Полный текст (7 030 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
تعارض قضاء صلاة العيد مع فرضيتها
السؤال
كيف نجمع بين القول بأن صلاة العيد فرض عين، وبين قولهم: لا تقضى إذا فاتت؟
الجواب
قد يكون الشيء لازماً على الصورة التي وردت في الشرع، وهي صورة الجماعة ويسقط في غير الجماعة، وكأن صلاة العيد إنما شرعت على هذا الوجه، وهي بالجماعة، فإذا فاتت جماعتها فإنه في هذه الحال لا يطالب بالقضاء عند من يقول بعدم قضائها، وكان بعض السلف يقول: من فاتته صلاة العيدين يشرع له أن يصلي مع غيره كالصلاة المعروفة، وكان بعض الصحابة كـ ابن مسعود ﵁ يأمر بعض مواليه أن يجمع بعض أهله ويصلي بهم إذا فاتته صلاة العيد، ويصلي بهم كصلاة الإمام، لكنه لا يخطب.
وقال بعضهم: على هذا الوجه فلو حضرت والإمام في التشهد تقوم وتأتي بركعتين، أو حضرت بعد سلام الإمام تقوم وتأتي بركعتين على صفة ركعتي الإمام، وهذا الوجه لا يشترط الجماعة.
الوجه الثاني: من فاتته صلاة العيد فإنه يصلي أربع ركعات، وهو محكي عن بعض السلف رحمة الله عليهم.
وبعضهم يرى أنه يصلي ركعتين نافلة مطلقة.
وكل هذه الأقوال لها وجه، ومن فعل بأي واحد منها فله سلف من أصحاب النبي ﷺ ، ولا ينكر عليه، والله تعالى أعلم.
стр. 1402
حكم الكلام أثناء خطبة العيد
السؤال
هل الكلام أثناء خطبة العيد، محرم كالكلام في خطبة الجمعة؟
الجواب
إذا كان الإنسان في المصلى يتكلم فإنه يشوش على المستمعين، ولذلك يكون المنع من الكلام لأذية الغير، وأما إذا كان لا أذية فيه ولا ضرر فإنه لا حرج؛ لأنه مخير بين أن يجلس وبين أن يمضي، وبناء على ذلك فلو تكلم فلا حرج، ومن هنا قال بعض العلماء: لا حرج أن يجهر بالتأمين عند دعاء الإمام في خطبة العيدين، ولكنه لا يجهر به في خطبة الجمعة، كما سبق بيانه في أحكام صلاة الجمعة وخطبتها، والله تعالى أعلم.
стр. 1403
حكم الاكتفاء في العيد بخطبة واحدة
السؤال
هل ثبت أن النبي ﷺ خطب للعيد خطبة واحدة، فإن بعض الخطباء يفعل هذا، ويقول: إنها سنة؟
الجواب
حكي عن بعض السلف رحمة الله عليهم أنه يقول بهذا القول، لكن الصحيح أنها كصلاة الجمعة يخطب لها خطبتان، ويفصل بينهما بالجلوس، كالحال في الجمعة سواء بسواء، وهذا هو الهدي الذي ينبغي للإنسان أن يلتزمه لما فيه من تأليف القلوب، وإذا كانت السنة الظاهرة المشهورة أنه يخطب كخطبة الجمعة، والناس عرفوا ذلك وألفوه، فإن تأليف قلوب العامة أولى من أن يأتي بالأمر الغريب عليهم، وقد قال ﷺ -ويروى موقوفاً على علي علي ﵁: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذب الله ورسوله) أي: لا تتسببوا في اعتداء الناس على السنة إذا كانت السنة غريبة عليهم، أنها لو وقعت عليهم من السنن التي يرغب فيها سنن الأنواع، وليس المراد بها السنن التي تقصد وتطلب في سنن الأنواع، إذا قلنا: إنه يشرع للإنسان أن يخطب خطبة واحدة، على الروايات في خطبته ﵊، يصبح هذا الحال من التنويع، ويحمل الحديث المشهور من الخطبة كخطبة الجمعة على الأصل، بمعنى أننا نقول: إن الإنسان يحافظ عليه؛ لأن الناس ألفوه وعرفوه، فلو جاء يخطب خطبة واحدة فإن الناس تنفر، ولربما عدت أن صلاته خاطئة، فيتهجمون على السنة بسببه، فهو وإن أحيا سنة من وجه فإنه يضيع عليهم أجوراً كثيرة ويوقعهم في غيبته، ويجعلهم في نفرة منه، ولربما نسبوه إلى الشذوذ، فإن جاءهم بحق بعد ذلك لم يقبلوه.
لكن لو أنه خطب أو بيّن السنة المعمولة المعروفة بالفعل، ثم بين بالقول بعض السنن الواردة عن النبي ﷺ فإنه يعلم الناس بوجود شيء من الشذوذ، وكذلك أيضاً الإيغال في ترك السنن، وذم أصحابها، والله تعالى أعلم.
стр. 1404
حكم من ترك التكبيرات في صلاة العيد عمداً
السؤال
ما الحكم إذا ترك الإمام تكبيرات العيد في الصلاة عمداً، وذلك ليعلم الناس أن التكبيرات سنة؟
الجواب
لا يفعل هذا.
بل عليه أن يصلي كما صلى رسول الله ﷺ ولا يجتهد من عنده، مع أن بعض العلماء يقول: إن قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) يقتضي اللزوم.
فعليه أن يكبر بهذه التكبيرات، وإذا أراد أن يعلم الناس أنها سنة وليست بواجبة فليعلمهم بالكلام؛ لأن القاعدة أنه إذا كان هناك طريقان إلى تحقيق المصلحة أحدهما فيه مفسدة -وهو هنا ترك السنة- والثاني لا مفسدة فيه وجب فعل الذي لا مفسدة فيه، فإذا أمكن تعليم الناس بالقول فلماذا يذهب إلى الفعل، ويهجر سنة النبي ﷺ ؟ وهل توقف إعلام الناس أنها سنة على ترك هدي رسول الله ﷺ ؟! فيمكنه أن يعلمهم أنها سنة بالقول، فقبل العيد في عصر آخر يوم من أيام رمضان يحدثهم عن أحكام العيدين، ويبين لهم، أما أن يأتي ويفعل ذلك على خلاف ما فعله رسول الله ﷺ فلا، ولا أرخص له في هذا، والله تعالى أعلم.
стр. 1405
سجود التلاوة على الدابة في السفر
السؤال
هل يجوز الانحناء في سجود التلاوة على الراحلة في السفر كما يجوز ذلك في صلاة التطوع عند الركوع والسجود؟
الجواب
من كان على الدابة في سفر وأراد أن يسجد سجود التلاوة أو سجود الشكر فإنه ينحني على أقصى ما يستطيع من الانحناء ويجعله لسجوده.
وأما إذا صلى فإنه يجعل ركوعه أرفع من سجوده، أي: يجعل انحناءه للركوع أرفع من سجوده؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ ، وعلى هذا فإنه يشرع للإنسان إذا سجد للتلاوة أو سجد للشكر وهو على دابته أن ينحني، ويكون انحناؤه دليلاً على سجوده، والله تعالى أعلم.
стр. 1406
حكم من أحرم بالعمرة من غير ميقاته
السؤال
نويت العمرة من جدة، لكني لم ألبس الإحرام منها، وكنت مشغولاً ببعض الاحتياجات، وجئت إلى مكة وقضيت كل حاجاتي ومكثت في مكة يومين، وأحرمت من التنعيم، علماً بأني جاهل، فما الحكم؟
الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كنت في جدة ونويت العمرة ولبيت وأنت في ثيابك فإنه حينئذ ننظر، فإن كان بقاء الثياب عليك لعذر عدم وجود ما تلبسه من إزار ورداء فإنه حينئذ تسقط عنك الفدية، حتى تجد الإزار والرداء فتتجرد من مخيطك.
أما إذا بقيت بملابسك وخرجت من جدة وأنت تلبي بالعمرة، ومضيت إلى مكة وقضيت حاجياتك في ثيابك العادية مع إمكانك أن تزيلها وتلبس الإحرام فعليك الفدية فقط، وهي فدية اللبس، وذلك أن النية قد وقعت في جدة، وإحرامك من جدة إحرام صحيح، وشروعك في التلبية والذكر وغير ذلك مما يستصحب دليل على أن الشروع في هذه العبادة معتبر، فعلى هذا يكون المحظور الذي ارتكبته هو بقاؤك في الثياب، وأما الإحرام فأنت محرم، فلا يشترط في صحة انعقاد العمرة والحج أن تكون متجرداً من المخيط، بل لو أنك قلت: (لبيك) وأنت في ثيابك فقد انعقدت عمرتك، وعلى هذا يكون إخلالك في لبسك الثياب فحسب، ويلزمك حينئذ أن تفتدي فدية لبس المخيط، وكذلك يلزمك غيرها إن كنت قد ارتكبت من المحظورات، غير لبس المخيط، ويكون قدومك إلى التنعيم بالنية لاغياً؛ لأنك أدخلت نية على نية، ولا عبرة بالثانية؛ لأن العبرة بالأولى، ولا يصح إيقاع الثانية حتى تتم الأولى، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦].
فعلى هذا -في هذه الصورة- يشترط أن تكون قد لبيت بالعمرة أو نويتها.
أما إذ لم تنو أصلاً، وكان في قلبك أن تعتمر، ولعل هذا هو مقصود قولك: (نويت العمرة من جدة)، بمعنى: أحببت أن أعتمر، وكان في نيتي أن أعتمر.
فإن مضيت ولم تلبِ، ولم تنشئ عمرةً حتى جئت مكة وقضيت حوائجك وأحرمت من التنعيم، فإنه حينئذ يلزمك دم، وذلك لتأخر إحرامك ونيتك عن جدة، فميقاتك جدة لقوله ﵊: (فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ)، فأنت دون المواقيت، فكان يلزمك أن تلبي من جدة، فلما أخرت إحرامك إلى التنعيم لزمك الدم الذي هو دم الجبران، ويكون بمكة لكي تجبر هذا الفوات، ولو كنت جاهلاً فجهلك ليس بعذر، فالعلماء موجودون، وتقحمك للأحكام دون سؤال أهل العلم يلزمك بعاقبة تقصيرك، وليس الجهل عذراً في مثل هذا، والله تعالى أعلم.
стр. 1407
صلاة راكب القطار والطائرة ونحوهما مع إسقاط بعض أركانها
السؤال
الرجل يسافر بالقطار أو بالطائرة يوماً وليلة، ولا يمكن له أن يصلي إلا بعد أن ينزل، ولا يستطيع أن يصلي إلا جالساً، فما هو الحكم في الصلوات المكتوبة؟
الجواب
من سافر في القطار واستمر سفره على هذه الصورة فإنه يصلي على الحالة التي يستطيع، لقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فالذي في استطاعته ووسعه هو الذي يكلف به، وعلى هذا فلو أنه غلب على ظنه أنه لو وقف أو ركع سيسقط ويتضرر فإنه حينئذ يجوز له أن يصلي وهو قاعد، ويستقبل جهة القبلة إن أمكنه، فإن تعذر عليه ذلك صلى إلى أقرب الجهات إليها، أو إلى أي موضع توجه إليه بوجهه، وهذا قرره العلماء ﵏ في مسألة الصلاة على السفينة، فإنهم قالوا: إذا خشي السقوط فإنه يصلي وهو قاعد.
والله تعالى أعلم.
стр. 1408
حكم استخدام ماء زمزم لتنظيف الجهاز التناسلي تداوياً
السؤال
امرأة مصابة بمرض في جهازها التناسلي، فهل يجوز لها استخدام ماء زمزم في تنظيفه وتطهيره لما علمت من بركة ماء زمزم؟
الجواب
إذا شربته فإنه يكفيها، أما أن تغسل به ذلك الموضع فلا، فماء زمزم كما قال ﷺ : (طعام طعم، وشفاء سقم)، ولذلك قالوا: هو في حكم الطعام، فإذا كان في حكم الطعام فلا يقصد به إزالة الأذى في الموضع، أما لو اغتسلت به عموماً ووقعت إصابة الموضع تبعاً فلا حرج، فالشيء يجوز تبعاً ولا يجوز قصداً، ولذلك يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تبعاً للنخيل، ولا يجوز أن تقصدها بعينها، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر، ففيه إثبات الجواز تبعاً وتحريمه قصداً، فهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن يفعل الشيء تبعاً ولا يفعله قصداً.
فإذا أرادت أن تستشفي فإنها تشرب زمزم، وماء زمزم لما شُرِبَ له، فإن شربته بنية التداوي فإن الله يشفيها، وعلى هذا يكون تداويها بشربه، أما أن تغسل الأذى وتغسل تلك المواضع فهذا أمر فيه شدة، وقد كرهه طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وظاهر قوله لـ أبي ذر في الحديث الثابت: (طعام طعم، وشفاء سقم) يدل على ذلك، فالأطعمة لا تجوز إزالة القذر والنجس بها، وقد شدد العلماء في ذلك، وقالوا: من قصد إهانة الطعام كفر -والعياذ بالله-، فلو أخذ الطعام وقصد به الامتهان لنعمة الله والكفر بها -نسأل الله العافية- فإنه يكفر، لكن لا يعني هذا تكفير من غسل الفرج بماء زمزم، خاصة إذا قصد التداوي، ولكن نقول: إن هذا القول -خاصة على اعتبارنا زمزم في حكم الطعام لظاهر السنة في قوله: (طعام طعم) - يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يضعه على هذه المواضع لقصد غسلها أو إزالة الأذى، أما لو أراد التداوي فإنه يسعه أن يشرب، فإنه لو شرب جرى في مسالكها، وكان من الخير ما يرجى بإذن الله، والله تعالى أعلم.
стр. 1409
المسبوق ومتابعة الإمام
السؤال
إذا فاتتني ركعة من صلاة الجماعة، وكان الإمام في التشهد الأخير، فقرأت التشهد والصلوات الإبراهيمية، فهل يجوز لي أن أقول الدعوات التي تكون بعد التشهد وقبل السلام، علماً بأنه بقي لي ركعة؟
الجواب
يختار جمع من العلماء ﵏ أن المسبوق إذا كان وراء الإمام أنه يفعل كفعله، وبناء على ذلك يتفرع على هذا الأصل أنك لو فاتتك -مثلاً- ركعة من صلاة المغرب، ثم قام الإمام بعد التشهد الأول وقمت معه إلى الركعة الثانية بالنسبة له فإنك ترفع يديك حذوا أذنيك أو منكبيك؛ لأن العبرة به لا بك، لأجل شعار الجماعة، لقوله ﵊: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فقصد المتابعة في الصورة والحال، وهذا يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإذا انفصلت عنه فإنك في هذه الحال تكون في حكم المنفرد، فكأنهم يرون أنه في حكم المنفرد عند الانفصال، وعلى هذا فإنك إذا جلست للتشهد الأخير بالنسبة للإمام وليس بالنسبة لك فإنه يشرع أن تصاحبه، وهذا أقوى، بدليل أنك تقرأ التشهد والتشهد ليس بلازم عليك في الأصل، فدل هذا على أنك قرأت التشهد لموافقة الإمام، فمن هنا تتم التشهد إلى تمامه وكماله، والله تعالى أعلم.
стр. 1410
محرمية الجد من جهة الأم لزوجة حفيده
السؤال
هل يجوز لجدي من جهة أمي أن ينظر إلى زوجتي؟
الجواب
الجد من جهة الأم يعتبر محرماً لزوجتك، وذلك أن جدك لأمك تعتبر أنت من أبنائه، لقوله ﷺ في الحسن: (إن ابني هذا سيد)، وهو جده من جهة أمه صلوات الله وسلامه عليه، والله تعالى يقول في المحرمات: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فتحرم الزوجة على الجد، ويستوي في ذلك الجد من جهة الأب أو من جهة الأم، والذي تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث، أو جمع بين الذكور والإناث، فأبو أم الأب وأبو أبو الأب، وأبو أم الأم، كل هؤلاء يعتبرون في الحكم سواءً، وكذلك أبو الأب وأبو الأم، فكل هؤلاء يعتبرون من المحارم، ولا حرج أن يرى الزوجة، وتسافر معه؛ لأنها حليلة ابنه، وحليلة الابن محرمة على الجد مطلقاً، والله تعالى أعلم.
стр. 1411
استقبال القبلة في صلاة التطوع على الراحلة في السفر
السؤال
هل يجب على المسافر في صلاة التطوع أن يستقبل القبلة ثم ينصرف؟
الجواب
الصحيح أنه يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام لرواية أبي داود في سننه -وقد حسنها غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم- من حديث عقبة بن عامر ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام استقبل القبلة وكبر، ثم صرف دابته)، وعلى هذا لو كنت في السيارة اليوم، فإنك تستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم تصرف السيارة إلى أي وجهة تريد، كما كانوا في القديم يستقبلون القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم يصرف المصلى دابته إلى الجهة التي يذهب إليها.
لكن لو كنت راكباً، وأردت أن تكبر تكبيرة الإحرام، وكانت السيارة إلى غير القبلة، بحيث كانت القبلة عن يمينك، فانفتلت عن يمينك وكبرت ثم رجعت إلى وضعك فقد اختار بعض العلماء رحمة الله عليهم أنك إذا انحرفت من مجلسك وكبرت ثم انحرفت اختياراً بطلت صلاتك.
والسبب في هذا أنك إذا أردت أن تكبر تكبيرة الإحرام على وجهتك فإنه حينئذ يغتفر انحرافك عن القبلة؛ لأن الانحراف كان من الدابة، أما لو انفتلت بنفسك فكأن الانحراف بفعل نفسك، كما لو انحرفت عن القبلة بقصدٍ، فيفرق بين من يكبر تكبيرة الإحرام ثابتاً إلى آخر الصلاة وانحرفت به السيارة في طرقاتها، وبين من كبر ثم انحرف إلى جهته، فإنه كبر وانحرف باختياره، فبطلت صلاته كما لو انحرف عن قبلته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1412
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الكسوف
شرع الله صلاة الكسوف التجاء إليه سبحانه عند حدوث الكسوف للشمس أو للقمر، وقد حث على الدعاء والصدقة فيها على لسان رسوله ﷺ ، وهذه الصلاة فيها من الأحكام ما ينبغي على المسلم معرفتها إذا أداها، ولتكون على هدي النبي ﷺ ، ومن أهم المسائل والأحكام المتعلقة بها: حكم صلاة الكسوف وصفتها، والأحوال التي لا تشرع فيها صلاة الكسوف، وغيرها من الأحكام.
стр. 1413
أحكام صلاة الكسوف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [باب صلاة الكسوف].
المراد بالكسوف كسوف الشمس والقمر.
وللعلماء ﵏ في إطلاق الكسوف عليهما خلاف معروف، فمن أهل العلم من يقول: إن الكسوف والخسوف يطلقان على الشمس والقمر، وقد جاء بذلك الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته) قال العلماء ﵏: فعبر بالكسوف عنهما، وكذلك بالخسوف وهذا هو أحد الأوجه عند أهل العلم رحمة الله عليهم.
ومن أهل العلم من يقول: إن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
وعلى هذا مصطلح أكثر الفقهاء رحمة الله عليهم، فيعبرون بالكسوف للشمس وبالخسوف للقمر، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة:٧] ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٨]، فعبر بالخسوف للقمر، ففهم من هذا أن الكسوف للشمس، وقد جاء في الصحيح عنه ﵊ أنه: (كسفت الشمس فصلى)، فعبر بالكسوف للشمس، قالوا: وعبّر القرآن بالخسوف في القمر، فدل على أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
وصحح غير واحد من أئمة اللغة هذا المذهب، وقال الجوهري، وكذلك ثعلب: إن الأفصح أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
وقال بعض أهل العلم: الكسوف للقمر والخسوف للشمس وقد ضعف هذا المذهب القاضي عياض ﵀؛ لأنه خلاف التنزيل، فإن الله قال: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٨]، فعبّر بالخسوف في القمر، فدل على أنه يطلق الخسوف على القمر، وعدم إطلاقه على القمر على هذا القول يخالف نص الآية، وهذا من أضعف المذاهب.
وهناك مذهب آخر يرى أن الكسوف المراد به ذهاب بعض الضوء، فتقول: كسفت الشمس وكسف القمر: إذا ذهب بعض الضوء، وتقول: خسفت الشمس إذا ذهب الضوء كله، وكذلك خسف القمر إذا ذهب الضوء كله.
وفي هذا القول جمع بين الأقوال التي سبق ذكرها، ويختاره بعض الأئمة ﵏ من الفقهاء واللغويين.
وقد ترجم الإمام البخاري رحمة الله عليه في الصحيح بباب: (هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟) فقدّم الكسوف وعبّر به للشمس، وأخّر الخسوف، فقال بعض العلماء: إن الإمام البخاري متردد في هذه المسألة، حيث أورد هذه الترجمة بصيغة الاستفهام التي لا جزم فيها، فكأنه متردد بين هذه الأقوال.
ومن أهل العلم من يقول: إن الإمام البخاري قصد أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر؛ لأنه بوب بقوله: (هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟)، ثم قال: وقال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٨]، ففهم من هذا أنه يميل إلى مذهب من يقول: إن الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
والمصنف حين قال: (باب صلاة الكسوف)، فإنه إن كان يرى أن الكسوف خاص بالشمس فإنه قدمه لأن الأدلة وردت في كسوف الشمس، فيكون خسوف القمر تبعاً من هذا الوجه، وإن كان يرى القول الذي يطلق الكسوف عليهما، فحينئذٍ لا إشكال في تعبيره بالكسوف.
стр. 1414
صلاة الكسوف من صلوات الرهبة
وهذا النوع من الصلوات -أعني صلاة الكسوف- يعتبر من صلوات الرهبة، وذلك أن الله يرسل بالآيات تخويفاً لعباده، وزجراً لهم، وتنبيهاً لهم من غفلتهم وما هم فيه من الإعراض عنه ، فيرسل الآيات تخويفاً لعباده، وقد صرح النبي ﷺ بذلك في خطبته حيث قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، لا ينخسفان ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)، فنص على أنها آيات يخوف الله بها عباده، وذلك بما يعتريهما من الكسوف والخسوف.
فهذه الصلاة المخصوصة التي أُثرت عن النبي ﷺ في حال كسوف الشمس إنما هي صلاة رهبة، والمراد بذلك أن الناس تفزع إلى الله وتفر إليه بذكره، وتقف بين يديه بأشرف المقامات وأحبها إلى الله وهي الصلاة التي قال ﵊ فيها: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة).
وهناك نوع ثانٍ من الصلوات يسمى بصلاة الرغبة، وهي صلاة الاستسقاء، فكما أن صلاة الكسوف للرهبة كذلك صلاة الاستسقاء للرغبة، ولذلك ابتدأ المصنف بصلاة الكسوف ثم أتبعها بصلاة الاستسقاء.
стр. 1415
مناسبة تأخر باب صلاة الكسوف إلى نهاية كتاب الصلاة
وأما مناسبة باب صلاة الكسوف لما تقدم من صلاة العيدين فهي أن المصنف ﵀ ابتدأ بالصلاة مع الجماعة وبيان صلاة الجماعة وأحكامها، ثم ثنى بما تشرع له الجماعة كل يوم، ثم شرع في بيان ما تشرع له الجماعة كل أسبوع وهي الجمعة، ثم أتبع ذلك بباب صلاة العيدين وهي الصلاة التي تشرع جماعة مرتين في العام، ولما كان الكسوف قد يقع وقد لا يقع أتبع الغالب بالنادر فقال: (باب صلاة الكسوف)، ولما كانت صلاة الاستسقاء تبعاً لصلاة الكسوف من جهة المقابلة في كونها صلاة رغبة وسؤال وحاجة لله ختم بها باب الصلوات ثم أتبع ذلك بباب صلاة الجنائز.
стр. 1416
الدلائل والبراهين الجلية لكسوف الشمس والقمر
في الكسوف آيات لله أعظمها وأجلها أنه يدل على وحدانية الله ، وذلك أن اختلال الأشياء المنتظمة يدل على وجود مؤثر وهو الله الذي جعلها تنتظم بقدرته وتختل بقدرته، وفي هذا رد على الطبيعيين الذين يقولون: إن الحياة طبيعية، وليس هناك إله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فحينما تختل الأمور يدل اختلالها على وجود مؤثر وهو الله ، ولذلك خلق الله الأشياء بالأضداد حتى لا ينسب الأمر إلى الطبيعة، فجعل الألوان مختلفة والأشكال مختلفة، وجعل الصفات متباينة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن﴾ [الذاريات:٤٩]، فجعل الأشياء أزواجاً حتى تدل على وحدانيته ؛ لأنه لو حدثت الأشياء بنفسها لحدثت على وتيرة واحدة، فلما جعلها الله متباينة الأشكال مختلفة الصور والصفات كان هذا من دلائل وحدانيته، ومن هنا نُهي المكلف عن تغيير الخلقة، فنهيت المرأة عن وصل شعرها؛ لأنك إذا رأيت المرأة بشعرها ثم رأيت امرأة بدون شعر علمت أن هناك إلهاً يخلق هذا وهذا، فنهي عن تغيير الخلقة والتعرض لها حتى يبقى عند الناس شعور بوجود من يخلق هذه الأشياء ويدبرها .
وأدلة القرآن تنصب على هذا، فتجد أن الله يذكر ألوان الجبال، واختلاف الأشياء وتضادها، كالليل والنهار، والشمس والقمر، فكل شيء جعل له ضد، وهذه الضدية تشعرك بوحدانية الله .
فإن جاء إنسان يقول: الحياة طبيعية وليس هناك إله، فإنك تفحمه وتلقمه الحجر بوجود التباين، فلو كانت الأشياء حدثت بنفسها لحدثت بوتيرة واحدة، إما على الكمال المطلق وإما على النقص المطلق، أما كون هذا يكون على النقص وهذا يكون على الكمال، وهذا يكون كماله في الحس ونقصه في المعنى، وهذا كماله في المعنى ونقصه في الحس، فكل ذلك يدل على وحدانية الله ووجود الخالق لوجود هذا التباين.
والكسوف من آيات الله التي فيها ردٌ على عبدة الشمس والكواكب، وذلك أنهم لما عظموا الشمس واعتقدوا أنها الإله غيبها الله عنهم في كل يوم؛ حتى يعلموا أن الله هو الذي يسيرها، وهو الذي يأمرها فتأتمر، كما في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (يوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث أتيت، فتصبح طالعة من مغربها، أتدري متى ذلك يا أبا ذر؟! حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً).
فالمقصود: أن الله يغيبها حتى يكون في ذلك رد على من يعبد الشمس، فلو كانت الشمس هي الإله لبقيت، ولكنها تزول وتذهب، فإذا كانت باقية كما في بعض المناطق التي قد لا تغيب عنها الشمس إلا لحظات يسيرة فإنها تغيب بالكسوف ويذهب ضوءها بالكلية، ويظهر حينئذٍ أنها أفقر ما تكون لله ، فالقمر يكون بينها وبين الأرض فيكون الكسوف إما كلياً أو جزئياً، فيظهر حينئذٍ أنه لا إله إلا الله .
كما أن في الكسوف تنبيهاً للغافلين وإيقاظاً للنائمين الذين هم في بعد عن صراط الله المبين؛ لأن الإنسان إذا أصابته النعمة كفر بها إلا أن يرحمه الله برحمته، فكونه يعيش في حياة يألفها ويفاجأ في يوم من الأيام بالشمس قد ذهب ضوءها، وأصبحت لا ضوء لها فإنه قد ينتبه ويعود إلى الله ، حتى إنه في بعض الأحيان يذهب ضوءها إلى درجة يرى الناس فيها النجوم في وضح النهار، وكأنهم في ليلة من ليالي السرار، وهذا من عظمة الله .
فمن أبلغ ما يكون عظة في الكسوف أن يذهب ضوءها بالكلية فيكون كسوفاً كلياً، حتى إن الناس يرون النجوم، ويكون في ذلك عظة عظيمة للناس، خاصة المذنبين منهم، وفيه تثبيت لأهل الطاعة؛ لأنه يزيد من خوفهم من الله ﷻ ، ولذلك كان أكمل الموحدين وإمام المطيعين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين إذا رأى الريح أقبل وأدبر، وتغيّر وجهه صلوات الله وسلامه عليه من شدة خوفه من الله .
فالكسوف يزيد من خوف الخائفين، ويزيد من يقين الموقنين، ففيه نوع من السلوى لأهل الإيمان والثبات لهم على طاعة الله ﷻ ، وكذلك فيه التنبيه والعظة لمن كان بعيداً عن الله غافلاً عن طاعته جل ذكره، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده)، فهذا التخويف المقصود به دعوتهم إلى القرب من الله ، ولذلك شرع الله هذه الصلاة التي فيها دليل على خوف العبد من الله ، واستشعاره لعظمته وقدرته على أخذ العباد كما أخذ ضوء هذه الشمس وأذهب ضياء القمر، فإنه قادر على أن يذهب من دون ذلك وهم البشر.
نسأل الله العظيم أن يرحمنا برحمته.
стр. 1417
حكم صلاة الكسوف
قال المصنف ﵀: [تسن جماعة وفرادى إذا كسف أحد النيرين].
قوله: (تسن) أي: صلاة الكسوف، وقد دل على هذه السنة الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، قال الحافظ المنذري: روى حديث الكسوف عن رسول الله ﷺ تسعة عشر شخصاً من أصحابه ﵃ وأرضاهم، فممن روى حديث الكسوف عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وأم المؤمنين عائشة وأسماء وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبي بن كعب وسمرة بن جندب وقبيصة الهلالي ﵃، وأحاديثهم في الصحيحين وكذلك في السنن، وكلها وصفت صلاة النبي ﷺ في الكسوف.
وقد وقع الكسوف في عهد النبي ﷺ واختلف فيه: فبعض العلماء يقول: كسفت الشمس أكثر من مرة.
وقالوا: الأحاديث التي وردت اتفقت على مرة، وهي في يوم موت إبراهيم بن النبي ﷺ .
وورد عند الزبير بن بكار بسند تكلم بعض العلماء فيه أنه كان موته في السنة العاشرة من الهجرة، ووقع ذلك في اليوم العاشر من ربيع الثاني وقام بعض الفلكيين المتأخرين بحسابه وضبطه بالعاشر من شوال من السنة العاشرة، وهذا أمر يحتاج إلى نظر؛ لأنه من الصعوبة بمكان التوصل إلى مثل هذه الأمور، إلا أن حساب الكسوف أمر ممكن، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، والإمام ابن القيم وبسطا في ذلك بسطاً يحبب الرجوع إليه في (مجموع الفتاوى) و (مفتاح دار السعادة) بينا فيه أنه يقع الحساب، ويمكن للإنسان أن يعرف متى يقع الكسوف وعدد مراته إذا كان ضابطاً لحسابه، وليس هذا من علم النجوم، ولا يعد هذا من العلم المذموم؛ لأنه تابع لمنازل القمر، ويكون الاهتداء إلى وقت الكسوف راجع إلى الخبرة والمعرفة، فهو من الاهتداء بالعلامات والأمارات، وليس من باب التنجيم الذي ذم شرعاً، وإن كان اطلاع الناس على الكسوف والخسوف لا ينبغي؛ لأنه يحدث عندهم إلفاً لهذا الأمر، ويورث ضعفاً في خشية الله تعالى والخوف منه، بخلاف ما إذا فوجئوا، والعجب أنه قد يفعل هذا بعض الناس بقصد أن يذهب الخوف عن الناس، والله أراد أن يخوف عباده وهذا يريد أن يطمئنهم، والنبي ﷺ يقول عن كسوفهما: (يخوف الله بهما عباده)، ولذلك لا يجوز لأحد أن يخفف عن الناس، أو يقصد التخفيف عن الناس، أما إذا كان من باب الصنعة، أو من باب العلم والدراية بمواقيت الكسوف والإخبار عنها فهذا لا حرج فيه، والأفضل والأكمل أن لا يخبر الناس، حتى يكون أبلغ في زجرهم وعظتهم.
وقد اتُفق على وقوع الكسوف في يوم موت إبراهيم بن النبي ﷺ في الوقت الذي ذكرناه، وهناك رواية في السنن: (أن النبي ﷺ صلى الكسوف بمكة)، وتُكلِّم عليها وهي ضعيفة، والمحفوظ عن ابن عباس ﵄ أنه صلى الكسوف بالناس في مكة.
وقوله: [تسن].
من العلماء من قال: سنة واجبة، كما يقول بعض أئمة الحنفية، وبعض أهل الحديث، وذلك لقوله ﵊: (فصلوا وادعوا)، وظاهر الأمر الوجوب، ولأن الخروج من الخوف يكون بما يقابله مما هو أشبه في اللزوم، لا بما هو مندوب إليه.
وذهب جماهير أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أنها سنة، وإذا قام بها البعض فإنه لا إثم على الباقين.
وقوله ﵀: [تسن فرادى وجماعة]، أي: من السنة صلاة الكسوف، ولا بأس أن يصليها الإنسان لوحده ويصليها مع الجماعة.
ويستوي في ذلك أن يصليها في الحضر أو يصليها في السفر، فلو كنت مسافراً ورأيت خسوف القمر أو كسوف الشمس شرع لك أن تصلي، وعلى القول بأنها نافلة تصليها ولو على الدابة، بناءً على أن صلاة النافلة يجوز فعلها على الدابة، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: (كان النبي ﷺ يصلي على دابته إلا المكتوبة)، فيصلي الإنسان ولو كان في السفر، ولو صلى مع الجماعة فهو أفضل وأكمل لندائه ﵊: (الصلاة جامعة)، وكذلك يصلي بأهله، فلو أنه جمع أهله وصلى بهم شرع له ذلك، فلا حرج أن يصليها منفرداً ولا حرج أن يصليها في جماعة، سواء أوقعت جماعته مع الناس أم وقعت مع خاصته كأهله، أو كانوا رفقة في السفر فنزلوا وصلى بهم أحدهم فلا حرج في ذلك، ولكن إذا صلى لوحده لا يخطب عند من يقول بالخطبة، وسيأتي إن شاء الله بيان حكم الخطبة، وأن الصحيح أنها ليست بواجبة، وسنبين دليل عدم وجوبها إن شاء الله تعالى.
وقوله: [إذا كسف أحد النيرين] أي: يستوي في ذلك الشمس والقمر.
وهذا يدل على أن المصنف يميل إلى أن الكسوف يطلق على الشمس والقمر، وأنه لا حرج، ولذلك قال: (إذا كسف أحد النيرين) أي: إذا ذهب بعض أو كل ضوئه فإنه يسن أن تصلي، والسنة أن يكون ذلك عند بداية الكسوف، ولا ينتظر إلى تمامه وكماله، فإن الآية تكون من بداية الكسوف، فإذا رأى بداية الكسوف أو شعر ببداية الكسوف فإنه ينادي بقوله: الصلاة جامعة.
وإذا اجتمع الناس صلى بهم، ولا ينتظر تمام الكسوف أو اشتداده.
стр. 1418
صفة صلاة الكسوف
قال المصنف ﵀: [ركعتين].
مذهب جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم أن صلاة الكسوف ركعتان، ولكن الخلاف بينهم فيما يكون داخل الركعتين من الركوع: فمذهب الجمهور أنه يركع ركوعين في كل ركعة.
وذهب طائفة من أصحاب الإمام الشافعي، واختاره الإمام ابن حزم: إلى جواز أن يصلي في كل ركعة ثلاثة ركوعات.
وهناك قول ثالث: بأنه يصلي أربعة ركوعات.
وهناك قول رابع: بأنه يصلي خمسة ركوعات في الركعة الواحدة.
وهناك قول خامس: بأنه يصلي ركعتين، ولكن إذا طال وقت الكسوف زاد في عدد الركوعات، فيجعل الأصل أن يركع في كل ركعة ركوعين، وإذا رأى أن الكسوف مستمر وأنه لا زال يزيد ركوعاً ثالثاً.
فهذه هي أوجه أهل العلم رحمة الله عليهم.
وأصحها وأقواها سنداً ورواية الثابت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، فهذا هو الصحيح، والذي عليه جمهور العلماء والأئمة رحمة الله على الجميع.
والسنة أن ينادى لها بقول: (الصلاة جامعة)، وينادى لها عند ابتداء الكسوف، ولا يكون لها أذان، ولا يكون لها إقامة بإجماع العلماء، أي: لا يؤذن لها أذان المكتوبة ولا يقام لها إقامة المكتوبة، وإنما ينادى لها بهذا النداء، فيجتمع الناس عند وجود هذا النداء، فإذا اجتمعوا قام الإمام وكبر، كما ذكر المصنف ﵀.
стр. 1419
صفة القراءة في الركوع الأول من الركعة الأولى
قال المصنف ﵀: [يقرأ في الأولى جهراً بعد الفاتحة سورة طويلة].
أي: يبتدئ ويكبر، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يستعيذ، ثم يقرأ الفاتحة، ويطيل في القراءة بعد الفاتحة، والثابت عنه ﵊ أنه حزرت قراءته نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى، وهذا عند العلماء على وجهين: فمن أهل العلم من يقول: يقرأ بقدر سورة البقرة في الركعة الأولى.
ويرى ذلك من السنن المطردة، وأن من صلى ينبغي أن يراعي هذا القدر، وهذا يقوله بعض أصحاب الشافعي رحمة الله عليهم، وبعض أهل الحديث؛ لأن النبي ﷺ قصد الإطالة، حتى ولو كان الكسوف جزئياً، لأنك لو أطلت هذه الإطالة ربما انجلت الشمس قبل أن تتم، أو قبل أن تصلي بقية الصلاة، فعلى هذا الوجه تراعي التطويل على هذه الصورة، سواء أكان الكسوف مما يخشى أن يطول أم كان دون ذلك، وهذا القول أشبه بالمتابعة للسنة.
القول الثاني: أن هذا تقديري، فيقرأ نحواً من مائة آية من البقرة في الركعة الأولى.
ومنهم من يقول: الأمر راجع إلى الإمام، فإن كان الكسوف مما يكون فيه القدر طويلاً، ويغلب على الظن الإطالة أطال إلى البقرة، وإن كان دون ذلك قصر، وهذا يرجع إلى فقه الإمام وعلمه، وكذلك فطنته في الإطالة والتقصير على حسب من وراءه من المصلين.
والقراءة في خسوف القمر جهرية وجهاً واحداً عند العلماء رحمة الله عليهم، والخلاف في كسوف الشمس هل يجهر فيه بالقراءة، أو يسر؟ فظاهر حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في الصحيحين أن النبي ﷺ جهر بالقراءة، ونصت على ذلك ﵂ وأرضاها.
وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند العلماء رحمة الله عليهم، فأحاديث أثبتت أنه جهر، وأحاديث نفت الجهر وأثبتت أنها كانت سراً، فـ ابن عباس يقول: (نحواً من سورة البقرة)، وهذا يدل على أنه ما سمع قراءته، وأم المؤمنين عائشة تقول: جهر، ونصت على الجهرية، وكذلك اختلف العلماء: فمن العلماء من يقول: هي سرية، إعمالاً للأصل في أن تكون صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية، إلا ما استثني.
وقال بعض العلماء: بل هي جهرية.
وهذا القول من ناحية النصوص أقوى، ومن ناحية أصولية أقوى، فإن المثبت مقدم على النافي، مع أن ابن عباس ﵄ يحتمل أن يكون بعيداً في آخر الصفوف؛ لأن أم المؤمنين عائشة كانت أقرب الناس، وهي التي حكت قيامه لصلاة الكسوف، ولذلك يكون قربها بمكان، وعلمها بالقراءة أولى، ويظهر لها شأنه ﵊ أكثر من غيرها، ولذلك يقوى قول من قال بأنه يجهر.
ولكن إن أسر إعمالاً للأحاديث كحديث ابن عباس وحديث سمرة بن جندب رضي الله عن الجميع فإنه لا حرج عليه، لكن الأقوى من ناحية النصوص أنه يجهر.
وهناك جمع ثان للعلماء يقول: إن الكسوف تعدد في زمان النبي ﷺ ، فتارة جهر وتارة أسر، فيكون من خلاف التنوع لا من خلاف التضاد.
والذي عليه المحققون أن الكسوف وقع مرة واحدة في عهد النبي صلى عليه وسلم، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمة الله عليه، فالكسوف لم يتعدد.
وهناك وجه ثانٍ للجمع يقول: إنه يحتمل أن عائشة ﵂ قصدت بالجهر الإسماع، مثل ما فعل في صلاة الظهر، فإنه ربما كان يسمع بالآيات، فيظن أنه جهر، والواقع أنه لم يجهر ﵊.
ولكن الذي يظهر والله أعلم أن الحديث نص صريح واضح في إثبات جهريته صلوات الله وسلامه عليه بالصلاة.
стр. 1420
صفة الركوع الأول من الركعة الأولى
قال المصنف ﵀: [ثم يركع طويلاً].
أي: بعد انتهاء قراءته يركع طويلاً، وهذا أصح الوجهين عند العلماء رحمة الله عليهم، ويقول بعض العلماء: إنه يقارب القراءة، للسنة الواردة عن النبي ﷺ أنه كان ركوعه قريباً من قيامه، فيطيل في ركوعه حتى يقارب القيام، أو يكون دون ذلك.
قوله: [ثم يرفع].
أي: ثم يرفع من الركوع، وهذا الركوع هو الذي تدرك به الركعة الأولى، فمن أدرك هذا الركوع فإن صلاته تامة، ولو جاء بعد رفع الإمام من هذا الركوع وأدرك الركوع الثاني فإنه يلزمه قضاء ركعة كاملة بركوعين، فهذا الركوع الأول هو الذي تدرك به الركعة الأولى؛ لأنها ركعتان، وبناء على ذلك فإن العبرة بالركعة الأولى وركوع الركعة الأولى، فإن أدرك الإمام قبل أن يرفع من ركوعه الأول من الركعة الأولى فإنه يعتبر مدركاً للصلاة كاملة، أما لو رفع الإمام وأدركه في الرفع، أو أدركه في الركوع الثاني من الركعة الأولى، فإنه يلزمه قضاء ركعة كاملة، وتكون بركوعين على نفس الصفة التي فاتته.
стр. 1421
صفة القراءة والركوع في الركوع الثاني من الركعة الأولى
قال المصنف ﵀: [ثم يرفع ويسمع ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى].
أي: ثم يرفع بعد الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
ثم بعد ذلك يقرأ ثانية، واختلف العلماء: فقال بعضهم: يستفتح بالتعوذ، ثم بعد ذلك يشرع في القراءة.
وقال بعضهم: يشرع في القراءة مباشرة لأنه اتصال، والفصل في الركوع لا يضر، وهذا مفرع على مسألة الفصل بالركوع والسجود هل هو فصل فتشرع الاستعاذة، أو ليس بفصل فلا تشرع الاستعاذة؟ والصحيح أنه تشرع الاستعاذة، فيستعيذ لظاهر قوله : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨]، فيشرع له أن يستعيذ عند ابتداء قراءته بعد رفعه من الركوع الأول من الركعة الأولى.
قوله: (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون السورة الأولى)، هذا هو هديه ﵊، فقد كان يخفف ما يلي عما قبله، ولذلك تجد النفوس أقوى في الأولى، وتقوى على الركوع الأول وعلى القيام الأول أكثر من قدرتها على ما بعده، وهذا من كمال هديه ﵊، وكذلك حسن فقهه وإمامته بالناس صلوات الله وسلامه عليه، فإن النفوس تضعف وتدركها سآمة العبادة، ولذلك جعل صدرها وأولها أشق وأطول، حتى يكون ما بعدها أخف، فترتاح النفوس، وتقوى على هذه الإطالة ولا تملها.
فبناء على هذا يشرع للإمام أن يحزر السور، وأن يحزر الآيات التي يريد قراءتها، فليست العبرة بعدد الآيات وقصر الفصل، ولكن العبرة بسلاسة القراءة؛ فإنه ربما تكون الآيات طويلة ولكنها سهلة سلسلة في قراءته، بحيث يمكنه أن يقرأها في أقصر وقت أكثر من غيرها؛ لأن هذا يرجع إلى الحروف وإلى الكلمات ومخارجها وصعوبة قراءتها، فلذلك يختار من المقاطع ويرتبها حتى يكون ذلك أدعى لإصابته للسنة الواردة عن النبي ﷺ ، فيكون قيامه الثاني دون قيامه الأول.
قال المصنف ﵀: [ثم يركع فيطيل وهو دون الأول].
هذا هو الركوع الثاني من الركعة الأولى، ولكنه دون الركوع الأول، والصحيح أن هذين الركوعين يشرع فيهما الإطالة، خلافاً لمن قال من أصحاب الإمام الشافعي رحمة الله على الجميع: إنه لا يشرع أن يطيل.
والسنة تدل على الإطالة فيه، ففي الحديث: (فأطال)، وفي رواية: (ركع فلم يكد يرفع) من طول ركوعه ﵊، وهذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
فعلى العموم فإن السنة أن يطيل في ركوعه الثاني، ولكن يكون دون الركوع الأول.
قال رحمه الله تعالى: [ثم يرفع].
يرفع من ركوعه الثاني في الركعة الأولى، ثم إذا رفع لا يطوّل، فإذا رفع من الركوع الثاني من الركعة الأولى يكون قيامه كالمعتاد، فيقول مثلاً: (ربنا ولك الحمد)، وإن شاء أن يصيب السنة قال: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ... ) إلى آخر هذا الدعاء، أو يقول: (حمداً كثيراً طيباً، مباركاً فيه)، ثم يسجد.
стр. 1422
صفة السجود في الركعة الأولى
قال المصنف ﵀: [ثم يسجد سجدتين طويلتين].
هاتان السجدتان تابعتان للركعة الأولى، وهاتان السجدتان يشرع فيهما الإطالة كالركوع، وذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم إلى أنه يخفف السجدتين.
والصحيح أنه يطوّل السجدتين، وتكون على الصفة التي تقدمت، فيطيل السجود الأول ويخفف السجود الثاني للهدي الذي ذكرناه عن النبي ﷺ في تقصيره فيما يكون مرتباً على الولاء؛ حتى يكون ذلك أدعى لدفع السآمة عن الناس والملل من طول العبادة.
وأما مشروعية التطويل بين السجدتين ففيه وجهان للعلماء: فمن أهل العلم من قال: لا يطول، بل يقتصر على المعتاد، فيقول الأذكار: (اللهم اهدني وارحمني وعافني وارفعني وانفعني واجبرني ... ) إلى آخر الدعاء المعروف.
ومنهم من يقول: بل يطوّل ويكثر من ذكر الله ، وقد جاء حديث عبد الله بن عمرو ﵄ وأرضاهما: (أن النبي ﷺ أطال بين السجدتين)، ولكن هذه الرواية في السنن فيها عطاء بن السائب، وفيه كلام، ولذلك يقول بعض العلماء: إنه لا يطيل فيهما.
وإن كان الذي صححه غير واحد من الأئمة أنه يشرع له أن يطوّل ويثني على الله بما هو أهله.
стр. 1423
صفة الركعة الثانية مع التشهد والتسليم من صلاة الكسوف
قال المصنف ﵀: [ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعل ثم يتشهد ويسلم].
قوله: (ثم يصلي الثانية كالأولى) أي: كصفة الأولى، وقوله: (ولكن دونها في كلٍّ) في الطول، فيكون قيامه الأول من الركعة الثانية دون قيامه الأول من الركعة الأولى، ويكون قيامه الثاني من الركعة الثانية دون قيامه الثاني من الركعة الأولى، فهذا هو الهدي الوارد عنه ﵊ في صفة صلاته في الكسوف، وهو ثابت في حديث أم المؤمنين عائشة، وحديث عبد الله بن عباس وغيرهما رضي الله عن الجميع.
قوله: [ثم يتشهد ويسلم].
في صفة التشهد عند زوال الكسوف خلاف بين العلماء: فقال بعض العلماء: إن كانت الشمس قد تجلت وانكشفت فإنه يخفف التشهد؛ لأنه زال السبب والموجب فيخففه.
وقال بعض العلماء: يتشهد على ما هو معتاد له ولا يتجوّز.
стр. 1424
تأثر طول الصلاة وقصرها بانجلاء الكسوف
قال المصنف ﵀: [فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة].
إذا تجلت أثناء الركعة الثانية، أو بعد قيامه من الركوع الأول من الركعة الثانية فللعلماء في تتمة صلاته حينئذٍ وجهان: فمنهم من يقول: إن العبرة بالابتداء، ويتم الصلاة على الصفة الواردة عن النبي ﷺ ولا يخفف.
ومنهم من يقول: بل يخفف؛ لأن النبي ﷺ قال: (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، فلما قال: (حتى ينكشف ما بكم) دلّ على أن الصلاة ينبغي أن تتأقت بالانكشاف، وعلى هذا فالوجه الثاني هو الأقوى، فيخفف إذا تجلت الشمس وتبين أن الكسوف أو الخسوف قد زال، فإنه حينئذٍ يخفف ما بقي من الركعات والسجدات ويصلي كصلاته المعتادة، وهذا هو اختيار جمع من العلماء -كما ذكرنا- لظاهر قوله ﵊: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).
стр. 1425
اشتراك الشمس والقمر في صفة الصلاة
ذكرنا صفة صلاة الكسوف، وهذه الصفة هي مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث رحمة الله على الجميع، فصلاة الكسوف تصلى على هذه الصفة الواردة في الأحاديث الصحيحة، وهي أحاديث من سمينا من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم.
وذهب الإمام أبو حنيفة وبعض المالكية إلى أنه يصلي ركعتين كالصلاة المعتادة، ولا تكون لها جماعة، بمعنى أنه يصلي ركعتين دون أن يجمّع، وهذا في صلاة خسوف القمر، فكل إنسان يصلي على حدة، ولا يلزم أن يجتمع الناس، فهذا هو مذهبهم.
والصحيح مذهب من ذكرنا، فيشرع أن يصليها مع الجماعة، وتصلى بهذه الصفة الواردة، ويشمل ذلك صلاة الكسوف وصلاة الخسوف لثبوت السنة عن النبي ﷺ بذلك.
أما صلاة الخسوف فلأن النبي ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم هذا فصلوا وادعوا)، فشرّك بين الكسوف والخسوف، فجعل كسوف الشمس وكسوف القمر كلاهما يشتركان في قوله: (فصلوا)، فدل على أن حكمهما واحد، وأنه كما يصلى الكسوف بالصفة التي ذكرناها جماعة يشرع له أن يصلي الخسوف بالصفة التي ذكرناها جماعة، ولذلك يعتبر مذهب الحنفية وبعض المالكية رحمة الله عليهم مرجوحاً من هذا الوجه.
стр. 1426
الأحوال التي لا تشرع فيها صلاة الكسوف
قال رحمه الله تعالى: [وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت والقمر خاسف، أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل].
في مثل هذه الحالات قال الإمام النووي وغيره من الأئمة رحمة الله عليهم: لا يصلي؛ لأنها إذا غابت يكون قد ذهب سلطانها.
والسنة تقوي هذا القول؛ فإن النبي ﷺ يقول: (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، وإذا غابت فقد ذهب سلطانها، وكذلك أيضاً إذا طلعت الشمس والقمر قد خسف فلا تصلى صلاة الخسوف، والعبرة بالشمس لا بالقمر.
قال رحمه الله تعالى: [أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل].
قوله: (أو كانت) أي: وقعت وحصلت، وقوله: (آية غير الزلزلة) الآيات مثل الصواعق والرياح الشديدة والزلازل، فإنها تنتاب الناس فجأة، فتارة تهب عليهم الرياح وهم لا يشعرون، أو تأتيهم الصواعق في أثناء نزول المطر فيباغتون بها، فإذا وقعت بشكل يزعج منه ويخاف منه يفر إلى الصلاة، وللعلماء رحمة الله عليهم في الصلاة عند الآيات غير الكسوف وجهان: فمن أهل العلم من يقول: يشرع أن يصلي صلاة الكسوف في كل آية فيها خوف؛ لأن النبي ﷺ قال: (يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا)، فجعل الصلاة مرتبة على الخوف، قالوا: فكل شيء فيه خوف يشرع أن يصلى له صلاة الكسوف، كما لو كثرت الصواعق، أو أصبحت الرعود قوية جداً بحيث تزعج وتحدث الرهبة والخوف عند الناس، أو كانت في منتصف الليل والناس على ضجعة فجاءتهم على شكل مفزع، فحينئذٍ يشرع أن يصلوا صلاة الكسوف.
ويختار هذا القول بعض الأئمة، ويميل إليه الإمام ابن حزم الظاهري رحمة الله على الجميع.
ومن أهل العلم من قال: لا يشرع أن تصلى صلاة الكسوف إلا فيما ورد فيه النص من كسوف الشمس وخسوف القمر، أما كسوف الشمس فلفعله ﵊، وأما خسوف القمر فلقوله: (فإذا رأيتم هذا فصلوا وادعوا)، فشرّك بينهما.
والصحيح أن هذه الصلاة لا تشرع إلا في الكسوف والخسوف، والزلزلة لا يصلى فيها؛ لأن الأثر عن علي ﵁ ضعيف، فالقول بجواز الصلاة للزلزلة ضعيف، إلا أنه يجوز أن يصلي الناس صلاة عامة؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة أنه: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، فلو أن الرعود أو الصواعق أصابت الناس أو حدثت الزلزلة فكل إنسان يصلي ويفزع إلى الله بالصلاة.
стр. 1427
الأمور المشروعة مع الصلاة عند الكسوف والخسوف
وكما تشرع الصلاة عند الكسوف والخسوف فهناك أمور أخرى تشرع أيضاً، فيشرع للإنسان إذا وقع الكسوف أن يكثر من الصدقات؛ لأن النبي ﷺ قال: (فصلوا وادعوا) -وفي رواية: (وتصدقوا-)، ولأن الصدقة تطفئ غضب الرب، ففي الصحيح عنه ﵊ أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار)، فإذا كانت الصدقة تطفئ غضب الرب، وحدوث هذه الآيات بهذه الصفة من غضب الله على عباده بسبب الذنوب وما يكون من المعاصي، فيشرع أن يتصدق الناس لكي يكون ذلك سبباً في رحمة الله بهم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣]، فقوله تعالى: (فلولا) أي: فهلا.
فهي بمثابة الحث، أي: فهلا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا.
فالمشروع أن يتضرع الإنسان إلى الله ويتقرب إليه بالصدقة، ولذلك نص بعض أهل العلم رحمة الله عليهم على أنه لا حرج إذا نزلت بالإنسان مصيبة أو ملمة أو كربة أن يتصدق، فإن هذا مشروع لقوله ﵊: (فصلوا وادعوا وتصدقوا)، وقوله في الصحيح: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب)، ولما كانت المصائب من غضب الله على العبد، أو من وجود الذنوب من العبد فإنه يشرع أن يطفئ غضب الله عليه وسخطه ومقته بالصدقة، وهذا من أفضل ما يرجى، وقد يتصدق على أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، فيكون سبباً في رحمة الله به.
فيشرع أن يتصدق عند حصول مثل هذه الكوارث والمصائب، ولا يعتبر هذا من النفاق، فبعض العوام يظن أنه إذا نزل البلاء لا يتقرب بكثرة الصلاة، حتى إن بعضهم ربما يتعجب، أو يأخذه العجب إذا رأى بعض الأخيار يكثر من الخير، أو رأى بعض الأشرار إذا نزلت به المصيبة يتنفل أو يتقرب أو يغير من حالته، ويقول: هذا نفاق.
فوهذا خطأ، بل يشرع للإنسان إذا رأى هذه الآيات أن يظهر الذلة لله ، وأن يخشى من عذاب الله ومقته، فإنه من قسوة القلوب -نسأل الله السلامة والعافية- أن يبقى الإنسان على غيّه وفجوره مع رؤيته للعذاب، وهذا من الختم على القلوب، ونعوذ بالله أن يختم على قلوبنا، فلذلك يشرع للإنسان أن يبادر بالتوبة.
ولما أراد الله أن يعذّب قرية يونس، ورأوا آثار وعلامات العذاب، وقد أنظرهم ﵊، فلما رأوا دلائل العذاب فزعوا إلى الله ، وخرج الرجال والنساء والأطفال، وخرجت معهم بهائمهم، وتضرعوا إلى الله وبكوا حتى رفع الله عنهم العذاب، وكانت القرية التي استثناها الله بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]، فإنهم لما أظهروا لله الذلة والخوف والفاقة، وخرجوا رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، وهم يبكون ويتضرعون ﵏ ونظر إليهم فلطف بهم، فالإنسان إذا أظهر لله الذلة والفاقة واسترحم الله فإن الله يرحمه.
فالمشروع في مثل هذه الآيات، كالكواعق والرعود التي تزعج وتقلق ويكون فيها شيء من الإعلام وتنبيه الناس أن يتوضأ الإنسان ويصلي، لما ثبت في الصحيح عنه ﵊ أنه: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، وهذا أمر من الأمور، وكذلك في الزلازل فإنه يشرع أن يتوضأ الإنسان ويصلي، وأن يسترحم الله ، فإذا اقتضت إرادة الله أن يهلك العامة أتاه العذاب وهو تائب إلى الله قبل أن تنزل به نقمته، ولذلك يشرع للإنسان أن يستكثر من خصال الخير، وظاهر السنة التنويع.
وبعض العلماء يقول: يجمع بين هذه، فيصلي ويتصدق ويدعو.
وقال بعض العلماء: إن هذا يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يكون فقيراً ليس عنده مال ففضله في الدعاء؛ لأن دعاء الفقير أرجى في الإجابة لقوله ﵊: (رب أشعث أغبر ذي طمرين ... ) الحديث؛ لأن الفقير لا تكون منه مظالم في الغالب، وهو أقل كبراً، فرحمة الله أقرب إليه، بخلاف الأغنياء، قالوا: فالأغنياء ينبغي عليهم أن يستكثروا من الصدقات؛ لأن أكثر غضب الله عليهم كان بسبب ظلمهم في أموالهم، فيشرع للأغنياء أن يتصدقوا، وللفقراء أن يستكثروا من الدعاء، وللناس عامة أن يصلوا، فهذا اختيار بعض العلماء.
والصحيح أن الأمر للتنويع للجميع، فمن شاء أن يتصدق ولو كان فقيراً فإنه خير وبر، ومن شاء أن يدعو ولو كان فقيراً أو غنياً فإنه خير وبر.
стр. 1428
حكم الزيادة على الركوعين في كل ركعة من صلاة الكسوف
قال المصنف ﵀: [وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز].
هذا اختيار بعض العلماء، فمنهم من يقول: الاختلاف اختلاف تنوّع، فإن شئت صليت ركعتين بثلاثة ركوعات، وإن شئت بأربعة، وإن شئت بخمسة، فلا حرج عليك في هذا.
فيرونه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
واختار المصنف ﵀ هذا القول؛ لأن الروايات وردت بذلك، والصحيح أن الروايات الصحيحة أن يركع ركوعين في كل ركعة، فيكون المجموع أربعة ركوعات في ركعتين، وأما رواية الثلاث -وهي في صحيح مسلم- ففيها كلام للعلماء رحمة الله عليهم، وكذلك رواية الخمس والست لم تخلوا من كلام عند أهل العلم ﵏.
стр. 1429
الأسئلة
стр. 1430
المشروع بعد انتهاء الصلاة وعدم انجلاء الكسوف
السؤال
إذا انتهت الصلاة ولم ينجل الكسوف، فهل يبقى في مصلاه ويذكر الله، أم يصلي مرة أخرى؟
الجواب
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالمشروع هو صلاة واحدة؛ لأن هذا هو هديه ﵊، وأما إذا لم ينجل فإنه يستكثر من الاستغفار، ولا حرج أن يصلي الصلوات العامة التي هي النفل المطلق تقرباً إلى الله .
والله تعالى أعلم.
стр. 1431
موضع الدعاء المشروع عند حدوث الكسوف
السؤال
هل الدعاء الذي حث عليه النبي ﷺ بقوله: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) يكون في أثناء الصلاة، أم خارج الصلاة؟ وأين يكون مكانه في الصلاة إذا كان في أثنائها؟
الجواب
يشرع الدعاء داخل الصلاة وخارج الصلاة، أما داخل الصلاة فإنه أولى وأحرى؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً)، وقال في السجود: (فليكثر من الدعاء فقمن أن يستجاب له) أي: حري أن يستجاب للعبد وهو ساجد.
وفي الصحيح عنه ﵊ ف يحديث الشفاعة: (فانطلق فآتي تحت العرش فأخر ساجداً بين يدي الله ، ويفتح الله علي بمحامد يلهمنيها -أي: ساعتئذ- قال: ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، فالسجود من أعظم المقامات وأشرفها، فيقتصر على الدعاء والاستغفار والاسترحام وسؤال الله العفو في مثل هذا المقام فهو أفضل مواضع الدعاء، وكذلك أيضاً في تشهده إذا لم تنجل فإنه يستكثر من الدعاء وسؤال الله الرحمة واللطف.
والله أعلم.
стр. 1432
حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي
السؤال
هل تصلى صلاة الكسوف في أوقات النهي؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، فعلى القول بأنه يشرع فعل ذوات الأسباب بعد صلاة الصبح والعصر فإنه يشرع حينئذٍ أن تصلى، وأما على القول بالمنع من ذلك فإنه لا يشرع فعلها، والله تعالى أعلم.
стр. 1433
الكسوف آية يخوف الله بها عباده، وهي مسألة حسابية فلكية
السؤال
كيف نوفق بين كون الكسوف من آيات التخويف، وبين ما تقرر عند أهل الفلك والحساب من كونه يقع عند وجود القمر بين الشمس والأرض؟
الجواب
لا مانع من هذا إذا كان هذا الأمر يوافق الزمان الذي فيه فساد، فيكون الزمان الذي وقع فيه الكسوف قد ووقع فيه فساد الناس وبعدهم عن الله ، فعلمهم بميقاته لا يمنع أن يكون موافقاً لما عليه الناس من البعد عن الله وعصيانه والتمرد على أوامره، ولذلك لا يعتبر علمهم رافعاً لكونه آية من آيات الله ، كما لو أن إنساناً قال له الأطباء: إن استمررت على حالتك سيصيبك مرض معين يترتب على تساهلك في علاج هذا البلاء الذي نزل بك، وهذا المرض سينتهي بك إلى الموت.
وكان هذا الرجل مسرفاً بعيداً عن الله في عصيان وتمرد، فلا يمتنع لو مات بهذا المرض أن نقول: مات بهذا المرض عقوبة من الله ، إذا كان هذا المرض مما يكون من جنس العقوبات، ووافق أن الأطباء يعلمونه بأسبابه وأماراته، فكونهم يعلمون بأسباب الشيء وأماراته لا يمنع أن يكون آية من آيات الله ، فالله سبحانه ألهمهم وعلمهم وما كانوا ليعلموا.
والله تعالى أعلم.
стр. 1434
حكم صلاة الكسوف لمن سمع به في أرض ولم يكن ببلده
السؤال
لو علم الكسوف في ناحية من الكرة الأرضية، فهل تسن الصلاة لكل من على الأرض، أم هي لمن يرى الكسوف؟
الجواب
صلاة الكسوف لا يشرع إلا لمن رآه؛ لقوله ﵊: (فإذا رأيتم ذلك)، ولذلك لا يشرع أن تصلى صلاة الكسوف في المواضع التي لا يرى فيها الكسوف، والسبب في هذا أن القمر إذا كان بين الأرض وبين الشمس يحدث كسوفاً للشمس في مواضع دون مواضع؛ لأن القمر لا يصل جرمه إلى جرم الشمس، ولذلك لا تنكسف في جميع الأرض لوجود الفرق بين حجم القمر وحجم الشمس، وقد قرر هذا شيخ الإسلام، والإمام ابن القيم رحمهما الله وقرره أيضاً علماء الفلك والباحثين فيه.
فعلى هذا يكون الكسوف في بعض المواضع دون بعضها، فإذا كان الموضع الذي فيه المكلف فيه كسوف صلى، وأما إذا كان في موضع ليس فيه كسوف فلا يشرع له أن يصلي؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم ذلك)، فجعل الحكم معلقاً على الرؤية، فالمواضع التي لا يرى فيها الكسوف لا تشرع فيها صلاة الكسوف.
والله تعالى أعلم.
стр. 1435
حكم المناداة بالصلاة عند حدوث الكوارث من زلازل وصواعق
السؤال
الصلاة في وقت الزلازل والصواعق هل تشرع جماعة؟ وإذا كان كذلك فهل ينادى لها؟
الجواب
ذكرنا أن هذه الآيات لا يشرع لها أن تصلى جماعة كما يصلى لصلاة الخسوف والكسوف لعدم ثبوت السنة عن النبي ﷺ بهذا، ومن أقوى الأدلة على أن الآيات لا يشرع فيها صلاة كصلاة الكسوف والخسوف أن النبي ﷺ وقعت في زمانه الرياح، ووقع في زمانه ما وقع من هذه الآيات، ومع ذلك لم يصل ﵊، فدل على اختصاص الأمر بالكسوف والخسوف، والسياق في قوله ﵊: (إن الشمس والقمر ... ) إلخ، يقتضي التخصيص بخسوف القمر وكسوف الشمس دون غيرهما من الآيات الأخرى، فيشرع أن يسأل الله ويدعو ويتصدق ويستغفر.
والله تعالى أعلم.
стр. 1436
حكم القراءة من المصحف للإمام في صلاة الكسوف
السؤال
هل للإمام الذي لا يحفظ القرآن أن يقرأ من المصحف نظراً؟
الجواب
الإمام الذي لا يحفظ القرآن يشرع له أن يصلي بالناس وهو ممسك بالمصحف في صلاة الكسوف والخسوف؛ لأنها تحتاج إلى طول قراءة، وهذه الصلاة لا تعتبر من الفرائض كالصلوات المكتوبة، وإذا لم تكن من الفرائض فإنه يجوز أن يحمل القرآن ويقرأ، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت تأمر مولاها ذكوان أن يأخذ المصحف ويقرأ بها في القيام.
فدل على مشروعية حمل المصاحف في صلاة النافلة، خاصة إذا كان الإنسان لا يحفظ القرآن، وعلى هذا فلا حرج في صلاة الكسوف والخسوف أن يصلي وهو ممسك بالقرآن، لكن إن وجد من هو حافظ للقرآن قدّمه، وهو أولى منه لعموم قوله ﵊: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
والله تعالى أعلم.
стр. 1437
حكم رفع الصوت بالقراءة في الصلاة السرية
السؤال
جاء في الحديث: (كان يسمعنا الآية أحياناً) وذلك في صلاة النبي ﷺ في السرية، فهل هذا خاص بالإمام، أم يجوز للمأمومين أيضاً؟
الجواب
هذه السنة من فعلها يتأوّل ما ورد عن النبي ﷺ فلا حرج، وإن كان الأقوى أنه خاص به ﵊ لنكتة نبه عليها بعض العلماء، فيقولون: إنه في صلاة الظهر أطال، والطول قد يشعر المأمومين أن الإمام ربما سها، فإذا كان يسمع الآيات في أثناء وقوفه فإن هذا ينفي عنه مظنة السهو، ولذلك تكون سنة تشريعية لمن وراءه، أو لمن هو غيره من الأئمة إلى يوم الدين.
قال بعض العلماء: تختص بالإمام، وأما غيره فلا؛ لأن غيره إذا جهر آذى من بجواره، ولذلك لا يشرع له أن يجهر حتى لا يؤذي من بجواره ويشوش عليه في القراءة، وقد نهى النبي ﷺ عن هذا.
وقالوا: كونه يصيب السنة بالجهر -مع أنها سنة محتملة- ويؤذي غيره برفع الصوت، فإن الأولى أن يتركه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1438
حكم إزالة شعر الشارب عند المرأة
السؤال
هل يجوز حلق أو إزالة الشعر الموجود في وجه المرأة، علماً بأنه يوجد في مكان الشارب واللحية؟
الجواب
يجوز للمرأة أن تزيل شعر شاربها، وكذلك ما نبت على اللحي، وذلك لمكان التشبه بالرجال وعظيم الضرر في ذلك، ونص الأئمة ﵏ على مشروعية ذلك وجوازه، وأنه مستثنى من النمص المنهي عنه، فالنمص يختص بالوجه ولكنه لا يشمل لحية المرأة وشاربها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1439
موضع الاعتكاف لمن نذرت أن تعتكف أسبوعاً
السؤال
امرأة نذرت الاعتكاف لمدة أسبوع، ولا تدري هل تعتكف في المسجد أم في البيت لكون مصلاها في بيتها؟
الجواب
إذا نذرت المرأة الاعتكاف وحددت المكان الذي تعتكف فيه، فإنها تعتكف في المكان الذي حددته؛ لأنه نذر واجب مخصوص بالمكان لا تبرأ الذمة إلا بفعله وإيقاعه في المكان المخصص، ويستثنى من ذلك أن تنتقل من الأدنى إلى الأعلى، كأن تنوي الاعتكاف في المسجد الأقصى فيجوز لها أن تعتكف في مسجد النبي ﷺ ويجزيها، وكذلك لو نوت الاعتكاف في أحد المسجدين ما عدا المسجد الحرام، أو في غير المسجد الحرام من المساجد الأخرى فإنه يجزيها أن تعتكف في المسجد الحرام؛ لأنها تحصّل فضيلة ذلك المسجد وغيره من المساجد، وظاهر السنة دال على ذلك، فإنه لما أخبر أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ أنه نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى أمره أن يعتكف في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.
ولا يجزيها أن تعتكف في بيتها إذا نوت مسجدا ًغير بيتها، بل يلزمها أن تخرج إلى ذلك المسجد وتعتكف فيه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1440
حكم إزالة شعر الحاجبين إذا طال وكان مؤذياً
السؤال
هل يجوز لكبير السن أن يزيل ما تدلى من حاجبيه إذا كان يؤذي عينيه؟
الجواب
الشعر الذي يتساقط على العين فيؤذي صاحبه، إن كان يتدلى على العين فيجرح حدقتها، فإنه يشرع له وجهاً واحداً أن يقص الأطراف المتدلية ويزيلها، وكذلك الحال لو تدلى حتى حجب الرؤية، فقد قال بعض العلماء: يرخص له إذا سقط حاجباه حتى منعاه الرؤية أن يقص ما تدلى منهما، كالشيخ الهرم الذي يحتاج إلى انكشاف بصره ليرى، فإنه حينئذٍ يجوز له أن يزيل بقدر حاجته، فهذا مما استثناه الأئمة رحمة الله عليهم في مسألة إزالة شعر الحاجب والتخفيف منه.
والله تعالى أعلم.
следующие страницы →