Полный текст (2 242 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الجمع بين قوله تعالى: (وما أصابك من مصيبة فمن نفسك) وقوله: (قل كل من عند الله)
قال الله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] ، كيف أجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:٧٨] ؟ في الحقيقة أن كل شيءٍ بقدر، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ، فلماذا نسبت السيئة إلى النفس في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] ؟ هذا معناه: أي أنت المتسبب فيها، وإن كانت هي في الأصل من عند الله، فنسبت إلى نفس الشخص تأدباً مع الله ﵎، فمن الأدب مع الله عدم نسبة الشر إليه وإن كان كل شيء مقدراً، قال النبي ﷺ : (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك) ، قال إبراهيم ﵊: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٨-٧٩] ، فلما أتى عند المرض لم يقل: (الذي هو يمرضني ويشفين) ! بل نسب المرض إلى نفسه، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] ، مع أنه سار على وتيرة واحدة: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٧٨-٨٠]-فنسب المرض إلى نفسه- ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] ، وإن كان المرض كله مقدراً لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٢-٢٣] ، فكل شيء مقدر، والنبي ﵊ قال: (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) ، فالتأدب في الألفاظ مع الله مستحب ومشروع، ومن الأدب أن يقول القائل: يا مدبر أمر السماوات والأرض! ولا يقول: يا مدبر أمر الخنافس والصراصير! مع أن الله مدبر أمر كل شيء، فكل الأشياء الله هو الذي يدبر أمرها، فمن باب التأدب إلى الله أن تنسب الخير إليه لفظاً، ولا تنسب الشر إليه لفظاً، وإن كان الكل من عند الله ﵎ حقيقة.
قال الله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩] أي: أنت المتسبب فيها، وهي كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ، وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣] ، إلى غير ذلك.
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء:٧٩] ﵊، فهذه مهمتك -يا محمد- أرسلناك للناس رسولاً ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٧٩] .
стр. 282
طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله
قال الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، فطاعة رسول الله من طاعة الله ، وهذه الآية ترد على فئة القرآنيين الذين يقولون: لا نعمل إلا بالكتاب فقط! فالنبي ﷺ يقول: (ألا ليوشكن رجلٌ من أمتي متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري -يعني: يأتي الرجل ينقل له الحديث من حديث رسول الله، فيرفض ذلك- فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً حللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ألا وإنما حرم رسول الله ﷺ كما حرمه الله) ، والله يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] وهذا الحديث من دلائل النبوة، ولم يورده كثير من المصنفين في الدلائل، فظهرت فرقة تقول لها: قال رسول الله، تقول: لا، بيننا وبينك القرآن، فالذي في القرآن نثبته، والذي ليس في القرآن نرده، فالنبي ﷺ يقول لهؤلاء القوم: (ألا إنما حرم رسول الله ﵊ كما حرمه الله) ، فالرسول لا ينطق عن الهوى ﵊، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠] .
стр. 283
التوكل على الله والأخذ بالأسباب في مدافعة مكر الأعداء
قال الله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء:٨١] يقولون: حالنا وشأننا أننا مطيعين لك يا محمد! (ويقولون طاعة) في الظاهر أنهم يظهرون الاستسلام والطاعة لرسول الله ﷺ .
﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٨١] ، أصل البروز: الخروج والظهور.
أبرز فلان شيئاً، أي: أظهره، خرج فلان إلى البراز.
يعني: مكان الفضاء، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء:٨١] أي: خرجوا من عندك ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨١] التبييت هو: التدبير بالليل، ومنه قول القائل: هذا أمرٌ بيِّت بليل، يعني: دبر بليل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧] ، قال الله: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء:٨١] أي: يكتب ما يدبرونه في الليل وما يتآمرون به.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:٨١] ، هذا المعنى يستفاد منه: أن الشخص لا يشغل نفسه كثيراً بتدبيرات الأعداء التي لا طاقة له بها، ولا حيلة له معها، فشخصٌ قد ينام طوال الليل خائفاً من شيء لا يستطيع دفعه، وما قضاه الله لا بد أن يكون، فإذا كان الأمر كهذه الحالة فعليه أن يعرض عنهم ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٨١] ومع إعراضك عنهم توكل على الله.
فمثلاً: إذا كنت تخشى طوال الليل المباحث أن يأتوك، أو تخشى اليهود، أو أي شيء تخشى منه، فعليك أن تجتهد وتعمل ما في وسعك، لكن إذا كنت تخشى شيئاً خارجاً عن طاقتك، فحينئذٍ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١] ، ومع إعراضك عنهم تتوكل على الله، وإن كانت هناك أسباب فاعمل بها، مع قولك: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقد قال ابن عباس ﵄: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم لما ألقي في النار -فلم تضره وكانت عليه برداً وسلاماً- وقالها أصحاب محمد ﵊ لما ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣-١٧٤] .
قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء:٨١] ، ومع الكتابة فقد يؤاخذ بها في الدنيا، وقد تؤجل له العقوبة إلى الآخرة، قال الله ﵎: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النحل:٢٦] ماذا كانت عاقبتهم؟ - ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل:٢٦] ، فتخيل قوماً جالسين في بيت: يمكرون ويخططون ويدبرون ثم أتى الله البنيان من قواعده واجتثت الأعمدة من أصلها، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٢٦] ، وليس القواعد فقط، بل استؤصلت من الأصل والسقف خر عليهم ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٢٦] أي: دخل عليهم العذاب من كل مكان ومن كل طريق، وكانوا لا يتوقعون ذلك.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ [النحل:٢٧] يخزيهم يوم القيامة فوق هذا العذاب، فيكون الرجل يتآمر لحرب المسلمين، ويتآمر لتدمير الإسلام، ويخطط ويمكر ويسعى ويفعل ويفعل، ثم الله يأتي بنيانه ويجتثه من أساسه.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل:٢٦] ، فإن كان جهدك جهد المقل، وحالك حال الضعيف، فلك ربٌ لا يغفل ولا ينام، وهو للظالمين بالمرصاد، قال الله ﵎: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١] .
стр. 284
الحث على تدبر القرآن
قال الله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] ، أي: أفلا تقرءون القرآن وتفهموا ما فيه، وتفهموا سنن الله الكونية التي ذكرها لكم فيه.
الآيات الآمرة بتدبر الكتاب العزيز كثيرة منها: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] .
стр. 285
الحث على أخذ الأخبار من مصادرها
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:٨٣] ، هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عمر ﵁ فقد سمع أن النبي ﷺ طلق أزواجه، فحزن وانطلق إلى المسجد فوجد الناس يبكون، فسألهم: أطلق النبي ﷺ أزواجه؟ قالوا: لا ندري هو معتزل في مشربة له، فذهب عمر إليه، وأرسل غلاماً أسود يخدم رسول الله ﷺ يستأذن له فلم يؤذن له، ثم أرسل يستأذن فلم يؤذن له، ثم في الثالثة أُذن له، فدخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل طلقت نساءك؟ قال: لا.
فكبر عمر.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] كان عمر من أولي الأمر، أي: من أهل العلم، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] .
فالآية أصلٌ في أخذ الأخبار من مصادرها الأصلية؛ فإن الخبر إذا انتقل من شخص إلى شخص يكاد يتغير وقد يدخل فيه ما ليس منه، أما إذا أخذت الخبر من مصدره الأصلي الحقيقي، قلَّت الأخطاء، وحظيت بالنقل الصحيح، وأكثر من كانوا يغيرون الأحاديث أهل العراق كما يقول القائل: يخرج الحديث من عندنا من المدينة شبراً فيصل إلى العراق ويرجع إلينا ذراعاً، فقد كانوا يبدلون في أحاديث رسول الله ﵊.
إذاً: هذه الآية أصل في أخذ الأخبار من مصادرها الأصلية، يقول الله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ [النساء:٨٣] ، إذا جاءك أمر مفرح أو أمر مخيف مزعج فاحرص على أن تأخذه من أصله الصحيح، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] ، وهذه الآية أصلٌ في استنباط الأحكام.
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٣] ، فالله هو الحفيظ وهو الحافظ لكم، ولولا فضل الله عليكم لاتبعتم الشيطان.
стр. 286
الأسئلة
стр. 287
كفت السراويل في الصلاة
السؤال
ما حكم كف السراويل أثناء الصلاة؟
الجواب
قال النبي ﷺ : (أمرنا ألا نكف ثوباً ولا شعراً في الصلاة) .
стр. 288
حكم زكاة السيارة المملوكة
السؤال
سيارتي زاد ثمنها عن نصاب الزكاة، فهل عليها زكاة؟
الجواب
ليس على السيارة المملوكة زكاة، زاد ثمنها على النصاب أو لم يزد، لقول النبي ﷺ : (ليس على المرء في عبده ولا في فرسه صدقة) .
أما زكاة عروض التجارة، فالجمهور على أن فيها زكاة، فالسيارات المعدة للتجارة تجب فيها الزكاة، والسائل لم يسأل عنها.
стр. 289
كفارة النذر
السؤال
ما هي كفارة النذر؟
الجواب
النذر أحياناً تكون له كفارة، وأحياناً لا تكون له كفارة، وبعض أنواع النذور اختلف فيها العلماء، فإذا كان النذر نذر طاعة، مثلاً: نذرت أن أصوم شهراً أو يومين أو أكثر أو أقل أو أتصدق، فالله أثنى على الموفين بالنذور، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] ، لكن ما هو النذر الذي له كفارة؟ يقول طائفة من العلماء: إن النذر الذي له كفارة هو: النذر الذي خرج مخرج اليمين، كأن تقول مثلاً: والله! لله عليّ أن أذهب إلى القاهرة لفعل كذا وكذا، ثم لم تذهب، فتنزل النذر منزلة اليمين، وتكفر كفارة يمين.
لكن نذر المعصية هل كفارته كفارة يمين أو لا؟ ورد حديث: (لا نذر في معصية، وكفارته كفارة اليمين) ، فمن العلماء من قالوا: كفارة نذر المعصية كفارة اليمين، ومنهم من لم يقل بكفارة فيه، لقصة أبي إسرائيل الذي نذر أن يصوم ولا يفطر، ويصمت ولا يتكلم، ويقوم في الشمس ولا يستظل ولا يقعد، فقال ﵊: (مروه فليستظل، وليجلس، وليتكلم، وليتم صومه) ، ولم يأمره النبي ﵊ بالكفارة، والاحتياط أن يكفر عنه كفارة يمين.
стр. 290
نصيحة لإمام يطيل الصلاة
السؤال
رسالة من سائل -والرسالة إلى أمام المسجد- يقول فيها: إن إمام المسجد يطيل في صلاة الفجر؟
الجواب
نذكره بحديث النبي ﷺ : (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم) ، والسنة في قراءة صلاة الفجر الإطالة؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر من الستين إلى المائة، لكن إذا كان هناك عارض ككون عموم المصلين مرهقين، أو كان عموم المصلين مسافرين أو غير ذلك، فالرسول ﵊ قال: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم) أي: ينزل إلى أضعف الناس، ويأخذ بحاله رفقاً به، وإلا فالسنة الإطالة في الفجر، لكن مع النظر في أحوال المصلين وقدراتهم.
وإذا تعبت من الإطالة -أيها السائل- فاجلس، فالرسول ﷺ قال: (صل قائماً، فإن لم تستطع فصل جالساً فإن لم تستطع فعلى جنب) ، فلأن تصلي وأنت جالس خير من أن تحدث مشكلة في المسجد، وانصح الإمام وقل له: أنا لا أتحمل القيام فخفف قليلاً، واطرح عليه المشكلة، فإن عمل بها الإمام عمل بها، وإن لم يعمل بها الإمام لرؤية رآها فصل جالساً إذا تعبت.
стр. 291
حال حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)
السؤال
حديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، هل هو صحيح؟
الجواب
الرواية بهذا السياق ضعيفة الإسناد، لكن معناها ثابت؛ لأن المؤمنين قالوا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، قال الله: قد فعلت، ولأن الله قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ، فالحديث وإن كان لفظه لا يثبت، إلا أن معناه ثابت صحيح، ومن العلماء من خالف في ذلك مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] قال: هنا الخطأ لم يضعه الله عن القاتل، بل ألزم قاتل الخطأ بكفارة، أجيب عن ذلك: بأن هذا في القضاء الدنيوي، لكن فيما بينه وبين الله لا شيء عليه، والله أعلم.
стр. 292
نصيحة لرجل قتل خطأ وأهل المقتول يريدونه إلى المحكمة
السؤال
رجلٌ قتل طفلةً خطأً بالسيارة، وأراد أن يدفع لأهلها الدية ويصوم شهرين متتابعين كفارة قتل الخطأ، ولكن أهل الطفلة يريدون المحاكم، فماذا يصنع هذا الرجل؟
الجواب
شكر الله سعيه، والله سينصره، لأنه متبع لشرع الله، ولكن يرسل إليهم بعض أهل الصلاح لعلهم يذعنون، وليكن أمله في الله كبير، فالرسول ﵊ لما كسرت الربيع أخت أنس بن النضر ثنية امرأة -والثنية هي الأسنان المقدمة- الربيع بحجر، فقضي عليها أن تكسر ثنيتها؛ لأن الله قال: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥] فتكسر ثنيتها كما كسرت ثنية المرأة، فجاء أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله! أتكسر ثنية الربيع؟ لا والله يا رسول الله! ولم يكن قوله رداً لأمر الرسول ﷺ ، إنما أبى أن تكسر ثنية أخته، فقال: والله! لا تكسر ثنية الربيع، فقال النبي ﷺ لـ أنس: (يا أنس! كتاب الله القصاص) ، فقال: والله! لا تكسر ثنيتها يا رسول الله! فجاء أهل المضروبة ورضوا بالأرش.
أي: رضوا بالدية، فقال النبي ﷺ : (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) ، قاله في أنس بن النضر.
فالشاهد: أن هذا الرجل يعتصم بالله ويسأله التوفيق، والله قادرٌ على تطييب قلوبهم، وليرسل إليهم طائفة من أهل الصلاح يذكرونهم بالله، والله أعلم.
стр. 293
حكم قضاء صلاة الضحى بعد الظهر
السؤال
هل تجوز صلاة الضحى بعد صلاة الظهر لعدم تيسر صلاتها قبل الظهر؟
الجواب
الظاهر -والله أعلم- أن المواسم إذا فات وقتها يجوز أن تقضى ولو في وقتٍ لاحق؛ لأن النبي ﵊ لما فاتته سنة الظهر صلاها بعد العصر، وذلك عندما شغله وفد عبد القيس، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢] ، وقال النبي ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها) ، فإذا فاتته الصلاة في وقت معين، فليستدركها في وقت آخر.
стр. 294
تفسير سورة النساء [٨٥-٨٨]
تتحدث هذه الآيات من سورة النساء عن الشفاعة الدنيوية، وأن العبد إن شفع فهو مأجور سواء قبلت شفاعته أم ردت، ثم بينت أدباً من آداب المجتمع المتمثل في إفشاء السلام، وبعد ذلك ذكرت أن كل بني البشر مجموعون لميقات يوم معلوم، ثم ذكرت مدى أهمية وحدة الكلمة وتآلف القلوب وخطورة أي خلاف، خاصة إذا كان بسبب من ليس له أي قدر عند الله كالمنافقين والعياذ بالله!
стр. 295
تفسير قوله تعالى: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً .)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فيقول الله : ((مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء:٨٥] هذه الآية في الشفاعات الدنيوية، وهناك آيات تعد أصولاً في أبواب من أبوب الفقه، فمثلاً: أصلاً من الأصول في أبواب الحيل قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤] وأصلاً في الحيل المذمومة: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣] ، فهناك آيات تعد أصولاً في أبواب معينة.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥] فهذه الآية أصل في الشفاعات الدنيوية، فلم ترد الشفاعات الدنيوية في آية على التفصيل كما وردت في هذه الآية الكريمة.
أما الشفاعات التي ذكرت في آيات أخر في كتاب الله كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وكقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] ، وكقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٧٠] ، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] ، وكقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦] .
فهذه الآيات وما على شاكلتها في الشفاعات الأخروية.
стр. 296
الفرق بين الكفل والنصيب
قال الله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء:٨٥] بعض أهل العلم يقولون: إن الكفل يكون مخصوصاً بالشر، والنصيب يكون مخصوصاً بالخير، وهذا الاطراد ليس بلازم، وقال الله ﵎: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨] فهنا الكفل أطلق على كفل الرحمة.
فأحياناً يكون الاصطلاح موضوع لمعنى معين، قد ينتقل إلى معنى غيره، وهذا على النادر.
فمثلاً: في تفسير قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ:٢٤-٢٥] ما معنى البرد؟ من العلماء من قال: البرد هو برد الريح الذي تتنفس فتسبب برداً في الأجواف، ومنهم من قال: البرد الراحة.
إلى غير ذلك، فجاء من العلماء من قال: إن البرد المراد به النوم، واستدل ببيت شعر: بردت مراشفها عليّ فصدني عنها وعن قبلاتها البرد أي: أنها نامت برأسها على صدره ونحو ذلك، وأراد أن يقبلها لكن النوم غلبها فتركها على حالها، والشاهد أنه قصد بالبرد النوم.
فـ ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى يقول ما حاصله: وهذا وإن استجيز أحياناً أن يطلق على النوم البرد، لكنه ليس هو الأغلب المعروف من كلام العرب، وتفسير كتاب الله على الأغلب المعروف من كلام العرب دون غيره، إلا إذا أتت قرينة تحملنا على أن نختار القول الذي ليس بغالب وليس بمشهور، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١] فسياق الآية رجح وجهة من قال: إن المراد باليأس هنا: العلم، أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو أشاء الله لهدى الناس جميعاً.
فالكفل أحياناً يطلق على نصيب الخير، وأحياناً يطلق على نصيب الشر.
إذاً: يفسر معنى الكفل على حسب القرينة التي وردت.
﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء:٨٥] .
стр. 297
حد الشفاعة المشروعة
الشفاعات إذا لم يكن فيها تحليل لحرام أو تحريم لحلال، أو أكل حق من حقوق المسلمين، أو تقديم شخص على شخص آخر هو أكفأ منه، فهي مستحبة، وللشافع نصيب وأجر.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾ [النساء:٨٥] والشفاعة السيئة لها صور منها: - الحيلولة دون إمضاء شرع الله وحكم الله، فإذا بلغت القضية الحاكم الشرعي ووجب فيها الحد، فحينئذٍ تحرم الشفاعة وتحرم الوساطة للتجاوز عن الحد، كما في حديث المرأة المخزومية التي سرقت فاستشفع القرشيون بـ أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ فقال ﵊: (يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله!! والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) .
وقد ورد حديث فيه ضعف: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره أو في حكمه) أخرجه الحاكم والبيهقي وغيرهما بإسناد فيه ضعف.
فإن تقدمت لوظيفة -مثلاً- وكان في المتقدمين من هو أكفأ منك، فأتيت بواسطة لتكون أنت المستحق لهذه الوظيفة فهنا تحرم الشفاعة والوساطة؛ لأنك بذلك تأخذ حقوقاً ليست لك، وتتبوأ مكاناً غيرك أحق به منك، لكن إذا انتفت الموانع جاز، وهذا تفصيل في شأن الواسطة.
والله أعلم.
стр. 298
بعض صور الشفاعة في الدنيا والآخرة
وهناك شفاعات أخرى: كالشفاعة لأهل الكبائر، ودليلها حديث: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ، وفي رواية: (أما إنها ليست للمتقين) فهي نوع من أنواع الشفاعة، تكون إنما للمتلوثين الخطائين، وهناك شفاعة في رفعة الدرجات في الآخرة، وشفاعة لإنقاذ أقوام قد سيقوا إلى النار فيشفع فيهم الرسول ﵊.
والشفاعة دنيوية هي بمعنى الواسطة، والآية ذكرت قسميها: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٥] ، هذه الشفاعة الدنيوية حث عليها النبي ﷺ في حديثه، وقد قال ﵊: (اشفعوا فلتؤجروا وليقضي الله على لسان نبيه ما شاء) .
فالشراح يقولون كما في هذا الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره: أنه إذا أتاه السائل يسأل يسكت الرسول ﵊، ولا يسكت بخلاً ولا أنه لا يريد إعطاءه إنما يقصد حتى يقول قائل: أعطه يا رسول الله فحينئذٍ يثاب الشافع وتحدث المودة بين المسلمين ويشكره من شفع له، ومن ثم يعطي النبي ﷺ السائل مسألته، فهذا التصرف من النبي ﷺ فيه أمور: أولاً: مجلبة للمودة بين المسلمين، فعندما يأتي شخص يسأل أخاه، وتقول أنت للمسئول: أعطه، فإن أعطاه فإن السائل يحمد لك صنيعك.
ثانياً: أنك تثاب أمام الله سبحانه تعالى على هذه الشفاعة.
فهنا يقول النبي ﷺ : (اشفعوا فلتؤجروا، وليقضي الله على لسان نبيه ما شاء) .
يعني: الغرض من شفاعتك أن تؤجر، سواءٌ قبلت أو ردت، فهذا يحمل الشخص على أن يتدخل بالشفاعة وإن كان يتوقع أن ترد؛ لأن الأجر حاصل بإذن الله.
ومن ثم لما رأى النبي ﷺ عبداً يقال له: مغيث وهو زوج بريرة، لما أعتقت بريرة -كما هي السنة في المعتقات- خيّرت هل تبقى مع زوجها العبد أو تفارقه فاختارت الفراق، فكان مغيث يحبها حباً شديداً ويطوف خلفها في الأسواق يبكي، فتسيل دموعه على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: (ألا تعجب من حب مغيث لـ بريرة وبغض بريرة لـ مغيث فقال العباس: لو شفعت له يا رسول الله؟ فشفع النبي ﷺ عند بريرة فقالت: تأمرني يا رسول الله؟ قال: لا.
إنما أنا شافع.
قالت: لا حاجة لي فيه) .
فهنا ردت بريرة طلب رسول الله ﵊؛ لأنه كان شافعاً لا آمراً، واختارت عدم الزواج، والرسول ﵊ مأجور على كل حال.
فإذا استشفع بك شخص فلتشفع وإن ردت شفاعتك، ولا تتردد فأنت مأجور على كل حال، وفي هذا جلب للمودة والمحبة بين المسلمين، لكن تكون شفيعاً بالحق.
وقد ورد بإسناد فيه ضعف أن بلال بن رباح أخذه أخوه ليشفع له عند قوم في زواج، فذهب بلال معه وقال: أنا بلال الحبشي كنت عبداً فمن الله عليّ بالعتق في الإسلام، وهذا أخي جاء يستشفع بي عندكم كي تزوجوه، وهو رجل سوءٍ فإن شئتم زوجتموه وإن شئتم تركتم، قالوا: بل نزوجه من أجل بلال، فهنا بلال ﵁ قال بالحق ومع ذلك لم تمنع هذه الشفاعة قدر الله المقدر.
стр. 299
المقصود بحديث: (أعطيت خمساً .
الشفاعة)
والشفاعات الأخروية متنوعة أيضاً، وقد وردت أحاديث عن رسول الله ﷺ قد يخفى معناها على شخص، لقول النبي ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي من الأنبياء قبلي -فذكر منها- الشفاعة) ، فقد يفهم شخص من هذا الحديث: أن الأنبياء سوى نبينا محمد ﵊ لا يشفعون، وهذا خطأ، فهناك ملائكة تشفع، وأنبياء يشفعون، بل وأهل إيمان يشفعون، والولد يشفع في أمه وفي أبيه، والأب يشفع في ولده إذا كانوا من أهل الإيمان.
إلى غير ذلك.
فقول النبي ﵊: (أعطيت الشفاعة) محمول على نوع خاص من أنواع الشفاعات، وهي الشفاعة العظمى، هي التي أوتيها رسول الله ﵊، وهي المذكورة في قوله ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ... ) الحديث وفيه: (يبلغ بالناس من الهم والكرب مالا يطيقون ولا يحتملون فيقولون نستشفع بمن؟ انطلقوا إلى آدم فينطلقون إلى آدم فيقولون له: اشفع لنا عند ربك فيحيلهم آدم إلى نوح، ونوح إلى إبراهيم، وإبراهيم إلى موسى، وموسى إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، ثم يحيلهم عيسى إلى محمد ﷺ فيخر لله ساجداً، ثم يقول الله له: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع) ، وقال النبي ﵊: (لكل نبي دعوة وإنما اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيام) ، فهذا بالنسبة للشفاعة العظمى صاحبها بإذن الله رسول الله ﵊.
стр. 300
أقسام الشفاعة وبيان معناها
الشفاعات تنقسم إلى قسمين: - شفاعات دنيوية، وشفاعات أخروية.
والشفاعات الدنيوية تنقسم إلى قسمين: - شفاعات محمودة.
- وشفاعات مذمومة.
- وإن شئت ثلثت بشفاعات مباحة.
أما الشفاعات الأخروية فتزيد على أحد عشر نوعاً من أنواع الشفاعة.
والشفاعة معناها: التوسط للتجاوز عن الذنوب والجرائم، أو التوسط والتدخل لجلب خير لمسلم من المسلمين أو لشخص من البشر، أو لدفع شر عنه، ومن ذلك قول الشاعر: تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا واستشفعت من سراة الحي ذا ثقة فقد عصاها أبوها والذي شفعا أي: والذي استشفعت به.
стр. 301
الجمع بين ما يبدو في آيات الشفاعة من تعارض
هناك آيات في الشفاعات الأخروية ظاهرها التعارض، فمثلاً قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة:٢٥٤] ، فالظاهر من هذه الآيات نفي الشفاعة مطلقاً، وبهذا تمسك جمهور المعتزلة الذين نفوا الشفاعات.
وجمهور أهل السنة أثبتوا الشفاعات لكنهم قيدوها بقيود: - منها: أن الشفاعة تكون بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
- وأن الشفاعة تكون لمن ارتضاه الله، كما قال الله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] .
- ولا تكون الشفاعة إلا ممن يستطيعها من العقلاء، أو من ذكر فيه نص، كالقرآن فإنه يشفع كما قال النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) .
وحمل أهل السنة والجماعة الآيات التي نفت الشفاعة كقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ [الأنعام:٧٠] تبسل يعني: تسلم أو تسلم ﴿بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام:٧٠] ، على الكفار.
فقالوا: لا شفاعة لكافر على الإطلاق إلا ما صح عن النبي ﷺ في شأن العباس إن استجيز أن يطلق عليها شفاعة، قال العباس لرسول الله ﷺ في شأن أبي طالب: (يا رسول الله! أبو طالب عمك كان يحوطك ويمنعك فهل نفعته بشيء؟ قال: نعم.
هو في ضحضاح من نار يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) فهذه الصورة الوحيدة في الكفار التي تحدث فيها شفاعات، ومع ذلك فهي منازع فيها.
فمن أهل العلم من قال: إن الكفار في النار على دركات، فمثلاً: قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:٨٨] فلكفرهم عذاب ولصدهم عن سبيل الله عذاب، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣] .
فهذا وجه جمع أهل السنة والجماعة ودرئهم للتعارض المتوهم، فقالوا: الشفاعة مثبتة بشروط: - أن تكون بإذن الله، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] .
- وأن تكون لمن ارتضاه الله ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] .
- ولا تكون في كافر.
- ولا تكون إلا ممن أوتيها.
стр. 302
تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ)
قال الله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] هذه الآية عامة وبعمومها أخذ فريق من أهل العلم كـ زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة وغيرهما فقالوا: حتى إذا سلم عليك كافر فرد عليه تحيته أو رد عليه أحسن من تحيته، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] ، وبقوله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤] ، وبقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] وبقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف:٨٩] ونحو ذلك من الآيات.
стр. 303
الرد على المعتزلة
قال الله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء:٨٨] الله سبحانه هو الذي أضلهم لعلمه أنهم يستحقون الضلال.
وهذه الآية فيها رد على المعتزلة القائلين بأن الرب ليس له تدخل في إضلال العباد، ومنهج أهل السنة أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، قال الله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف:١٨٦] ، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧] فإن قال قائل: لماذا يضلني الله، نقول: الله أعلم بمن يستحق الضلال وأنت مكلف أن تعمل كما أمرك الله وليس لك وراء ذلك سؤال، فرب العزة يقول: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [النساء:٨٨] ، المراد بالهداية هنا: هداية التوفيق، فالمعنى: أتريدون أن توفقوا للإيمان وتحملوا على الإيمان قوماً أراد الله لهم الضلال، وهذا لا يستطاع أبداً، إنما الهداية التي نستطيعها هي هداية الدلالة، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى:٥٢] أي: لتدل إلى صراط مستقيم، فهداية التوفيق هي المعنية في هذه الآية: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:٨٨] .
أي: لن تجد أي مدخل أبداً تدخل به إلى قلب هذا الذي أراد الله له الضلال، كما قال نوح: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٨-٩] لو تسلك كل الطرق: الهدوء، السر والجهر أمام الملأ من الناس للتألف فلن يهتدي؛ لأن من يرد الله أن يضله فلن تملك له من الله شيئاً.
قال الله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾ [النساء:٨٨-٨٩] فلا يكتفون بكفرهم، بل يريدون منكم الكفر كما كفروا، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧] ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] .
стр. 304
تفسير قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين سبيلاً)
خرج المنافقون للجهاد مع رسول الله في غزوة أحد أخذ ابن أبي بن سلول يخذل من خرج فرجع ومعه ثلث الجيش، فلما رجعوا مع عبد الله بن أبي حرموا ثواب الجهاد مع رسول الله، ولكن هذا الرجوع في الأصل هو من الله بسبب ما كسبوا من الذنوب.
يقول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥] ما السبب في توليهم ليس قوة ولا كثرة العدو، إنما بسبب ذنوب عملوها فكانت سبباً في فرارهم يوم أحد.
ويقول بعض العلماء: إن الرماة لما كلفهم الرسول ﵊ بألا يغادروا مكانهم في الجهاد ولا يتعدوه ولزموا ذلك انتصر المسلمون أول الأمر، فلما خالف الرماة أمر الرسول ﷺ بالثبات وانقضوا على الغنيمة ودالت الدولة للمشركين فهجموا على أهل الإسلام، فقال فريق من الذين خالفوا أمر الرسول ﷺ : أفر خير لي من أن أقتل وأنا عاص، ففر من القتال بسبب الذنب الأول وهو عدم امتثال أمر رسول الله بالثبات في الأماكن، فجاء ذنب عقب الذنب الأول، وجاء الفرار نتيجة عدم امتثال أمر رسول الله.
وثم التماسات أخرى يلتمسها العلماء، والخلاصة: أن المعاصي سبب لزوال النعم، قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء:٨٨] تفيد أن الله ردهم عن الغزو مع الرسول بذنوبهم، لذلك لما قال الله لموسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٣-٤٤] بدأ موسى ﵇ يطلب من الله أن يشرح صدره ويغفر ذنبه حتى يستطيع مجابهة هذا الظالم الأثيم.
وكذلك طائفة طالوت لما برزوا لجالوت وجنوده طلبوا من الله أن يغفر لهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧] فالذنب يدمر الشخص أكثر من سلاح العدو، والطاعة تقوي الشخص أكثر من السلاح اليدوي الذي في يده.
قال الله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ [النساء:٨٨] أي: مالكم يا معشر المسلمين.
﴿فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء:٨٨] أي: مالكم يا معشر المسلمين في أمر المنافقين مختلفين إلى فئتين: فئة منكم -يا أهل الإيمان- تقول: نقتلهم، وفئة تقول: نتركهم.
وهذا لما عاد المسلمون بعد أحد إلى المدينة، وتشاورا في أمر من رجع عنهم في الغزوة من المنافقين، واختلفوا فيما يفعلونه بهم، فقال فريق منهم: نتركهم لعلهم يهتدون، وقال فريق آخر: بل نقتلهم؛ لأنهم خذلونا، فالله عتب على المسلمين أن يحصل الخلاف بينهم بسبب هؤلاء المنافقين.
والآية أيضاً فيها حث على الائتلاف وتوحيد الكلمة، وأن هذا الذي حصل ما كان ينبغي أن يحصل.
стр. 305
حكم رد التحية على الكافر
قال العلماء: إن صدرت تحية من كافر رددنا عليه تحيته أو أحسن من تحيته لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] بينما نازع في ذلك فريق قوي الوجهة من أهل العلم، واستدلوا بحديث النبي ﷺ : (لا تبدءوا اليهود والنصارى بسلام -وفيه- وإذا سلم عليكم فقولوا: وعليكم) وفي رواية: (إن اليهود إذا سلموا فإنما يقول أحدهم: السام عليكم) أو كما قال ﵊: ومعنى السام: الموت والهلاك (فقولوا: وعليكم) فاستدلوا بهذا: على أن اليهودي أو النصراني إذا سلم عليك رد عليه بعليكم ولا تزد عليها شيئاً.
ومن العلماء من ناقش هذا الدليل -وهو من ناحية الصحة ثابت وصحيح- فقالوا: إنه لا تعارض بين قوله تعالى: ((وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] وبين قوله ﵊: (وعليكم) لأن قوله ﵊: (وعليكم) رد للتحية بمثلها، فلا تعارض بين الآية والحديث، وقد جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين واليهود، فسلم عليهم رسول الله ﷺ .
قال بعض أهل العلم أيضاً: إذا تأكدت أن اليهودي قال: السلام عليكم رددت عليه تحيته، وعلل بأن النبي ﷺ كان على اليهود عهده يلوون ألسنتهم كما قال الله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء:٤٦] فيلوون السلام بسام، فلا يكاد يتفطن الشخص لذلك، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه: (فقولوا: وعليكم) ، قال فريق من العلماء: فإن تأكدت أنه لم يلو لسانه جاز لك أن ترد عليه تحيته أو بأحسن منها.
بينما اعترض آخرون وقالوا: إن الله قال على لسان موسى ﵊: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨] وأن السلام على من اتبع الهدى، وأن النبي ﵊ لما أرسل رسالة إلى هرقل قال: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى،) .
هذا مجمل القول في ذلك وحاصله: أن هناك من العلماء من قال: إذا سلم اليهود أو النصارى أو الكفار علينا، فنرد بقولنا "وعليك" لقول النبي ﷺ : (إذا سلم عليكم اليهود أو النصارى فقولوا: وعليكم) ، ولقول النبي ﷺ : (إنهم إذا سلموا فإنهم يقولون: السام عليكم فقولوا: وعليكم) .
ومن أهل العلم من قال: إذا تأكدت من صحة كلامهم رددت ﵈ بما قالوا أو زد عليه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] ، ولقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣] وللأدلة التي تقدمت.
стр. 306
أصل التحية والسلام
قال الله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٦] : ما هي تحية المسلمين؟ تحية المسلمين: السلام عليكم.
بدليل ما أخرجه البخاري أن النبي ﷺ قال: (خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعاً ثم قال له: اذهب إلى هؤلاء الرهط الجلوس من الملائكة، فسلم عليهم وانتظر ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك من بعدك، فلما أتى إليهم قال: السلام عليكم.
فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله) وفي رواية (وبركاته) فكانت هذه تحية ذرية آدم.
ومن ثم قالها موسى ﵊ للخضر لما رجع إلى مجمع البحرين ووجده مسجىً بثوب أخضر فقال: (السلام عليكم.
فقال له الخضر: وأنى بأرضك السلام -أي: أنت جئت من عند الفراعنة وأنى بأرضك السلام- فقال: أنا موسى.
قال: موسى بني إسرائيل؟ ... ) إلى آخر الحديث، فتحية المسلمين هي: (السلام عليكم) فإذا قلت لشخص: السلام عليكم فلك عشر حسنات، وإذا زدت السلام عليكم ورحمة الله فلك عشرون حسنة، وإذا زدت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فلك ثلاثون حسنة، والموفق من وفقه الله .
يعني: كلمة واحدة لا تفرق المسألة، تدخل على قوم تقول لهم: (السلام عليكم) بعشر حسنات، ما هو الذي يحملك على أن تبخل على نفسك بعشرين حسنة أخرى، وتمتنع عن قولك: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟ من ناحية الجواز الكل جائز، ولكن الله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] .
стр. 307
الأسئلة
стр. 308
حكم مخالطة أهل الكتاب بنية دعوتهم للإسلام
السؤال
بعض الناس يدعي أنه يجادل ويخالط أهل الكتاب وخاصة النصارى بغرض دعوتهم إلى الدين الإسلامي هل هذا يجوز؟
الجواب
على نيته.
إن كان ينوي بذلك دعوتهم إلى الله جاز ولا إشكال في ذلك.
стр. 309
الوفاء بالنذر
السؤال
نذرت نذراً أني عندما أحصل على شهادتي وأعمل، أنَّ أهب أول راتب لي لله ، فقال لي بعض الناس: لا يجوز؛ لأن لك حقاً في هذا المبلغ، ولتعبك في تحصيله فتعطي جزءاً فهل هذا صحيح؟
الجواب
النذر يمضى، فيلزمها أن تدفع راتب أول شهر ولا تبخل، فالله يقول: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] والنبي ﵊ ذكر القرون السيئة فقال: (ثم يأتي بعد ذلك قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يفون) .
стр. 310
حكم زيادة (تعالى) في السلام
السؤال
هل يجوز أن نقول: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؟
الجواب
السنة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لكن هناك دائماً قوم أصحاب فلسفات أكثر من اللازم، تخرج بهم من الفاضل إلى المفضول، فالرسول ﵊ -مثلاً- قال: (يا فاطمة! ما يمنعك أن تقولي: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً أو إلى أحد من خلقك) فيأتي من يدعو فيقول: ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً ويزيد (ولا أقل من ذلك) ، وهي زيادة لم ترد، والأولى أن نمتثل تعليم الرسول ﷺ لنا.
مثال آخر: دعاء اللهم اهدنا في فيمن هديت، تسمع أحدهم يقول: اللهم اهدنا بفضلك فيمن هديت، فيزيد بفضلك، ويقول: وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فيزيد: واصرف عنا، فهذا ترك الفاضل إلى المفضول، فهدي محمد ﵊ أكمل الهدي وقد يحدث هذا من أئمة وخطباء كبار، وهو بذلك يستدرك على النبي ﷺ ، ولعله أن يكون قال في بداية الخطبة: وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيكون الاقتصاد واتباع السنة أولى من الإحداث في الدين، ولعل كلمة واحدة من دعاء رسولنا ﵊ تجمع لك شتات مائة كلمة، ولعل دعوة واحدة من دعوات رسول الله ﵊ أبرك من مائة دعوة غيرها، والرسول ﵊ يعلمنا جوامع الكلم، وهديه أكمل هدي ﵊، فمن ناحية الجواز جائز لك أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، لكن تعليم الرسول ﷺ أفضل، فنقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إلى هنا بارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 311
حكم الصدقة الجارية عن الميت
السؤال
هل الصدقة الجارية للميت تكون قبل موته فقط أم تجوز بعد موته من قبل أهله؟
الجواب
تجوز قبل موته وتجوز بعد موته، وقد سأل سائل رسول الله ﷺ فقال: (إني أمي افتلتت نفسها يا رسول الله -أي: ماتت- وأراها إن تكلمت تصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: تصدق عنها) ، وهل يجوز أن تكون الصدقة من مال أبنائه أو أقربائه أو ما إلى ذلك أم يجب أن تكون من ماله الخاص؟ يجوز أن تكون من ماله أو من مال أقربائه أو من مال أصدقائه إذ لا دليل يخصص.
стр. 312
حكم قراءة القرآن للميت
السؤال
ما حكم قراءة القرآن للميت؟
الجواب
قراءة القرآن على الميت لم ترد عن رسول الله ﷺ ، وما ورد في الحديث من قراءة (يس) فضعيف.
стр. 313
حكم زيارة النساء للمقابر
السؤال
ما حكم زيارة النساء للمقابر وقراءة القرآن فيها؟
الجواب
الحاصل في زيارة النساء للمقابر أنها إذا لم تصاحبها بدعة أو أمر محرم فهي جائزة، أما الدليل على الجواز فقول أم المؤمنين عائشة لرسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم: (ماذا أقول إذا أتيت المقبرة يا رسول الله؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإن إن شاء الله بكم لاحقون) ، وكذلك (مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: اتقي الله واصبري) ولم يأمرها بمغادرة المقبرة.
أما المانعون فاستدلوا بحديث (لعن الله زوارات القبور) وبحديث فاطمة ﵂ (أن النبي رآها مقبلة من مكان فقال: من أين أتيتي يا فاطمة؟ قالت: يا رسول الله! من عند آل فلان كنت أعزي إليهم ميتهم، قال: هل بلغت معهم القدي -أي: المقابر- قالت: لا.
قال: لو بلغتيها ما دخلت الجنة حتى يدخلها جد أبيكِ) فهذا الحديث الأخير بنى عليه بعض العلماء أن ذهاب النساء للمقبرة كبيرة من أكبر الكبائر، وسطروا ذلك في كتبهم، وهذا التسطير اجتهاد خاطئ، فالحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، هذا شيء ثم إنه قرن زيارة القبور بالشرك بالله، فمن ناحية المعنى كذلك مخدوش فيه، أما حديث (لعن الله زوارات القبور) ، فوجهت إليه بعض الاتجاهات والتأويلات.
أحدها: أن الحديث ابتداء ضعيف بلفظ "زائرات"، أما لفظ زوارات فهو محمول على اللواتي يكثرن من الزيارة ويصاحبن الزيارة بالبدع.
والاتجاه الثاني: أنه منسوخ بقوله ﵊: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) .
ومما قوى قول الذين ذهبوا إلى النسخ ما صح عن أم المؤمنين عائشة عند الحاكم وغيره: (أنها أقبلت من مكان فسألها سائل من أين أتيت يا أم المؤمنين؟! قالت: من عند قبر أخي عبد الرحمن، قال لها: ألم يكن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم قد نهى ثم رخص لنا فيها) فهذه أم المؤمنين عائشة يصح عنها أن النبي ﷺ رخص لها في زيارة القبر وهي أعلم بشأن النساء من غيرها، والله أعلم.
стр. 314
حكم الصلاة عن الميت
السؤال
ما حكم الصلاة عن الميت، وقراءة القرآن عنه وهل تلحق بالصدقة والحج والصوم؟
الجواب
الأصل عند كثير من العلماء أن العبادات توقيفية، لقول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وقد ورد أن النبي ﷺ رخص في الصدقة عن الميت، وفي قضاء النذر عن الميت، وفي قضاء صوم النذر عن الميت، وفي قضاء الحج عن الميت، لكن لم يرد لنا مع كثرة الميتين على عهد رسول الله ﷺ أن شخصاً صلى عن شخص قد مات، ولا أن شخصاً على عهد رسول الله ﵊ قرأ القرآن عن شخص قد مات، فأصل العبادات توقيفية وما ورد فيه من نص فيخرج من هذا العموم، والذي لم يرد فيه نص لا يلحق بما ورد فيه النص.
стр. 315
حكم إعطاء هدية ما لغير من شريت له
السؤال
هل يأثم من اشترى شيئاً وعقد النية على إعطائه هدية لفلان من الناس ثم أعطاه لغيره؟
الجواب
لا يأثم، حتى أصل في أشد من ذلك وهو: إذا أعطيت الكتاب هدية لشخص ثم وجدت شخصاً آخر أحوج منه فأخذت منه الكتاب بعد أن أعطيته، فالسؤال هنا: قبل أن يعطيه الآخر هل يحرم عليه أخذه من الأول؟ هذه مسألة تناقش فيها الإمامان الجليلان أحمد والشافعي رحمهم الله تعالى وهي مسألة: الرجوع في الهدية، فقال الإمام أحمد: الرجوع في الهدية حرام، وقال الشافعي: بل يكره.
فسأل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى الإمام أحمد: ما مستندك يا أحمد في القول بتحريم الرجوع في الهبة أو في الهدية؟ فقال الإمام أحمد: مستندي حديث النبي ﷺ : (الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه) فقال الإمام الشافعي ﵀: وهل حرام على الكلب أن يرجع في قيئه؟ فقال الإمام أحمد: في الحديث: (ليس لنا مثل السوء الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه) فلم يقتنع الإمام الشافعي بمسألة الإمام أحمد (ليس لنا مثل السوء) .
صحيح أن مثله مثل سيئ لكن هل يحرم عليه؟ الأصل أن الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه كما في صحيح البخاري، فهذا هو الوجه في هذا الباب، فالشاهد أن الأخ اشترى الهدية ناوياً أن يهديها لشخص فجاء شخص آخر فأهداها له، فليس هناك أي إثم إنما هو محسن، والله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٩١] .
стр. 316
تفسير سورة النساء [٩٢-٩٩]
لقد حرم الله قتل النفس المسلمة، ومن قتل مؤمناً خطأً لزمه كفارة وهي عتق رقبة مؤمنة وتسليم الدية لأهل المقتول، وإن كان المقتول معاهداً بدأ بتسليم الدية ثم تحرير رقبة، وأما إن كان مسلماً ولكنه من قوم كفار فتلزم القاتل الكفارة بعتق رقبة أو صيام، ولا دية لأهل المقتول.
стр. 317
تفسير قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٩٢] .
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ) أي: وما كان ينبغي لمؤمن، فبعض العلماء قدر هنا كلمة (ينبغي) .
ومن العلماء من قال: وما كان يحل لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ.
والمؤمن المراد به هنا: المسلم، فليس المراد به المؤمن الذي هو أعلى درجة من المسلم، إنما المراد بالمؤمن هنا: المسلم، والمعنى واحد، وما كان لمسلم أن يقتل مسلماً إلا خطأ لها نفس معنى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) .
و (إلا) هنا قد يكون من معانيها: لكن، (ففي) ترد كثيراً في كتاب الله بمعنى لكن.
стр. 318
حكم من قتل المعاهد خطأ
قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٢] أي: معاهدات، أي: أنهم قوم كفار لكن بينهم وبين المسلمين معاهدات، فدلت الآية على جواز عقد المعاهدات مع الكفار، والأدلة على ذلك لا تكاد تحصى من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ .
﴿إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، فقدمت الدية على الرقبة المؤمنة، وهذا الآية تؤكد أن المسلمين يحترمون العهود والمواثيق، فإذا قتلت شخصاً خطأ، وكان هذا الشخص مؤمناً من قومٍ مؤمنين فابدأ بتحرير الرقبة ثم الدية، وإذا كان الشخص من قوم كفار بيننا وبينهم معاهدة فابدأ بتسليم الحقوق لهم ثم بعد ذلك حرر رقبة المؤمنة، فهذا مما يدل على أن ديننا يحترم العهود والمواثيق في جملة أدلة: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال:٥٨] .
стр. 319
حكم من لم يجد رقبة مؤمنة يعتقها
﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء:٩٢] ، هل ترجع هذه الآية إلى من لم يجد الرقبة والدية أو إلى أحدهما؟ قولان لأهل العلم: فإذا قتلت شخصاً خطأً بسيارة وكان معك أموال، وبعد ذلك سددت الدية إلى أهل المقتول وبقيت الرقبة، ثم لم تجد رقبة تحررها، فهل تصوم أو يسقط عنك الصوم؟ قول كثير من أهل العلم أنه يلزمك أيضاً أن تصوم مع تأدية الدية إلى أهل المقتول؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء:٩٢] ، وما دام أنه سكت عن الشيء بعد قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [النساء:٩٢] ، فتحمل على الاثنين معاً أو على أحدهما.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٩٢] ، هل هو أذنب حتى يقال: (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) ؟ الظاهر أنه لم يذنب.
فمن العلماء من قال: إن الشخص إذا ابتلي بشيء من ذلك -الذي ذكر- وكفر، فإن هذه الكفارة تكون توبة عن ذنوبٍ سابقة سالفة، وليس على هذا بعينه، فهذا الابتلاء إذا امتثلت أمر الله فيه كفرت عنك خطايا سالفة كنت قد ارتكبتها أما القتل الخطأ -كقتل خطأ- فليس فيه كفارة، والله أعلم.
قال تعالى: وكان الله عليماً بنياتكم، وعليماً بالقاتل هل قتل خطأً أم قتل عمداً؟ لأن هذه من المسائل الشائكة، شخص يضرب شخصاً، هل نيته فعلاً أن يقتله أو أنه قتله خطأً ولم يكن من نيته أن يقتله؟ فختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ [النساء:٩٢] ، أي عليماً هنا بالقاتل هل وجهته القتل الخطأ أو القتل العمد، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء:٩٢] فيما يشرع .
стр. 320
حكم من قتل مؤمناً من قوم كفار خطأ
يقول الله سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء:٩٢] ، أي: إذا كان المقتول مؤمناً لكن قومه كفار، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] ، وحذفت الدية المسلمة إلى أهله، وهذه الآية استأنس بها العلماء الذين يقولون باعتبار المقاصد في الأحكام؛ لأن المؤمن لما قُتل وهو من قوم كفار، فإذا أعطينا للقوم الكفار الدية وسلمناهم الدية استعانوا بها على قتال أهل الإيمان، فخشية أن يستعينوا بالدية على أهل الإيمان حذفت الدية -والله أعلم- ومنع منها الكفار، واقتصر على تحرير الرقبة فقط، وهذا من اعتبار المقاصد في الأحكام، وفي الحقيقة أنه من المسائل الشائكة جداً.
ونضرب مثالاً آخر -ونحتاج من أخينا الشيخ صالح أن يعقب لنا بما يدور عندهم في المحاكم-: في مرض الموت قال رجل: زوجتي طالق، فسئل: لماذا طلقتها؟ فقال: طلقتها لكي لا ترث، ثم مات، وكان هذا الطلاق غير رجعي، إما أنه آخذ ثلاث تطليقات فتكون مبتوتة، أو أنه طلاق قبل البناء، فالشاهد: أنه طلاق غير رجعي، ثم مات الرجل، فهل يعتبر هذا الطلاق أو لا يعتبر؟ إذا اعتبرت المقاصد قلت: الشاهد أن مسألة طلاق المرأة في مرض الموت تنازع فيها السلف، وقد ذكرنا أن أمير المؤمنين عثمان يرى أن هذا الطلاق لا يقع، وقد ورث عثمان ﵁ امرأة عبد الرحمن بن عوف لما طلقها عبد الرحمن في مرض الموت، وأبى ذلك عبد الله بن الزبير وقال: (لا أورث مبتوتة) .
وورد أن أمير المؤمنين عمر لما بلغه أن غيلان بن جرير الثقفي طلق أزواجه كلهن خشية الميراث، قال له: (إني يخيل إليَّ أن الشيطان فيما يسترق من السمع أخبرك بموتك، فقسمت ميراثك على بنيك وطلقت نساءك، فوالله لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال، فراجع النساء، ثم ما لبث إلا أياماً حتى مات) .
فلا أدري بم تقضي المحاكم اليوم يا شيخ صالح؟ الشيخ صالح: تبطل جميع تصرفاته عند مرض الموت.
الشيخ: أخوكم الشيخ صالح حفظه الله يقول: إن الجاري في المحاكم الآن أنها إذا طلقت في مرض الموت وثبت أن هذا المرض هو مرض الموت ولم يقم من مرضه؛ لأنه إذا قام من المرض ثم تعافى وبقي على طلاقه ثبت الطلاق، لكن إذا ثبت أنه مرض الموت ولم يقم منه بطلت جميع تصرفاته.
والإمام الشافعي يرى أن الطلاق واقع هو وأبو محمد ابن حزم.
وإن سألنا عن الدليل، هل تعلم لهم دليلاً يا شيخ صالح حفظك الله؟ هل تعلم دليلاً لإبطال تصرفات المريض كلها؟ الشيخ صالح: لسوء نيته.
الشيخ: دليل القانونيين أنه سيء النية، وما الذي أدخل القانونيين في نيته؟!! الشيخ صالح: هكذا اعتبروه.
الشيخ: هكذا اعتبروه، هب أن هناك سيء النية مثله وهو صحيح لم يمرض، كرجل معافى وصحيح، فقال: زوجتي طالق؛ حتى أحرمها من الميراث، فهذا سيء النية.
الشيخ صالح: نعم سيء.
الشيخ: سيء، ولكن لا يؤاخذه القانون.
الشاهد: أن أبا محمد ابن حزم ﵀ سبقه الإمام الشافعي ﵀ وسبقهم عبد الله بن الزبير ﵀ ورضي عنه، وقالوا: بأنه يقع الطلاق، شأنه شأن الصحيح، وأمير المؤمنين عثمان ﵁ رأى عدم الوقوع، وليست هناك أدلة صريحة عن رسول الله ﵊ في هذا الباب، ونرجع إلى التفسير:
следующие страницы →