← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

تفسير قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ .) قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء:١٥٥] : دلت الآية على أن بني إسرائيل أو اليهود نقضوا ميثاقهم مع الأنبياء ومع الله ، وقد حدث أن نقضوا عهوداً ومواثيق مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة، ولا يوفون بعهد ولا لهم ميثاق، فقد غدروا بأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام وخانوهم وقتلوهم، ولكن من يفقه ومن يعقل! قال الله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [النساء:١٥٥] والتقييد: (بغير حق) خرج مخرج الغالب، فالأنبياء لا يفعلون شيئاً حتى يقتلوا به، أو حتى لا يقال: مخرج الغالب، يقال: من باب تبشيع الجرم، لأنهم قتلوا الأنبياء مع أن الأنبياء لم يفعلوا شيئاً يقتلون به. قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [النساء:١٥٥] . للعلماء في معناه قولان: أحدها: أن قلوبنا ممتلئة علماً لا تحتاج إلى علم من علمك، فهي أوعية للعلم. وثانيها: أنهم يريدون أن قلوبهم طمست فلا يصل إليها الخير. والقول الأول تداوله كثير من أهل التفسير: أعني أن مرادهم بقولهم: (قلوبنا غلف) أنها أوعية للعلم فلا يصل إليها شيء من علمك يا محمد، أو لسنا في حاجة إلى علمك، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٥] . قال تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥] أي: هي ليست بمغلقة لأنها امتلأت علماً، بل مغلقة لأن الله طبع عليها وختم عليها فلا يصل إليها شيء من الخير بسبب كفرهم. فإذا قلتم يا يهود: إن قلوبكم غلف، أي: أوعية قد امتلأت علماً فلا يدخل إليها شيء من الذي تأتي به يا محمد. ف الجواب أن قلوبكم تغلفت، لكن ليس لأنها امتلأت علماً، بل لأن الله هو الذي طبع عليها بسبب كفركم ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٥٥] .

стр. 457

تفسير قوله تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ .) قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٥٦] : وهذا البهتان العظيم هو وصفهم لمريم ﵍ بالزنا، فقد رموا مريم ﵍ بالزنا بـ يوسف النجار ووصفوا عيسى ﵊ وبرأه الله مما قالوا حين وصفوه بأنه ولد زنا ﷺ . وفقنا الله وإياكم إلى الالتزام بالشريعة، والتمسك بها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وآله.

стр. 458

تفسير سورة النساء [١٦٦-١٧٦] الحذف قد يرد في مواطن متعددة من كتاب الله ، ويقدره العلماء بتقديرات مختلفة. وهناك من المفسرين من قال بأن المقصود بالحق الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ) بأنه القرآن، ومنهم من قال بأنه التوحيد، ومنهم من قال بأنه الإسلام، وكلها معانٍ يرجع بعضها إلى بعض، وقد يذكر المفسرون بعض أفراد العموم بينما العموم يضم ذلك كله. وقد اشتمل هذا المقطع من سورة النساء على بيان معنى الكلالة، والأحكام المتعلقة بها، وهناك فرق بين الكلالة التي وردت في أول السورة وفي آخرها، وغير ذلك.

стр. 459

تفسير قوله تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ .) بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

стр. 460

إثبات صفة العلم لله (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) : فيها إثبات صفة العلم لله، وقد تواردت على ذلك أدلة لا حصر لها من الكتاب والسنة، لكن ما المراد بقوله تعالى: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) ؟ منهم من قال: أي أنزله عليك وهو يعلم أنك أهل لإنزال القرآن عليك، فهو يعلم حالك، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ، هذا قول عدد من المفسرين، أن قوله: (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أي: أنزله عليك وهو يعلم أنك أهل لنزول القرآن عليك.

стр. 461

تسلية الله لرسوله مقابل تكذيب الكفار وفي قوله تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) تسلية لرسول الله ﷺ ، أي: إن كفر هؤلاء بالذي نزل عليك يا محمد، فاعلم أن هناك من يشهد لك بصحة ما نزل عليك وهو الله ، وفي هذا فضيلة لرسول الله ﷺ . ففي الآية تسلية لرسول الله ﵊، وجهها: أن هناك من هو خير من الكفار يشهد لك إذا كفر هؤلاء بالكتاب. وهذه الآية في التسلية كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] ، وكقوله تعالى في باب التسلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ، وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] مع الفارق. (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) شهادة الملائكة مقابل تكذيب أهل الكفر لرسول الله ﷺ ، وإلا فشهادة الله وحدها تكفي: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦] . والآية كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم:٤] ، وكانت موالاة الله تكفي؛ لكن ضم إليها: ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤] . أي: فمع أن شهادة الله لوحدها تكفي، لكن إن تظاهرتم عليه فهناك من الملائكة من يتظاهر ضدكم، وفوق ذلك كله رب العالمين . قال : (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) أي: بصدق ما أنزل إليك.

стр. 462

تقدير المحذوف في قوله: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ .) فيقول الله : ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦] . قوله تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) من العلماء من قدر هنا محذوفاً فقال: وإن لم يقر لك الذين كفروا بالشهادتين وكذبوك فالله يشهد بما أنزل إليك فقد أنزله بعلمه، بني على أن هناك حذفاً في السياق. والحذف يرد كثيراً في مواطن من كتاب الله ، ويقدره العلماء بتقديرات مختلفة، فمثلاً: قول الله : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:١-٣] ، أقسم الله بالسماء ذات البروج، وباليوم الموعود، وبشاهد ومشهود، ما هو جواب القسم؟ للعلماء فيه وجهان: وجه يقول: إن جواب القسم مذكور في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] ، أي: لُعن أصحاب الأخدود، فالله يقسم بالسماء ذات البروج، وباليوم الموعود، وبالشاهد والمشهود، أن أصحاب الأخدود لعنوا، أي: لعن الذين خدوا الأخاديد للناس. ومنهم من قال: إن جواب القسم هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] أي: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:١-٣] جوابها: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢] . ومن العلماء من قال: إن جواب القسم محذوف، وهو قول الطبري رحمه الله تعالى، فإنه قال: فُهم جواب القسم من السياق. فمن العلماء من قدر المحذوف، فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:١-٣] ، لتُختبرُن يا أصحاب محمد كما اختبر من قبلكم من المؤمنين، ولينتقمن الله ممن ظلمكم وفتنكم كما انتقم الله ممن ظلم المؤمنين وخد لهم الأخاديد. فأحياناً يكون في الكلام حذف يفهم من السياق، ولا يقولن قائل: إن الحذف لا يوجد في كتاب الله، فالإجابة على ذلك: أن كتاب الله نزل بلسان عربي مبين، فما تحتمله لغة العرب يحتمله كتاب الله ، فإنه قد نزل بلغة العرب. فقوله تعالى: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ) أي: إن لم يقر هؤلاء الكفار بالقرآن ويشهدوا أن لا إله إلا الله وأن القرآن نزل من عند الله، فالله يشهد بما أنزل إليك.

стр. 463

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٦٧] : من العلماء من قال: الآية عامة في كل كافر يصد عن سبيل الله، ومنهم من قال: هي خاصة باليهود؛ لأنهم كانوا يكتمون صفة محمد ﵊، ويكتمون أمر محمد عن الناس فيصدون بذلك عن سبيل الله، كما قال تعالى في آيات سبقت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١] ، فكانوا يصدون عن سبيل الله ويقولون لكفار قريش: أنتم أهدى سبيلاً من محمد ﷺ . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٦٧] أي: ابتعدوا عن طريق الصواب ابتعاداً شديداً.

стр. 464

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾ [النساء:١٦٨] قال بعض العلماء: بكتمان صفة محمد، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء:١٦٨] .

стр. 465

كيفية الجمع بين قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا) وبين الواقع من إيمان بعضهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٨] كيف ذلك وهناك كفرة وظلمة قد هداهم الله سبحانه، فكيف يوفق بين الآية الكريمة: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء:١٦٨] وبين الواقع الذي حدث وأنه قد آمن أقوام كفرة ظلمة؟ و الجواب أن الآية محمولة على الذين كتب عليهم الشقاء وهم في بطون أمهاتهم، أي: فالذين كتبت عليهم الشقاوة وهم في بطون أمهاتهم ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء:١٦٨] أي: سيموتون على الكفر ولم يغفر لهم، وهم الذين غلبت عليهم شقوتهم كما قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦] . وقولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦] أي: غلبت علينا الشقاوة المكتوبة علينا ونحن في بطون أمهاتنا، كما عليه جمهور المفسرين في هذه الآية، فجمهور المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦] قالوا: الشقاوة التي كتبت عليهم وهم في بطون أمهاتهم عن طريق الملك لما كتب شقياً أو سعيداً. ونحوها قوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] ، وقول النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) . أما القرطبي فقد سلك في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦] مسلكاً خالف فيه الجمهور وقال: غلبت علينا اللذات والأهواء حتى آلت بنا إلى الشقاوة، ولكن الجمهور خالفوه على النحو الذي ذكرنا. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٨] محمولة على الذين كتب عليهم أن يموتوا على الكفر، فيخرج منها الكفار الذين أراد الله لهم الهداية. ومن العلماء من أول تأويلاً آخر فقال: إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ما داموا قائمين على كفرهم وظلمهم، ولا ليهديهم سبيلاً إلا إذا سلكوا طريق الهداية، فالله يقول: (من تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً) .

стр. 466

نوع الاستثناء الوارد في قوله تعالى: (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ) قوله تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:١٦٩] . (إلا) إلا هنا هل هي من الاستثناء المنقطع؟ أي بمعنى: لكن يهديهم إلى طريق جهنم، أو من المتصل، فيكون المستثنى من جنس المستثنى منه؟ كلاهما له وجه: فإذا قلت: إن الطريق هنا عامة تشمل جميع الطرق فسيكون الاستثناء من نفس الباب، فإن طريق جهنم هي إحدى الطرق، فتدخل عموم الطرق، وإن قلت المراد بالطريق في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء:١٦٨] طريق الهداية، فسيكون استثناء من غير جنس المستثنى منه، كما قال القائل: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس أو: جاء القوم إلا حماراً، فالحمار ليس من جنس القوم، فالحكم على الاستثناء أنه استثناء منقطع -أي من غير جنس المستثنى منه- يبنى على تفسير الطريق، فإن قلت الطريق في قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء:١٦٨] تشمل كل الطرق، فالاستثناء غير منقطع، أي: إلا طريق جهنم أحد أجناس الطرق، أما إن قلت: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً من طرق الهداية، فيكون الاستثناء منقطعاً، وتكون إلا بمعنى: لكن. وقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء:١٦٨] الهداية هنا هداية الدلالة بأن يدلهم، وهداية التوفيق أيضاً، أي: لم يكن الله ليوفقهم إلى طريق من طرق الهداية.

стр. 467

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ ... )

стр. 468

المراد بالحق الذي جاء به الرسول قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء:١٧٠] ما هو الحق؟ من العلماء من قال: الحق هو القرآن، فالمعنى: يا أيها الناس قد جاء كم الرسول بالقرآن من الله . ومنهم من قال: الحق هو التوحيد. وكلها معان يرجع بعضها إلى بعض، سواء قيل بالإسلام، أو بالقرآن، أو بالتوحيد، أو جاء متلبساً بالحق، فكلها معانٍ يرجع بعضها إلى بعض. ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء:١٧٠] أي: الإيمان خير لكم من الكفر، قد يقول قائل: هل في الكفر خير حتى يقال إن الإيمان خير من الكفر؟ فالإجابة: إن هذا كقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤] مع أنه ليس هناك وجه للمقارنة، ولا هناك أي خيرية للكفار.

стр. 469

غنى الله ﵎ عن الخلق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء:١٧٠] أي: آمنوا بالرسول وبما جاء به الرسول، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النساء:١٧٠] أي: كفركم لن يضر الله شيئاً، ولن ينقص من ملك الله شيئاً. ويفسر هذه الجزئية من الآية الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي ذر: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً) ، فليس معنى أن يدعونا الله إلى الإيمان أن إيماننا ينفع ربنا بشيء. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النساء:١٧٠] أي: هو غني عنكم وعن إيمانكم. فإذا قيل: ما هو الرابط بين قوله: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾ [النساء:١٧٠] وبين قوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النساء:١٧٠] ؟ فالإجابة: أن الكفر لن ينقص من ملك الله شيئاً، وأن الإيمان لن يزيد في ملك الله شيئاً، فهي كما قال تعالى في الحديث القدسي: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها) .

стр. 470

تفسير قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ .) قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] : الخطاب هنا موجه للنصارى بالدرجة الأولى، ولقائل أن يقول بالتعميم وأن اليهود يدخلون فيه أيضاً، لكن السياق موجه للنصارى بدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [النساء:١٧١] ؛ لأن النصارى غالت في عيسى ﵊ أشد الغلو. (لا تغلوا) : الغلو هو تجاوز الحد، ومنه: (غلا السعر على عهد رسول الله) ، أي: ارتفع السعر وتجاوز الحد، فقوله: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] أي: لا تتجاوزا الحد في دينكم. فطريق الاستقامة فوقه طرق ضلالة وتحته طرق ضلالة وهو وسط بين هذه الطرق، فهم تجاوزوا الحد في شأن عيسى، كما قال الرسول ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، عليكم بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان) ، فالشيطان يغري الشخص، فيعظم النبي حتى يخرج من حد التعظيم إلى حد تأليه الرسول ﵊، فيخرجك إلى حد الشرك والعياذ بالله، وتجعل البشر شريكاً لله . فالغلو قد يكون بالزيادة في الحق. ومن العلماء من قال أيضاً: إن الغلو قد يكون بالنقص من الحق كذلك، ومن ثم قال القرطبي: إن الآية عامة في أهل الكتاب يهوداً ونصارى، قال: أما غلو النصارى فكان في تأليه عيسى ﵊، وأما غلو اليهود فكان بالطعن في عيسى ﵊، فاتهمت اليهود عيسى بأنه ابن زنا، والنصارى قالوا: هو الله. فـ القرطبي رأى أن الغلو يشمل الإفراط ويشمل التفريط، وغيره من العلماء قالوا: الغلو هو المبالغة في التعظيم.

стр. 471

سبب اختصاص عيسى بأنه روح من الله قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] : وهذا هو الذي شكك النصارى أو شكك أهل الزيغ، فقالوا بأنه روح من الله، وما دام أنه روح من الله فهو ابن لله، وتركوا المحكم في هذا واتبعوا المتشابه. أما المحكم: فمنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ﴾ [الزخرف:٥٩] أي: ما هو إلا عبد، ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩] ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] ، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤] ، واتبعوا المتشابه: ألا وهو قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] . فالإجابة على هذه الجزئية (وروح منه) أن يقال: إن كل البشر روحٌ من الله وليس ذلك لعيسى فقط، بل محمد ﵊ روح من الله، وكذلك عموم البشر. فإن قيل: لماذا اختص عيسى بأنه روحٌ من الله؟ فالإجابة: أن هذه الإضافة إضافة تشريف وتكريم لعيسى، كما قال صالح: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٧٣] مع أن الأرض كلها لله، وكل النوق لله، لكن قيل: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٧٣] تكريماً وتشريفاً لهذه الناقة بعينها. وكما قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦] مع أن كل البيوت لله، ولكن قيل عن البيت الحرام خاصة أنه بيت الله تشريفاً للحرم. وكما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨] مع أن الأسواق لله، والبيوت لله، والشوارع لله، وكل ما بين السماء والأرض لله، لكن قيل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن:١٨] تشريفاً للمساجد، فقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] تشريف لعيسى ﷺ ، وثم أوجه أخر. قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء:١٧١] لأن فريقاً منهم يقول: إن عيسى ومريم ورب العزة سبحانه ثلاثة أقانيم في أقنوم واحد، كالأصبع فيه ثلاث مفاصل، فيعبدون هذا الإله. قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:١٧١] (سبحانه) أي: تنزه.

стр. 472

غلو الشيعة واليهود ومن هذا الباب غلو الشيعة في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فالشيعة -عليهم لعنة الله- يؤلهون علياً ويخطئون جبريل ﵊، ويقولون: خان الأمين، ويفترون الكذب على ديننا، ويقولون: القرآن محرف، ويكذبون كذباً قذراً وقحاً، ويقولون: إن عندنا قرآن فاطمة وهو أضعاف قرآنكم الذي بين أيديكم، ليس فيه حرف من قرآنكم، وهي تسطر في أسطور كتبهم، فهم أيضاً لحقوا باليهود والنصارى، فغلوا في شأن علي غلواً كفروا به، فمنهم من أله علياً، ومنهم طائفة ما زالت تقول: علي حي وهو الذي يسير السحب، وعمومهم الآن من عباد القبور والمشركين بالله. فالشيعة أخذوا من كل الفرق قبائحها، أخذوا من اليهود القبائح التي في اليهود، ومن النصارى القبائح التي في النصارى، ومن المجوس القبائح التي في المجوس، ويجتمع عندهم دين ليس من دين الإسلام في شيء، فمعتقدهم في غاية الزيغ: فمع كتاب الله يتهمون القرآن بالتحريف والقصور، ومع الملائكة يطعنون في جبريل ويقولون: خان الأمين، ومع الرب يشركون آلهة أخرى، ويقولون: إن الأموات ينفعون ويضرون، ومع أصحاب رسول الله فالصحابة أو جل الصحابة عندهم كفار إلا خمسة من أصحاب الرسول ﵊! وللأسف أن هذه الأفكار الزائغة تجد أُناساً أعمى الله بصائرهم يدعون إليها، وقلوباً كافرة تستقبل مثل هذا الكلام والأكاذيب على الله وعلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وليس بغريب أن يتواجد في بلادنا مثل هذه الأشكال. قال الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] ، غلو النصارى كان بتأليه عيسى، وغلو اليهود كان باستنقاص عيسى ﷺ ، والغلو له صور متعددة، أما الغلو المذكور في الآية فهو بشأن عيسى ﵊ لما سيأتي. واليهود قد غالت في دينها غلواً آخر، ففي حديث أبي موسى وغيره، أن اليهود كان إذا بال أحدهم ووقعت نقطة من البول على جلده يأتي بمقراض ويقرض الجلد الذي وقع عليه البول، فهذا أمر في غاية التشدد. وبعض فرقهم تحرم الزواج من المرأة إذا كان بينك وبينها إخوة إلى الجد السابع؛ ففي ديننا لا تتزوج أختك، لكن لك أن تتزوج ابنة عمك، وأما اليهود فلا تتزوج ابنة عمك ولا أي واحدة يربطك بها إخوة حتى الجد السابع. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء:١٧١] ، وهي قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] أي: كن عيسى فكان عيسى ﵊، كن ولداً فكان ولداً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٠-٦٠] ، فقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ [النساء:١٧١] أي: الكلمة التي خلق الله عيسى بها، وهي كلمة كن.

стр. 473

إثبات عبودية المسيح لله قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ﴾ [النساء:١٧٢] : الاستنكاف يأتي بمعنى الاستكبار أحياناً، فقوله: (لن يستنكف) أي: لن يمتنع ولن يستكبر، ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢] أي: سيجمعهم إليه جميعاً. وهذه الآية ختامها خبر يقتضي التهديد: ﴿وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ [النساء:١٧٢] فكان الجزاء: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢] وهذا متضمن تهديداً لهم في ثنايا الحشر، ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢] . ثم قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:١٧٣] : توفية الأجور بأن يجزي الحسنة بمثلها، والزيادة من فضله التضعيف، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فيوفيهم أجورهم على الأعمال ويزيدهم تضعيفاً للحسنات. ومن العلماء قال: يوفيهم أجورهم كما وعدهم أنه الحسنة بعشر أمثالها، ثم يضاعف لمن يشاء ، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:١٧٣] . قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٧٣] ، والفقرة تبين العقوبة المذكورة وإن تأخرت بعض الشيء. ومعنى (أليماً) : مؤلماً موجعاً ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٧٣] .

стр. 474

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء:١٧٤] : فالبرهان الحجة، ومن الممكن أن يقال: إن هذه الحجة هي القرآن، ويمكن أن يقال: البرهان محمد ﵊، فالآية تحتملهما. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء:١٧٤] وهو القرآن، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥] . قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:١٧٥] أي: يوفقهم، فالهداية هنا شاملة للتوفيق وللدلالة.

стр. 475

تفسير آية الكلالة قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء:١٧٦] أي: يطلبون منك الفتيا، وحذف المستفتى عنه، وهو الشيء المسئول عنه، فالمضمر: يستفتونك في الكلالة. ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦] ، ففهم من الإجابة ماهو المضمر الذي سُئل عنه. وقد تقدم في أول السورة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢] . وهنا قال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] . فقد يقول قائل: كيف يقول في الآية المتقدمة: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١٢] ، وهنا يقول سبحانه: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ﴾ [النساء:١٧٦] ، فهذه كلالة وهذه كلالة، فما الفرق؟ و الجواب أن الكلالة المذكورة في أوائل سورة النساء إنما هي الأخت لأم أو الأخ لأم، أما الكلالة هنا فالإخوة الأشقاء، فالإخوة الأشقاء يخصهم الحكم الوارد في الآية الأخيرة من سورة النساء (آية الصيف) . ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦] ، والكلالة جاء جزء من تفسيرها في الآية ألا وهو: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] هلك: بمعنى مات، (ليس له ولد) الجمهور يقولون: ليس له ولد ولا والد، الآية الكريمة ذكرت الوالد يموت وليس له ولد، لكن الجماهير على أن يضاف: (ولا والد) . الولد ذكر نصاً: (ليس له ولد) في الآية السابقة، والوالد يفهم بإمعان النظر في الآية؛ لأن الله قال: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] ، فإذا كان للميت والد فإن الأخت لا تأخذ النصف ولا ترث شيئاً، فترجح قول الجمهور للقرينة المذكورة في الآية، ألا وهي قوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] . فأصل الكلالة هنا: امرأة ماتت أو رجل مات ليس له والد ولا ولد، لا من أعلى ولا من أسفل، ولا جد ولا حفيد. وهذه الآية هي آخر آية نزلت على رأي البراء بن عازب، قال البراء بن عازب كما في الصحيحين: (آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ)) [النساء:١٧٦] ) . ومن العلماء من قال: إن آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] . أما آخر سورة نزلت فهي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] . وثمّ قول آخر: أن آخر آية نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] إن قيل: كيف نجمع بين هذه الأقوال؟ فالإجابة: أن كل صحابي أفتى بالذي علمه، فأفتى البراء على الذي بلغه وعلمه أن آخر آية نزلت هي آية الكلالة. وذهب غيره إلى أنها آيات الربا التي في ختامها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] . ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء:١٧٦] أي: مات، وكلمة (هلك) بمعنى مات قد تطلق أيضاً على المسلم، قال جابر لرسول الله: (إن أبي هلك يا رسول الله وترك تسع أخوات لي) ، لأن البعض يظن أن هذه خاصة بالكفار، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤] فهلك تطلق على من مات سواء كان مسلماً أم كافراً، وتطلق على الضياع، (هلكت قلادة لأسماء) أي: ضاعت وفقدت. قال تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] أي: ولا والد، ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] . ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] أي: ولم يكن لها أيضاً أب، ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء:١٧٦] بمعنى: كي لا تضلوا، وعلى ذلك جملة أدلة لغوية، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء:١٧٦] . الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقد تقدم أن من الفروق بين آية الكلالة هنا وآية الكلالة التي في أوائل سورة النساء، أن الإخوة لأم هناك ذكرهم مثل أنثاهم في الميراث، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١٢] أي: فالأخ له السدس والأخت لها السدس، أما هنا فهي في الإخوة الأشقاء، ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦] . ومن الفروق بينهما: أن الإخوة لأم لا يتجاوز نصيبهم كلهم مجتمعين الثلث ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢] أما هنا في حالة الإخوة الأشقاء فقد يحوزوا على الميراث كله، ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦] . هذه الآية نزلت في جابر بن عبد الله، قال جابر: (مرضت فأغمي عليَّ فأتاني النبي ﷺ وأبو بكر يعوداني ماشيين فقلت: يا رسول الله! إني أموت ولا يرثني إلا كلالة، فتوضأ وصب عليَّ من وضوئه، فنزلت آية الكلالة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦] ) . وهذه الآية مع السهولة التي سمعتموها في تفسيرها كما ذكر ذلك عدد من العلماء إلا أنها من الأمور التي خفيت على أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه بشدة، حتى قال: (ما سألت رسول الله ﷺ عن شيء، ما سألته عن الكلالة) وفي رواية: (ثلاث وددت أن النبي مات وقد عهد إلينا فيها عهداً: الكلالة، وأبواب من الربا، وذكر شيئاً ثالثاً) وفي الرواية الأخرى يقول: (كنت أكثر من سؤال النبي عن الكلالة حتى ضرب بيده في صدري وقال: (يا ابن الخطاب ألا تكفيك آية الكلالة التي في آخر سورة النساء) . فبهذا تنتهي سورة النساء، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونسأل الله أن يتجاوز عن الأخطاء والهفوات والزلات، والأمر لله ، ثم لإخواننا أن يقرروا هل سيحدث اختبار فيها أو لا، والكلام فيها عند الشيخ محمد غريب حفظه الله تعالى، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

стр. 476

الأسئلة

стр. 477

حكم غسل الزوج لزوجته والعكس السؤال هل يجوز أن يغسل الرجل زوجته والزوجة أن تغسل زوجها؟ الجواب نعم يجوز، وقد وردت رواية -على ما أذكر- من طريق محمد بن إسحاق لما قالت عائشة: (وارأساه، قال النبي ﵊: بل أنا وارأساه، قالت: والله ظننت أنك تريد موتي يا رسول الله، قال: ذاكِ لو كان وأنا حي لغسلتكِ وكفنتكِ) ففيها زيادة: (لغسلتكِ) في خارج الصحيحين، وإسنادها على ما يحضرني الآن أنه حسن، فبه يستدل على جواز أن يغسل الرجل امرأته. وقد ورد عن عائشة أنها قالت: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه) وليس هناك دليل يمنع، والله أعلم.

стр. 478

حكم صلاة تحية المسجد وقت الكراهة السؤال من الأوقات التي يكره فيها الصلاة؛ بعد العصر، فإذا دخلت المسجد في هذا الوقت فهل أصلي تحية المسجد؟ الجواب بل صلها؛ فإن ذوات الأسباب تصلى حتى في أوقات الكراهية، قضى النبي ﷺ ركعتي الظهر بعد العصر لما شغله وفد عبد القيس. إلى هنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 479

اسم الرميصاء ومصادر ترجمتها السؤال من هي الرميصاء؟ وفي أي الكتب نقرأ عنها؟ الجواب الرميصاء هي أم سليم رضي الله تعالى عنها. واقرأ عنها في فضائل الصحابة، واقرأ عنها في الطبقات الكبرى لـ ابن سعد، واقرأ عنها في الكتب المصنفة في الصحابة على العموم.

стр. 480

حكم استعمال الكلونيا السؤال هل الكلونيا المتداولة الآن حرام؟ الجواب الكلونيا المتداولة الآن الحكم فيها مبني على إسكارها، هل هذه الكلونيا تسكر أو لا تسكر؟ فإن كانت لا تسكر فلا شيء فيها، وإن كانت تسكر فيأتي هنا قولان: قول لبعض أهل العلم أن الخمر نجسة نجاسة عينية وهم الجمهور، مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] أي: نجس. وفريق من أهل العلم كـ الليث بن سعد وغيره من العلماء يرون أن النجاسة معنوية، فعليه إذا قلنا إن الكلونيا تسكر، أي: بمنزلة الخمر عند الليث بن سعد فلا حرج في استعمالها. أما الجمهور في حالة ما إذا كانت تسكر فهي تجري مجرى الخمر فتترك، والله أعلم.

стр. 481

حكم ارتداء المرأة قميصاً رجالياً في الصلاة السؤال هل يجوز أن أرتدي قميصاً رجالياً في الصلاة؛ وذلك لكونه أبيض وطويلاً وواسعاً، أم يعتبر ذلك تشبه بالرجال؟ الجواب الظاهر الجواز، ما دامت لا تخرج تتشبه به عند الرجال، وكانت المرأة باقية في البيت، وتصلي فيه؛ لأنه ثوب واسع ومريح لها، فالظاهر أنه ليس من باب التشبه.

стр. 482

حكم ارتداء الزوجة لملابس زوجها في البيت للزينة السؤال هل إذا ارتديت بعض ملابس زوجي في البيت للزينة يعتبر تشبهاً بالرجال؟ الجواب إذا كنتِ تتزينين للزوج فلتتزيني له بما شئتِ، وأظن أن ذلك لا يعد تشبهاً، قد تتوق نفسه إلى شيء من ذلك أحياناً، فإن فعلتِ فنرجو الله أن لا يكون تشبهاً؛ لأنكِ لم تخرجي به.

стр. 483

حكم تصوير الكتب والمجلدات السؤال هل يجوز تصوير الكتب والمجلدات لكونها غالية؟ الجواب إذا كان للاستعمال الشخصي والشخص لا يستطيع أن يشتريها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] والأمر إلى الجواز أقرب، أما إذا كان للاتجار والإضرار بالناس فلا يجوز، فإذا كنت ستضر بالتجار وتتاجر بها، فهو يتعب في صفها وتصحيحها وأنت تطبعها دون أن تبذل أي مجهود، فلا يجوز لك ذلك، أما إذا كان لاستعمالك الشخصي وأنت لا تستطيع شراء الكتاب الأصلي فجائز، والعلم عند الله تعالى.

стр. 484

حكم رفع اليدين في الدعاء عند خطبة الجمعة السؤال هل صح عن النبي أنه كان يرفع يديه في الدعاء عند خطبة الجمعة؟ الجواب الذي أعلمه في ذلك أنه كان يرفع يديه في صلاة الاستسقاء لما استسقى في خطبة الجمعة، لكن غير ذلك لا أعلم فيه شيئاً.

стр. 485

حكم المسابقات الثقافية التي يعقد لها جوائز عينية السؤال ماذا تقولون في المسابقات الثقافية التي تعقد وينصب لها جوائز عينية أو مالية؟ الجواب إذا كان الذي يضع الجوائز أناساً غير المتسابقين جاز، مثلاً: رجل قال: سأعقد مسابقة وأدفع للفائزين هدايا من عندي، فهذا لا شيء فيه، أما إذا دفع هذا جنيهاً وهذا جنيهاً والفائز منهما يأخذ الجنيهين فلا يجوز.

стр. 486

معنى السفير وحكم عمله السؤال ما الحكم في السفير؟ الجواب السفير هو الذي يرسل من بلدة إلى بلدة، فالسفير عمله مشروع ولا شيء فيه أبداً، وفي الإسلام سفراء حتى السفير لإسرائيل جائز، لأن السفراء بين الكفار والمسلمين كانوا يسمون الرسل على عهد الرسول، فمثلاً مسيلمة الكذاب أرسل رسولاً إلى رسول الله ﵊.

стр. 487

حكم من استسمح مسلماً فلم يسامحه السؤال أذنبت ذنباً في حق مسلم فإذا لم يرض أن يسامحني من هذا الذنب حتى ولو أعطيه مالاً من أجل أن يسامحني؛ فهل أظل مذنباً؟ الجواب الله أعلم بنيتك، إن يعلم الله في قلبك خيراً فسيؤتيك خيراً مما أخذ منك.

стр. 488

كيفية قضاء صلاة الوتر لمن نام عنها السؤال من نام عن صلاة الوتر فمتى يصليها؟ الجواب إذا نام عن صلاة الوتر فعنده نص عام: (من نام عن صلاة أو نسيها فصلاتها حين يذكرها) رواه البخاري ومسلم. ومن أهل العلم من قال: من نام عن صلاة الوتر صلى من النهار مثنى، فإذا كان يوتر بثلاث صلى من النهار أربعاً؛ لأن النبي كان إذا فاته حزبه من الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة.

стр. 489

حكم بيع أمواس الحلاقة السؤال هل بيع أمواس الحلاقة حلال أم حرام؟ الجواب حلال، وأما كونه حراماً فلا أعرف عنه شيئاً.

стр. 490

حكم الصلاة في مكان تمر عليه الكلاب السؤال شخص يعمل عند النصارى وفي العمل كلاب، والشخص يصلي في هذا المكان؛ فهل الصلاة صحيحة؟ الجواب نعم الصلاة صحيحة، فقد فكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك، إلا إذا استوطن الكلب في مكان فيرش هذا المكان الذي استوطن فيه الكلب، أعني أنه إذا عرف أن الكلب ينام في مكان ما فإذا جئت تصلي في المكان فلابد أن تنضح عليه، أما إذا كان يمر مجرد مرور فيه، فلم يكن الصحابة يرشون شيئاً من ذلك.

стр. 491

سلسلة تفسير سورة يوسف [ ١] سورة يوسف ﵊ هي أحسن القصص كما وصفها الله ، وليس على هذا مزيد، وتبدأ هذه القصة برؤيا لهذا النبي الكريم، ثم تجري أحداث القصة لتكون هذه الرؤيا هي آخر شيء يفسر على أرض الواقع بعد سنين طويلة، وفي ثنايا هذه السنين تدور رحى الأحداث؛ لكن أول شيء في هذه القصة بعد الرؤيا هو حسد الإخوة لأخيهم وتآمرهم عليه بالقتل، ثم بإلقائه في الجب، ويوحي الله إلى يوسف بأنه سوف يخبرهم بفعلهم فيما بعد عندما ينجيه الله .

стр. 492

من مكارم سورة يوسف ﵇ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد: فسنتناول بمشيئة الله ﵎ سورة نبي الله يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم بالتأويل والبيان، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وابتداءً فنبي الله يوسف هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، كما قال نبينا محمد ﷺ ، وقد سئل صلوات الله وسلامه عليه: (من أكرم الناس يا رسول الله؟ فقال ﷺ : أكرمهم عند الله أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك يا رسول الله؟ قال ﷺ : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) وفي رواية: (نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله) . فهذا شيء من فضل نبي الله يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، وقد أوتي شطر الحسن ﷺ كما قال ذلك رسول الله ﷺ عند رؤيته له في ليلة المعراج ﵊. أما سورة يوسف فهي سورة مكية، وقد جمعت هذه السورة الكريمة قصة نبي الله يوسف ﷺ ، ولم ترد قصة نبي الله يوسف إلا في هذه السورة الكريمة، فثَم أنبياء من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ذكرت قصصهم في عدة سور من كتاب الله، أما سورة يوسف فقد حملت قصة يوسف كاملة، ولم يأت شيء من قصة يوسف في غير هذه السورة الكريمة المباركة، وهي سورة مكية على رأي أكثر أهل العلم.

стр. 493

تفسير قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب المبين)

стр. 494

معنى قوله: (الكتاب المبين) قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) ، أما الكتاب فهو القرآن، ومن معانيه: المظهر الموضح للأشياء، ومن هذه المعاني: أنه موضح للحلال والحرام، ومبين لأمور الاعتقادات، ومبين للعبادات، ومبين لأخبار من كان قبلنا، ونبأ من سيأتي من بعدنا. فقوله تعالى: (المبين) أي: المظهر الموضح للأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] ، أي: بالأفق المظهر الموضح للأشياء، وهو اتجاه طلوع الشمس.

стр. 495

أقوال أهل العلم في الأحرف المقطعة يقول الله في هذه السورة الكريمة: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١] . أما (الر) : فهي أحرف مقطعة بدأت بها بعض سور الكتاب العزيز، وللعلماء فيها طريقان في التأويل: الطريق الأول: نعرض عن تأويلها ونكل الأمر في تأويلها إلى الله ؛ إذ لم يرد شيء في كتاب الله صريح يفسرها لنا، وكذلك لم يرد عن النبي ﷺ شيء صريح يفسر لنا الأحرف المقطعة. الطريق الثاني: ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أنه ينبغي أن نلتمس لها تأويلات، ونحن مأجورون على كل حال، إن التسمنا تأويلاً فأصبنا فيه فلنا أجران، وإن أخطأنا فيه فلنا أجر، لقول النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) . ثم هؤلاء الذين التمسوا تأويلات في هذه الأحرف المقطعة منهم من قال: إنها أحرف سيقت على سبيل التحدي، فكأن المعنى: (الر) أحرف تعرفونها وتقرءونها وتكتبونها، ولكنكم لا تستطيعون أن تؤلفوا منها قرآناً كما ألفناه، ولا حتى آية كما ألفنا، ودل على ذلك قول الله ﵎: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢] ، وقوله تعالى: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة:١-٢] ، وهنا يقول : (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) ، هذا هو الوجه الأول من أوجه التأويل: أن الأحرف سيقت للتحدي. والوجه الثاني: أنها أحرف حملت اسم الله الأعظم، وليس ثَم دليل على هذا القول الثاني.
следующие страницы →