Полный текст (2 242 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
معنى الرق المنشور
قال تعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:٣] الرق: هو الجلد أو الورق الذي يكتب فيه، أو هو الرقاع التي يكتب فيها، فكل ما كتب فيه يطلق عليه الرق، سواء كان ورق شجر، أو ورقاً أبيض كالذي بين أيدينا، أو جلداً، أو أي شيء يكتب عليه يسمى رقاً، والرق المنشور الذي ينشر يوم القيامة، أي: يفتح، كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير:١٠] .
стр. 807
معنى الطور
الطور على رأي جمهور المفسرين: هو جبل، والمراد به طور سيناء الذي كلم الله عنده نبيه موسى ﷺ .
وقد قال فريق من العلماء: إن الجبل إذا كان عليه نبات أطلق عليه الطور، فالطور على هذا القول: اسم لكل جبل ينبت، والذي لا ينبت يطلق عليه جبل.
لكن المعني بالطور هنا على رأي جمهور المفسرين هو طور سيناء، وقد قال الله : ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦] أي: نادينا نبينا موسى ﵇.
стр. 808
تفاوت مخلوقات الله
الله يقسم بالطور، وكما تقدم فإن الله يقسم بعظيم مخلوقاته، فيقسم بالشمس، وبالقمر، وبالنجم، وبالسماء، وبالأرض، ويقسم في الجملة بعظيم المخلوقات، ولا تكاد ترى قسماً بالذباب ولا بالبعوض ولا بنحو ذلك، وإن كان الكل من خلق الله، لكن خلق الله يتفاوت في العظمة، كما قال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] .
فالخلق يتفاوت، وكذلك القرآن وهو كتاب الله يتفاوت في الفضل، فسورة الفاتحة هي أعظم سورة في الكتاب العزيز، وآية الكرسي هي سيدة القرآن الكريم، فكل هذا الأمر فيه لله يتصرف فيه كيف يشاء .
والجبال المذكورة في كتاب الله منها الطور، كما في هذه الآية، ومنها الجودي، كما قال الله : ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤] ، ومن الجبال المذكورة في سنة رسول الله ﷺ جبل أحد، وقد قال النبي ﷺ : (أحد جبل يحبنا ونحبه) ، ومنها جبل يقال له: جمدان، مر به النبي ﷺ ، فقال: (سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) .
فالجبال تتفاوت فيما بينها في الفضل، كما أن سائر الخلائق بينها تفاوت في الفضل، وكما قدمنا أن الله فضل بعض البلاد على بعض، فأم القرى مكة ليست كالمنصورة مثلاً، وفضل بعض المساجد على بعض، فالمسجد الحرام يفوق غيره من المساجد في الفضل، وهذا ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤] .
فأقسم الله هنا بالطور.
стр. 809
وقوع عذاب الله للكافرين
أقسم الله بهذه الأشياء على شيء واحد تكرر القسم عليه في عدة سور ألا وهو: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور:٧] ، فأقسم الله بهذه الأشياء على هذا الشيء، وتكرر هذا الشيء المقسم عليه في عدة آيات من سور الكتاب العزيز، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ * يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ [الطور:٧-٩] أي: تتحرك السماء تحركاً، وتضطرب اضطراباً، ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:٩-١٠] تزاح عن أماكنها وتسير، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:٣] .
стр. 810
معنى الوعيد بالويل
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور:١١] في هذا الوقت: الويل للمكذبين، والويل المراد به العذاب الشديد، وقد وردت جملة من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، في إسناد كل منها مقال، وفحواها: أن الويل وادٍ في جهنم تستغيث منه جهنم، وتستجير جهنم من حره، لكن الأسانيد فيها مقال، فمن العلماء من حسنها أو صححها بمجموعها، ومنهم من أبقاها في حيز الضعف، وقال: إن الويل المراد به التوعد بالعذاب الشديد، ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور:١١] ، أي بالعذاب الشديد في يوم الدين.
стр. 811
دخول الكافرين النار بسبب كفرهم بالله
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٢-١٣] أي: يدفعون إليها دفعاً، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٤-١٥] كلام يقال لهم على سبيل التعيير والتوبيخ، ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور:١٦] فإن الصبر لا فائدة فيه آنذاك؛ وعدم الصبر لا فائدة فيه آنذاك، لأن العذاب واقع لا محالة، فالصبر على العذاب قد يخفف العذاب في الدنيا، واحتساب الأذى في سبيل الله قد يخفف العذاب في الدنيا، والتجلد قد يخفف العذاب، أما في الآخرة فليس كذلك، فصور التخفيف التي بها يخفف العذاب في الدنيا لا تنفع بشيء في الآخرة.
فمن صور تخفيف العذاب في الدنيا: الاشتراك في المصائب، إذا اُبتليت تأملت، فإذا رأيت بلاء غيرك أعظم من بلائك هان عليك بلاؤك، أما في الآخرة فلا ينفع هذا الاشتراك، كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] ، كذلك الصبر قد يخفف العذاب في الدنيا ولكنه لا يخففه في الآخرة، قال أهل الكفر: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] ، وهنا يقول سبحانه: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور:١٦] أي: يستوي عليكم، الصبر وعدمه، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦] أي: إنما تجزون جزاء كسبكم، وجزاء عملكم.
стр. 812
حال المتقين في الآخرة
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور:١٧-١٨] (فاكهين) أي: منعمين مسرورين بما آتاهم ربهم، ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور:١٨-٢٠] صفوفهم متقابلة، كما قال سبحانه: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] .
стр. 813
طعام وشراب أهل الجنة
وقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ [الطور:٢٢-٢٣] (كأساً) أي: كأس خمر، وإذا أطلق الكأس فالمراد به: كأس الخمر في الكتاب العزيز، ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣] ، فخمر الدنيا تجلب اللغو لشاربها، فشارب خمر الدنيا يهذي ويلغو، وكذلك يرتكب الآثام، ويقول الفحش والمنكر من القول، أما خمر الآخرة فلا يصاحبها لغو ولا إثم، وكذلك لا يصاحبها الصداع كما قال تعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] .
فقوله سبحانه: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا﴾ [الطور:٢٣] (فيها) بمعنى: معها، أي: لا يصاحب خمر الآخرة، (لغو) كخمر الدنيا، ولا يصاحبها إثم كذلك، فالجنة كما قال الله عنها: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥-٢٦] .
قال تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور:٢٣] ، وليس المراد بالتنازع المعروف في الدنيا، إنما المراد بالتنازع هنا -والله أعلم- التناول؛ لأن الله قال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] .
قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤] (غلمان) أي: خدم، ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ﴾ [الطور:٢٤] أي: من الخدم الذين يخدمونهم، ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤] من شدة البياض الذي هم فيه، كما قال الله في آية أخرى: ﴿لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان:١٩] من كثرتهم كأنهم لؤلؤ رش في الجنة من شدة البياض، وكثرة الخدم.
قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥] أي: أقبل أهل الجنة بعضهم إلى بعض كلٌ يسأل الآخر ويكلم الآخر، فالمراد بالتساؤل هنا التخاطب والتحادث.
стр. 814
الخوف من عذاب الله من أسباب دخول الجنة
قال سبحانه: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] أي: كنا في حياتنا الدنيا في أهلنا خائفين، ومن أهل العلم من قال: هنا مقدر محذوف، وتقديره: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥] قال بعض العلماء: أقبل كلٌ منهم على الآخر يسأله ويقول له: أتدري متى غفر لنا؟ غفر لنا يوم أن جلسنا بمجلس كذا وكذا نستغفر الله، غفر لنا يوم أن كنا نحن وأنت في مكان كذا وكذا ودعونا الله، غفر لنا يوم سرنا في طريق كذا وكذا وأمطنا الأذى عن الطريق، غفر لنا يوم أن اتبعنا الجنازة، أو يوم أن عدنا مرضى، فكلٌ يذكر الآخر بالوقت الذي غفر له فيه، هذا قول، لكن صريح الآيات لا يعارضه، ولكنه أقوى منه في المأخذ، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] (قبل) أي: في حياتنا الدنيا، (في أهلنا) أي: في وسط أهلنا، (مشفقين) أي: خائفين من عذاب الله، فهذا الشعور ينبغي أن ينتاب المؤمن، ألا وهو الخوف من عذاب الله سبحانه، شعور يجب أن ينتاب المؤمن في حياته الدنيا.
هاهم أهل الإيمان يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٦-٢٧] و (السموم) هو الحر الشديد، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨] و (البر) قال بعض العلماء: المراد به اللطيف، فجمعوا بين خصلتين، ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] (مشفقين) أي: خائفين، ومع ذلك: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ [الطور:٢٨] أي: كانوا يدعون ربهم مع خوف وإشفاق، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] .
فعلى المسلم أن يوطن نفسه على هذه الأحوال، ألا وهي: دعاء الله مع الخوف والشفقة من عذابه، فهذا هو حال أهل الإيمان، وقد دلت عليه عشرات النصوص من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، فيجب على المسلم أن يدعو ربه دعاء الخائف من عذابه الراجي رحمة ربه.
стр. 815
ما يتبع الميت من حسنات بسبب الذرية الصالحة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] أفادت هذه الآية شيئاً وهو: أن الشخص قد يستفيد بكسب غيره أحياناً.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] أي: إذا كان الأب صالحاً وبلغ درجة عالية في الجنة، وابنه مؤمناً، ولكن هذا الابن قصر ولم يبلغ منزلة أبيه في الجنة، فإكراماً من الله للآباء، وتفضلاً منه على الأبناء، يلحق الأبناء بالآباء، ولا يلت الآباء من أجورهم شيئاً، أي: ولا ينقص الآباء من أجرهم شيئاً، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] ، أي: للدرجات العُلى، فأفادت الآية ما أفادته غيرها أن الابن ينتفع بصلاح الأب، فقد قال الله : ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] ، فالابن الصالح ينتفع بسعي أبيه، وكذلك الأب ينتفع بسعي ولده كذلك.
قال النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ومنها: ولد صالح يدعو له) ، وقال النبي ﷺ فيما حسنه بعض أهل العلم: (إن الرجل ترفع درجته يوم القيامة، فيقول: يا رب! أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك) ، وحديث: (يقول الله يوم القيامة لملائكته: أدخلوا هؤلاء الصغار الجنة، فيمتنع الصغار عن دخول الجنة، فيقول الله سبحانه: ما لي أراهم واقفين -أي: ممتنعين مترددين- فيقولون: يا ربنا! لا ندخلها حتى يدخلها آباؤنا وتدخلها أمهاتنا، فيقول الله سبحانه: أدخلوا معهم آباءهم وأمهاتهم) ، فالولد الصالح ينتفع بصلاح أبيه، والأب ينتفع بصلاح الولد.
إذاً: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم:٣٩] ، فيه استثناءات وإضافات، وله إيضاحات، فقد ينتفع الرجل بسعي غيره، فإن الرجل قد يحج عن الآخر فينتفع بحجه، والرجل قد يتصدق عن الآخر فينتفع بصدقته، والرجل قد يدعو للآخر فينتفع بدعائه، والرجل قد يسدد الدين عن الآخر فيجزئ سداد الدين عنه، والرجل قد يشفع في الآخر فتقبل شفاعته فيه، وقد أورد بعض أهل العلم ما يقارب سبعة وعشرين وجهاً لاستفادة الشخص بسعي غيره، كلها بأدلة من الكتاب والسنة.
يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور:٢١] ما المراد بالذرية؟ هل الذرية المراد بها الأبناء فحسب أم المراد بها التسلسل؟ أحياناً يذكر الذرية ويراد بها أبناء الشخص فحسب، ذريتك هم أبناؤك، وأحياناً تمتد الذرية إلى أحفاد أحفاد الأحفاد، كما قال الله لنا: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣] ، وبيننا وبينهم قرون كثيرة، فقوله سبحانه: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ [الطور:٢١] ، هل المراد بها الذرية المتسلسلة إلى قيام الساعة أو المراد بالذرية الأبناء؟ الظاهر أنه الثاني، والله أعلم، وإلا لاستوى أهل الصلاح كلهم في الفضل يوم القيامة، إذ كلهم يرجعون إلى المحمولين مع نوح، والمحمولون مع نوح ﵇ في درجة عالية من الجنة، فلو قلنا بتسلسل الذرية إلى الأحفاد وأحفاد الأحفاد لاشترك الجميع في المنزلة، ولكن الذي يبدو ويظهر أن المراد بالذرية هنا هم الأولاد، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] (وما ألتناهم) أي: وما أنقصناهم، بل كلٌ مرتهن بعمله وبكسبه.
стр. 816
وصف الحور العين في الجنة
وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور:٢٠] من العلماء من قال: إن المراد بالتزويج هنا الاقتران، أي: جعلنا لكل منهم قرينة وهي من الحور العين، ومنهم من قال: إن التزويج هنا بمعنى الإنكاح، ولكن التزويج أعم من الإنكاح، فالله قال في كتابه الكريم: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر:٨٨] أي: أصنافاً.
قال سبحانه: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور:٢٠] الحورية هي: التي تكون عينها شديدة البياض، وحدقتها شديدة السواد، فالحور تطلق على شدة البياض، ومنه قال فريق من أهل العلم: سبب تسمية الحواريين بذلك، لشدة بياض ثيابهم، وقال الشاعر: فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكين إلا الكلاب النوابح فقوله: (فقل للحواريات) أي: للجواري البيضاء، فالحواري هو شديد البياض، فالحورية هي: شديدة بياض العين، شديدة سوادها كذلك.
стр. 817
دعوة النبي ﵊ لقومه وتكذيبهم له
قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩] ، قد تقدم حكم التذكير ومحل التذكير، فقوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٢٩] أي: بحمد ربك، وهي جملة اعتراضية، فذكر فما أنت -بحمد الله- بكاهن ولا مجنون، كما قيل لـ علي: كيف حال رسول الله ﷺ ؟ قال: أصبح -بحمد الله- بارئاً.
فجملة: (بحمد الله) اعتراضية يصلح السياق بدون ذكرها، وتفهم من سياقات أخرى، فيجوز أن تقول: أصبح بارئاً، لكن إضافة بحمد لله لرد الفضل إلى الله سبحانه، فكذلك قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٢٩] أي: بفضل الله عليك لست بكاهن ولا بمجنون، كما قال في سورة القلم: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم:١-٢] أي: بحمد الله لست بكاهن، وبحمد الله لست بمجنون.
قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩] (الكاهن) هو الذي يدعي علم الغيب، وقد قال النبي ﷺ : (من أتى كاهناً أو عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) ، وقد ورد بلفظ: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ، وهذا الأخير تكلم فيه بعض العلماء، قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور:٢٩] أي: كما يصفك هؤلاء الواصفون.
стр. 818
عدم سؤال النبي لقومه أجراً
قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:٤٠] أفادت الآية الكريمة أن الداعي إلى الله عليه أن يكون حراً طليقاً، غير خاضع للناس، وغير طالب لأموالهم، فلا تذهب تحاضر -أيها الأخ الداعي إلى الله- في مكان، وتمتد عينك إلى أهل الثراء أصحاب المسجد الذي أنت فيه، ولا أصحاب المكان الذي أنت فيه، بل عليك أن تكون عزيزاً بما آتاك الله من تُقى، وبما آتاك الله من علم، أما إذا استشرفت نفسك أُهنت لما في أيدهم، وزهدوا فيما عندك من العلم، وحملوا هموم مجيئك، في كل مرة يرتبون لك هدية ومالاً فحينئذٍ تهون عندهم ويسأموك، وبعد أن كانوا يجلونك ويوقرونك يزهدون فيك وفي علمك؛ بل ويتكلمون أمامك ومن خلفك -والعياذ بالله-.
فلذلك على الأخ الداعي أن يجعل العلم فوق كل شيء بعد تقوى الله ، ولا تمتد عينه إلى ما متع به أزواجاً منهم، فالمال زائل، والعلم الذي يُبتغى به وجه الله باقٍ، وقد قال الله سبحانه لنبيه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] ولم يقل له: وقل رب زدني مالاً، بل قال في شأن المال: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨] ، وقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩] .
فعلى إخواننا الدعاة إلى الله أن ينزهوا أنفسهم من أخذ المال مع إعداد أنفسهم علمياً كذلك، وإلا سقطت هيبتهم، وذهب وقارهم، وداسهم الناس بالأقدام والعياذ بالله! قال الله سبحانه: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ [الطور:٤٠] أي: تطلب منهم أجراً على البلاغ، ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور:٤٠] أي: خائفون من غرامة يؤدونها إليك، ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور:٤١-٤٢] أي: يكيدون يا محمد وأهل الإسلام، فإذا كانوا يكيدون بك وبأصحابك فاعلم تمام العلم وأيقن تمام اليقين أن الذين كفروا هم المكيدون، كما قال سبحانه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] ، وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] ، قال الله كذلك: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:٥٠] ، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء:٨١] ، ألا فليعلم كل من يكيد بالإسلام أن الله يكيد به، وكل من يخطط لأذى المسلمين فالله يدبر له ويحكم له خططاً، فالله هو الحفيظ لأوليائه، وهو متولي الصالحين.
стр. 819
تكذيب المشركين بالآيات
قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور:٤٣-٤٤] إن يرى هؤلاء الكفار العذاب نازلاً عليهم من السماء، قد تقطع عليهم وسقط قطعاً قطعاً؛ لكذبوا أيضاً مع مجيء هذه الآيات، وقالوا: ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤] أي: متراكم بعضه فوق بعض! فيرون العذاب نازلاً ولكنهم يلحدون كذلك، كما يفعل أهل الإلحاد والعلمنة في هذا الزمان، يرون الزلازل من تحت أرجلهم، ويقولون: هزات أرضية! هكذا أهل الكفر دائماً، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الطور:٤٤] أي: قطعاً من السماء متساقطة عليهم بالعذاب ﴿يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤] ولا يقرون أنه عذاب من عند الله ، فهكذا أهل الإلحاد الذين يجحدون اليوم الآخر وينكرون عذاب الله فإنهم يصرفون العذاب إلى اصطلاحات سموها هم وآباؤهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤] أي: أن الآيات لا تنفعهم بشيء، كما قال الله جل ذكره في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٦-٩٧] .
قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الطور:٤٥-٤٦] ، ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:٤٧] أي: إن للذين ظلموا عذاباً في الحياة الدنيا أقل من عذاب الآخرة، وما هو العذاب في الحياة الدنيا الذي ذكره الله بقوله: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧] ؟ قال فريق من العلماء: هو ما أصابهم يوم بدر، وقال آخرون: هو ما أصابهم من جوع لما دعا عليهم رسول الله ﷺ قائلاً: (اللهم! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) .
قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧] أي: قبل عذاب يوم القيامة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:٤٧] .
стр. 820
بيان الحجج العقلية في الرد على المشركين
قال الله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦] أي: لا يصدقون، ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور:٣٧] يرزقون من شاءوا ويمنعون من شاءوا، ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧] ، فخزائن الله لا يملكها أحد إلا هو سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:٢١] ، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء:١٠٠] ، وكما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٧] فخزائن كل شيء بيده، فمن ثم سل الله من خزائنه، قال النبي ﷺ : (يد الله ملأى سحاء الليل والنهار -أي: تصب الخير بالليل والنهار- أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض! فإنه لم يغض ما في يمينه شيئاً -أي: لم ينقص ما في يمينه شيئاً- وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض) ، فالخزائن كلها بيد الله، فإن شئت الثراء فسل الله الثراء، وإن شئت الغنى فسل الله الغنى، فخزائن كل شيء بيديه، ولا ينبغي أبداً أن يفارقك هذا الظن، ويبتعد عنك هذا اليقين، وأن يزول عنك هذا التصور، بل عليك دائماً أن توقن أن خزائن كل شيء بيديه، وكل أنواع الفتوحات من عنده ، من الأرزاق والأموال والأفهام والأخلاق والكلمات الطيبة، وكل شيء خزائنه عند الله .
قال الله سبحانه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور:٣٧] يتحكمون في الخلق، ويرزقون من شاءوا ويمنعون من شاءوا، ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧] أم هم المغالبون على الدنيا يذلون من شاءوا ويهينون من شاءوا ويعزون من شاءوا؟ لا، بل الله هو الذي يعز، وهو الذي يذل، وهو الذي يرفع، وهو الذي يخفض، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، هذا ذو منصب الآن وفي الغد وضيع، هذا ذو جاه الآن وفي الغد ذليل حقير -والعياذ بالله-، فالأيام يصرفها ربنا كيف يشاء، ويداولها سبحانه كيف يشاء، يعز ويذل، ويقبض ويبسط، يميت ويحيي .
قال سبحانه: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧] على الكون وعلى الحياة وعلى الخلق، ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور:٣٨] أي: هل لهم سلم يصعدون عليه، ويستمعون إلى ما يدور في الملأ الأعلى، وينقلون الوحي إلى الناس به؟ ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ [الطور:٣٨] أي: مدعي هذا الاستماع ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور:٣٨] أي: بحجة بينة موضحة للذي قال وزعم.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور:٣٩] فقد كان أهل الكفر يدعون لله البنات، ومنهم من يقول: إن الملائكة إناث، وأنها بنات لله سبحانه، وهناك طائفة تقول: البنات في الجملة بنات الله، وطائفة تقول: إن الملائكة إناث، وهؤلاء الإناث هم بنات لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩] ، وكان هذا اعتقاد قبيلة خزاعة من المشركين، كانت تعتقد هذا المعتقد الرديء.
стр. 821
تحدي الله للمشركين أن يأتوا بآية مثل القرآن
قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور:٣٤] ، قال بعض أهل العلم: إن الله تحدى المشركين بأنواع من التحديات، وتحداهم أن يأتوا بحديث مثل هذا القرآن فلم يأتوا، فتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يأتوا، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فلم يأتوا، وتحداهم أن يأتوا بآية من مثله فلم يأتوا، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٣٤] .
ولما طفق مسيلمة الكذاب يختلق الاختلاقات، ويكذب على الله، ويدعي قرآناً نزل عليه من عند الله، فطفق يقول: يا ضفدعة بنت ضفدعين، نقي كما تنقين، نصفكِ في الماء ونصفكِ في الطين، لا الماء تعكرين، ولا الشارب تمنعين، كذبه أقرب أصحابه إليه، فقالوا: نشهد على قفاك أنه قفا كذاب على الله سبحانه، أين هذا من قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى:١-٤] ؟ كذلك لما طفق يكذب ويقول: والعاجنات عجناً، فالخابزات خبزاً، فالآكلات أكلاً، إن قريشاً قوم يعتدون! كذبه أحب أصحابه إليه وأقرب أصحابه إليه، ووسم بسمة لا تفارقه إلى يوم الدين ألا وهي سمة: مسيلمة الكذاب والعياذ بالله من الكذب على الله.
стр. 822
طغيان المشركين
قال سبحانه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور:٣٢] أي: هل عقولهم وصلت بهم إلى هذا الحد وحملتهم على أن يقولوا هذا القول؟ ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور:٣٢] أي: تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور:٣٣] أي: قاله واختلقه من عند نفسه، ﴿بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور:٢٣-٣٤] ، وكل هذه الآيات فيها تصبير لرسول الله ﷺ ، وتسلية له.
стр. 823
اتهام النبي بأنه شاعر
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠] ، قالوا: كاهن، وقالوا: مجنون، و (أم) هنا بمعنى: بل، أي: بل يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون، و (نتربص) أي: ننتظر، و (ريب المنون) أي: مصائب الدهر، فكأنهم يقولون: انتظروا فسيموت محمد عن قريب، وتستريحون من محمد ومن شره! هكذا يقولون، (نتربص به ريب المنون) أي: ننتظر به مصائب الدهر التي تحل به، كما قال شاعر كان مولعاً بامرأة قد تزوجت: تربص بها ريب المنون لعلها تطلق يوماً أو يموت حليلها فقوله: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠] أي: حوادث الدهر، أي: ننتظر به حوادث الدهر تحل به، وكما قال معقباً على مقالتهم وعلى ظنهم السيئ الرديء: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ، وكما قال الشاعر: فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا فالموت سيأتي الجميع.
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر﴾ [الطور:٣٠] أي: بل يقولون شاعر، ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ [الطور:٣٠-٣١] أي: انتظروا، ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣١] أي: من المنتظرين.
стр. 824
الاستعانة على الشدائد بالصبر والصلاة
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨] هذه الآية تصبِّر النبي ﷺ أيما تصبير، وتطمئنه غاية الاطمئنان، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] قال فريق من أهل العلم: على مرأى منا، فنحن نراك ونرى ما يصيبك، ونحن نحفظك، ونحن مطلعون عليك، فما يحدث لك ليس بغائب عنا، وليس بخافٍ علينا، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] أي: بحفظنا، وليس المراد بهذا التأويل نفي صفة العين لله، وإنما إثباتها مع بيان آثارها، كقول الرجل للآخر في الحياة الدنيا: ولدك في عيني، أي: اطمئن على ولدك فهو بإذن الله في حفظي بعد الله سبحانه، فأنا أرعاه وأحيطه بالنصح وبالتوجيه، فالله يقول لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] .
وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨] للعلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨] أقوال، منها: حين تقوم إلى الصلاة، فإذا قمت إلى الصلاة فاستفتح الصلاة كما كان الرسول ﷺ يستفتح: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) .
ومن العلماء من قال: حين تقوم من المجلس، قل: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
ومن العلماء من قال: حين تقوم من نومك صل لله ، فالآية فيها: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور:٤٨] .
والآية أفادت شيئاً أفادته غيرها من الآيات وهو: أنه يستعان على الشدائد والمصائب بالصبر والصلاة، وهذا الأصل قد أُكد عليه في عدة آيات وأحاديث، فيستعان على المصائب والشدائد والبلايا بشيئين: بالصبر وبالصلاة، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨] أي: لقضاء ربك، اصبر على قضاء ربك، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨] ، قال فريق من أهل العلم: أي صل، وهذا المعنى مذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر:٩٧] فما العلاج؟ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٨-٩٩] أي: اصبر على عبادة ربك حتى يأتيك اليقين.
وهذا المعنى كذلك في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠] ، ومن الآيات ما هو أصرح كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣] ، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] وقد فعل ذلك سلفنا الصالح ﵏، فكان ابن عباس في سفر له، فلما أتاه خبر أخيه قثم بن العباس، فقيل له: إن أخاك قد مات، فتنحى عن الركب وقام يصلي، فقيل له: لماذا تصلي وقد بلغك خبر موت أخيك؟ قال: إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣] ، وقال الله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] .
فهذا أصل أُكد عليه في آيات كثيرة، ولما دخلت سارة ﵍ على الجبار قام الخليل إبراهيم ﵇ يصلي، فحينئذٍ إذا كان ذلك كذلك فليثبت الشخص مع هذا الأصل، وليداوم عليه عند الشدائد، فهو سلاحه، وهو معينه بإذن الله، ألا وهو الاستعانة بالصبر وبالصلاة، قال الله : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور:٤٨] أي: اصبر لقضاء ربك، ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] نحن نتولاك ونرعاك.
قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور:٤٨-٤٩] أي: فصل له في الليل، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٩] ، من العلماء من قال: إن المراد بإدبار النجوم: الوقت الذي أدبرت فيه النجوم، وسيأتي بعده النهار.
ومنهم من حمل ذلك على ركعتي الفجر؛ لحديث رسول الله ﷺ : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) .
ومنهم من حمله على صلاة الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] .
ومن العلماء من حمله على ركعات قبل الفجر، عندما توشك النجوم على الإدبار؛ لأن الله قال: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور:٤٩] أي: عقب ذهاب النجوم، والكل محتمل، وله وجه من الصحة، والله أعلم.
стр. 825
الأسئلة
стр. 826
حكم منع المرأة من الذهاب إلى المسجد وحضور الدروس والمحاضرات
السؤال
رجل عندما رأى زوجته المتنقبة تلبس زيها كاملاً، ولكن البيشة رقيقة على العينين بحيث تظهر عيناها وجزءاً من الوجه، وكان زوجها قد حذرها في مشوار الذهاب أن يُرى منها ذلك عند الإياب، ولما لم تستجب ناسية أو منشغلة عزم على ألا تخرج أسبوعاً لتستمع للعلم الشرعي خلال يومي الثلاثاء والجمعة تأديباً لها حتى لا تكرر هذا الأمر، فهل الزوج محق أم مخطئ؟
الجواب
الزوج اجتهد في تقدير العقوبة على الزوجة، لكن نراه جانب الصواب؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، فهو إن كان يقرها على خروجها لطلب العلم الشرعي أو يقرها على خروجها للمساجد لحديث الرسول ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، وقد ذكر أن عدم استجابتها للنسيان أو للانشغال، فجدير بمن شعر أن أخاه قد نسي أن يلتمس له العذر، فإن الله سبحانه رفع عن الناسي وعن المخطئ القلم، (رفع القلم عن ثلاثة) ، ولما قال أهل الإيمان: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله سبحانه: (قد فعلت) .
فهو أخطأ من وجهين -فيما أرى والله أعلم- وإلا فهو مجتهد، أخذته الغيرة -جزاه الله خيراً- لكن الخطأ أنه آخذ الناس، مؤاخذة الناس لا ينبغي أن يتشدد فيها الشخص، والثاني أنه عاقب بعقوبة النبي ﷺ ضيف فيها الباب وقال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) .
والله أعلم.
стр. 827
تفسير سورة النجم
الضحك والبكاء من الصفات التي جبل الله عليها الخلق، وهناك أمور تكون أسباباً للضحك والبكاء.
ولقد أهلك الله ﵎ الأمم المكذبة كعاد وثمود وقوم نوح والمؤتفكات، ومن فصاحة القرآن وبلاغته أنه عبر عن تدميرها بكلمة واحدة، ثم ضرب الذكر عنها صفحاً إلى أن تلقى ربها يوم القيامة.
стр. 828
مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه
الحزونة والابتسامة والضحك صفات جبل الله عليها الخلق، فمن الناس من هو كثير الضحك، وأصل ذلك من الله سبحانه.
وكذلك كثير الأحزان، (وقد جاء جد سعيد بن المسيب إلى رسول الله ﷺ ، فسأله النبي ﷺ : ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال النبي ﷺ : بل أنت سهل، قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي، قال سعيد: فما زالت فينا الحزونة) .
فالذي يضحك كثيراً فذلك من الله، والذي يبكي كثيراً فالأصل أن ذلك من الله، فإنه سبحانه هو الذي أضحك وأبكى، ولكن ثم أمور تكون أسباباً للضحك وأخرى أسباباً للبكاء، وإلا فأصل الضحك وأصل البكاء من الله ، فهذه الأمور كالتذكير مثلاً بالموت، والتذكير بالمصائب، والتذكير بالآخرة، كل ذلك يُحزن وإنما هو أسباب فقط، وإلا فهناك من الناس مهما أتته من أسباب الحزن لا يبكي، ومن الناس من إذا أتته كل أسباب السعادة لا يضحك؛ فهذه فقط أسباب.
وهذه الآية الكريمة احتج بها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما مؤيداً لرأي أم المؤمنين عائشة، في مسألة عذاب القبر، فقد ذهبت أم المؤمنين عائشة إلى نفي عذاب القبر على من نيح عليه، فإنها لما بلغها ﵂ أن عمر وابن عمر ﵄ يذكران الناس بحديث النبي ﷺ : (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، أو ببعض بكاء أهله عليه) ، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن: إنما قال ذلك النبي ﷺ في يهود، فقد مر النبي ﷺ على قوم ماتت لهم امرأة يهودية، فكانوا يبكون عليها، فقال: إنهم يبكون عليها وإنها لتعذب الآن في قبرها، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] .
كذا قالت أم المؤمنين عائشة، فاستطرد ابن عباس متماً لحديثها بقوله: وقد قال الله سبحانه، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] يعني أن الضحك والبكاء لا يؤثران في الميت؛ لأن الضحك والبكاء أصلهما من الله .
وفي الحقيقة أن لهذه المسألة فقهاً، وهي مسألة هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه؟ فقد قال فريق من أهل العلم: إذا كان النوح من سنته، وأوصى الناس بالبكاء عليه بعد موته، فإنه يأثم بكون سنته البكاء على الأموات، ويأثم لوصيته بمخالفة السنة، كما كان قائل الجاهلية يقول: إذا أنا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] ، ومن العلماء من قال: إن هذا الضحك والبكاء يكون يوم القيامة، لكن الأكثرين على أنه عام.
стр. 829
منشأ خلق الإنسان ووقت النشأة الأخرى
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم:٤٤-٤٦] : تُمنى؛ أي: تُسال وتُراق.
قوله: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:٤٧] ، قال كثير من أهل العلم: ذلك يوم القيامة.
стр. 830
الفرق بين قوله تعالى: (أغنى وأقنى)
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم:٤٨] ، أما الغنى فمعروف، وأما قوله تعالى: (وأقنى) فالإقناء أن تقتني شيئاً إضافياً فوق الغنى الذي أنت فيه، فتصبح مقتنياً لسيارة، أو مقتنياً لعمارة.
فالغنى هو الاستغناء عن الناس، وفوق الغنى الاقتناء هو مزيد من الاستغناء عن الناس، بحيث يكون عندك أشياء فوق الاستغناء عن الناس، بل أنت الذي تعطي الناس وتتفضل عليهم، فمعنى (فأقنى) : جعله يقتني ما اقتناه.
стр. 831
معنى الشعرى وسبب تخصيصه بالذكر
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم:٤٩] .
والشعرى: كوكب كبير في السماء، فلو قال قائل: إن الله هو رب كل الكواكب، ورب كل النجوم، فلماذا قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم:٤٩] ؟ ف
الجواب
أنه لا إشكال في هذا؛ فإن الشعرى خصت بالذكر لكونها من أكبر الكواكب وأكبر النجوم، فكونه سبحانه ربها فهو رب ما دونها من الكواكب؛ ولأن القوم كانوا يعظمونها، ومنهم من كان يتيامن بها أو يتشاءم بها إلى غير ذلك من المتعلقات بها.
стр. 832
أقوال العلماء في تعدد قبيلة عاد
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم:٥٠-٥١] ، اختلف العلماء في عاد هل هما عادان أم عاد واحدة؟ من أهل العلم من قال: إن عاداً عادان: عاداً الأولى: وهي التي أُطلِق عليها إِرم كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٦-٧] ، فهي قبيلة إرم بن سام بن نوح؛ فعاد الأولى هي عاد التي أبوها إِرم.
وأما عاد الثانية: فهي التي كانت تسكن الأحقاف، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف:٢١] ، وهي بلاد حضرموت باليمن.
ومن العلماء من قال: إنها عاد واحدة، وليست هناك عاد أولى وعاد أخرى، إنما عاد قبيلة واحدة أُطلِق عليها (عاداً الأولى) باعتبار ترتيبها الزمني بالنسبة للأمم التي جاءت من بعدها.
فليست هناك على هذا التأويل الثاني عاد أولى وعاد آخرة، إنما هي عاد واحدة، وهي المنسوبة إلى إِرم بن سام بن نوح، وهي نفسها التي كانت تسكن الأحقاف، وأُطلِق عليها الأولى باعتبار تقدمها على سائر الأمم التي ذكرت في كتاب الله ، كثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبع وغير ذلك من القبائل.
стр. 833
هلاك الأمم المكذبة
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ [النجم:٥٠-٥١] .
أي: ما أبقاها هي الأخرى، فهذه كلمات موجزة دلت على إهلاك الله لأمم طاغية أشد الطغيان، فأُجمِل أمرها في كلمة واحدة.
فعاد تلك القبيلة العاتية عبِّر عن تدميرها بكلمة واحدة فصيحة، وهذا من بلاغة القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ ، وقبيلة أخرى يُعبَّر عن تدميرها أيضاً بكلمة واحدة قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ .
وقبيلة ثالثة: وهي قبيلة نوح قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٢-٥٣] .
فقبائل وشعوب وقرون عاتية في الظلم والجبروت، يُعبر عن إهلاكها بكلمة واحدة، ويضرب عنها الذكر صفحاً إلى أن تلقى ربها يوم القيامة.
والقبيلة الرابعة: قوم لوط قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣] .
فالمؤتفكات: هي مدائن قوم لوط، والمؤتفكة هنا كبرى مدائن قوم لوط، وهي التي ذكِرت في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ [الحاقة:٩] ، أي: والمؤتفكات أيضاً جاءوا بالخاطئة.
والمراد بقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣] ، أنّ هذه المؤتفكات -مدائن قوم لوط- أهواها الله سبحانه، قال جمهور المفسرين: اقتُلِعت أرضهم وارتفعت إلى السماء، وجعل الله عاليها سافلها حتى سُمِع للصبيان صياح، وللكلاب نباح، وقُلبت رأساً على عقب، وأتبعت كما قال سبحانه بحجارة من سجيل منضود.
وقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٤] ، أي: حل بها ما حل، ونزل بها من العذاب والبلاء والكرب ما نزل، فغشاها وأصابها ما أصابها، ولحق بها ما لحق بها، و (ما) هنا لتعظيم الذي لحق بها، وبيان عظم الدمار الذي لحق بها، وعظم العذاب الذي حل بها.
стр. 834
اقتراب موعد الساعة
قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم:٥٥] : والمراء من الجدل، أي: فعلام يجادلك هؤلاء؟ والآلاء: النّعم.
﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى * أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم:٥٦-٥٧] ، أي: اقتربت الساعة.
قوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٨] ، أي: مانعة تمنعها.
стр. 835
حكم البكاء والتباكي عند تلاوة القرآن
وقوله تعالى ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم:٥٩-٦٠] ، في معرض الذم لمن يضحك وهو يتلو كتاب الله، ولمن لا يبكي وهو يتلو كتاب الله سبحانه، ففيها الحث ضمناً على التباكي عند قراءة كتاب الله ، وقد دلت على ذلك آيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٧-١٠٩] .
فيشرع التباكي عند تلاوة القرآن لهذه الآيات الكريمة، ولقوله أيضاً: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣] ، وقد قال القائل: (أتيت النبي ﷺ وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل) ، زاد أحد الرواة في هذا الحديث (من البكاء) ، فيشرع التباكي عند تلاوة القرآن.
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٦١] ، سامدون فيه أقوال، أحدها: لاهون، والآخر: تغنون، يعني يستبدلون الغناء بتلاوة القرآن.
стр. 836
حكم سجود التلاوة وكيفيته
قال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢] ، هذه الآية الأخيرة قرأها النبي ﷺ على أصحابه فسجد وسجدوا ومن كان معهم من المشركين، وقرأها النبي ﷺ مرة ثانية بالمدينة كما في حديث زيد بن ثابت، فلم يسجد فيها ﷺ .
هذه الآية قرأها النبي بمكة كما في حديث ابن مسعود وسجد صلوات الله وسلامه عليه فيها، وقرأها النبي ﷺ كما في حديث زيد بن ثابت في البخاري أيضاً ولم يسجد فيها.
فمن العلماء من قال: إن السجود كان مشروعاً فيها بمكة ونسخ في المدينة، ومنهم من أبى النسخ وقال: بل تركه ﷺ لبيان جواز عدم السجود فيها، وأما الأمر فهو على الاستحباب لا على الإيجاب.
وهذا هو الأصح على ما يظهر من تصرف أمير المؤمنين عمر، إذ قد قرأ أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه سورة النحل، فجاء إلى السجدة التي فيها وكان يخطب على المنبر فنزل عن المنبر وسجد وسجد المسلمون معه، ثم لما كانت الجمعة المقبلة قرأها أمير المؤمنين عمر فتهيأ الناس للسجود فقال: يا أيها الناس! إنا نمر بالآية فيها السجدة، فمن سجد فهو حسن ومن لم يسجد فلا شيء عليه، وترك أمير المؤمنين عمر السجود في آية النحل التي سجد فيها في الجمعة السابقة.
فالذي يترجح: أن سجود التلاوة سنة مستحبة وليس بواجب، واستنبط العلماء من سجود النبي ﷺ وعموم أصحابه وسجود المشركين معه استبعاد أن يكونوا كلهم على وضوء آنذاك، وأن سجود التلاوة لا يلزم له وضوء، إذ يصعب ويشق أن يقال إن الجميع كانوا على وضوء.
وهل يهوي الشخص إلى سجود التلاوة مكبراً أو يسجد بدون تكبير؟ الأمر في ذلك واسع.
أما بالنسبة لهذا السجود في الصلاة فإن النبي ﷺ قد ورد عنه حديث فيه ضعف من حديث عبد الله بن عمر العمري عند أبي داود أن النبي ﷺ كبر عند الهوي لسجود التلاوة، واستؤنس لهذا التكبير بعموم الصفات المروية لصلاة رسول الله أنه كان يكبر عند كل خفض ورفع، فأُخِذ من هذا العموم مع خصوص حديث عبد الله بن عمر العمري إثبات مشروعية التكبير عند الهوي لسجود التلاوة، أما خارج الصلاة فالأمر فيها واسع، والله أعلم.
وقد ثبت أن النبي سجد في هذه السجدة كما قدمنا، وترك السجود فيها أيضاً، وثبت أنه سجد في سجدة (ص) ، وثبت أنه سجد في الانشقاق، وكذلك في العلق، وما وراء ذلك من السجدات فموقوفات على أصحاب رسول الله.
وانعقد الإجماع على بعضها كالإجماع المنقول في سجدة فصلت (حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
ونقل بعض العلماء الإجماع على السجود في سجدة (ألم * تنزيل) خارج الصلاة، وفي داخل الصلاة اختلفوا هل يُسجد فيها أو لا يُسجد؟ على قولين لأهل العلم، والله أعلم.
стр. 837
تفسير سورة القمر [١]
معجزة انشقاق القمر من المعجزات العظيمة التي أيد الله بها نبيه محمداً ﷺ ، وما كان من قريش أمام هذه الآية الباهرة إلا أن استمروا على كفرهم وعنادهم، وزعموا أن محمداً ﷺ سحرهم، ولكن سيعلم هؤلاء المشركون عاقبة تكذيبهم عند خروجهم من قبورهم وجلة قلوبهم ذليلة أبصارهم، ثم يكون مصيرهم إلى جهنم وبئس القرار.
стр. 838
معجزة انشقاق القمر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: كان النبي ﷺ يقرأ في الأعياد بسورة ق وسورة القمر.
يقول الله فيها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ، قوله سبحانه: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) كقوله سبحانه: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] ، وكقوله : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] ، وكقول النبي ﷺ (بعثت أنا والساعة كهاتين) وقرن بين السبابة والوسطى.
أما قوله تعالى: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فهذه من كبرى المعجزات التي أيد الله بها نبيه محمداً ﷺ ، ألا وهي معجزة انشقاق القمر، فقد سأل المشركون رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فانشق القمر لرسول الله، فقال المشركون: سحرنا محمد ﷺ ! فقالت طائفة منهم: إن يكن محمد سحرنا فإنه لم يسحر السفار، فلما أتى السفار -أي المسافرون- إلى مكة سألهم أهل الشرك: هل رأيتم القمر منشقاً؟ قالوا: نعم رأيناه منشقاً، فلقة على هذا الجبل، وفلقة على هذا الجبل، فلقة في هذه الناحية، وفلقة في تلك الناحية، وحديث انشقاق القمر من الأحاديث المتواترة عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد روي انشقاق القمر من عدة طرق عن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد أيد الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بطائفة من المعجزات كحنين الجذع لرسول الله ﷺ ، ونبع الماء من بين أصابعه ﵊، ومجيء الأشجار إليه ﷺ ، وبكاء الجمل عنده ﷺ ، وبالإسراء وبالمعراج، وبغير ذلك، وكانت المعجزة الكبرى لرسول الله ﷺ هي هذا القرآن الذي بين أيدينا، يدعو إلى كل خير، وينهى عن كل شر، ويخبر بأنباء ما قد مضى، وبأنباء ما هو آتٍ، فهو المعجزة الباقية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حفظ الله به العقول والدماء والأبدان والأموال والأعراض، فكله خير، فلله الحمد والشكر على ذلك.
стр. 839
موقف الداعية ممن أصر على عناده رغم تكرر تذكيره
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر:٤] ، لقد جاءهم من الأنباء ما فيه زاجر وواعظ لهم عن شركهم وعن غيهم، ولكنهم لم يستجيبوا لتلك المواعظ ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٥] ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] .
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦] ، يعني: أعرض عنهم يا محمد! والآية أفادت فقهاً في الدعوة إلى الله وهو: أن الشخص إذا وضح للقوم الآيات، وذكر القوم بالله وبحدود الله وبشرعه برفق ولين، وكرر عليهم ذلك، فأبوا إلا الرفض وأبوا إلا العناد وأبوا إلا النيل منه والطعن فيه، بل والطعن في الشرع ومن جاء به، فله حينئذٍ أن يعرض عنهم ولا يستمر في النصح والتذكير، ولا لوم عليه؛ لأن الله قال هاهنا: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر:٦] ، بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر:٤-٥] ، فبعدها قال سبحانه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر:٦] ، وفي الآية الأخرى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤] ، وفي الآية الثالثة يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ، فمحل ذلك التولي والإعراض عنهم كما في قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:٨١] ، وهنا ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر:٦] ، وكما في قوله تعالى الذي سمعتموه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] ، تفيد هذه الآيات فقهاً في الدعوة إلى الله، ألا وهو: إذا كان من أمامك متمرداً وعاتياً على شرع الله، ومتبرماً من التذكير بالله، وقد بذلت معه الجهد في هذا الباب؛ فحينئذٍ أعرض عنه ولا لوم عليك كما قال الله لنبيه محمد ﵊: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [الذاريات:٥٤] ، أي: فأعرض عنهم ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤] ، أي: لا لوم عليك، فحينئذٍ هناك وقت على الداعية إلى الله فيه ألا يهين نفسه، وألا يهين أيضاً دعوته التي يحملها إذا كان من أمامه يستعملون البذاءات، ويستعملون الألفاظ السخيفة للطعن فيه وفي الدين، فحينئذٍ أمر الله وتوجيه الله لنا: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) .
стр. 840
موقف المشركين من معجزة انشقاق القمر
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:٢] وهذا في الكفار، (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) أي: معجزة، ((يُعْرِضُوا)) أي: يعرضوا عنها (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) ، المعجزات لا تنفع من ختم الله على قلبه، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر:١٤] ، أي يصعدون ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٥] ، وكما قال الله : ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩] ، فقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:٢] يبين أن الآيات لا تنفع من أراد الله له الغواية والعياذ بالله! وقوله تعالى: ﴿يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: سحر ذاهب، أي سحر مستمر فيه صاحبه، ويعنون به: محمداً ﷺ ، و (مُسْتَمِرٌّ) فيها أكثر من قول، أحدها: سحر ذاهب، والثاني: سحر مستمر فيه صاحبه ألا وهو عندهم محمد ﷺ .
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:٣] ، أي: كل أمرٍ من الأمور له نهاية وله استقرار كما قال سبحانه: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٧] كل خبر له نهاية وله مستقر، سواء من أخبار هذه الحياة الدنيا أو أخبار الآخرة أو الأنباء التي ذُكِرت في كتاب الله فلها وقت تتحقق فيه، فهذا يتنزل على أمور الدنيا وعلى أمور الآخرة، كل مشكلة من المشاكل في نهاية المطاف لها منتهى ولها استقرار، حتى بالنسبة لمسائلنا الشخصية، ترى الفتاة حسناء وجميلة ويتخاطفها الخطاب، وهذا ينظر، وهذا ينظر، والمشاكل حولها كثير، وما هي إلا أيام أو سنوات أو شهور، وينتهي أمرها بزواجها أو بموتها أو بذبولها أو بأي شيء من الأشياء، تنتهي قصتها ويُطوى الذكر عنها، وكذلك الشاب تراه متمرداً وذاهباً إلى هنا، وها هنا، ويعصي بهذا، ويؤذي بهذا، وفي النهاية لكل ظالم نهاية، ولكل عابث نهاية.
وكذلك أمور الآخرة التي حكاها ربنا في كتابه، ووعد بها لا بد أن يأتي وقت تتأتى فيه هذه الأمور، وتستقر فيه هذه الأنباء، قال الله سبحانه: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ، كل أمر له نهاية وله استقرار.
стр. 841
تفسير قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ)
ثم الله هددهم تهديداً ضمنياً ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦] ، (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) عندها وقف لازم كما قال كثير من العلماء، ثم قوله تعالى: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) أي: وانتظر بهم وتأنّ بهم إلى يومٍ يدعو فيه الداعي إلى شيءٍ نكر، وهو يوم القيامة، ومن هو الداعي المذكور في قوله سبحانه: (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) ؟ الداعي هنا لم يُفسر من هو، فمن العلماء من قال: الداعي هو الله ، ومنهم من قال: الداعي ملك من الملائكة موكل بدعوة الناس للخروج من القبور، ومنهم من قال: الداعي هو إسرافيل الذي ينفخ في الصور ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] ، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال مشهورة، أحدها: أن الداعي هو الله سبحانه، الثاني: أن الداعي هو ملك من الملائكة مختص بذلك، الثالث: أن الداعي هو إسرافيل ﵇، فالله أعلم.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦] ، (إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ) للعلماء فيه قولان: أحدها: إلى شيء فظيع عظيم، لا يعلم حجمه وعظمه إلا الله ، شيء مخيف عظيم لا يعلم مدى بشاعته ومدى فظاعته إلا الله ، فنُكِّر لبيان عظمته، القول الثاني: يوم يدعو الداعي إلى شيء لا يفهمه هؤلاء، لماذا يناديهم هذا المنادي؟ يقول: هلموا تعالوا، فيخرجون من القبور، لماذا يخرجون؟ لا يدرون إلى أين يتجهون، إلى الداعي فقط، لا يعرفون لماذا هم ذاهبون إلى هذا الداعي، هل يدعوهم هذا الداعي للمكافئة والإثابة أو يدعوهم هذا الداعي للعقاب والجزاء؟ أمر مستنكر عندهم.
стр. 842
حال الكافرين عند خروجهم من قبورهم
وكما قال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] ، قال سبحانه: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر:٧] ، أي ذليلة أبصارهم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ أي: القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] ، الخشوع محبوب في الدنيا، فلماذا هو مذموم في الآخرة، الله حمِد الخاشعين له في الدنيا، وقال في آية أخرى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢-٤] ، فكيف هي خاشعة ومع ذلك تصلى ناراً حامية؟! العلماء قالوا: إن الخشوع في الدنيا يجلب الأمن في الآخرة، وعدم الخشوع في الدنيا لله سبحانه يجعل الشخص ذليلاً خاشعاً في الآخرة، فلا إشكال، فهذا خشوع الدنيا وذاك خشوع الآخرة.
قال سبحانه: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ) أي: ذليلة أبصارهم، (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ) أي من القبور، (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) يعني: مسرعين كأنهم جراد منتشر، وتقدم الجمع بين هذا الوصف في هذه الآية: (كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) وبين الوصف في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤] ، فالفراش المبثوث له طريقة في انتشاره، والجراد المنتشر له طريقة في انتشاره، فالفراش دائماً يطير بشكل غير منظم، يتجه فريق منه إلى اليمين، وفريق منه إلى الشمال، وفريق إلى أعلى وفريق إلى أسفل، أما الجراد في مسيره وانتشاره فانتشاره منظم، تجد أسراب الجراد تمشي كلها إلى وجهة محددة، فكيف الجمع بين قوله: (يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ) ، أي: متجهون وجهة محددة، وبين قوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) ، أي: الفراش المنتشر أيضاً؟ العلماء يقولون: إذا دعاهم الداعي خرجوا كلهم من القبور متجهين في خط واحد إلى الداعي الذي دعاهم، لا ينحرفون عنه يمنة ولا يسرة، إذا دعاهم الداعي لا ينحرفون عنه يميناً ولا يساراً بل كلهم يتجهون أسراباً وأفواجاً إلى هذا الداعي، لكن في مواقف أخر، مثلاً: حين تتطاير الصحف، أو حين يُدعى للمرور على الصراط، أو حين يدعى للميزان، فحينئذٍ الأفئدة تطير وتذهب، وكل يجري في وجهة لا يدري إلى أين يذهب، ولا يدري إلى أين يفر.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين ﴿إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] ، أي: شديد، وهذه كلمة موجزة من الكفار تدل على مدى الهم الذي هم فيه، ومدى النكد الذي يعيشونه، ويلامسونه، كلمة موجزة: (هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) أي: يوم شديد وشاق والعياذ بالله! وقوله سبحانه عن الكافرين: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] ، هل هو عسِر على الكافرين فقط كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٩-١٠] أم هو عسِر أيضاً على أهل الإيمان؟ للعلماء في هذا الإشكال أقوال: أقواها: أنه عسِر على الجميع، لكن وصِف بأنه على الكافرين غير يسير، وأن الكافرين يقولون: هذا يوم عسر؛ لأن عسره لن يزول عن الكافرين، أما العسر الذي لحق بأهل الإيمان فإنه عسر زائل، والعسر الزائل لا يُطلق عليه عسرٌ إذ مآله إلى الزوال، أما العسر الملازم فهو الذي يطلق عليه العسر، كما روي عن رسول الله أنه كان يستعيذ بالله من جار السوء في دار المقامة، فإن جار السفر يوشك أن يزول، الجار في السفر والصاحب في السفر وإن كان مؤذياً فبانتهاء السفر يزول، أما الجار الذي يساكنك ويجاورك طيلة حياتك، الجار المؤذي هو هذا الذي يستعاذ منه، فمن أهل العلم من قال: إن اليوم عسير على الجميع لكن عسره على أهل الكفر أشد، أما عسره على الجميع فلقول النبي ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قلت: يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) ، فهذا عام لـ عائشة ولغيرها، وقال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٦] ، وقول آدم ﷺ وكذا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈ جميعاً: نفسي نفسي، كلهم يقول: نفسي نفسي، من هول المطلع، والله أعلم.
стр. 843
تعرض نوح لأذى قومه
قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر:٩] ، أي: زجروه وأهانوه وآذوه صلوات الله وسلامه عليه، ووصفوه بالجنون يعني: أن الأذى باللسان كان وارداً، والزجر كذلك بكل أنواعه، وقوله: (وَازْدُجِرَ) هو: أبلغ الزجر، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] ، دعا ربه دعوة مظلوم بقوله: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) .
стр. 844
الأسئلة
стр. 845
حكم حديث من أخذ على تعليم القرآن قوساً
السؤال
بالنسبة لموضوع من أخذ على تعليم القرآن قوساً من العلماء من حسنه؟
الجواب
أعلم أن من العلماء من حسّنه، لكن تحسيننا لحديث لا ينبني على تحسين عالم واحد فقط، فليس معنى أنه موجود في كتاب، وصاحب الكتاب صححه أنه يقيناً صحيح، هناك عدد كبير جداً من أهل العلم ضعفوا هذا الحديث.
إلى هنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →