Полный текст (2 242 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
تشديد النبي ﵊ على إكرام الضيف
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، في الآية أيضاً: أن الضيف يكرم بأفضل ما عندك، لأن إبراهيم ﷺ جاء بعجل سمين، فلم يأت بعجل هزيل ولا بعجل نحيف، وقد قال النبي ﷺ حاثاً على إكرام الضيف: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، وقال النبي ﷺ : (الضيافة ثلاثة أيام جائزته يوم وليلة) ، أي: يبالغ في إكرام الضيف في اليوم الأول والليلة الأولى ويتحفه بما يستطيع من إتحاف، أما سائر الأيام فكسائر طعامك وشرابك.
وقال النبي ﷺ : (أيما رجل نزل بقوم فلم يقروه فحق له أن يأخذ منهم بقدر قراه) أي: بقدر ضيافته، ولا يخفى عليكم أن خليل الله إبراهيم ﷺ أوصى ولده إسماعيل أن يغير عتبة بابه، -يطلق امرأته-، ومن أسباب هذا التغيير، عدم احتفائها بالأضياف وعدم إكرامهم للأضياف، وقد ورد عن الخليل ﷺ : أنه أول من أضاف الأضياف، وبالغ في إكرامهم وتأسيس أصول ضيافتهم، وهذا حفيده يوسف ﷺ يقول لإخوته: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] ، أي: وأنا خير من أنزل الأضياف منازلهم وخير من أكرم الأضياف.
وها هو لوط ﵇ يقف مغتماً مهتماً لما سيصيب الأضياف من مكروه، بل ويفديهم ببناته ويقول لقومه: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر:٧١] ويقول أيضاً: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] ، وها هو النبي ﷺ ، يسأله سائل فيقول: (يا رسول الله!! إنا ننزل بأقوام فلا يقدمون لنا ما ينبغي للضيف، فقال: إذا نزلتم بقوم فلم يقدموا لكم ما ينبغي للضيف فخذوا منهم بقدر قراكم) ، أي: بقدر ضيافتكم، أو كما قال النبي ﷺ .
بل إن من العلماء من وضع حديث النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) في كتاب المظالم اعتقاداً، إلى أن الشخص الذي لا يكرم ضيفه قد يكون ظالماً، لأنه بخس الضيف حقه.
стр. 772
من آداب الضيافة
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٥-٢٦] ، هذا من آداب الضيافة.
قوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) راغ: من الروغان، وهو التسلل خفية، فلم يقل لهم: ماذا تريدون أن تأكلوا؟ ولم يعرض عليهم أتريدون كذا أو كذا.
فيزهد الضيف في الطعام، إنما تسلل ﵊ في خفية وسرعة، وهو المفهوم من قوله تعالى: (فَرَاغَ) من الروغان، تركهم وفي خفة وسرعة دخل على أهله ﷺ .
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، ومن كلمة (راغ) -أي: تسلل في خفة وسرعة- أخذ العلماء شيئين: الأول: عدم إحراج الضيف وسؤاله عن الطعام الذي يأكله أو الشراب الذي يشربه.
الثاني: في إحضار ما عندك للضيف حتى لا يمل من المجلس ويضجر ويخرج من البيت.
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات:٢٦] ، المراد بالأهل هنا: الزوجة، ومنه: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران:١٢١] ، كان النبي ﷺ قد خرج من عند عائشة.
ومنه: قول النبي ﷺ : (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ والله ما علمت من أهلي إلا خيراً) ، يريد عائشة وقد يطلق أحياناً على ما هو أعم من الزوجة؛ كما جاء عن النبي ﷺ أنه أتى بـ الحسن والحسين وفاطمة وعلي ووضع عليهم كساءً وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) ، فالأهل: قد تطلق على الزوجة، وقد تطلق الأهل: على الأبناء والأقارب، وقد تطلق على ما هو أعم من ذلك.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] ، المعني بالأهل هنا: أزواج الرسول ﵊ وأهل بيته ﷺ .
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، أما قوله: (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ) أنه أتى بالطعام من عند الأهل والزوجة المساعدة في ضيافة الضيف، وقد قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ [هود:٧١] ، أي: قائمة على خدمة الأضياف، وكان هذا حال النسوة على عهد الرسول ﷺ ، فقد كن يخدمن الأضياف، وقد زار النبي ﷺ عرساً في ليلة عرسها وكانت هي التي تخدم الأضياف، وكانت قد نقعت لرسول الله ﷺ تمرات من الليل.
وكذلك أم سليم كانت تضيف أضياف أبي طلحة، لما ذهب إليها الأضياف الذين أرسلهم رسول الله ﷺ ، وكذلك امرأة جابر كانت تضيف أضياف زوجها، فأخذ من هذه النصوص مع قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ [هود:٧١] ، أي: قائمة بخدمة الأضياف، أنه يستحب للزوجة أن تعين زوجها على إكرام أضيافه.
﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ، كثير من أهل العلم يقولون: إن المراد بالعجل هنا من البقر، إن كان كذلك فهو مخالف لما جاء في الحديث الذي روي عن النبي ﷺ في شأن البقر وفيه: (لحومها داء وألبانها دواء وشفاء) ، وقد روي عن رسول الله حديث بهذا اللفظ في شأن البقر: (لحومها داء وألبانها دواء وشفاء) ، وهذا الحديث ضعيف الإسناد، ولبعض فقراته شواهد ألا وهي: (ألبانها دواء وشفاء) أما لفظة لحومها داء فإسنادها تالف ضعيف جداً، إضافة إلى ذلك فمعناه أيضاً باطل منكر.
فإن الله أنزل لنا من الأنعام ثمانية أزواج -أي: حلالاً طيبة لنا- وفصلت هذه الثمانية أزواج بقوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ، وبقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] ، ومن البقر -أي: الثور والبقرة- فإذا كان الله سبحانه قد أنزلها لنا حلالاً مع ما أنزل، فالله يحل لنا الطيبات ويحرم علينا الخبائث، وثبت كذلك في الصحيح: (أن النبي ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر) ، وثبت أيضاً في حديث الجمعة: (من راح في الساعة الثانية يوم الجمعة فكأنما قرب بقرة) ففي كل هذه النصوص ما يدل على تضعيف معنى: (لحومها داء) ، فضلاً عن ذلك فلا شاهد لهذه الفقرة من الحديث فإسنادها تالف ساقط.
стр. 773
تفسير قوله تعالى: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ)
قال الله : ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] ، فيه أيضاً: التلطف في خطاب الأضياف، ففي قوله: (أَلا تَأْكُلُونَ) لم يطلب منهم الجلوس للطعام ولم يسألهم هل أكلوا أم لم يأكلوا إلى غير ذلك من الأسئلة السمجة المحرجة التي تجعل الضيف ينفر منك ومن طعامك قبل أن تأتي به، فالأولى أن تقرب ما عندك وتتلطف كما تلطف الخليل إبراهيم ﷺ إذ قال: (أَلا تَأْكُلُونَ) .
стр. 774
تفسير قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً)
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [الذاريات:٢٨] ، وفي الآية الأخرى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود:٧٠] ؛ وذلك لأن الضيف إذا لم يأكل عندك فالعرف السائد بين الناس أنه يضمر لك شراً، أما إذا أكل عندك فلا يجدر به أن يغدر بك إبقاءٍ لهذا الذي أسديته إليه.
стр. 775
مراقبة الضيف أثناء الأكل
وهنا يجدر بنا التنبيه على مسألة وهي: هل يشرع النظر إلى الأضياف وهم يأكلون؟! الفقه في هذه المسألة أنه إذا كان النظر إلى الأضياف وهم يأكلون يحرجهم ويشق عليهم كما يفعل أرباب البيوت البخلاء، إذ يعدون اللقيمات التي أكلها الضيف عداً مما يسبب إحراجاً للضيف الذي يرى أن الجميع ينظر إليه ويعد عليه اللقيمات عداً، فيقوم محرجاً قبل أن يقضي حاجته من الطعام، ففي هذه الحالة الأولى أن يكف المضيف عن نظره عن ضيفه ويتركه حتى يأكل براحته.
أما إذا كان الضيف لا يأكل بالكلية؛ فلك أن تسأل لماذا لا تأكل؟ فلعله أن يكون مثلاً صائماً أو مريضاً ولا يشتهي إلا نوعاً من الطعام غير موجود، أو لعله يرغب في طعام غير هذا الطعام تستطيع أن تأتي به، فلهذا فقه يقتضيه مقام الضيافة، والله أعلم.
فالشاهد: أن إبراهيم ﷺ لما ﴿رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠] ، ففيه إثبات الخوف الجبلي، والخوف الجبلي يرد حتى على الفضلاء وأهل الصلاح، فالخليل إبراهيم ﵇ أوجس خيفة في نفسه من هؤلاء الأضياف، وفي موسى ﵇ يقول الله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] ، وكذلك قال موسى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء:٢١] ، وكذلك قال الله : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ [الأنفال:٢٦] .
فالخوف الجبلي الذي يتوارد على أبناء آدم لا يخدش في دينهم وتقواهم، وإن كان ينبغي لهم أن يقاوموا أنفسهم في هذا الخوف لعموم قوله تعالى: ﴿َفلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] .
﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ﴾ [الذاريات:٢٨] ، على الضيف أيضاً: أن يطمئن صاحب البيت ولا يدخل عليه الرعب والإزعاج بل عليه أن يطمئنه ويذهب عنه الروع.
стр. 776
تفسير قوله تعالى: (قالوا لا تخف وبشروه بغلام .)
قال تعالى: ﴿قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] ، الغلام العليم هنا هو: إسحاق ﷺ ، كما في الآية الأخرى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] ، فهي صريحة في أن الغلام العليم هو إسحاق ﷺ , والعليم: ذو العلم الكثير الغزير الوفير، وقد كان نبي الله إسحاق ﷺ عالماً.
قال تعالى: (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ) .
الغلام يطلق على الصغير تأسيساً، ويطلق على الكبير مجازاً كما قال علي فيما روي عنه: أنا الغلام القرشي المؤتمن أبو حسين فاعلمن والحسن وكما قالت ليلى الأخيلية تصف الحجاج الثقفي: إذا حل الحجاج أرضاً مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة سقاها وكما قال صفوان بن المعطل السلمي لـ حسان بن ثابت لما قذفه ورماه قال: تلق ذباب السف عني فإنني غلام إذا ما هجيت لست بشاعر ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات:٢٨] .
стр. 777
تفسير قوله تعالى: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ .)
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات:٢٩] أي: في صيحة.
، أقبلت تصيح وتئن.
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات:٢٩] أي: ضربت وجهها وليس المقصود بالصك هو اللطم الذي يفعل عند المصائب، فهو منهي عنه كما في قوله ﵊: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) ، إنما هو ضرب للوجه على سبيل التعجب، كما قاله كثير من المفسرين.
﴿َفصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات:٢٩] .
من العلماء من أخذ فقهاً للرؤى من هذه الآية، قال: إذا رأت امرأة لا تلد رؤيا أنها لطمت وجهها فلا تؤلها على التأويل المكروه، ولكن تؤلها بأنها ستبشر بغلام كما بشرت سارة ﵍ بغلام عليم (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) .
стр. 778
الجدال المحمود
قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات:٢٩-٣٠] ، فلا معنى للجدل ولا معنى للمراجعات، فإن الجدل والمراجعات إذا كانت تجزي فلتجادل ولتراجع، لكن إذا كان هناك أمر قد قضاه الله ونفد فلا معنى للجدل ولا معنى للمراجعات، ويؤخذ من هذه الآية: فقه الخطاب والتحاور مع الناس، فإذا كان كلامك مع الناس له جدوى أو إذا كان إلحاحك سيأتي بفائدة فلتلح ولتجادل، لكن إذا كان الجدل والكلام ليس من ورائه فائدة، فحينئذ أمسك عليك لسانك، وبهذا جاءت نصوص الكتاب العزيز.
قال الله في شأن إبراهيم ﵊: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ [هود:٧٤] بالغلام ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٤-٧٥] ، والحليم: هو الذي يتأنى ولا يبادر في إنزال العقوبات على الناس، فإبراهيم لما أخبرته الملائكة أنهم متجهون إلى المؤتفكات -مدائن قوم لوط- لتدميرها، بدأ يجادل عن قوم لوط ويطلب المهلة لهم، كما قال تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ * يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود:٧٤-٧٦] أعرض عن هذا الجدل، ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود:٧٦] ، فلا معنى للمناقشة والجدل، فليقف الجدل ولتقف المناقشات التي ليس وراءها كبير طائل وكبير جدوى، وكذلك قال الملك لمريم ﵍ لما قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٠] قال الملك: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١] ، فلا معنى للجدل بعد أن قضى الله الأمر، وكذلك قال ربنا لزكريا ﷺ : ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] ، فلا معنى للجدل ولا للكلام إذا لم يكن من وراء الجدل كبير فائدة ولا كبير طائل.
قال الله : ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات:٢٨-٣٠] .
стр. 779
إطلاق لفظ (العجوز) على المرأة الكبيرة
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ﴾ [الذاريات:٢٩] ، وفي الآية دليل على إطلاق لفظ عجوز على المرأة الكبيرة، أما قول من يقول: رجل عجوز، وإن كانت اللغة تقتضيه من بعض الوجوه لكنها ليست بالأفصح، إنما الأفصح في شأن الرجل أن يقال: شيخ والمرأة عجوز، كما قالت سارة ﵍: ﴿يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٢-٧٣] .
стр. 780
تفسير قوله تعالى: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ .)
قال موجهاً الخطاب إليهم: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات:٣١] ، بعد أن قدم لهم الطعام والشراب وآنسهم واستأنس بهم، بدأ يسألهم عن وجهتهم.
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ) أي: ما شأنكم (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) ؟ لماذا أتيتم إلى هنا؟ ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٢] ، أي: نحن مررنا بك في طريقنا إلى قوم مجرمون ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات:٣٢-٣٤] ، مسومة أي: معلمة.
стр. 781
تفسير قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ .)
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] في قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) مسألة يجب التنبه لها وهي: إذا كان هناك قوم أهل إجرام وفي أوساطهم قوم مسلمون، هل تغزى الديار بما فيها من أهل الإسلام وهل تدمر بمن فيها من أهل الإسلام؟ أو يخرج أهل الصلاح منها ثم تشن الغارات على أهل الشر والفساد؟ قد ذكر الله ذلك في جملة مواطن: يقول سبحانه: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥] ، نحن ما سلطناكم على المشركين عام الفتح لوجود رجال مؤمنين ونساء مؤمنات في أوساط الكفار، فإذا شننتم الغارات على الكفار قتلتم إخوانكم المؤمنين وقتلتم أخواتكم المؤمنات فأصابتكم منهم معرة -مضرة أو إثم- بغير علم، ولكن تمهلنا وتم صلح الحديبية حتى يخرج أهل الإيمان وحتى يتميز الكفار ومن ثم تأتي الضربات عليهم، ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح:٢٥] ، وكذلك في هذه الآية ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] ، وفي المقابل فيجوز شن الغارات على البلاد وإن كان فيها قوم صلحين إذا كثر فيهم الخبث كما في قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء:٢٧-٩٩] ، وقد نزلت هذه الآيات في قوم من أهل الإسلام كانوا مستضعفين أجبروا على الخروج مع أهل الشرك لقتال المسلمين، فكان المسلم يرمي فيصيب أخاه فيقول: قتلنا إخواننا ويحزن لذلك أشد الحزن، فأنزل الله الآية: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) في شأن هؤلاء الذين خرجوا مع الكفار يكثرون سوادهم، وقد قال النبي ﷺ : (يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم، قالت عائشة: يا رسول الله! يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم، قال: نعم إذا كثر الخبث) ، وفي رواية أخرى: (يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم) ، وقد ورد أيضاً في الباب حديث: (الرجل الصالح الذي كان في بلدة ولكنه كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر فقيل للملائكة: به فابدءوا) ، لكنه لا يثبت عن رسول الله ﵊، فالحاصل بعد إيراد هذه النصوص يتضح لنا أن المقامات تختلف، فإذا كان المقام مقام غزو وأزمته بأيدي أهل الإيمان فلهم أن يتمهلوا في شن الغارات على الكفار، حتى يُخرجوا أهل الإيمان، وإن كان المقام مقام آخر وسيحدث أذىً لأهل الإسلام من وجود هذه الفئة المتعالية التي تمترست بالمسلمين فيجوز حينئذ اختيار أخف الأضرار، وقد صدرت فتوى في هذا الصدد من الأزهر أثناء الحروب مع اليهود لما احتل اليهود جزيرة بمصر يقال لها جزيرة شدوان، وكان بها بعض المسلمين، فنزلت قوات اليهود بها فصدرت فتاوى آنذاك من الأزهر بضرب الجزيرة بمن فيها من المسلمين والقوات اليهودية، ومثل هذه الفتاوى صدرت حينما احتل الإرتيريون جزيرة باليمن وغلب عليها أهل الصليب، فصدرت فتاوى بأن تضرب الجزيرة بمن فيها من المسلمين الذين تترس بهم، ففي المسألة فقه يختلف بحسب المقام والله أعلم.
قال الله سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٣٥] ، وهذا وإن كان على المستوى المتسع فهو على المستوى الضيق كذلك، كأن يكون هناك شخص صالح في وسط أقوام أهل شر وفساد، فهل يلقى القبض عليهم جميعاً وهو معهم أو يحاول إبعاده منهم ثم إنزال العقوبات على الآخرين؟ قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] ، وهو بيت لوط ﷺ ، فلم يكن أحد أسلم مع لوط ﷺ ؛ لأنهم كانوا عتاة، وإبراهيم ﵊ لم يسلم معه أحد إلا لوط ﵊، ولوط ذهب إلى بلاد الأردن يدعو إلى الله فيها، وما آمن به أحد ﷺ إلا أهل بيته، أما الآخرون فكانوا من الفضاضة والغلظة والقذارة بمكان كبير.
стр. 782
الفرق بين الإسلام والإيمان
هذه الآية دليل لمن يقول: إن الإسلام يأتي بمعنى الإيمان؛ لأن الله قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥-٣٦] ، وفي الحقيقة أن هذه المسألة سبق الكلام عليها: وهي أن مسمى الإيمان والإسلام قد يتحدان في المعنى وقد يفترقان، فإذا جاءا في سياق واحد افترقا في المعنى، وإذا لم يأتيا في سياق واحد اتحدا في المعنى، ففي حديث جبريل اجتمعا في سياق واحد فأخذ الإيمان معنى أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر الحديث، وأخذ الإسلام معنى آخر: أن تشهد.
إلخ أركان الإسلام الخمسة، فانصرف معنى الإيمان إلى أعمال القلب والإسلام إلى الأعمال الظاهرة، ويدل على ذلك أيضاً: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ، ولكن إذا جاء الإيمان في سياق مستقل، فيشمل أيضاً الإسلام ويكون داخلاً فيه كما جاء في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم: (آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) .
стр. 783
تفسير قوله تعالى: (وَتَرَكْنَا فِيهَا .)
قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً﴾ [الذاريات:٣٧] ، أي: دلالة وعبرة ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الذاريات:٣٧] فكانت هذه القرية على مرأى من القرشيين أثناء رحلاتهم للتجارة في أسفارهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧-١٣٨] ، وكما قال في شأن قرى أخرى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:٧٩] أي: بطريق واضح للمارة يمرون عليه، ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [الذاريات:٣٧] .
стр. 784
تفسير قوله تعالى: (وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ .)
(ووَفِي مُوسَى) أي: وفي قصة موسى عبرة وعظة كذلك للذين يخافون العذاب الأليم ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الذاريات:٣٨] ، أي: بحجة بينة واضحة، وهي الآيات التي أمدة الله بها من العصا التي تلقى فتصبح حية تسعى، ومن اليد التي تخرج بيضاء للناظرين، وسائر الآيات التي أمده الله بها.
﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الذاريات:٣٨] (مبين) أي: واضح.
стр. 785
تفسير قوله تعالى: (فتولى بركنه .)
قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٣٩] ، والركن هنا المراد به: الجمع، كما قال لوط ﷺ : ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠] ، قالوا الركن الشديد: هو القوة القبلية والعشيرة والجمع، ومن أهل العلم من قال: إن الركن هنا المراد به: الإعراض بالوجه، كما قال الله سبحانه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] ، أي: معرض بوجهه استكباراً واستنكافاً ليضل عن سبيل الله.
стр. 786
أقوال العلماء في تفسير الركن
قوله تعالى: (بِرُكْنِهِ) فيه قولان: القول الأول: هو الجماعة والعشيرة والجند والقوم.
القول الثاني: الوجه.
أي: الإعراض بالوجه.
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) أي: لا يخلو أمرك يا موسى من أحد شيئين: إما أنك ساحر وإما أنك مجنون، وهكذا قال أهل الكفر دائماً للأنبياء، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٢-٥٣] .
قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [الذاريات:٤٠] ، أي: طرحناهم مهملين لذكرهم، (فَنَبَذْنَاهُمْ) فالنبذ: الطرح والإلقاء بإهمال، ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٤٠] ، (في اليم) .
أي: في البحر.
(وهو مليم) ، أي: وقد صب عليه اللوم.
стр. 787
تفسير قوله تعالى: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ)
قال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١] .
هي ريح الدبور كما قال النبي ﷺ : (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور) ، ووصفت بالدبور؛ لأنه لا خير فيها على الإطلاق، لا تلد أي نوع من أنواع الخير.
والرياح على أقسام ثمانية ذكرها المفسرون في تفاسيرهم، ﴿وأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] ، هناك رياح لواقح تلقح، أما هذه فريح عقيم لا فائدة فيها ولا خير، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١-٤٢] أي: كالعظام المتفتتة البالية.
стр. 788
تفسير قوله تعالى: (وَفِي ثَمُود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين)
قال تعالى: ﴿وَفِي ثَمُود﴾ [الذاريات:٤٣] ، أي: في قبيلة ثمود كذلك آية، ((وَفِي ثَمُود) هي: قبيلة نبي الله صالح ﷺ .
стр. 789
أقوال العلماء في تفسير الحين
قال تعالى: ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات:٤٣] ، ما هو هذا الحين؟ من العلماء من قال: إن الحين هو: وفاتهم، ومن العلماء من قال: إن الحين بعد ثلاثة أيام؛ لأنهم لما عقروا الناقة قال لهم نبي الله صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥] ، فمن العلماء من حمل الحين على الثلاثة الأيام التي وعدوا بها من نبيهم صالح إذ قال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥] ، ومنهم من قال: إن الحين: هو انتهاء الأجل، والأمر في ذلك كله قريب.
﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ﴾ [الذاريات:٤٤-٤٥] .
стр. 790
تفسير قوله تعالى: (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ .)
قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات:٤٦]-أي: وقوم نوح أيضاً فيهم آية وعظة، وتسرد سير أهل الإجرام للاعتبار والاتعاظ، فهي أمم قد أهلكها الله وقرون قد أبادها الله بكاملها، وبين هؤلاء قرون وأمم أخرى، كما قال سبحانه: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨-٣٩] ، فقرون دمرت وأبادها الله عبرة للمعتبرين وتذكرة للمتذكرين، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات:٤٦] .
стр. 791
تفسير قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ)
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ﴾ [الذاريات:٤٧] أي: بقوة، ومن العلماء من قال: إن المراد (باليد) هنا الجارحة، لكن القول الأقوى هنا أن المراد باليد: القوة وليس في هذا نفي صفة اليد عن الله سبحانه، بل هي ثابتة بنصوص أخرى، لكن قد جعل بعض العلماء خلق آدم بيده تكرمة لآدم، مما اختص به ﷺ ؛ لأن أهل الإيمان يقولون له: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا إلى ربك) ، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٧-٤٨] ، فلا يقتصر خلق الزوجين على الذكر والأنثى فحسب بل كل شيء كذلك، فالخير والشر متقابلان، والحر والبرد متقابلان والمعروف والمنكر كذلك، والإثم والعدوان والبر والتقوى كذلك، فمن كل شيء خلق الله زوجين حر وبرد، كر وفر.
إلى غير ذلك مما ذكره الله في كتابه، سماء وأرض، ذكر وأنثى، لكن: (هو سبحانه وتر يحب الوتر) ، .
стр. 792
تفسير قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ .)
قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] أي: بالتوبة والإنابة والرجعة ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٠-٥٢] ، هكذا الاتهامات تنصب على الرسل، ﴿أَتَوَاصَوْا بِه﴾ [الذاريات:٥٣] أي: بهذا القول، كأن أهل الكفر وصى بعضهم بعضاً بهذا الافتراء الذي يواجهون به المرسلين.
﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣] أي: قد تجاوزوا الحد في الظلم والافتراء والكذب، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُم﴾ [الذاريات:٥٤] أي: أعرض عنهم.
﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤] أي: لا لوم عليك إذا أعرضت عنهم.
стр. 793
تفسير قوله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)
قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] .
стр. 794
متى تشرع الذكرى
ومتى تنفع الذكرى،؟ وهل تعرض في كل حين؟ بل كما قال الله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١-٢٢] .
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] للذكرى فقه على الإجمال، فإذا كان الذي أمامك إن ذكر بالله يتمادى في غيه ويسب الله ويسب الدين، فالله لا يحب الفساد، وحمل بعض أهل العلم قوله تعالى: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] أي: حيث تنفع الذكرى، فإذا ظننت ظناً راجحاً أن التذكير سيؤدي إلى مفسدة أعظم فالأولى ألا تذكر، كأن يكون هناك شخص منفعل إذا ذكر بالله من الممكن أن يشتم الله ، فحينئذ لا تعين الشيطان عليه، ولكن محل التذكرة حيث يتوقع أن تنفع، أما إذا لم يتوقع أن تنفع ولم يتوقع مفسدة كذلك، فالأصل أن الأمر بالتذكير هو المتعين، والله سبحانه أعلم.
стр. 795
تفسير قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس .)
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليطيعوني فيما أمرتهم به وينتهوا عما نهيتهم عنه.
﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧-٥٨] .
قال بعض العلماء: (المتين) : الشديد، وقال آخرون: القوي.
﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات:٥٩] والذنوب بالفتحة معناه: الدلو العظيمة، ومنه: (ألقوا على بوله ذنوباً من ماء) فالذنوب: الدلو الكبير والقدر العظيم.
(فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا) : أي: نصيباً كبيراً من العذاب يصب فوقهم (ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ) أي: لهم ذنوباً من العذاب، أي: نصيباً من العذاب كنصيب أصحابهم الذين سلفوا.
﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات:٥٩] .
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٦٠] ، فإن قيل: وهل الكفار كانوا يستعجلون العذاب؟ فالإجابة بنعم.
فقد قالوا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] ، وقالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] .
عافانا الله وإياكم من العذاب وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 796
الأسئلة
стр. 797
حكم نظر المحرم إلى ثدي المرأة
السؤال
هل ثدي المرأة عورة مع المحارم وكذا مع المرأة؟
الجواب
لا، ثدي المرأة ليس عورة مع المحارم، بل للمحرم أن يرى من محرمه ثديها، كأن تكون مرضعة واشتهى طفلها أن يرضع فلا بأس بأن تبرز ثديها أمام محارمها.
стр. 798
حكم صلاة المأموم إذا لم يقرأ بالفاتحة في الصلاة السرية
السؤال
مأموم لم يقرأ بفاتحة الكتاب في صلاة سرية: فهل تبطل صلاته؟
الجواب
المسألة فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: أن عليه أن يأتي بركعة جديدة على رأي من قال: إن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب لا تحسب له ركعة، وهو الإمام البخاري.
والقول الثاني: أن صلاته صحيحة، اعتماداً على حديث أبي بكرة لما أدرك النبي ﷺ راكعاً فقال له الرسول: (زادك الله حرصاً ولا تعد) .
стр. 799
زكاة عروض التجارة
السؤال
كيف يخرج أصحاب محلات الأثاث زكاة أموالهم؟
الجواب
محلات الأثاث -الموبيليا- هي عروض تجارة، فيخرجون زكاتها كما تخرج زكاة عروض التجارة، بأن تُقوَّم على رأس الحول ويخرج إن شاء من أعيانها على رأي لبعض الأئمة، فمثلاً إذا كانت عنده أربعين غرفة نوم، فله أن يخرج الزكاة من نفس وذلك الأثاث الذي يبيعه، وهو رأي قوي لبعض العلماء، وله استدلالاته من سنة الرسول ﵊؛ لأن الرسول ﵊ على عهده كان يخرج زكاة البر براً، وزكاة الذهب ذهباً، والفضة فضة، فأجروا هذه على نفس المجرى والله أعلم، وإما أن يقيمها على أنها عروض تجارة ويقدر السعر تقديراً ويخرج على أساس السعر.
والله أعلم.
стр. 800
حكم ساب أصحاب رسول الله ﷺ
السؤال
ما موقفنا من خطيب يسب أصحاب النبي ﷺ على المنبر؟
الجواب
إن الذي يتطاول على أصحاب الرسول ﵊ إلى الزندقة أقرب منه إلى الإسلام والعياذ بالله، وقد نهى رسولنا ﷺ عن ذلك فقال: (لا تسبوا أصحابي) فهذه وصيته ﵊ لنا جميعاً، (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) ، بل وربنا سبحانه يقول: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] ، والنصوص في فضائل الصحابة لا تحصى، فمثلاً: أكثر الصحابة حملاً لسنة رسول الله ﵊ هو عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول عنه أبو هريرة: ما سبقني أحد في حفظ سنة الرسول ﵊ إلا ما كان من ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب، فكيف يقف شخص -يتقلد رأي المعتزلة الشراذم الذين خالفوا نهج أهل السنة- ويطعن في عبد الله بن عمرو بن العاص الذي لا ذنب له نعلمه ﵁، بل كان في الحرب التي دارت بين علي ومعاوية ﵄ معتزلاً للفتنة، مع أن أباه شارك في حرب تلك الفتنة، بل عبد الله بن عمرو كان يجابه والده، ولما قُتل عمار بن ياسر جهر بحديث النبي ﵊ الذي قال فيه: (تقتلك -يقصد عمار بن ياسر - الفئة الباغية) فقال معاوية لـ عمرو بن العاص: أبعد عنا مجنونك هذا، وذهب معاوية يقول له: يا مصفر استه إنما قتله الذين أخرجوه، قال: إني سمعت رسول الله يقول، فذكر الحديث ولم يبال، ولما عاتبوه لماذا تخرج معنا إذاً؟! قال: إني أخرج معكم ولست أقاتل، وقد كان والده شكاه للرسول ﷺ ، فقال له الرسول ﵊: (أطع أباك ما دمت حياً) ، فقال: وأنا أخرج كما أمرني أبي لكنني لا أشارك في قتال.
ويأتي في زماننا قوم لا علم لهم بكتاب الله ولا علم لهم بسنة رسول الله ﷺ ولا يوقرون أصحاب رسول الله ﷺ ويتكلمون في صحابي جليل مثل عبد الله بن عمرو بن العاص الذي نقل لنا أغلب سنة الرسول ﷺ ، فيرى أحدهم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ففي الحقيقة لا ندري كيف نجيب؟ فلا نقول إلا: سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا ندري من أين نبدأ وإلى أين ننتهي مع هؤلاء الأقوام؟ وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 801
تفسير سورة الطور
أقسم الله بعظيم مخلوقاته على وقوع العذاب على الكافرين، بسبب عنادهم وطغيانهم وتكذيبهم، وعلى العكس فإن الله وعد المتقين بجنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولكن هذه الجنة تحتاج إلى صدق وصلاة وتسبيح وصبر في الدعوة إلى الله ومجاهدة الكافرين.
стр. 802
قسم الله بعظيم مخلوقاته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: كان النبي ﷺ يقرأ بسورة الطور في صلواته، وكان كثيراً ما يقرأ بها في صلاة المغرب، قال جبير بن مطعم ﵁: (سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، حتى بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] فكاد قلبي أن يتصدع.
وفي رواية: كاد قلبي أن يطير) ، وكان آنذاك مشركاً.
يقول الله فيها: ﴿وَالطُّورِ﴾ [الطور:١] ، الواو للقسم، فيقسم الله بالطور، وقد تقدم أن الله سبحانه له أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، أما نحن فليس لنا أن نقسم بجبل ولا بشجر ولا بحجر ولا بأب ولا بنبي ولا بأخ، ولا بأي شيء إلا بالله أو بأسمائه أو بصفاته، لقول النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ، لكن لربنا أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته، فأقسم الله بالطور.
стр. 803
موضع البيت المعمور
قال تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور:٤] ، هو بيت في السماء السابعة أو فوق السماء السابعة على الراجح من أقوال العلماء، وهو قول الجمهور، كان الخليل إبراهيم ﵇ مسنداً ظهره إليه، وقد رآه النبي ﷺ على هذه الحال أثناء المعراج، فكان الخليل ﵊ مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وهو بيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون.
стр. 804
المقصود بالسقف المرفوع
قال تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور:٥] ، المراد به السماء، كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢] ، فالسقف المرفوع: هو السماء التي رفعها الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور:٦] للعلماء فيه أقوال، تقدم كثير منها عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] ، فمن الأقوال التي فيها: امتلأت وفاضت فاختلط عذبها بمالحها.
ومن الأقوال: أن (البحر المسجور) هو المتأجج ناراً، وهكذا يكون يوم القيامة، تشتعل البحار ناراً على ما قاله فريق كبير من العلماء.
стр. 805
المراد بالكتاب المسطور
قال الله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:٢] (المسطور) : هو المسطر المكتوب، وما المراد بالكتاب المسطور؟ من أهل العلم من قال: إنه الكتاب الذي كتبت فيه مقادير الخلائق، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢-٥٣] ، على أحد الأقوال في تأويلها، وفيه يقول النبي ﷺ : (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) .
ومن العلماء من قال: إن الكتاب المسطور هو القرآن الكريم.
ومنهم من قال: إن الكتاب المسطور هو الكتاب الذي تكتب فيه أعمالنا الآن وتسطر، وتنشر يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣] .
стр. 806
معنى الرق المنشور
قال تعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] الرق: هو الجلد أو الورق الذي يكتب فيه، أو هو الرقاع التي يكتب فيها، فكل ما كتب فيه يطلق عليه الرق، سواء كان ورق شجر، أو ورقاً أبيض كالذي بين أيدينا، أو جلداً، أو أي شيء يكتب عليه يسمى رقاً، والرق المنشور الذي ينشر يوم القيامة، أي: يفتح، كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠] .
стр. 807
معنى الطور
الطور على رأي جمهور المفسرين: هو جبل، والمراد به طور سيناء الذي كلم الله عنده نبيه موسى ﷺ .
وقد قال فريق من العلماء: إن الجبل إذا كان عليه نبات أطلق عليه الطور، فالطور على هذا القول: اسم لكل جبل ينبت، والذي لا ينبت يطلق عليه جبل.
لكن المعني بالطور هنا على رأي جمهور المفسرين هو طور سيناء، وقد قال الله : ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦] أي: نادينا نبينا موسى ﵇.
стр. 808
تفاوت مخلوقات الله
الله يقسم بالطور، وكما تقدم فإن الله يقسم بعظيم مخلوقاته، فيقسم بالشمس، وبالقمر، وبالنجم، وبالسماء، وبالأرض، ويقسم في الجملة بعظيم المخلوقات، ولا تكاد ترى قسماً بالذباب ولا بالبعوض ولا بنحو ذلك، وإن كان الكل من خلق الله، لكن خلق الله يتفاوت في العظمة، كما قال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] .
فالخلق يتفاوت، وكذلك القرآن وهو كتاب الله يتفاوت في الفضل، فسورة الفاتحة هي أعظم سورة في الكتاب العزيز، وآية الكرسي هي سيدة القرآن الكريم، فكل هذا الأمر فيه لله يتصرف فيه كيف يشاء .
والجبال المذكورة في كتاب الله منها الطور، كما في هذه الآية، ومنها الجودي، كما قال الله : ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] ، ومن الجبال المذكورة في سنة رسول الله ﷺ جبل أحد، وقد قال النبي ﷺ : (أحد جبل يحبنا ونحبه) ، ومنها جبل يقال له: جمدان، مر به النبي ﷺ ، فقال: (سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) .
فالجبال تتفاوت فيما بينها في الفضل، كما أن سائر الخلائق بينها تفاوت في الفضل، وكما قدمنا أن الله فضل بعض البلاد على بعض، فأم القرى مكة ليست كالمنصورة مثلاً، وفضل بعض المساجد على بعض، فالمسجد الحرام يفوق غيره من المساجد في الفضل، وهذا ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤] .
فأقسم الله هنا بالطور.
стр. 809
وقوع عذاب الله للكافرين
أقسم الله بهذه الأشياء على شيء واحد تكرر القسم عليه في عدة سور ألا وهو: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور:٧] ، فأقسم الله بهذه الأشياء على هذا الشيء، وتكرر هذا الشيء المقسم عليه في عدة آيات من سور الكتاب العزيز، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور:٧-٩] أي: تتحرك السماء تحركاً، وتضطرب اضطراباً، ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:٩-١٠] تزاح عن أماكنها وتسير، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] .
стр. 810
معنى الوعيد بالويل
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور:١١] في هذا الوقت: الويل للمكذبين، والويل المراد به العذاب الشديد، وقد وردت جملة من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، في إسناد كل منها مقال، وفحواها: أن الويل وادٍ في جهنم تستغيث منه جهنم، وتستجير جهنم من حره، لكن الأسانيد فيها مقال، فمن العلماء من حسنها أو صححها بمجموعها، ومنهم من أبقاها في حيز الضعف، وقال: إن الويل المراد به التوعد بالعذاب الشديد، ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور:١١] ، أي بالعذاب الشديد في يوم الدين.
следующие страницы →