر كل شيء يخشى منه، فهي -إذاً- آية في غاية البلاغة، تشمل شر كل الخلق، شر رجل ظالم، أو مؤذٍ، ومن شر حية، ومن شر أي شيء، ونحوه حديث رسول الله: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) .

стр. 2233

تفسير قوله تعالى: (ومن شر غاسق إذا وقب) ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] . الغاسق إذا وقب مما خلقه الله، فهو من عطف الخاص على العام، وهذا الأسلوب يأتي لبيان أهمية الخاص، مثل قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] فالفاكهة عامة، والنخل والرمان خاص، فعطف العام على الخاص، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧] . ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [النساء:١٦٣] . ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] أي: الليل إذا دخل، فالغاسق هو الليل، ويشهد لذلك من التنزيل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] أي: إلى ظلام الليل، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] . وورد عن النبي ﷺ بإسناد صحيح أنه خرج مع عائشة ذات ليلة، ونظر إلى القمر فقال: (يا عائشة! استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) ، فمن العلماء من قال: إن من متبوعات دخول الليل ظهور القمر، وإن مجيء القمر مؤذن بدخول الليل، فقوله: (استعيذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) ؛ لأن ظهور القمر علامة على دخول الليل، وفي الليل تنتشر الشياطين، وتنتشر السباع، وتنتشر الهوام، ويبيت فيه للمكر، ويبيت فيه بالخداع، ويخطط فيه للحروب، ويخطط فيه للاغتيالات. فالليل فيه شر مستطير، وفيه شر كثير إلا في الثلث الأخير، فإن أهل الصلاح يقومون فيه امتثالاً لقول الله تعالى: (هل من داع فأستجيب له) وإذا جاء الليل فكما قال الرسول ﷺ : (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم، فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، وأوكئوا الأسقية واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً) ، وفي الحديث الآخر: (فإنه ينزل في ليلة في السنة داء لا يدع سقاء ليس عليه وكاء، ولا إناء ليس عليه غطاء، إلا نزل فيه من ذلك الداء) . فدخول الليل يصحبه انتشار الشياطين، ويصحبه كثير من البلاء، ويصحبه مكر الأعداء، ويحصل فيه جملة أمور، ولذلك لما قال فرعون لموسى: ﴿اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٨-٥٩] ؛ لأن السحر يبطل في وقت الضحى، وصعب على الساحر أن يسحر في وقت الضحى، أما في الليل فربما تنظر ظلك فتظنه عفريتاً. ففي الظلام يمكن التلبيس والدجل على الناس، وغش الناس، ولذلك أغلب أعمال الشعوذة تحدث في الظلام، ومن المشعوذين من يدجلون في الغرفة المظلمة، تدخل الغرفة فيقول لك: هذه صورة علي بن أبي طالب يجري، وهو الذي يجري، وهذه صورة عمر، وهذا عبد الله بن سلام، وهذا كله دجل يحدث في الظلام والعياذ بالله. فالغاسق إذا وقب، قيل: هو الليل، وقيل: هو القمر، وقيل غير ذلك، ولكن أشهر الأقوال أن الغاسق هو الليل، ومن متبوعاته القمر، ومعنى وقب: دخل وأقبل بظلامه.

стр. 2234

تفسير قوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد) ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] النفاثات هن السواحر اللاتي يسحرن، وينفثن في العقد. قد تقدم بيان بعض فضائل سورتي الفلق والناس، فعن عقبة بن عامر ﵄ قال: قال لي النبي ﷺ : (يا عقبة! قل، قلت: ما أقول يا رسول الله؟!، قال: قل، قلت: ما أقول يا رسول الله؟!، قال: قل: قلت: ما أقول يا رسول الله؟!، قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ حين تصبح، وحين تمسي، تكفيك من كل شيء) ، وقال النبي ﷺ : (ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما) وتقدم أن النبي ﷺ كان يقرأ بهما إذا اشتكى مع سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وينفث بهذه السور في يديه، ويمسح رأسه وما استطاع من جسده. وكان يقرأ بهما مع: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عند النوم، وحث على القراءة بهن دبر الصلوات ﷺ . يقول الله فيها: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] وقد ورد بسند ضعيف سبب نزول هاتين السورتين، ألا وهو قصة سحر رسول الله ﷺ ، فورد بأسانيد فيها ضعف أن هاتين السورتين نزلتا لما سحر النبي ﷺ ، فكانتا سبباً في حل السحر عن النبي ﷺ ، ولا يصح سبب النزول. يقول الله: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ أي: ألجأ وأستجير وأعتصم، (بِرَبِّ الْفَلَقِ) وتقدم أن الفلق الصبح، وأن الفلق كل شيء انفلق عن شيء، فالصبح لما انفلق عن الظلمة قيل له: فلق، وأيضاً قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:٩٥] ، وقال سبحانه: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام:٩٦] ، لكن المراد بالفلق هنا الصبح، فالمعنى: أستجير برب الصبح وما حواه من نور وضوء، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ قد أسلفنا أنه يدخل في قوله: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ عموم الشرور التي يمكن أن يستعاذ منها: كشر الناس، وشر السباع والدواب والهوام، وشر الجن، وشر الريح، وسائر الشرور التي يمكن أن يتعوذ منها، فالآية جامعة. ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، تقدم أن الغاسق إذا وقب فيه أقوال لأهل العلم: قيل: هو القمر، وقيل: هو الليل إذا دخل، وهذا هو رأي الجمهور في تفسير الغاسق إذا وقب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨] ، ووقب معناه: دخل أو أقبل بظلامه، قالوا: لأن الليل إذا أقبل بظلامه انتشرت السباع، وانتشرت الهوام، وانتشرت الشياطين كما في حديث جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان جنح الليل أو أمسيتم، فكفوا صبيانكم واذكروا اسم الله، وأوكئوا قربكم واذكروا اسم الله، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، وأطفئوا المصابيح واذكروا اسم الله، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ) وفي رواية لـ مسلم: (فإن للجن انتشاراً وخطفاً) . فيستعاذ برب الفلق من الليل ومن دخول الليل؛ لأن الشياطين تنتشر، وكذلك الحيات والوحوش فإنها تخرج من أماكنها، وكذلك اللصوص يتسترون بالليل لإمضاء أعمالهم، وكذلك الأعداء يمكرون بالليل بمن يريدون غزوه، ولهذا استعيذ بالله من شر الغاسق إذا وقب، وهو الليل إذا دخل. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ [الفلق:٤] النفاثات: جمع نافثة، والنافثة هي: المرأة التي تنفث في عقد الخيط، فالنفاثات هن: السواحر، جمع ساحرة، وهن اللواتي يسحرن وينفثن في عقد الخيط، فالسحرة يقرءون ثم يعقدون هذه العقد، فالنفاثات في العقد هن السواحر اللواتي ينفثن في عقد الخيط.

стр. 2235

تفسير قوله تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد) ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥] ،السورة الكريمة أثبتت شيئين: السحر والحسد. والحسد ثابت في كتاب الله في جملة مواطن، تصريحاً وتلميحاً، فقد ذكر الله الحسد تصريحاً في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح:١٥] ، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩] ، وقال سبحانه: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) فثبت الحسد صريحاً في هذه الآيات الكريمة. وثبت تلميحاً كذلك في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧] ، وقال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] ، وقال إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] ، وقال عن المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] ، فكل هذه من صور الحسد وأشير إليها تلميحاً في كتاب الله سبحانه.

стр. 2236

معنى الحسد والحسد هو: تمني زوال النعمة عن الآخرين، ومن العلماء من قيدها بالمسلمين، وقال: هو تمني زوال النعمة عن المسلمين، ومن العلماء من أتى بتقييد ثالث فقال: هو تمني زوال النعمة عن المسلمين مع العمل على إزالتها، ومع السعي في إزالتها، لكن الجمهور على أن الحسد هو: تمني زوال النعمة سواء عملت على إزالتها أو تمنيت أزالتها من قلبك، فالجمهور على هذا التعريف. وقد ثبت الحسد في سنة النبي ﷺ : (كان سهل بن حنيف يغتسل، وكان رجلاً أبيض الجلد، فمر به رجل يقال له: عامر بن ربيعة، فلما رأى حسن جلده، قال: والله! ما رأيت جلداً مخبئاً مثل هذا الجلد قط، فسقط سهل في الحال صريعاً، فذهب أهله إلى رسول الله وقالوا: يا رسول الله! أدرك سهلاً فإنه صريع يا رسول الله!، قال: من تتهمون به؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فأتي به إلى النبي ﷺ ، فقال: علام يقتل أحدكم أخاه، إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع بالبركة) ، ثم أمر عامر بن ربيعة أن يتوضأ ويغسل داخلة إزاره وركبتيه، ويؤخذ هذا الماء ويصب على سهل بن حنيف، فصب عليه فقام وكأنما نشط من عقال، أي: كأنه كان مربوطاً وحل عنه الرباط.

стр. 2237

العين حق في الحديث أن رسول الله ﷺ ذهب إلى أسماء بنت عميس بعد مقتل جعفر بثلاث ليال، فرأى عبد الله بن جعفر وإخوته فقال لها: (ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة، قالت: تسرع لهم العين يا رسول الله! قال: استرقي لهم) . قال بعض العلماء: إن العين تؤثر في الطفل فترى الطفل يأكل ويشرب وليس به مرض، وتراه نحيفاً شديد النحافة، فتكشف عليه عند الأطباء ولا ترى به داء، ولكن العين أثرت فيه كما أشار إليه حديث الرسول ﷺ . بل قد تؤثر العين في الوجه وتصيبه إصابات حسية، ذهب رسول الله ﷺ إلى أم سلمة -كما في صحيح البخاري - ورأى جارية لـ أم سلمة في وجهها سفعة، أي تغير وسواد، فسأل عن ذلك، فقالوا: أصابتها النظرة يا رسول الله!، قال: (فاسترقوا لها) . فدلت هذه النصوص أن الحسد واقع، وأن العين واقعة، كما قال النبي ﷺ : (العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا) أي: إذا طلب منكم أن تغتسلوا لشخص ظن أنكم حسدتموه؛ فلا تترددوا، بل اغتسلوا، وخففوا عن صاحبكم، وخففوا عن إخوانكم، هذا معنى حديث رسول الله ﷺ . فالآية فيها الاستعاذة بالله من شر الحاسد إذا حسد، وقد قسم العلماء الحسد إلى أقسام، ورتبوه مراتب: أعلى هذه المراتب أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك، سواء حصلت لك هذه النعمة أم لم تحصل لك هذه النعمة. الثاني: أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك وتحولها لك. الثالث: أن تتمنى لك ما لأخيك، إلى آخر الأقسام التي ذكروها، وأباحوا منها قسماً واحداً، وهو: الغبطة، وهو ما ذكر في حديث النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) .

стр. 2238

طرق السلامة من شر الحساد ولسلامة الشخص من شر الحساد جملة أمور: منها: تقوى الله، والتوكل عليه، فالله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] ومنها قول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ومنها: حفظ الله ، وحفظ حدود الله، وفي الحديث: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) . ومنها: إخفاء النعمة عمن يظن أنه يحسد، فإذا رأيت شخصاً يتمنى لك زوال النعمة، فأخف هذه النعمة عنه ولا تحدثه بها، وأصل ذلك في كتاب الله في قول يعقوب ﷺ ليوسف: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] . وقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى فقيل له: يا حسن! أيحسد المؤمن؟ أي: هل هناك مؤمن يحسد؟ فقال سبحان الله! ما أنساك لإخوة يوسف ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] ، فالمؤمن قد يحسد أيضاً. وعامر بن ربيعة كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، واتهم بأنه هو الذي أصاب سهل بن حنيف، كما ذكرنا في الحديث السابق، فإخفاء النعمة عن الحاسد سبب من أسباب الحفاظ على النفس من شر هذا الحاسد، بدليل قوله تعالى: (يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) ، وقول النبي ﷺ : (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فلا يحدث بها إلا من يحب) ؛ لأنه كما العلماء: لكل نعمة حاسد على قدرها، فإذا قصصت على شخص يبغضك رؤيا طيبة فسيعبرها لك بتعبير مؤذ ويكون سبباً في إيذائك، وإتلاف الرؤيا عليك، والله أعلم. ومنها: الإحسان إلى الحاسد، فإن الله يقول: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ، ولذلك قال العلماء: لو كنت غنياً من الأغنياء وبجوارك رجل فقير جار لك، وهذا الجار يراك كل يوم يراك تدخل على أهلك وبنيك أصناف الطعام والشراب، وأولاده ينظرون إليك وأنت تدخل، وينتظرون أن تعطيهم شيئاً من الذي دخلت به، فلم تعطهم؛ فيدخلون على أبيهم ويطلبون منه شيئاً من المال لشراء ذلك فلا يجد؛ فحينئذ يتمنى هذا الرجل لك الفقر بأن تزول نعمة الله عنك حتى لا يؤذى هو في بيته، لكن إذا أكرمت الأولاد وأعطيتهم شيئاً مما تحمل، ودخلوا على أبيهم بهذا الشيء؛ دعا أبوهم لك بالبركة، فتحول الحاسد إلى داع لك، وبعد أن كان يتمنى زوال النعمة عنك إذا به يسأل الله لك الزيادة من هذه النعمة، فالإحسان إلى الحاسد سبب من أسباب اتقاء شره. ومنها: التعوذ بالله منه، والتحصن بالمعوذات التي شرعها رسول الله ﷺ . ومنها: عدم الاشتغال بالحاسد، وعدم التفكير فيه، فلا تفكر كثيراً فيه، ولا تبال به، ولا تهتم به، بل اعتصم بالله، فالله حسبك، وهو كافيك . والحاسد إذا أراد أن يتخلص من الحسد فعليه أن يتذكر أنه معترض على أقدار الله، فالله هو الذي يقسم الأرزاق وكون الحاسد يتمنى زوال النعمة عنك فهو يعترض على أقدار الله، والحاسد متشبه بالشيطان، فالشيطان يتمنى زوال النعمة عن المؤمنين، والحاسد كذلك، فهو من جند إبليس والعياذ بالله، وكذلك هو متشبه بالكافرين إذ إن أهل الكفر يتمنون زوال النعمة عن أهل الإسلام، والحاسد قد شاركهم في هذا، والله سبحانه أعلم.

стр. 2239

أسباب الحسد وللحسد أسباب كما قال العلماء، فله حامل يستدعي الحسد فيقوى، وأحياناً يضعف ويخبو، فمن أسباب الحسد: المجاورة، وقد قال النبي ﷺ : (فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تكفرها الصلاة والصيام والأمر والنهي والصدقة) والمجاورة في كل شيء، حتى في المهنة، فمثلاً: طبيب أطفال، وبجواره طبيب أطفال آخر، فتجد أحدهما قد يحسد الآخر، ولا يحسد أصحاب السيارات المرسيدس مثلاً، مع أن صاحب المرسيدس يكسب أضعاف أضعافهما، ولكن لا يحسد إلا مجاوره في مهنته، ولا يحسد الذي يكسب الملايين ولكن ينظر إلى جاره الآخر، ويتسائل: كم مريض دخل عنده اليوم؟ حتى قال العلماء: إن الإسكافي يحسد الإسكافي، وهو الذي يصلح النعال وينظفها فتراه لا يحسد أصحاب المحلات الذين يكسبون الآلاف، ولكن يحسد الإسكافي الآخر!. وكذلك الحال في أنواع التجارات كلها، وكذلك في الضرائر: فإنهن يحسدن بعضهن البعض في الغالب إلا من رحم الله، فالمجاورة سبب في اجتلاب الحسد إلا من عصمه الله بالورع في هذا الباب. ومن أسباب الحسد حب الجاه والرئاسات فمنصب كبير يتنافس عليه المتنافسون، وكل يحسد الآخر حتى لا يصل إلى هذا المنصب. وكان هذا الحسد سبب في نفاق عبد الله بن أبي، فلما ذهب رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه وقال: (يا سعد! ألم تسمع ما قال أبو حباب -يعني: عبد الله بن أبي -) ، قال: يا رسول الله! اعف عنه واصفح يا رسول الله! فوالله! لقد أكرمك الله بالحق الذي أكرمك به، وقد اصطلح أهل هذه الحرة على أن يتوجوه، ويجعلوه سيداً عليهم أجمعين، فلما أكرمك الله بما أكرمك به من الحق شرق لذلك، وطفق يصنع ما تراه، فاعف عنه واصفح يا رسول الله!. فأسباب الحسد حب الجاه وحب الرياسات، والمجاورة في الأعمال، والتنافس في الدنيا، وعلاجه الرضا بأقدار الله، والرضا بقسمة الله التي قسمها للعباد. فهذه السورة جمعت الاستعاذة من أنواع الشرور.

стр. 2240

تفسير قوله تعالى: (قل أعوذ برب الناس .) ثم تممت الاستعاذة بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١-٣] فاستعاذ العبد في هذه السورة بملك الناس، وبرب الناس، وبإله الناس الذي هو معبودهم، من ماذا؟ استعاذ بالرب وبالملك وبالإله ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس:٤] والوسواس هو الشيطان، والوسواس صفة له، والوسوسة هي: الصوت الخفي، ومنه قيل لحركة الحلي في الإذن: وسوسة الحلي؛ لأن صوته خفيف لا تسمعه إلا المرأة التي تلبس الحلي. فالوسوسة هي الصوت الخفي، والوسواس هو الشيطان، يوسوس أي: يحدث بصوت خفي في الصدر، فاستعذنا برب الناس، وملكهم وإلههم من شر الوسواس الذي هو إبليس. قال بعض العلماء: إبليس يرانا ولا نراه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] ، فاستعذنا بالذي يرى إبليس ولا يراه إبليس، فالله يرى إبليس، وإبليس لا يراه، فاستعذنا برب الناس وإلههم ومليكهم من شر هذا الوسواس. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] . الخناس هو: الشيطان، والخنوس صفة له، فهو يخنس أي: يختفي عند ذكر الله ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥-١٦] ، ومنه قول أبي هريرة ﵁: (لقيني النبي ﷺ في بعض طرق المدينة وأنا جنب، فانخنست منه) ، أي: اختفيت من رسول الله ﷺ . فوصف إبليس بأنه خناس، أي: كثير الاختفاء، فكلما ذكرت الله اشتد اختفاؤه وأمعن في الهرب، قال الرسول ﷺ : (إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط) . قال العلماء: إن شيطان الكافر عاتٍ متمرد على الكافر، أما شيطان المؤمن فدائماً مضروب ودائماً مطرود، فالمؤمن دائماً يعلوه بسياط التسبيح والتحميد والتكبير، لا يكاد الشيطان يفيق من ضربة ضربها به المؤمن بقول: لا إله إلا الله؛ حتى تأتيه ضربة أخرى فيها: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو فيها: سبحان الله، أو فيها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حتى أن سجود المسلم يبكيه كما قال الرسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) . فيولي باكياً إذا سجدت، ويولي هارباً وله ضراط إذا سمع المؤذن، ويولي هارباً من البيت إذا دخلت البيت فذكرت الله تعالى، كما قال النبي ﷺ : (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه. قال: أدركتم المبيت والعشاء) ، فهو لص ولكنه لص جبان، يهرب إذا ذكر الله ، وإذا لم تذكر الله شاركك في أعمالك، قال النبي ﷺ : (أما إن أحدكم إذا أتى أهله فقال: باسم الله، اللهم! جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن يقدر بينهما ولد، لم يضره شيطان) ، أما إذا لم يفعل فماذا يكون؟ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء:٦٤] قال بعض العلماء: مشاركة الشيطان الرجل في ولده يكون عند الجماع، فيتلذذ الشيطان بالمرأة إذا لم يذكر زوجها الله عند الجماع. وصف الشيطان بأنه خناس، أي: كثير الاختفاء، وقد قدمنا أن شيطان المؤمن ذليل يطرد ويهان، فإذا سقطت من دابتك وقلت: باسم الله، تصاغر حتى يكون مثل الذباب، وإذا قوي إيمان الشخص فر منه الشيطان، كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (والذي نفسي بيده! ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك) ، وفي الرواية الثانية: (إن الشيطان يفر منك يا عمر!) فإذا قوي إيمان الشخص، وتسلح بكتاب الله، وبالذكر الوارد عن رسول الله، وتحصن بالحصون الواردة عن رسول الله؛ لم يجد الشيطان إليه منفذاً ولا سبيلاً، والله أعلم. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس:٤] ، قلنا: الوسوسة هي: الصوت الخفي، ومن شواهده ما جاء في قصة حديث أم زرع، وفيه قول المرأة عن زوجها: أناس من حلي أذني؟ أي: ملأ أذني بالحلي، حتى سمع لها الصوت.

стр. 2241

تفسير قوله تعالى: (الذي يوسوس في صدور الناس .) ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٥] ، قيل: أي: يلقي الوسواس إلى الصدور، وتدخل الوساوس من الصدور إلى القلوب، ومن العلماء من قال: يوسوس في القلوب لأن القلوب داخل الصدور، والله أعلم. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦] ، من العلماء من قال: إن الموسوس جن وإنس، ومنهم من قال: إن الموسْوَس إليه جن وإنس. من العلماء من قال: إن الموسْوِس بالكسر المستعاذ بالله منه إنس وجن، ومنهم من قال: إن الوسواس الخناس الذي هو كبير الأبالسة يوسوس في صدور الفريقين: يوسوس في صدور الإنس، ويوسوس في صدور الجن كذلك. وانتصر كل عالم للرأي الذي تبناه، فالذين قالوا: إن الذي يوسوس إنس وجن، أما الجن فمعلوم أنها توسوس، وأما الإنس فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢] ، فللإنس شياطين وهم يوسوسون أيضاً في الصدور، ويوغرون الصدور، ويملئونها شراً، يملئون صدور قوم شراً على قوم آخرين، فهناك إنس يوسوسون، وهناك جن يوسوسون، ومن أهل العلم من قال: إن الشيطان يوسوس في صدور الإنس، ويوسوس في صدور الجن أهل الصلاح أو عموم الجن واستدل قائل هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:٦] ، فقالوا: لا يطلق على الجن رجال. وعلى كل: فكون الإنس يوسوس لا شك في ذلك، وكون الجني يوسوس لا شك في ذلك، لكن وسوسة شيطان الجن أعظم من شيطان الإنس، وكما قال فريق من أهل العلم: إن شيطان الإنس يدفع بأمور لا يدفع بها شيطان الجن، فشيطان الإنس إذا أكرمته ببعض الكرامات في الدنيا، وأعطيته بعض الأموال، قد يسكت عنك كما قال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] ، فقد تعطيه مالاً أو تتكلم معه بكلمة طيبة، أو تتنازل عن جزء من مالك فيسكت عنك، أما شيطان الجن فلا يرضى منك إلا بالكفر والعياذ بالله.

стр. 2242

حروز شرعية من الشيطان وقد ذكر العلماء ﵏ جملة حروز يُحترز بها من الشيطان: أولها وأعظمها: ذكر الله والاستعانة به سبحانه, وقد ورد في حديث الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها) ، فذكر من الخمس الكلمات (وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم) ، فذكر الله للعبد بمثابة الحصن، فالشيطان يفر عند ذكر الله ، ويقبل على العبد ويجثم على صدره إذا هو غفل عن ذكر الله . ومن الحروز: التعوذات الواردة عن رسول الله ﷺ ، قال الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧-٩٨] وقراءة المعوذتين مع سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وقراءة الآيتين -الأخيرتين- من سورة البقرة، قال النبي ﷺ : (من قرأ هاتين الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه) قال فريق من العلماء: كفتاه من الشيطان، وقيل: كفتاه عن قيام الليل، وثم أقوال أخر، ومن ذلك قول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، إذا نزلت منزلاً، وقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاثاً صباحاً وثلاثاً مساء، فلا يضرك شيء حتى تمسي وحتى تصبح. ومن الحروز: صلاة أربع ركعات أول النهار، قال النبي ﷺ : (قال الله : يا ابن آدم! اركع لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره،) . وادفع الوساوس عن إخوانك فلا تقف في مواقف الشبهات، فإنها يدخل منها إبليس إلى قلوب إخوانك فيظنون بك ظن السوء، ولذلك لما كان النبي ﷺ واقفاً مع صفية بنت حيي فرآه رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال لهما النبي ﷺ : (على رسلكما إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا أو قال شيئاً) . ومن الحروز: الانتهاء عن الاسترسال في الفكر، قال النبي ﷺ : (لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ حتى يقول له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا بلغ ذلك أحدكم فليستعذ بالله، ولينته) ، وفي رواية (فليقل: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ) ومن الحروز: أن تمسح على صدرك وتقول باسم الله (ثلاثاً) ، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبعاً) ، وقد جاء عثمان بن أبي العاص الثقفي إلى رسول الله ﷺ يشكو إليه وجعاً يجده في صدره منذ أسلم، فقال: (ضع يدك على الذي تألم، وقل: باسم الله (ثلاثاً) ، وأعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبعاً)) . ومن الحروز: سجود السهو حتى لا يسترسل معك الشيطان بعد ذلك، ويفسد عليك عبادتك، قال ﵊: (فإذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين قبل أن يسلم) وفي بعض الروايات أنه سجدها بعد أن سلم ﷺ ، وقال: (كانتا ترغيماً للشيطان) فذكر الله عند الدخول وعند الخروج، ومسح الجسد باليد بعد قراءة المعوذات، هذه كلها حروز نافعة بإذن الله، ولا تحتاج معها أن تذهب إلى من يعالج، ويخلط الرجال بالنساء، ولا غير ذلك. وفقنا الله لما يحبه ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.