← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

تفسير قوله تعالى: (ولهديناهم صراطاً مستقيماً .) ((وَإِذًا)) : إذا ثبتوا وعملوا المأمور به ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ * ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . في قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الهداية هنا ترتبت على فعل المأمور به، إذا فعلوا المأمور به هديناهم صراطاً مستقيماً، فأفعالهم كانت سبباً لمزيد من الهداية لهم، وهي كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] ، فالذي يلمس ويلتمس ويبتغي طريق الهداية، ويبحث عنها يزيده الله ﵎ هداية، والذي يسلك طريق الغواية كذلك، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: (ومن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاًَ، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً) الشاهد أن قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ رتب على أعمال عملوها، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ . فالهداية أصلها من الله كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] لكن هناك أسباب يسلكها العبد بها ينال هداية الله له. ((وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا)) أي: طريقاً ((مُسْتَقِيمًا)) .

стр. 247

تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول .) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] هذه المعية هل تقتضي التساوي في الأجر؟ لا تقتضي التساوي في الأجر، فإنه وإن كان معهم قد يكونون في درجة أعلى من درجته، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ قال في شأن الأذان: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله أرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة يوم القيامة) . فالشاهد: أن النبي ﵊ ينال منزلة الوسيلة وهي لا تنبغي لأحد غير رسول الله ﷺ ، فدل ذلك على أن المعية في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ لا تقتضي المماثلة في الأجر، إنما يكون معهم في مجالسهم يزورهم ويزورنه، يراهم ويرونه، يستضيفهم ويستضيفونه، إلى غير ذلك، لكن إذا أوى كل شخص منهم إلى رحله كانت درجته أرفع وأعلى ممن هو دونه في العمل، وقد رضي كل واحد منهم بالقسمة التي رزقه الله ﵎ إياها، وهذا كما نكون نحن في المسجد كلنا معاً، يقال: هذا كان معي أمس، وهذا معي اليوم، لكن إذا آوى أو ذهب كل منا إلى رحله، كانت لهذا منزلة وله سعادة في بيته، ولهذا منزلة دونها وله مشاكل وشقاوات في بيته، وإن كانت الجنة منزهة عن تلك الشقاوات، فهذا معنى المعية، والله ﵎ أعلم. وقد قال النبي ﷺ في هذا المعنى أيضاً: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء) وكلهم في الجنة، ومع ذلك بينهم التفاضل هذا الوارد عن رسول الله ﵊.

стр. 248

الصلاح أقل من مرتبة الشهادة غالباً ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ، والصلاح على هذا الترتيب أقل من منزلة الشهادة، ولكن قد يفوقها أحياناً، قال سليمان ﷺ : ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] مع أنه نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

стр. 249

تفسير قوله تعالى: (وحسن أولئك رفيقاً) ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] ، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (لقد توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري) والنحر معروف، والسحر هو الرئتان، أي: كان مسدلاً ظهره إلى هذا المكان من جسمها (ثم شخص ببصره إلى السماء ﷺ وقال: اللهم! الرفيق الأعلى، اللهم! الرفيق الأعلى، قالت عائشة: وكنت أذكر من رسول الله ﷺ إذ كان صحيحاً -أي: قبل أن يمرض- أنه قال: ما من نبي يمرض -أي: مرض الموت- إلا ويرى مقعده من الجنة ثم يخير، -أي: بين البقاء في الدنيا وبين الموت- فلما شخص النبي ﷺ ببصره إلى السماء وقال: اللهم! الرفيق الأعلى، علمت أنه لن يختارنا، ثم قبض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) . وفي قوله: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ أن إطلاق الرفيق على الصاحب مستنده من كتاب الله، وبعض الشيوعيين يستعملونها، فيقولون للزميل: رفيق، وهي لغة لبعض البلاد كباكستان ونحوها، وهذا من المستساغ لغة الذي لا يلام فاعله، ولكن لكل بلد في هذا الشأن عادتها، وإذا اتجهنا إلى سمت رسول الله فهو الأولى والأليق، ففي باكستان مثلاً يقولون: يا رفيق، للزميل، وفي مصر يقولون: يا جدع، وفي السعودية يقولون: يا بويه، وفي اليمن: يا خبير، وفي أوصاف الإخوة يقولون: يا أخ فلان، لكن لو درجنا على ما درج عليه النبي ﷺ من أن الشخص يدعى باسمه أو بكنيته فهذا أكمل هدي وخير هدي، وهو هدي نبينا محمد ﵊، فالاستحباب أن يدعى الشخص باسمه أو بكنيته، وما أخال أحداً يكره أن يدعى باسم ولده: يا أبا فلان، والمرأة تدعى باسم ولدها: يا أم فلان، والله تعالى أعلم.

стр. 250

معنى الصديقية وكيفية الاتصاف بها ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩] ، الصديق أصله من كثرة الصدق في الحديث، ومن كثرة التصديق كذلك، لكن يحمل التصديق على معنى شرعي وهو: تصديق الله فيما أخبر به، وتصديق رسوله ﷺ فيما بلغ عن ربه ﵎، فالصديقية مأخوذة من كثرة التصديق، ومأخوذة من كثرة الصدق كذلك، فـ أبو بكر ﵁ أُطلق عليه أنه صديق؛ لكثرة تصديقه بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر الذي ظاهره لا يقبله العقل، لكن مع ذلك كله كان أبو بكر يصدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما مأخذه من الصدق في الحديث فلما ورد في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) ، فالصديقية تنال بالإكثار من تصديق الله ورسوله، وبالإكثار من الصدق في الحديث، حتى لو كانت لك إلى الكذب ضرورة وتركته كي تقترب من مرتبة الصديقين فهذا فعل حسن، حتى في أمور المزاح، فالنبي ﷺ كان يمزح ويقول له الصحابة: (إنك تداعبنا يا رسول الله! قال: نعم ولكني لا أقول إلا حقاً -أو لا أقول إلا صدقاً-) فكان ينادي أنساً فيقول له: (ياذا الأذنين!) ، وحقاً فـ أنس له أذنان، فيكاد أنس يرتاب من قول النبي ﷺ : (يا ذا الأذنين) ! لكنه حقيقة فليس فيه كذب من رسول الله ﵊، وكذلك قول النبي ﷺ لما أتته العجوز تقول: (يا رسول الله! سل الله أن يدخلني الجنة، فقال: إنه لن يدخل الجنة عجوز! فولت مدبرة حزينة، فدعاها النبي ﷺ فقال لها: إن الله يقول: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٥-٣٨] ) ، أو كما قال النبي ﵊، فالرجل ينال مرتبة الصديقية بالإكثار من الصدق في حديثه، وتحري الصدق في الحديث، وعدم الإكثار من التورية، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام خير من يقتدى بهم في هذا الباب، قال النبي ﵊: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) ، حتى خائنة العين والإشارة بها يقول الرسول ﷺ : (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) .

стр. 251

مكانة الشهيد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء:٦٩] الشهداء هم أدنى منزلة من الصديقين، فـ عمر وعثمان شهيدان كما ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومع ذلك هما أدنى مرتبة من مرتبة الصديق، فالشهيد لا يفوق الأقران في كل حال، فقد يموت الرجل شهيداً لكن يسبقه غيره بأعمال أخرى عملها، فقد يأتي عمل يفضل الجهاد في سبيل الله عند بعض الأشخاص وفي بعض المواقف، فمثلاً قال النبي ﷺ : (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم لا يفطر) متفق عليه. فهذا فضل الساعي على الأرملة والمسكين واليتيم، فقد تكون هناك أعمال في بعض الأحيان في حق بعض الأشخاص تفوق الشهادة في سبيل الله، ألا ترون أن أويساً القرني رضي الله تعالى عنه ورحمه الله طلب منه أمير المؤمنين عمر أن يستغفر له، وذلك بسبب بره بأمه، فعلى الشخص أن يعمل العمل الذي يقربه من الله، ولا يرائي الناس، ولا يحرص على اختيار العمل الذي يرضي الناس، إنما يحرص على العمل الذي يرضي الله ، وليس في هذا تقليل لمنزلة الشهداء، فالشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم كما قال الله ﵎ في كتابه الكريم.

стр. 252

بيان المنعم عليهم وترتيبهم في الأفضلية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩] من هم المنعم عليهم؟ فُسِّرُوا في الآية الكريمة: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] وهل الواو تقتضي الترتيب، فيقال: إن النبيين أعلى درجة من الصديقين، والصديقين أعلى درجة من الشهداء، والشهداء أعلى درجة من الصالحين، أو يقال: إن الواو لا تقتضي الترتيب؟ الواو أحياناً تقتضي الترتيب، وأحياناً لا تقتضي إلا مطلق التشريك، مثال الثاني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] ، فمن المعلوم أن السلام يكون قبل الاستئناس؛ لأن الاستئناس يكون إذا دخلت البيت فتستأذن أن تستأنس كما قال عمر لرسول الله ﷺ لما دخل وقد أذن له: (أأستأنس يا رسول الله؟ فأذن له النبي ﷺ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ المراد بالسلام هنا: سلام الاستئذان لقوله: ((عَلَى أَهْلِهَا)) ، ومن المعلوم أن الاستئناس بعد السلام، فالواو لا تقتضي الترتيب، على ذلك وبعض إخواننا يستدلون بعموم الآيات أحياناً دون تدقيق في السنة، فيستدلون مثلاً بقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠-٢١] على تقديم الفاكهة في الأكل على اللحم، وقد يخدش في الاستدلال بهذه الآية على هذا المعنى، وإن كان بعض الأطباء يقرر أن أكل الفاكهة قبل اللحم أيسر على المعدة من أجل الهضم، وإذا كان ذلك فالعهدة عليهم في هذا، لكن من الناحية الشرعية سواءً قدمت هذا على ذاك، أو هذا على ذاك فالواو لا تقتضي الترتيب في كل الأحيان. وهنا يقال: هل النبيون أعلى درجات ثم الصديقون ثم الشهداء ثم أهل الصلاح؟ قد يكون الأمر على ذلك في بعض الأحيان، كما قال النبي ﷺ لما صعد أحداً ورجف بهم جبل أحد، وكان عليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، فضربه النبي ﷺ وقال له: (اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) ، والنبي هو محمد ﵊، والصديق أبو بكر، والشهيدان عمر وعثمان ﵄، فلا شك أن النبي أعلى درجة ثم أبا بكر الصديق أعلى درجة من عمر ثم عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، فهنا الواو أفادت الترتيب، لكن في الآية قد يسلم هذا الاستدلال وقد لا يسلم؛ لأن الصديقية قد تلازم النبوة كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١] ، وقال الله في شأن إدريس كذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٦] وغيرهم من الأنبياء، فقد تلازم الصديقيةُ النبوةَ، وقد تختلف النبوة عن الصديقية، فتكون الصديقية أنزل درجة من النبوة، فيكون الصديق أقل درجة من النبي، فحال يتحد الصديق والنبي، فكل نبي صديق، وقد يفترق النبي في المعنى عن الصديق.

стр. 253

كيف تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ؟ ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩] ما هي أسباب تلك المعية التي تجعل الشخص مع رسول الله ﵊ ومع المنعم عليهم؟ من أسبابها طاعة الله ورسوله كما في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩] . ومن أسبابها: كثرة السجود: جاء رجل إلى النبي ﷺ حزيناً كئيباً فقال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إنك تذهب في منزلة أعلى من منازلنا فلا نراك يا رسول الله! فأسألك مرافقتك في الجنة، قال النبي ﷺ : أو غير ذلك؟ قال: بل هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) ، فالإكثار من السجود يقرب الشخص من حبيبه محمد ﵊ في الجنة.

стр. 254

تفسير قوله تعالى: (ذلك الفضل من الله .) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٠] الفضل والامتنان كله من الله، إذ هو الذي قد وفق للهداية عباده، وقد تقدم قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣] . ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:٧٠] أي: عليم بمن يستحق أن يهتدي فيهديه الله ، وبمن يستحق أن يضل فيضل، عياذاً بالله من الضلال!!

стр. 255

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] وهذه الآية ترد على فرق تواكلت، فرق من الصوفية، وتبعهم على ذلك كثير من الجماعات المحدثة، الذين يخرجون ويتركون أهاليهم وأموالهم، ويهملون تربية أسرهم وتربية أبنائهم بزعم التوكل على الله! فالله يقول للذين آمنوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:٧١] ، والنبي ﵊ (كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها) ، يعني: إذا أراد أن يذهب مثلاً في غزوة إلى المشرق البعيد يقول: إني ذاهب إلى المشرق القريب، مثلاً: رجل يريد أن يذهب إلى القاهرة يقول: أنا ذاهب إلى المحلة وهو في طريقه للقاهرة سيمر بالمحلة، فإذا أراد غزوة ورى بغيرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن أخذ الحذر أيضاً إرسال الجواسيس الذين يتجسسون على الكفار من قبل أئمة المسلمين، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الأحزاب: (من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا يا رسول الله! قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا يا رسول الله! قال: من يأتيني بخبر القوم؟ قال الزبير: أنا يا رسول الله! فقال النبي ﵊: إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير بن العوام) ، وقال النبي ﷺ ذات ليلة: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة) فجاء سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه يحرس رسول الله ﷺ ، وهذا -كما قال بعض أهل العلم- قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ، وكانت هذه خاصة بالنبي ﵊، لكن جاء الخلفاء من بعده واتخذوا الحجبة يحجبون عنهم أهل الظلم وأهل الإجرام وأهل الفساد، ويحفظون لهم أوقاتهم، فكان لأمير المؤمنين عمر حجبة، كما قال عيينة بن حصن لابن أخيه الحر بن قيس: استأذن لي على هذا الأمير كي أدخل عليه، كما في صحيح البخاري، فأخذ الحذر مطلوب أمر الله ﵎ به، وبعد ذلك الذي في علم الله سيتم، ويؤيد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اعقلها وتوكل) ، فينبغي للمسلم أن يأخذ بالأسباب التي شرعها الله ﵎، ويدع الأمور بعد ذلك إلى الله، ويعتقد أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله ﵎ له، لكن الأخذ بالأسباب أمر مشروع بل واجب أمر به الله، وفعله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفعله الخلفاء من بعده، وقد كان النبي ﵊ يرتب الجيوش ويرسل الجواسيس على أهل الكفر ليأتوه بالأخبار، ويذهب هو ﵊ بنفسه يتحسس أهل الفساد وأهل الشر، كما في قصة ابن صياد الذي ذاع خبره في مدينة رسول الله ﵊، واشتهر بين الناس أنه المسيح الدجال، فذهب النبي ﷺ في طائفة من أصحابه وهو يتقي جذوع الشجر، حتى وصل إلى ابن صياد وهو نائم؛ حتى سمع النبي ﷺ همهماته وهو نائم، فقالت أم ابن صياد: يا صافي! هذا محمد، فقال النبي ﷺ : (لو تركته بيِّن) ، فأخذ منها بعض الفقهاء مشروعية التجسس على أهل الريب والفساد، كالمروجين مثلاً للمخدرات أو المروجين للأشرطة التي تبث الدعارة والفسق والفجور، فهؤلاء هم الذين ينبغي أن يتجسس عليهم؛ حتى يعلم حالهم وحتى يفشو أمرهم، لا على العابدين التائبين الراكعين الساجدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وقوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١] أي: انفروا فرادى أو انفروا مجتمعين، أو فرقة فرقة أو كلكم معاً، انفروا ثبات لمجابهة العدو أو انفروا جميعاً، وهذا يراه إمام المسلمين، إن شاء أن يرسل سراياه سرية سرية أرسل، وإن شاء أن يرسل عيوناً فرادى فرادى أرسل، وإن شاء أن يرسل الجمع كلهم لمجابهة أعداء الله فعل، فهذا الأمر إلى إمام المسلمين هو الذي يأمر بذلك. ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١] .

стр. 256

تفسير قوله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن .) وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء:٧٢] فريق منكم يتباطأ في نفسه، ويبطئ غيره معه، كما قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧] ، قد تَقْدُمُ على فعل خير من الخيرات، وتجد أخاً لك بجوارك ملتحياً يثبطك عن هذا الخير، ويخوفك عن فعله ويصدك عنه، فيكون وجوده أشد ضرراً من غيابه، وهذا الشأن كان في كثير من أهل النفاق على عهد الرسول ﷺ ، يخرجون في الصفوف مع النبي ﵊؛ فيثبطون أهل الإيمان، ويخوفون أهل الإيمان ويقولون لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، قال تعالى في هذا المعنى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] ، وقوله: (ولا يأتون البأس) أي: القتال، وهنا يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء:٧٢] جراح أو هزيمة أو شهادة في سبيل الله، فالموت مصيبة، قال تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة:١٠٦] . قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٢] دليل على أن المنافق يعرف الله أيضاً، المنافق يعرف أن له رباً وخالقاً بدليل أنه يقول: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ ، كذلك المشرك كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] ، وفي هذه الآية الأخيرة عبر بها يهودي عبد الله بن عباس يسأله فيقول له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن عباس، قال: من أين؟ قال: من قريش، قال: أنت من القوم الذين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ هلا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليك! فقال له ابن عباس: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين ما زالت أرجلهم مبللة بماء البحر، حتى إذا مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم ((قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)) فرد عليه عبد الله بن عباس وكان سريع البديهة رضي الله تعالى عنهما بآية مشابهة تشبه مقالته التي قال. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٢] أي: حاضراً، فالشهادة هنا بمعنى: الحضور.

стр. 257

تفسير قوله تعالى: (ولئن أصابكم فضل من الله .) ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٣] والفوز العظيم عنده يتمثل في ماذا؟ يتمثل في شيء من المغانم التي ينالها، ورب العزة يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] .

стр. 258

الأسئلة .

стр. 259

سنة الظهر والعصر الرباعية تصح متصلة ومنفصلة السؤال صلاة سنة الظهر والعصر هل هي ركعتان ركعتان؟ الجواب أما الظهر فلا أعلم فيها تفصيلاً هل هي ركعتان أو أكثر، وإنما ورد من حديث عائشة أن النبي ﷺ : (صلى -أو كان يصلي- قبل الظهر أربعاً) وهل مجتمعة أو متفرقة؟ ورد في الباب زيادة في حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهي: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) ، لكن زيادة (النهار) في الحديث زيادة شاذة، والصواب فيه: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، وقد حكم بشذوذ زيادة (النهار) عدد من علماء الحديث المتقدمين. فعلى هذا فالظاهر أن الأمر واسع، والله تعالى أعلم. أما سنة العصر فكذلك لا أعلم شيئاً إلا حديث: (رحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعاً) على نزاع في تصحيحه من أصله، منازع فيه هل هو ثابت أو غير ثابت؟ وإن ثبت لا يدل على المواظبة، وإنما يدل على الفضيلة فقط، لكن معنا عموم حديث النبي ﵊: (بين كل أذانين صلاة لمن شاء) .

стр. 260

صحة صلاة من صلى خلف إمام نسي قنوت الفجر فسجد للسهو السؤال صليت في مسجد قريب منا عدة مرات صلاة الفجر فوجدته لا بد أن يقنت، وفي يوم نسي القنوت فسجد للسهو، فهل الصلاة صحيحة؟ الجواب نعم الصلاة صحيحة.

стр. 261

عدم وجوب الحج لمن يريد بناء منزل بالمال الذي معه السؤال أمتلك قطعة من الأرض أسعى في بناء منزل عليها لأولادي، فأنا أسكن في بيت غيري، فهل وجب علي الحج أم أقوم ببناء المنزل على قطعة الأرض، وكذلك تمتلك زوجتي قطعة من الأرض وبعض المال يساوي القيمة المطلوبة لأداء الحج؟ الجواب لا يجب الحج والحالة هذه، إذا كنت ستبني البيت فابنه، ولا يجب عليك الحج إلا إذا يسر الله لك بعد ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 262

حد التشهد الأوسط ودليله السؤال التشهد الأوسط للصلاة هل هو إلى النهاية أم ماذا؟ الجواب التشهد الأوسط للصلاة الصحيح الذي عليه أكثر العلماء: أنه إلى: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ وذلك لشيئين: أحدهما: أن في رواية أبي عوانة من حديث ابن مسعود أن النبي ﵊ علمه التشهد، وهو علم التابعين، فجاء إلى قوله: (أشهد أن محمداً عبده ورسوله، قال: إذا بلغت ذلك فقم) ، وهل هي مدرجة من قول ابن مسعود على الحديث أو هي من كلام رسول الله؟ فأياً كان الأمر فـ ابن مسعود هو الراوي وهو أعلم به من غيره. ثانياً: إنه ورد أثر عن أبي بكر وعمر: أنهما كانا يجلسان في التشهد الأوسط كأنما يجلسان على الرضخ، وهي: الحجارة المحماة، فهذا يدل على سرعة جلوسهم في التشهد الأوسط. ثالثاً: لا يجب أصلاً الصلاة على النبي ﷺ حتى في التشهد الأخير؛ لعدم وجود الدليل على ذلك، دليل الموجبين هو قول القائل: (يا رسول الله! عَلِمْنَا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قل: اللهم صل على محمد ... ) وهذا الحديث ليس فيه دليل على الوجوب، إنما هو تعليم ندب وإرشاد، والله أعلم.

стр. 263

حكم حلق رأس المولود في اليوم السابع والتصدق بوزنه السؤال ما هي الصفة لحلق شعر المولود؛ لأن البعض قال: لا بد أن يحلق بالشفرة، ويدهن الرأس بعد الحلق بالزعفران، فهل حق أن هذه السنة؟ الجواب حديث: (حلق رأس المولود في اليوم السابع والتصدق بوزنه ذهباً) ضعيف، لكن الحلق يكون من باب إماطة الأذى عنه يوم سابعه، فالحلق يدخل في إماطة الأذى يوم السابع، فيشرع أن يحلق يوم السابع، لكن التصدق بوزنه ذهباً أو فضة لا أعلم له أي مستند صحيح في سنة رسول الله ﷺ .

стр. 264

حكم العقيقة عن المولود السؤال هل يأثم الذي لا يستطيع أن يعق عن ولده؟ الجواب العقيقة ليست واجبة إنما هي سنة، وقد تقدم أن الدعوة إلى العقيقة لم يدرج عليها السلف، إنما هي من باب المباح.

стр. 265

كيفية جعل الولد من العلماء المجاهدين السؤال كيف أصنع بولدي الذي أحب أن يكون من العلماء المجاهدين؟ الجواب ادع الله له بالتوفيق، وخذ بيده إلى أهل العلم، وبين له أن الجهاد لا يشترط أن يكون جهاداً بالسيف في كل الأحوال، فالرسول ﵊ قال: (فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن) ، والله سبحانه يقول: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:١٥] ، فللجهاد بالمال أوقات، وللجهاد بالنفس أوقات، فالآن تضبط مسيرته إلى أن ييسر الله للمسلمين أحوالهم وأمورهم.

стр. 266

حكم من قال: علي الطلاق أو زوجتي محرمة إن فعلت كذا السؤال قال لوالده: علي الطلاق ما أنت جالس في البيت وإن جلست تكون زوجتي محرمة؟ الجواب عليّ الطلاق -كاللفظ الدارج بين الناس الآن- لا يعد يميناً ولا يعد طلاقاً. أما قوله لزوجته: تكوني محرمة علي إذا حصل كذا وكذا فهذا تحريم معلق، إذا أجريناه مجرى الطلاق المعلق ففيه الخلاف هل يقع أو لا يقع؟ فإذا أخذنا بالاحتياط فيه فالقول أنه يكفر كفارة يمين لقول الله ﵎: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١-٢] فجعله يميناً، وهذا رأي كثير من أهل العلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام، كفارته كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ومن أهل العلم من قال: لا شيء عليه مطلقاً؛ لأن رب العزة قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] لما أقسم النبي ﷺ على ألا يشرب عسلاً، فقال: (قد شربت عسلاً ولن أعود وقد حلفت) ، فالاحتياط أن يكفر كفارة يمين.

стр. 267

حديث: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم) السؤال حديث: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر اللهلهم) ما حاله؟ الجواب حديث ثابت صحيح.

стр. 268

حكم إزالة المرأة للشعر النابت في الشارب أو اللحية السؤال هل يجوز للمرأة أن تزيل شعر الشارب بدعوى أن منظره مقزز، بالرغم أنها لا ترى ذلك، فمثلها مثل باقي الفتيات وليس ملفتاً للنظر أو فيه تشبه بالرجال؟ الجواب المسألة لما ناقشها العلماء: ناقشوا حكم ما إذا نبت للمرأة شارب أو لحية، إذا نبت للمرأة شارب أو لحية ذهب كثير من أهل العلم إلى جواز إزالته، واستدلوا بحديث النبي ﷺ : (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) قالوا: وهذه وإن لم يكن لها شيء من التشبه، لكنها تفعل ما يؤدي بها إلى أن تكون امرأة كسائر النساء، يعني: إذا فعلته تكون فعلت وسيلة توصلها إلى أصلها، أصل النساء أو أصل التأنيث، فهذا رأي كثير من العلماء: أنه يجوز لها أن تزيله كي تصل بحالها إلى حال النساء، وتبتعد عن التشبه بالرجال. ومن العلماء من منع مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] فاستدل البعض بهذه الآية على المنع كـ الطبري والنووي في قول له، ولكن هذا الاستدلال لم يره كثير من أهل العلم في محله؛ لأن المراد بتغيير خلق الله هنا: ما كان يفعله أهل الشرك من شق أذن البعير وتركه سائبة أو وصيلة أو حام للآلهة، وكذلك يلتحق به ما جاء عن رسول الله ﷺ فيما رواه ابن مسعود: (لعن الله النامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله) ، أما إزالة الشعر بهذه الصورة فليس فيه شيء, والله تعالى أعلم.

стр. 269

حكم الخلوة بالمرأة المعقود بها وتزينها للعاقد السؤال هل للعاقد حق أن تتزين له المرأة التي عقد بها ويخلو بها؟ الجواب نعم، تتزين له ويخلو بها ليلة الزفاف، فرب العزة فرق بين البناء وعدمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] ، ففرق بين المساس وبين البناء، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] ، ففرق أيضاً بين الدخول وبين العقد، ثم المصالح المرسلة التي تنشأ من جراء التفريق بين العقد والبناء يبنى على ذلك كله، ودفعاً للمشاكل التي تحدث للمرأة، وهذا ليس على سبيل التحريم، الأمر ليس على سبيل التحريم إنما على سبيل دفع المفاسد، وعلى سبيل المصالح التي تتحقق من وراء التفريق بين العقد والبناء، وكذلك للمفاسد التي تقع من كثرة حمل المعقود عليهن. واليوم -والله- قبل ما آتي بنصف ساعة تقريباً واحد اتصل عليّ ويقول: إنه عاقد على زوجته وجامعها، وأهلها لا يعرفون، ويقول: ماذا أصنع؟ هل أذهب للأطباء؟ أهلها يرفضون أن أدخل بها الآن، فلهذه المشاكل نقول: هناك فرق بين البناء والعقد كما كان على عهد الرسول، لكن إن شئت أن تعقد وتبني في الحال فنعم، أما أن تعقد وكل يوم تذهب في غياب والدها وتعبث بها وقد يصل إلى الجماع فلا، وإذا طلقتها ترد مشاكل شرعية: هل لها الصداق أو نصف الصداق؟ نحن لا نقول: إن الأمر على سبيل التحريم، ولكن على سبيل الاقتداء بسلفنا من أصحاب رسولنا محمد ﵊. إلى هنا، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 270

تفسير سورة النساء [٧٤-٨٣] حث الله عباده على الجهاد في سبيله، وجعل للمجاهد فضلاً عظيماً، وأجراً كبيراً، وللجهاد في سبيل الله مقاصد عظيمة، منها: تخليص المستضعفين من طغيان الظالمين، والجهاد لم يشرع في الإسلام من أول الأمر، بل مر بمراحل بحسب ما تقتضيه الحكمة. والخير والشر كله من عند الله، والله يتفضل على عباده بالخير، ولا يكون الشر إلا بسبب من الإنسان، ولذا فيشرع التأدب مع الله في الألفاظ، فلا ينسب إليه الشر . وقد ذكر الله في كتابه بعض أخبار المنافقين وصفاتهم لنحذر منهم. وأمر الله عباده في النوازل بالرجوع إلى أهل العلم المستنبطين؛ لأنهم أقرب إلى إصابة الحق.

стр. 271

التحريض على أعمال البر باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله في كتابه الكريم: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٤] . قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٤] تحريض على القتال في سبيل الله، والتحريض على أعمال البر ورد في جملة من الآيات والأحاديث عن رسول الله ﷺ : فجاء التحريض على الصدقة في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١١] ، وقال النبي ﷺ : (فمن استطاع أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل) . وجاء التحريض على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١-٢] ، وفي السنة قول النبي ﷺ : (لا إله إلا الله! من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين) ، وقال ﵊: (رحم الله امرأً قام من الليل يصلي فأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) . وجاء التحريض على الذكر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤١-٤٢] ، وفي السنة يقول النبي ﷺ : (سبق المفردون، قيل: وما المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) . فالتحريض على أعمال البر ورد في مواطن كثيرة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . ومن أعمال البر: قتال أعداء الله من الكفار، قال تعالى محرضاً نبيه على ذلك: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء:٨٤] ، وهذه الآية تحريض عام للمؤمنين.

стр. 272

التحريض على الجهاد في سبيل الله قال الله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤] . قوله (في سبيل الله) : سئل النبي ﷺ : (عن الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليقال هو جريء، أي ذلك في سبيل الله يا رسول الله؟! فقال -المقالة الفاذة الجامعة-: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، فهذا هو الضابط لتحديد من هو في سبيل الله. قال ﵊: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) ، وسبيل الله إذا أطلق يراد به الجهاد والغزو، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] ، المراد بقوله: (وفي سبيل الله) : الجهاد، فلا يدخل فيه: إنشاء المساجد، فزكوات المال لا تنفق في المساجد إنما تنفق في المساجد صدقات عامة، مثل الصدقات الجارية إذا أرادها شخص، أو صدقات التطوع المطلق إذا أرادها شخص، وهذا رأي جمهور العلماء، ومن أهل العلم المتأخرين: من رأى أن قوله: (في سبيل الله) يشمل كل أبواب الخير وطرق البر، واستدل له بالمعنى اللغوي لكلمة: (سبيل الله) ، ومن العلماء من أدخل فيها الحج أيضاً كفريق من الحنابلة، مستدلين بأن النبي ﷺ أرسل امرأة تحج على إبل الصدقة، والله تعالى أعلم.

стр. 273

التحذير من فتنة الحياة الدنيا والركون إليها قال الله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء:٧٧] ، وهذا المتاع القليل يتمثل في الحياة الدنيا وفي عمر الشخص فيها، فالشخص عمره قليل في الدنيا كما قال النبي ﷺ : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليلٌ منهم من يتجاوز ذلك) ، وقد قرأ الخليفة المأمون ﵀، أو سمع من يقرأ قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] ، فقال لـ ابن السماك وهو بجواره: عظني يا ابن السماك! فقرأ عليه قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] ، وحمل العد على عدد الأنفاس، وقال: يا أمير المؤمنين! إذا كانت الأنفاس تعد، وليس لها مدد، فمكتوبٌ لك -يا أمير المؤمنين- أن تتنفس مثلاً مائة ألف نفس، وكل يومٍ يمضي عليك تقطع منها شوطاً، ويعد الله أنفاسك عدّاً فيوشك أن الأنفاس تنفد، ويوشك الأجل أن ينقضي! قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء:٧٧] ، ولا يقال: إن الآخرة خيرٌ على الإطلاق، بل الآخرة خيرٌ لمن اتقى! ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧] ، أي: لا تظلمون قدر الفتيل، وهو: الخيط الرفيع الذي بين فلقتي النواة. قال الله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ، هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ، وكقول النبي ﷺ لـ فاطمة: (إنه قد نزل بأبيك -يا بنيّة- ما الله بتارك منه أحداً) ، وكما قال القائل: الموت كأسٌ وكل الناس شاربه والقبر باب وكل الناس داخله.

стр. 274

بيان ضعف كيد الشيطان على أهل الإيمان قال الله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] ، هكذا يصف الله ﵎ كيد الشيطان فيقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] ، بعض الناس يورد هذه الآية: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] ، وآية يوسف: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨] ، فيقول: إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان! وهذا وإن كان أحياناً إلا أنه لا يطرد، فلا يطرد أن يكون كيد النساء أقوى من كيد الشيطان في كل وقت، بل كيد النساء سببه كيد الشيطان، فعلى الإجمال، كيد الشيطان بالنسبة لأهل الإيمان ضعيف، والله تعالى أعلم. قال الله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] ، وكيد النساء لا يعم، فكيد النساء وتدبيرهن في الحروب وفي التجارات وفي الصناعات ليس له كبير أثر، إنما المراد كيدهن فيما يتعلق بإغواء الرجال، ومع ذلك فكيد النساء في إغواء الرجال إنما هو من وحي الشيطان، والله تعالى أعلم.

стр. 275

مراحل تشريع الجهاد في صدر الإسلام قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء:٧٧] . قال فريق من العلماء: إن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وفي أصحاب له مسلمين كانوا بمكة، فقالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله! ونحن في جاهليةٍ كنا في عز وقوة ومنعة، فلما أسلمنا أصبحنا مستضعفين؛ لأن النبي ﵊ لم يأذن لهم في الانتصار ممن ظلمهم، وكان الشخص إذا أسلم وضُرب يصبر على الضرب، ونهي أن يحمل السيف ويذهب للقتال في بداية الأمر، كما قال الله تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء:٧٧] ، فلما رأوا هذه الحال: قالوا: يا رسول الله! كنا أعزةٍ ونحن في شرك فلما أسلمنا أصبحنا أذلة، فقال النبي ﷺ : (إني أمرت بالكف) ، أو معنى هذا، فلما نزل الأمر بالقتال، تخلف كثيرٌ منهم عنه، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء:٧٧] أي: اقتصروا الآن على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء:٧٧] أي: هلا أخرتنا حتى نموت بآجالنا بدون قتل، هذا معنى قولهم، وفيه: أن الإنسان لا يأمن على نفسه إذا سأل ربه مزيداً من التكاليف ألا يقوم بها، وقد تقدم هذا في الدرس السابق، فالإنسان يكون مقتصداً عاملاً بما أمره به رسول الله ﵊؛ فإنه لا يأمن على نفسه ألا يقوم بالتكاليف التي أمره الله بها. وهنا (ألم) همزة استفهام للتعجب، ويدخل فيه التأنيب كذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء:٧٧] ، يعني: اتركوا القتال، واقتصروا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وذلك لما كانوا في مكة، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [النساء:٧٧] ، والقتال كان في المرحلة الثانية بعد الأمر بالكف، وكان إذناً بالقتال وليس أمراً عاماً، قال الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] ، أي: أذن لهم بالانتصار وبقتال من قاتلهم، وبعد ذلك جاءت آية السيف في سورة براءة: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦] . قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء:٧٧] ، ذكرنا أن سبب نزولها عبد الرحمن بن عوف، والإسناد ثابت في الصحيح، ولكن هذا لا يخدش في فضل عبد الرحمن بن عوف ﵁، فالصحابي وإن صدرت منه زلة، فهذه الزلة تغمر في فضائله رضي الله تعالى عنه، فـ عبد الرحمن بن عوف ﵁ من العشرة المبشرين بالجنة، ولما سبه خالد بن الوليد لما كان بينهم مشادة، وخالد هو خالد، وقتاله في سبيل الله لا يخفى، وشجاعته لا تكاد توصف؛ ومع ذلك لما نال شيئاً من عبد الرحمن بن عوف دعاه النبي ﷺ ، وقال: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ، والكلام موجهٌ إلى خالد بن الوليد، وهو متأخر الإسلام عن عبد الرحمن بن عوف، والله يقول: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] ، وخالد أسلم قبيل الفتح، لكن عبد الرحمن متقدم الإسلام، فإذا كان خالد لو أنفق مثل أحد ذهباً لا يبلغ مد عبد الرحمن ولا نصيفه، فما بالنا نحن الذين جئنا من بعدهم بقرونٍ طويلة!! فـ عبد الرحمن له من الفضائل ما لا يحصيه إلا الله، قال النبي ﷺ : (وعبد الرحمن بن عوف في الجنة) ، وكان محسناً إحساناً كبيراً وزائداً إلى أزواج النبي ﷺ ، وقد ورد بسند مرسل: أن أم المؤمنين عائشة كانت تقول لـ أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة؛ وذلك لأنه أعطى أزواج النبي ﵊ أربعين ألفاً بعد موت النبي ﷺ ، وكان محسناً إحساناً شديداً إلى أزواج النبي ﷺ بعد موته. واستفاد العلماء من سبب النزول هذا: أن الشخص المسلم الصالح إذا صدرت منه زلة لا يؤاخذ بها، ولا بد من تقييم محاسنه بجوار زلته تلك، وليس كل من أخطأ خطأً أو اقترف إثماً يغطي هذا الخطأ وهذا الإثم سائر أعماله الصالحة، وقد تقدم أن أمير المؤمنين عثمان فر يوم أحد، ولكن قال الله فيه ومن معه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٥٥] . فالمحسن إذا زل وأساء، فرب العزة حكمٌ عدل، لا تطيش الإساءة عنده بكل الحسنات، بل الحسنات في أكثر الأحوال هي التي تطيش بالسيئات، كما ورد ذلك صريحاً في حديث البطاقة الذي ذكره النبي ﷺ .

стр. 276

الدعاء لله والعمل بالأسباب في دفع الاستضعاف قال الله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء:٧٥] ، تفيد الآيات: أن المستضعف يطلب من ربه ﵎ الخلاص، ليس مستضعفاً محباً للبقاء في دول الكفر، بل هو مستضعفٌ ويطلب من ربه تعالى الخلاص والفكاك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء:٧٥] ، والآية نزلت في أهل مكة، فكانت مكة قريةٌ ظالم أهلها كما قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] ، إلا أن العبرة بالعموم، فكل قرية أهلها ظلمة ينسحب عليها هذا الحكم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء:٧٥] ، فالقرية وإن كانت في نفسها ذات فضيلة إلا أن أهلها يظلمون الناس ويحولون بينهم وبين شرع الله، ويحولون بينهم وبين دينهم، فتترك هذه القرية وإن كانت في نفسها لها فضيلة، فمكة أفضل البلاد على الإطلاق بنص حديث النبي ﷺ لما وقف على الحزورة فقال: (والله! إنك أحب بلاد الله إلى الله، وأحب البلاد إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت) ، فالقرية وإن كانت في نفسها لها فضيلة إلا أنه لا يقام فيها شرع الله يخرج منها، وإن كانت القرية التي يخرج إليها دونها في الفضيلة لكن أهلها فيهم صلاح أو عندهم ملك لا يظلم عنده أحد جاز الذهاب إليها، ألا ترون أن النبي ﷺ أرسل جعفر في أصحابٍ له إلى النجاشي في الحبشة وهي أرض كفر، لكن فيها ملك لا يظلم عنده أحد، والله سبحانه أعلم. قال الله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء:٧٥] ، و (لدنك) : قال فريق من المفسرين. أي: عندك. أي: واجعل لنا من عندك ولياً، واجعل لنا من عندك نصيراً، ﴿وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء:٧٥] . ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٦] في سبيل الله. أي: لإعلاء كلمة الله، كما تقدم تفسيره من حديث رسول الله. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٧٦] ، الطاغوت: عامٌ -وقد تقدم- ويشمل كل ما عبد من دون الله، وكل من أُطيع في معصية الله ﵎.

стр. 277

من فضائل المجاهد في سبيل الله قال الله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٤] ، على أي الوجهين كان أمره (فسوف نؤتيه أجراً عظيما) ، ومن ثم قال النبي ﷺ : (فوالذي نفسي بيده لوددت أن أغدو في سبيل الله، فأقتل ثم أحيا، فأغزو فأقتل ثم أحيا، فأغزو فأقتل) أو كما قال ﵊، والأحاديث في هذا الباب لا تكاد تنتهي. قال الله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ [النساء:٧٤] أي: إذا قتل الشخص في سبيل الله. وأجمع حديث ورد في فضل الشهيد، حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له عند أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويؤمن من عذاب القبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار: الياقوتة منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين من أهل بيته) أو كما قال النبي ﷺ . ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء:٧٤] ، سواء قتلت أو قتلت الآخرين وغلبتهم، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٧٤] .

стр. 278

الحكمة في مشروعية الجهاد قال الله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء:٧٥] ، وهذا يقصد به التأنيب، أي: لماذا هذا التخلف عن القتال في سبيل الله؟ ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء:٧٥] أي: لإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فكان بمكة قومٌ مستضعفون من المؤمنين لا يستطيعون الهجرة، ومنهم: عبد الله بن عباس وأمه، قال عبد الله بن عباس ﵄: كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة. على هذا فالأحاديث المرفوعة التي يرويها عبد الله بن عباس عن النبي ﵊ حكمها أنها من مراسيل الصحابة، والصحابة كلهم عدول فمراسيلهم مقبولة. قال الله: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء:٧٥] ، فقد يكون هناك رجلٌ مستضعف، وقد يكون الرجل قوياً وثرياً، ولكنه مستضعف، قال تعالى لأصحاب النبي ﷺ : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦] ، فقد يكون الرجل قوياً ثرياً ومع ذلك هو في حالة الاستضعاف، قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء:٧٥] أي: لماذا تتركون هؤلاء على هذه الحال من الاستضعاف تحت سيطرة الكفرة: ينكلون بهم، ويشردونهم، ويستحيون النساء، ويسبون الأولاد، ويقتلون الرجال، ما لكم تتركونهم على هذه الحال؟! سئل علي: يا علي! هل اختصكم النبي ﷺ بشيء؟ قال: ما اختصنا النبي ﷺ بشيء إلا هذه الصحيفة، قالوا: وما في هذه الصحيفة؟ فذكر أن الصحيفة في بيان الديات، والعقل. إذاً: السعي في فكاك الأسير وإنقاذ أهل الاستضعاف من دول الكفر مطلبٌ شرعي.

стр. 279

من صفات المجاهدين في سبيل الله يقول الله ﵎ محرضاً العباد على القتال في سبيله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ [النساء:٧٤] أي: يبيعون دنياهم مقابل الآخرة، والمراد بالآخرة: الجزاء الحسن في الآخرة، والمراد بالآخرة: الجنة كذلك، فقوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤] أي: بثواب الآخرة، ونعيمها، والله تعالى أعلم. وإطلاق (يشرون) بمعنى: يبيعون، له شواهد في الكتاب، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠] أي: باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. وهذا تفسير كثير من أهل العلم. فالآية الكريمة فيها تحريضٌ على القتال في سبيل الله، وشرعية ذلك تؤخذ من آيات وعمومات أُخر، ومن سيرة النبي ﷺ وأقواله وأفعاله. قال الله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤] والقتال -كما علمتم- من أفضل الأعمال، قالت أم المؤمنين عائشة لرسول الله ﷺ : (نرى الجهاد أفضل الأعمال -يا رسول الله- أفلا نجاهد؟ قال: لكن جهاد لا قتال فيه، حجٌ مبرور) أو كما قال النبي ﵊.

стр. 280

الخير والشر كله من عند الله قال الله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] ، ما المراد بالحسنة؟ المراد بها: النعم من نعم الدنيا، فإن يصبهم نعيمٌ من نعيم الدنيا، فينزل عليهم المطر، ويرزقون بأولاد، وتلد مواشيهم، ويرزقون بأموال، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٧٨] أي: أنت المتسبب فيها -يا محمد- بشؤم وجودك معنا، فإنك منذُ أن جئتنا رأينا البلايا تنزل علينا، كما قال أصحاب القرية للمرسلين: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨] ، وكما قال قوم ثمود لصالح ﷺ : ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل:٤٧] ، وكما قال تعالى في شأن قوم فرعون: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٣١] ، فالمقصود من قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٧٨] أي: أن الجدب الذي حلّ بنا -يا محمد- والمصائب والأمراض التي تفشت فينا؛ إنما هي بسببك، وبشؤم بوجودك، فمنذُ أن جئتنا والبلايا تنزل علينا بلية تلو الأخرى، هذا حاصل تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٧٨] أي: أنت المتسبب فيها -يا محمد- بوجودك معنا. ولا يخفى عليك أخي أن النبي ﷺ نهى عن التطير، فقال: (لا طيرة، ويعجبني الفأل) ، وهذا من أنواع التطير، ومن أنواعه كذلك: أن الرجل يمسك بالطائر ويرميه إلى السماء، فإن طار ذات اليمين ذهب إلى المكان الذي يريد، وإن طار ذات الشمال ترك السفر، والله أعلم. قال الله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] ، الحسنات والسيئات كلها مقدرة، ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨] ، هذه الآية تفيد أن القدرية نفاة القدر أغبياء؛ لأن الله قال في شأن أمثالهم: ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨] .

стр. 281

الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من مصيبة فمن نفسك) وقوله: (قل كل من عند الله) قال الله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] ، كيف أجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] ؟ في الحقيقة أن كل شيءٍ بقدر، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، فلماذا نسبت السيئة إلى النفس في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] ؟ هذا معناه: أي أنت المتسبب فيها، وإن كانت هي في الأصل من عند الله، فنسبت إلى نفس الشخص تأدباً مع الله ﵎، فمن الأدب مع الله عدم نسبة الشر إليه وإن كان كل شيء مقدراً، قال النبي ﷺ : (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) ، قال إبراهيم ﵊: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٨-٧٩] ، فلما أتى عند المرض لم يقل: (الذي هو يمرضني ويشفين) ! بل نسب المرض إلى نفسه، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] ، مع أنه سار على وتيرة واحدة: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٧٨-٨٠]-فنسب المرض إلى نفسه- ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] ، وإن كان المرض كله مقدراً لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٢-٢٣] ، فكل شيء مقدر، والنبي ﵊ قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) ، فالتأدب في الألفاظ مع الله مستحب ومشروع، ومن الأدب أن يقول القائل: يا مدبر أمر السماوات والأرض! ولا يقول: يا مدبر أمر الخنافس والصراصير! مع أن الله مدبر أمر كل شيء، فكل الأشياء الله هو الذي يدبر أمرها، فمن باب التأدب إلى الله أن تنسب الخير إليه لفظاً، ولا تنسب الشر إليه لفظاً، وإن كان الكل من عند الله ﵎ حقيقة. قال الله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] أي: أنت المتسبب فيها، وهي كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ، وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣] ، إلى غير ذلك. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء:٧٩] ﵊، فهذه مهمتك -يا محمد- أرسلناك للناس رسولاً ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩] .

стр. 282

طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله قال الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، فطاعة رسول الله من طاعة الله ، وهذه الآية ترد على فئة القرآنيين الذين يقولون: لا نعمل إلا بالكتاب فقط! فالنبي ﷺ يقول: (ألا ليوشكن رجلٌ من أمتي متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري -يعني: يأتي الرجل ينقل له الحديث من حديث رسول الله، فيرفض ذلك- فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ألا وإنما حرم رسول الله ﷺ كما حرمه الله) ، والله يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] وهذا الحديث من دلائل النبوة، ولم يورده كثير من المصنفين في الدلائل، فظهرت فرقة تقول لها: قال رسول الله، تقول: لا، بيننا وبينك القرآن، فالذي في القرآن نثبته، والذي ليس في القرآن نرده، فالنبي ﷺ يقول لهؤلاء القوم: (ألا إنما حرم رسول الله ﵊ كما حرمه الله) ، فالرسول لا ينطق عن الهوى ﵊، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠] .

стр. 283

التوكل على الله والأخذ بالأسباب في مدافعة مكر الأعداء قال الله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء:٨١] يقولون: حالنا وشأننا أننا مطيعين لك يا محمد! (ويقولون طاعة) في الظاهر أنهم يظهرون الاستسلام والطاعة لرسول الله ﷺ . ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٨١] ، أصل البروز: الخروج والظهور. أبرز فلان شيئاً، أي: أظهره، خرج فلان إلى البراز. يعني: مكان الفضاء، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٨١] أي: خرجوا من عندك ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨١] التبييت هو: التدبير بالليل، ومنه قول القائل: هذا أمرٌ بيِّت بليل، يعني: دبر بليل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧] ، قال الله: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء:٨١] أي: يكتب ما يدبرونه في الليل وما يتآمرون به. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:٨١] ، هذا المعنى يستفاد منه: أن الشخص لا يشغل نفسه كثيراً بتدبيرات الأعداء التي لا طاقة له بها، ولا حيلة له معها، فشخصٌ قد ينام طوال الليل خائفاً من شيء لا يستطيع دفعه، وما قضاه الله لا بد أن يكون، فإذا كان الأمر كهذه الحالة فعليه أن يعرض عنهم ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٨١] ومع إعراضك عنهم توكل على الله. فمثلاً: إذا كنت تخشى طوال الليل المباحث أن يأتوك، أو تخشى اليهود، أو أي شيء تخشى منه، فعليك أن تجتهد وتعمل ما في وسعك، لكن إذا كنت تخشى شيئاً خارجاً عن طاقتك، فحينئذٍ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١] ، ومع إعراضك عنهم تتوكل على الله، وإن كانت هناك أسباب فاعمل بها، مع قولك: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقد قال ابن عباس ﵄: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم لما ألقي في النار -فلم تضره وكانت عليه برداً وسلاماً- وقالها أصحاب محمد ﵊ لما ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣-١٧٤] . قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء:٨١] ، ومع الكتابة فقد يؤاخذ بها في الدنيا، وقد تؤجل له العقوبة إلى الآخرة، قال الله ﵎: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل:٢٦] ماذا كانت عاقبتهم؟ - ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل:٢٦] ، فتخيل قوماً جالسين في بيت: يمكرون ويخططون ويدبرون ثم أتى الله البنيان من قواعده واجتثت الأعمدة من أصلها، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٢٦] ، وليس القواعد فقط، بل استؤصلت من الأصل والسقف خر عليهم ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٢٦] أي: دخل عليهم العذاب من كل مكان ومن كل طريق، وكانوا لا يتوقعون ذلك. ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ [النحل:٢٧] يخزيهم يوم القيامة فوق هذا العذاب، فيكون الرجل يتآمر لحرب المسلمين، ويتآمر لتدمير الإسلام، ويخطط ويمكر ويسعى ويفعل ويفعل، ثم الله يأتي بنيانه ويجتثه من أساسه. ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٢٦] ، فإن كان جهدك جهد المقل، وحالك حال الضعيف، فلك ربٌ لا يغفل ولا ينام، وهو للظالمين بالمرصاد، قال الله ﵎: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١] .

стр. 284

الحث على تدبر القرآن قال الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] ، أي: أفلا تقرءون القرآن وتفهموا ما فيه، وتفهموا سنن الله الكونية التي ذكرها لكم فيه. الآيات الآمرة بتدبر الكتاب العزيز كثيرة منها: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .

стр. 285

الحث على أخذ الأخبار من مصادرها ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:٨٣] ، هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عمر ﵁ فقد سمع أن النبي ﷺ طلق أزواجه، فحزن وانطلق إلى المسجد فوجد الناس يبكون، فسألهم: أطلق النبي ﷺ أزواجه؟ قالوا: لا ندري هو معتزل في مشربة له، فذهب عمر إليه، وأرسل غلاماً أسود يخدم رسول الله ﷺ يستأذن له فلم يؤذن له، ثم أرسل يستأذن فلم يؤذن له، ثم في الثالثة أُذن له، فدخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل طلقت نساءك؟ قال: لا. فكبر عمر. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] كان عمر من أولي الأمر، أي: من أهل العلم، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] . فالآية أصلٌ في أخذ الأخبار من مصادرها الأصلية؛ فإن الخبر إذا انتقل من شخص إلى شخص يكاد يتغير وقد يدخل فيه ما ليس منه، أما إذا أخذت الخبر من مصدره الأصلي الحقيقي، قلَّت الأخطاء، وحظيت بالنقل الصحيح، وأكثر من كانوا يغيرون الأحاديث أهل العراق كما يقول القائل: يخرج الحديث من عندنا من المدينة شبراً فيصل إلى العراق ويرجع إلينا ذراعاً، فقد كانوا يبدلون في أحاديث رسول الله ﵊. إذاً: هذه الآية أصل في أخذ الأخبار من مصادرها الأصلية، يقول الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ [النساء:٨٣] ، إذا جاءك أمر مفرح أو أمر مخيف مزعج فاحرص على أن تأخذه من أصله الصحيح، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] ، وهذه الآية أصلٌ في استنباط الأحكام. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] ، فالله هو الحفيظ وهو الحافظ لكم، ولولا فضل الله عليكم لاتبعتم الشيطان.
следующие страницы →