← Тафсир

Тафсир · id 7695

سلسلة التفسير لمصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (2 242 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أمر الله لا يرد ولا يتكرر قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر:٥٠] ، يعني: إذا أردنا أمراً لا نكرر الكلام كثيراً، إنما أمرنا بكلمة واحدة، أما أمر الملك في الدنيا أو أمر الرئيس في الدنيا قد يكرر، افعل يا أيها الوزير! افعل، لم لا تفعل؟ وكذلك المدرس قد يكرر الأمر على الطلبة مرات ولا يستمعون لقوله، وطالب ينفذ، ومائة طالب لا ينفذون! أما ربنا فيقول: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر:٥٠] ، كلمة واحدة يتكلمها ربنا فيتحقق الأمر كما في حديث الرسول ﵊: (كان رجل فيمن كان قبلكم لم يعمل خيراً قط، فقال لبنيه عند الموت: يا بني! أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإذا أنا مت فاحرقوني واسحقوني فإذا كان في يوم ريح عاصف فذرونيفي البحر) ، أي: اسحقوني بعد أن أُحرق، واطحنوني وخذوا دقيقي وجزيئات جسمي في يوم فيه ريح شديدة وتعالوا إلى وسط البحر وذروني فيه، (قال: فمات ففعل به ذلك، فقال الله له: كن، فكان كأسرع من طرفة العين، فقال الله: يا عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ فقال: مخافتك أي رب! قال: فما تلافاه أن غفر له) . فالشاهد قوله: (كن رجلاً) فكان في الحال! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، الله قادر في شأن هذا المريض الذي عظم مرضه واستعصى على الأطباء أن يقول له: اشف، فيُشفى بإذن الله بكلمة كن ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، كن غنياً، كن فقيراً، كن ملكاً، كن وزيراً، فلتُقتَل فلتمت فلتحيا، كل ذلك بأمر الله، ومن العلماء من قال: إن أعظم هذه الأمور على الإطلاق أمر الساعة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧] .

стр. 912

مصير كل ظالم في الآخرة قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ [القمر:٥١] أسلافكم وأمثالكم وعشائركم والذين كانوا يشايعونكم ويظاهرونكم، فكل هذه تحتملها كلمة الأشياع (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، هل من معتبر؟ زملاؤك قد أهلكهم الله، وأجدادهم وآباؤهم وآباؤك قد أهلكهم الله، فهل من رجل عاقل ذكي يعتبر؟ هل من رجل فاهم فاضل يعرف أن الموت آتٍ، وأن الأجل منتهٍ؟ ثم يبين سبحانه أن هذا الإهلاك ليس بنهاية للمطاف، فيقول سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر:٥٢] ، لم يقتصر الأمر على إهلاكهم، بل كل شيءٍ فعلوه مسطر عليهم، وسيلاقونه يوم القيامة، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢-٥٣] ، هكذا يبين ربنا أن الهلاك ليس بنهاية للمطاف، وأن الموت ليس بنهاية للمطاف، إنما: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ * إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٢-٥٥] . وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 913

الأسئلة

стр. 914

كيفية ضبط التسبيح بعد الصلاة السؤال رجلٌ سمع حديث النبي ﷺ : (معقبات لا يخيب قائلهن (أو فاعلهن) دبر كل صلاة مكتوبة ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة) ، فقال: أنا كلما أذكر الذكر الذي بعد الصلاة، لا أعرف أضبطه، هل يجوز لي أن آتي بمسبحة كي أعد عليها التسبيحات حتى أصل إلى هدي رسول الله في هذا الباب؟ الجواب تعلمه بأن في كل أصبع ثلاث عقد، وثلاثة في خمسة بخمسة عشر. وهل يأتي بمسبحة يتعلم بها ضبط العد؟ وأنا لم أقل: إنها مستحبة، أنا أقول: شيءٌ أضبط به العد الذي أرشدني إليه الرسول، الرسول أرشد إلى ثلاثة وثلاثين، وأنا لا أعرف أن أضبط الثلاثة والثلاثين، أريد أن أصل إلى طريقة أمتثل بها حديث الرسول، وأبتعد بها عن الشكوك. وقد دخل ابن مسعود المسجد فوجد قوماً قد جمعوا أكواماً من الحصى، فيقولون: نسبح مائة، فيسبحون مائة ويحضرون أحجاراً ويرموا بها، وهذه الصورة تختلف عن مسألتنا، ثم إنهم في الآخر كانوا من الخوارج، يعتريهم ما يعتري الخوارج من مسائل التباهي بالأعمال والإكثار من الذكر، وقد قال عنهم النبي ﷺ : (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم) ، فإنكار ابن مسعود ليس من أجل الحصى الذي تضبط به التسبيحات التي حث عليها الرسول، إنما هو لأمر استحدثوه وهو أنهم جلسوا وجمعوا أكواماً من الحصى ويقولون: يا جماعة! نسبح مائة، ويسبحون مائة ويرمون بالأحجار، فتختلف المسألتان. فالشاهد: أن هذه المسألة قابلة للأخذ والرد، والفتيا بالتحريم حقيقة صعبة، لك أن تقول بالتحريم إذا أتيتنا بعالم قبلك من أوائل سلفنا الصالح قال بتحريم هذه الطريقة لتحديد الذكر بعد الصلاة، ليس كفعل الخوارج الذي انتقده ابن مسعود على الأقوام الذين جمعوا الحصى، هذه تختلف يقيناً عن مسألتنا كمنظر وكهيئة وكواقع من كل الجوانب. فالمسألة إذاً قابلة للأخذ والرد. ولذلك ترى بعض العلماء أجازها كشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن نحن نقول: إن سنة الرسول ﵊ أن يعقد التسبيح باليد، ومن لم يستطع تكون حالته خاصة، تكون الفتيا له خاصة، وإلا هدي رسول الله أكمل وأتم هدي. وهو خلاف الأولى في حقي وفي حقك، لكن في حق رجل لا يستطيع العد، هل هي خلاف الأولى؟ في حق رجل مستطيع العد وإتقان العد هي خلاف الأولى، لكن في حق رجل لا يستطيع الوصول إلى العدد إلا بهذه الطريقة لا يقال: إنها خلاف الأولى. وهي مثل مسألة الخط في المسجد، هذه فقهيات لازم تُفهم حتى لا تصطدم بالعامي، الخط الذي يخط في المسجد لضبط القبلة، قد يأتي أحد المشايخ ويقول: الخط بدعة، لماذا؟ يقول: لأنه لم يكن في مسجد رسول الله خط، فنقول: حقاً لم ينقل أن مسجد الرسول كان فيه خطوط لضبط القبلة، لكن مسجد الرسول كانت قبلته في الأمام مباشرة، لكن هذا المسجد فيه انحراف، القبلة إلى اليمين قليلاً أو إلى اليسار كثيراً، أنا لا أستطيع أقدر الميول كم هي؟ فصنعت خطاً لضبط القبلة، هل أنا آثم بهذا الخط؟ أو هل أنا مبتدع لكوني حرصت على ضبط قبلتي؟ الاحتجاج بأن مسجد الرسول ليس فيه خط لا ينسحب علي هنا؛ لأن المقامين مختلفان، القبلة هنا في مسجد الرسول ﵊ مستقيمة للأمام، والقبلة عندي الآن فيها ميول، فالمقامات تختلف، فلذلك هذه المسألة تحتاج إلى إمعان نظر، ولا تحتاج إلى تقليد في كل الأحوال؛ لأن لنا علماء، ومن فضل الله أن علماءنا ليسوا بواحد ولا باثنين ولا بثلاثة فقط، إنما لنا علماء لهم اجتهادات، عندك مثلاً مالك، الشافعي، أحمد، اقرأ أقوال هؤلاء العلماء في المسائل، ولا تتحجر على عالم واحد، بل اطلع وافهم، وهذا المطلب الذي أردناه، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضاه.

стр. 915

حكم من نام على جنابة من جماع السؤال هل يجوز للرجل أن يجامع أهله ثم ينام على الجنابة إلى الفجر؟ وهل صحيح أن الملائكة تلعن من فعل ذلك؟ الجواب أما كون الملائكة تلعن من فعل ذلك فليس بصحيح. أما هل يصح أن ينام الرجل على جنابة؟ فهذا أيضاً سؤال إجابته تحتاج إلى فهم الحديث لا إلى التسرع فيه. يجوز مع الكراهة، ولماذا الكراهة؟ لحديث الرسول ﵊، لما سُئل هذا السؤال، قال له السائل: (يا رسول الله! أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ) ، قد يتوهم متوهم أن قوله: (نعم، إذا توضأ) أنه حرام عليك أن تنام إلا إذا توضأت، والصواب أن الرسول ﵊ إذا كان قال: (لا، إلا إذا توضأ) يفيد التحريم، لكن حينما قال: (نعم، إذا توضأ) ، فكأنه بقوله: نعم، يشير إلى الجواز، وبقوله إذا توضأ استحباب الوضوء قبل النوم، فإذا استدل به مستدل على المنع والتحريم لا يكون استدلاله في محله؛ لأن الحديث ما أفاد نهياً صريحاً عن النوم، لكن قال: (نعم) ثم قال: (إذا توضأ) ، فلا يساوي (لا، إلا إذا توضأ) والفرق واضح بين اللفظين، فدقة فهم أحاديث الرسول ﵊ تستطيع من خلالها أن تصل إلى الحكم المراد. ثم في الباب أدلة أُخر: سُئلت عائشة: (أكان النبي ﷺ ينام وهو جنب) ، أي: ينام قبل أن يغتسل أم يغتسل قبل أن ينام؟ قالت: (ربما فعل هذا، وربما فعل ذاك) ، قال: (الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة) .

стр. 916

وقت صلاة العشاء السؤال متى ينتهي وقت صلاة العشاء؟ الجواب مسألة متى ينتهي وقت العشاء فيها: قولان: قيل: قبل الفجر بقليل، وقيل: عند منتصف الليل. وسؤالي هنا: متى منتصف الليل؟ وفي حديث الرسول: (وقت العشاء إلى منتصف الليل) ، الليل يكون من أذان المغرب إلى أذان الفجر. لكن كيف أحدد نصف الوقت هذا؟ نقسم الوقت من المغرب إلى الفجر، مثلاً: المغرب يؤذن الساعة الخامسة، والفجر يؤذن الساعة الرابعة، فيكون المجموع إحد عشرة ساعة، ونقسم على اثنين، ويكون هذا منتصف الليل، وهل الصحابة كانوا يفعلون ذلك؟ لا، ما كان الصحابة يعملون ذلك، والرسول يقول: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) ، ثم إن الرسول ﵊ أخَّر العشاء يوماً إلى منتصف الليل، وقال: (هذا وقتها لولا أن أشق على أمتي) ، ما المراد بقوله: (هذا وقتها) ؟ أي: هذا وقتها المستحب. فهل وقتها المستحب يكون آخر الوقت الذي بعده تصبح قضاءً؟ وكيف كان الصحابة يكتشفون منتصف الليل وليس معهم ساعات، رجل نام ساعتين في الليل، ثم وقام، كيف يعرف أن منتصف الليل جاء أو لا؟ هل يصلي قضاءً أو يصلي حاضرة؟ فاتضح صحة رأي الجمهور في تحديد وقت صلاة الفجر، كما قال الرسول ﵊: (إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى) ، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يأتي وقت الصلاة الأخرى، باستثناء الفجر بالإجماع؛ فوقتها ينتهي بطلوع الشمس، ويكون حديث عبد الله بن عمرو: (وقت العشاء إلى منتصف الليل) ؛ على أنه وقت استحباب لا وقت تحريم. مع العلم أن الأمور التقريبية هذه لا تضبط بها نهايات الأوقات ولا بدايتها، وقد ورد في الأحاديث: (حتى ذهب من الليل نصفه) (حتى ذهب من الليل ثلثه) ، (حتى ذهب من الليل أكثره) ، شيء تقريبي، وتحديد أوقات الصلوات أشياء ثوابت يعرفها العوام بلا ساعات وبلا منبهات وبلا إذاعة ولا أي شيء، الفجر إذا ظهر الخيط الأبيض من الأسود، الظهر عند الزوال، العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، المغرب إذا غربت الشمس، العشاء إذا سقط الشفق، وهذا كله تستطيع أن تتعلمه في يوم واحد، لكن منتصف الليل شيء لا يُتعلم بالسهولة واليسر.

стр. 917

الحق في كل مسألة واحد وإن تعددت أقوال المجتهدين السؤال هل في كل مسألة لابد أن يكون الحق والصواب واحداً أو ربما يتعدد فيها الحق؟ الجواب الحق والصواب عند الله واحد، أما اجتهاداتنا في الدنيا فقد تختلف وتتنوع، والموفق منا للحق والصواب مأجور أجران، والذي لم يوفق للحق والصواب له أجر كما قال الرسول ﵊.

стр. 918

صحة حديث: (إنما الطاعة في المعروف) السؤال هل حديث: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) صحيح؟ الجواب معناه صحيح، لكن ليس بهذا اللفظ، إنما لفظه: (إنما الطاعة في المعروف) ، وهو ثابت في صحيح البخاري.

стр. 919

خال الزوج ليس بمحرم السؤال هل يجوز للزوجة أن تسلم على خال زوجها أو تكشف عن وجهها عليه مع العلم أنه رجل كبير في السن؟ الجواب خال الزوج ليس بمحرم، ويجوز له أن يتزوج بالمرأة إذا مات زوجها، فهو أجنبي عن المرأة.

стр. 920

من أحكام التعزية فضيلة الشيخ! مصطفى العدوي تعودنا مع إخواننا أن نطرح مسائل فقهية على سبيل المناقشة، ومعرفة كيفية الاستدلالات، ومعرفة ما هو المكروه وما هو المحرم، وإن خالف هذا المستقر في الأذهان في مسألة من المسائل، فطرح المسائل بهذه الطريقة إن شاء الله يوصل إلى نتيجة محمودة، وإلى اتساع في الآفاق بمشيئة الله تعالى، والحمد لله أن إخواننا الجالسين طلبة علم، وليس فيهم كثير عوام، فلنطرح مسألة ونوجه السؤال فيها إلى أحد إخواننا، ونرجو ألا يجد في نفسه علينا، إذ المجال مجال مناقشة ومجال وصول إلى الخير إن شاء الله تعالى بالدليل من الكتاب أو السنة. و السؤال رجل من أهل القاهرة، ومن وجهاء القاهرة، له شقة يمتلكها هناك، فمات له ميت وله أصدقاء من المنصورة، ومن الإسكندرية وطنطا، تربطهم به صداقة قوية، فلما مات له الميت توقَّع يقيناً أنه سيأتيه أصحابه إذ قد علموا بالوفاة التي حدثت له مع العلم أن هذه الشقة مليئة بالأغراض المعيشية، فمات له ميت وله أصدقاء سيأتونه يقيناً من عدة بلدان بعيدة، وسيأتيه عدد ضخم من الزوار والمعزيين، فقال لي: ماذا أصنع لاستقبال هؤلاء الأضياف الذين أتوني للتعزية، والسؤال لك: هل التعزية في الميت مشروعة أو ليست بمشروعة؟ الجواب ورد حديث: (لا عزاء بعد ثلاث) وهو ضعيف، فعلى كلٍ أننا في اليوم الأول أو الثاني، والتعزية مشروعة. وأنا لست بمخطئ إذا ذهبت إليه من المنصورة كي أعزيه في القاهرة، وأنا ما شددت إليه رحلاً، وأما حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ، ما هو المستثنى منه؟ هل شد الرحال لطلب العلم حرام؟ وزيارة أخي في القاهرة مثلاً أو زيارة عمي في الإسكندرية ما المانع منه؟ إذاً: إذا ذهبت أنا وإخواني لتعزية صديقي في القاهرة، فوجدنا البيت ضيقاً لا يسع، هل يجوز لي أن اعمل لهم خيمة في الشارع يجلسوا فيها؟ الآن البيت ضيق، وما وجدت في البيت سعة، والجو حار، فوضعنا خيمة تغطينا من الحر أو البرد هل هذا جائز أو هناك خلاف؟ وهل هناك شيء شرعي يمنع؟ ثم إن وجدت الناس في الخيمة يتكلمون ويلغون بالكلام، فقلت: أحضر مسجلاً مع شريط للحصري يتعظون به هل يجوز أو لا يجوز؟ وربما هناك من يقول: إن استماع القرآن خير من اللغو. الآن: أنا كسائل من العوام طرحت المسألة بكل حيثياتها، هل هذا الشيء بهذه الملابسات المحيطة حرام؟ هناك حديث جرير ﵁: (كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) ، والحديث ضعيف فيه هشيم بن بشير وهو مدلِّس وقد عنعنه، وأحمد بن حنبل ﵀ قال في إجاباته لـ أبي داود في العلل: لا أرى لهذا الحديث أصلاً. فالحديث ضعيف، وعلته عنعنة هشيم بن بشير عن إسماعيل بن خالد، وقال بعض العلماء: سقط بينهما شريك، وقيلت أقوال أُخر، وقد حسنه البعض، فهذا رأي الإمام أحمد، والدارقطني أيضاً فإنه ذكر كلاماً حول هذا الحديث في العلل. الحقيقة -يا إخوة- الفتوى بالتحريم لا تُطاق، وتعليم الناس السنة ينبغي أن يكون شيئاً فشيئاً. وأما أمر التعزية على المتيسر، ويجوز أن تعزي بالتلفون أو الطريق أو البيت، أو العمل، على المتيسر، لكن الفتيا بالتحريم دائماً تحتاج إلى تمهل وتريث، وقبل أن تفتي بالتحريم مع هذه الملابسات المحيطة بمسألتنا لابد أن تعلم أن كل مسألة تقدر بقدرها، وتكون هذه وصفة خاصة بالجواز لمن هذه حاله، ولا تطَّرد فيما سواها، والله أعلم. ويجب ملاحظة أننا لا نقول فتوى عامة: أن الخيمة جائزة، ويقف صف طويل يعزي، وبالسيارات الفارهة التي جاءت تعزي، لا، لم نقل بهذا، تكلمنا على فتوى معينة في ملابسات معينة، والأصل في التعزية على ما تيسر، في البيت في العمل بالهاتف في الطريق في اليوم الأول اليوم الثاني اليوم العاشر كله جائز. شخص مثلاً يقول: الرسول ﵊ أخذ عزاء جعفر بن أبي طالب في المسجد! أقول: إن هذا لم يثبت، ومن وجده فليأتنا به. إذاً: السنة أن التعزية على ما تيسر كما سمعت، والرسول لما مات جعفر أمهل ثلاثاً ثم ذهب إلى أهله يعزيهم، فالسنة أن تعزي كما جاء، لكن إن جاءنا شخصٌ له ملابسات خاصة يجوز لنا أن نفتيه بفتاوى خاصة على قدر حاجته وانتهى الأمر، والله أعلم.

стр. 921

الاسم الشرعي للشاذ جنسياً السؤال ما الاسم الشرعي للشاذ جنسياً؟ وكيف تكون معاملته مع الرجال والنساء؟ الجواب هذه المصطلحات التي أتت إلينا من بلاد الكفر ينبغي أن توزن بوزنها في الشرع، فالشاذ جنسياً، والعلاقات الجنسية؛ كل هذه مصطلحات دخيلة علينا وعلى شرعنا، وهم إنما أطلقوا على الزنا علاقة جنسية للتهوين من أمره ومن شأنه، واسمه في الشرع: زنا، والشاذ جنسياً اسمه: مخنَّث، فلا نحب أن تُسحب هذه الاصطلاحات الواردة إلينا من بلاد الكفر وتطغى على اصطلاحاتنا الشرعية، فالنبي ﵊ نهانا أن تغلبنا الأعراب على اسم صلاتنا العشاء، فقال: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء يسمونها العتمة لإعتام الإبل) مع أن الرسول سمى العشاء: العتمة. فجدير بنا ألا نصبغ أسئلتنا بهذه الأخلاق السيئة، فكلٌ له حكم، والمخنث الذي هو بين الرجال والنساء له حكم، والمخنث من الرجال الذي يؤتى له حكم آخر، ففي المسألة تفصيل: وأما معاملاته من الرجال والنساء وهو شاذ فعلى حسب شذوذه، إن كان لا يشتهي النساء ولا يصفهن، فله حكم، وإن كان يشتهيهن أو كان يصف النساء لا يدخل عليهن؛ لحديث: أن مخنثاً قال: إذا فتح الله عليكم الطائف غداً فعليك بـ ابنة غيلان فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان، فقال الرسول: (لا يدخلن هذا عليكن) .

стр. 922

تفسير سورة الرحمن [١] لله أسماء فمنها ما قد يشاركه فيها البشر مثل: الرحيم، الكريم، الرءوف، ومنها ما يختص به سبحانه مثل: الرحمن، فالرحمن لا يتسمى به أحد إلا الله ، وفي القرآن سورة تسمى بسورة الرحمن، وقد أثنى الله في هذه السورة على نفسه، وليس للبشر والخلق أن يثنوا على أنفسهم إلا لضرورة، وبعد أن أثنى على نفسه بدأ بتعداد بعض نعمه التي لا تحصى على خلقه، فاستفتح بنعمة عظيمة وهي نعمة تعليم القرآن لخلقه وتيسير حفظه، فهذه النعمة بها يرضى الله عنا، وبها ندخل الجنة، فهي النور والهداية إلى مرضاة الله ، ثم امتن الله تعالى بنعمة خلق الإنسان ثم بتعليمه البيان، ثم ذكر ما يحتويه هذا الكون العلوي والسفلي من سماء، وما فيها من كواكب ونجوم وأرض، وما فيها من بحار وأنهار وزروع وثمار، وهذا يدل على أن نعم الله كثيرة لا تحصى، فالواجب على المسلم شكر الله على هذه النعم.

стр. 923

مقدمة تفسير سورة الرحمن باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فسورة الرحمن مدنية على رأي أكثر العلماء، سميت باسم من أسماء الله ، وهذا الاسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد، وهناك أسماء لله قد يشاركه فيها البشر، كالعزيز، فإنه اسم من أسماء الله وصفة لبعض خلقه: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف:٥١] ، وقال إخوة يوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف:٨٨] ، وكذلك الكريم اسم من أسماء الله وصفة لبعض خلقه، قال النبي ﷺ : (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام) ، وثم أسماء أخرى على هذا المنوال. لكن اسم الرحمن لا يتسمى به أحد إلا الله ، ولما تشدق مسيلمة الكذاب وأطلق على نفسه رحمان اليمامة وُصِفَ دائماً بأنه كذاب، فلا يقال: إلا مسيلمة الكذاب. واسم الرحمن كان مستنكراً عند المشركين، ومن ثم استنكره سهيل بن عمرو في صلح الحديبية عندما أراد رسول الله ﷺ أن يكتبه في الاتفاقية، إذ قال النبي ﷺ لـ علي: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل بن عمرو: لا ندري ما الرحمن؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم) . وقد قال الله في كتابه الكريم: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠] ، فاسم الرحمن كان مستنكراً عند أهل الشرك من أهل مكة، عند مبعث الرسول ﷺ إليهم.

стр. 924

تفسير قوله تعالى: (الرحمن . علم القرآن. خلق الإنسان) قال الله في كتابه الكريم: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١-٢] . يثني الله على نفسه، ويمدح الله نفسه، ليس ذلك للبشر، فليس لنا أن نمدح أنفسنا، ولا أن نثني عليها، إلا إذا دعت ضرورة لذلك، كما قال يوسف الصديق ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] ، وكما قال عثمان ﵁: (أناشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من حفر بئر رومة فله الجنة فحفرتها؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أناشدكم الله، هل تعلمون أن النبي ﷺ قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزته؟ قالوا: اللهم نعم) ، وقال النبي ﷺ للأنصار: (ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ قالوا: اللهم نعم) إلى آخر الحديث، فالثناء على النفس الأصل أنه ممنوع إلا إذا دعت حاجة إليه، لكن ربنا يثني على نفسه، فهو المنان سبحانه، فيقول سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن:١] ، ثم يعدد نعمه على خلقه، فيقول سبحانه في بداية هذه النعم، وأوائل هذه النعم: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] ، فهي أكبر نعمة أنعم الله بها علينا، هي تعليمنا القرآن، ولولا تعليمنا القرآن لكنا من أهل النيران والعياذ بالله! وأي خسار بعد هذا الخسار أن يودع الشخص في سجين والعياذ بالله؟! فأول نعمة ذكرت في هذه السورة الكريمة -التي يطلق عليها بعض العلماء: سورة النعم- هي نعمة تعليم القرآن، ففي تعليم القرآن فضائل ذكر بعضها في كتاب الله. أما سنة رسول الله ﷺ ففيها: (خيركم من تعلّم القرآن وعلمه) ، وقال صلوات الله وسلامه عليه: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين) . فيقول سبحانه: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] فهو سبحانه علم الطب وعلم الهندسة وعلم الزراعة والصناعة والحرف، ولكن لم يكن الامتنان الأول بقوله: علم الطب، ولا علم الزراعة، ولا علم الهندسة، إنما صدر بقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:٢] ، وبضمينة حديث النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، وبضمينة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] تظهر فضل تعلم القرآن. ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ﴾ [الرحمن:٢-٣] فذكر تعليم القرآن وفضله قبل خلق الإنسان.

стр. 925

تفسير قوله تعالى: (علمه البيان) وبيان نوعي البيان ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٤] ، البيان بيانان كما قال العلماء، والبيانان هما الأشهر، وإن كانت ثمّ أنواع أخر من أنواع البيان، فالبيانان الأشهر أحدهما: بيان باللسان، والآخر: بيان بالقلم. وأصل البيان: إظهار ما في نفس الشخص للآخرين، وهذا يكون إما عن طريق اللسان، وإما عن طريق القلم، فالامتنان بالتعليم بالقلم ذكر في سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١-٥] ، فنعمة من الله إذ امتن علينا بتعليمنا البيان بكل أنواعه، وبهذا يفارق بنو آدم سائر العجماوات، من البهائم وسائر الدواب. فإن قال قائل: إن الله امتن علينا بتعليمنا البيان بنوعيه كما ذكرتم، وكما أسلفنا ثمّ أنواع أخر من أنواع البيان كالإشارات وكالنظرات، لكنها ليست بتلك الشهرة، إذ كتاب الله يذكر الغالب الأشهر. فإذا قال قائل: إن الله امتن علينا بتعليمنا البيان، كما امتن على عيسى ﷺ بقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة:١١٠] ، فإذا كانت هذه نعماً فسؤال يطرح: لِم لم يعلمها رسولنا محمد ﷺ ؟ بل قال الله في شأنه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:١٥٧] ؟! فلماذا لم يمتن الله على نبيه محمد ﵊ بتعليمه البيان بالقلم؟! العلة من ذلك ظهرت في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨-٤٩] . الرسول ﷺ لم يتعلم البيان بالقلم لعلة ألا وهي: دفع الشكوك عن الذين كانوا يزعمون أن بشراً يعلم رسول الله ﷺ ، كما نص على ذلك في كتاب الله بقول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] .

стр. 926

تفسير قوله تعالى: (الشمس والقمر بحسبان) يقول سبحانه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] ، هنا فعل مستتر أو مقدر، فالمعنى الشمس والقمر يجريان بحسبان، أي: يجريان بحساب، ليس جريهما عشوائياً، إنما يجريان بحساب وبتقدير، كما قال سبحانه: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] ، فهذا المعني بقوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] أي: يجريان بحساب.

стр. 927

تفسير قوله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان) قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦] ، ما المراد بالنجم هنا؟ النجم على رأي أكثر العلماء هنا ليس المراد به الثريا، وإن كان هذا القول قد قال به فريق من العلماء، وليس المراد به النجم الساطع في السماء الذي أقسم الله به بقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق:١] ، إنما النجم هو النبت الذي لا ساق له في الأرض، وذلك كالحشيش الذي في الأرض، فهذا نبت، قال كثير من أهل التفسير: إن كل نبات ليس له ساق يطلق عليه نجم، وكل نبات له ساق يطلق عليه شجر، فذكر الله شيئين في السماء: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] ، وشيئين في الأرض وهما: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦] ، وقد قال بعض أهل العلم بالقول الأول، لكن الأكثرون على أن المراد بالنجم النبت الذي لا ساق له. وأصل تسمية النجم مأخوذة من النجوم وهو الظهور، نجم النبات عن نزول المطر، أي: ظهر بسبب نزول المطر، نجمت هذه المشكلة عن شيء، أو نجم هذا الشيء عن مشكلة حدثت أي ظهر. أثبتت الآية الكريمة أن الشجر يسجد، وأن النجم يسجد صراحة، فالله يقول: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن:٦] ، وقد قال الله جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] . وقد حنّ الجذع لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وثمّ أدلة أخر في الجمادات وغيرها قد تقدمت، قال صلوات الله وسلامه عليه: (إني أعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ، إني أعرفه الآن) . وقال الله سبحانه في شأن الأحجار: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٧٤] .

стр. 928

تفسير قوله تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان) قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧] ، الميزان ما المراد به؟ من أهل العلم من قال: إن المراد بالميزان الحق والعدل، شرعه الله سبحانه، فوضعه هنا أي: شرعه للناس، شرع للناس الحكم بالعدل، فشرع لهم الحكم بالقسط. ومن أهل العلم من قال -وهذا قول لا تشهد له كثير أدلة-: إن الميزان الذي له كفتان نزل مع آدم ﷺ ، مع السندان مع أشياء أخر، لكن الآثار بذلك مقطوعة، أي: من أقوال بعض التابعين لا يثبت منها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 929

تفسير قوله تعالى: (ألا تطغوا في الميزان) قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن:٨] أي: أن لا تجوروا وأن لا تزيدوا، فالطغيان تجاوز الحد بصفة عامة.

стр. 930

تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن:٩] أي: بالعدل والحق، ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٩] أي: ولا تنقصوا الميزان.

стр. 931

تفسير قوله تعالى: (والأرض وضعها للأنام) قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن:١٠] أي: للخلق، مهدها الله لهم، وجعلها قابلة لموتاهم إن ماتوا: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥-٢٦] أي: جعلناها لكم كفاتاً في حياتكم وبعد مماتكم، فإذا متم قبرتم فيها، والله قادر على أن لا يجعلها تقبل أحداً أبداً إذا شاء الله سبحانه للأرض أن تلفظ الخلق، فإنها تلفظهم ولا تقبلهم في بطنها، وهذا يكون يوم القيامة في حق جميع الخلق، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق:٣-٤] قوله: (ألقت ما فيها) أي: ما في بطنها وتخلت. ويكون في الدنيا كذلك في حق بعض الناس، فهذا نصراني كان على عهد رسول الله ﷺ ، وكان قد أسلم وقرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله ﷺ القرآن، ثم إنه انتكس وارتد نصرانياً، وطفق يطعن ويقول: ما يدري محمد ما كتبت له؟ فلما مات ودفنوه أصبحوا وقد لفظته الأرض على وجهها، فقال أصحابه: هذا فعل محمد وأصحاب محمد، فأعمقوا له الحفر ثم دفنوه، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فقالوا أيضاً: هذا فعل محمد وأصحاب محمد، ثم أعمقوا وأعمقوا فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعلموا أن الأرض لفظته، فألقوا عليه الحجارة على وجه الأرض.

стр. 932

تفسير قوله تعالى: (فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام) قال الله سبحانه: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ [الرحمن:١١] والأكمام هي: أوعية الطلع، التي يكون بداخلها الطلع، وبالتعبير الدارج بيننا وبمثال مقرب: كوز ذرة يكون فيه أوراق، هذه الأوراق تسمى: الأكمام، والذرة بداخلها، قال الله : ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ﴾ [الرحمن:١١] .

стр. 933

تفسير قوله تعالى: (والحب ذو العصف والريحان) قال سبحانه: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ [الرحمن:١٢] أي: الذي يكون منه بعد ذلك العصف، والعصف هو التبن، والآيات مفسرة بقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] . قوله: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن:١٢] إذا قلت: إن الريحان هنا بالضم كما هو مثبت في المصاحف التي بين أيدينا: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن:١٢] فتكون (الريحان) هنا لها تأويل يختلف شيئاً ما عما إذا قلت: (والحب ذو العصف والريحانِ) حيث تكون الريحان صفة للعصف، ويكون المراد بها على قول لفريق من المفسرين: الاخضرار، فيقال: والحب ذو الخضرة وذو اليبس، فهو أولاً يكون أخضر، ثم بعد ذلك ييبس ويصبح عصفاً. أما على قراءة من قرأها معطوفة على الحب، فيقول: إن المراد بالحب النبات الأخضر، أو يقول: الريحان المعهود ذو الرائحة الطيبة.

стр. 934

تفسير قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قال سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] (فبأي آلاء) أي: فبأي نعم الله عليكما تكذبان، فالخطاب بالتثنية موجه إلى الإنس والجان. وقد ورد حديث عن رسول الله ﷺ في هذا الباب في صحته نزاع، لكن تشهد لمعانيه عمومات، ألا وهو: (أن النبي ﷺ لما تلا هذه الآيات على أصحابه وسكتوا، قال: إن الجن كانت أحسن قيلاً منكم، قالوا: وكيف؟ قال: لما تليت عليهم هذه الآيات قالوا: لا نكذب بشيء من آلائك ربنا) أي: لا نكذب ولا نجحد بشيء من نعمك يا ربنا. والحديث وإن كانت أسانيده فيها بعض الأقوال وبعض النزاع، إلا أن هناك نصاً عاماً تندرج تحته مثل هذه الأجوبة، من هذه النصوص العامة التي تندرج تحتها هذه الأجوبة: (أن النبي ﷺ كان يصلي من الليل فلا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ) ﵊.

стр. 935

تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) قال الله سبحانه: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤] قوله: (خلق الإنسان) اللام في الإنسان هنا للعهد كما هو معلوم، وليست للجنس، فأحياناً تأتي كلمة (الإنسان) ويراد بها إنساناً معهوداً بعينه، وأحياناً تأتي ويراد بها جنس الإنسان. كما يقول الله (الكتاب) فأحياناً يأتي ذكر الكتاب ويراد به كتاباً معهوداً بعينه، وأحياناً يأتي ذكر الكتاب مراداً به جنس الكتب، فمثلاً: يقول الله : ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء:١١٣] فالمراد بالكتاب هنا القرآن، فالمراد به كتاب معهود نزل على رسول الله ﷺ وهو القرآن. لكن: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٥] فالكتاب هنا اسم جنس، لا يراد به كتاباً معهوداً بعينه، إنما يراد به كل الكتب التي نزلت من عند الله . وكذلك الإنسان أحياناً يأتي ذكر الإنسان ويراد به إنساناً بعينه وهو آدم ﷺ أو غير آدم، وأحياناً يأتي ذكر الإنسان للجنس، فمثلاً: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤] الإنسان الذي خلق من صلصال كالفخار هو آدم ﷺ ، لكن قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان:٢] فالإنسان هنا ذرية آدم. فقوله سبحانه: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤] إن قال قائل: كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج:٥] ، ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤] و ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦] ، فالصلصال من حمأ مسنون: الطين المتغير المنتن؟! نقول: إن هذه مراحل خلق الإنسان، خلق من تراب: عجن التراب بالماء، فأصبح طيناً، ثم ترك الطين حتى أنتن فأصبح حمأً مسنوناً، خلق منه الإنسان وترك حتى يبس فأصبح صلصالاً كالفخار، إلى غير ذلك.

стр. 936

تفسير قوله تعالى: (وخلق الجان من مارج من نار) قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥] المارج قال فريق من أهل العلم: هو طرف اللهب، وهو أقوى شيء في النار، فالنار المجاورة للمصدر مباشرة هي الأضعف، وطرف اللهب هي الأقوى، فيقولون: إن المارج من نار هو طرف هذا اللهب أو طرف النار. قوله سبحانه: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥] بهذه الآية وبقول إبليس: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف:١٢] يقوى قول من قال: إن إبليس من الجن كما دل عليه الكتاب العزيز صراحة في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] . أما الإشكال الذي قد يرد ألا وهو: إن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، فإبليس لم يكن على هذا الزعم موجهاً له الخطاب؛ لأنه ليس من الملائكة، فلماذا يُعَاْقَبُ وهو ليس من الملائكة والله يقول: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤] ؟ الإجابة على هذا الإشكال: أن الله وجه إليه الأمر بالسجود كذلك مع الملائكة، فلما امتنع عوقب بامتناعه. قال الله : ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥] قد يأتي شخص ويقول: كيف يعذب الجان وهو مخلوق من نار؟ نقول: هذا من الممكن؛ فأنت يا من خلقت من طين قد تعذب بالطين وبالأحجار الطينية، وقد عذب قوم لوط بحجارة من سجين، أي: من طين منضود متحجر.

стр. 937

تفسير قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين) قال الله : ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٦-١٧] إن قيل: هناك مشرق ومغرب، ومشرقان ومغربان، ومشارق ومغارب فكيف الجمع؟ الجمع أيسر من أن يتكلف: فالمشرق والمغرب لها تأويلات أحدها: مشرق الشمس ومغربها، والمشرقان والمغربان أي: مشرق الشمس والقمر ومغربهما، والمشارق والمغارب مشارق الشمس والقمر والنجوم ومغاربها، هذا قول. وقول آخر: أن الشمس لها في الجملة مشرق ومغرب، وعلى التفصيل كل يوم يختلف مشرقها عن مغربها أي: يختلف مشرقها عن اليوم الذي قبله، فالشمس اليوم لها مشرق، وغداً لها مشرق، وبعد غد لها مشرق، وإن كانت الاختلافات طفيفة لا يعلمها إلا الله، لكنها على كلٍ مشارق ومغارب، والله أعلم.

стр. 938

تفسير قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان) قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن:١٨-١٩] المرج يطلق على الخلط أحياناً، وقيل: إن معنى (مرج البحرين يلتقيان) أي: أقبل هذا البحر على ذاك، والبحران هنا المراد بهما العذب والمالح، وعبر عن النهر بالبحر هنا. فأولاً من ناحية اللغة: يطلق البحر على النهر كذلك، فإن البحر مأخوذ من الاتساع، والنهر كذلك مأخوذ من الاتساع، فالنبي ﷺ يوم أن سمع صوتاً في المدينة فامتطى فرسه وكان عريان -أي: الفرس- وتتبع أثر الصوت فقال: (ما وجدنا شيئاً، إن وجدناه لبحراً) أي: وجدنا الفرس سريع الخطى، واسع الخطى، فالواسع يطلق عليه بحر، ومنه قول العامة: هذا بحر في العلم، أي: علمه واسع. والنهر كذلك يطلق على الاتساع والشدة، قال ﵊: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السنَّ والظُّفُرَ) فما أنهر الدم أي: ما أخرج الدم بغزارة، فالبحر يطلق على النهر أحياناً، وقد روي عن النبي ﷺ في شأن الجنة-: (فيها بحر اللبن، وبحر العسل، وبحر الخمر، وبحر الماء) ، وفي الكتاب العزيز: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] فعبر عن البحر بالنهر، وعن النهر بالبحر. فإما أن يقال: أطلق على النهر والبحر بحران تغليباً كما يقول العرب: جاء العمران ويقصدون: أبا بكر وعمر، وكما نقول نحن الوالدان أو الأبوان، ونريد بالأبوين: الأب والأم، فأطلق عليهما الأبوان تغليباً، وكما قال الرسول ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) والمراد بهما الأذان والإقامة.

стр. 939

تفسير قوله تعالى: (بينهما برزخ لا يبغيان) قال سبحانه: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:٢٠] البرزخ: الحاجز، والبرزخ: الفاصل كذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] وهو وجودهم في المقابر إلى يوم البعث. قال تعالى في شأن البحرين: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:٢٠] أي: يحجز الملح عن العذب، فلا يتداخلان، وإلا لو دخل الملح على العذب لوصل الملح إلى بلادنا ولأفسد علينا سقيانا ومزارعنا، ولكن من حكمة الله الحكيم الحميد أنه سبحانه جعلهما في الحياة الدنيا لا يبغيان. أما بين يدي الساعة فكما قال فريق من أهل العلم: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار:٣] قال بعضهم: اختلط مالحها بعذبها، ودخل مالحها في عذبها. أما هذه الآية الكريمة: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:٢٠] فهي من الأدلة على قدرة الله ، ولو شاء الله لخلطهما.

стр. 940

تفسير قوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢١-٢٢] . قال فريق من أهل العلم: إن اللؤلؤ لا يخرج إلا من البحار، فكيف قيل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن:٢٢] ؟ فالإجابة من وجوه: أحدها: ما تقدم، ألا وهو أنه أطلق: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن:٢٢] تغليباً، وإن كان يخرج من البحر. والثاني: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن:٢٢] قال البعض: ثبت الآن أن اللؤلؤ أيضاً يخرج من الأنهار، فالله أعلم.

стр. 941

تفسير قوله تعالى: (وله الجوار المنشآت .) قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الرحمن:٢٣-٢٤] . قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ أي: السفن، جمع جارية كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] وسميت جارية لجريها، كما أطلق على الفتاة جارية لجريها في خدمة أبويها، وعلى الأمة جارية لجريها ولسعيها في خدمة سيدها، فيطلق على السفن، والجواري، والفلك، قال الله : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:١١] . الأعلام المراد بها الجبال، ومنه قول الرسول ﷺ : (ولينزلن قوم إلى جنب علم) فالعلم هنا هو الجبل، فالجوار المنشآت في البحر كالجبال هي لله : ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٣-٣٤] إن يشأ الله يغرقها وإن يشأ الله يسيرها.

стр. 942

تفسير قوله تعالى: (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك .) قال سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٢٥] ثم القرار: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] . كما قال الله سبحانه لنبيه محمد ﵊: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] ، وكما قال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ، وكما قال الله سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] . فهنا يذكر سبحانه لفظاً عاماً في كل الخلائق: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧] الجلال مأخوذة من الإجلال، وقولك: أنا أجل الشخص عن كذا، أي: أنزهه وأرفعه عن هذا المستوى، فتقول: أنا أجلك عن هذا الفعل، أي: أرفع قدرك، فلا يليق بك أن تنزل إلى هذا المستوى الرديء وتفعل هذا الفعل، فأنت أجل من هذا الفعل، وأعظم من هذا الفعل، فالجلال هنا من هذا المعنى. وكذلك: الإكرام، بمعنى: أنا أكرمك أن تصنع هذا الصنيع، وأن تنزل إلى هذا المستوى، فربنا أجل وأكرم، فهو لا يتطرق إليه سبحانه عيب ولا نقص بحال من الأحوال، منزه عن كل قبيح، ومنزه عن كل نقص، ومنزه عن كل عيب . وقد قال النبي ﷺ : (ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام) أي: ألحوا في الدعاء وأكثروا في الدعاء، من قول: يا ذا الجلال والإكرام، فتقول مثلاً: يا ذا الجلال والإكرام افعل لي وافعل، كما تقول بعد الصلاة: اللهم! أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فتخلل بها أدعيتك.

стр. 943

تفسير قوله تعالى: (يسأله من في السماوات والأرض .) قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرحمن:٢٩] وهذه الآية تبين لك عظمة ربك ، فكل شيء في السماوات والأرض يسأل الله، أنا وأنت وأبي وأبوك وأخي وأخوك وأمي وأمك والخلائق أجمعون، الشمس والقمر، الملائكة والجن، والسمك والحيتان، والجراد والنمل والقمل والدود، كل ذلك يسأل الله في آن واحد، والله يجيبه، والله يسمعه، ويعلم سره ونجواه. أما أنا وأنت إذا حدّثنا شخصان في آن واحد، نقول لأحدهما: اسكت، حتى ينتهي الآخر من حديثه، حتى أفهم مراده؛ لأنه كما قال سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] . لكن ربنا ليس كذلك، فكل من في السماوات والأرض يسألون ربهم، وهو يسمعهم ويجيبهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢] .

стр. 944

الأسئلة

стр. 945

حكم من حلف بالطلاق السؤال أريد الحكم في هذه الأيمان الثلاثة التي ألقاها الزوج لزوجته وهي متفرقة، عندما يقول الزوج: عليّ الطلاق لم يحصل هذا الشيء، والزوجة متأكدة أنه حصل؟ الجواب هو كذاب، لكن لا تقع به طلقة.

стр. 946

حكم الصلاة في البنطلون الواسع والضيف والمسبل السؤال ما حكم الصلاة في (البنطلون) ؟ الجواب الصلاة (بالبنطلون) صحيحة، لكن إذا كان ضيقاً ومسبلاً كرهت، لكنها أيضاً مع الكراهية صحيحة.

стр. 947

حكم إقامة جماعة ثانية في مسجد قد صلي فيه السؤال هل تجوز إقامة جماعة ثانية في مسجد أقيمت فيه الجماعة الأولى؟ الجواب نعم تجوز؛ لحديث: (من يتصدق على هذا؟) ولم ينه رسول الله ﵊ عن ذلك.

стр. 948

حكم من تحايل على حقوق الفقراء واستعمل الغش والتزوير السؤال لقد اشتريت منذ فترة (بجامة) نوم من صندوق الضمان الاجتماعي، وذلك بدون أي رخصة من الضمان الاجتماعي، وإنما قمت بعمل بحث مزور مع أني غير محتاج، فهل أنا قد أخذت شيئاً ليس من حقي؟ الجواب نعم أخذت شيئاً ليس من حقك، إن هذا موضوع للفقراء، وأنت لست بفقير، فأنت تدخلت على حق الفقراء وأخذته ببحث مزور. السائل: ولما سألت الموظف عن ثمن (البجامة) علمت أنها بثمانية وثلاثين جنيهاً وكان معي (بجامة) أخرى بواحد وثلاثين فخلطتهما وأخذت (البجامة) ذات السعر ثمانية وثلاثين بواحد وثلاثين؟! الشيخ: يعني غش الموظف السائل: وقد مر على هذا الموضوع عامان فماذا أفعل في السبعة جنيهات؟ الجواب: تصدق بها؛ لأنه الآن يصعب الوصول إلى الموظف الذي خدع، فتصدق بها ويصل ثواب الصدقة إلى الموظف الذي غش، والله أعلم. وقد حضرتني في هذا الباب مسألة لرجل غل من غنيمة بعض المعارك، في زمان أمير المؤمنين معاوية ﵁، فلما قسمت الغنائم سمع حديث الغلول والوعيد الوارد فيه، فأراد التوبة، فذهب إلى أمير المؤمنين معاوية وقال: معي غلول، لا أدري ماذا أصنع به وقد تبت إلى الله. قال: ما أدري أنا كيف أصنع والغنيمة قد قسمت. فذهب إلى بعض الصحابة فأفتي: أن تصدق بها والله يقبل التوبة عن عباده، وثوابها يصل إلى المجاهدين إن شاء الله.

стр. 949

حكم من خرج من المسجد بعد الأذان ليصلي في مسجد آخر السؤال إذا كنت أحضر درساً في المسجد، وأذن المؤذن فهل يجوز أن أخرج من المسجد وأصلي في مسجد آخر قريب من عملي حتى لا أتأخر عن العمل؟ الجواب نعم، يجوز لك ذلك إذا كنت ستصلي في جماعة أخرى في مسجد آخر. أما حديث الرجل الذي خرج من المسجد بعد سماع المؤذن وقول الصحابي: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ فمحمول على أنه خرج بلا عذر، وأنه خرج ولم يصلها في جماعة. أما إذا خرج لعذر وخرج قاصداً الصلاة في جماعة أخرى وأدرك شيئاً من الصلاة في هذا المسجد فلا بأس بذلك، والله أعلم.

стр. 950

تفسير أهل السنة لقوله تعالى: (تجري بأعيننا) السؤال تحدثتم عن قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فقلتم أي: تجري بحفظنا وعنايتنا، الشاهد: هل هذا ليس بتأويل؟ الجواب لا، ليس بتأويل أبداً؛ لأنه قد جرى على هذا كلام العرب، وهذه أقوال مفسري أهل السنة، وإن شئت فاقرأ كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، وإلا فما معنى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] عندك أيها السائل؟ فالعلماء من أهل السنة يقولون: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] أي: تجري بحفظ الله وبرعايته، وعلى مرأى منه، هذه أقوال أهل السنة.
следующие страницы →