← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

سلسلة تفسير سورة يوسف [ ١] سورة يوسف ﵊ هي أحسن القصص كما وصفها الله ، وليس على هذا مزيد، وتبدأ هذه القصة برؤيا لهذا النبي الكريم، ثم تجري أحداث القصة لتكون هذه الرؤيا هي آخر شيء يفسر على أرض الواقع بعد سنين طويلة، وفي ثنايا هذه السنين تدور رحى الأحداث؛ لكن أول شيء في هذه القصة بعد الرؤيا هو حسد الإخوة لأخيهم وتآمرهم عليه بالقتل، ثم بإلقائه في الجب، ويوحي الله إلى يوسف بأنه سوف يخبرهم بفعلهم فيما بعد عندما ينجيه الله .

стр. 492

من مكارم سورة يوسف ﵇ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد: فسنتناول بمشيئة الله ﵎ سورة نبي الله يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم بالتأويل والبيان، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وابتداءً فنبي الله يوسف هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، كما قال نبينا محمد ﷺ ، وقد سئل صلوات الله وسلامه عليه: (من أكرم الناس يا رسول الله؟ فقال ﷺ : أكرمهم عند الله أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك يا رسول الله؟ قال ﷺ : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) وفي رواية: (نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله) . فهذا شيء من فضل نبي الله يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، وقد أوتي شطر الحسن ﷺ كما قال ذلك رسول الله ﷺ عند رؤيته له في ليلة المعراج ﵊. أما سورة يوسف فهي سورة مكية، وقد جمعت هذه السورة الكريمة قصة نبي الله يوسف ﷺ ، ولم ترد قصة نبي الله يوسف إلا في هذه السورة الكريمة، فثَم أنبياء من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ذكرت قصصهم في عدة سور من كتاب الله، أما سورة يوسف فقد حملت قصة يوسف كاملة، ولم يأت شيء من قصة يوسف في غير هذه السورة الكريمة المباركة، وهي سورة مكية على رأي أكثر أهل العلم.

стр. 493

تفسير قوله تعالى: (الر تلك آيات الكتاب المبين)

стр. 494

معنى قوله: (الكتاب المبين) قوله تعالى: (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) ، أما الكتاب فهو القرآن، ومن معانيه: المظهر الموضح للأشياء، ومن هذه المعاني: أنه موضح للحلال والحرام، ومبين لأمور الاعتقادات، ومبين للعبادات، ومبين لأخبار من كان قبلنا، ونبأ من سيأتي من بعدنا. فقوله تعالى: (المبين) أي: المظهر الموضح للأشياء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير:٢٣] ، أي: بالأفق المظهر الموضح للأشياء، وهو اتجاه طلوع الشمس.

стр. 495

أقوال أهل العلم في الأحرف المقطعة يقول الله في هذه السورة الكريمة: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف:١] . أما (الر) : فهي أحرف مقطعة بدأت بها بعض سور الكتاب العزيز، وللعلماء فيها طريقان في التأويل: الطريق الأول: نعرض عن تأويلها ونكل الأمر في تأويلها إلى الله ؛ إذ لم يرد شيء في كتاب الله صريح يفسرها لنا، وكذلك لم يرد عن النبي ﷺ شيء صريح يفسر لنا الأحرف المقطعة. الطريق الثاني: ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أنه ينبغي أن نلتمس لها تأويلات، ونحن مأجورون على كل حال، إن التسمنا تأويلاً فأصبنا فيه فلنا أجران، وإن أخطأنا فيه فلنا أجر، لقول النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) . ثم هؤلاء الذين التمسوا تأويلات في هذه الأحرف المقطعة منهم من قال: إنها أحرف سيقت على سبيل التحدي، فكأن المعنى: (الر) أحرف تعرفونها وتقرءونها وتكتبونها، ولكنكم لا تستطيعون أن تؤلفوا منها قرآناً كما ألفناه، ولا حتى آية كما ألفنا، ودل على ذلك قول الله ﵎: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١-٢] ، وقوله تعالى: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة:١-٢] ، وهنا يقول : (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) ، هذا هو الوجه الأول من أوجه التأويل: أن الأحرف سيقت للتحدي. والوجه الثاني: أنها أحرف حملت اسم الله الأعظم، وليس ثَم دليل على هذا القول الثاني.

стр. 496

تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلناه .) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢] . قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ) يستدل به فريق من أهل العلم على علو الله سبحانه، وأنه في السماء، كما قال عن نفسه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] ، وكما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، فالإنزال كما هو معلوم يكون من أعلى إلى أسفل. (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) : هذه منة من الله على العرب إذ نزل القرآن بلغتهم، وكما قال الله ممتناً على نبيه ﷺ وعلى العرب: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤] ، أي: لشرف لك ولقومك يا محمد أن نزل عليك هذا القرآن، وأن نزل بلغتك ولغة قومك. فشرف للعرب أن القرآن نزل بلغتهم، ولهذا شكر لا بد أن يقدم، فمن المعلوم من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ أن النعم تستلزم مزيداً من الشكر، فكلما أنعم الله على قوم بنعمة لزمهم أن يقدموا لها مزيداً من الشكر، كما قال الله تعالى لمريم عليها والسلام: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٤٢] ، فأمام هذا الاصطفاء والتطهير: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣] . وكما قال الله ليحيى ﵇: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] ، وكما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ، فلأنا أعطيناك الكوثر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] . وكذلك قال تعالى ممتناً على نبيه ﵊: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:١-٣] ، ثم ختمت السورة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧-٨] . فكل من أنعم الله عليه بنعمة فإنه يلزمه أن يقدم لها شكراً موازياً، قال النبي ﷺ : (إن الله يحب إذا أكل أحدكم الأكلة أن يحمده عليها، وإذا شرب الشربة أن يحمده عليها) ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] . فعلى العرب أن يشكروا نعمة الله عليهم؛ إذ أنزل القرآن بلغتهم، فلزاماً عليهم أن يحملوا عبء الدعوة إلى الله أكثر من غيرهم، فهي نعمة أسداها الله إليهم ولم تُسد إلى غيرهم؛ فجدير بهم إذاً أن ينهضوا إلى حمل دعوة الإسلام وبثها ونشرها في العالم، بل ويلزمهم ذلك، وقد قال الله ﵎ محذراً إياهم من التخاذل عن هذه المهمة: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] . من هنا ينشأ اعتزازنا بلغة العرب، لا لأنها لغة لجنسنا ولبني جلدتنا، ولكن لأنها اللغة التي نزل بها كتاب ربنا، والتي تحدث بها نبينا محمد ﷺ ، فمن ثم لزمنا التمسك بها، ولزمنا بثها ونشرها من غير استحياء ولا استنكاف. قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ، أي: لعلكم تفهمون، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] .

стр. 497

تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك .) ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] ، لهذه الآيات الكريمة سبب نزول ذكره سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فقال: (نزل القرآن على النبي ﷺ فتلاه على أصحابه زماناً، فقالوا: يا رسول الله! لو قصصت علينا؟ فأنزل الله على النبي ﷺ : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) ، ثم تلاه النبي ﷺ زماناً، فقالوا: يا رسول الله! لو حدثتنا؟ فأنزل الله ﵎: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] الآيات) ، هذا سبب نزول صحيح وثابت عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. وقد أورد بعض أهل العلم أسباب نزول أخر لا يكاد يصح منها سبب، منها: ما روي من طريق الضحاك عن ابن عباس: أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن قصة نبي الله يوسف ﵊ فنزلت السورة، وفي هذا السبب ضعف، وليس ذلك بدافع أن يكون اليهود سألوا النبي عن هذه السورة، ولكن سبب النزول هذا فيه ضعف. قال الله ﵎: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] . من أهل العلم من قال: كان من الغافلين عن هذا القرآن، وعن هذه القصص، وعن الإيمان جملة، واستدل قائل هذه المقالة بقول الله تبارك تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] .

стр. 498

رؤيا يوسف ﵇ قال الله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾ [يوسف:٤] ، وأبوه هو يعقوب ﵇ كما تقدم.

стр. 499

أدب الأنبياء ﵈ مع والديهم ومن قوله: (يا أبت) نلتمس أدباً في تخاطبنا مع آبائنا، أيضاً مع أمهاتنا، فلم يقل: يا بابا إني رأيت أحد عشر كوكباً، ولكنه قال: يا أبت! فجدير بنا أن نحيي لغة كتاب ربنا، ولغة نبينا محمد ﷺ ، ولا نتبع سنن الهلكى والحيارى. وقد قال الرسول ﷺ : (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي) ، ولم يقل: استأذنت ربي أن أزور قبر ماما، وكذلك قال الخليل إبراهيم ﵊: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٣] .

стр. 500

سبب تكرير قوله: (رأيتهم) قال يوسف: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف:٤] ، رأى ذلك في رؤيا منامية، وقد قال فريق من أهل العلم كـ عبيد بن عمير وغيره: (رؤيا الأنبياء وحي) ، واستدلوا لذلك بقول الخليل إبراهيم ﵊: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] . فيوسف ﷺ رأى هذا الذي يذكر في رؤيا منامية، فقال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤] أي: ورأيت كذلك الشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. وتكرار قوله: (رَأَيْتُهُمْ) : من أهل العلم من يقول: لما طال الكلام حسن أن يكرر كلمة: رأيت، كأن تقول -على سبيل المثال- قال فلان كذا وكذا وكذا، وترجع وتقول مرة ثانية: قال: كذا، لأن الأمد قد طال. ومن العلماء من قال: إن مضمراً يفهم من السياق، فلما قال يوسف: (يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) ، كأنه قيل له: كيف رأيتهم يا يوسف؟ فقال مبيناً: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) .

стр. 501

حكم السجود في شريعتنا يطرح سؤال هنا، وهو: هل سجود المخلوق لمخلوق جائز؟ ف الجواب أن هذا كان جائزاً على سبيل التحية في شريعتهم من قبل أمة محمد ﷺ ونسخ في شريعتنا. أما جوازه في الأمم قبل أمة محمد ﷺ فلما سيأتي من قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف:١٠٠] . أما منعه في شريعة محمد ﵊؛ فلقول النبي ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) ، من عظم حقه عليها، ثم للإجماع المنعقد على ذلك أيضاً. قال: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) ، قال أبوه معلماً إياه، والأنبياء هم أعقل وأرشد الخلق عليهم الصلاة والسلام، قال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥] ، أي: فيدبرون لك تدبيراً، ويأتمرون عليك مؤامرة، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] ، أي: إن الشيطان سيحملهم على الكيد لك، وسيوغر صدورهم تجاهك؛ إذ رأيت من الرؤى الطيبة ما لم يروا.

стр. 502

حكم التحدث بنعم الله وهنا يرد بحث عاجل وسريع يتعلق بمسألة التحدث بنعم الله تعالى على الأشخاص: فإذا أنعم الله على عبد بنعمة، هل يشرع له أن يحدث بهذه النعمة، أم أنه يكتمها ولا يحدث بها؟ عندنا نصوص تفيد أنه يجب علينا أن نتحدث بنعم الله ﵎ علينا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] ، فهذا أمر بالتحديث بالنعمة، وكما قال النبي ﷺ : (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) ، فهذا حث على التحديث بالنعمة. وهناك نصوص أخرى تجعلنا نحجم عن التحديث بالنعم، كقول يعقوب ﵇: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥] ، وكقول النبي ﷺ : (إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به من يحب) ، مفاده: ألا يحدث به من يكره. وفي الباب في معرض المنع من التحديث: حديث روي عن النبي ﷺ وفي صحته نزاع، ونرى أنه ضعيف لا يصح، ألا وهو: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان؛ فإن كل ذي نعمة محسود) ، هذا الحديث وإن حسنه بعض الأفاضل من المعاصرين إلا أن أكثر الأولين على تضعيفه؛ كالإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما من العلماء. فالشاهد من ذلك: أن مسألة التحديث بالنعم لها فقه، فإذا كنت ترجو من الذي تحدثه بنعمة الله عليك أن يدعو الله لك بالبركة وأنه سيفرح لفرحك؛ فحينئذ حدثه بالنعمة، وإذا كنت تراه حاسداً يخطط لتدميرك ويسعى في الكيد لك؛ فلتكتم عنه هذه النعمة، ومن هنا قال يعقوب ليوسف: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥] ، ثم ذكر السبب قال: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] ، وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ، من العلماء من قال إن هذا من قول يعقوب. وهو الأظهر. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ [يوسف:٦] ، أي: يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك، فالذي يجتبي ويختار هو الله، والذي يفضل هو الله، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] ، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] ، فليس لك إذاً أن تعترض على أقدار الله ﵎. قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦] ، وتأويل الأحاديث هنا هو تأويل الرؤى، فقد أوتي يوسف ﷺ فيها ومنها علماً عظيماً لا يبارى. (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) أي: بالنبوة، فهي أعظم النعم، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف:٦] .

стр. 503

دلالة قصة يوسف على صدق نبوة محمد ﷺ ثم بين الله قصة يوسف مع إخوته بمزيد بيان، فقال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف:٧] ، آيات: أي دلالات للسائلين عن الآيات والدلالات، أو السائلين عن قصة يوسف ﷺ . ففي قصة يوسف دلالات وآيات على صدق نبوة محمد ﷺ ، فمن وجوه الإعجاز التي أيد الله بها نبيه محمداً ﵊: الإخبار بما فات وبما هو آت، وهذه من دلائل النبوة التي يوردها العلماء في بيان معجزات النبي ﷺ . ومنها: إخباره بأمور قد فاتت لا يعلمها هو ولا قومه، وأمور أيضاً هي آتية، كقوله : ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٢-٤] ، وكإخباره ﵊ فيما نزل عليه من القرآن بخروج دابة الأرض ويأجوج ومأجوج، وإخباره بالكاسيات العاريات، وإخباره بكثرة الأسواق، وبنحو ذلك. فقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) ، أي: دلالات على صدق ونبوة نبينا محمد ﷺ ، تتمثل هذه الآيات في بيان عواقب الصبر والإحسان، وعواقب طاعة الله وطاعة رسله عليهم الصلاة والسلام. (آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) أي: للسائلين عن الآيات كما تقدم، أو للسائلين عن قصة يوسف على وجه الخصوص.

стр. 504

عدم مؤاخذة الله للعباد بالمحبة القلبية قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] . أخوه هو أخوه الشقيق كما عليه جمهور المفسرين، ومن العلماء من يقول إن اسمه: بنيامين، ولم يرد في هذا خبر عن الرسول ﵊، ولا خبر من كتاب الله، ولو كان في تسمية الأخ خيراً كبيراً لذكره الله في كتابه، ولذكره نبينا محمد ﷺ في سنته، وعلى كلٍ فقد ذكر جمهور المفسرين أنه بنيامين. (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) ، وهل ثم خطأ في محبة الرجل لبعض أبنائه أكثر من الآخر؟ ليس ثم خطأ ولا إثم في هذا؛ إذ المحبة محلها القلب، وقد عوتب النبي ﷺ بسبب حبه لـ خديجة، فقال صلوات الله وسلامه عليه: (إني رزقت حبها) ، فالحب القلبي لا يؤاخذ عليه الشخص. وكذلك قال النبي ﷺ : (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) . فلست مؤاخذاً إذا أحببت بعض ولدك أكثر من الآخر، وكذلك أيضاً لست مؤاخذاً في محبتك بعض نسائك أكثر من الأخرى، ولست بمؤاخذ في محبتك بعض الأصدقاء أكثر من الآخرين، فكما قال العلماء: (إن المقة من الله) واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] ، أي: محبة في قلوب العباد. إذاً: يعقوب ﵇ لم يخطئ في محبته ليوسف، وهو نبي كريم ﷺ .

стр. 505

مكيدة إخوة يوسف قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف:٨] . (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي: ونحن جماعة، ومن العلماء من يقيد العصبة فيقول: عشرة، ومنهم من يزيد، ومنهم من ينقص، وعلى كل فالأليق هنا أنها الجماعة. فقالوا: (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) أي: ينتفع بنا أبونا، فنحن أكثر نفعاً من يوسف وأخيه. ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] ، والضلال: الذهاب عن القصد والصواب، أما المبين فمعناه: الواضح البين الظاهر. ثم قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف:٩] ، أي: القوه في أرض بعيدة عن أعين الناس، أو عن أعين أبيه، ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩] . فمن عجيب أمرهم ما ذكره العلماء بشأنهم: أنهم أضمروا التوبة قبل فعل الذنب، ولعل الله أكرمهم بسبب ذلك، فإنهم قالوا: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) ، فطلبوا محبة الأب، وطلب محبة الأب شيء مرغب فيه، فمن وجهة نظرهم أنهم لا يرغبون في العقوق، بل يرغبون في إقبال أبيهم عليهم، ومن وجهة نظرهم أن يكونوا أيضاً قوماً صالحين فيما بعد.

стр. 506

بداية تنفيذ المؤامرة قال الله : ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:١١-١٢] . أما قوله تعالى: (يَرْتَعْ) ، فمن أهل العلم من قال: يأكل، وذلك لما ورد عن ابن عباس: (أنه أتى على حمار أتان والنبي ﷺ في الصلاة، قال: فدخلت في الصف وأرسلت الأتان ترتع) . ومن العلماء من قال: إن كلمة (يرتع) معناها: يسعى، وثَم أقوال أخر، والمعنى متقارب. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، فيعقوب ﷺ لم ينكر عليهم أصل اللعب للطفل الصغير يوسف ﷺ ، فأخذ من عدم إنكاره ما ذكرته عائشة رضي الله تعالى عنها إذ قالت: (اقدروا قدر الجارية صغيرة السن الحريصة على اللعب) ، فالصغير له حق أن يُلاعب وأن يُداعب. ورسولنا ﷺ ضرب لنا مثلاً حسناً في هذا، فكان يدخل على عائشة رضي الله تعالى عنها صويحباتها يلعبن بالبنات معها، وهي: العرائس الصغيرة التي صنعت من العهن، فيختفين من رسول الله ﷺ ، فيسربهن النبي ﷺ إلى عائشة يلعبن معها. قالوا: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف:١٢-١٣] ، فتعلل يعقوب ﵇ بعلتين لمنع يوسف من الخروج معهم، العلة الأولى هي: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ ، أي: يشق علي فراق ولدي يوسف ﷺ ، ولا أكاد أصبر على بعد ولدي هذه المدة، وشيء آخر: (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) ، أي: منشغلون بجريكم وبصيدكم وبرعيكم. ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف:١٤-١٥] ، أي: اتفقت كلمتهم على هذا، وما الحامل لهم على هذا الاتفاق؟ تقدم من قبل أنهم قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ ، فظهر أن الحامل لهم على هذا هو حسدهم ليوسف ولأخيه.

стр. 507

اتفاق الإخوة على إلقاء يوسف في الجب قالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ ، أي: يقبل عليكم أبوكم بوجهه، ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ ، أي: من أهل الصلاح والتقوى. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف:١٠] ، والذي حمله على قوله: (لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ) ؟ هو الله سبحانه، فالله غالب على أمره، فهو الذي يصرف السوء عن عباده، ومن العلماء من يقول: إن القائل هو أخوهم الأكبر، وليس ثم دليل على ذلك ولا على نفيه، وإنما ذكر ربنا: (قَالَ قَائِلٌ) ، فالتكلف قد نهينا عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] ، فليس لنا أن نتكلف ونؤول ونتجشم المشاق حتى نحرر القول في هذا القائل من هو، هل هو الأكبر أو الأوسط أو غير ذلك؟ ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف:١٠] ، قال فريق من أهل العلم: أي: في أسفل الجب، والجب هو البئر كما هو معلوم. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف:١٠] ، فكأنهم اتفقوا على هذا الرأي، بل قد اتفقوا عليه؛ لما سيفهم من السياق، ودل سياق الكتاب العزيز أنهم اتفقوا فيما بينهم على أن يلقوه في غيابة الجب.

стр. 508

تحرير مقولة: الغاية تبرر الوسيلة هنا يرد علينا بحث يتعلق بالمقولة التي اشتهرت: (الغاية تبرر الوسيلة) فهل الغاية الحسنة تبرر الوسيلة التي أصل بها إليها أم لا؟ الحقيقة أن الأمر فيه تفصيل وإن كان البعض يطلق أن الغاية لا تبرر الوسيلة، والبعض يطلق أن الغاية تبرر الوسيلة، وهذا مبحث فقهي دقيق لا يتسع المقام له الآن، ولكن نورد على كل رأي ما يعكر عليه، ونقرر في النهاية أن كل مسألة بحسبها. فعلى سبيل المثال: يرد على الذين يقولون: إن الغاية لا تبرر الوسيلة قول النبي ﷺ : (من لي بـ كعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله. فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله! ولكن ائذن لي أن أقول فيك قولاً) فرخص له في ذلك. وكذلك مما ورد في هذا الصدد: ترخيص النبي ﷺ في الكذب من أجل الإصلاح، إذ قال ﵊: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً) فهذا من باب أن الغاية تبرر بعض الوسائل إليها. ومن باب أن الغاية لا تبرر الوسيلة قوله تعالى وقد نقم عليهم ذلك وكانوا من الجاهلين فيه-: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ . فالحاصل في هذه المسألة: أن كل مسألة بحسبها، وبحسب الملابسات المحيطة بها، ومن ثم يصدر حكم فقهي ينتظم جميع الأدلة الخاصة بهذه المسألة.

стр. 509

آفات الحسد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: يا حسن! أيحسد المؤمن؟ قال: سبحان الله ما أنساك لإخوة يوسف! أي أنهم حسدوا يوسف ﷺ على ما أنعم الله به عليه من محبة أبيه له، فالحسد وارد حتى بين أهل الإيمان، والعين حق حتى بين أهل الإسلام، وقد ثبت: (أن سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه وكان رجلاً أبيض وسيماً جميلاً من أصحاب النبي ﷺ ؛ أنه قام يوماً يغتسل، فمر به عامر بن ربيعة فرأى زنده البيضاء الحسناء، فقال: والله ما رأيت جلد مخبأة كهذه الجلد! والله وكأنها زند جارية! فسقط سهل صريعاً في الحال، فذهب أصحابه إلى النبي ﷺ ، قالوا: يا رسول الله! أدرك سهلاً صريعاً! قال: فمن تتهمون؟ قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فأرسل إليه النبي ﷺ فأتي به فقال: علام يحسد أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدعو له بالبركة، ثم أمره النبي ﷺ أن يتوضأ وأن يغسل ركبتيه وداخلتي إزاره، وأخذ الماء فصب على سهل بن حنيف، فقام وكأنما نشط من عقال) ، أي: كأنه كان مربوطاً بحبل وفك منه. فالحسد وارد حتى بين أهل الإسلام، ولكن على المسلم أن يجاهد نفسه، وإذا رأى من أخيه ما يعجبه فليدعو له أن يبارك له الله فيما رزقه، فإنه إذا أطلق لنفسه العنان في الحسد فقد يصل بحسده إلى الكفر والعياذ بالله، والذي حمل إبليس على الكفر إنما هو حسده لآدم ﷺ ، إذ قال متكبراً حاسداً: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١] ؟ فإذا رأيت الله سبحانه فضل بعض الناس عليك في مال أو جاه أو منصب أو ذرية أو صحة وعافية أو وسامة وجمال؛ فادع لهؤلاء بالبركة، ولترض بقضاء الله سبحانه الذي قسمه الله لك، ولتمتثل أمر نبيك ﵊: (إذا نظر أحدكم إلى من فُضل عليه في المال والخلق؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه في المال والخلق، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) . فإذا رأيت أخاك المسلم في نعمة فلا تعترض ولا تحسد، ولتعلم تمام العلم أن الحاسد معترض على أقدار الله، فهو يحسد الناس على ما قدر الله لهم وآتاهم من الجمال، أو على ما قدر الله لهم من المال، فالحاسد معترض على أقدار الله. والحاسد كذلك مشابه للشيطان؛ فإن الشيطان يكره النعم التي ينعم الله بها على العباد، مشابه للكفار؛ فالكافر يكره النعم التي ينعم الله بها على أهل الإيمان، فإذا حسدت إخوانك المؤمنين فتلعلم أنك معترض على أقدار الله، وأنك متشبه بالشيطان بل ومن جنده، وأنك كذلك متشبه بالمشركين، والنبي ﵊ يقول: (من تشبه بقوم فهو منهم) . فليس التشبه في الزي أو الملبس هو المنهي عنه فقط؛ بل نهينا عن التشبه بهم في أصول الاعتقاد، وهو أعظم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٦] ، أي: لا تتشبهوا بالكفار النادمين على خروج إخوانهم وموتهم في الأسفار. فالكافر إذا خرج أخوه في سفر فمات قال: يا ليته ما سافر، يا ليته جلس، يا ليته ما خرج، يا ليتني كنت بجواره ويتأسف ويتحسر حسرات شديدة فينهانا ربنا عن التشبه بالمشركين في هذا المعتقد الرديء، فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران:١٥٦] . فالشاهد من ذلك أنه يحرم عليك أن تحسد إخوانك المسلمين المؤمنين على ما منَّ الله به عليهم وتفضل، وعليك إذا حسدت قوماً أن تستغفر الله، وأن تدعو لإخوانك بالبركة، وللحسد مباحث ستأتي في مظانها إن شاء الله ﵎.

стр. 510

منهج القرآن في التسلية وجبر الخواطر قال الله : ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ ، أي: اتفقت كلمتهم واشتركوا فيها جميعاً، ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ [يوسف:١٥] . جمهور المفسرين يقولون: هذا وحي ليوسف ﷺ ، وهل يلزم من ذلك القول بنبوته أثناء ذلك؟ من العلماء من قال: إن الوحي في هذا الموطن لا يستلزم النبوة، وهو كالوارد في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] . وثَم وحي آخر: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٦٨] ، وثَم وحي ثالث في قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٥] . فمن العلماء من قال: لا يلزم حينئذ أن نقول إنه كان نبياً في هذا الوقت؛ لأنه كان صغيراً ﷺ . قال الله ﵎: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) ، أي: إلى يوسف ﷺ ، فبماذا أوحى إليه؟ من أهل العلم من يقول: إن هذا الوحي لتثبيت يوسف ولجبر خاطره؛ فإنه ذاك المظلوم الذي أوذي من أخوته، فالذي يؤذى ويظلم يحتاج إلى جبر خاطر، ومن ثَم شرع لنا جبر الخواطر المنكسرة. وقد قال تعالى في جبر الخواطر المنكسرة كما في التي كسر خاطرها بسبب طلاقها: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] ، وقال تعالى جبراً لخاطر الأيتام والمساكين الذين يحضرون قسمة الميراث: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء:٨] . فالخواطر المنكسرة يلزمنا أن نجبرها، وهذا منهج أصيل في كتاب الله، وفي منهج رسول الله ﵊، يقول ﷺ وقد تخاصم وتحاكم إليه ثلاثة من أصحابه الكرام في شأن ابنة لـ حمزة عام الفتح لما خرجت تتبع رسول الله وتناديه: يا عمي يا عمي! فأخذها علي وقال لـ فاطمة: دونك ابنة عمك، ثم جاء جعفر ينازع فيها، وجاء زيد بن حارثة ينازع فيها، فتخاصم الثلاثة الفضلاء كل يريد أن يأخذ ابنة حمزة رضي الله تعالى عنه. فالرسول ﵊ يقضي بين الثلاثة الفضلاء من أصحابه، وبين يدي القضاء يجبر خواطرهم جميعاً، فيقول لـ علي: (يا علي! أنت مني وأنا منك، وقال لـ جعفر: أشبهت خلقي وخلقي، وقال لـ زيد بن حارثة: أنت أخونا ومولانا) وهذه توطئة طيبة بين يدي الحكم حتى يستقبل الحكم عن طيب نفس، ثم قال: (أعطوها لـ جعفر فإن الخالة بمنزلة الأم) ، وكانت خالتها زوجة لـ جعفر رضي الله تعالى عنه. فجبر الخواطر المنكسرة أمر أصيل في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵊، (وجبر الله خاطر نبيه إبراهيم ﵊ الذي كسر بتكذيب قومه له وبإخراجه من بلدته، وجعل كلمة التوحيد باقية في عقبه، كما قال : ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨] . فمن ثَم جاء الوحي إلى يوسف ﵇ وهو يشتم من هذا ويضرب من هذا، ويأتي يلقي بنفسه على أخيه ينتظر منه رحمة أو رفقاً فلا يجد شيئاً بل يجد هذا يزجره وهذا ينهره وهذا يضربه، وليس له عند إخوته ملجأ، لكن ملجأه إلى الله، قال : ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥] ، أي: أنك يا يوسف ستخبر إخوتك بصنيعهم هذا في وقت هم لا يشعرون فيه أنك أنت يوسف. وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أثر رواه الطبري ﵀ في تفسيره -وإن كان لنا تحفظ عليه من جهة الإسناد-: أن يوسف ﵇ لما أتاه إخوته كي يمتاروا لأهليهم، ويأخذون الطعام لهم، أتاهم بالصواع ونقر نقرة عليه بعد أن حملهم بالمتاع، قال: إن الصواع يخبرني أنه كان لكم أخ اسمه يوسف، وأنكم أخذتموه وألقيتموه في بئر. ثم نقر أخرى فقال: إن الصواع يخبرني أنكم ذهبتم إلى أبيكم وكذبتم عليه وقلتم: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٧] . ثم ضرب ثالثة وقال: إن الصواع يخبرني أن لكم أخاً اسمه كذا وكذا فائتوني به. وبعضهم ينظر إلى بعض، وبعضهم يتعجب من هذا الإخبار، والصواع لا يخبر وإنما يوسف ﵇ يصل إلى مراده بهذه الحيلة كما لا يخفى، وإلا فالصواع لا يتكلم، والأثر موقوف على ابن عباس. قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) ، أي: إلى يوسف ﷺ (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا) ، أي: بصنيعهم هذا الذي صنعوه فيك، (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) ، وتأويل هذا في قول يوسف ﵇ لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف:٨٩] ، فقد كانوا لا يشعرون، إلا أنهم فوجئوا بهذا القول، فقالوا: ﴿أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] . ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 511

سلسلة تفسير سورة يوسف [٢] إن المتأمل في ثنايا هذه القصة ليرى أنها بنيت على قول الله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) كما يقول بعض أهل العلم، فإرسال يعقوب له مع إخوته، وإلقاء إخوته له في الجب بدل أن يقتلوه، وشراء العزيز له، وإكرامه، كل هذا دليل على أن الله غالب على أمره، ولكن مع الغلبة حكمة في إنجائه له من ابتلاء الجب والبيع والشراء، وأخيراً -وليس آخراً- ابتلاء امرأة العزيز أمام العزيز نفسه.

стр. 512

من أحكام الرؤى والأحلام المقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا بحث مختصر يتعلق بالرؤى وبعض أحكامها؛ إذ قد كثرت في هذه السورة الكريمة، فمنها رؤيا يوسف صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم، ومنها رؤيا الملك، ومنها رؤيا صاحبي السجن، فلزاماً إذاً أن نورد بعض ما يتعلق بالرؤى من أحكام.

стр. 513

الزمن الذي تتحقق فيه الرؤى هذا وقد ورد عن النبي ﵊ حديث فحواه: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت فقد وقعت) ، وهذا الحديث ضعفه فريق من العلماء. هذا وقد تتحقق الرؤيا بعد مرور سنوات طوال، فإن يوسف ﵇ رأى الرؤيا وهو صغير وتحققت بعد سنوات طويلة كما هو معلوم ومشاهد في هذه السورة الكريمة. وكذلك رأى رسول الله ﷺ عام الفتح رؤيا: رأى أنه سيدخل هو وأصحابه مكة محلقين رءوسهم ومقصرين، ثم إن النبي ﷺ لما خرج متجهاً إلى مكة صده المشركون عن مكة، فاصطلح معهم صلح الحديبية المشهور، فقام عمر يقول للنبي ﷺ : (يا رسول الله: ألم تكن تحدثنا أنا سنحج هذا العام، وسنأتي البيت ونطوف به، فقال النبي ﷺ : نعم حدثتك أنك ستحج، فهل أخبرتك أنك ستحج هذا العام؟ قال: لا. قال: فإنك ستحج وتطوف بالبيت) أو كما ورد عن رسول الله ﵊. فالشاهد: أن الرؤيا قد تتحقق بعد زمن طويل ولا يلزم أن تتحقق عقب رؤيتها، ولهذا شواهد متعددة.

стр. 514

ما يستأنس به في تأويل الحديث يستأنس بالأسماء التي ترى في الرؤى على تأويلها، ويسترشد بها على تأويلها، وكذلك يستأنس أحياناً بالألوان التي ترى في الرؤى، وبالأشخاص الذين يرون في الرؤيا، وبالكلمات التي تقال في الرؤيا، كل هذه مستأنسات يستأنس بها في تأويل الرؤى، وقد قال النبي ﷺ : (رأيت كأنا في بيت عقبة بن رافع، وأتي إلينا برطب من رطب ابن طاب، فأولتها أن الرفعة لنا في الدنيا، وأن العاقبة لنا في الآخرة، وأن ديننا قد طاب) ، هذا بعض ما يتعلق بالرؤى.

стр. 515

أقسام الرؤى وآداب كل قسم الرؤى على ثلاثة أقسام، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ ورد عنه ﵊ ما حاصله: أن الرؤيا: إما حديث للنفس، وإما رؤيا من الله، وإما حلم من الشيطان. ولكل آداب. أما الرؤيا التي هي من الله فمن آدابها: أن تحدث بها من تحب بعد حمد الله عليها، فمن ثَم لا تحدث بها من تكره. أما الرؤيا التي هي حلم من الشيطان، فالآداب المتعلقة بها خمسة: أولاً: أن تتعوذ بالله من شرها، ومن شر الشيطان، ولا تحدث بها أحداً، وتتفل عن يسارك ثلاثاً، وتتحول عن جنبك الذي كنت عليه، فهذه خمسة آداب تتعلق بالرؤيا التي تكره. والرؤيا التي تكره قال في شأنها أبو قتادة ﵁: (كنت أرى الرؤيا في عهد النبي ﷺ أثقل علي من الجبل، فلما سمعت حديث النبي ﷺ في الرؤيا سريَّ عني) ، فحاصل الآداب المتعلقة بالرؤية المكروهة: أنك تتعوذ بالله من شرها، ولا تحدث بها أحداً، وتتحول عن جنبك الذي كنت عليه، وتتفل عن يسارك ثلاثاً، وإذا كانت الرؤيا مفزعة فقم وصلِّ ما كتب الله لك أن تصلي. أما الرؤيا التي هي حديث للنفس فهي في الغالب أضغاث أحلام ولا يلتفت إليها كثيراً، والله تعالى أعلم.

стр. 516

تفسير قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاء ... ) الآيات قال الله : ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف:١٦] ، أي: جاء إخوة يوسف إلى أبيهم بعد أن فعلوا فعلتهم الشنيعة؛ من إلقاء أخيهم في غيابه الجب، ومن التفريق بين الوالد وولده، ومن عقوق الوالد المشاهد، ومن عدم رحمة الطفل الصغير؛ رجعوا إلى أبيهم عشاء يبكون، أي: يتباكون على الصحيح، فلم يكن بكاؤهم ببكاء، وكما قال الشاعر: إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى فكان بكاؤهم تباكياً وليس بكاء على الحقيقة، جاءوا متصنعين بهذا البكاء ملتمسين العذر عند أبيهم، وملتمسين العفو. وكما هو معلوم فإن القرائن تقدّم على الدّعاوى والأقوال، فكل قول ليس مدعماً ببينات وقرائن فهو قول متحفظ عليه، وليس مجرد البكاء بنافٍ للتهم عن المتهمين، فثَم أقوام يبكون عن حقيقة، وثَم آخرون يتباكون، فدائماً القرائن والبينات تقدم على الدعاوى والأحوال المصطنعة المتصنعة.

стр. 517

حكم بث الشكوى لغير الله تعالى لكن قد يرد في المسألة بحث متعلق ببث الشكوى: هل يجوز لنا أن نبث الشكوى لغير الله، أم أن ذلك غير جائز؟ الظاهر الجواز ما لم يكن فيه تسخط على أقدار الله، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ دخل على عائشة رضي الله تعالى عنها يوماً وهي تقول: وا رأساه! أي تشكو رأسها، فقال: (بل أنا وا رأساه!) ، وكذلك ورد أن عائشة دخلت على أبي بكر في مرض أصابه لما قدم إلى المدينة وهو يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وقال بلال في نفس المرض: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وأردن يوماً مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل وشامة وطفيل: جبلان بمكة.

стр. 518

الاستعانة بالصبر في الشدائد قال يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] : أي فهو الذي يطلب منه العون، به نستعين سبحانه لكنها استعانة بالصبر الجميل، واستعانة بالله وبذكره وبالصلاة له كما أمرنا ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣] . عند الشدائد يستعان بالصبر وبذكر الله وبالصلاة، قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق:٣٩-٤٠] ، وقبلها قال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق:٣٩] ، فيستعان على الشدائد بالصبر وبذكر الله، وبالصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٧-٩٩] ، أي: اعبد ربك صابراً على عبادته حتى يأتيك الموت، فمن أعظم الأمور التي يستعان بها على الشدائد الصبر والصلاة والذكر. دخلت سارة جدة يوسف ﵇ على الجبار، قيل له: قد دخل بلادك اليوم امرأة هي أجمل امرأة على وجه الأرض، وليس على وجه الأرض امرأة مثلها، وكان معها إبراهيم ﵇ خارج البيت لا يملك حولاً ولا قوة إلا بالله سبحانه، فقام خارج البيت يصلي ويدعو، وزوجته سارة تدعو داخل البيت: اللهم كف يد الكافر، فمد الكافر يده ليتناولها فقالت: اللهم كف يد الكافر، اللهم كف يد الكافر، فشلت يده، ومنعت من الوصول إليها، فقال: ادعي الله لي ولا أقربك بسوء، فدعت الله له، فمد يده ثانية ليتناولها فقالت: اللهم كف يد الكافر، ثلاث مرات ولم يستطع الوصول إليها، فقال: أخرجوها من هنا، والله لقد جئتموني بساحر ولم تأتوني بإنسان. وأخدمها هاجر أم إسماعيل -فيما بعد- فكان من نسلها إسماعيل ﵇، الذي من نسله نبينا محمد سيد ولد آدم ﷺ ، ببركة الصلاة والذكر وتقوى الله سبحانه.

стр. 519

صبر يعقوب على مصيبته في يوسف ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف:١٧-١٨] ، أي: بدم مكذوب ليس هو على الحقيقة. قال أبوهم -والأنبياء كما سلف هم أعقل وأزكى الخلق، وهم الذين اصطفاهم الله من خلقه عليهم الصلاة والسلام-: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ، أي: حسنت لكم أنفسكم أمراً سيئاً، وزينت لكم أنفسكم أمراً شريراً، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ، إلى من أشكو والذي خذلني هم أبنائي، إلى شامت يشمت فيّ؟ فكما قال الشاعر: قومي همُ قتلوا أميمة أخي فإذا رميت يصيبني سهمي أأشكو أبنائي إلى شامت أم إلى حاسد لا أشكوكم إلا إلى الله ولا أشكو أمري إلا إلى الله، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ، أي: صبر لا شكوى معه إلا إلى الله ؛ فالصبر الجميل هو الصبر الذي لا تصاحبه شكوى للخلق. ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ، فهو الذي يطلب منه العون على ما جئتم به، وعلى ما ادعيتموه.

стр. 520

خبر النبي في قضية الإفك ومثل هذه المقالة قالتها عائشة رضي الله تعالى عنها لما خاض الناس في الإفك بالذي قد خاضوا به، وجاء النبي ﷺ إلى عائشة بعد مضي شهر وهي في بيت أبيها وعند أمها، فجاء الرسول ﷺ فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، فقال: (يا عائشة! إني محدثك بأمر فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إذا أذنب واستغفر الله غفر الله له، ثم ذكرها بحديث الإفك، فقالت عائشة ﵂ لأبيها: أجب عني رسول الله ﷺ ! فقال أبوها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله؟ فقالت لأمها: أجيبي عني رسول الله! فقالت أمها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ؟) . وكانت عائشة تبكي بكاءً شديداً مريراً تظن أن سيفلق كبدها منه، فقالت: (والله لقد رميتموني بأمر يعلم الله أني منه بريئة، ولكن إن قلت لكم: إني بريئة لم تصدقوني، وإن قلت: إني ألممت بالذنب صدقتموني، فلا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ) ولم تكن تتذكر اسم يعقوب ﵇، فقد كانت جارية صغيرة؛ فأنزل الله سبحانه بكرمه وفضله براءتها في قرآن يتلى في المحاريب. قال يعقوب أمام هذه الصدمة العنيفة التي ابتلي بها، وقد كان من قبل لا يستطيع أن يفرط في ولده، فمجرد أن يذهب الولد زمناً يسيراً أو ساعات قليلة ثم يرجع يقول: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف:١٣] ، فأي حزن بعد فقدان طويل أي حزن بعد أن يدعي أبناؤه أن الذئب قد أكل أخاهم؟ حينئذ لا يطلب الصبر إلا من الله، ولا يطلب العون إلا من الله.

стр. 521

من أحكام السبق في الإسلام إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف:١٧] ، أي: نتسابق فيما بيننا، وهل التسابق مشروع أم ليس بمشروع -وإن كان هذا ليس له مساس مباشر بالتأويل-؟ فالسباق مشروع، وقد سابق النبي ﷺ بين الخيل التي ضمرت من الجيفاء إلى ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، وهذا يؤخذ منه مراعاة التكافؤ، فلا تسابق بين شخص كبير وشخص صغير، وهكذا. فالسباق مشروع، ولا يجوز السباق على وجه الرهان إلا في ثلاثة أحوال، وهي المذكورة في قول رسول الله ﷺ : (لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل) ، فقوله: (لا سبق إلا في خف) ، أي: في الدواب ذوات الخف، كالإبل، (أو حافر) : وهي الدواب التي لها حوافر كالخيل والحمير، (أو نصل) : وهو الترامي بالسهام، أما ما سوى ذلك فلا يجوز على وجه الرهان. وقد سابق النبي ﷺ عائشة رضي الله تعالى عنها؛ فسبقته مرة وسبقها مرة ﷺ ، وهذا مبسوط في مظانه، فـ عائشة ﵂ تقول: (خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض الغزوات فأمر الجيش بالتقدم، ثم قال: سابقيني يا عائشة! فسابقت النبي ﷺ وكنت حينئذ خفيفة لم أحمل اللحم فسبقته، ثم لما تقدمت بي السن خرجت مع النبي ﷺ في بعض الغزوات فقال: سابقيني يا عائشة! فسبقني، وقال: هذه بتلك) ، فالمسابقة لا شيء فيها، ولكن لا تجوز على وجه الرهان إلا في الثلاثة التي ذكرت آنفاً.

стр. 522

عمل يعقوب بالقرائن لبيان كذب أبنائه قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف:١٧] ، فيه أيضاً مشروعية توكيل شخص بحفظ المتاع، وقد قال النبي ﷺ : (اعقلها وتوكل) . ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٧] ، من العلماء من قال: لا يستحب لشخص أن يلقن شخصاً أموراً قد يحتج بها عليه، فإن فريقاً من أهل العلم ذكر أن إخوة يوسف لم يكونوا يضمروا بأن الذئب قد أكل أخاهم، ولكنهم ذكروا بقول أبيهم: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف:١٣] ، فلا ينبغي أن يلقن شخص، فإن قال قائل: قد صدرت من يعقوب ﵇ وهو نبي؟ فالجواب عن ذلك: ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] ، أي: وما أنت بمصدق لنا، فمؤمن لنا معناه: مصدق لنا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس:٨٣] ، فقوله تعالى: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى) أي: فما صدّق لموسى. ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ ، أي: وما أنت بمصدق لنا، ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] ؛ لما استقر في نفسك من حبك الشديد ليوسف، فأي شيء سننقله لك عن يوسف فلن تصدقنا فيه. أخذ فريق من أهل العلم من سياقات هذا الحديث: أنه يعمل بالقرائن، فإن العلماء قد ذكروا أن يعقوب نظر إلى قميص يوسف، وإلى الدم الذي على القميص؛ فلم ير القميص مزق تمزيق ذئب، وإنما تمزيق بعض بني آدم، وأن الدم كذلك ليس بدم بشر، إنما هو دم حيوان آخر، وليس بدم يوسف ﷺ ، وكذلك أخذ من قولهم: ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] ، هذه الأمور الثلاثة: نوع الدم، طريقة التمزيق، وطريقة الخطاب. فكلها قرائن تدل على كذبهم في دعواهم؛ فمن ثَم أعمل بعض العلماء القرائن. وهناك ما يدل على إعمال القرائن: كالولد في قصة سليمان ﵇ مع المرأتين اللتين ذهب الذئب بابن إحداهما؛ فقد خرجت امرأتان ترعيان زمن داود ﵇، ومع هذه ابن لها، ومع تلك ابن لها، فعدا الذئب على ولد من الولدين فقتله وأخذه، فتحاكمتا إلى داود ﵇ وكل منهما تدعي أن الولد الباقي لها، فقضى به داود للكبرى، فخرجتا من عند داود ﵇ فمرتا بسليمان فاستوقفهما سليمان ﵇، وقال: أنا أقضي بينكما في هذا الولد المتبقي، ائتوني بسكين لكي أشقه بينكما نصفين، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله! فعلم من قرينة الرحمة التي بذلت من الصغرى أن الطفل لها، فقضى بالطفل للصغرى ﷺ . فيعمل بالقرائن أحياناً وسيأتي لذلك مزيد إن شاء الله تعالى.

стр. 523

عدم جواز العمل بالرؤى وهذا يجرنا إلى شيء قد نستفيد منه في ديننا -على سبيل المثال-: وإذا كان مؤدى الرؤيا مخالفاً للشرع، كأن يرى شخص رؤيا أنه أتاه آتٍ بأمره أن لا يصلي غداً، فلا يبني في حال من الأحوال على هذه الرؤيا؛ لأن الله أمرنا بالصلاة، فإذا جاءت رؤى تخالف أمراً من كتاب ربنا فلا يعول عليها، وهي حينئذ حلم من الشيطان. وكذلك في هذا الباب: إذا كان ثَم امرأة متبرجة، ورأى شخص رؤيا -وهو من الصالحين- أن تزوج هذه المتبرجة؛ فلا يعمل حينئذ بهذه الرؤيا، لأنا أمرنا بنكاح ذات الدين كما أمرنا رسولنا محمد ﷺ ؛ فالنصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله والبينات والقرائن، تقدم على التظاهرات والدعاوى والأحلام.

стр. 524

قصة بيع يوسف بعد استخراجه من الجب قال يعقوب ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ، وأسدل الستار على يعقوب هنا. ثم قال تعالى في بيان يوسف والحال التي جرت بيوسف ﵇ وهو في البئر المظلم الموحش: فالبئر عميق، وبه ماء، والآبار من العمق باردة، وهو طفل صغير ﷺ ، لكن إذا أراد الله أن يعز عبداً فلا مذل له، كما قال النبي محمد ﵊: (إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت) ، فأراد الله سبحانه ليوسف رفعة في الدنيا ورفعة في الآخرة، ولم يكن الله ليضيع أولياءه ولا الصالحين من عباده.

стр. 525

خروج يوسف من ابتلاء البئر قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ [يوسف:١٩] ، أي: الذي يبحث لهم عن الماء، ويرد به على أصحابه، والسيارة: القافلة التي تسير. ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ [يوسف:١٩] ، أي: في البئر، فتعلق يوسف ﵇ بالدلو، فاستخرج الرجل يوسف ﵇، فإذا به يرى غلاماً ليس على وجه الأرض له مثيل ولا شبيه، غلام قد أوتي شطر الحسن ﷺ ، غلام بهي نجيب جميل يسر الناظرين، كأنه ملك كريم ﵊، فقال الوارد: ﴿يَا بُشْرَى﴾ [يوسف:١٩] ، أي: يا بشرى هذا وقتك وهذا يومك، فإن أنا أجد ولداً جميلاً وسيماً على هذا القدر من الجمال الخارق، وعلى هذا القدر الطيب وسماحة الوجه يا بشرى تعالي فهذا مقامك. وفي ضد ذلك قول الكافر: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] ، أي: يا حسرة تعالي وحلي وانزلي على نفس فرطت في جنب الله، وهنا في المقابل: يا بشرى هذا وقتك فتعالي وحلي وانزلي.

стр. 526

بخس السيارة ليوسف وبيعه ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف:١٩] ، أسروه: من الإسرار، والإسرار الكتمان، فمن الذين أسروه بضاعة؟ من أهل العلم من يقول: إن الذين أسروه بضاعة هم الوارد ومن معه، أي: أسروه عن سائر القافلة، وأخفوا عن سائر القافلة أنهم وجدوه في البئر، أي: كتموا أمره على أنه بضاعة وأنهم اشتروها وسيبيعونها، ولم يقولوا: إنا وجدناه في البئر، وهذا القول هو الأقرب إلى سياق الآيات الكريمات، والأقرب إلى ظواهرها. فالذين أسروه بضاعة على هذا القول هم: الوارد ومن معه، أو الوارد ورفقته الخاصة دون سائر السيارة، فكأنهم أظهروا أنهم اشتروه وسيبيعونه، ولم يقولوا: إنا وجدناه في البئر، فمعنى الإسرار الكتمان. وثَم قول آخر: أن الذين أسروه وكتموا أمره هم إخوته، وكيف ذلك؟ أورد بعض المفسرين -وليس ثَم دليل يشهد لذلك- أن أخا يوسف الكبير كان يتفقد أحواله يوماً بعد يوم؛ فيذهب إلى البئر فينظر إلى ماذا آل أمر أخيه يوسف، فلما وجد الوارد قد استخرجه أتى إليه سريعاً، وقال: هذا عبد لنا قد أبق، وأخفى أنه أخ له، وأخفى يوسف كذلك أنه أخوهم حتى لا يأخذوه ويقتلوه، فرضي بالبيع، ورضي أخوه بأن يبيعه. قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ [يوسف:٢٠] ، أي: باعوه، فـ (شرى) بمعنى باع. ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف:٢٠] ، أي: الذين وجدوه باعوه، أو أن إخوته باعوه، على تأويلين للعلماء، والمعدودة معناها هنا: القليلة التي تعد، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ، أي: قليلات يأتي عليها العد. ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠] ، وعلى هذا جوز بعض أهل العلم بيع السلعة النفيسة ذات القيمة الكبيرة بثمن قليل ما دام الرضا من البائع موجوداً ولا يوجد إكراه. وفي مقابل ذلك: الغبن الفاحش، هل هو جائز أو غير جائز؟ الظاهر أن الغبن الفاحش ترد به السلعة؛ لأنه نوع من أنواع الغش، بمعنى إذا كان مثلاً كيلو العنب يباع بجنيه أو بجنيهين فأرسلت ولداً لك يشتريه، فباع له البائع كيلو العنب بمائة جنيه، فلك أن ترد على هذا البائع السلعة وأن تسترد مالك؛ لأن هذا نوع من الغبن الفاحش، والذي به السلعة كما قال الفقهاء، لكن هذه تختلف عن صورتنا في هذا المقام.

стр. 527

تفسير قوله تعالى: (وقال الذي اشتراه من مصر ... ) الآيات قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ [يوسف:٢١] ، ومصر هنا المقصود بها هذه البلدة، وليست بلدة من البلدان كالواردة في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة:٦١] ، فإن المقصود بها: أي مصر من الأمصار وأي بلدة من البلدان، لكن هنا: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ [يوسف:٢١] ، المقصود بها: مصر المنسوبة إلى فرعون.

стр. 528

إحسان الله ليوسف بإيتائه العلم والحكمة قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢١-٢٢] : وبلوغ الأشد من العلماء من قال فيه: يكون ببلوغ الحلم، ومنهم من قال: ببلوغ الثلاثين، ومنهم من استدل بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥] ، فقالوا: إن بلوغ الأشد هو أربعون سنة، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢] ، ومنهم من قال: الحكم هنا من الحكمة، والعقل وضع الأمور في أنصبتها اللائقة بها. ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢٢] ، فيذكر الله الناس بالإحسان ويحثهم عليه، إذ المحسن يكرمه الله؛ فيبين الله في القصص القرآني الكريم أحوال أهل الصلاح ويعمم الحكم، فمن سار على مسيرتهم جوزي خير الجزاء، كما يذكر الله سبحانه أيضاً أهل الشر، ويتوعد من سار سيرهم كما قال تعالى في شأن الحجارة التي أرسلت على قوم لوط: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] . ويذكر الله سبحانه إنجاءه لعباده ويقول: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر:٣٥] ، أي: من شكر جازاه الله بأنواع من الجزاء مثل هذا الذي صنعناه. فالله سبحانه ذكرنا بإكرامه لنبيه يوسف ﵇ ثم قال: إن هذا العطاء منا ليس خاصاً بيوسف ﵇ بسبب النبوة، بل الإنجاء والإكرام عام، فلما أبان الله الإكرام الذي أكرم به نبيه يوسف قال: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢٢] ، فهذا لابد أن ينتبه له. فالقصص القرآني نأخذ منه العبر، ونتأسى بمن كان قبلنا من أهل الفضل والصلاح، فالله سبحانه ذكر قصة أيوب ﵇ فقال: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٤] ، أي: يتذكرها العباد فيسيروا سيرهم. قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٢٢] ، المحسنون هم الذين يعبدون الله ويراقبونه مع عدم رؤيتهم له، ويعبدون الله كأنهم يرونه، ويخشون ربهم بالغيب المحسنون كاظمون للغيظ وعافون عن الناس. فتلك من شيمهم المحسنون يقابلون الإساءات بالإحسان، والسيئات بالعفو والغفران هؤلاء هم المحسنون!

стр. 529

إكرام العزيز ليوسف شاء الله أن يشتريه عزيز مصر: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ [يوسف:٢١] ، أي: أكرمي مقامه، وأحسني إليه، ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١] . ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بسند يحتاج إلى بحث أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: (عزيز مصر إذ قال لامرأته في شأن يوسف ﵇: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [يوسف:٢١] ، وابنة الشيخ الكبير التي قالت لأبيها في شأن موسى ﵇: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] ، وأبو بكر لما استخلف عمر ﵃ أجمعين) . قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ، قال العلماء: كان هذا الرجل عقيماً لا ينجب، وكان هذا التبني موجوداً إلى أن نسخ في شريعتنا على لسان نبينا محمد ﵊ في قول الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] .

стр. 530

مراودة امرأة العزيز يوسف عن نفسه بين الله سبحانه ابتلاءً يتعرض له المسلمون خصوصاً والناس عموماً في دنياهم ابتلاء من الابتلاءات التي تكثر في الناس، والتي خشي علينا منها نبينا محمد ﷺ ، ألا وهو الابتلاء والفتنة بالنساء، فالرسول ﷺ قال: (ما تركت فتنة بعدي أضر على الرجال من النساء) ، وقال ﵊: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) .
следующие страницы →