← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) ثم الله هددهم تهديداً ضمنياً ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦] ، (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) عندها وقف لازم كما قال كثير من العلماء، ثم قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) أي: وانتظر بهم وتأنّ بهم إلى يومٍ يدعو فيه الداعي إلى شيءٍ نكر، وهو يوم القيامة، ومن هو الداعي المذكور في قوله سبحانه: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) ؟ الداعي هنا لم يُفسر من هو، فمن العلماء من قال: الداعي هو الله ، ومنهم من قال: الداعي ملك من الملائكة موكل بدعوة الناس للخروج من القبور، ومنهم من قال: الداعي هو إسرافيل الذي ينفخ في الصور ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال مشهورة، أحدها: أن الداعي هو الله سبحانه، الثاني: أن الداعي هو ملك من الملائكة مختص بذلك، الثالث: أن الداعي هو إسرافيل ﵇، فالله أعلم. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦] ، (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) للعلماء فيه قولان: أحدها: إلى شيء فظيع عظيم، لا يعلم حجمه وعظمه إلا الله ، شيء مخيف عظيم لا يعلم مدى بشاعته ومدى فظاعته إلا الله ، فنُكِّر لبيان عظمته، القول الثاني: يوم يدعو الداعي إلى شيء لا يفهمه هؤلاء، لماذا يناديهم هذا المنادي؟ يقول: هلموا تعالوا، فيخرجون من القبور، لماذا يخرجون؟ لا يدرون إلى أين يتجهون، إلى الداعي فقط، لا يعرفون لماذا هم ذاهبون إلى هذا الداعي، هل يدعوهم هذا الداعي للمكافئة والإثابة أو يدعوهم هذا الداعي للعقاب والجزاء؟ أمر مستنكر عندهم.

стр. 842

حال الكافرين عند خروجهم من قبورهم وكما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] ، قال سبحانه: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر:٧] ، أي ذليلة أبصارهم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ أي: القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] ، الخشوع محبوب في الدنيا، فلماذا هو مذموم في الآخرة، الله حمِد الخاشعين له في الدنيا، وقال في آية أخرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢-٤] ، فكيف هي خاشعة ومع ذلك تصلى ناراً حامية؟! العلماء قالوا: إن الخشوع في الدنيا يجلب الأمن في الآخرة، وعدم الخشوع في الدنيا لله سبحانه يجعل الشخص ذليلاً خاشعاً في الآخرة، فلا إشكال، فهذا خشوع الدنيا وذاك خشوع الآخرة. قال سبحانه: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) أي: ذليلة أبصارهم، (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ) أي من القبور، (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) يعني: مسرعين كأنهم جراد منتشر، وتقدم الجمع بين هذا الوصف في هذه الآية: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) وبين الوصف في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤] ، فالفراش المبثوث له طريقة في انتشاره، والجراد المنتشر له طريقة في انتشاره، فالفراش دائماً يطير بشكل غير منظم، يتجه فريق منه إلى اليمين، وفريق منه إلى الشمال، وفريق إلى أعلى وفريق إلى أسفل، أما الجراد في مسيره وانتشاره فانتشاره منظم، تجد أسراب الجراد تمشي كلها إلى وجهة محددة، فكيف الجمع بين قوله: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) ، أي: متجهون وجهة محددة، وبين قوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) ، أي: الفراش المنتشر أيضاً؟ العلماء يقولون: إذا دعاهم الداعي خرجوا كلهم من القبور متجهين في خط واحد إلى الداعي الذي دعاهم، لا ينحرفون عنه يمنة ولا يسرة، إذا دعاهم الداعي لا ينحرفون عنه يميناً ولا يساراً بل كلهم يتجهون أسراباً وأفواجاً إلى هذا الداعي، لكن في مواقف أخر، مثلاً: حين تتطاير الصحف، أو حين يُدعى للمرور على الصراط، أو حين يدعى للميزان، فحينئذٍ الأفئدة تطير وتذهب، وكل يجري في وجهة لا يدري إلى أين يذهب، ولا يدري إلى أين يفر. ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين ﴿إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] ، أي: شديد، وهذه كلمة موجزة من الكفار تدل على مدى الهم الذي هم فيه، ومدى النكد الذي يعيشونه، ويلامسونه، كلمة موجزة: (هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) أي: يوم شديد وشاق والعياذ بالله! وقوله سبحانه عن الكافرين: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] ، هل هو عسِر على الكافرين فقط كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٩-١٠] أم هو عسِر أيضاً على أهل الإيمان؟ للعلماء في هذا الإشكال أقوال: أقواها: أنه عسِر على الجميع، لكن وصِف بأنه على الكافرين غير يسير، وأن الكافرين يقولون: هذا يوم عسر؛ لأن عسره لن يزول عن الكافرين، أما العسر الذي لحق بأهل الإيمان فإنه عسر زائل، والعسر الزائل لا يُطلق عليه عسرٌ إذ مآله إلى الزوال، أما العسر الملازم فهو الذي يطلق عليه العسر، كما روي عن رسول الله أنه كان يستعيذ بالله من جار السوء في دار المقامة، فإن جار السفر يوشك أن يزول، الجار في السفر والصاحب في السفر وإن كان مؤذياً فبانتهاء السفر يزول، أما الجار الذي يساكنك ويجاورك طيلة حياتك، الجار المؤذي هو هذا الذي يستعاذ منه، فمن أهل العلم من قال: إن اليوم عسير على الجميع لكن عسره على أهل الكفر أشد، أما عسره على الجميع فلقول النبي ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) ، فهذا عام لـ عائشة ولغيرها، وقال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٦] ، وقول آدم ﷺ وكذا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ جميعاً: نفسي نفسي، كلهم يقول: نفسي نفسي، من هول المطلع، والله أعلم.

стр. 843

تعرض نوح لأذى قومه قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩] ، أي: زجروه وأهانوه وآذوه صلوات الله وسلامه عليه، ووصفوه بالجنون يعني: أن الأذى باللسان كان وارداً، والزجر كذلك بكل أنواعه، وقوله: (وَازْدُجِرَ) هو: أبلغ الزجر، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] ، دعا ربه دعوة مظلوم بقوله: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) .

стр. 844

الأسئلة

стр. 845

حكم حديث من أخذ على تعليم القرآن قوساً السؤال بالنسبة لموضوع من أخذ على تعليم القرآن قوساً من العلماء من حسنه؟ الجواب أعلم أن من العلماء من حسّنه، لكن تحسيننا لحديث لا ينبني على تحسين عالم واحد فقط، فليس معنى أنه موجود في كتاب، وصاحب الكتاب صححه أنه يقيناً صحيح، هناك عدد كبير جداً من أهل العلم ضعفوا هذا الحديث. إلى هنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 846

حكم الحج بمال مختلس السؤال شخص اختلس مالاً كي يحج، هل حجه صحيح؟ الجواب نعم حجه صحيح، لكن عليه الدين.

стр. 847

طالب جامعي طلب منه نحت تمثال السؤال طالب في كلية التربية مقرر عليه مادة النحت، وطلب منه وضع تمثال أو ما شابه ذلك فما الحكم؟ الجواب يظهر أنها ضرورة تقدر بقدرها، وحاول ألا تتقِن صنعته، حتى لا يُبعث إلى مكان وتتحمل إثمه، والله أعلم.

стр. 848

حكم صبغ بعض الشعر ببعض الألوان السؤال هل صبغ بعض الشعر ببعض الألوان يجوز أم لا؟ الجواب يجوز إذا لم يكن فيه تدليس وغش للخطاب، وأما مسألة السواد ففيه قولان للعلماء، فاتق السواد وما سوى ذلك فلا بأس به.

стр. 849

حكم من أرغم زوجته على إسقاط جنينها السؤال عندي طفل صغير يبلغ عاماً وثلاثة أشهر، وزوجي يأبى أن أحمل مرة أخرى، ويعزم على إنزال أي جنين يأتي، فما حكم طاعته، وإذا رفضت الإجهاض ممكن أن يصل الأمر إلى مشاكل كثيرة جداً؟ الجواب الذي يظهر -والله سبحانه أعلم- أن الولد من حق الزوجة كما أنه من حق الزوج أيضاً، فلها أن تحتال وأن تخفي عليه الأمر؛ لأن الولد من حقها كما أنه من حقه، يعني من حقها أن تحمل وترزق بالولد كما أن من حقه أن يُرزق بالولد. وإذا خشيت من الطلاق هذه مسألة أخرى تقدر هي مصلحتها ومفسدتها.

стр. 850

حكم الاستمناء لمن هو محاط ببيئة فيها نساء السؤال لقد سمعنا في أمر العادة السرية آراءً مختلفة، فبالنسبة لشاب أعزب محاط بالفتن من النساء هل هي مباحة له أم محرمة؟ الجواب هذه التسميات المحدثة، كالعادة السرية، ونداء إنساني، والإخوة على الساحة، -حتى الدعاة يستعملونها- هذه الألفاظ لابد أن نجل أنفسنا عنها، الألفاظ نأخذها من كتاب ربنا ومن سنة نبينا ومن سيرة سلفنا الصالح، بعض الإخوة يقول لك: الإخوة الدعاة العاملين على الساحة، ساحة ماذا؟! عبِّر بألفاظ منتقاة من كتاب الله ومن سنة رسول الله لا منتقاة من الملاعب! فالشاهد: أن العادة السرية اسمها في الشرع الاستمناء. وبالنسبة لمسألة الاستمناء، الوارد فيها من كتاب الله ما احتج به الإمام الشافعي قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥-٧] ، استدل بها الإمام الشافعي على المنع؛ لأن الله قال: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ) ترجع إلى الأزواج أو ما ملكت الأيمان (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) . وأيضاً قال النبي: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ما أرشد إلى هذه المسألة. تبقى مسائل أُخَر وهي النظر في السؤال الذي ذكره الأخ خاصة، وفي الحقيقة أننا نخشى من الحديث فيه، ومن الاسترسال في الحديث فيه كما قال القرطبي ﵀: قد أصبحت قيلاً ويا ليتها لم تُقل، ولكن فقط من باب أن شخصاً تورط في مخالطة النساء، فالأولى له ثم الأولى أن ينقذ نفسه من التواجد في وسط النساء، وهذا من أنجح الحلول، ويعتصم بالله ، ويكثر من الصيام، ويدعو بدعاء يوسف ﷺ : ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] ، ويتزوج ويبادر بالزواج، ولو من ثيب إلى أن يوسع الله عليه، ثم إن شاء أن يتزوج أخرى بعد ذلك تزوج، لكن نقول: إذا كانت هذه العملية حراماً لاستدلال الشافعي ﵀، وهناك حرام أعظم سيقع فيه الشخص وهو الزنا، فلا نريد أن نقول له: افعلها؛ لأنه سيفهم خطأً، وسيعيش دائماً يفعلها، ودائماً هو مع النساء، فسيعيش دائماً في معصية. لكن القواعد الكلية للشرعية تقول باختيار أخف الضررين عند توارد الأضرار، اختر أخفها، لكن نصيحتي أن تترك المكان، وقد سُئل ابن عباس فأجاب بإجابة نحو التي ذُكِرت، قال: (هي خير من الزنا، ونكاح الإماء خير منه) ، يعني: إن لم يكن معك مال تتزوج فاشتر أمة رخيصة خير من الاستمناء، مع أن الله سبحانه أمر بالصبر عن نكاح ملك اليمين: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:٢٥] يعني: من الإماء ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ﴾ [النساء:٢٥] إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء:٢٥] ، يعني صبركم عن نكاح الإماء خير من إقدامكم على نكاح الإماء، لكن نقول: الثيبات الحرائر موجودات، واحدة زوجها مات، اكسب أجراً في الأيتام وفي المرأة، وعندها بيتها، وعندها أثاثها، أما إذا قالت لك أمك: يا ابني! أنت ستفضحنا تتزوج ثيب!! فقل لها: الرسول ﷺ ما فضح أهله أبداً لما تزوج خديجة بنت خويلد. وتعفَّف خير لك من أن تقع في المحرم، والله أعلم.

стр. 851

حكم وصل شعر الشارب بشعر اللحية السؤال ما حكم وصل شعر الشارب بشعر اللحية؟ الجواب الذي يصل شعر الشارب بشعر اللحية، سيكون قد أطلق الشارب، والرسول ﵊ يقول: (قصوا الشارب) ، والله أعلم.

стр. 852

حكم الاقتراض من البنك لمساعدة من مر بضائقة مالية السؤال طلب مني شخص يمر بضائقة مالية أن أقوم بعمل قرض من البنك له على أن يقوم بسداده لي؟ الجواب لا تفعل.

стр. 853

حكم قراءة الإمام من المصحف لعدم حفظه السؤال هل تجوز القراءة من المصحف لإمام يخطئ؟ الجواب أجاز الجمهور ذلك استدلالاً بأن النبي كان يصلي وهو يحمل أمامة، وبأن ذكوان كان يؤم عائشة من المصحف، وأبطل الصلاة ابن حزم، وقال: إنه نوع من العبث في الصلاة، لكن رأي الجمهور أقرب إلى الصواب، والله أعلم، ولكن الأقرب أن ينحى الإمام ويؤتى بإمام حافظ ليصلي بالناس إذ قال النبي ﵊: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) .

стр. 854

حكم الوضوء لسجدة الشكر السؤال ذكرتم أنه لا يجب الوضوء في سجدة التلاوة، ماذا عن سجدة الشكر وتلاوة القرآن؟ الجواب سجدة قراءة القرآن نفس سجدة التلاوة، ونفس الحكم في سجدة الشكر. كان النبي ﷺ إذا بُشِّر بأمر خر ساجداً، ويشق أن يقال أيضاً: إنه في كل مرة كان يبشر كان على وضوء ﵊. وبالنسبة لسجدة التلاوة لم يصح فيها ذكر معين، وسجدة الشكر كذلك لم يصح فيها ذكر معين، إنما هي كسائر السجدات.

стр. 855

حكم تلاوة القرآن بغير وضوء السؤال هل تجوز تلاوة القرآن بلا وضوء؟ الجواب نعم تجوز تلاوة القرآن بلا وضوء، والأفضل الوضوء، أما الجواز فلأن النبي ﷺ كما ورد في حديث عائشة كان يذكر الله على كل أحيانه، ولأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: (بت عند خالتي ميمونة فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ ، فطرحت لرسول الله ﷺ وسادة فنام رسول الله ﷺ في طولها، ثم قام فجعل يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ الآيات العشر الأواخر من آل عمران حتى ختم، ثم أتى شناً معلقاً) فدل ذلك على أنه قرأ العشر آيات قبل أن يتوضأ، والله أعلم.

стр. 856

حكم مس المصحف بغير وضوء السؤال هل يجوز مس المصحف بلا وضوء؟ الجواب التلاوة فصلنا فيها الآن بقي المس. مس المصحف بدون وضوء من منعه استدل بشيئين: الشيء الأول: قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] ، والشيء الثاني: (لا يمس القرآن إلا طاهر) ، كما روي عن رسول الله ﵊. أما قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] فجمهور المفسرين على أنه في الكتاب المكنون الذي عند الله والمطهرون هم الملائكة، فلا يستدل بالآية على المنع، أما حديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) ، فأكثر أهل العلم على تضعيفه، فأصبح الباب الآن فارغاً من الأدلة المانعة، إذاً: فلا بأس بمسه.

стр. 857

حكم إزالة شعر الوجه السؤال أعلم جيداً أن نتف الحواجب من النمص، فهل يجوز لي يوم عرسي فقط أن أزيل شعر وجهي إلا حواجبي؟ الجواب إذا كانت تعلم أن عمل الحواجب هو المحرم فقط، والسؤال ليس فيه أنها ستزيل شعر الوجه فلا إشكال إذاً، لكن كتفصيل للسؤال: شعر الوجه على أقسام، شعرٌ تحرم إزالته، وشعر على نزاع بين العلماء في إزالته، وشعر تستحب إزالته عند الأكثرين، أما الشعر الذي تحرم إزالته بالإجماع شعر الحواجب لحديث: (لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات ... ) ، أما الشعر الذي فيه الخلاف، وفيه قولان للعلماء، فهو شعر الجبهة باستثناء الحواجب، فمن العلماء من قال: إن معنى النمص اللغوي يتطرق إلى الإزالة، ومنها إزالة شعر الوجه بصفة عامة، ومنهم من قال: إن النمص مختص بالحاجب، والشعر الذي استحب كثير من العلماء إزالته إذا نبت للمرأة شارب أو نبتت لها لحية، قالوا: حتى لا تقع في التشبه بالرجال، وقد لعن النبي المتشبهات من النساء بالرجال. قد يقول قائل: إن معنى النمص اللغوي يقتضي أن إزالة أي شعر من الوجه محرم إذ النمص الإزالة، لكن على هذا القائل تعقُّب، فيقال له: إذا قلت: إن النمص إزالة فبناءً على هذا عليك أن تحرم على المرأة أن تزيل شعر رجليها، والمسطر في كتب العلماء أن النساء كن يزلن شعور الأرجل أحياناً للتزين، ويزلن شعر الذراعين للتزين، ولم يُستنكر ذلك، فالذي يظهر -والله سبحانه أعلم- أن المحرم يقيناً شعر الحواجب، وأن شعر الشارب أو اللحية تستحب إزالته، وأن شعر الوجه في الخد ونحوه إن تركته فمن باب الورع، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وإلا فالقطع بتحريمه فيه نظر.

стр. 858

حكم التجارة في اللحوم المجمدة السؤال ما هو حكم اللحوم المجمدة والتجارة فيها؟ الجواب التجارة في اللحوم المجمدة في النفس منها شيء، ونفس الحكم السابق، من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، إذا كانت اللحوم المجمدة تذبح في مصر، فالأصل في مصر أنها بلاد مسلمة، وأن ذبحها حلال، لكن إذا كانت مستوردة ففي الدولة التي استوردت منها تفصيل، إن كانت مستوردة من دول الملاحدة، فلا تؤكل أصلاً، ولا يُتاجر فيها، وإن كانت مستوردة من دولة كتابية، فيبقى النظر في طريقة التذكية التي ذكيت بها الذبيحة هناك، فإن قطع أهل اختصاص بأن التذكية ليست على الشريعة، لا أعني التسمية عند الذبح من عدمها فقط، بل أعني التذكية الشرعية، أو هل هي لم تذك بمعنى: أنها قُتِلت بطريقة الصعق أو غير ذلك، فتكون بمنزلة الوقيذ، ففيها تفصيل، ولا أعلم طريقة الذبح التي تُذبح بها هذه البهائم في دول أهل الكتاب، فليُسأل عنها أهل الاختصاص. لكن دائماً معنا حديثان لرسول الله نتحرك بهما: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ، وحديث الرسول ﵊: (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) .

стр. 859

حكم من فاته بعض التكبيرات في صلاة الجنازة السؤال رجل دخل ليصلي الجنازة وقد سُبق ببعض التكبيرات فإذا كبر معهم ماذا يصنع؟ الجواب هذه المسألة كنا نفتي فيها أولاً بأحد شيئين: قال الرسول ﵊: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) ، فنقول: إما أن تكبر: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر إلى أن تتحد مع الإمام في التكبيرة التي هو فيها، إذ القراءة بين التكبيرات ليست بواجبة؛ لأن هذا قول، فتكبر عدة مرات وبعدها تتفق مع الإمام وتفعل ما يفعل الإمام، أو الرأي الآخر: كبِّر واصنع كما يصنع الإمام، وما فاتك فأَتِم بعد الإمام، لكن بعد مراجعة صفة صلاة الجنازة باتساع، ورد أن الرسول ﵊ كبَّر على الجنازة أربع تكبيرات، وورد أنه ﷺ في حديث زيد بن أرقم عند مسلم صلى على الجنازة فكبر خمس تكبيرات، ومن العلماء من يدعي أن الخمس منسوخة، لكن رد ذلك بأن: حديثها ثابت في مسلم، والقول بالتنويع أولى من القول بالنسخ. لكن الآثار عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين أفادت أشياء تريح الصدر جداً، منها أن من السلف من كان يكبر على الجنازة تسعاً، ومنهم من كان يكبر عليها سبعاً، ومنهم من كان يرى التكبير ثلاثاً، ومنهم من كبر على الجنازة مرتين، ومنهم من يرى قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة، ومنهم من لا يرى قراءة الفاتحة في الصلاة على الجنازة، يعني: ورد أن بعضهم كان يدخل التكبير ومباشرة يدعو للميت، وورد أن بعضهم كان يكبِّر ويصلي على رسول الله ويدعو للميت، فالمسألة أصبح فيها اتساع، حتى روى ابن عباس -كما في البخاري - أن النبي ﷺ لما أُتِي إليه بجنازة فصلى عليها، وجهر بفاتحة الكتاب، وقال: إنما جهرت بفاتحة الكتاب لتعلموا أنها سنة، فلم أجد أحداً من العلماء قال ببطلان الصلاة على الجنازة إذا لم تقرأ فيها بالفاتحة، فليست الفاتحة ركناً من أركان الصلاة على الجنازة كما أنها ركن من أركان الصلوات المعتادة، بينهما خلاف، فجهر ابن عباس وقوله: لتعلموا أنها سنة، ليس صريحاً في الإيجاب، ثم يدل على أن منهم من كان لا يصنعها أصلاً، فالأمر في ذلك واسع، والله أعلم.

стр. 860

المادة الأولى في صناعة أحمر الشفاه السؤال لقد قرأت في إحدى الجرائد على لسان طبيب أن المادة الأولى في أحمر الشفاه هي براز الإنسان بعد المعالجة الكيميائية؟ الجواب فليُبحث عند الأطباء عن صحة هذا الكلام، إذا كان أحد من إخواننا يعرف شيئاً عن ذلك فليفدنا.

стр. 861

حديث: (لحومها داء، وألبانها دواء، وسمنها شفاء) السؤال حديث (ألبانها شفاء، وسمنها دواء، ولحومها داء) لا يصح منه إلا الجملة الأولى، ولكن قرأنا في بعض الكتب أنه صحيح، فما رأيكم؟ الجواب لا نعرف أن من العلماء من صحح حديث (لحومها داء، وألبانها دواء، وسمنها شفاء) في البقر، لكن بعد مراجعة هذا الحديث، والبحث في الطرق التي وردت، وجدنا أن اللفظ الأول أقرب إلى الوضع والكذب على رسول الله ﷺ ، لكن الثابت (ألبانها دواء، وسمنها شفاء) ، أما (لحومها داء) فحديثياً ليست بثابتة، من ناحية العلل والرجال ليست بثابتة بحال من الأحوال، ومن ناحية النظر أيضاً وعموم الشريعة لا تثبت، فإن الله قال: ﴿وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] فُسِّرت بقوله: ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] ، والنبي ضحى عن نسائه بالبقر، وإبراهيم راغ إلى أهله فجاء بعجل حنيذ، على رأي من قال: إن العجل الحنيذ من البقر، وهو رأي أكثر العلماء، والله أعلم.

стр. 862

حكم الزغاريد السؤال قلتم أن الزغاريد يمكن أن تكون وسط الأخوات، وقد أخذ بعض الناس من ذلك الحجة، ولكن أخبرتم أن الزغاريد مهما كانت ذات صوت منخفض يُسمع صوتها لمن في الشارع، فأرجو التوضيح لبعض الأخوات؟ الجواب بالنسبة للزغاريد، غاية ما ورد فيها: (صوتان ملعونان: صوت رنة عند نعمة، ورنة عند مصيبة) ، أولاً ليس صريحاً أنه في الزغاريد، ثانياً: الحديث ليس بثابت، فبقي شيء في مسألة الزغاريد الذي يبنى عليه الحكم الشرعي، وهو مسألة الافتتان بها من عدمه، هل سيفتن الرجال بهذه الزغاريد أو لا؟ فكانت الإجابة: إذا كانت الزغاريد في وسط النساء بعيداً عن الرجال، لا يفتن بهن الرجال، فما المانع إذاً؟ إذ ليس في الباب الآن خبر، وهو ليس من أنواع اللهو، وقد قال الرسول لـ عائشة في يوم العرس: (يا عائشة! ما كان معكم لهو؟! فإن الأنصار يعجبهم اللهو) ، فما بقي معنا شيءٌ صريح يمنع، لكن السائل يقول: إن الزغاريد يسمعها من في الشارع، إذا كان يسمعها من في الشارع خرجنا عن إجابتنا السابقة، الإجابة كانت مشروطة بألا يُفتن بهن الرجال، لكن إذا كان سيفتن بهن الرجال فلسنا مسئولين عن ذلك، فما نستطيع أن نحرم من أجل الأخت التي قالت: إنه قد يسمعها رجل؛ لأن هذه من مسائل الأخوات التي فيها إفراط وتفريط.

стр. 863

حكم شهادات الاستثمار لمجموعة (ج) عديمة الفوائد السؤال ما الحكم في شهادات الاستثمار المجموعة (ج) عديمة الفوائد، علماً بأن هناك حكماً أجاز حلها على اعتبار أنها بمنزلة القرعة التي ارتضاها الجميع؟ الجواب ليست بمنزلة القرعة التي ارتضاها الجميع، بل الأرباح التي توزع على الفائزين منشؤها من الربا.

стр. 864

حكم الصلاة على جنازة موضوعة خلف الإمام وأمام المأمومين السؤال هل تصح صلاة الجنازة والجنازة وراء الإمام وأمام المأمومين؟ الجواب هذا أمر محدث ومبتدع، فالسنة أن تكون الجنازة أمام الإمام هو يصلي إليها، والمأمومون يصلون خلفه، كيف يصلي هو والجنازة خلفه؟ كيف تتأتى هذه الصورة؟ فهذه صورة لم ترد عن رسول الله ﵊، ويخشى إن كانوا قد تعمدوا ذلك أن تبطل صلاة الجميع، والله أعلم.

стр. 865

كيفية الصلاة على أكثر من جنازة متعددة الأجناس السؤال كيف تكون الجنازة مما يلي الإمام إذا تعددت الأجناس رجالاً ونساءً أو صبياناً؟ الجواب الرجال أولاً ثم النساء ثم الصبيان.

стр. 866

جد الزوج لأمه محرم لزوجته السؤال هل يعتبر جد الزوج لأمه محرماً لزوجته؟ الجواب نعم، جد الرجل لأمه محرم للزوجة.

стр. 867

حكم الزواج بابنة العم وقد رضع من جدته لأبيه السؤال ابن رضع من جدته لأبيه، فهل يجوز له الزواج من ابنة عمه؟ الجواب لا يجوز؛ لأنه أصبح أخاً لعمه من الرضاعة، فهو عم لبنت عمه من الرضاعة.

стр. 868

حكم إقامة الزاني حد الجلد على نفسه السؤال شخص -والعياذ بالله- ابتلي بفاحشة الزنا من امرأة متزوجة، ويريد أن يقام عليه الحد، ويقول: أعلم أنك ستقول عليك بالتوبة والاستغفار، ولكن بالله عليك أرجوك أن تصف لي كيف يقام الحد؟ هل أجلد نفسي مائة جلدة أو مائتين؟ وبم أجلد (أبكرباج) أم بأي شيء؟ الجواب قلت ستجلد نفسك، ولكن الخطاب في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] لإمام المسلمين، ليس الخطاب هنا للأفراد، لكن إن كنت لا تقنع بكلام رسول الله، فماذا نفعل لك؟ إذا كان الرسول أمر من هو مثلك أن يستر على نفسه، وأنت تأبى إلا أن تفتضح؛ لأن عند جلدك لا بد كما قال سبحانه: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] ، فعظِّم رغبتك فيما عند الله ، وسله المعافاة والعافية في الدنيا والآخرة، وأكثر من عمل الصالحات، إن كان الله قد وسع عليك فاذهب واعتمر أو اذهب وحج، واعمل أي عمل صالح يدمر هذه الكبيرة، والله يتجاوز عن سيئاتك، أما الفضيحة أن أقول لك: اجلد نفسك بكرباج، وهل يليق بي أن أقول لك: اجمع عدداً من الحارة، وقل لهم: يا أيها الناس! أنا زنيت وتعالوا اجلدوني، وهم ليسوا بحكام، وليسوا أولياء أمور، افعل ما أمرك به رسولك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 869

حكم نكاح امرأة متزوجة نكاح متعة السؤال رجل يعمل في السوق، وتعمل معه امرأة متزوجة وهو غير متزوج، فابتلي بالزنا معها، وهذه من مفاسد الاختلاط في الأعمال، وهو يتعاشر معها ويبكي، ولكن تراوده فكرة أنه ينكحها نكاح متعة، حيث أنه يعطيها هدايا وأموال، فما الحكم؟ الجواب ليس هذا نكاح متعة بحال من الأحوال؛ لأن نكاح المتعة لم يكن مع مثل هذه المتزوجة، ونكاح المتعة من أصله منسوخ في سنة رسول الله ﷺ ، وقد حرم الله نكاح المتعة يوم خيبر إلى الأبد، فحُرِّم نكاح المتعة تحريماً أبدياً. فالذي تفعله إنما هو زنا -والعياذ بالله- ولا يسول لك الشيطان ويزين لك سوء عملك، فاستغفر الله، وأكثر من عمل الصالحات.

стр. 870

حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن السؤال هل يجوز أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن؟ الجواب نعم يجوز أخذ الأجرة على تحفيظ القرآن، وذلك لعموم حديث رسول الله ﷺ ، (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) ، وذلك في قصة اللديغ الذي رقاه أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أما المانعون فحججهم دائرة بين الضعف وعدم الصراحة، فمن حجج المانعين حديث: (علمت رجلاً القرآن فأهدى إلي قوساً، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: إن أخذتها أخذت قوساً من نار فرددتها) ، وهذا الحديث الراجح أنه ضعيف، وأكثر العلماء على تضعيفه. الحديث الثاني للمانعين: قول النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به) ، وهذا الحديث وإن كان حسن الإسناد إلا أنه ليس بصريح، فالأكل بالقرآن له وجوه مشروعة، ووجوه غير مشروعة، ولو كان على عمومه لما قال رسول الله ﷺ : (اقسموا واضربوا لي معكم بسهم) ، فتبين بحديث (اقسموا واضربوا لي معكم بسهم) ، أن قوله: (ولا تأكلوا به) ، محمول على شيءٍ خاص، وهو أن تبدل حرامه حلالاً رغبة في الأكل به كما قال الله سبحانه عن اليهود: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:١٧٤] ، أو الابتداع في هذا القرآن كالذي يُفعل في بعض المناسبات التي لم يُشرع فيها أن يذكر الله سبحانه بهذا النحو الذي يفعلونه، فهذه أقوى حجج القائلين بالمنع والجمهور على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن. وطائفة توسطت في الباب وقالت: إن اشترط المعلم فاشتراطه غير جائز، وإن لم يشترط فلا بأس بذلك، وطائفة أخرى قالت بالتفصيل: إن كان التعليم فرض عين -أي أنه يعلم الناس الفاتحة من أجل أن يصلوا بها ويتعبدوا ربهم- فليس له أن يطالب بأجرٍ على تعليمهم، أما إذا كان متفرغاً للتعليم فلا بأس، لكن جمهور أهل العلم على مشروعية أخذ الأجرة على تعليم القرآن مستدلين بحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) .

стр. 871

تفسير سورة القمر [٢] قص الله في كتابه قصصاً لأنبيائه ورسله، وما عانوه من آلام وشدة في سبيل تبليغ دين الله تعالى، وذكر في كتابه الدعوات التي ادعاها الرسل على أقوامهم لما لم يستجيبوا لهم، ووصف العذاب الذي عذبهم به؛ كل هذا من أجل أن يتسلى النبي ﵊ وأصحابه رضوان الله عليهم بمصاب أولئك عن مصيبتهم، ولتكون عبرة يعتبرها الطغاة من بعدهم.

стр. 872

قصة قوم نوح الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:٩-١٠] .

стр. 873

يسر ألفاظ القرآن وسهولة عبارات الشرع ثم قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ، وهذا كما قال الإمام الشافعي ﵀: (إن كثيراً من آي الكتاب العزيز غني بذاته عن التأويل) ، كقول الله سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] ، وكقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] ، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] ، كل هذه آيات لا تحتاج إلى كبير تأويل ولا إلى كبير تفسير، فهي مفهومة يفهمها العرب إذ هي لغتهم، فكثير من آي الكتاب العزيز غني بذاته عن التأويل، وينبغي للخطيب وللمعلم وللمذكر أن يذكر الناس بالسهل اليسير، ولا يتعمد الإتيان بألفاظ يفكر فيها أياماً حتى يُخرجها للناس، ولا تخرج من قلبه بل تخرج من لسانه، ثم الناس لا يفهمونها ولا يفقهونها، فالفقيه حق الفقيه والرباني كل الرباني هو الذي يقدم للناس مادة علمية سهلة تُفهم، ولذلك ترى مقالات رسول الله ﷺ ليست كمقالات غيره، مقالات النبي ﷺ مقالاتٌ سهلة ويسيرة ومفهومة، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) ، (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) ، كلام سهل ويسير ومفهوم. أما هؤلاء الذين يتشدقون في خطبهم ويأتون بغريب الألفاظ حباً في ثناء الناس عليهم، فإنهم مذمومون من جملة من الوجوه: الوجه الأول: إن قصدوا الرياء فعملهم حابط، قال النبي ﷺ : (قال الله سبحانه: من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) . الوجه الثاني: أنهم مبتعدون عن قول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ، ومبتعدون عن هدي رسول الله ﷺ الذي قد أوتي جوامع الكلم ﷺ . الوجه الثالث: أنهم واقعون تحت طائلة السجع المذموم الذي حذر منه ابن عباس وغيره، فقد قال ابن عباس لبعض التابعين: (وانظر إلى السجع من الدعاء فاجتنبه؛ فإني عهدت النبي ﷺ وأصحابه لا يفعلون ذلك) . أما التكلف الممقوت، وتمكث شهراً تفكر في بيت شعر، أو يوماً تفكر في قافية توافق قافيتك، أو تأتي بأسلوب صعب شاق على الناس، فسعيك غير مشكور، وعملك غير محمود، والسهولة كل السهولة واليسر كل اليسر في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﵌، وكلما دخلت إلى أقوال علم الكلام ازددت بعداً عن سنة الرسول ﷺ ، ثم إن هذا التعقيد الزائد لا معنى له ولا حاجة. وتوجد كتب أُثني عليها، وهي في الحقيقة جدير بها أن يثنى عليها من باب تأصيلها للعقائد، وتوضيحها للمناهج؛ ككتاب العقيدة الطحاوية وشرحها، لكن شابتها الألفاظ المعقدة زائدة التعقيد التي تجعلك تتهم نفسك عند قراءتها، ولو كان الكاتب قد أوجز وعبر بأساليب سهلة مفهومة لكان قد اجتمع إليه الحسن إلى الحسن، ولكنها تعقيدات في الألفاظ، حتى وأنت تقرأ -أيها الذكي- قد تتهم نفسك لعدم فهم هذه الألفاظ، وهذا الشيء أيضاً شاب مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في أجزائها الأول، فهي أجزاء حملت تعقيداً وألفاظاً معقدة كان من الأولى أن ينقى الكتاب منها، إلا أنها لما كانت في معرض الرد على أهل الكلام أُبيح له ذلك واستجاز ذلك رحمه الله تعالى، فلا تتهم نفسك أبداً وأنت تقرأ مثل هذه المقالات، فالعيب ليس فيك، إنما العيب في الذي لم يفهمك مراده، ولم يفهمك مراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الباب. وعلى هذه المسائل فلتقس الأمور، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] ، أي: هل من معتبِر؟

стр. 874

حكم زيارة ديار القوم الكافرين فلو قلنا: إن المراد من هذا كله تذكير الناس بمصارع الظالمين والطغاة، وبإنجاء الله للمؤمنين؛ فحينئذٍ يوجَّه سؤال ويُطرح: هل لنا حينئذٍ أن نزور مصارع القوم الظالمين بقصد الاعتبار والاتعاظ؟ يعني: إذا علمنا مثلاً أن قوماً ما أهلكهم الله، فهل لنا أن نزورهم؟ ومن ثم تأتي مسألة زيارة الأهرامات وغيرها من آثار أهل الظلم والكفر والفراعنة، هل تُشرع الزيارة للاتعاظ والاعتبار أم أنها من أصلها لا معنى لها؟ القائل بالجواز يستدل ويبني قوله على أمور، منها: قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم:٤٢] ، وكما قال سبحانه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢] ، ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ [القمر:١٥] إلى غير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالسير في الأرض للاعتبار والادكار. ولقائل آخر أن يمنع مستدلاً بحديث النبي ﷺ الذي قال فيه لأصحابه لما مر بديار ثمود: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم) ، فهذا الحديث يمنع من الدخول عليهم بقصد النظر، إنما فقط يجوز الدخول عليهم مع الحالة المصاحبة لك من الخوف والبكاء أو التباكي، وللاتعاظ والاعتبار، فيقال: إن الأصل هو المنع، إلا إذا كنت باكياً كما أشار إليه حديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فهذا وجهٌ آخر أيضاً وهو قويٌ، والمسألة لا تخلو من الأخذ والرد، لكن الذي يذهب فقط للإعجاب بحضارة الكفار الفراعنة، ثم يرجع معجباً بهم، ومتغنياً بتراثهم، فهذا يُخشى عليه أن يلحقه -والعياذ بالله- شعبة من النفاق، أو شعبة من محبة الكفر والكافرين، والله أعلم. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٥] ، أي: فهل من متعظ؟ وهل من معتبر؟

стр. 875

الاعتبار بهلاك الأمم ثم يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾ [القمر:١٥] ، أي: عبرة وعظة يُعتبر بها ويدَّكر، ودلالة وعلامة على قدرتنا على إنجاء أوليائنا وإغراق أعدائنا. قال فريق من أهل العلم: إن السفينة استمرت على جبل الجودي بالهند لقرون طويلة، بل لآلاف السنين حتى يعتبر بها المعتبرون ويدَّكر بها المدكرون، وقد تقدم شيءٌ من الحديث في هذا الباب، ألا وهو: باب ترك شيءٍ للاتعاظ وللاعتبار، فالله جل ذكره قال في شأن فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢] ، فجعل الله سبحانه جسد فرعون آية ودلالة على إغراق كل ظالم، وإهلاك كل طاغية؛ فجسد فرعون تُرِك آية، وكذلك سفينة نوح تُرِكت آية، وكذلك مدائن قوم لوط كما قال الله عنها: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧-١٣٨] ، وديار ثمود كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:٧٩] أي: بطريقٍ واضح، يمر عليهما المارة أثناء أسفارهم، وأثناء ذهابهم وإيابهم.

стр. 876

نصرة الله لأنبيائه وأوليائه قال تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] ، دعوة موجزة لكنها صدرت من مظلوم، والنبي ﷺ يقول: (إياك ودعوة المظلوم! فإنها ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله سبحانه فوق الغمام، ويقول: بعزتي! لأنصرنك ولو بعد حين) ، فليحذر الشخص دعوة مظلوم قد ظلمه، فإن هذه الدعوة تطاردك ولو بعد زمن طويل، وتلاحقك، وتنزل بك فجأة وعلى غرة، فليؤد كل شخص المظالم إلى أهلها. قال سبحانه: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١-١٢] ، تصوير بليغ: تُفتح أبواب السماء بماءٍ منهمر، والأرض تفجر عيوناً، فيلتقي الماء على أمرٍ قد قُدِر، ماءٌ يغطي أعالي الجبال، كما قال نوح لولده إذ قال له: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣] ، فالذي ينزل الماء هو الله، والذي يفجر الأرض عيوناً هو الله سبحانه، والذي يسخر السحب ويسيرها هو الله، والذي يفجر الأرضين هو الله ، فليكن الملتجأ إليه دائماً. قال الله سبحانه: ﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾ [القمر:١٣] أي: حملنا نوحاً ﵊ ومن معه كما في الآية الأخرى، ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء:١١٩] . قال سبحانه: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣] هي: السفينة، وهي: الفلك، وهي الجارية، فقد أُطلِق عليها كل ذلك، وأُطلِق عليها: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر:١٣] ، وأُطلِق عليها: الفلك المشحون، أي: المملوء، من قولهم: شحنتُ الباخرة، أو شُحِنت الباخرة، وأُطلِق عليها: الجارية لقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] ، والفلك كما في قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧] . قال : ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] قال كثير من المفسرين: أي تجري على مرأى منا، وبحفظنا وبرعايتنا لها، كما قال الله لموسى ﷺ : ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] ، وكما قال الله لنبيه محمد ﵊: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] ، فقوله سبحانه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ، و ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ كل ذلك كقول الشخص -مع ملاحظة الفارق- في الحياة الدنيا: ابنك في عيني، أي: أنا أحفظه وأرعاه لك بإذن الله فاطمئن عليه. فالله يقول: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] ، أي: بحفظنا وبرعايتنا. ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤] ، والجزاء هنا بمعنى: الثواب، والجزاء أحياناً يطلق بمعنى: العقاب، أي: إكراماً منا لمن كان كَفَر به قومه وهو نوح ﷺ .

стр. 877

ما رمى أعداء الأنبياء به رسلهم (وَقَالُوا) أي: عن نوح ﷺ (مجنون) ، وهي مقولة يوسم بها كل من سلك طريقه إلى الله سبحانه، وكل من وحّد الله ودعا إليه وسلك سبيله، وسلك سنن رسله عليهم الصلاة والسلام، يُتهم بالتخلف العقلي وبالجنون، وفي الوقت ذاته يصفون أنفسهم بالتقدم وبالرقي، ويصفون مخالفيهم بالتأخر والرجعية، وخفي على هؤلاء أن التقدم هو التقدم الذي يقربنا إلى الله سبحانه، والتخلف هو التخلف الذي يصدنا عن طريق الله وعن سنة رسوله، ويؤخرنا عنها، وأن الرقي هو الرقي في درجات الجنان، وأن الهبوط والانحدار هو الهبوط إلى الجحيم، والعياذ بالله! قال سبحانه: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩] أي: وزجر نوحٌ ﷺ من قومه أبلغ الزجر، وانتهروه غاية الانتهار، وأغروا به السفهاء، وسلطوا عليه الحمقى والصبيان، يرمونه بالبعر، ويضربونه بالأحجار ﷺ .

стр. 878

مواساة الله لنبيه بذكر قصص الأنبياء الآية في مطلعها تحمل مواساة لرسول الله ﷺ ، وتسلية له وتصبيراً، فإن الشخص إذا ابتلي بابتلاء من الابتلاءات وشاركه فيه غيره هانت عليه بلواه، وهانت عليه مصيبته، كما قالت الخنساء وهي ترثي أخاها صخراً: فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي ولا يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس معهم بالتأسي ولذلك كثرت المواساة، وكثر التذكير بأخبار الأنبياء قبل نبينا محمد ﷺ لتصبيره، فقال الله له: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام:٣٤] ، وفي الآية الأخرى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ، وقال الرسول ﷺ لـ فاطمة عند موته: (يا فاطمة! إنه قد حل بأبيك ما ليس الله بتارك منه أحداً، ألا اصبري فالذي نزل بأبيك لن ينجو منه أحد) ، وقال الله : ﴿أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ، فكل هذه من أنواع المواساة التي يواسي ربنا بها عباده ورسله، ويصبِّرهم الله بها. فلذلك شرعت أشياء لخدمة هذا الأصل، من عيادات المرضى، واتباع الجنائز، فإذا فقئت عينك مثلاً، ودخلت المستشفى وأنت تتألم، ثم دخل بعدك رجل فقئت عيناه؛ تهون عليك بلواك. وإذا دخلت وقد كُسرت رجلك، ورأيت رجلاً كسرت رجلاه، وبُتِرت يداه، هانت عليك مصائبك. هذا منهج من مناهج التصبير، ألا وهو المواساة، وكان الرسول يصبر نفسه بهذا المبدأ، فلما أوذي ﵊ قال: (رحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) . وهذا يعطينا فقهاً للتعامل مع الناس، ألا وهو مواساة الناس بمصائب غيرهم، فإذا جاءك شخص يشكو من مرضٍ متألماً منه، فاحك له قصصاً تصبره بها، وذكِّره بعبر فيها أقوام قد أُصيبوا بأشد وأشد من الذي ابتلي به، فحينئذٍ تهون عليه تلك المصيبة التي هو فيها، ويحمد الله على ما أصابه. وهذا مضمن في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر:٩] أي: كذبوا عبدنا نوحاً ﵊، فكما أن محمداً ﷺ كُذِّب، فقد كُذِّب أيضاً نوح، وكما أن المشركين كذّبوا محمداً فقبلهم أهل شرك كذبوا نوحاً ﷺ . ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر:٩] فيه إشعار بالعبودية لله.

стр. 879

قصة قوم عاد ثم قال سبحانه: (كَذَّبَتْ عَادٌ) تلك القبيلة العاتية الظالمة ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٨] أي: كيف كان عذابي لهم؟ وكيف كان إنذاري تلك القبيلة العاتية؟

стр. 880

إهلاك الله لعاد لما كذبوا الرسل قال الله : ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٨] ، أي: ونذري، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٩] ، فالعذاب الذي أُهلكت به قبيلة عاد الريح كما وصفها ربنا بقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات:٤١] ، أي: التي لا فائدة فيها، وقد سماها النبي ﷺ : الدبور كما في الحديث: (نصرت بالصبا) أي: الريح التي سلطها الله على الأحزاب هي: ريح الصبا: (وأُهلكت عاد بالدبور) ، فاسمها: الدبور، وصفتها: عقيم كما سمعتم في قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤١-٤٢] . وهي القبيلة العاتية التي قالت عن نفسها: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] ، فكانت في منتهى القوة، وكانوا في منتهى الطول، وذكروا في تراجمهم أشياء تدل على قوتهم، وإن كانت الأسانيد ليست بثابتة، لكن جاءت بها جملة أقوال للمفسرين منها: أن أحدهم كان يحمل الصخرة بيديه ويلقيها على القوم فيهلكهم والعياذ بالله، فقالوا مفتخرين منكرين لنعمة الله عليهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] ، قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٥-١٦] . قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ شديدة البرودة محرقة ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر:١٩] ، قال فريق من أهل العلم: كيف يوسم اليوم بأنه يوم نحس، والنبي ﷺ قال: (قال الله: لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره) ؟ فكيف وُصِفت الأيام هنا بأنها أيام نحس وفي الآية الأخرى ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦] ، وفي الحديث القدسي: (قال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار؟) . فالإجابة من وجوه: الوجه الأول: أن الذي وصف الأيام بأنها أيام نحس هو الله ، فلا راد لوصفه، ولا راد لحكمه، ولا راد لقضائه . الوجه الثاني: أن النهي عن سب الدهر إذا كنت تعتقد أن الدهر هو المتصرف في الأمور، وأن الدهر هو الذي كان سبباً في تسليط هذه الأشياء عليك، لكن إذا رددت الأمر لله فلا جناح عليك. وهذا كأوجه الجمع التي وردت في حديث النبي ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة) ، وبين حديث الرسول: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ، فمن أوجه الجمع بين هذه الأشياء: أن تعتقد أن العدوى مؤثرة بذاتها، وتجعل ذلك بمعزل عن إرادة الله ، فنفيت العدوى بهذا الاعتبار، وقال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) على أنه من باب الأخذ بالأسباب. قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:١٩-٢٠] ، وقوله: (في يوم نحس) : يدل على أنها كانت أياماً وليست بيوم، كما قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧] ، وكذلك قال تعالى: ((فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ)) [فصلت:١٦] ، فيوم في هذه الآية اسم جنس، قال تعالى: (فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ) أي: ترفعهم وتنزعهم، وكأنهم كانوا مثبتين في الأرض وهي تنزعهم من جذورهم، ﴿تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:٢٠-٢٢] .
следующие страницы →