Полный текст (2 242 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
المعنيون بقوله تعالى: (كما استخلف الذين من قبلهم)
ومن المعنيون بقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥] ؟ قال جمهور المفسرين: إن المراد بنو إسرائيل، فإن الله قال في شأنهم: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥] ، وهم الإسرائيلون الذين كانوا يذبحون، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥-٦] فأحد القولين: أن الذين استخلفوا من قبل أمة محمد هم بنو إسرائيل وكما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧] .
ومن المفسرين من قال -وله وجه-: إن الذين استخلفوا من قبلهم أعم من كونهم بني إسرائيل، فبنو إسرائيل صحيح أنهم استخلفوا، لكن قصر الآية عليهم غير جيد، فإن هناك من استخلف وليس من بني إسرائيل الذين كانوا مع موسى، صحيح أن يوسف من أبناء إسرائيل، لكنه ليس المعني في تفسير الجمهور القائلين بأنهم الذين كانوا في زمن فرعون، ويوسف قد مكن أيضاً ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٥٦] ، لكن الأشهر هو قول الجمهور كما سمعتم.
стр. 737
الآداب والأحكام المتعلقة بالاستئذان داخل البيوت
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٥٨] وهذا حكم الاستئذان داخل البيوت، وقد تقدم حكم الاستئذان من خارج البيوت.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا من آمنتم بالله، ورضيتم به رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهم: العبيد والإماء.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] ، الأولاد الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، وبلوغ الحلم معروف إما أن يكون بالاحتلام، وإما بالإنبات، وفريق يرى أنه ببلوغ خمس عشرة سنة، فالذين أقل من هذه السن، وهم مميزون، فالآية في حقهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] أي: الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم الذين يميزون، أما الأطفال الرضع فالآية لا تتعلق بهم؛ لأنهم لا يعرفون معنى الاستئذان.
﴿ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور:٥٨] ، أي: عليكم -يا أهل الإيمان- أن تعلموا أولادكم المميزين الاستئذان ثلاث مرات، إذا جاء الطفل يدخل على أمه وعلى أبيه في هذه الثلاثة الأوقات عليه أن يستأذن، ولا يكون الأمر فوضى، فإن الولد قد يهجم على الغرفة فيجد أمه وأباه في موضع يكرها أن يُريا فيه، فيخرج ما رأى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:٥٨] في هذه الأوقات على الأم والأب أن يعلما ولدهما الاستئذان.
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ استدل بها بعض العلماء أن الشخص إذا كان في خلوة يجوز له أن تنكشف عورته شيئاً ما إذا كان لا يراه أحد، ومن العلماء من قال: الأفضل أن يستتر في الخلوة أيضاً؛ لأن الملائكة تراه، بل لأن الله يراه، وقد قال النبي ﵊: (الله أحق أن يستحيا منه) .
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨] لأن هذه الأوقات الثلاثة مظنة انكشاف العورات، الرجل يدخل ينام ويخلع ثيابه، فقبيح بالأب أن يرى ولدُه عورته، وقبيح بالأم أن يرى ولدها عورتها، فهذا قبيح وإنما يفعله من لا خلاق له.
﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور:٥٨] ، في غير هذه الأوقات الثلاثة لا تشقوا على الأطفال أن يستأذنوا في كل وقت، إنما الأطفال يستأذنون في هذه الأوقات الثلاثة، أما الكبار فيستأذنون في كل وقت.
في غير هذه الأوقات الثلاثة الأمر متجه إليك أن تستر عورتك، في غير الأوقات الثلاثة عليك -يا رجل- وعليك يا -امرأة- أن تستترا، لكن في الأوقات الثلاثة على الولد أن يستأذن على أبويه، وهذا منحى شرعي ينحى في عدة مسائل، فالرسول ﷺ حكم أن ما أتلفته الماشية بالنهار فلا جزاء على صاحب الماشية، يعني: في النهار أنت تحرس بستانك وتحرس حقلك، فإذا جاءت الماشية واعتدت عليها يمكنك أن تطردها أنت، لكن إذا اعتدت الماشية ليلاً فأتلفت أرضاً فيعزم صاحب الماشية؛ لأنه كان ينبغي عليه أن يربطها، ولذلك يحكم في الديات الآن في بلاد السعودية: لو أن جملاً كان يمشي في الطريق وجاءت سيارة بسرعة فصدمت الجمل، ينظر في تحديد الأحكام: هل كان هذا ليلاً أو نهاراً؟ إن كان هذا نهاراً فيغرم صاحب السيارة أرشاً إن كان الجمل مجروحاً، ويغرم قيمة الجمل إذا قتل الجمل، وإن كان هذا ليلاً فيغرم صاحب الجمل الإتلافات التي في السيارة، وإن مات من في السيارة يتحمل صاحب الجمل دية الذين ماتوا؛ لأنه أرسل ماشيته ليلاً فأضرت بالعباد.
فهذا المنحى الشرعي: ففي هذه الأوقات الثلاثة التي هي من حقك أنت لا يعتدى عليك، فمن حق الرجل أن يسكن مع امرأته في هذه الأوقات الثلاثة، إذا جاء الولد يدخل فعليك أن تعلمه الاستئذان، أنت لست كل وقت مع زوجتك، ففي غير هذه الأوقات الثلاثة لا تحرج على الولد إذا كان طفلاً أن يستأذن، فإن ذلك يشق عليه.
قال الله سبحانه: ﴿ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور:٥٨] ، ففي غير هذه الأوقات الثلاثة: ليس عليكم ولا عليهم جناح، والمراد بالجناح: الإثم، أي: ليس عليكم ولا عليهم إثم بعدهن.
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النور:٥٨] أي: من شأن الأطفال أن يطوفوا على أبويهم، هذا يدخل عليه وهذا يخرج، فكونهم طوافين عليكم يشق على الطواف أن يطرق دوماً، فخفف عن الأطفال لهذا الغرض، قال النبي ﷺ في شأن الهرة: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) .
﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨] .
﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٩] أي: في كل وقت.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٩] من أهل العلم كـ عبد الله بن عباس ﵄ من يقول: إن هذه من الآيات التي ترك الناس العمل بها، وهي آية محكمة في كتاب الله لم تنسخ، كذا قال عبد الله بن عباس ﵄، هي وآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ترك الناس العمل بها وقالوا: إن أكرمكم أغناكم وأوجهكم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء:٨] ترك الناس العمل بها، إذا جئت والناس يتقاسمون الميراث، لا أحد من الذين يتقاسمون الميراث يقول: يا جماعة! أنتم تتقاسمون عشر قطع من الإرث، هيا نتصدق منها على الفقراء، ما أظن هذا يحدث الآن، هذه من الآيات التي ترك الناس العمل بها مع أنها محكمة لم تنسخ على الصحيح، أما تعليل البعض بأن الأبواب قديماً كانت من الستور، وكان الأطفال يهجمون فيدخلون على أمهاتم وآبائهم مباشرة، أما الآن فأصبحت الأبواب لها أقفال ونحو ذلك فلا يحتاج إلى إذن، فهذا ليس بجيد أيضاً، فقد يغلق الوالد الباب وينسى أن يقفله بمفتاح، فإذا جاء الولد وفتحة رأى ما يكره، والله أعلم.
وهذه الآية أصل في حفظ تصورات الأطفال، وإبقائها نظيفة، وهذه الآية تبين محاسن ديننا، فمن محاسن الدين: أن يبقى فكر الولد نظيفاً جميلاً يفكر فيما يرضي الله، ولا يفكر في العبث والفجور والمجون، وهذه الآية فيها إرشاد إلى أنه ينبغي أن نمنع أبناءنا من النظر إلى شاشات التلفاز وما فيها من فضائح، فمنع الله الطفل من الدخول على أمه وأبيه حتى لا يرى مناظر مكروهة، فمن ثم كل مكروه يأخذ نفس الحكم، إذا كان الطفل سيرى في شاشات التلفاز رجلاً فوق امرأة، أو الطفلة سترى في التلفاز رجلاً يقبل امرأة فنفس الحكم، فيجب أن يمنع الابن والبنت من رؤية التلفزيون، والله أعلم.
стр. 738
أحكام القواعد من النساء
يقول الله سبحانه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠] .
قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ فيه مقدر: حكمهن أنه ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ لأهل العلم أقوال في تحديد القواعد من النساء: فمنهم من قال: إن القواعد من النساء هن النساء اللواتي يئسن من المحيض.
ومنهم من قال: قد تكون المرأة يئست من المحيض ومع ذلك فهي تشتهى وبها قوة، فلا تكن من القواعد.
ومنهم من قال: إن القواعد من النساء هن النساء اللواتي لا يستشرفن للنكاح ولا يرجونه، أي: هي المرأة التي لا تريد النكاح ولا ترغب فيه، يعني: انقطعت حاجتها في الرجال.
ومنهم من قال: هن النسوة اللاتي كبرن حتى صرن لا يُشتهين، فهذه بعض أقوال العلماء في تحديد القواعد من النساء.
قال سبحانه: ﴿اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يرغبن في النكاح، ولا يشتهين النكاح، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ أي: ليس عليهن إثم، فالجناح هو الإثم.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ والمراد هنا قطعاً: بعض ثيابهن، فليس معنى (أن يضعن ثيابهن) كل الثياب، إنما المراد: أن ينزعن بعض ثيابهن، أو ثيابهن الخارجية التي هي بمثابة الجلباب، فالمرأة في الغالب ترتدي درعاً أي: قميصاً، وليس المراد به: قميص النوم، إنما ترتدي ثوباً وفوق الثوب ترتدي جلباباً، فيجوز لها أن تخلع الجلباب وتبقى بالثوب -ثوب البيت- ومعه الخمار من غير تبرج.
فمن أهل العلم من قال: إن الثوب الموضوع هو الجلباب الخارجي، فمثلاً: نساؤنا يلبسن ثوباً أسود، وتحته ثوب آخر، فلا جناح عليهن إذا كن من القواعد أن يضعن ثيابهن الخارجية، ومع ذلك يحتطن، ولا يكن متبرجات بزينة، والتعفف أفضل كما لا يخفى، فإن جرير بن حازم أخرج عنه البيهقي بسند صحيح: أنه دخل على حفصة بنت سيرين وكانت من القواعد آنذاك، فرآها وهي مرتدية للنقاب والجلباب فقال لها: يا أماه يرحمك الله! ألم يقل الله سبحانه: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] ؟ فقالت له هذه المرأة الرشيدة: أكمل الآية، فأكملها: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور:٦٠] قالت: فهو إثبات النقاب.
فالاستعفاف مع ذلك خير، فكما قال فريق من العلماء: إن لكل ساقطة لاقطة، فقد تكون المرأة لا تشتهى في نظرك ولا تشتهيها نفسك، ولكن ثم أنفس أخر تشتهيها وترغب فيها، فلذلك قال سبحانه: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: يستعففن ولا يضعن شيئاً من جلابيبهن.
قال سبحانه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾ [النور:٦٠] التبرج: يطلق على التكشف، ويطلق على الظهور والبروز، قال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ، فأطلق عليها بروجاً لارتفاعها، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر:١٦] فمن معاني التبرج: التكشف وإظهار ما خفي، فهذا من معاني التبرج.
فالمرأة القاعد وإن جاز لها أن تضع جلبابها إلا أنها مع وضعها الجلباب لا تتبرج، فلا تظهر حليها مثلاً للأجانب، كالعقد الذي يكون في صدرها، والقرط الذي يكون في أذنها.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠] سميع للأقوال، عليم بما في النيات وما في الضمائر وما في السرائر، فهو يعلم هل وضعها لثيابها لأنه يشق عليها أو تبرج منها؟ العليم بذلك هو الله ، الله سميع لقولها إذا تكلمت، هل تريد بكلامها خضوعاً في القول، وجذباً للرجال إليها، ولفت أنظار الرجال إليها؟ عليم بنياتها وبضميرها وما تكنه نفسها ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
стр. 739
نوع الحرج المرفوع عن الأعمى والمريض والأعرج
وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] ما هو الحرج؟ أسلفنا أن الحرج الإثم، فالحرج والجناح بمعنى واحد، ومن معانيه الإثم، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٦١] الآية.
فأفادت الآية أن الحرج المرفوع هو الحرج في الأكل، أما آية الفتح فالحرج المرفوع فيها هو الحرج في التخلف عن الجهاد، وهذه الآية الكريمة سبب نزولها هو ما أخرجه البزار في الزوائد: أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يخرجون للغزو، ويتخلف المرضى وذوي العاهات، فيعطي الغزاة مفاتيح بيوتهم لهؤلاء الزمنى والمرضى الذين بقوا، ويرخصون لهم في الأكل من البيوت، فيتحرج هؤلاء الزمنى والمرضى من الأكل من البيوت، ويقولون: لعلهم أعطونا مفاتيح بيوتهم وأذنوا لنا في الأكل من البيوت عن غير طيب نفس، فيتحرجون من الأكل، فأنزل الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٦١] الآيات.
فقال بعض العلماء: إن الحرج الموضوع هو الحرج في الأكل، ومنهم من قال: إن الأعمى كان يذهب إلى بيت السليم المعافى، فيأخذه المعافى ويذهب به إلى بيت أقارب له ليأكل عندهم، فيقول الأعمى: إنما يأخذنا إلى بيت غيره, ويستنكف من الأكل في هذا البيت.
وقال آخرون: إن المبصرين والأصحاء كانوا يتحرجون من الأكل مع العميان، وتحرجهم كان على قسمين: فقسم منهم يتحرج من الأكل مع العميان تقذراً، فإذا مد الأعمى يده إلى لقمة قد لا يضبط يده ويضعها في وسط الطعام، أو تتلوث يده بالطعام فيتقذر الصحيح ويمتعض من الأكل معه.
وقسم كانوا يتحرجون من الأكل مع العميان ليس للسبب المذكور، إنما يقولون في أنفسهم: قد نأكل مع العميان فتمتد أيدينا إلى طعام أفضل من الطعام الذي يأكله الأعمى لأنه لا يرى، فيمتنعون عن الأكل معهم تورعاً.
فهناك طائفة تمتنع تورعاً، وطائفة تمتنع تقذراً، فهذا قول في الآية أن الحرج المرفوع في الطعام.
ومن العلماء من قال: إن الحرج المرفوع عن الأعمى في الشيء الذي يفعله المبصر ولا يستطيعه الأعمى، إذا كان هناك أي شيء يُفعل بناءً على الرؤية بالنظر وتركه الأعمى، فالأعمى معذور فيه ولا يؤاخذ، وإذا كان هناك أي شيء يفعله صحيح الرجلين فالحرج مرفوع عن الأعرج في كل شيء يفعله صحيح الرجلين.
فمثلاً: صحيح الرجلين يصلي وهو قائم، الأعرج لا يستطيع ذلك فيصلي وهو جالس.
صحيح الرجلين يجاهد، الأعرج رجله تعوقه عن الجهاد فيرتفع عنه الحرج في الجهاد، فهذا قول أيضاً في الباب.
وكذلك المريض في كل شيء يعوقه المرض ويخلفه عنه؛ لا يؤاخذ فيه.
إذاً: حاصل الأقوال في الحرج المرفوع عن الأعمى والأعرج والمريض: أنه في الطعام، وأُذن لهم أن يأكلوا مع الناس، وأُذن للناس أن يأكلوا معهم، ورفع الحرج أيضاً في كل ما يتخلفون عنه بسبب العلة التي بهم.
﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] فعلى ذلك لا يؤاخذ العميان كما يؤاخذ أصحاب البصر.
﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور:٦١] وهذه الآية من آيات رفع الحرج الواردة في كتاب الله.
стр. 740
جواز الأكل في بيوت المذكورين في الآية بحسب العرف
قال تعالى: ﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور:٦١] ، الآية أفادت أنه يجوز لك أن تدخل هذه البيوت، وأن تأكل منها ولو لم تستأذن، لكن هل الأمر على إطلاقه أو فيه تفصيل؟ لا شك أن في الأمر تفصيل، ففرق العلماء بين الطعام الذي يقع به الحرج والطعام الذي لا يقع به الحرج، فقد يقول مثلاً: تمري موضوع في البيت في مكان عام في البيت، فلا بأس أن تأكل من هذا التمر الموضوع في البيت بدون استئذان، لكن قد تكون الأم -مثلاً- أو الأخت أو الصديق اشترى مثلاً كيلو سمن بلدي غالي الثمن، أو كيلو عسل يستعمله للعلاج ويحفظه في صندوق بعيد عن الأيدي؛ فلا تأت وتكشف الصندوق وتلتهم الكيلو العسل أو الكيلو السمن! هنا فرق قال كثير من العلماء في مثل هذه الحالة الأخيرة: يُحتاج إلى إذن.
ومنهم من قال: إن المسألة مسألة عرفية، يعني الحكم فيها مردود إلى الأعراف السائدة.
فمثلاً: في بلادنا إذا دخل أخوك عندك وأكل خبزاً أو أرزاً أو بطاطساً، فهي أشياء لا تؤثر في العادة في نفسية الذي أُكل عنده، أما إذا اشترى شخص مثلاً كيلو لحم -وهو يشتري في الشهر كيلو لحم- وحفظه في موطن ما، وجاء أخوه في غيابه والتهمه، لا شك أن الحكم في هذه الحالة يختلف، فقال بعض العلماء بهذا التفصيل الذي سمعتموه لعمومات أخر دلت مع الآية، منها قول النبي ﷺ الذي صححه بعض أهل العلم: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه) ، ووضعوا للآية ضوابط.
ومنهم من قال: ترجع المسألة إلى نفسية صاحب البيت، وإلى الصداقة الموجودة بين الداخل وبينه، والله أعلم.
لكن على التقعيد يجوز لك أن تأكل ما تعارف عليه الناس من بيوت المذكورين، والله أعلم.
﴿وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور:٦١] ، الزوجة تأكل من بيت الزوج بغير إذنه؛ لأن البيت أصلاً منسوب إليها، وكما قال راوي الحديث: إن النبي ﷺ انطلق مع صفية بنت حيي ليقلبها إلى بيتها، وكان بيتها قريباً من دار أسامة بن زيد كما قال الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] ، فنسب البيوت إليهن، وعليه: فالمرأة تأكل من بيت الزوج مطلقاً بغير إذن.
قال سبحانه: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور:٦١] يعني لو أن شخصاً أمه متزوجة برجل آخر يجوز له أن يدخل عندها ويأكل.
﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور:٦١] ، وهذا بالنسبة للقهرمان الذي هو بمعنى الخادم، في بيوت الأثرياء يضعون غرفة للطعام فيها مثلاً: الأرز والسمن وكل متعلقات البيت بكميات، ويجعلون عليها خادماً، وإذا احتاجوا شيئاً أو أمره صاحب البيت أن يعطي فلاناً شيئاً من هذا الخبز أعطاه، فالقائم على هذا الذي بيده مفاتيح هذه الأمكنة يجوز له أن يأكل منها، وهذا يتفق مع عمومات الشرع كقول النبي ﷺ : (إذا ولي الخادم طعام أحدكم فليناوله منه اللقمة وليناوله منه اللقمتين) ، فكما أن الخادم يقوم على حفظ طعام البيت فيجوز له أن يأكل منه.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ [النور:٦١] أي: مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور:٦١] أي: متفرقين.
إذاً: يجوز لك أن تأكل مع جماعة، ويجوز لك أن تأكل بمفردك، إلا أن التجمع على الطعام أولى (اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه) ، فالتجمع على الطعام أولى.
стр. 741
تفسير قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم)
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] ما المراد بالبيوت هنا؟ من العلماء من قال: إن المقصود عموم البيوت، فوُجه إليه القول: هل يسن إذا دخلنا بيتاً مسكوناً فيه أناس أن نقول: السلام علينا فنسلم على أنفسنا؟ فقال قائل هذا القول: إن المعنى سلموا على إخوانكم، فإن المؤمنين كالجسد الواحد كقول النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد،) وكما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] أي: يقتل بعضكم بعضاً، وليس المراد الانتحار، وكما قال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] أي: لا يلمز بعضكم بعضاً، وقوله تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ﴾ [النور:١٢] أي: بإخوانهم، فقال قائل هذا القول: إذا دخلت بيتاً أي بيت كان فسلم على من فيه، فالمعني بالنفس: المؤمنون الذين هم داخل البيت.
ومن العلماء من قال: إن المراد بالبيوت المسكونة ما تقدم في قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] وهذه الآية التي بين أيدينا في البيوت غير المسكونة، يعني: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد، فقال هذا الفريق من العلماء: قل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أي: سلم على نفسك، على ظاهر الآية.
ومنهم من قال: إن هذه البيوت هي المساجد، أما كون المساجد يطلق عليه بيوت، فهذا في كتاب الله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] قالوا: فإذا دخلت المسجد فسلم عند دخولك المسجد على من في المسجد، وقال آخرون أيضاً: إن المراد بالبيوت: بيوت الداخلين، إذا دخل الشخص بيته يسلم على أهله التي هي بمنزلة نفسه، وقال ابن العربي ﵀: إن الله أطلق البيوت ولم يقيدها، فعم ولم يخص فقال سبحانه: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ [النور:٦١] فأي بيوت يدخلها الشخص يسلم على من فيها، سواء كان فيها أشخاص أو لم يكن فيها أشخاص، وهذا القول بالعموم في هذا الموطن قول قوي؛ إذ ليس هناك ما يمنع التعميم، والله أعلم.
стр. 742
من ثمار السلام
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً﴾ [النور:٦١] أي: أن الأمر بهذه التحية إنما هو أمر من الله .
﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً﴾ [النور:٦١] وقد تقدم أن البركة: ثبوت الخير في الشيء، وتطلق البركة على النمو والازدياد، فمعنى بارك الله فيك أي: نمى الله الخير فيك، وزاد الله الخير فيك، وثبت الله الخير فيك.
﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] ، تطيب بها أنفس من دخلت عليهم، فإذا دخلت على قوم فسلمت عليهم، أو إذا مررت بقوم فسلمت عليهم، طابت نفوسهم تجاهك، وارتاحت نفوسهم لحديثك، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) ، فإفشاء السلام سبب في إيجاد المحبة بين المسلمين والمسلمات، فكم من ضغينة دفنت بسبب قول: السلام عليكم، وكم من بلية تُجنبت بسبب قول: السلام عليكم، وكم من فتنة قامت واشتعلت بسبب ترك السلام! قال سبحانه: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور:٦١] .
стр. 743
تفسير قوله تعالى: (على أمر جامع)
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٦٢] أي: إنما المؤمنون الذين كمل إيمانهم.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٦٢] وهذا الأصل، ثم شيء آخر ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ [النور:٦٢] أي: مع رسول الله ﷺ ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور:٦٢] ما المراد بالأمر الجامع؟ الأمر الجامع هو الأمر الذي يجتمع الناس عليه، فعلى ذلك الأمر الجامع: هو الأمر ذو الأهمية الذي يجمع الناس.
فمن ذلك مثلاً: صلاة الجمعة أمر جامع، الدعوة للجهاد والخروج إليه أمر جامع، الاجتماع لحفر الخندق أمر جامع، فهناك أمور جامعة كان يجتمع عليها الناس مع النبي ﷺ .
ومن الأمر الجامع مثلاً أن يقال: هيا -يا إخوان- نحفر قواعد المسجد، فتأتي أفواج أهل الصلاح، ويستحي قوم فيدخلون في وسطهم فيبدأ العمل، فتجد قوماً يتسللون لواذاً، يهرب الواحد بعد الآخر، يتسلل ويهرب، هذا من ناحية، وهذا من ناحية أخرى، وهذا يستتر وراء هذا ويهربان، وكذلك كان الحال كما قال بعض العلماء في الجمعة على عهد الرسول ﵊، كان بعض الجالسين من أهل النفاق، هو أصلاً متبرم من الجمعة ومتبرم من الصلوات، فيتسلل هرباً، ويأتي آخر ويهرب بعده، ويأتي آخر ويستظل بهذا حتى يهربا معاً، كذلك في حفر الخندق، كان النبي ﷺ يحفر الخندق مع أصحابه، فيأتي قوم يريدون الكيد للإسلام يتسللون لواذاً، هذا يهرب بعد هذا، وهذا يهرب بعد هذا، وهذا يظهر في الأعمال الجامعة دائماً، تجد قوماً من ضعاف الإيمان هذا ديدنهم وهذا شأنهم، ليس لهم في الخير نصيب، مثلاً يقال: هيا -يا إخوان- نكنس المسجد، تجد فئة مؤمنة تقوم وتجتهد وتتفانى في طاعة الله ، وفئة بليدة محرومة عندها غضاضة، تهرب واحدة تلو الأخرى، فالأمر الجامع هو الأمر الذي يجتمع المسلمون عليه، ففي هذا الأمر الجامع قوم مقبلون على الخير، وقوم أهل كبر وأهل غطرسة محرومون من الخير يهربون واحداً تلو الآخر، وهذا في أعمال البر بصفة عامة، فالله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٦٢] أي: كاملو الإيمان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور:٦٢] ، يعني يقولون: ائذن لي -يا رسول الله- معي كذا وكذا، أما خلسة وهروباً فهذا فعل أهل النفاق، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ، وهذا أيضاً من الأدلة الدالة على رفع الحرج، فمع أن الأمر أمر جامع جاز للإمام أن يأذن لذوي الأعذار، قد يكون الشخص مشغولاً فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [النور:٦٢] أي: للانصراف لمشاغلهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور:٦٢] ، فإذا كان المستأذن مؤمناً بالله واليوم والآخر، فما بالك بغير المستأذن الذي يمكث يعمل فهو من باب أولى أشد إيماناً.
فهنا ثلاثة أصناف: قوم بقوا في العمل مع النبي ﷺ وبقوا معه في الأمر الجامع.
وقوم تسللوا لواذاً.
وقوم استأذنوا الرسول ﷺ لأعذارهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور:٦٢] ، ليسوا كلهم يؤذن لهم، إنما يؤذن لمن تراه أنت، وهذا موكول إلى اجتهاد الرسول ﷺ ، الذي تراه محتاجاً إلى الإذن ائذن له، فهذه الآية خيرت الرسول ﷺ ورفعت الحرج عن الرسول أيضاً؛ لأن الرسول قد يأذن لشخص من غير أصحاب الأعذار تستر بعذر، فالله لم يقل له فأذن لأصحاب الأعذار منهم، فإن الرسول لا يعلمهم، إنما فيها أيضاً رفع الحرج عن النبي ﷺ إذ أباح الله له أن يأذن لمن شاء منهم.
﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ [النور:٦٢] ، فيه دليل على أن هذا الاستئذان في نفسه فيه خلل لترك العمل الجامع، فلذلك جبر هذا الخلل؟ باستغفار النبي ﷺ لهم، فهنا عمل خير، والناس مجتمعون عليه، فلما جاءه قوم يستأذنونه أذن لهم، فالاستئذان في نفسه قصور منهم، فيجبر هذا القصور بأن يستغفر لهم رسول الله ﷺ ، ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٦٢] .
стр. 744
تفسير قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)
وقال الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] الدعاء هنا المراد به: نداء النبي ﷺ لكم، يعني: إذا دعاكم الرسول ﷺ لأمر فلا تظنوا أن دعوته لكم لهذا الأمر كدعوة غيره، يعني: إذا دعاك زيد من الناس فليست دعوة زيد لك -تعال يا فلان- كدعوة رسول الله، إنما الواجب مع رسول الله أن تسمع له وأن تطيع، ففرق بين معصيتك ومخالفتك لرسول الله وبين إجابتك دعوة النبي ﷺ ، ولذلك لما رأى النبي ﷺ أبا سعيد بن المعلى يصلي فدعاه، فلم يخرج أبو سعيد من صلاته، فقال له النبي بعد أن انصرف من الصلاة: (ما منعك أن تجيب؟! قال: إني كنت في صلاة يا رسول الله! قال له النبي ﵊: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] ) ؟ فهذا رشح أن المراد بالدعاء في الآية: المناداة، أو الدعوة التي هي: تعال يا فلان! وقيل: إن المراد بالدعاء: دعاء الرسول ﵊ على الناس أو للناس، فإذا دعا الرسول على قوم أو دعا الرسول لقوم فليست دعوته كدعوة غيره ﵊، إذا قال النبي ﷺ : اللهم انتقم من فلان، أو اللهم اغفر لفلان، فدعاؤه ﵊ أو دعوته بهذا الصدد ليست كدعوة غيره ﵊.
ومن العلماء قال في هذا الباب: دعوة أهل الصلاح ليست كدعوة غيرهم، فمثلاً: أنت تؤذي عبداً من عباد الله الصالحين، فدعوته عليك ليست كدعوة غيره، فهو صالح مظلوم، ويستدل لهذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] .
ففي الآية تعظيم للنبي ﷺ ، والحث على توقيره ﵊، وعلى تعظيمه ﷺ ، ولهذا شاهد آخر من التنزيل، وهو قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] ، فليس قول الرسول ﵊ كقول غيره، ليست مناداته ﷺ للناس: تعالوا أيها الناس! كدعوة غيره، وليست دعوته ﷺ على الناس: اللهم افعل بهم وافعل! كدعوة غيره ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ .
стр. 745
تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً)
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ [النور:٦٣] ، قد هنا للتحقيق أي: قد علم الله، كما قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨] ، ليست على الشك، إنما هي للتحقيق ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور:٦٣] والتسلل: هو الهروب بخفية، تسلل فلان إلى مكان كذا وكذا، تسلل من بين الأشجار، فالتسلل هو الهروب خفية، ولاذ فلان بفلان يعني تستر به: يا من ألوذ به فيما أؤمله ويا من أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره فألوذ به من معانيها: أستتر به ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور:٦٣] فاللواذ: هو التستر في الهرب، يعني شخص يريد أن يهرب فيمشي خلف شخص حتى يستتر به ويهرب.
مثلاً: شخص أراد أن يخرج يوم الجمعة ولكنه خائف أن يخرج مباشرة، فينظر إلى اثنين أو ثلاثة خارجين، ويجعل نفسه في وسطهم ويخرج هرباً!
стр. 746
عاقبة مخالفة أمر النبي ﵊
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور:٦٣] كلمة عن هنا: هل هي زائدة أو لها معنى؟ من أهل العلم من قال: عن زائدة، والمعنى: فليحذر الذين يخالفون أمره، قالوا: ولغة العرب منها أحرف زائدة، والقرآن نزل بلسان عربي مبين.
ومن العلماء من قال: عن هنا بمعنى بعد، فليحذر الذين يخالفون بعد أمره، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] ، على أحد الأقوال في تأويلها: أي: بعد أمر الله له بالطاعة فسق.
ومنهم من قال: هنا محذوف مقدر، فالمعنى: فليحذر الذين يخالفون معرضين عن أمره، قال: فعن تضمنت الإعراض، ولكن حذف الإعراض، فليحذر الذين يخالفون معرضين عن أمره ﵊، هذه ثلاثة أقوال في الآية.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:٦٣] الفتنة: الكفر، وقد تطلق الفتنة على أشياء أخر، تطلق الفتنة على: التعذيب بالنار، وتطلق الفتنة على الشرك ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦١-١٦٣] .
لئن فتنتني لهي بالأمس قد فتنت سعيداً فأصبح قد قلى كل مسلم وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المتيم فقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، أي: صرف عن الدين، أو كفر وشك ونفاق في قلوبهم، وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى أن المراد بالفتنة هنا: الشرك، وفكر قليلاً كيف أن مخالفة أمر الرسول تجلب لهم الشرك؟! ففسرها على ما ورد عنه: أن المخالفة في الأمر الصغير تجلب مخالفة في الأكبر حتى يصل الأمر والعياذ بالله إلى الشرك.
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، شك وريب وشرك في قلوبهم، وصرف لقلوبهم عن الحق إلى الباطل.
﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] وجع للأبدان مؤلم موجع، أو عذاب أليم في الآخرة.
﴿أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور:٦٤] تضمنت التهديد.
﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور:٦٤] كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] ، وكما تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف:٤٩] .
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٤] .
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 747
تفسير سورة الذاريات [١]
سورة الذاريات من السور التي تتعرض لآيات الله في الكون التي توجب لمن تدبرها معرفة الله ، وتتعرض -في أولها- لما أعده الله لمن أعرض وكذب بهذه الآيات من العذاب والنكال الأليم، وتعرض أيضاً صورة مشرقة لما أعده الله للمؤمنين المتقين الصادقين في الدار الآخرة، وبيان سبب ذلك النعيم مما كانوا عليه من الطاعات.
стр. 748
تفسير قوله تعالى: (والذاريات ذروا)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فسورة الذاريات سورة مكية نزلت على الرسول ﷺ بمكة، يقول الله فيها: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:١-٦] .
أما الواو في قوله تعالى: ﴿والذاريات﴾ فهي واو القسم، يقسم الله بالذاريات، كما أقسم الله بالنجم في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم:١] ، وكما أقسم بالسماء وبالشمس وبالقمر في جملة آيات، فالواو: هي واو القسم، وأحرف القسم ثلاثة: الواو، والباء، والتاء.
стр. 749
هل لله أن يقسم بمخلوقاته
فإن قال قائل: كيف يقسم الله بالذاريات وقد قال النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، وقال النبي ﷺ : (من حلف بغير الله فقد أشرك) ، وقال النبي ﷺ : (من حلف بالأمانة فليس منا) ، وقال النبي ﷺ : (لا تقولوا: والكعبة، بل قولوا: ورب الكعبة) ، فكيف يقسم الله بالذاريات؟! وهل يؤخذ من قسم الله بالذاريات، جواز القسم بغير الله، أم لا؟! فالإجابة: أن لله سبحانه أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، وليس لنا نحن أن نقسم إلا كما علمنا نبينا ﷺ ، حيث قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) .
والذاريات: هي الأشياء التي تذرى.
стр. 750
أقوال العلماء في ((الذاريات))
وللعلماء في معنى الذاريات أقوال:- القول الأول: إنها الرياح التي تذري البخار، أي: تخرج البخار من البحار وتخرج البخار من الأنهار وترفعه إلى أعلى، أو تذريه إلى أعلى.
فمن العلماء من قال: إنها الرياح تذري البخار إلى أعلى، وتذري الغبار كذلك إلى أعلى، وتذري الأشياء، بمعنى تفرقها وتنشرها وترفعها.
والقول الثاني: الذاريات هن النساء اللواتي يذرين الأولاد، أي: يخرجن الأولاد متتابعين، فينشرن الأولاد في الأرض.
أما: ((ذرواً)) فهي: من التذرية، أي: والذاريات يذرين الأشياء تذريةً.
стр. 751
تفسير قوله تعالى: (فالحاملات وقراً)
﴿فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات:٢] ، والوقر: هو الحمل، كما يقال: حملني فأوقر لي راحلتي، أو حمّل راحلتي فأوقرها لي، أي: حمَّلها أقصى ما تستطيع حمله،.
﴿فالحاملات وقراً﴾ أي: الحاملات أقصى ما يستطاع من حمل.
وعلى ذلك فمن العلماء من قال: إن الحاملات وقراً، هي: الرياح التي تحمل السحب التي أثقلتها وأوشكت أن تسقط، أو السحب التي حمّلت بالماء.
ومنهم من قال: إن الحاملات: هن النساء الحوامل اللواتي أشرفن على الوضع، أو حملن حملاً ثقيلاً، كما قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٨٩] .
﴿فالحاملات وقراً﴾ الوقر: هو الحمل، أوقر لي راحلتي، أي: أتم حملها، والمعنى: فالحاملات حملاً ثقيلاً.
стр. 752
تفسير قوله تعالى: (فالجاريات يسرا)
﴿فالجاريات يسراً﴾ أي: الجاريات بسهولة وبيسر، وما هي هذه الجاريات بسهولة وبيسر؟ قال بعض العلماء: إنها السحب تجري جرياً سهلاً يسيراً.
ومنهم من قال: هي الكواكب التي تسير سيراً سهلاً يسيراً.
ومن العلماء من قال: إن الجاريات هي السفن، بدليل قول الله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢] ، وبدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] .
فمن أهل العلم من قال: إن الجاريات هي السحب تجري بما تحمله.
ومنهم من قال: إن الجاريات هي السفن تجري بسهولة ويسر.
ومنهم من قال: إن الجاريات هي الكواكب والنجوم التي تجري.
ومنهم من أضاف الشمس والقمر، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] .
стр. 753
تفسير قوله تعالى: (فالمقسمات أمراً)
ثم قال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:٤] ، للعلماء أيضاً فيها أقوال: القول الأول: إنها الرياح التي تقسم الأرزاق على العباد بإذن الله، فالرياح تأتي بالمطر تسقطه في مكان، كما قال تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣] ، فمن العلماء من قال: إن المقسمات أمراً هي الرياح تقسم الأرزاق بأمر الله وبإذن الله، أي: تقسم الأمطار التي تأتي منها الأرزاق بإذن الله.
القول الثاني: إن المقسمات أمراً هي الملائكة التي تقسم الأرزاق على العباد بأمر الله .
إذاً مما ظهر يبدو أن للعلماء قولاً مطرداً في هذه الكلمات الأربع: والذاريات، فالحاملات، فالجاريات، فالمقسمات، فمن العلماء من حملها كلها على شيء واحد ألا وهي الرياح، فقال: إن الذاريات: هي الرياح تذري البخار، ثم تضمه بعضه إلى بعض فيحمل بالسحب، ثم تجري بالسحب بإذن الله، ثم تنزله في المكان الذي أراده الله سبحانه.
ومن العلماء من قال: الجاريات والحاملات هن النساء الحوامل.
﴿فالجاريات يسراً﴾ كل ما جرى بتيسير الله سبحانه، سواءً كان الشمس أو القمر أو النجوم أو الرياح، أو كل شيء يجري بأمر الله .
أما المقسمات أمراً، فقول إنها الملائكة، وقول إنها الرياح.
أقسم الله بذلك على ماذا؟
стр. 754
تفسير قوله تعالى: (إنما توعدون لصادق)
قال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات:٥] ، أي: إن الشيء الذي وعدتم به لصدق، أي إن الحديث عن البعث لحديث صدق.
﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات:٥] ، أقسم الله بهذه الأشياء على أن البعث آت، وعلى أن الساعة آتية لا ريب فيها، ليس البعث والساعة فحسب، بل كل شيء وعدنا الله به فهو وعد صدق، فصادق هنا بمعنى: صدق، كما في قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة:٢١] ، أي: في عيشة مرضية.
وقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات:٥] ، فيه تذكير بالبعث، فإن المرء إذا ذكر بالبعث وتذكر البعث عمل لأخراه فاستقامت أحواله وصلحت سريرته.
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:٦] ، أي: الحساب والجزاء واقع، يقسم الله على أن الدين لواقع، يعني: الجزاء لآت وقائم وحادث.
فيقسم الله على أن البعث آت كما أقسم في آيات أخر وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] ، وأمر نبيه أن يقسم ويقول: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ وكما أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧] ، فهنا يؤكد هذا المعنى الذي تأكد في أغلب سور القرآن الكريم.
﴿إن الدين لواقع﴾ أي: إن الحساب والجزاء لكائن.
стр. 755
تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك)
ثم أقسم الله قسماً آخر فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ [الذاريات:٧] ، أقسم الله بالسماء (ذَاتِ الْحُبُك) .
أما الحبك: فللعلماء فيه أقوال:- القول الأول: الطرق والمسالك والمدارات التي تسير فيها النجوم والكواكب والشمس والقمر.
والقول الثاني: أن المراد بالحبك: الزينة.
والقول الثالث: أن المراد بالحبك: الحبك، وهو الشد والإحكام، كما تقول: هذا الشيء محبوك، أي: مضموم بعضه إلى بعض بشدة، وكما تقول: احبك الثياب، أو هذا ثوب محبوك، أو كما يقول العامة: فلان محبكها، يعني: مضيق الأمر فيها.
فالحبك: الشد والإتقان والإحكام، كما قال تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ:١٢] ، فهذه بعض الأقوال في تفسير الحبك وهي أشهر تلك الأقوال.
стр. 756
تفسير قوله تعالى: (إنكم لفي قول مختلف)
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] ، يقسم الله على شيء ألا وهو ﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ ، هل هناك علاقة بين المقسم به والمقسم عليه؟ البعض من المفسرين أحياناً يلتمس علاقات بين المقسم به والمقسم عليه، فمن العلماء مثلاً من يورد هنا: ﴿والسماء ذات الحبك﴾ على رأي من قال: والسماء ذات الطرق المختلفة والمتنوعة.
﴿إنكم لفي قول مختلف﴾ أي: كما أن السماء فيها طرق ومدارات مختلفة، وقول آخر على رأي من قال: إن الحبك هو الشد والإتقان، فيكون والسماء التي أتقن صنعها إنكم لفي قول متفرق مشتت، فيحدث ربط والله سبحانه أعلم بذلك.
﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات:٨] ، هذا القول المختلف هو قولهم في القرآن وفي الرسول ﷺ كذلك، فمنهم من يقول: إنه ساحر، ومنهم من يقول: إنه كاهن، ومنهم من يقول: إنه شاعر، ومنهم من يقول: إنه مجنون.
ومنهم من يقول: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] ، ومنهم من يقول: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] ، ومنهم من يقول: ﴿امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٦-٧] .
فأقوالهم في القرآن وفي الرسول ﵊ ليست بمتحدة وليست بمطردة، إنما هي أقوال متشتتة ومتفرقة.
стр. 757
تفسير قوله تعالى: (يؤفك عنه من آفك)
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ [الذاريات:٩] ، ليس المقصود القول المختلف، بل قدر العلماء محذوفاً.
قالوا: ﴿يؤفك عنه من أفك﴾ يؤفك هنا بمعنى: يصرف، فالمعنى: يصرف عنه من صرف، كقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] ، أي: فأنى يصرفون.
قال فريق من العلماء: يصرف عن الحق، ويصرف عن القرآن، ويصرف عن الرسول ﷺ .
من صرف، أو يضل عنه من ضل.
وقوله: ﴿من أفك﴾ يفيد أن المصروف من صرفه الله ، وأن الضال والزائغ من أزاغه الله .
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨] .
стр. 758
تفسير قوله تعالى: (قتل الخراصون)
ثم قال سبحانه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات:١٠] ، قتل: كما تقدم في أكثر آي الكتاب العزيز، معناها: لعن، ومعنى ذلك: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧] .
والخراصون: هم الذين يقولون بالتخمين، ولا يبنون الأقوال على حقائق، بل يقولون بالتخمين والظنون بلا دلائل ولا بينات، فيكذبون القرآن بالظنون، ويكذبون القرآن بالتخمين، فالله يقول: ((قتل الخراصون)) والخراصون أيضاً: المتشككون المرتابون.
﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [الذاريات:١٠-١١] ، في الآية محذوف تقديره، الذين هم في غمرة من الجهل، وغمرة من الكفر وغمرة من الغباء، والمعنى: وهم في جهل وكفر قد غمرهم وغطاهم.
стр. 759
تفسير قوله تعالى: (يسألون آيان يوم الدين)
﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات:١٢] ، متى هذا اليوم؟ قال سبحانه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣] أي: يحرقون ويعذبون.
﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات:١٤] أي: ذوقوا عذابكم، والفتنة لها معانٍ متعددة، الفتنة تطلق على الصرف وتطلق على التعذيب بالنار، وتطلق على الشرك، وغير ذلك.
فالفتنة لها معانٍ كثيرة متعددة، يفهم معناها من السياق ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦١-١٦٣] أي: بصارفين عن الدين.
لئن فتنتني لهي بالأمس أفتنت سعيداً فأصبح قد قلى كل مسلم وألقى مصابيح القراءة واشترى وصال الغواني بالكتاب المتيم والفتنة هنا الصرف.
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات:١٣] أي: يعذبون، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات:١٤] ، ذوقوا عذابكم أو ذوقوا جزاء انصرافكم، ﴿هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات:١٤] ، أي: هذا اليوم الآخر وهذا العذاب الذي كنتم به تستعجلون.
فإن قال قائل: وهل الكفار كانوا يستعجلون العذاب؟ فالإجابة: نعم، فقد كانوا يقولون: (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] ، وكانوا يقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] .
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٥-١٦] .
يرى الطبري رحمه الله تعالى أن قوله: ﴿آخذين ما آتاهم ربهم﴾ أي: عاملين بالفرائض التي افترضها عليهم ربهم، وهذا القول قول ضعيف في هذا المقام، كما ضعفه الحافظ ابن كثير وغيره؛ وذلك لأن الجملة حالية، فهم آخذين ما آتاهم ربهم أثناء وجودهم في جنات وعيون، فعلى ذلك يكون معنى قوله تعالى والله أعلم بقوله: ((آخذين ما آتاهم ربهم)) أي: آخذين ما أنعم ومنَّ الله به عليهم في الجنان.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ [الذاريات:١٦] ، أي: في الحياة الدنيا، ﴿مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٦] ، وما هي أوجه الإحسان التي كانوا يفعلونها وبها استحقوا لفظ الإحسان؟ للإحسان وجوه عدة والمقصود به هنا -والله أعلم- ما كانوا عليه في الحياة الدنيا من الطاعة، التي تحلوا بها وتحققت.
стр. 760
حال السلف مع القرآن
وقد جاء عن السلف أنهم كانوا ينزلون الآيات على أنفسهم، فهذا أحدهم مر على قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] ، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ، فقال: أنا لست من أهلها.
ومر بعضهم على الآيات التي تتحدث عن الأشقياء والفجار فقال: الحمد لله لست من أهلها، ومر على قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢] ، فقال: أنا من أهل هذه الآية، كما هو حالنا فإنه يقوم أحدنا في الصباح ويصلي الفجر ويقرأ الأذكار بعد الصلاة، ويتلو ما شاء الله من كتاب الله، ثم يخرج إلى عمله، وفي الطريق تعتريه الفتن، وينظر إلى هذه وينظر إلى تلك، ويتحدث بحديث فيه اغتياب للمسلمين واغتياب للمسلمات، ويغضب ويثأر لنفسه، فيسقط مرة ويقوم مرة، فلا ينطبق عليه إلا هذه الآية: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢] .
стр. 761
صور الإحسان في الكتاب والسنة
ما ذكره النبي ﷺ في سؤال جبريل له عن الإحسان؟ قال: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه) ، فقوله تعالى: ((إنهم كانوا قبل ذلك محسنين)) أي كانوا في حياتهم الدنيا يعبدون الله على هذا النحو، يعبدونه موقنين ومستحضرين أن الله يرى مقامهم ويسمع كلامهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨-٢١٩] ، ففي ممشاهم يشعرون أن الله يراهم، وفي مجلسهم يشعرون أن الله يراهم، وفي عبادتهم يشعرون أن الله يراهم، وهذه من صور الإحسان.
ومن صور الإحسان التي تخلقوا بها: العفو عن الناس، فإن هذا من أخلاق المحسنين، قال الله : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] .
، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] فالعدل: القصاص، والإحسان: هو العفو، فتخلقوا أيضاً بهذا الخلق الكريم الذي هو العفو عن الناس، فلم يثأروا لأنفسهم في كل وقت وحين، ولم ينتصروا لأنفسهم من إخوانهم بالحق وبالباطل، إنما هضموا حقوق أنفسهم طلباً لثواب الله، وعفواً عمن ظلمهم ابتغاء مرضاة الله ، وأيقنوا وأتقنوا حديث رسول الله ﷺ : (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه) .
ومن صور الإحسان كذلك: أنهم كانوا رحماء في معاملتهم مع الناس، بل مع كل شيء حولهم، قال النبي ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) ، فتخلقوا بهذا الخلق في دنياهم، ومن ثم أخذوا ما آتاهم ربهم في أخراهم، ثم وردت لهم صفات أخر: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] أي: لا ينامون، وقد استوقفت هذه الآية الكريمة الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى، إذ كان الأحنف يقرأ القرآن قراءة المتدبر المتأمل، فلما مر على هذه الآية الكريمة: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون﴾ قال معترفاً: أنا لست من أهل هذه الآية.
وهكذا نحن أيضاً ينبغي أن نقبل على كتاب الله فننزل آياته على أنفسنا لننظر: هل نحن من أهلها؟ وهل نحن من العاملين بها، أم لسنا كذلك؟ فهل نحن من أهل قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:٦٤] ، ويقولون: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] ؟ هل نحن أيضاً من أهل قول الله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ؟ فاقرأ القرآن قراءة المتأمل المتدبر المتفكر، ولا تكثر من الثرثرة ولا تكثر من الضحك والصياح والعويل والافتخار بنفسك، فأكثر ديدنك الثناء على نفسك، إظهار بطولاتك، قف مع كتاب الله، لتنظر هل أنت من الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧-١٠٩] ؟ هل أنت أيضاً ممن قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣] ؟ هل أنت كذلك من أهل هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] ؟ فاقرأ القرآن قراءة المتدبر المتأمل واعمل به.
стр. 762
تفسير قوله تعالى: (كانوا قليلاً من الليل .)
قال الله في شأن أهل الإيمان: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] ، أي: لا ينامون.
ولماذا لا ينامون؟ ألكونهم يتاجرون؟ أم لكونهم يخافون؟ أم لكونهم يصلون؟! الآيات الأخر أفادت وأوضحت الذي أجمل ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٤-٦٥] ، لا ينامون لكونهم يخافون اليوم الذي هو آتٍ وموعود، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] ، ساعات الليل، ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩] ، طول ساعات الليل أو في ساعات الليل، لماذا هو ساجد ولماذا هو قائم؟ ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] ، هذا هو حاله، ساجد وقائم في ساعات الليل الطويلة خوفاً من شيء ورجاء لشيء ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ .
هكذا كانوا يصنعون، وهذا كتاب الله سبحانه ليس فيه آية ضعيفة ولا فيه خبر موضوع، إنما هو كلام الله عن هؤلاء الناس، الذين قال الله عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] .
لماذا يتركون الفرش الدافئة؟ لماذا يؤثرون التعب والإرهاق وتورم الأقدام، على الراحة والنوم في الفراش الدافئ مع النساء الحسان؟ قال الله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ، وهذا يدل على أننا جميعاً نحتاج إلى تزكية أنفسنا، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩-١٠] ، ونحتاج إلى نهيٍ لأنفسنا عن الهوى، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠-٤١] ، وجدير بنا أن نقف مع أنفسنا، ونراجع أنفسنا مع قيام الليل، ويصلي أحدنا لله ما استطاع من ركعات، مستحضراً أن الله يراه وأن الله يسمع كلامه وأن الله يسمع دعاءه، ويتعوذ بالله من دعاء لا يسمع.
وإذا وجد في القلب قسوة فليتعوذ بالله من قلب لا يخشع، وإذا وجد أن العين أصبحت لا تدمع فليتعوذ بالله من عين لا تدمع، فإن النبي ﷺ كان يتعوذ بالله من ذلك، وقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وعين لا تدمع، وقلب لا يخشع) ، فجدير بنا أن نمعن النظر في هذه التعوذات التي كان الرسول ﷺ يتعوذ بالله منها.
ولنقرأ كتاب الله قراءة المتدبر المتأمل، خاصة في صلاة الليل عندما تكون بمفردك.
стр. 763
تفسير قوله تعالى: (وبالأسحار هم يستغفرون)
قال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ﴾ [الذاريات:١٨] أي: في أوقات السحر التي هي أحلى الأوقات وأشهى الأوقات للنوم، قال الله : ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقومون في السحر عندما يناديهم ربهم سبحانه: هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا ينامون كالجيف، ولا ينامون كالرمم، ولا ينامون والشياطين تبول في آذانهم كما قال النبي ﷺ ، وذكر عنده شخص نام حتى أصبح، فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنه) .
فالله يقول: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] ، فجدير بنا أن نطبق كتاب ربنا على أنفسنا.
стр. 764
تفسير قوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)
قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩] .
هل هذا الحق هو الزكاة المفروضة، أو غير الزكاة المفروضة؟ هناك قرينتان في الآيات: قرينة توضح أنها الزكاة المفروضة، وقرينة توضح أنها ليست الزكاة المفروضة، بل هو مال آخر غير الزكاة، فمن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٦] ، يؤخذ أن فعل الإحسان يقتضي أن يزيد المحسن على الفرض شيئاً ليس مفروضاً عليه، فهذا يقوي قول من قال: ﴿وفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] ، إنهم جعلوا على أنفسهم في أموالهم حقاً معلوماً، فاقتطعوا جزءاً من أموالهم لم يوجبه الله عليهم، وجعلوه لأهل الفقر، ولأهل المسكنة، وللمحرومين والسائلين.
فهذه القرينة التي هي: ((إنهم كانوا قبل ذلك محسنين)) حملت بعض المفسرين على أن يقولوا: إن الحق المعلوم هنا حق آخر سوى الزكوات المفروضة، شأنهم شأن ذلك الرجل الذي ورد ذكره في الحديث الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يتماشى في الصحراء أو في البرية إذا رأى سحابة من فوقه وسمع فيها صوتاً، وإذا بهذا الصوت يقول للسحابة: اسقي أرض فلان، فتعجب لهذا الصوت وتبع السحابة فوجدها قد جاءت وأسقطت كل مائها في أرض من الأراضي، وإذا برجل قائم في أرضه يحول الماء بمسحاته، فسأله عن اسمه فقال: اسمي فلان -للذي سمع اسمه في السحابة- فقال: أخبرني ماذا تصنع فإني سمعت في السحابة صوتاً يقول: اسقي أرض فلان لأرضك، قال: أما وقد سمعت، فإني أعمد إلى ما يخرج من الأرض فأجزئه أثلاثاً: جزء أرده إلى الأرض، وجزء أقتات به أنا وأهل بيتي، والجزء الآخر أخرجه للفقراء والمساكين) .
فقد جعل هذا الرجل على نفسه حقاً معلوماً لم يوجبه الله عليه، وإنما كان الواجب عليه الزكاة.
أما الوجهة التي قوى بها العلماء الرأي القائل بأن هذا الحق هو الزكاة المفروضة، فهو كلمة (معلوم) أي: حق محدد، حدد بأنصبة الزكوات.
فالله سبحانه أعلم، لكن على كل فأهل الإحسان فيهم الصفتان، فإنهم يؤدون الواجب ويزيدون عليه بغيره، فإذا فعل العبد هذا الأمر استحق أن يكون من أهل الإحسان.
стр. 765
تفسير قوله تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين .)
﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ﴾ [الذاريات:٢٠] أي: دلالات، ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:٢٠] ، لأهل اليقين.
وهي دلالات على قدرة الله ، ودلالات على البعث، ودلالات على الموت، ودلالات على الحساب.
﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ﴾ [الذاريات:٢٠-٢١] كذلك آيات للموقنين، ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .
стр. 766
تفسير قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)
﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] اختلف العلماء في الآية على قولين: أما القول الأول: إن الرزق هو المتمثل في المطر الذي ينزل إلى الأرض، فيخرج الله به النبات، وأما قوله: ﴿وما توعدون﴾ فمحمول على العذاب الذي ينزل على أهل الكفر، وينزل على أهل الظلم، فحمل قوله: ((وفي السماء رزقكم)) على الرزق، وحمل قوله: ((وما توعدون)) على العذاب.
القول الثاني: أن الآية عامة في الأرزاق، وعلى ما أعده الله في الجنان، وقد تحمل على ما كتب وسطر على بني آدم وأنه يلحق بهم.
стр. 767
تفسير قوله تعالى: (فورب السماء .)
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الذاريات:٢٣] يقسم الله بنفسه، فيقول: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ﴾ [الذاريات:٢٣] وقد اختلف العلماء في عود الضمير في قوله: (إنه) على أقوال: القول الأول: إنه راجع إلى كل ما تقدم.
القول الثاني: إنه راجع إلى القرآن.
القول الثالث: إنه راجع إلى الرسول ﷺ .
القول الرابع: إنه راجع إلى الآية التي سبقتها وهي الأرزاق، والقول بالعموم أولى وأشمل وأكمل والله أعلم.
﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] ، أي مثل ما أنكم تتكلمون.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 768
تفسير سورة الذاريات [٢]
تضمنت سورة الذاريات قصة إبراهيم ﵇ مع الملائكة، وفيها من أدب الضيافة ما يدل على رفعة خلق إبراهيم ﵇، بل جعل كثير من العلماء هذه الآيات أصلاً من الأصول التي تستخلص منها آداب الضيافة.
стр. 769
تفسير قوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم .)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٤-٢٨] .
يستخرج العلماء من هذه الآيات كثيراً من آداب الضيافة، وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٦٩-٧٠] .
فيتعرض المفسرون عند هذه الآيات لآداب الضيافة ولأحكامها.
يقول الله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:٢٤] ، من العلماء من قال: إن (هل) هنا بمعنى: قد، ومنهم من قال: إن (هل) على بابها وأشير بها للتنبيه، فعلى الأول: (قد) أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، ومن هم ضيف إبراهيم ﵇؟ هم الملائكة الذين تمثلوا له في صورة بشر أثناء ذهابهم إلى مدائن قوم لوط لتدميرها ولإنزال العذاب عليها، فمروا مسلّمين عليه ومخبرين له بما سيحدث لهذه القرى من عذاب، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٤] ، فلما علم إبراهيم ﷺ ما سيحدث، بدأ يجادل أو يدافع عن قومه أو يطلب التمهل في إنزال العقوبات على قوم لوط على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
الشاهد: إن الملائكة تصورت في صورة رجال، وتصور الملائكة في صورة رجال وارد في جملة آيات وأحاديث عن رسول الله ﷺ ، فيجوز أن تأتي الملائكة في صورة البشر، قال الله في شأن مريم: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧] ، وكذلك هنا الملائكة تشكلت في صورة بشر، ولما ذهبوا إلى لوط أيضاً تشكلوا له في صورة بشر.
وقال عمر ﵁: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد) ، وفي آخر الحديث قال النبي ﷺ : (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) .
وكذلك كان جبريل يتمثل للرسول ﷺ بصورة دحية الكلبي، وكذلك الثلاثة نفر: الأقرع والأبرص والأعمى، الذين ابتلاهم الله ، فتمثل لهم الملك في صورة رجل ليبتليهم، وقد تمثلت بعض الملائكة في صورة بشر في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فأصل تشكل الملائكة في صورة البشر وارد وجائز كما في هذه النصوص.
يقول الله سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٤-٢٥] ، أي: أنكم بالنسبة لنا مجهولون لا نعرفكم.
وبالنسبة لسؤال الشخص للداخلين عليه -من أنتم؟ ومن أي البلاد- له أدلته في سنة الرسول ﷺ ، كما في حديث وفد عبد القيس لما جاءوا إلى النبي ﷺ ، فقال لهم: (من القوم أو من الوفد؟ قالوا: وفد عبد القيس يا رسول الله، قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد) ، (ولما جاءت أم هانئ تسلم على رسول الله ﷺ ، قال: من هذه؟ قالت: أم هانئ يا رسول الله، قال: مرحباً بأم هانئ) ، ولما ذهبت زينب امرأة عبد الله بن مسعود إلى رسول الله ﷺ تستفتيه في بعض المسائل وأرسلت بلالاً وقالت له: قل له: إن ابن مسعود يزعم أنه أحق من تصدقت عليه، فسأل النبي ﷺ : (من هذه؟ قال بلال: زينب، قال: أي الزيانب هي؟) .
إذاً: يجوز السؤال عن الشخص القادم أو عن الشخص المستخبر، ولا مطعن في هذا ولا لوم على السائل.
стр. 770
حكم التكلف في إكرام الضيف
أما مسألة التكلف في إكرام الضيف، هل هي مشروعة أو غير مشروعة؟ فقد ورد ما سمعتموه من قول الله تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، وكذلك فعل أبو التيهان الأنصاري لما ذهب إليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر في ظهيرة يوم من الأيام، قام إلى شاة ليذبحها، فقال النبي ﷺ : (إياك والحلوب) لكنه أقره على ذبح الشاة، وقد ورد في الباب أن النبي ﵊ قال: (نهينا عن التكلف للضيف) ، وهو بهذا اللفظ منازع في صحته، وقد حكم بعض العلماء على هذا الحديث بالضعف وهو الذي تستريح إليه النفس الآن، أما النصوص الثابتة فعمومها يحث على إكرام الضيف.
أما حديث: (نهينا عن التكلف للضيف) ، على فرض ثبوته فهو منزل على معنىً معين وهو ما إذا كنت ستستدين ديناً كبيراً ترهق عن سداده فلا تفعل حينئذ، فـ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ، والله أعلم.
وقد ثبت أن سلمان ﵁ قال لـ أبي الدرداء: (إن لزورك عليك حقاً -أي: إن لضيفك عليك حقاً، وقد قال النبي ﷺ : صدق سلمان) .
يقول الله سبحانه: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، وفي الآية الأخرى: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود:٦٩] ، والحنيذ: هو المشوي، فأخذ العلماء منه أدباً يتعلق بالضيافة: وهو أن على أهل البيت أن يتقنوا الطبخ الذي يقدمونه للضيف، فلا تأت المرأة -مثلاً- بلحم نيئ -غير ناضج- تقدمه للضيف، حتى يأكل قطعة أو لا يكاد يأكل ويترك لها الباقي، فتنضجه هي بعد أن ينصرف فإبراهيم ﷺ لم يفعل ذلك، بل جاء بعجل حنيذ وهو العجل الذي شوي شياً وأنضج إنضاجاً، والله أعلم.
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات:٢٦-٢٧] من قوله تعالى: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) أخذ العلماء فقهاً آخر من فقه الضيافة ألا وهو: أن صاحب البيت نفسه يستحب له أن يباشر خدمة الأضياف بنفسه، ولا يجعل الخدم فقط هم الذين يتولون تقديم الطعام، فإن مباشرة صاحب البيت تقديم الطعام بنفسه للأضياف تفهمهم مدى حفاوته واهتمامه بهم، وإن كان المؤدى واحد، لكن حسن الاستقبال مع القيام على الخدمة كل ذلك يشعر الأضياف باهتمام صاحب البيت بهم، وهذا ينعكس بمودة ومحبة في قلب الضيف، لأن المضيف جمع له بين الحسنيين حسن الضيافة، وحسن البشاشة والاستقبال والنبي ﷺ يقول: (تبسمك في وجه أخيك صدقة، وقال: لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط) ، ثم تقديم الطعام الذي هو نوع من الواجب عليك كما قال بعض العلماء، والله أعلم.
стр. 771
تشديد النبي ﵊ على إكرام الضيف
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، في الآية أيضاً: أن الضيف يكرم بأفضل ما عندك، لأن إبراهيم ﷺ جاء بعجل سمين، فلم يأت بعجل هزيل ولا بعجل نحيف، وقد قال النبي ﷺ حاثاً على إكرام الضيف: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، وقال النبي ﷺ : (الضيافة ثلاثة أيام جائزته يوم وليلة) ، أي: يبالغ في إكرام الضيف في اليوم الأول والليلة الأولى ويتحفه بما يستطيع من إتحاف، أما سائر الأيام فكسائر طعامك وشرابك.
وقال النبي ﷺ : (أيما رجل نزل بقوم فلم يقروه فحق له أن يأخذ منهم بقدر قراه) أي: بقدر ضيافته، ولا يخفى عليكم أن خليل الله إبراهيم ﷺ أوصى ولده إسماعيل أن يغير عتبة بابه، -يطلق امرأته-، ومن أسباب هذا التغيير، عدم احتفائها بالأضياف وعدم إكرامهم للأضياف، وقد ورد عن الخليل ﷺ : أنه أول من أضاف الأضياف، وبالغ في إكرامهم وتأسيس أصول ضيافتهم، وهذا حفيده يوسف ﷺ يقول لإخوته: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] ، أي: وأنا خير من أنزل الأضياف منازلهم وخير من أكرم الأضياف.
وها هو لوط ﵇ يقف مغتماً مهتماً لما سيصيب الأضياف من مكروه، بل ويفديهم ببناته ويقول لقومه: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر:٧١] ويقول أيضاً: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] ، وها هو النبي ﷺ ، يسأله سائل فيقول: (يا رسول الله!! إنا ننزل بأقوام فلا يقدمون لنا ما ينبغي للضيف، فقال: إذا نزلتم بقوم فلم يقدموا لكم ما ينبغي للضيف فخذوا منهم بقدر قراكم) ، أي: بقدر ضيافتكم، أو كما قال النبي ﷺ .
بل إن من العلماء من وضع حديث النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) في كتاب المظالم اعتقاداً، إلى أن الشخص الذي لا يكرم ضيفه قد يكون ظالماً، لأنه بخس الضيف حقه.
стр. 772
من آداب الضيافة
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٥-٢٦] ، هذا من آداب الضيافة.
قوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) راغ: من الروغان، وهو التسلل خفية، فلم يقل لهم: ماذا تريدون أن تأكلوا؟ ولم يعرض عليهم أتريدون كذا أو كذا.
فيزهد الضيف في الطعام، إنما تسلل ﵊ في خفية وسرعة، وهو المفهوم من قوله تعالى: (فَرَاغَ) من الروغان، تركهم وفي خفة وسرعة دخل على أهله ﷺ .
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، ومن كلمة (راغ) -أي: تسلل في خفة وسرعة- أخذ العلماء شيئين: الأول: عدم إحراج الضيف وسؤاله عن الطعام الذي يأكله أو الشراب الذي يشربه.
الثاني: في إحضار ما عندك للضيف حتى لا يمل من المجلس ويضجر ويخرج من البيت.
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات:٢٦] ، المراد بالأهل هنا: الزوجة، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران:١٢١] ، كان النبي ﷺ قد خرج من عند عائشة.
ومنه: قول النبي ﷺ : (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ والله ما علمت من أهلي إلا خيراً) ، يريد عائشة وقد يطلق أحياناً على ما هو أعم من الزوجة؛ كما جاء عن النبي ﷺ أنه أتى بـ الحسن والحسين وفاطمة وعلي ووضع عليهم كساءً وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) ، فالأهل: قد تطلق على الزوجة، وقد تطلق الأهل: على الأبناء والأقارب، وقد تطلق على ما هو أعم من ذلك.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] ، المعني بالأهل هنا: أزواج الرسول ﵊ وأهل بيته ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، أما قوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) أنه أتى بالطعام من عند الأهل والزوجة المساعدة في ضيافة الضيف، وقد قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ [هود:٧١] ، أي: قائمة على خدمة الأضياف، وكان هذا حال النسوة على عهد الرسول ﷺ ، فقد كن يخدمن الأضياف، وقد زار النبي ﷺ عرساً في ليلة عرسها وكانت هي التي تخدم الأضياف، وكانت قد نقعت لرسول الله ﷺ تمرات من الليل.
وكذلك أم سليم كانت تضيف أضياف أبي طلحة، لما ذهب إليها الأضياف الذين أرسلهم رسول الله ﷺ ، وكذلك امرأة جابر كانت تضيف أضياف زوجها، فأخذ من هذه النصوص مع قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ [هود:٧١] ، أي: قائمة بخدمة الأضياف، أنه يستحب للزوجة أن تعين زوجها على إكرام أضيافه.
﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، كثير من أهل العلم يقولون: إن المراد بالعجل هنا من البقر، إن كان كذلك فهو مخالف لما جاء في الحديث الذي روي عن النبي ﷺ في شأن البقر وفيه: (لحومها داء وألبانها دواء وشفاء) ، وقد روي عن رسول الله حديث بهذا اللفظ في شأن البقر: (لحومها داء وألبانها دواء وشفاء) ، وهذا الحديث ضعيف الإسناد، ولبعض فقراته شواهد ألا وهي: (ألبانها دواء وشفاء) أما لفظة لحومها داء فإسنادها تالف ضعيف جداً، إضافة إلى ذلك فمعناه أيضاً باطل منكر.
فإن الله أنزل لنا من الأنعام ثمانية أزواج -أي: حلالاً طيبة لنا- وفصلت هذه الثمانية أزواج بقوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ، وبقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] ، ومن البقر -أي: الثور والبقرة- فإذا كان الله سبحانه قد أنزلها لنا حلالاً مع ما أنزل، فالله يحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث، وثبت كذلك في الصحيح: (أن النبي ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر) ، وثبت أيضاً في حديث الجمعة: (من راح في الساعة الثانية يوم الجمعة فكأنما قرب بقرة) ففي كل هذه النصوص ما يدل على تضعيف معنى: (لحومها داء) ، فضلاً عن ذلك فلا شاهد لهذه الفقرة من الحديث فإسنادها تالف ساقط.
стр. 773
تفسير قوله تعالى: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)
قال الله : ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] ، فيه أيضاً: التلطف في خطاب الأضياف، ففي قوله: (أَلا تَأْكُلُونَ) لم يطلب منهم الجلوس للطعام ولم يسألهم هل أكلوا أم لم يأكلوا إلى غير ذلك من الأسئلة السمجة المحرجة التي تجعل الضيف ينفر منك ومن طعامك قبل أن تأتي به، فالأولى أن تقرب ما عندك وتتلطف كما تلطف الخليل إبراهيم ﷺ إذ قال: (أَلا تَأْكُلُونَ) .
стр. 774
تفسير قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨] ، وفي الآية الأخرى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود:٧٠] ؛ وذلك لأن الضيف إذا لم يأكل عندك فالعرف السائد بين الناس أنه يضمر لك شراً، أما إذا أكل عندك فلا يجدر به أن يغدر بك إبقاءٍ لهذا الذي أسديته إليه.
стр. 775
مراقبة الضيف أثناء الأكل
وهنا يجدر بنا التنبيه على مسألة وهي: هل يشرع النظر إلى الأضياف وهم يأكلون؟! الفقه في هذه المسألة أنه إذا كان النظر إلى الأضياف وهم يأكلون يحرجهم ويشق عليهم كما يفعل أرباب البيوت البخلاء، إذ يعدون اللقيمات التي أكلها الضيف عداً مما يسبب إحراجاً للضيف الذي يرى أن الجميع ينظر إليه ويعد عليه اللقيمات عداً، فيقوم محرجاً قبل أن يقضي حاجته من الطعام، ففي هذه الحالة الأولى أن يكف المضيف عن نظره عن ضيفه ويتركه حتى يأكل براحته.
أما إذا كان الضيف لا يأكل بالكلية؛ فلك أن تسأل لماذا لا تأكل؟ فلعله أن يكون مثلاً صائماً أو مريضاً ولا يشتهي إلا نوعاً من الطعام غير موجود، أو لعله يرغب في طعام غير هذا الطعام تستطيع أن تأتي به، فلهذا فقه يقتضيه مقام الضيافة، والله أعلم.
فالشاهد: أن إبراهيم ﷺ لما ﴿رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠] ، ففيه إثبات الخوف الجبلي، والخوف الجبلي يرد حتى على الفضلاء وأهل الصلاح، فالخليل إبراهيم ﵇ أوجس خيفة في نفسه من هؤلاء الأضياف، وفي موسى ﵇ يقول الله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] ، وكذلك قال موسى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء:٢١] ، وكذلك قال الله : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال:٢٦] .
فالخوف الجبلي الذي يتوارد على أبناء آدم لا يخدش في دينهم وتقواهم، وإن كان ينبغي لهم أن يقاوموا أنفسهم في هذا الخوف لعموم قوله تعالى: ﴿َفلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] .
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ﴾ [الذاريات:٢٨] ، على الضيف أيضاً: أن يطمئن صاحب البيت ولا يدخل عليه الرعب والإزعاج بل عليه أن يطمئنه ويذهب عنه الروع.
следующие страницы →