← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأسئلة

стр. 352

حكم جمع الصلاتين جمع تقديم السؤال يسأل الوالد هل يجوز له أن يجمع صلاة الظهر مع صلاة العصر جمع تقديم؟ الجواب بالنسبة لجمع صلاة الظهر مع العصر جمع تقديم، يشهد له فعل الرسول ﵊ بعرفات؛ لأن الرسول بالإجماع صلى العصر في وقت الظهر، وهذا متفق عليه، وكان مسافراً فصلى الظهر مع العصر جمع تقديم، ووردت رواية في إسنادها إشكال فقهي أو حديثي من طريق قتيبة بن سعيد بن جميل لن نتعرض لها، وفيما ذكر يكفي بالنسبة لجمع التقديم بين الظهر والعصر. أما أن تجمع العشاء مع المغرب جمع تقديم فلا أعلم أي حديث ثابت في هذا إلا حديث ابن عباس ﵄ وهو مطلق، قال: (صلى النبي ﷺ الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، سبعاً وثمانياً -أي: جمعاً- من غير عذر من خوف ولا مرض ولا سفر) ولم يذكر أنه جمع تأخير. ومعنى: سبعاً وثمانياً: أي: الظهر مع العصر ثماني ركعات مجتمعة، والمغرب مع العشاء سبع ركعات مجتمعة. ولم يذكر في الحديث أنها تقديم ولا تأخير، وهذا يستأنس به لمن قال بجمع التقديم، لكن كنص صريح في المغرب والعشاء أنها قدمت فلا أعلم شيئاً فيه، والله أعلم.

стр. 353

قصر الصلاة للمسافر السؤال هل يقصر الرجل في بيت ولده إذا كان ولده في بلدة أخرى أم يتم؟ الجواب يقصر في بيت ولده، إذا كان بلدة بلد الولد مسافة قصر كالقاهرة وأنت مثلاً في المنصورة فيقصر.

стр. 354

حكم تحديد مسافة القصر بثلاثة أيام السؤال هل يقصر لمدة ثلاثة أيام فقط؟ الجواب لا نعلم دليلاً على تحديد أيام القصر، والذين استدلوا على تحديد القصر بثلاثة أيام أو بعدد معين من الأيام أدلتهم صحيحة لكنها ليست صريحة، فـ ابن عباس -مثلاً- يقول: (إن الرسول ﵊ سافر تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة) فإذا زدنا عن تسعة عشر يوماً أو سبعة عشر يوماً أتممنا، وإذا أقللنا عن تسعة عشر يوماً قصرنا، وهذا وجه عليه مأخذ؛ لأنه ما أدراك أن الرسول ﷺ إذا مكث شهراً سيتم؟! أما الآخرون فقد أخذوا من فعل الرسول ﵊ في الحج حيث مكث في الحج يوم النحر الذي هو العاشر من ذي الحجة، ويوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر إلى وقت الزوال، ثم صلى الظهر بمزدلفة، فقالوا: إن صلاة الفجر التي صلاها الرسول ﵊ في منى يوم الثالث عشر مكان صلاة الفجر التي صلاها في مزدلفة يوم النحر؛ لأنه ﵊ لم يصل الفجر يوم النحر في منى، بل جلس في منى يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، إن سلم لهم بهذا القول. وقد بنوا على أن الرسول ما مكث مدة متصلة يقصر فيها الصلاة إلا هذه الثلاثة الأيام، لكن السؤال أيضاً يرد عليهم: من أخبركم أن الرسول ﷺ إذا مكث أكثر لم يتم بل لم يقصر؟ ابن عباس ﵁ عدّ المدة التي خرج فيها الرسول ﷺ من المدينة إلى أن رجع المدينة، فالرسول ﵊ تحرك من المدينة إلى الحج يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، وتحرك من مكة راجعاً يوم الثالث عشر، ولا أدري كيف حسبها ﵁ لكنها وصلت إلى تسعة عشر يوماً. لكن الأدلة ليست صريحة، ولذلك اختار عدد من العلماء المتحررين من التقليد أن الشخص إذا مكث أي مدة مادام مسافراً ولم يتخذ دار إقامة أن له قصر الصلاة، والله أعلم.

стр. 355

حكم صلاة الفجر جماعة بنية السنة الراتبة السؤال هل يجوز لرجل أن يصلي جماعة وفي نيته أن يصلي سنة الفجر وبعد ذلك يصلي الفرض منفرداً وهذا خاص بصلاة الفجر؟ الجواب الذي يظهر أنه لا يجوز، بل يصلي معهم الفجر، والله تعالى أعلم.

стр. 356

تحديد مدة قصر الصلاة للمسافر السؤال رجل سافر لقضاء مهمة كلف بها، ولا يعلم وقت انتهاء مهمته، فكم يجوز له أن يقصر في سفره؟ الجواب الذي يظهر -والله أعلم- أنه يقصر مادام مسافراً؛ للعمومات، فإن عائشة قالت: (فرضت الصلاة مثنى مثنى، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر) فليس هناك دليل يقيدها بوقت والله أعلم.

стр. 357

تثاؤب النبي ﷺ السؤال هل ثبت في السنة أن الرسول ﵊ كان يتثاءب؟ الجواب الله أعلم، لا أعلم شيئاً إلا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] ، وقوله ﵊: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) ، وفي المقابل: (ما منكم من أحد إلا ووكل به قرينه، قال: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) لكن كتحديد المسألة لا أعلم.

стр. 358

العلة في النهي عن كل خليطين السؤال هل النهي عن كل خليطين كالزبيب والتمر مثلاً بسبب الإسكار؟ الجواب النهي عما يسبب الإسكار، وانتهى الأمر على هذا، لكن النهي عن الخليطين من باب سد الذريعة، فإذا خلط الزبيب والتمر مثلاً تم الإسكار بسرعة، فيأتي شخص يشرب ولا ينتبه أن المشروب أصبح مسكراً، فسداً للذريعة منع الخلط على هذا النحو، والله سبحانه أعلم.

стр. 359

حكم أخذ الناذر من المنذور به السؤال أخت نذرت لله أن تذبح خروفاً وتوزعه على الفقراء إذا شفى الله ابنها، وقد تم ذلك بحمد الله، فهل لها أن تأخذ من الخروف شيئاً؟ الجواب إذا نذرت أن توزعه على الفقراء فليس لها أن تأخذ منه شيئاً، أما إذا نذرت مجرد ذبح الخروف فقط فلها أن تأخذ منه قسطاً لنفسها، والأولى الترك.

стр. 360

تفسير سورة النساء [١٠٥-١١٥] لقد نزل القرآن الكريم توجيهاً وإرشاداً وتأديباً لأتباعه، ومن ذلك إرشاده في طريقة الحكم، وفي التعامل مع أهل الخيانة والغدر والكيد، والإنكار على من يدافع عنهم، وتفخيم ما يرتكبه أهل الخيانة ثم يلصقون جريمتهم بغيرهم، وفتح أبواب التوبة لمن يعمل مثل هذه الأعمال ليعود إلى ربه تعالى، ومن ذلك الإرشاد إلى مواطن الكلام المحمودة والأجر فيها، وبيان العاقبة لمخالفي الرسول ﷺ وسالكي غير طريق المؤمنين.

стр. 361

تفسير قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ... ) والفائدة العقدية فيه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥] . قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا) استُدِلَّ بهذه الآية على مسألة العلو. أي: أن الله في السماء مستوٍ على عرشه، أما وجه الاستدلال: فالقرآن منزل من عند الله، والنزول يكون من أعلى إلى أسفل، وقد تواردت الأدلة على ذلك، حتى ذكر بعض أهل العلم أنها تقارب ألف دليل من الكتاب والسنة، ومقتضيات العقل والآثار عن السلف كلها تثبت علو الله وأنه في السماء. من ذلك: قول الله ﵎: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] ، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] . وقال النبي ﷺ : (ثم عرج بي إلى السماء السابعة) ، وعندها فرضت الصلوات على رسول الله ﷺ ، وقال ﵊: (ينزل الله في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟) ، وقال النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، فقال لسيدها: أعتقها فإنها مؤمنة) ، إلى غير ذلك من الأدلة. قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ) أي: يا محمد. (الْكِتَابَ) هو القرآن. وقوله تعالى: (بِالْحَقِّ) اختلف فيه أهل العلم: فمن العلماء من يقول: إن قوله تعالى: (بالحق) أي: مشتملاً على الحق، فهذا الكتاب مشتمل على الحق، فكل ما فيه حق. ومن أهل العلم من قال: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي: أن هذا الكتاب حقٌ أنه نزل من عند الله، لم تتلبس به الشياطين، ولم تخلط فيه الشياطين شيئاً.

стр. 362

الحكم بين الناس عمومه وخصوصه، وبماذا يكون عند العموم ؟ قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) . هل المراد بـ (الناس) العموم، فيدخل فيه الكفار واليهود والنصارى، فإذا حكم بينهم أو فيهم رسول الله ﷺ حكم فيهم بالحق، أم المراد بالناس أهل الإيمان؟ الجواب أن (الناس) لفظة عامة، ولكنها أحياناً تأتي مخصوصة بأقوام، كقول الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣] ، فتضمنت هذه الآية الأخيرة ثلاثة أصناف، فالمقول لهم ناس، والقائلون ناس، والذين جمعوا لهم ناس. فعلى القول بالعموم يكون معنى قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاس) ، أن الرسول ﷺ يحكم أيضاً بين اليهود والنصارى بما أراه الله ، فتأتي مسألة فقهية: هل الحاكم يحكم بشريعة الإسلام في اليهود والنصارى أيضاً، أم أنه يحاكمهم بشرعتهم؟ وهل يلزمه أن يحكم بينهم، أو هو مخير بين الحكم والترك؟ في الباب: قول الله تبارك تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة:٤٢] فهذه الآية وهي قوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) تخير رسول الله ﷺ إما أن يحكم بينهم إن شاء، أو يعرض عنهم إن شاء، ثم جاء بعدها قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩] ، فمن العلماء من قال: إن الأخيرة نسخت الأولى، وأصبح لزاماً إذا تحاكم إلى الرسول ﵊، أو إلى الحاكم قوم من أهل الكتاب أن يحكم بينهم. وقد ورد في ذلك حديث المرأة والرجل اليهوديين الذين زنيا، فقال قومهم: نذهب إلى محمد ﷺ فنسأله عن الحكم فيهما؛ لأن اليهود كانوا قد غيّروا حكم الله الذي هو الرجم وبدلوه إلى التحميم لما كثر الزنا في أشرافهم، فكان الحد يقام على الوضيع دون الشريف، فاصطلحوا فيما بينهم -أي: اليهود- على شريعة وعلى قانونٍ للزاني والزانية ألا وهو التحميم، فقالوا: إن من زنا يؤتى به وبالمرأة التي زنا بها ويركبان على حمار ظهره لظهرها ويحممان، ومن العلماء من قال: يطليان بالسواد، ويطاف بهما في الأسواق، وهذا ليس من شريعة الله إنما شيء اصطلح عليه اليهود في شأن الزناة. فلما زنا رجل وامرأة منهم قالوا: نذهب إلى محمد ﷺ ، فإن رخص لنا اعتذرنا إلى ربنا بأن نبياً من أنبيائك قال: ليس عليهما رجم، وإن لم يرخص لنا لم نطعه، فذهبوا إلى النبي ﷺ ، فقال: (أناشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة بشأن الزناة؟ ، فقرأ أحدهم ما في التوراة ووضع يده على آية الرجم -كما في سنن أبي داود - فقال له عبد الله بن سلام ﵁-وكان عالماً من علماء اليهود وقد أسلم-: ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي آية الرجم مثبتة، فحكم عليهما النبي ﷺ بالرجم) ، فالحاصل: أنهم أتوا إلى رسول الله ﷺ فحكم بينهم. وقوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ... ) ليس المراد به أن القرآن نزل ليحكم به رسول الله ﷺ فحسب، بل نزل للحكم به، وللتذكير به، وللتحذير به، ولبيان خبر ما سلف، وخبر ما هو آت. إلى غير ذلك، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥] وغيرها من الآيات. إذاً: قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) أي: بما شرعه الله لك، وبما أوضحه الله لك، (وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) أي: مخاصماً مدافعاً عنهم.

стр. 363

تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ... ) ومن يراد به قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٠٦] أي: إن كانت زلت قدمك أو لم تزل في مسألة فاستغفر الله إنَّ اللَّه كان غفورًا رحيمًا. إذا كان النبي ﷺ أمر أن يستغفر الله فغيره كذلك يؤمر أن يستغفر الله، وهذا هو دأب أهل الصلاح أنهم يكثرون من الاستغفار ويتواصون به، فقد سأل أبو بكر الصديق ﵁ رسول الله ﷺ فقال: (علمني شيئاً أدعو به في صلاتي يا رسول الله! قال: قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) ، وأم المؤمنين عائشة ﵂ سألت رسول الله ﷺ عن أفضل ما تدعو به في ليلة القدر، فقال لها: (قولي اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعف عني) فهذا شأن أهل الصلاح، في حياتهم وعند اقتراب وفاتهم، فنوح ﵇ لما أقر الله عينه بإغراق القوم الظالمين، قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح:٢٨] وقال الله لنبيه محمدٍ ﵊ -والناس له تبع-: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٠٦] . إن قال قائل: هل يصدر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذنب دون الكبيرة؟ أو هل يصدر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كبائر ابتداءً؟ ف الجواب أن أهل العلم من أهل السنة والجماعة متفقون على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في تبليغ الشريعة، فإذا بلغوا عن الله شيئاً فهم معصومون في أثناء هذا البلاغ لا يخطئون فيه أبداً، ولا يهمون، وإنما أقوالهم كما قال تعالى عن نبيه ﵊: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] . وأما صدور الذنوب منهم فمن العلماء من أجاز ذلك، واستدل بحديث النبي ﷺ : (كتب على ابن آدم -والنص عام- نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها الخطو، واللسان يزني وزناه الكلام، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) أو كما قال ﵊. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١-٤] . واستدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ بعد قبوله الفدية من أسارى بدر نزل عليه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٧-٦٨] فقال ﵊ لـ أبي بكر وعمر ﵄: (لقد عرض علي عذاب أصحابي أدنى من هذه الشجرة، ولو نجا منا أحد لكان أنت يا ابن الخطاب) ، فبناءً على هذا قال بعض أهل العلم بجواز الصغائر على الأنبياء. أما ما ورد في قصة موسى ﵊ وهو قوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠] فكان ذلك قبل أن يبعث موسى ﷺ ، وعقب ذلك خرج موسى ﵇ إلى مدين وبقي فيها الثمان أو العشر سنين على الأصح، ثم اتجه بعدها راجعاً إلى مصر فنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣] عند طور سيناء كما قال فريق من أهل العلم. فقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) من العلماء من قال: استغفر الله من اللمم أو من بعض الران، ومنهم من قال: هذا وإن كان خطاباً لرسول الله ﵊ إلا أن المراد به أمته؛ إذ الخطاب لرسول الله ﷺ على وجوه. أحدها: أن يكون المخاطب هو رسول الله ﷺ والمراد به هو نفسه فقط، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فقوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) خطاب لرسول الله ﷺ خاص به. الثاني: خطاب لرسول الله ﷺ يراد به هو وأمته، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١] ، فهذا يراد به هو ﵊، ويراد به أيضاً أمته. الثالث: أن يكون الخطاب لرسول الله ويراد به أمته خاصة، كأنواع الخطاب التي فيها الوصية بالوالدين، فَأَبَوَا رسول الله ﷺ كانا قد ماتا قبل بعثته ﵊. ومما استدل به على جواز الصغائر في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ما جاء في قصة آدم ﵊ وهو قوله تعالى: ﴿فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١-١٢٢] ونحوه قوله تعالى في قصة سليمان ﷺ : ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٢-٣٣] . ومن العلماء من منع ذلك تماماً، وقال في قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرِ الله) هذا خطاب لرسول الله ﷺ يراد به أمته، وإن أمر الرسول ﷺ بالاستغفار فإنما ذلك لرفع درجته وإعلاء منزلته، وتعليم أمته ﵊.

стр. 364

تفسير قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ .) قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء:١٠٧] أي: يخونون أنفسهم، ويكذبون على أنفسهم ويكذبونها، ويركبون أنفسهم الخيانة. للآية سبب نزول وإن كان متكلماً فيه إلا أن من العلماء من حسنه بمجموع طرقه، وحاصله: أن رجلاً من المسلمين سماه بعض العلماء طعمة بن أبيرق سرق شيئاً من بيت من البيوت، فعلم خبره، فلكي يبرئ ساحته أخذ هذا الذي سرقه وألقاه في بيت رجلٍ من اليهود، فذهب أصحاب السارق إلى رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله! بلغنا أنك اتهمت صاحبنا، وإنه قد نمى إلى علمنا أن الذي سرق هو فلان من اليهود، وإن شئت أن ترسل من يبحث عن الدرع في بيته فستجدها في بيته، فأرسل ﷺ من يتحقق من ذلك فوجد الدرع في بيت اليهودي، فكأن النبي ﵊ انتقلت عنده التهمة من السارق الحقيقي إلى آخر، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء:١٠٧] والخوان: كثير الخيانة.

стр. 365

تفسير قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ .) قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء:١٠٨] فالسارق فعل هذا الفعل الذي فعله -كما في سبب نزول الآية السابقة- كي يستتر أمام الناس. الآية تحث على مراقبة العبد لربه ، ولا يكن همه الأكبر أن ينجو أمام الناس، فهناك ملائكة لك بالمرصاد، وربك مطلع عليك وشهيد، واعلم أن المعية في قوله تعالى: (وهو معهم) معية اطلاع وإحاطة، وعلم ورؤية. والمعية قسمان: معية خاصة ومعية عامة، فالمعية العامة كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] فالله تعالى مع كل الناس، يطلع عليهم ويراهم ويعلم أخبارهم. والمعية الخاصة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فلا يقال: إن الله مع الكافرين، ولا يقال: إن الله مع الظالمين، فإن قيل إن الله مع الظالمين فمعية عامة، أي: أن الله مطلع عليهم يراقبهم، والله تعالى أعلم. قوله تعالى: (إِذْ يُبَيِّتُونَ) . التبييت: هو التدبير بالليل، فيتآمرون ليلاً لينفذوا ما بيتوه صباحاً، ويطلق التبييت أيضاً على الغارة ليلاً، ويطلق التبييت أو البيات على العذاب الذي ينزل ليلاً، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٧-٩٨] . وقوله تعالى: (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) . أي: يبيتون كلاماً يكرهه الله ولا يحبه. (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) .

стр. 366

تفسير قوله تعالى: (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... ) وتنزيل هذه الآية قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٠٩] . قوله تعالى: (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ) الهاء في (هؤلاء) للتنبيه، وأصلها (ألاء) ، ومنه قول الله حكاية عن موسى ﵇: ﴿قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] ، وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] فالهاء تزاد للتنبيه فيقال: (هؤلاء) . وقوله تعالى:: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء:١٠٩] هذه الآية تتنزل على المحامين الذين يدافعون بالزور والباطل من أجل عرض قليل زائل، فيقف المحامي الكذاب الأشر أمام القاضي ويدافع عن السراق والحشاشين وتجار المخدرات، وهو يعلم أن هذا تاجر مخدرات حرامي لص سارق، أو أن هذا قاتل، ومع ذلك لا يبالي أبداً، فرب العزة يقول:: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء:١٠٩] فإذا كنت -أيها المحامي- تظن أنك أنقذت صاحبك، وخرجت والناس يصفقون لك لتتقاضى الأموال، فاعلم أن هذا الذي أنجيته من الحد الذي كان يستحقه سيأتي يلعنك يوم القيامة، ويقول لك: يا ليتك تركتني حتى أقتل فأستريح من عذاب الآخرة، فالحدود كفارات. فليحذر كل محامٍ كذاب يأكل أموال الناس بالباطل من أصحابه الذين يدافع عنهم، فرب العزة يقول: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] ، ويقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧-٢٩] ، ويقول بعضهم لبعض: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧] وقوله تعالى: (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ) . أي: بالباطل، وإلا فالجدال عن الشخص بالحق مشروع ومحمود. قال تعالى: (فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيوم القيامة لا جدل؛ لأن الله تعالى قال عنه: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ) فلا أحد يتكلم بكلمة ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨] فمن المفسرين من قال: إن قوله تعالى: (وقال صواباً) . أي: كان يقول في الدنيا (لا إله إلا الله) ، ومنهم من قال: أي: يتكلم بالحق ولا يكتم الله حديثاً.

стр. 367

سعة رحمة الله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠] هنا فتح الله باب التوبة لمن أراد أن يتوب، وهذا مطرد كثيراً في كتاب الله ، فبعد أن تذكر العقوبات يفتح الله باب التوبة، كقوله تعالى في سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات:٤] ثم فتح الله لهم باب التوبة فقال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٥] أي: استغفروا الله فإن الله غفور رحيم. فهذا حث للمذنب على التوبة، خاصة إذا كان ذنبه يلحق ضرراً بالآدميين، وقد نشرت بعض الجرائد مرة قضية تنم عن أن الإيمان موجود في قلوب ناس من أمة محمد ﵊ وإن اقترفوا الكبائر، ففي بعض البلاد قُتل رجل فاتهم شخص بأنه هو الذي قتله، فأخذ الشخص المتهم، والأصل أن يحكم عليه بالإعدام، وكان للمجني عليه طفل صغير، وإذا كان للمجني عليه طفل صغير فالمحكمة تنتظر حتى يبلغ الطفل، وبعد أن يبلغ يستشار: هل ترضى بقتل قاتل أبيك أو تعفو عنه أو تقبل الدية؟ وهذا لم يكن موجوداً على عهد الرسول ﷺ ، ولكنه بنى على حديث: (ادرءوا الحدود بالشبهات) فقالوا: هذا له حق في الميراث، إذ قد يطلب الدية، فله حق أن ينتظر حتى يبلغ، فجلس الرجل مسجوناً هذه المدة الطويلة إلى أن بلغ الولد الصغير، والأم تلقنه بقولها: كيف يقتل أبوك؟! فأتي به، فقيل له: ماذا تريد من قاتل أبيك: أيقتل أو تعفو أو تقبل الدية؟ فقال: يقتل. فجاء يوم الجمعة -والقتل عندهم يكون يوم الجمعة- وأخذ المتهم كي يقتل، وفي ساحة القتل والناس تنظر أتى بالرجل الذي يقوم بالقصاص آخذاً بثوبه من ظهره، فأوقف المتهم كي يضربه، وفي هذه اللحظة قام أربعة أشخاص، فقالوا: نحن الأربعة القتلة، ونحن الذين قتلناه فلا نريد أن نتحمل إثمين، إثم قتل النفس الأولى، وإثم قتل هذا البريء ويتم أطفاله، فقام الشخص وقدم الأربعة للمحكمة وقتلوا، ورضوا بهذا خشية من عذاب الله سبحانه بتعذيب شخصين. يقول رب العزة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١١٠] ، فأي ذنب كان -يا عباد الله! - فإن رب العزة إذا علم من صاحبه صدق التوبة إليه يغفره له ويتجاوز عنه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١١١] هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] . قال تعالى: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا) وهذا جرم آخر، أن يرتكب جريمة ويلصقها بغيره وهذا قد قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٢] فلم يقتصر على كونه احتمل بهتاناً فحسب، بل احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، والبهتان: هو الكذب والزور، وفي الحديث قال النبي ﷺ : (إن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) أي: رميته وذكرته بما يكره كاذباً عليه، فأنت لم تذكره بما يكره وهو فيه فقط، وإنما ذكرته بما يكره وافتريت عليه في هذا الذي ذكرت.

стр. 368

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ .) قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣] قوله تعالى: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) يا محمد! (لَهَمَّتْ) أي: أوشكت واقتربت. (طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) الآية تبين أن المعصوم من عصمه الله ، حتى لو كان نبياً من الأنبياء، والمحفوظ من حفظه الله ﵎، ولذلك قال رب العزة: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤] فهن حافظات للغيب لا بأسوتهن ولا بقوتهن، ولا بتماسكهن، لكن قال تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] أي: بتثبيت الله لهن، فالمثبت من ثبته الله تعالى. ويقول الله لنبيه محمد ﵊: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤] ولذلك يقول الرسول ﷺ : (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ، ويوسف عليه الصلاة السلام يقول: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] . قوله تعالى: (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) أي: يصرفوك عن طريق الحق إلى الباطل، وعن القضاء الحق إلى القضاء الظالم الجائر، وَهَبْ أن الرسول صلى الله حكم على البريء أنه يستحق القتل فهنا قرر العلماء أن قضاء الدنيا لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً. فالرسول ﷺ أعقل الناس، وسيد ولد آدم، وقاض رزين عاقل، وقاض نبي، وفيه كل صفات الخير، ومع ذلك يقول: (إنكم تختصمون لدي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من أخيه وإنما أقضي على نحو مما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما اقتطع له قطعة من نار، إن شاء قبلها وإن شاء تركها) ، أو كما قال ﵊. وقد يكون القاضي عاقلاً رشيداً رزيناً متحرياً في البحث عن كل القرائن المحيطة ومع ذلك يخطئ، فقد يجيء من أسلوبه ساحر كمحامٍ كذاب ساحر يسحر القاضي بمقالاته، والرسول ﷺ يقول: (إن من البيان لسحرا) أي: من الكلام كلام سحر يغير لك الشيء عن حقيقته، فقد يكون الرجل بريئاً غاية البراءة، فيأتي محامي الخصم يتكلم فيجعله متلبساً بالقضية لا يستطيع التحرك منها، والعكس، فالقاضي يقضي على نحو مما يسمع، وليس له أن يحكم حتى بعلمه السابق، بل يحكم بالقرائن والبينات ولا يحكم بالظنون، كذلك الشهود يشهدون على نحو مما يرون، دون البناء على المخيلات والاستنباطات. وكما أسلفنا ابتداءً: أن من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من يقضي أحياناً قضاء لا يكون صواباً، فنبي الله داود ﵊ لما اختصمتا إليه المرأتان في الطفل إذ كان لكل امرأة منهما طفلٌ فجاء الذئب وعدا على طفل أحدهما وهرب به، فبقي طفل واحد، فكل امرأة ادعت أن هذا الطفل لها، فتحاكمتا إلى نبي الله داود ﵊، فجاء نبي الله داود يحكم والبينات غير واضحة، فقضى نبي الله داود ﵊ بالطفل للكبرى خطأً، لكنه مأجور ﵊، فخرجتا من عند داود وسليمان واقف على الباب فسألهما: لمن قضى بهذا الطفل؟ قالتا: للكبرى، فأتى بسكين وقال: نقطعه بينكما نصفين، فدب الحنان إلى قلب أمه الحقيقية فقالت: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فعلم بالقرينة أن هذا الطفل إنما هو للصغرى فحكم به لها. فالقاضي قد يخطئ إما لعدم توفيق الله ، أو لعدم توفر البينات، أو لعدم توفر العلم الكافي في بعض الأوقات، كما روي أن أمير المؤمنين علياً ﵁ رأى امرأة يسحبها الناس، فقال: ما هذه؟ قالوا: هذه مجنونة بني فلان زنت، فأمر بها عمر ﵁ أن ترجم، فقال: على رسلكم، فذهب إلى عمر وقال: يا أمير المؤمنين! أما بلغك أن الحد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق. ؟ وذكر الحديث، فأمر عمر ﵁ بإلغاء الحكم فلم ترجم المجنونة. فعلى كل من يقضي بين الناس أن يجتهد قدر الاستطاعة، ويسأل ربه التوفيق والسداد، فالمسدد من سدده الله، الرسول ﷺ كان يسأل ربه فيقول: (اللهم إني أسألك السداد سداد السهم) . قوله تعالى: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) أي: أنهم إذا أضلوك أضلوا أنفسهم بالدرجة الأولى، فمن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، وهذا على فرض أنه تم لهم الإضلال، ولكن لم يتم الله لهم نياتهم السيئة.

стр. 369

فضل الله تعالى على نبيه ﷺ قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣] من العلماء من قال: إن المراد بالحكمة: السنة، واستشهد بأن سنة رسول الله وحيٌ يوحى، فالمعنى يستقيم (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أي: الكتاب والسنة، وفي الحقيقة السنة كلها حكمة. ومن أهل العلم من قال: إن المراد بالحكمة هنا: الفقه في الدين. أي: تنزيل النص في المحل الذي يحتاج إليه، فلا يأتِ المرء إلى حديث رسول الله ﵊: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) ويلقيه على رجل يسرق أو يزني، ولا يأتِ عند الخوارج ويقول لهم: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة نمام) ، فهذا من عدم الحكمة، فالحكمة أن تضع النص في محله الذي يناسبه ويراد له، وهذا واضح. وأصل الحكمة: المنع، فرجل حكيم: أي: يمنعه عقله وحكمته من أن يفعل شيئاً يؤاخذ عليه، ومنه قول الفرزدق: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا أي: يا بني حنيفة امنعوا السفهاء الذين فيكم من الحديث، فإنكم إذا لم تمنعوا السفهاء سأغضب وألقي فيكم شعراً، أو أفعل بكم وأفعل. ومنه قيل لما يربط به المعز أو الحمير أو البقر حكمة؛ لأنها تحكمها وتمنعها من التصرف المخل، أو التصرف الذي لا يراد، فكذلك الرجل الحكيم يمنعه عقله وما معه من العلم أن يتصرف تصرفاً طائشاً. قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] أي: من أمور الإيمان والفقه ونحوها، فالنبي ﵊ لم يكن يعلم ما الكتاب ولا الإيمان كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] . وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] فالذي علمه هو الله فينسحب أيضاً إلى مسائل القدر أن المُعلَّم من علمه الله ، ومنه: قول موسى للخضر ﵉: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] ، وقول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:٣٢] ، فالمعلم أي علم كان، طبّاً، أو هندسة، أو صيدلة، أو علم كتابة، أو علماً شرعياً إنما علمه الله، ولذلك يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] ، فمنشأه وأصله من الله .

стр. 370

تفسير قوله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ .) قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤] . (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) . النجوى: هي الكلام الذي يتسارر به، أي: يسر بعض الناس إلى بعض به، فيحدث به الناس سراً، وأكثر الكلام الذي يتكلم به الناس كلام فارغ ليس له فائدة إن لم يكن إثماً، فرب العزة يقول: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) ، ومن العلماء من قال: (لا خير) . أي: في الكلام، فإذا فهمت المفهوم المخالف فأكثر كلامهم شر. قوله تعالى: (إِلّّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) هذا من الأمور المستثناة التي ليست بشر وهو أن يتناجى أحد مع الآخر، ويصحبه ويقول له: ما رأيك أن تتصدق اليوم، ونذهب عند فلان الفقير نزوره، وندخل البيوت نعطي أهلها، ونذهب اليوم إلى المستشفيات نعود المرضى ونعطيهم بعض ما يسره الله، وقليل الذين يتناجون بهذا. قوله تعالى: (أَوْ مَعْرُوفٍ) أي: فعل أي معروف كان، وقوله تعالى: (أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) هذه مما فرط فيها الكثير، وقد قال النبي ﵊: (تعدل بين اثنين صدقة) ، وفي رواية: (تصلح) ، و (تعدل) بمعنى (تصلح) .

стр. 371

لا قبول للعمل عند الله تعالى بدون إخلاص قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [النساء:١١٤] أي: يأمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. وقوله تعالى: (ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ) قيدٌ لذلك العمل بطلب ثواب الله، أما إذا فعله مرائياً فلا شيء له، فإن ذهب شخص يصلح ليقول عنه الناس: إنه رجل مصلح حلّال للمشاكل والعقد وكانت هذه نيته فلا ثواب له. فأفعال البر التي يثاب عليها الشخص قيد فعلها بابتغاء مرضاة الله، كما في هذه الآية وغيرها من الآيات كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] ، وقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان:٨-٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:١٩-٢٠] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الرعد:٢٢] فالذي يصبر ويثاب هو الذي يصبر ابتغاء وجه الله ، فيصبر على الفقر والبلايا، ويصبر على الأسقام والأوجاع، ولكن يرى في نيته أنه يصبر طلباً لثواب الله ومرضاته الله ، فهذا الذي يثاب.

стр. 372

تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى .) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] . قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) . أي: يخالف أمر رسول الله ﵊ من بعد ما تبين له طريق الصواب ومن بعد أن تبينت له أحكام الله وأحكام رسول الله ﷺ . ومعنى (يشاقق) : أي: يصبح في شق والرسول ﷺ في شق، فهو في ناحية والرسول ﵊ في ناحية أخرى، ورأيه في ناحية، والكتاب والسنة في ناحية أخرى، فمن يفعل هذا الفعل فيأخذ شقاً آخر غير شق رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ ويخالف ويعاند رسول الله ﷺ ، (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، ومن أهل العلم -كالإمام الشافعي رحمه الله تعالى- من احتج بهذه الآية على مشروعية الإجماع والعمل به، من قوله تعالى: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) ، وهذه المسألة عليها جماهير السلف والخلف، ومن العلماء -وهم قلة قليلة- من أبى الإجماع وقالوا: إنه يتبع كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، أما الإجماع فلا حجة فيه عندهم، فأجيب عليهم بأن الكتاب والسنة فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] ، ولأن الرسول ﵊ قال: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ، وألزموا بإلزامات فقيل لهم: هناك مسائل لا يسعكم فيها إلا أن تذعنوا للإجماع، وإلا أتيتم بمحدثٍ من القول مبتدعٍ، كما في مسألة تعدد الزوجات إلى أربع؛ إذ يقال فيها: ما الدليل على جواز الأربع فحسب؟ فإن قالوا: إن الله يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ، قيل لهم: ليس في الآية تحريم فوق الأربع، والواو أحياناً تقتضي الجمع وأحياناً تقتضي التخيير، فما الذي حملكم على أن تقولوا: إنها بمعنى التخيير؟ فإن قالوا: في الباب حديث رسول الله ﵊، وهو أن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره الرسول ﷺ أن يطلق ستاً ويبقي أربعاً، قيل لهم: الحديث معل، فلم يبق في هذا الباب حجة إلا إجماع أصحاب النبي ﷺ على ذلك؛ إذ لم يرد أن أحداً من أصحاب الرسول ﷺ تزوج فوق أربع، فصرنا إلى اعتبار الإجماع لهذا، ومما ينبغي الإشارة إليه أن من العلماء من هو متسرع في ادعاء الإجماع، كـ ابن عبد البر والنووي رحمهما الله تعالى: فكلاهما رحمة الله عليهما متسرعان في ادعاء الإجماع. إذاً: ثبت الإجماع عمل به، والإجماع على مراتب: فمن العلماء من يطلق الإجماع ويريد به إجماع الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵏، فيقول: (أجمعوا) ويقصد به الأئمة الأربعة، ومنهم من يطلق الإجماع ويقصد به نوعاً خاصاً، ومنهم من يطلق الإجماع ويقصد به إجماع أصحاب النبي ﷺ فقط، ومنهم من يطلق الإجماع على إجماع أمة محمد ﵊ كلها. وأما مقالة الإمام أحمد المشهورة (من ادعى الإجماع فهو كاذب) فلا يراد بها إطلاقها، وإنما يراد بها إجماعاً من نوع معين، وإلا فكثير من الحنابلة نقلوا الإجماع في عدة مسائل، فإذا قصد في حكاية الإجماع المعتبرين المشهورين من أهل العلم فله ذلك. والأئمة الأربعة رحمة الله عليهم أجمعين إذا أجمعوا على مسألة فرأيهم في الغالب مسدد موفق، لكن لا يكون دليلاً يعمل به؛ لأن هناك أئمة آخرون غير الأئمة الأربعة. والحمد لله رب العالمين.

стр. 373

تفسير سورة النساء [١١٦-١٢٤] التفسير هو الطريق لمعرفة كيفية التعبد وتطبيق القرآن وسورة النساء من أعظم السور، وقد تضمنت أحكاماً عدة، منها: تقرير التوحيد، وتزكية النفوس، والتحذير من عمل الشيطان.

стр. 374

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فيقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦] . قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) . أي: لا يغفر للعبد إذا مات على الشرك، أما إذا أشرك العبد بالله، وتاب من هذا الشرك؛ تاب الله عليه، وقد كان أصحاب النبي ﷺ أهل شرك وعبّاد أوثان، فلما تابوا من الشرك تاب الله عليهم. إذاً: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: إذا مات العبد على الشرك، أما إذا تاب منه قبل موته غفر له، فقد قال النبي ﷺ : (الإسلام يهدم ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها) وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ، وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] ، فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) تتنزل على أحد وجهين: الأول: أن الله يغفر الذنوب جميعاً بما فيها الشرك إذا تاب العبد منها في الدنيا. والوجه الثاني: أن الله يغفر الذنوب جميعاً إذا شاء في الآخرة إلا الشرك إذا مات عليه العبد، والله أعلم. فتقدم أن من العلماء من قال: إن هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) من أعظم آيات الرجاء في كتاب الله ، وبها يستدل على القائلين: بأن القتل لا يغفر، فإن القتل كبيرة دون الشرك. ويستدل بها على الخوارج القائلين بالتكفير بالمعاصي. وأفادت الآية -أيضاً- أن الله قد يغفر للعبد وإن لم يقل العبد: أستغفر الله، فإنك قد تذنب -أيها العبد- ذنباً ولا تستغفر الله منه ومع ذلك -أي: مع عدم الاستغفار- يغفر الله لك تفضلاً منه سبحانه، وهذا مبدأ من مبادئ أهل السنة والجماعة وأصل من أصولهم. فأهل السنة يقولون: إن الله قد يغفر للعبد إن شاء، وإن لم يتب العبد من هذا الذنب، وإن لم يقل العبد: أستغفر الله، وقد ورد ما يؤيد ذلك في قصة البغي التي كانت تزني فمرت يوماً بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فنزعت موقها فملأته فسقته، فشكر الله لها صنيعها فغفر لها، وهي لم تقل: أستغفر الله. واشترط فريق من المعتزلة أن يقول العبد: أستغفر الله، وليس على ذلك الاشتراط كبير دليل. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ﴾ [النساء:١١٦] ، الضلال: هو الذهاب عن القصد. ﴿ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦] أي: ذهب عن طريق الصواب مذهباً بعيداً، يعني: صار في اتجاه بعيد عن الصواب، فالضلال الذهاب والبعد عن القصد. ويطلق الضلال على التفرق والتيه كما تقدم: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠] أي: إذا متنا وتفرقت عظامنا في الأرض.

стр. 375

تفسير قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا .) قال الله : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء:١١٧] ، إن: بمعنى (ما) ، وهي نافية، والمعنى: ما يدعون، (من دونه) أي: من دون الله، (إلا إناثاً) والمراد بالإناث هنا: الأوثان. ومن العلماء من قال: إن كل صنم فيه جنية، واستدل البعض لذلك: بأن النبي ﷺ أرسل خالد بن الوليد ﵁ كي يقتل العزى، فلما أقبل خالد على العزى إذا امرأة ناشرة شعرها، فقال الكهنة الذين حولها: يا عزى! خبليه، -خبليه: أي: أصيبيه بالخبل والجنون- يا عزى! عوريه -وعوّريه أي: أصيبيه بالعور وافقئي عينه- وأمعنوا في الجهل، فذهب خالد وكسرها، فرجع إلى الرسول ﵊ فقال: ما صنعت شيئاً، وأرسله ثانية فوجد امرأة ناشرة لشعرها فتغشاها بالسيف، فقال بعض أهل العلم: إن خالداً قتل العزى لهذا الحديث. الشاهد: أن قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) أي: إلا أوثاناً، و (يدعون) هنا بمعنى (يعبدون) ، أي: ما يعبدون من دونه إلا إناثاً. لقائل أن يقول: إن الدعاء هنا بمعنى: العبادة، لقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف:٤٠] ، وعليه فمعنى قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء:١١٧] أي: ما يعبدون من دونه إلا إناثاً، والدعاء أحد أفراد العبادة، والعبادة أوسع من الدعاء، وقول النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة) ، من باب تعظيم شأن الدعاء، وأن له قدراً كبيراً من العبادة، كما قال الرسول ﵊: (الحج عرفة) ، فللوقوف بعرفة قدرٌ كبير وعظيم من الحج لا يتم الحج إلا به، والحج أوسع وأشمل من الوقوف بعرفة؛ ففيه طواف، وسعي، ورمي جمار، ومبيت عند المشعر الحرام، ومبيت بمنىً ونحر. إلى غير ذلك، فقول الرسول ﷺ : (الحج عرفة) ، يبين أهمية الوقوف بعرفة من الحج. كذلك قول النبي ﵊: (إن الدعاء هو العبادة) ، يبين أهمية الدعاء بالنسبة للعبادة، وقد دلّت أدلة على أن الدعاء عبادة. منها: قول رسول الله ﵊: (الدعاء هو العبادة) ، ومنها: قول الخليل إبراهيم ﵊: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ [مريم:٤٨-٤٩] وقد قدم قوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾ [مريم:٤٨] ، على قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ [مريم:٤٩] ، فاستدل به على أن الدعاء بمعنى العبادة، وكذلك استدل بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] ، وهذا أمر بالدعاء، ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ، فأفادت الآية أن الدعاء عبادة أيضاً. فذلك قول الفتية أصحاب الكهف: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الكهف:١٤] ، قال عددٌ من المفسرين: أي: لن نعبد غيره، فالدعاء في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء:١١٧] بمعنى العبادة.

стр. 376

تفسير قوله تعالى: (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:١١٨] . السؤال هل يستحب الإكثار من لعن الشيطان أو أن الذي ورد عن رسول الله ﷺ يُتبع؟ وهل يستحب بدلاً منه: الإكثار من ذكر الله؟ الجواب الظاهر الأخير، أنه يستحب الإكثار من ذكر الله ؛ وذلك لأن النبي ﵊ كما في سنن أبي داود وغيره بسند صحيح: (رأى رجلاً سقط من على الحمار فلما سقط الرجل قال: تعس الشيطان -وهذه مسبة للشيطان- فقال ﵊: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم حتى يكون مثل الجبل، وقال: بقوتي صرعته، ولكن قل: باسم الله، فإنك إذا قلت: باسم الله؛ تصاغر حتى يكون مثل الذباب) ، لكن وردت مواطن لعن رسول الله فيها الشيطان. وهذه الآية الكريمة فيها لعن الشيطان، ولما جاء إبليس إلى رسول الله ﷺ والنبي يصلي بالليل بشهاب من نار ليقذفه في وجه رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﵊: (ألعنك بلعنة الله التامة؛ ثلاث مرات) ، فالمواطن التي ورد أن الرسول ﷺ لعن الشيطان فيها؛ نلعنه فيها، أما التوسع في ذلك كأن تجعل لك ورداً وحزباً من لعن الشيطان، فتقول: لعنة الله على الشيطان، لعنة الله على الشيطان، لعنة الله على الشيطان. فلم يرد عن رسول الله ﷺ ذلك.

стр. 377

الشيطان وأتباعه قال الله ﵎: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [النساء:١١٨] أي: الشيطان ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:١١٨] ، (النصيب) أكثر العباد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام:١١٦] ، فأكثر العباد من أتباع الشيطان.

стр. 378

مسألة: من يطعن في سنة النبي ﷺ فهل يشهر به ويذكر باسمه للتحذير منه ؟ ومسألة مهمة يكثر الجدل حولها وهي: لو كان هناك شخصٌ يطعن في سنة رسول الله ﷺ ، فهل يُذكر باسمه أو لا يُذكر باسمه؟ ف الجواب التحفظ أولى، ولك أن تقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، فإن النبي ﵊ طُعن في عرضه: وقد اتهم عبد الله بن أبي بن سلول أم المؤمنين عائشة -من بيت النبوة الطاهر- بالزنا، وليس هناك أبشع من ذلك، وتبعه في ذلك بعض الصحابة، فماذا كان رد الفعل من رسول الله ﷺ ؟ قام على المنبر فقال: (من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه أهلي، فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيراً، وما رأيت من أهلي إلا خيراً -والصحابة جالسون- فقال سعد بن معاذ: من هو يا رسول الله؟) فدليل على أن سعد بن معاذ لم يكن يعرف من هو. فالشاهد: أنه لا يصار إلى الذكر بالاسم إلا إذا دعت الضرورة الملحة إليه، فإذا دعت الضرورة الملحة إلى تسمية الشخص الذي يحارب السنة؛ فيُذكر بقدر ولو بتوسع في الوصف؛ لأنه من الممكن أن تكون أنت -من الناحية العقلية- تتكلم فيه، وتذكره بالاسم فيعترض عليك شخص وتحصل فوضى في بيت الله. أما لو قلت: (ما بال فلان) لا أحد يعترض عليك لأنك ما سميت أحداً، حتى في القوانين الوضعية أنك إذا عرضت فلا شيء عليك، لكن إذا سميت فإنهم يؤاخذونك ويتسببون في سجنك، وهذا من الجهل بسنة نبينا محمد ﵊.

стр. 379

حكم لعن الظلمة والطواغيت ننتقل من مسألة لعن الشيطان إلى جزئية وهي: الإكثار من ذكر الظلمة ولعنهم: فهل يستحب الإكثار من ذكر الظلمة -أهل الظلم- ولعنهم؟ فتقول: لعنة الله على فلان، لعنة الله على فلان لعنة الله على فلان؟! الجواب الظاهر أن ذلك لا يستحب، بل قد رأى فريقٌ من أهل العلم كراهيته، وذلك؛ لأن الرسول ﵊: لم يكثر من قوله: لعنة الله على أبي جهل، لعنة الله على أبي جهل، لعنة الله على أبي جهل، ولكن يستحب أن يستكثر العبد من ذكر الله، وبذلك ننصح إخواننا الخطباء الذين يرتادون المنابر ويلقون المحاضرات، فينبغي أن يكون ديدنهم -بالدرجة الأولى- في خطبهم الإكثار من ذكر الله ، لا الإكثار من ذكر فلان وفلان، ولعن فلان وفلان، وقد قال الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ، ولم يقل إلى ذكر فلان وفلان. ولم أقف على نصٍ صريح في أن رسول الله ﷺ تناول شخصاً باسمه على المنبر ليلعنه ﵊: ورد أن النبي ﵊: (قنت ودعا: اللهم العن فلاناً وفلاناً) ، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] .

стр. 380

حكم لعن العصاة والكفار إجمالاً هنا يأتي سؤال آخر: ما حكم اللعن على وجه الإجمال؟ ف الجواب اللعن على وجه الإجمال جائز، وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: (لعن الله النامصة والمتنمصة، لعن الله الواصلة والمستوصلة، لعن الله المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله) ، وغيره من الأحاديث العامة في اللعن وكقول: (لعنة الله على الظالمين) ، إلى غير ذلك على التعميم فهو جائز، لكن الإكثار من ذكر فلان وفلان وتناولهم باللعن بأعيانهم هو إلى الكراهية أقرب، والله تعالى أعلم. قال النبي ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا البذيء) ، وهذا يحدو بنا إلى أن نذكر ما ذكره العلماء بشأن اللعن، فمن العلماء من قسم اللعن إلى أقسام، قال: لعنٌ بالنسبة للكفار جملةً، ولعنٌ بالنسبة للكافر المعين، ولعنٌ بالنسبة للفساق جملةً، ولعنٌ بالنسبة للفساق المعينين أي: ذكرهم بالاسم، ولعنٌ للمؤمن. أما المؤمن فلعنه كقتله، كما قال النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ثابت بن الضحاك: (ولعن المؤمن كقتله) . وبالنسبة للفاسق المعين: لا يُلعن؛ لما سمعتموه من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران:١٢٨] ، وهذا يطّرد أيضاً في لعن الكافر المعين عند فريق من العلماء. أما الفساق جملةً فالراجح في شأنهم أنه يجوز لعنهم إن احتيج إلى ذلك، فالنامصة فاسقة لكن لا تلعن بعينها، بل تقول: (لعن الله النامصة، لعن الله المتنمصة) ، لكن لا تقل (لعن الله فلانة بعينها) ، فلا يشرع لك ذلك، وقد تقدم أن تنزيل الأحكام على الأشخاص بأعيانهم يحتاج إلى تريث، فإن النبي ﷺ : (لعن الخمر وشاربها. إلى أن عد فيها عشرة أصناف) ، لكن لما جاء رجلٌ وهو شارب للخمر، قال بعض أصحاب النبي ﵊: لعنك الله ما أكثر ما يؤتى بك، فقال ﷺ : (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم) ، وفي رواية: (إنه -ما علمت- يحب الله ورسوله) ، أي: أن هذا الشخص يحب الله ورسوله ولكن شهوته تغلبه. إذاً: يتحفظ من تنزيل اللعن على الأشخاص المعينين، والله تعالى أعلم. فعلى ذلك: فإخواننا الخطباء ينبغي أن يكون ديدنهم على المنابر الإكثار من ذكر الله والتخويف بالنار والترغيب بالجنة، فهذا هدى رسول الله ﵊، هو ما درج عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأذكر في هذه البلدة -المنصورة- أيام حكم السادات في مصر كان بعض إخواننا يطلع على المنبر يخطب الجمعة ويتناول زوجة السادات بالاسم ويقول: فلانة فعلت كذا وكذا وكذا مع فلان الفلاني ويحكي حكايات على المنبر، ويظن أنه جريء وهو جاهل بسنة رسول الله ﵊، وكلامي هذا ليس دفاعاً عن السادات ولا عن زوجة السادات، إنما دفاعاً عن حوزة الدين فلابد أن تحفظ وهذا هو المطلوب شرعاً من كل مسلم، والله أعلم، وليس لنا دخل بالسادات ولا بزوجة السادات من ناحية الثناء والمدح ولا من ناحية السب، لكن نقول: إنه لا ينبغي أن نستخدم المنابر لمثل هذه الأغراض، ومن أراد أن يفعل ذلك فليأتنا بدليل من سنة رسول الله أو دليل من فعل أصحاب النبي ﷺ ونحن نمتثل، علماً أنه لم يسلك هذا المسلك إلا طائفة من أمراء السوء الذين كانوا ينالون من آل بيت النبي ﵊.

стр. 381

تفسير قوله تعالى حاكياً عن الشيطان: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ .) قال الله جل وعلاً: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٨-١١٩] أي: لأصرفنهم عن طريق الحق، وأبعدنهم عن طريق الصواب. قال النبي ﷺ : (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه) ، أي: على الطرقات، كأنك تسير في خط مستقيم، وعلى هذا الخط أحياء وأزقة متشعبة والشيطان يقعد عند مفترق الطرق يجتال عباد الله عن الصراط المستقيم، وفي هذا الحديث قعد له على طرق الخير يصده عنها: (قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له على باب الجهاد) ، على طريق الجهاد، ويقول: تجاهد! كيف تجاهد؟ (تجاهد! فتقتل فتنكح المرأة -امرأتك تتزوج بعدك- وتقسم الأموال، فعصاه فجاهد، ثم قعد له بطريق الهجرة، قال: تهاجر! تدع أرضك وأرض أبيك، فعصاه فهاجر، وقعد له بطريق الإسلام فقال له: تُسلم تذر دينك ودين آبائك ودين أجدادك، فعصاه فأسلم) ، فيقعد له عند كل طريق من طرق الخير، تجده مثلاً -كما قال بعض العلماء- عند طريق النفقة: إذا أردت أن تنفق أتاك وقعد لك فيصدك ويقول: تنفق! مالك يذهب، أين حض أولادك؟ وأين حض زوجتك؟ أين حض بنيك؟ فهكذا يقعد لك عند كل طريق من طرق الخير يصدك عنها، (وعند كل طريق من طرق الشر يدعوه إليها فمن عصاه فله الجنة) -أو كما قال النبي ﵊. يقول الشيطان: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩] ، أي: يمنيهم أنه سيحصل لكم كذا وكذا، والأماني في الدنيا لا تنقطع.

стр. 382

تبتيك آذان الأنعام من عمل الشيطان قال تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء:١١٩] أي: لأزينن لهم تبتيك أذان الأنعام؛ لأن الشيطان لا يأمر ولا ينهى في الحقيقة وإنما يشجع على فعل المعاصي ويدفع الناس إليها، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] أي: تدفعهم إلى المعاصي دفعاً. فقال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء:١١٩] ، ما المراد بتبتيك آذان الأنعام؟ يأتي الرجل إلى جمل من الجمال أو ناقة من النوق بموسى -وهي الشفرة ويقال لها أيضاً: السكين- ويقطع أذن الجمل، ويقول: هذا سائب أو هذه الناقة سائبة، يعني سائبة في الصحاري لا يقربها أحد لأنها وقف على الآلهة، وهذا شرك من عمل الشيطان. قال الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣] ، وكل هذه الأصناف من الإبل: الوصيلة: هي التي تلد كذا وكذا. الحام: هو الذي ينكح كذا وكذا. البحيرة: هي التي من شأنها كذا وكذا ويسيبونها. وأول من سيب السوائب وحرمها على الناس عمرو بن لحي الذي رآه النبي ﷺ يجر قصبه في النار. قال النبي ﷺ في صلاة الكسوف: (رأيت النار، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه) ، يعني: يجر أمعاءه في النار؛ لأنه أول من سيب السوائب. أي: أول شخص قال: هذه سائبة، وحرم على الناس ما أحله الله لهم هو عمرو بن لحي فكانت هذه عقوبته. وفيه دليل على أن الذي يحرم على الناس شيئاً أحله الله لهم مرتكب لجريمة، بل قد تصل هذه الجريمة إلى الكفر، والعياذ بالله، والتحليل التحريم -على وجه الخصوص- جرمٌ كبير، ولذلك فالشخص عليه أن يتحفظ -في هذا الباب- تحفظاً زائداً؛ فلا يتجرأ ويفتي بالحل والحرمة بغير برهان من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ . إذاً: أول من سيب السوائب هو عمرو بن لحي بوحي إبليس إليه.

стр. 383

حكم تغيير خلق الله قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] تغيير خلق الله تلحق به جملةٌ من المسائل المتعلقة بالزينة، خاصة زينة النساء. فهناك جملة مسائل متعلقة بزينة النساء تدخل فيه هذه الآية منها:

стр. 384

حكم الوشم أما الواشمة: فهي التي تجرح امرأة أخرى بعض الجرح، فينزف دم من الجرح فتضع في مكان الدم كحلاً، فيبقى أثره كالشامة. فالواشمة: وهي التي تشم النساء والمستوشمة هي التي تطلب من غيرها أن تشمها كلتاهما ملعونة على لسان رسول الله ﵌.

стр. 385

حكم حلق اللحية اللحية هل حلقها داخل في تغيير خلق الله أم لا؟ رأى ذلك كثيرٌ من أهل العلم؛ لأن الله خلق الرجال وفطرهم على اللحية، فإزالتها حرام، وليس هناك نصٌ عن رسول الله يجوّز إزالتها، بل النص في المنع. قال ﷺ : (قصوا الشوارب وأوفوا اللحى) ، وفي رواية: (وفروا اللحى) ، وفي أخرى: (اعفوا اللحى) ، كل هذه النصوص تنهى عن حلقها فتلتحق عند كثير من أهل العلم بتغيير خلق الله ﵎. وحلق اللحية استطرد فيه العلماء، ولا معنى للخوض هنا، قال إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النساء:١١٩] أي: يفعل ما يأمره به إبليس ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء:١١٩] أي: ظاهراً واضحاً.

стр. 386

حكم الوصل قال ﵊: (لعن الله الواصلة والمستوصلة) . الواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر آخر، وهي على لسان رسول الله ﷺ ملعونة.

стр. 387

لبس المرأة للباروكة بالنسبة للمرأة التي تضع الباروكة: والباروكة التي تلبسها المرأة على رأسها: هل تأخذ نفس حكم وصل الشعر أو لا تأخذ نفس الحكم؟ في الحقيقة أنها تختلف من باروكة إلى باروكة، وهذا ظاهر، فهناك باروكة يفهم تماماً أنها ليست من الشعر، وإن كان على صورة الشعر، لكن يفهم تماماً أنه ليس من شعر المرأة، فإذا كان ظاهرها أنها ليس من شعر المرأة فتخرج من حكم الوصل، والله أعلم. ثم ينظر إلى العلة التي من أجلها لبست هذه الباروكة. أما إن كانت الباروكة على هيئة شعر المرأة بالضبط، فقول من قال: إنها كالوصل -أو أنها وصلٌ- قولٌ قوي، والله أعلم. إذاً: الباروكة فيها تفصيل كما تقدم، وليس فيها نص ثابت عن رسول الله ﵊: فتحتاج إلى استنباط، والذي ورد عن رسول الله، هو مسألة الوصل، فما استحدث وكان في معنى الوصل له حكم الوصل، وما استحدث ولم يكن له معنى الوصل يخرج من حكم الوصل.

стр. 388

حكم إزالة شعر الوجه بالنسبة للمرأة بالنسبة لشعر الوجه: إذا نبت للمرأة شارب فأزالته، هل تكون مغيرة لخلق الله؟ من أهل العلم من رأى ذلك، ومنهم من رأى عكس ذلك، وقال: يستحب لها أن تزيله؛ لأن الرسول ﵊ قال: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) ، فهذه التي تزيله تعمد إلى البعد عن التشبه بالرجال، فوجهتها محمودة، وهذا القول الأخير له وجهٌ قوي وهو قول سديد إذا اعتبرنا العلة في الحكم حديث النبي ﷺ في النهي عن التشبه. فعلى ذلك: الذي يظهر -والعلم عند الله- أن إزالة شعر اللحية والشارب إذا نبتا للمرأة جائزة، إن لم يكن مستحب، أما شعر الحاجب فتحرم إزالته قطعاً، ويحرم إزالة أي شعرٍ منه؛ لأنه داخل في النمص بالدرجة الأولى، والرسول ﷺ : (لعن النامصة والمتنمصة) .

стр. 389

حكم النمص للرجال الرجال الذين يذهبون إلى الحلاق فيأخذ من شعر حواجبهم: هل يلحقهم اللعن أو لا يلحقهم اللعن؟ من العلماء من قال: هو في الرجال أشد؛ لأن المرأة وهو مطلوب منها في جانب التزين لزوجها منعت من ذلك، فالرجل من باب أولى أن يمنع من ذلك، والله أعلم. يعني: ليس الحكم فيه بالنص إنما هو بطريق النظر والقياس والعلم عند الله تعالى.

стр. 390

حكم التفلج مسألة التفلج: والتفلج هو: أن تأتي المرأة بمبرد -مبرد أسنان- وتبرد أسنانها، وتفرق بين الأسنان من أجل تحسين الأسنان وتحديد كل سن على حدة من أجل أن تأخذ مسحة جمال، فالرسول ﵊: (لعن الفالجة والمتفلجة) ، يعني: الفاعلة والمفعول بها. هذا إذا كان الفلج للحسن، لكن لو فرضنا أن امرأة لها سن تؤذي لسانها إذا تكلمت، أو تؤذي شفتها إذا أكلت، فتفلجت لا للحسن إنما لدفع الضرر عنها، فإذا تفلجت وبردت أسنانها لدفع الضرر عنها فلا شيء في ذلك، وقد نص على ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم، أي: أنها إذا لم تكن متفلجة للحسن بل لعلة جاز لها التفلج. وعلى ذلك: فطبيبات الأسنان لا بد أن ينتبهن؛ لأن طبيبات الأسنان ممكن بسهولة جداً أن تكون من (الفالجات) وهي لا تشعر، فتكون ملعونة على لسان نبينا محمد ﵊، فتنتبه ولا تفلج أسنان امرأة إلا لدفع ضرر عنها، أما التفلج للحسن فقط فلا يجوز.
следующие страницы →