Полный текст (2 242 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
حكم الوصل
قال ﵊: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) .
الواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر آخر، وهي على لسان رسول الله ﷺ ملعونة.
стр. 387
لبس المرأة للباروكة
بالنسبة للمرأة التي تضع الباروكة: والباروكة التي تلبسها المرأة على رأسها: هل تأخذ نفس حكم وصل الشعر أو لا تأخذ نفس الحكم؟ في الحقيقة أنها تختلف من باروكة إلى باروكة، وهذا ظاهر، فهناك باروكة يفهم تماماً أنها ليست من الشعر، وإن كان على صورة الشعر، لكن يفهم تماماً أنه ليس من شعر المرأة، فإذا كان ظاهرها أنها ليس من شعر المرأة فتخرج من حكم الوصل، والله أعلم.
ثم ينظر إلى العلة التي من أجلها لبست هذه الباروكة.
أما إن كانت الباروكة على هيئة شعر المرأة بالضبط، فقول من قال: إنها كالوصل -أو أنها وصلٌ- قولٌ قوي، والله أعلم.
إذاً: الباروكة فيها تفصيل كما تقدم، وليس فيها نص ثابت عن رسول الله ﵊: فتحتاج إلى استنباط، والذي ورد عن رسول الله، هو مسألة الوصل، فما استحدث وكان في معنى الوصل له حكم الوصل، وما استحدث ولم يكن له معنى الوصل يخرج من حكم الوصل.
стр. 388
حكم إزالة شعر الوجه بالنسبة للمرأة
بالنسبة لشعر الوجه: إذا نبت للمرأة شارب فأزالته، هل تكون مغيرة لخلق الله؟ من أهل العلم من رأى ذلك، ومنهم من رأى عكس ذلك، وقال: يستحب لها أن تزيله؛ لأن الرسول ﵊ قال: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) ، فهذه التي تزيله تعمد إلى البعد عن التشبه بالرجال، فوجهتها محمودة، وهذا القول الأخير له وجهٌ قوي وهو قول سديد إذا اعتبرنا العلة في الحكم حديث النبي ﷺ في النهي عن التشبه.
فعلى ذلك: الذي يظهر -والعلم عند الله- أن إزالة شعر اللحية والشارب إذا نبتا للمرأة جائزة، إن لم يكن مستحب، أما شعر الحاجب فتحرم إزالته قطعاً، ويحرم إزالة أي شعرٍ منه؛ لأنه داخل في النمص بالدرجة الأولى، والرسول ﷺ : (لعن النامصة والمتنمصة) .
стр. 389
حكم النمص للرجال
الرجال الذين يذهبون إلى الحلاق فيأخذ من شعر حواجبهم: هل يلحقهم اللعن أو لا يلحقهم اللعن؟ من العلماء من قال: هو في الرجال أشد؛ لأن المرأة وهو مطلوب منها في جانب التزين لزوجها منعت من ذلك، فالرجل من باب أولى أن يمنع من ذلك، والله أعلم.
يعني: ليس الحكم فيه بالنص إنما هو بطريق النظر والقياس والعلم عند الله تعالى.
стр. 390
حكم التفلج
مسألة التفلج: والتفلج هو: أن تأتي المرأة بمبرد -مبرد أسنان- وتبرد أسنانها، وتفرق بين الأسنان من أجل تحسين الأسنان وتحديد كل سن على حدة من أجل أن تأخذ مسحة جمال، فالرسول ﵊: (لعن الفالجة والمتفلجة) ، يعني: الفاعلة والمفعول بها.
هذا إذا كان الفلج للحسن، لكن لو فرضنا أن امرأة لها سن تؤذي لسانها إذا تكلمت، أو تؤذي شفتها إذا أكلت، فتفلجت لا للحسن إنما لدفع الضرر عنها، فإذا تفلجت وبردت أسنانها لدفع الضرر عنها فلا شيء في ذلك، وقد نص على ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم، أي: أنها إذا لم تكن متفلجة للحسن بل لعلة جاز لها التفلج.
وعلى ذلك: فطبيبات الأسنان لا بد أن ينتبهن؛ لأن طبيبات الأسنان ممكن بسهولة جداً أن تكون من (الفالجات) وهي لا تشعر، فتكون ملعونة على لسان نبينا محمد ﵊، فتنتبه ولا تفلج أسنان امرأة إلا لدفع ضرر عنها، أما التفلج للحسن فقط فلا يجوز.
стр. 391
حكم إزالة شعر الجسم (النمص)
تلحق بهذا الباب مسائل أخرى، ومنها: مسألة: إزالة الشعر من الجسم.
إزالة الشعر من الجسم لغةً تسمى نمصاً، والمنماص هو ذيل آلة لإزالة الشعر من الجسم.
فهل كل شعر يزال من الجسم يعد نمصاً؟
الجواب
ليس كل شعر يزال من الجسم يعد نمصاً؛ لأن شعر العانة يزال، وإزالته سنة، وشعر الإبط يزال، وإزالته سنة وهي عادات مستحبة.
والشعر له أحكام، وهناك كتب مؤلفة في أحكام الشعر: شعر الرأس -طبعاً- يزال أو لا يزال على ما تحب أنت، وقد ورد في سنة رسول الله ﷺ ما يدل على أنه كان يحلق أحياناً وأحياناً أخرى يقصر شعره، لكن ثمّ شعر كشعر -مثلاً- النساء الذي يظهر في الأرجل، فهل إزالته تلحق بحكم تغيير خلق الله أو لا؟ الظاهر: أن المرأة إذا أزالته لا تكون مغيرة لخلق الله.
فهناك عمومات تبيح ذلك كحديث: (إن الله جميل يحب الجمال) ، لقول النبي ﵊: (أي النساء خيرٌ يا رسول الله؟ قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر) ، لكن في المقابل: (لعن الله النامصة) ، فهل يلحق بالنمص إزالة شعر الرجل أو لا يلحق؟ النمص عند أكثر أهل العلم متعلقٌ بالحاجب، ومن العلماء من عممه على سائر شعر الوجه، أما شعر الرجلين فالراجح لدي فيه والله أعلم أنه جائز، وإن كرهه بعض أهل العلم، فلما يستغرق إزالته من وقت، ولما يحصل من كشف للعورات أثناء إزالته، فالمرأة تكشف عن فخذها لامرأة أخرى تعبث بها مدة طويلة، فهذا فيه كشف للعورة، ثم كما قال بعض المشتغلين بالطب -في هذا الباب-: إنه يضعف الجلد إذا استمرت المرأة على نتفه، والله تعالى أعلم.
لكن ليس عندنا نص صريح صحيح يفيد أنه عملٌ محرم.
стр. 392
تفسير قوله تعالى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)
قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء:١٢٠] يعدهم بماذا؟ فسرتها آية البقرة: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٨] .
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠] يعدهم، ليس فقط بالفقر، بل وعوده عامة، كما وعد أبانا آدم وأمنا حواء بالخلود في الجنة إذا أكلا من الشجرة، فقال لهما: أقسم لكما بالله أنكما إذا أكلتما من هذه الشجرة ستخلدان في الجنة ولا يستطيع الرب إخراجكما منها! كما قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] ، فآدم ﵊ لم يظن أبداً أن هناك شخصاً يحلف بالله كاذباً، كما قال الرسول ﷺ : (المؤمن غرٌ كريم، والفاجر خبٌ لئيم) .
فوعد إبليس لأبينا وأمنا بالخلود في الجنة إذا أكلا من الشجرة كان غروراً وتغريراً بهما حتى أوقعهما في معصية الله ، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠] .
стр. 393
تفسير قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء:١٢١] أي: مهرباً ومفراً، كما قال تعالى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [ق:٣٦] ، أي: هل من مفرٍ؟! وهل من مهرب؟! فهنا: ﴿أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ [النساء:١٢١] .
أي: لا يجدون منها مهرباً ولا مفراً.
стр. 394
تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ .)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [النساء:١٢٢] ، تكرر مراراً أن القرآن سُميّ مثاني لهذا، وهو أنه يأتي بحال أهل الشقاوة، ثم يعقب بذكر حال أهل السعادة، وأيضاً نكرر أن (عملوا الصالحات) تثبت أن المؤمن العاقل الذي يعمل الصالحات أفضل من المجنون؛ لأن المجنون لم يعمل الصالحات، فعلى هذا من يتمسحون بالمجانين جهلة، وهذا الفعل غلط.
فالتقييد بـ (عملوا الصالحات) يبين أن المؤمن العاقل أفضل من المجنون؛ لأن المجنون أمامه اختبار عند الله يوم القيامة ينجح فيه أو لا ينجح.
وفي قوله: (عملوا الصالحات) ردٌ على المرجئة القائلين بأن العمل لا تأثير له.
(سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) ، قال فريقٌ من العلماء (من تحتها) .
أي: من تحت أشجارها، ومن تحت بيوتها وكذلك عند فريق آخر، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء:١٢٢] وهذا وعد الله في مقابل وعد الشيطان، ووعد الشيطان قال عنه تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠] ، فهنا في المقابل: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] .
стр. 395
تفسير قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ .)
قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ [النساء:١٢٣] .
أي: ليس الأمر على ما تظنون، ﴿وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣] ما هو الذي ليس بأمانينا ولا بأماني أهل الكتاب؟ هنا حذف دلّ عليه السياق.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣] .
أي أنكم ستفعلون السوء ولا تجزون به، بل ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] وقد ذكر فريق من أهل العلم أن هنا حذفاً فُهم من السياق، والحذف إذا فهم من السياق استسيغ، وكان له وجه وعليه أدلته في كتاب الله في جملة مواطن قد مثلنا لذلك يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] ما هي التي توارت؟ الشمس، ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص:٣٣] ردوا ماذا؟ ردوا الخيل: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٣] .
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] ، لماذا قال: (وشاء) ؟ لأن التمثيل به أتم.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣] أي: ليس الأمر على ما تظنون أنتم وأهل الكتاب، بل (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) ، وردت في هذه الآية أحاديث -منازع في صحتها- أن هذه الآية شقت على أصحاب النبي ﷺ ؛ لأن الآية أفادت: أن كل من يعمل سوءاً يجز بهذا السوء: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وفي هذه الأحاديث التي أشرنا إلى أنه اختلف فيها، قال النبي ﵊ لـ أبي بكر: (يا أبا بكر! ألست تنصب؟) يعني: تتعب، فالتعب يزيل السيئات، ألست تحزن؟ فالهم والحزن يزيلان السيئات، ألست تصيبك اللأواء؟ اللأواء والأدواء والأمراض تذهب السيئات، وفي معنى هذا حديث النبي ﵊، قال: (ما من مسلم يصيبه أذىً من مرض فما سواه إلا حط الله به من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها) ، وفي رواية: (حتى الشوكة يشاكها) ، وفي رواية -نوزع في تصحيحها-: (حتى الهم يهمه) ، يعني: الهم الذي تصاب به يهيل السيئات، لكن روايات الهم منازع في صحتها.
وأيضاً يقال: إن الآية أفادت: أن أي شخص يعمل سوءاً يجز به، لكن ثَمَّ آيات قيدت، وثَمَّ آيات رفعت الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ، فـ (يعفو عن كثير) أفادت أن هناك من الذنوب ذنوباً لا نؤاخذ بها، كذلك في قول أهل الإيمان: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، قال الله: قد فعلت.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ، لابد أيضاً من النظر فيه بعيداً عن مسألة إزالة الأمراض والهموم والأحزان للذنوب، فهل يلزم أن كل من أذنب تأتيه عقوبة من الله، إما في صورة شوكة يشاكها أو مرض يمرضه أو هم؟ الصحيح: أنه لا يلزم ذلك، فإن قيل: فكيف توجهون الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) فالإجابة، أن هنا تقديرٌ يفهم من السياق ومن العمومات الأخرى التي تحملنا على هذا التقدير، فيكون التقدير: (من يعمل سوءً يجز به) إلا إذا عفا الله عنه، وهذا المعنى يستقيم مع قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، ويستقيم مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ، فالتقييد يجز به، إلا إذا عفا الله عنه: فإذا عفا الله عنه وإلا كان الأمر كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧-٨] ، فعلى هذا تضبط الآية من وجهين: الوجه الأول: هو ما ذُكر في حديث الرسول ﵊، على قول من صححه، وهو أن الهموم والأحزان والأمراض كفارات.
القول الثاني: أن الآية مقيدة بمغفرة الله ، وثمة قول ثالث -لكن يحتاج إلى إثبات- وهو القول بالنسخ، وأن الآية منسوخة بآيات أخرى، أفادت عفو الله عن كثير من الذنوب، لكن القول بالنسخ لا يتأتى إلا بعد معرفة المتقدم من المتأخر، وهذا غير متيسر هنا.
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ، من العلماء من يقول: إن الشخص قد يعد، وقد يوعد فهناك الوعد والوعيد، ومن خصال الكرام: الوفاء بالوعد وإخلاف الوعيد.
ومنه قول القائل: وإني إن وعدته أو أوعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فالوفاء بالوعد محمود، وإخلاف الوعيد محمود من فعل الكرام.
والفرق بين الوعد والوعيد: أن الوعد في الخير والوعيد في الشر والتهديد، والله تعالى أعلم على ذلك فالذي يخلف وعيده لا يذم من البشر، ولله المثل الأعلى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧] ، قال الله ﵎: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ، والسوء هو من ما يسيء الشخص، وكل المعاصي تسيء صاحبها يوم القيامة، ومنه قيل: للسوأة سوء، وللسوأتان سوأتان؛ لأن رؤيتهما تسيء للشخص المرئي، فلذلك أطلق عليهما (سوأتان) .
قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣] ولياً يتولاه، ولا نصيراً ينصره.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء:١٢٤] أي: قدر النُّقْرَةِ في ظهر النواة.
стр. 396
الأسئلة
стр. 397
حكم تدريس الرجل للمرأة
الجواب
باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
السؤال
أنا مدرس وأعطي دروساً خصوصية بدون ظلم لأحد، ولكن يأتيني بنات من الصف الأول الإعدادي إلى الثالث، فهل هذا حرام؟ وإن كان حراماً فهل معنى هذا أن الأجر الذي آخذه يعتبر مالاً حراماً، على الرغم من أني أتعب فيه؟ الجواب: بالنسبة لتدريس الرجل للمرأة، فأصل الحكم فيه مبني على الملابسات المحيطة به، لأنه لا دليل لدينا على أن تدريس الرجل للمرأة حرام، لكن إذا خلى الرجل بامرأة واحدة، كان الحكم بالحرمة مبنياً على أن الخلوة نفسها محرمة، لقول النبي ﵊: (لا يخلون رجلٌ بامرأة فإن ثالثهما الشيطان) .
стр. 398
تفسير سورة النساء [١٢٧-١٣٦]
لقد حفظ الله حقوق اليتامى من ذكور وإناث، كما في قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ ... ) الآية، فإن هذه الآية نزلت في اليتيمة التي لها مال، ووليها لا يريد أن يتزوجها ولا أن يزوجها غيره خشية الميراث، وقيل: نزلت في اليتيمة الجميلة الحسناء التي يريد وليها أن يتزوجها ولكنه لا يقسط في مهرها، وفي هذا دلالة كبيرة على أن الشرع حفظ للنساء حقوقهن حتى وهنَّ يتامى فضلاً عن كون آبائهن أحياء.
وبين الله بعد ذلك أحكام النشوز الحاصل من المرأة ومن الرجل، وكيف أن العدل بين الزوجات من الواجبات إلا في الميل القلبي وغيرها من الأحكام.
стр. 399
تفسير قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ .)
باسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:١٢٧] .
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء﴾ [النساء:١٢٧] أي: يطلبون منك الفتيا في شأن النساء، فدخول السين والتاء على الفعل تعني الطلب، ومنه قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: (يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني) أي: طلبت منك الطعام فلم تطعمني، (قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه) الحديث، فقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء:١٢٧] أي: يطلبون منك الفتيا أو الفتوى أن تفتيهم في شأن النساء.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] ، سأل عروة أم المؤمنين عائشة ﵂ عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣] .
فأفادت بما حاصله: أن هذه الآية نزلت في اليتيمة التي عندها ميراث، تكون في حجر وليها، القائم عليها، الذي من حقه شرعاً أن يتزوجها، لأنه ليس أباً ولا أخاً ولا عماً لها، لكنه ولي من الأولياء البعيدين الذين يحل لهم أن يتزوجوها، لكنه يرفض الزواج بها، ومع رفضه للزواج بها يمتنع أن يزوجها لآخرين خوفاً من ضياع الميراث، فيبقيها في حالة من الإعضال، هذا قول.
والقول الآخر: أن هذه الآية ومن قبلها آية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:٣] نزلت في اليتيمة التي تكون جميلة وحسناء يريد أن يتزوجها ولا يقسط لها في الصداق، أي: لا يعطيها صداق مثلها من النساء، فأمروا إما أن يقسطوا لهن في الصداق، أو يتزوجوا غيرهن، فالنساء سواهن كثير.
ومسألة القسط في الصداق: تؤصل لنا مسألة مهر المثل؛ لأن هناك مهراً يصار إليه يقال له مهر المثل، تقاس المرأة أو البنت فيه على أترابها من بنات أعمامها وبنات أخوالها، وبنات عماتها وبنات خالاتها، وجيرانها الذين هم في نفس طبقتها، إذاً يصار إلى مهر المثل عند التنازع في مسألة الصداق.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] أي: أن المهر مكتوب لهن، فالمهر فرض، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] أي: فريضة.
فالمهر فرض، لا حد لأقله ولا حد لأكثره، فأقل المهر قال النبي ﷺ : (التمس ولو خاتماً من حديد، قال: ما عندي ولا خاتم، قال: زوجتك بما معك من القرآن) ، وتزوجت أم سليم على الإسلام.
وقد ورد حديث فيه ضعف: (أن النبي ﵊ قال لامرأة تزوجت مقابل نعلين: أرضيت من نفسك بنعلين؟!) لكنه حديث ضعيف.
إذاً: لا حد لأقل المهر، وأكثر المهر لا حد له كذلك، قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠] فالمقرر عند الجمهور من أهل العلم أنه لا حد لأقل المهر ولا لأكثر المهر، وإنما يختلف باختلاف الأماكن، واختلاف الأزمان، واختلاف الأشخاص.
قال الله : ﴿اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] أي: لا تعطونهن، ﴿مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] أي: ما فرض لهن، ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] أي: لعلكم ترغبون أن تنكحوهن.
ترغب عن الشيء ترفضه، وترغب في الشيء تحبه وتقبل عليه وتريده، أما (ترغب أن تنكحها) ، فتحتمل الوجهين، وإن كان أقرب إلى الإرادة والرغبة في الشيء.
قال تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء:١٢٧] يعني: أنتم تريدون أن تتزوجوا بنتاً يتيمة جميلة، ولكنكم تريدون بخسها حقها، فإذا أردتم الزواج بها فأقسطوا إليها وأدوا حقها، كالذي يؤدى لأترابها وأمثالها.
﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء:١٢٧] أي: وتفعلون مع اليتامى القسط والعدل الذي أمركم الله به، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:١٢٧] .
стр. 400
تفسير قوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا .)
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء:١٢٨] البعل: هو الزوج.
قوله: (نُشُوزًا) أي: ارتفاعاً وتعالياً ورفضاً، ورغبة عنها، فمعنى النشوز: الارتفاع، ومنه الأرض النشز، أي: الأرض المرتفعة، والمرأة الناشز هي المتعالية المرتفعة على أمر زوجها وقوله، فالنشوز يكون في النساء وفي الرجال.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء:١٢٨] أي: رداً لها وعدم رغبة فيها.
стр. 401
مرتبة الإحسان وفضله
قال سبحانه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٢٨] أي أن الصلح وإن كان جائزاً فإن لك يا رجل أن تقبل من زوجتك أن تتنازل لك عن ليلتها مقابل إبقائها، فهذا صلح، لكن الإحسان أفضل، فأرشدك الله إلى الإحسان، وإن كانت أذنت لك بذلك.
فالرجل قد يتفق مع المرأة على شيء، فلضعف المرأة تقر هذا الشيء وترضخ؛ لأنه ليس لها متنفس غير هذا الشيء، فهذا يا زوج! وإن كان جائزاً لك ما تصنعه المرأة من تنازل عن بعض حقوقها، لكن الله يرشدك إلى الإحسان، والإحسان مرتبة فوق العدل، فيستحب لك أن تسلك مع هذا الصلح الذي دار بينكما سبيل المحسنين، الذين يتركون حقوقهم لله .
﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٢٨] أي: وسيجازيكم على هذا الإحسان.
стр. 402
دلالة الآية على كراهة الطلاق ودخوله في الأحكام الخمسة
هذه الآية دلت على أن الطلاق -وإن كان مباحاً في الأصل- يكره في كثير من الأحيان، فإن الطلاق عمل يسعد الشيطان، قال النبي ﷺ : (إن عرش إبليس على الماء وإنه يرسل سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة، يأتي أحدهم فيقول: ما تركته حتى فعل كذا وكذا، فيقول له الشيطان، ما صنعت شيئاً، حتى يأتي شيطان فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين زوجته، فيدنيه ويقربه ويقول: أنت أنت) .
ومعناه: أنت الذي فعل الفعل الذي يحمد ويشكر عليه، فالتفريق بين الزوجين مذموم أو مكروه، وإن كان بعض الأوقات يستحب فيها الطلاق، وأوقات يجب فيها الطلاق، فالطلاق تنسحب عليه الأحكام التكليفية الخمسة.
ومن ثم قال الخليل إبراهيم ﵊ لزوجة إسماعيل: (إذا أتى إسماعيل فأخبريه أن رجلاً قدم عليكم وقولي له: إنه يوصيك أن تغير عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل -كما في البخاري من حديث ابن عباس موقوفاً عليه- وآنس في البيت شيئاً لم يكن على العادة، قال: هل دخل أحد البيت قالت: نعم جاء رجل كبير صفته كذا وكذا، قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم أوصاني قال: إذا جاء إسماعيل فقولي له: غير عتبة بابك، فقال لها: أنتِ عتبة الباب، الحقي بأهلك) وطلقها إسماعيل.
وهذا لأن إبراهيم ﵊ سألها عن حالهم أولاً فتسخطت وقالت: نحن في ضنك وبلاء وشدة وكرب، ولم تحمد الله على ما هي فيه، ولم تشكر الله على ما هي فيه، فكانت نصيحته لولده، أن يفارقها، وفي الرواية الأخرى: (بعد أن تزوج امرأة غيرها وجاء إبراهيم فسألها كيف عيشكم؟ فحمدت الله وأثنت عليه، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فأخبريه أن شيخاً أتى إليه يقرئه السلام، ويقول له: ثبت عتبة بابك) ، فأحياناً الطلاق يكون مستحباً.
فلما جاء عمر إلى رسول الله يشكو ولده عبد الله وحاله مع زوجته، وأمر عمر عبد الله أن يطلق زوجته فأبى عبد الله، فقال له النبي ﷺ : (أطع أباك) فأطاع أباه وطلقها، فأحياناً يكون الطلاق له مسوغات ويستحب، وأحياناً يكون الطلاق مكروهاً، وأحياناً يكون الطلاق محرماً، وأحياناً يكون واجباً، لكن التقعيد أنه إلى الكراهية أقرب، وقد تقدم أن عبد الله بن عمر ﵄ طلق امرأة له، فجاءته المرأة وقالت: يا عبد الله! هل تنقم عليّ شيئاً في خلقي وفي ديني؟ قال لها: لا.
قال: هل رأيت مني شيئاً تكرهه؟ قال لها: لا.
قالت: ففيم تطلق امرأة مسلمة مصلية صائمة؟ فأبقى عليها عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وردها إليه.
стр. 403
إباحة الصلح بين الزوجين وإسقاط المرأة حقها
قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء:١٢٨] هذه الآية نزلت في سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما كبر سنها، وخشيت أن يفارقها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: أجعلك في حل من ليلتي لا تقسط لي، وتبقيني معك، أي: حتى أكون من أزواجك في الجنة.
خشيت أن يطلقها النبي ﵊ فعرضت عليه أمراً قالت: إن كان يشق عليك المبيت معي يا رسول الله! وتشق عليك القسمة لي يا رسول الله! فلا تطلقني، وأجعلك في حل من شأني، ولا أطالبك بشيء من القسمة، على أن أبقى عندك، فنزلت الآية مجيبة لذلك ومبيحة لذلك: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ [النساء:١٢٨] أي: من زوجها ﴿نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [النساء:١٢٨] أي: على الزوج وزوجته ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء:١٢٨] ، فالصلح جائز ما لم يحل حراماً وما لم يحرم حلالاً.
قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] أي: الصلح على هذا النحو خير للفريقين من الطلاق.
وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] وإن كانت نزلت في هذا الموطن إلا أن الصلح خير على العموم، ومن ثم قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] .
стр. 404
معنى الشح في قوله تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ .)
قال سبحانه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨] : الأنفس إذا جاءت تصطلح دخلها الشح؛ لأن المصالح في الغالب يتنازل عن شيء، فعندما يأتي وقت الصلح يشح كل من المصطلحين بالشيء الذي سيتنازل عنه، فالرجل إذا جاء يصالح المرأة على ما ذكر في الآية، لتقول له المرأة: أجعلك في حل من القسمة لي وأبقى معك، فالرجل أصلاً لا يحب هذه المرأة، كأن تكون امرأة ذميمة مثلاً، أو لسانها طويل، أو تشتمه أو غير ذلك، فليس له رغبة فيها من الأصل، فإذا جاء عند الصلح يقول: إذاً: وأنا لماذا أتركها عندي، وأنفق عليها وأكسوها؟! وهي الأخرى تقول: وأنا لماذا أتنازل عن يومي، وأتنازل عن ملكي؟ هل أنا أقل من الضرة الثانية حتى أتنازل عن حقي وعن يومي؟! فيبدأ الشح يحضر الرجل ويحضر المرأة، يحضر الرجل في النفقة التي ينفقها على زوجته التي لا يرغب فيها، ويحضر للمرأة إذ تقول: لماذا بخست حقي وغيري استوفى حقه كاملاً، فكل واحد يأتي الشح إلى نفسه كي يفسد هذا الإصلاح.
فالله قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] يعني: خذ أنت على نفسك يا زوج وأنفق، وخذي أنتِ على نفسك يا امرأة واصبري على اليوم الذي سقط، فهذا خير من الطلاق.
стр. 405
تفسير قوله تعالى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ .)
قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩] : أي: لن تستطيعوا يا معشر الرجال! يا من تزوجتم بأكثر من زوجة! أن تعدلوا بين النساء (ولو حرصتم) ، أي: ولو اجتهدتم في هذا الباب، والله قال في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣] فكيف يجمع بين الآيتين؟ قال في الأولى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٢٩] فجزم بأننا لن نعدل، وقال تعالى في الثانية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣] ؟! إذاً: ما دام مقرراً أننا لن نعدل، فلماذا نقبل على الزواج؟! فالإجابة على هذا هي: أن العدل له صورتان: الصورة الأولى: عدل في المبيت والحقوق الظاهرة، بأن تبيت هنا ليلة وتبيت هنا ليلة، تعطي هذه خمسة قروش وتعطي هذه خمسة قروش مثلها، تأتي لهذه بثوب وتأتي لهذه بثوب، فهذا العدل في الظاهر وهو مستطاع، لكن العدل في المحبة القلبية لا يستطاع؛ لأنك لا تملك قلبك.
الصورة الثانية: العدل في الجماع والمحبة القلبية، فهذا لا يستطاع؛ لأن هذا متوقف على ميلك القلبي، كأن تكون إحدى الزوجات جميلة والأخرى دميمة، فتقف على جملة أمور فلا تستطيع أن تملكها.
стр. 406
معنى الميل في قوله: (وَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ)
قوله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء:١٢٩] يعني: إذا كنت تحبُّ واحدة فلا تبالغ في إعطائها كل ما تريد وتترك الثانية كالمعلقة، صحيح أنه لا يجب العدل في الجماع، لكن الرحمة مطلوبة، فلا تترك الزوجة التي لا تحبها كالمعلقة: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩] أي: كالتي لا زوج لها، لا هي متزوجة ولا هي بدون زوج؛ لأنها لو كانت بدون زوج لبحثت لها عن زوج.
فهنا تظهر جهالات القوم الذين لا يخافون الله، يتزوج رجل على زوجته ويتركها شهوراً وسنوات لا يقربها، فهذا والعياذ بالله! آثم، بل مرتكب لكبيرة، وقد روي في ذلك حديث عن النبي ﵊ أنه قال: (من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما أتى يوم القيامة وشقه مائل) ، والحديث متكلم في إسناده، لكن الوعيد مأخوذ من عمومات أخر كقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرا) ، وقوله ﵊: (وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لبيتك عليك حقاً) وغيرهما من الأحاديث.
قال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٢٩] .
стр. 407
عدم استطاعة الرجل العدل بين النساء في المحبة القلبية
فقوله تعال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:١٢٩] أي: لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في المحبة القلبية ولا في الجماع، حتى نبينا ﵊ لم يستطع العدل في هذا الباب؛ لأن قلبه ليس بيده ﷺ ، فقد ورد فيه حديث متكلم في إسناده عن النبي ﵊: (أنه كان يقسم بين النساء ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك) .
فالقسمة في المحبة القلبية والجماع غير مستطاعة، ولذلك ترى تفاضلاً بين محبة رسول الله ﷺ لزوجة، ومحبته لزوجة أخرى، فقد سئل النبي ﷺ : (من أحب الناس إليك يا رسول الله؟! قال: عائشة) .
وغارت عائشة من رسول الله أيضاً؛ لما كان يكثر من ذكر خديجة؛ ولأنه كان إذا ذبح الذبيحة يرسل بجزءٍ منها إلى صديقات خديجة رعاية للعهد: (فاستأذنت هالة بنت خويلد على رسول الله، فارتاع لها النبي ﵊ وقام فزعاً من مكانه، قائلاً: اللهم هالة، فغارت عائشة غيرة شديدة وقالت: ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين هلكت في غابر الدهر، أبدلك الله خيراً منها قال الرسول ﵊: إني رزقت حبها) ، فالمحبة تختلف من شخص إلى شخص.
فرسول الله ﷺ لما نزلت آية التخيير: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨] بدأ بـ عائشة وقال: (إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك) ، لكن لم يقل هذا الكلام لغيرها، بل قد طلق رسول الله ﷺ مرة حفصة وراجعها.
وفي الحديث: (قالت عائشة لرسول الله: يا رسول الله! لو نزلت واديين يا رسول الله بهما أشجار فوجدت شجرة أُكل منها، وشجرة لم يؤكل منها، ففي أيها كنت ترتع بعيرك يا رسول الله؟ قال: في الشجرة التي لم يؤكل منها) .
تشير إلا أنه لم يتزوج بكراً غيرها، فالمحبة القلبية غير مستطاعة، والعدل في المحبة القلبية لا يطاق ولا يستطاع، فهذا هو الحكم في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء:١٢٩] .
стр. 408
تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠] .
أحياناً يكون في الفرقة خير، فإذا استحالت الحياة الزوجة بين الزوجين وحدث كل يوم سباب وشتائم، وعدم إقامة لحدود الله ، وعدم تعاون على إقامة سنة نبي الله ﷺ بينهما، ففي هذه الحالة إن يتفرقا يبدل الله الزوج خيراً من زوجته، ويبدل الله الزوجة خيراً من زوجها، وهذا هو معنى: (يغن الله كلاً من سعته) .
فالطلاق ليس في كل الأحيان شراً، بل قد يكون في بعض الأحيان خروجاً من المشاكل، ومن السباب، ومن مخالفة أمر الله ومخالفة سنة رسول الله ﷺ ، وقد شرعه الله .
تأيمت حفصة ﵂ فعرضها عمر على عثمان فرفضها عثمان، وقد تزوج عثمان بنت رسول الله بعد ذلك، وهي خير له من بنت عمر من ناحية النسب، وحفصة تزوجت رسول الله خير لها من عثمان رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠] وهذه الفرقة إذا وقعت فيجب أن تكون بإحسان، فإن الله ﵎ قال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: الطلاق الرجعي الذي للزوج حق الرجعة فيه على زوجته مرتان، فإذا طلقها المرة الأولى وراجعها والثانية وراجعها؛ فإنه بعد الثانية إما أن يمسك بمعروف، بأن يردها إليه ويرجعها بالمعروف، أو يسرحها بإحسان.
ما معنى التسريح بإحسان؟ قال بعض أهل العلم إن التسريح بإحسان هو الطلاق، لكنه قول مرجوح؛ لأنك إذا قلت: إن التسريح بإحسان هو الطلاق ورد عليك في الآية نفسها ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] فعلى هذا تكون طلقة رابعة، ولا يجوز ذلك بالإجماع.
فالتسريح بإحسان من العلماء من قال: إنه الطلاق، لكنَّ الأكثرين على أن التسريح بإحسان معناه: أن تترك الزوجة بعد أن تطلقها التطليقة الثانية بدون أن ترجعها إليك، حتى تنقضي عدتها، وهذا القول أفضل من ناحية النظر؛ لأنك إذا غدرت بعد أن تركتها حتى انتهت عدتها وذهبت إلى أهلها، فإذا بدا لك أن تتزوجها فإنه يجوز؛ لأنه بقي لك طلقة، فإذا قلنا: التسريح بإحسان، فإن الآية: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] فإذا قلنا لك: طلقها ثالثة فهو غلط، لأنه ما أمر بالطلاق، بل يفهم من الآية أن يسرحها بإحسان، فكأنك تقول له: طلقها مرة ثالثة، والآية لا تتحمل هذا المعنى.
وإن قال بعض أهل العلم: إن التسريح بإحسان هو الطلاق، وأورد فيه حديثاً فيه ضعف، لكن التسريح بإحسان هو أن تتركها سارحة حتى تنقضي عدتها فتبتعد عنك بدون طلاق، فيكون محفوظاً لك عندها طلقة.
قد يقال: جاء في الآية قوله: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ فقوله: (أُسَرِّحْكُنَّ) أي: أطلقكن.
و
الجواب
أن التسريح في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] معناه أعم من التطليق، كما يقال: يغدو عليهم بسارحة لهم، ويقال: سرحت البهيمة، أي: تركتها وأرسلتها؛ لأن الفلاحين يقولون: نحن سنروح في الصباح بالبهائم لترعى، إذاً: فالتسريح أعم من التطليق.
ولذلك قال أهل العلم في باب ألفاظ الطلاق: ألفاظ الطلاق ثلاثة: طلقتك، وهذا لا يحتاج إلى نية عند التلفظ به، ولا يحتاج إلى سؤال عن النية، كأن تقول: طلقتك، أو أنتِ طالق، لكن هناك لفظان يحتاجان إلى نية وهما: سرحتك، وفارقتك؛ لأن فارقتك تحتمل الطلاق، وتحتمل غير الطلاق، كذلك التسريح يحتمل الطلاق ويحتمل غير الطلاق، فالتسريح من الكلمات التي تعددت معانيها.
قال الله : ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠] فأتى بقوله: (وَاسِعًا) من جنس (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) فالآيات في الغالب تختم باسم من أسماء الله سبحانه أو صفة من صفاته موافقة للأحكام التي فيها، ولما يريده الله منك.
أي: إذا كنتِ يا أيتها المرأة التي تزوجت من زوج مؤذٍ لا يراقب الله ولا يراقب رسول الله، ولا يقيم حدود الله فيك، ويمنعك من إقامة حدود الله في نفسك، فلا تتردي في مسألة الطلاق ولا تخافي، ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:١٣٠] .
ويا أيها الرجل يا من تزوجت بامرأة شريرة لا تساعدك على إقامة حدود الله، وتخونك إذا خرجت، إن الله لم يضيق عليك، فإن تفارقها يغنك الله .
فالطلاق ليس في كل الأحوال شراً، وليس في كل الأحوال أيضاً خيراً؛ لما فيه من تشتيت للأولاد وتشريد لهم، والله أعلم.
стр. 409
تفسير قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ .)
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] .
هذه هي الوصية الجامعة التي وصى الله بها أمة محمد ﵊، ووصى بها الأنبياء، ووصى بها الرجال، ووصى بها النساء، ووصى بها الناس أجمعين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء:١٣١] وهم اليهود والنصارى، (وَإِيَّاكُمْ) أي: ووصيناكم أنتم أيضاً ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] فهي وصية وصى الله بها أهل الكتاب، ووصى بها النبي ﷺ حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] ووصى بها النساء حيث قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢] .
وجاءت الوصية بها في عدة آيات، وفي جملة أحاديث لا تكاد تستقصى.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] وقد تقدم تفسير التقوى، واتقوا من الاتقاء ومنه قول الشاعر: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد أي: غطت وجهها بيدها.
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١] أي: أن كفركم لا يؤثر في الله شيئاً، قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: (يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) أي: إن تكفروا فاعلموا أنكم لن تعجزوا الله ولن تؤثروا شيئاً فيما عند الله ، ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ [النساء:١٣١] أي: غنيّاً عنكم إن لم تتقوه، ﴿حَمِيدًا﴾ [النساء:١٣١] لكم إن اتقيتموه.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٣٢] .
стр. 410
تفسير قوله تعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ .)
قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء:١٣٣] وفي معناها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥] .
فالذي لا يتقي الله لن يضر الله شيئاً وإنما يضر بالدرجة الأولى والأخيرة نفسه، والله في غنىً عن عبادته: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] .
فقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء:١٣٣] هي كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] .
ثم قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء:١٣٣] .
стр. 411
تفسير قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا .)
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤] .
أثبتت الآية صفة السمع والبصر لله ، (وقد تلا النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] ، ووضع النبي ﷺ إحدى إصبعيه على أذنه والأخرى على عينه) ، فاستنبط بعض العلماء من ذلك إثبات صفة العين وكذلك صفة السمع لله .
стр. 412
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ .)
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] وهي كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] .
قوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] تحتمل عدة معانٍ أي: ترجون بشهادتكم وجه الله .
стр. 413
بيان اللي ومعناه وعقوبته
فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء:١٣٥] : فاللي يطلق على معانٍ: ومنها قول النبي ﷺ : (لي الواجد ظلم يحل عرضه ويحل عقوبته) أي: ممطالة الغني المديون ظلم، كما لو كان لك دين عند شخص غني والغني يماطل، فمماطلته تسمى: ليّ، فالرسول يقول: (لي الواجد ظلم يحل عرضه) يعني: يجوز لك أن تقول: فلان أكل مالي أو فعل بي وفعل بي وفعل؛ بقدر المظلمة.
﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء:١٣٥] أي: عن الحق ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥] .
стр. 414
الشهادة بالحق في كل الأحوال
فالعدل به قامت السماوات والأرض، ومن ثم قال رسولنا ﵊: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد ﷺ يدها، إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] أي: ولو على نفسك، ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] معنى الآية: لو أن شخصاً كان شاهداً في خصومة بين فقير وغني، فقد يطمع الشاهد في مال الغني ويقول: أشهد للغني لعله يعطيني، أو يعينني على وظيفة، والثاني بالعكس تجده يقول: لا.
الأغنياء هم كذا وكذا، فلابد أن أخرب بيوتهم، ويشهد للفقير، والله يقول: ليس ذلك من حقك ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] أي: إن كان غنياً أو فقيراً فما عليك إلا أن تشهد بالحق فقط، ليس لك أن تجامل هذا لغناه، ولا أن تعطف على هذا لفقره.
فالحقوق شيء والإصلاح شيء آخر، ففي الإصلاح بين الناس يجوز لك أن تقول للغني: يا فلان! لو تترك من حقك للفقير شيئاً قليلاً، فهذا في الإصلاح لا في الأحكام، فكل شخص في الأحكام يأخذ حقه مستوفى، فله أن يتنازل أو لا يتنازل، فهذا الشيء يرجع إليه.
قال الله ﵎: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا﴾ [النساء:١٣٥] أي: إن يكن المشهود له أو المشهود عليه غنياً أو فقيراً، فالله أولى بهما منك.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء:١٣٥] أي: إذا حاولت أن تؤولها بأي طريقة حتى تصل إلى مرادك وشهوتك فاعلم أن الله مطلع عليك، ومن ثم يقول الرسول ﵊: (إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار إن شاء أخذها وإن شاء تركها) فهناك أناس سحرة يسحرون بالكلام.
ومن ثم لما رمت امرأة ضرتها بحجر في بطنها، وكانت المضروبة حاملاً فسقط الحمل، فقضى النبي ﵊: أن على العاقلة غرة عبداً أو أمة، أي: عليهم أن يقوِّموا عبداً أبيض أو أمة بيضاء ويدفع القيمة للمضروبة، فجاء رجل وقال: (يا رسول الله! كيف ندي من لا شرب ولا أكل، ولا نفخ ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟!) يعني: كيف تغرمني قيمة واحد لم يأكل ولم يشرب، ولم يتكلم، ولم يستهل، ولم يخرج من فرج أمه، فمثل ذلك يطل؟! أي: هدر، فقال النبي ﵊: (إنما هذا من إخوان الكهان) ؛ لأنه يحاول بهذه الألفاظ أن يضيع الحقوق الشرعية.
стр. 415
إقامة الشهادة لله تعالى
فيجب أن تكون شهادتك لله ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] والقسط يطلق على العدل، فمنه قول أبي طالب في لاميته: بميزان قسط لا يخيس شُعيرة له شاهد من نفسه غير عائل ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] وقد روي بإسناد ضعيف (أن عبد الله بن رواحة ذهب إلى اليهود ليقضي فيهم، حيث كانت بينهم وبين رسول الله خصومة، فأرسل ابن رواحة ليحكم في القضية، فقال: يا معشر يهود! والله لقد جئتكم من عند أحب خلق الله إليّ، والله يعلم إنكم أبغض خلق الله إليّ، ولكن لا يحملني حبي له وبغضي لكم على أن أقضي فيكم بغير الحق، قالوا: يا ابن رواحة بهذا قامت السماوات والأرض) فبالقسط وبالحق قامت السماوات والأرض.
فهكذا ينبغي أن تكون الشهادات، أن لا تشهد إلا بالذي رأيته، ولا تشهد بما فهمت، أنت إذا وجدت واحداً يضرب واحداً تقول: رأيت فلاناً يضرب فلاناً، ولا تقول: ضربه لأنه فعل كذا وتشهد بناءً على ظنك وتأويلاتك، فهذا لا دخل لك فيه، اشهد فقط بما رأيت لا بما علمت؛ لأن الاستنباط في الشهادة إنما هو للقضاة، فدع الاستنباط لأهله، وما عليك إلا أن تشهد بالذي رأيت فقط، وأن تحكي الذي رأيت، وأن تقول الذي سمعت، والقضاء فيه قوم أذكياء يعرفون كيف الاستنباط.
ومن قصص داود ﷺ في هذا الباب مع سليمان، ورد عند ابن عساكر بأسانيد ينظر فيها: (أن في زمن داود ﵇ كانت هناك امرأة حسناء، فجاء أربعة من الرجال كلهم من أشراف القوم، كل يراودها عن نفسها على انفراد، فرفضت الأربعة، فاتفقوا فيما بينهم أن يشهدوا عليها عند داود ﵊.
فذهبوا إلى داود وقالوا: يا نبي الله! هذه المرأة مكنت من نفسها كلباً، أي: جعلت كلباً يزني بها، وشهدوا بذلك وأقسموا الأربعة، فحكم عليها بالرجم، فخرجت من عند داود ﵊.
وكان سليمان جالساً، وسمع القضية والذي حدث فيها، فقال: انتظروا فذهب وأتى بأربعة شباب وأتى برجل آخر غير شاب ونصب قضية صورية يعني: حتى يذكر والده بالذي حدث، فالأربعة جاءوا وقالوا: إن هذا الرجل قتل كلباً لنا، والقضية أديرت مرة ثانية أمام داود ﵊؛ أدارها سليمان، والأربعة أقسموا بالله أنه قتل الكلب، قالوا: نعم نقسم بالله العظيم أنه قتل الكلب، فأخرجهم سليمان ﷺ وأدخلهم أمام أبيه واحداً واحداً فسأل الأول: ما هو لون الكلب؟ قال الأول: أحمر، قال: انتظر هنا، دخل الثاني: ما هو لون الكلب؟ قال: أسود.
فاختلفوا فتبين أنهم كاذبون؛ لأن كل واحد أتى بلون جديد للكلب، فانتبه داود ﷺ ، وعرف أن الذي حدث خطأ، وأنه كان ينبغي أن يتحرى في هذه المسألة وخاصة وفيها رجم، ويسأل كل واحد على انفراد، ورد الحكم عليهم مرة ثانية) .
لكن هل يؤخذ بالتفريق بين الشهود دائماً؟ لا يؤخذ به دائماً؛ فقد وردت لطيفة من اللطائف يذكرها الإمام الشافعي ﵀ يقول: شهدت أمي عند قاضٍ بمكة هي وامرأة أخرى على قضية، فالقاضي أحب أن يفرق بينهما ويسمع من كل واحدة كلامها مستقلاً، فقامت أم الإمام الشافعي وقالت: ليس لك ذلك، إن الله يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] تعني: هي تذكرني إذا نسيت.
إذاً فالقاضي ليس له أن يفرق بين الشهود في كل المواطن.
стр. 416
المبادرة بالشهادة وخير الشهداء
وهل يستحب للشخص أن يبادر ويشهد إذا رأى شيئاً، أو يستحب له أن يصمت ولا يشهد؟ قال النبي ﷺ : (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسْأَلَها) وقال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام يشهدون ولا يستشهدون) أي يشهدون بدون أن تطلب منهم الشهادة، فهم قوم سوء؛ فكيف نجمع بين الحديث الأول والحديث الثاني؟ قوله ﵊: (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) ، هذا في الشهادة التي بها تقام الحقوق، وستضيع الحقوق إذا لم تشهد، مثلاً: أنت رأيت شخصاً يقتل آخر، ثم انصرف القاتل، وأنت الشاهد، فأنت إذا سكت ضاع دم المسلم، لكن إذا جئت وقلت: يا ناس! إن فلاناً قتل فلاناً؛ تشهد على ذلك، فأنت بشهادتك حفظت الاثنين، فإن القاتل إما أن يقتل فيكون قتله كفارة له وإنجاءً له من عذاب الله سبحانه، لأن الحدود كفارات لأهلها، والنبي ﷺ قال: (من أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له) وتكون أيضاً قد حفظت لأخيك المقتول حقوقه.
فقوله: (خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) يحمل على ما إذا كانت الحقوق ستضيع، وجبن الناس عن الإدلاء بالشهادة وما بقي إلا الشهادة التي ستقوم أنت بها، فحينئذٍ إذا تقدمت بالشهادة فأنت خير الشهداء إذا جبن الناس.
أما حديث: (يشهدون ولا يستشهدون) فمحمول على القوم الذين يسرعون بالشهادة للمجاملات، ويسرعون بالشهادة طلباً لمتاع الحياة الدنيا، ويسرعون بالشهادة أيضاً ويكذبون فيها، فكل ذلك وارد، والله وتعالى أعلم.
стр. 417
تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] لأهل العلم في ذلك أقوال: القول الأول: أن المراد بالذين آمنوا: الذين صدقوا محمداً ﵊، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] أي: اثبتوا على إيمانكم وازدادوا إيماناً، فأفادت الآية على هذا القول من التأويل أن الإيمان يزيد، وقد قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] ، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤] .
فـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] أي: طلب لزيادة الإيمان وللثابت على الإيمان.
القول الثاني: أن المراد الذين آمنوا من أهل الكتاب، أي: يا أيها الذين آمنتم بعيسى وبموسى ﵉ آمنوا بمحمد ﷺ .
القول الثالث: أنها في أهل النفاق، أي: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ولما يدخل الإيمان إلى قلوبهم، بادروا وادخلوا الإيمان إلى قلوبكم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] لكن سياق الآية يجعل الحمل على أهل الكتاب أولى، أي: فيا من آمنتم بعيسى، ويا من آمنتم بموسى آمنوا بالله وبرسوله محمد، وبالكتاب الذي نزله الله على رسوله محمد ﷺ ؛ لأن سورة النساء نزلت في المدنية، والذين كانوا فيها يهود، وكان فيها أهل كتاب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] : الكتاب قد يأتي اسماً مفرداً وقد يأتي ويراد به الجنس، فقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] : يعني والكتب التي نزلت من قبل.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] أي: من يكفر برسول الله فقد كفر بعموم الرسل، ومن يكفر بملك فقد كفر بجميع الملائكة، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] والضلال: الذهاب عن القصد، فمعنى ضل ضلالاً بعيدا: ذهب مذهباً بعيداً عن طريق الصواب.
والله أعلم.
стр. 418
تفسير سورة النساء [١٣٨-١٤٦]
كان الناس في بداية دعوة النبي ﷺ منقسمين الى قسمين: كفار أصليون، ومسلمون، ولم يعرف النفاق إلا في المدينة بعد هجرته ﷺ ، فظهر من هؤلاء من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، ومن يرائي بصلاته وصيامه، وقد ذكرت هذه الآيات من سورة النساء أهم صفات المنافقين، والوعيد الذي ينتظرهم في يوم القيامة، إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله تعالى.
стр. 419
تفسير قوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٨-١٣٩] .
стр. 420
العزة لا تطلب إلا من الله سبحانه
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء:١٣٩] الهمزة للاستفهام تحمل معنى التعجب والإنكار والتوبيخ (أيبتغون عندهم العزة) وهذا الحاصل: فإن كثيراً من الناس ومن الحكام يوالون أهل الكفر من اليهود والنصارى، ويتقربون إليهم طلباً للتعزز بهم وللتحصن بهم.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩] أي: من كان يطلب العزة فليطلبها من الله، وليطلبها بطاعة الله وامتثال أوامره، أما الكفار فليس عندهم إلا الذلة، قال سبحانه: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ﴾ [هود:١١٣] .
فإذا ركنت إلى أهل الظلم والجور والكفر طلباً للعزة منهم فقد خاب ظنك وضل سعيك، فإن الله قال: (فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) ، وقال تعالى: ﴿تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨] .
فالآية محذرة لكل من سولت له نفسه أن يوالي الكفار ويطلب العزة من عندهم، فإنه إن فعل فقد عصى ربه، ومن عصى ربه استحق أن يذل، فتنعكس عليه الغاية وهو لا يشعر.
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩] أي: إن كنت تريد العزة لنفسك فاعلم أن العزة لله جميعاً، وقد قال الله سبحانه في الحديث القدسي: (العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قذفته ناري) لكن إن كانت العزة بمعنى التقوي بالله، وكان طلبها طلباً للتعزز على أهل الكفر والتقوي عليهم؛ فهذا باب آخر يجوز للشخص أن يطلبه، فإن الله تعالى قال: ﴿تُُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] وذكر أنه سبحانه يعز من يشاء.
أما العزة التي بمعنى الاستعظام في النفس والتكبر والتجبر على عموم الخلق، فهي مذمومة ولا تكون إلا لله .
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٣٩] هي لله وهي من الله أيضاً.
стр. 421
موالاة الكفار وعلاقتها بالنفاق
موالاة الكفار: هل هي من نفاق الاعتقاد، أم من نفاق العمل؟ الله يقول في هذه الآية الكريمة: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٣٨] ، ثم ذكر الله خصالهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٣٩] فهذا نفاق، لكن هل هو نفاق اعتقاد، أو نفاق عمل؟ هذا مبني على القصد من وراء تلك الموالاة، فإذا كان الشخص يوالي الكافرين حباً لدينهم، وتفضيلاً لدينهم على دين الإسلام، فهو منافق نفاق اعتقاد قال الله سبحانه في أهله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥] ، أما إذا كان يوالي الكفار طلباً للدنيا وحباً لها، وطمعاً في مال أو في جاه أو في رئاسة، أو في أي غرض من أغراض الدنيا فهو نفاق عمل.
وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بمكة خطاباً يخبرهم فيه بأمر رسول الله ﷺ ، وبأن النبي ﷺ يستعد لغزوهم، فلما أطلع الله نبيه ﵊ على الذي كان من حاطب بن أبي بلتعة قال عمر: (يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق؛ إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فقال النبي ﷺ : يا حاطب! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! والله ما بي من كفر، ولا أعدل بالإسلام ديناً -أو كما قال- ولكني نظرت فإذا كل أصحابك يا رسول الله لهم بمكة من يدفع الله به عن أهلهم ومالهم، وكنت امرأً ملصقاً بالقرشيين، فأردت أن أتخذ عندهم يداً يدفع الله بها عن أهلي ومالي، فقال النبي ﵊: صدقت، ولا تقولوا له إلا خيراً) .
وفي رواية أخرى: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) .
فإن كانت الموالاة طلباً لجاه أو لدنيا، فلا تخرج صاحبها من عداد المسلمين إلى عداد الكفار، وإن كانت هي في نفسها نفاقاً وحراماً وكبيرة من الكبائر؛ لكن كونها تُكفّر صاحبها وتخرجه من عداد المسلمين إلى عداد الكفار فيه نظر.
فالحاصل: أن العبرة بالقصد من وراء موالاة أهل النفاق، فإن كان الشخص يواليهم حباً لدينهم فهو مثلهم، وإن كان الشخص يواليهم لدنيا فهو آثم لكنه ليس بكافر، والله أعلم.
قد يقول قائل: إن قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يفيد: أنهم كفار؟ فالإجابة على هذا الذي قد يرد: أنه إذا قلنا هنا إن المراد بالعذاب الأليم الخلود، فيراد بالمنافقين: منافقي الاعتقاد.
أما إذا قلنا إن العذاب الأليم قد يلحق قوماً من أهل الإسلام، فإن النبي ﵊ يقول: (اطلعت على النار فرأيت أكثر أهلها النساء، قيل: بم يا رسول الله؟ قال: يكثرن الشكاة ويكفرن العشير) ، فكثرة الشكوى وكفران العشير أودى بالنساء إلى النيران، ومع ذلك لسن بكافرات، والمفلس كذلك يلقى في النار وليس بكافر، ثم بعد ذلك يخرج منها، بل وصاحب نبي الله ﷺ وخادمه الذي كان يخدمه قتل ومات مع النبي في غزوة، فقال الصحابة: (هنيئاً له الجنة! قال النبي ﷺ : إن الشملة التي غلها يوم خيبر لم تصبها المغانم لتشتعل عليه ناراً) .
الشاهد: أن المنافقين هنا إذا قلنا إنهم منافقو الاعتقاد فلا إشكال (فلهم عذاب أليم) أي: عذاب الخلود، وإذا قلنا: إن النفاق نفاق عمل فكل عذاب النار مؤلم وموجع، فقد قال النبي ﷺ : (إن أدنى أهل النار منزلة: من له شراكان من نار يغلى منهما دماغه) أي: نعلان من نار يغلي منهما دماغه.
стр. 422
تقييد البشارة بالخير وبالشر
أما إذا قيدت البشارة فأحياناً تقيد بالخير وأحياناً تقيد بالشر، أما تقييدها بالخير فأكثر من أن يحصر، وأما تقييدها بالشر ففي هذه الآية الكريمة: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٣٨] ، وفي قول النبي ﷺ : (وحيثما مررت بقبر مشرك فبشره بالنار) ، وهنا قيدت البشارة وأريد بها البشارة بالشر.
стр. 423
أنواع النفاق
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٣٨] ، والنفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق عمل، ونفاق اعتقاد.
فنفاق الاعتقاد: قال الله في أهله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥] .
ونفاق العمل: من صوره قول النبي ﷺ : (علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) ، وقول النبي ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً: إذا حدّث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا اؤتمن خان) أو قريباً من هذا اللفظ.
فالشاهد: أن النفاق يكون على قسمين: نفاق عمل، ونفاق اعتقاد.
نفاق الاعتقاد: أن يبطن الشخص الكفر في قلبه ويظهر الإسلام، وكانت هذه التسمية -تسيمة النفاق- على عهد النبي ﷺ ، أما بعد عصر النبي ﷺ فيطلق عليها الزندقة التي هي: إبطان الكفر وإظهار الإسلام.
ونفاق العمل قد ذكرنا بعض صوره.
стр. 424
الأصل أن تستعمل البشارة في الخير
قوله تعالى: (بشر) : البشارة أكثر استعمالها في الخير، وإذا أطلق التبشير فهو محمول على التبشير بالخير، قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] ، فالبشرى هنا أطلقت فهي محمولة على البشارة بالخير: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ فهي محمولة على البشارة بالخير، على اختلاف بين العلماء في معنى هذه البشارة: فمنهم من قال: هي الرؤيا الحسنة يراها العبد المؤمن أو ترى له.
ومنهم من يقول: هي الثناء الحسن يسمعه الشخص المؤمن من الناس يثنون عليه به إلى غير ذلك؛ لكن على كلٍّ هي في الخير.
فالبشارة إذا أطلقت ولم تقيد فهي محمولة في الغالب على الخير، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧-١٨] ، فهي بشارة أيضاً بالخير.
стр. 425
تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا .)
قال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء:١٤٠] .
(نزل عليكم في الكتاب) : فُسر ذلك بالذي ورد في سورة الأنعام، فسورة الأنعام وإن كانت في ترتيب المصحف بعد سورة النساء إلا أن سورة النساء نزلت بعد الأنعام، وسورة النساء وإن كانت الثالثة في المصحف إلا أنها نزلت بعد الأنعام التي وردت بعدها بسورة.
فترتيب المصحف الذي هو بين أيدينا ليس ترتيباً زمنياً، فأول ما نزل سورة العلق، ولكن الفاتحة وضعت أول شيء وهي مكية، ثم ثنيت وأتبعت بالبقرة وهي مدنية، فترتيب المصحف على النحو الذي هو عليه الآن ليس ترتيباً زمنياً.
فالشاهد أن الله قال: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [الأنعام:٦٨] بعد أن تتذكر وبعد ما جاءك من هذه الموعظة ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] .
فهذا تأويل قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب) كما حرره كثير من أهل التفسير.
следующие страницы →