Полный текст (7 030 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
حكم القراءة من المصحف للإمام في صلاة الكسوف
السؤال
هل للإمام الذي لا يحفظ القرآن أن يقرأ من المصحف نظراً؟
الجواب
الإمام الذي لا يحفظ القرآن يشرع له أن يصلي بالناس وهو ممسك بالمصحف في صلاة الكسوف والخسوف؛ لأنها تحتاج إلى طول قراءة، وهذه الصلاة لا تعتبر من الفرائض كالصلوات المكتوبة، وإذا لم تكن من الفرائض فإنه يجوز أن يحمل القرآن ويقرأ، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت تأمر مولاها ذكوان أن يأخذ المصحف ويقرأ بها في القيام.
فدل على مشروعية حمل المصاحف في صلاة النافلة، خاصة إذا كان الإنسان لا يحفظ القرآن، وعلى هذا فلا حرج في صلاة الكسوف والخسوف أن يصلي وهو ممسك بالقرآن، لكن إن وجد من هو حافظ للقرآن قدّمه، وهو أولى منه لعموم قوله ﵊: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
والله تعالى أعلم.
стр. 1437
حكم رفع الصوت بالقراءة في الصلاة السرية
السؤال
جاء في الحديث: (كان يسمعنا الآية أحياناً) وذلك في صلاة النبي ﷺ في السرية، فهل هذا خاص بالإمام، أم يجوز للمأمومين أيضاً؟
الجواب
هذه السنة من فعلها يتأوّل ما ورد عن النبي ﷺ فلا حرج، وإن كان الأقوى أنه خاص به ﵊ لنكتة نبه عليها بعض العلماء، فيقولون: إنه في صلاة الظهر أطال، والطول قد يشعر المأمومين أن الإمام ربما سها، فإذا كان يسمع الآيات في أثناء وقوفه فإن هذا ينفي عنه مظنة السهو، ولذلك تكون سنة تشريعية لمن وراءه، أو لمن هو غيره من الأئمة إلى يوم الدين.
قال بعض العلماء: تختص بالإمام، وأما غيره فلا؛ لأن غيره إذا جهر آذى من بجواره، ولذلك لا يشرع له أن يجهر حتى لا يؤذي من بجواره ويشوش عليه في القراءة، وقد نهى النبي ﷺ عن هذا.
وقالوا: كونه يصيب السنة بالجهر -مع أنها سنة محتملة- ويؤذي غيره برفع الصوت، فإن الأولى أن يتركه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1438
حكم إزالة شعر الشارب عند المرأة
السؤال
هل يجوز حلق أو إزالة الشعر الموجود في وجه المرأة، علماً بأنه يوجد في مكان الشارب واللحية؟
الجواب
يجوز للمرأة أن تزيل شعر شاربها، وكذلك ما نبت على اللحي، وذلك لمكان التشبه بالرجال وعظيم الضرر في ذلك، ونص الأئمة ﵏ على مشروعية ذلك وجوازه، وأنه مستثنى من النمص المنهي عنه، فالنمص يختص بالوجه ولكنه لا يشمل لحية المرأة وشاربها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1439
موضع الاعتكاف لمن نذرت أن تعتكف أسبوعاً
السؤال
امرأة نذرت الاعتكاف لمدة أسبوع، ولا تدري هل تعتكف في المسجد أم في البيت لكون مصلاها في بيتها؟
الجواب
إذا نذرت المرأة الاعتكاف وحددت المكان الذي تعتكف فيه، فإنها تعتكف في المكان الذي حددته؛ لأنه نذر واجب مخصوص بالمكان لا تبرأ الذمة إلا بفعله وإيقاعه في المكان المخصص، ويستثنى من ذلك أن تنتقل من الأدنى إلى الأعلى، كأن تنوي الاعتكاف في المسجد الأقصى فيجوز لها أن تعتكف في مسجد النبي ﷺ ويجزيها، وكذلك لو نوت الاعتكاف في أحد المسجدين ما عدا المسجد الحرام، أو في غير المسجد الحرام من المساجد الأخرى فإنه يجزيها أن تعتكف في المسجد الحرام؛ لأنها تحصّل فضيلة ذلك المسجد وغيره من المساجد، وظاهر السنة دال على ذلك، فإنه لما أخبر أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ أنه نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى أمره أن يعتكف في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.
ولا يجزيها أن تعتكف في بيتها إذا نوت مسجدا ًغير بيتها، بل يلزمها أن تخرج إلى ذلك المسجد وتعتكف فيه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1440
حكم إزالة شعر الحاجبين إذا طال وكان مؤذياً
السؤال
هل يجوز لكبير السن أن يزيل ما تدلى من حاجبيه إذا كان يؤذي عينيه؟
الجواب
الشعر الذي يتساقط على العين فيؤذي صاحبه، إن كان يتدلى على العين فيجرح حدقتها، فإنه يشرع له وجهاً واحداً أن يقص الأطراف المتدلية ويزيلها، وكذلك الحال لو تدلى حتى حجب الرؤية، فقد قال بعض العلماء: يرخص له إذا سقط حاجباه حتى منعاه الرؤية أن يقص ما تدلى منهما، كالشيخ الهرم الذي يحتاج إلى انكشاف بصره ليرى، فإنه حينئذٍ يجوز له أن يزيل بقدر حاجته، فهذا مما استثناه الأئمة رحمة الله عليهم في مسألة إزالة شعر الحاجب والتخفيف منه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1441
كيفية إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام
السؤال
إذا أدركت الركعة الأولى مع الإمام فهل أكون قد أدركت فضل تكبيرة الإحرام؟
الجواب
حديث الفضل في تكبيرة الإحرام الذي جاء فيه: (من صلى أربعين يوماً لا تفوته تكبيرة الإحرام مع إمامه كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، حسنه غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم، ويشترط لنيل هذا الفضل أن يدرك تكبيرة الإحرام مع إمامه، فإذا كان في حي أدرك ذلك في مسجد الحي، وإذا كان مع إمامه الذي صلى معه جماعة -كأن يكون في سفر- فالعبرة بجماعة من سافر معهم.
وأما الضابط في إدراك تكبيرة الإحرام، فالصحيح أن الضابط هو أن يدركها قبل أن يبدأ بقراءة الفاتحة، فإذا كبّر الإمام وأدركت التكبيرة قبل أن يبدأ الإمام بقراءة الفاتحة فأنت مدرك لفضل هذه التكبيرة.
فإذا كانت الصلاة سرية كصلاة الظهر والعصر، فإنهم قالوا: يقدر الزمان، فإن قدر زمناً يقرأ فيه الإمام بدعاء الاستفتاح فإنه حينئذٍ إذا وقع تكبيره في ذلك الزمان أدرك وإلا فلا.
والله تعالى أعلم.
стр. 1442
محرمية الرجل لحليلة ولده مؤبدة
السؤال
إذا طلق الزوج زوجته فهل يجوز لوالده أن يقابلها، أي: هل المحرمية التي ذكرت في الآية مؤبدة أم مؤقتة؟
الجواب
والد الزوج محرم لزوجة ابنه، وحرمتها عليه حرمة مؤبدة، فمتى ما عقد الابن على امرأة فإنها تعتبر حراماً على أبيه إلى الأبد، سواء أدخل بها أم لم يدخل بها، كأن يكون توفي ولم يدخل بها، أو طلقها ولم يدخل بها، فلا تزال المحرمية باقية إلى الأبد؛ لأن الله يقول: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، والمرأة تحل للابن بالعقد لا بالدخول، فإن الدخول صفة حلّ أو تحقيق للحل، أما بالنسبة للحلّ فإنه يكون بمجرد العقد، ولذلك قال العلماء: كل امرأة عقد عليها الابن فإنها محرمة على أبيه إلى الأبد؛ لأنها محرمية مؤبدة، وهذا بإجماع العلماء.
والله تعالى أعلم.
стр. 1443
حكم تسليم المؤتم قبل التسليمة الثانية للإمام
السؤال
هل ينتظر المأموم الإمام حتى ينتهي من التسليمة الثانية ثم يبدأ هو بالتسليمة الأولى، أم يبدأ بالتسلمية الأولى بعد انتهاء الإمام من التسليمة الأولى؟
الجواب
في هذا وجهان للعلماء ﵏: فمنهم من يقول: إذا سلم الإمام تسليمتين فإن التسليمتين واجبتان.
ومنهم من يقول: الواجبة الأولى والثانية سنة.
وعلى هذا القول الثاني -وهو أقوى القولين- يجوز للإنسان أن يقوم لإكمال الصلاة بمجرد تسليم الإمام التسليمة الأولى، ويجوز للإنسان أيضاً أن يبتدئ بالتسليمة الأولى قبل ابتداء الإمام بالتسليمة الثانية.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1444
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الاستسقاء
صلاة الاستسقاء مشروعة لعموم الأدلة التي أمرت بالتضرع عند نزول البلاء، ويتعلق بصلاة الاستسقاء الكثير من الآداب والأحكام، ومنها: الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخروج للاستسقاء، ووقت الاستسقاء، وصفة صلاة الاستسقاء، والسنن التي ينبغي أن يحرص الناس عليها عند نزول الغيث، وغير ذلك.
стр. 1445
أحكام صلاة الاستسقاء
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [باب صلاة الاستسقاء].
الاستسقاء: مأخوذ من السقي، والألف والسين والتاء للطلب، كقولهم: استغفر إذا سأل الله أن يغفر له، واسترحم إذا سأل الرحمة من الله ، والاستسقاء: هو طلب السقيا من الله .
ومناسبة هذا الباب لما تقدم أنه بعد فراغه من صلاة الرهبة، وهي الصلاة التي تشرع عند رؤية كسوف القمر والشمس أو خسوفهما ناسب أن يتكلم ﵀ على صلاة الرغبة، وهي التي يسأل فيها العباد ربهم أن يسقيهم الغيث والحياة، فناسب أن يتكلم ﵀ على هذه الصلاة بعد ذكره لأحكام الكسوف.
وهذه الصلاة مشروعة لعموم الأدلة التي أمرت بالتضرع عند نزول البلاء وندبت إليه، كقوله : ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] أي: فهلا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا، فتشرع هذه الصلاة عند حصول الضيق بالناس بسبب ما كان منهم من الذنوب والمعاصي، فيتأخر عنهم القطر من السماء، ويعظم حالهم، وتشتد عليهم المئونة بسبب غور الآبار، وذهاب المياه من العيون، وانقطاع السيول والأنهار، والناس يحتاجون إلى هذه الأمور -أعني الآبار والأنهار- للشرب ولسقي الدواب، ولكي يقيموا عليها مصالحهم من زرع وحرث وماشية ونحو ذلك، فإذا انقطع القطر من السماء تضرر الناس وعظم بلاؤهم بذلك، فشرعت هذه الصلاة؛ لأن الحالة حالة شدة، والله يقول: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] فهي حالة شدة وبأس، فيشرع أن يتضرعوا ويسألوا الله رحمته ومن واسع فضله، وقد فعلها رسول الله ﷺ ، وذكر ابن حبان وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى: أن استسقاءه ﵊ وقع سنة ست من الهجرة، وذلك في شهر رمضان، فاستسقى ﵊ بالمسلمين حينما شكى إليه المسلمون تأخّر الغيث، وكذلك تضررهم بالجدب، فشرعت هذه الصلاة بفعله ﵊، ولها أحكام ومسائل.
ومن ثم اعتنى الفقهاء ﵏ بذكرها في كتاب الصلاة؛ لأنه يشرع أن يصلى لها، وقد أجمع العلماء ﵏ على أن صلاة الاستسقاء تكون ركعتين، إلا خلافاً ممن لا يعتد بخلافه من أهل البدع والأهواء، حيث قالوا: إنها أربع ركعات.
وأما مذهب السلف والخلف فهو أنها ركعتان لثبوت السنة عن رسول الله ﷺ بفعلهما دون زيادة عليهما.
стр. 1446
الأحوال التي تشرع فيها صلاة الاستسقاء
قال المصنف ﵀: [إذا أجدبت الأرض وقحط المطر صلوها جماعة وفرادى].
الناس يتضررون بتأخر السقيا، وهذا الضرر قد يكون في النفس وقد يكون في غيرها.
أما الضرر في النفس فأشد ما يحدث في البوادي ونحوها، حيث تغور المياه في الآبار، وتنقطع السيول والأنهار، وتجف العيون ويذهب ماؤها، فتعظم عليهم الكلفة في حفر الآبار، وقد يقومون بحفرها دون أن يجدوا الماء، فحينئذٍ يتضررون بمشقة السقيا والكلفة التي يجدونها بعدم تيسر الوصول إلى الماء، فهذا النوع من الأسباب مما تشرع له صلاة الاستسقاء، فلو كان أهل محلة أو موضع تضرروا بسبب غور آبارهم وذهاب المياه من العيون وانقطاع السيول عنهم شرع لهم أن يصلوا صلاة الاستسقاء.
وأما الضرر في غير النفس فهو الذي يقع على البساتين والزروع والمراعي، فإن الدواب -كما هو معلوم- تحتاج إلى الرعي، والمراعي تعين على صلاح الدواب والبهائم، فإذا أجدبت الأرض وبعد العهد بالمطر انقطع الكلأ إما للجفاف بسبب القحط وشدة السنين، وإما أن يكون بسبب قلة المرعى لندرة المطر، فحينئذٍ تتضرر الدواب، وإذا تضررت الدواب تضرر الناس بتضرر دوابهم، وكذلك تتضرر الزروع والبساتين، فلربما جفت وماتت، حتى إن بعض الزروع لو أصابت الماء من عروقها قد تصيبها أمراض في أوراقها، ولا يزيل هذه الأمراض إلا الله ﷻ حينما ينزل الغيث الذي يغسل أوراق هذه الأشجار، فلو سقيت الماء من جذورها فإنها تحتاج إلى هذا الغيث الذي سماه الله ووصفه بكونه رحمة، فمن رحمته أن يجعل هذا الخير للزروع، فإذا انقطع القطر من السماء تضرروا، فتضررت الزروع وماتت -على الأقل- تضرروا بقلة ما يكون من هذه الزروع لقلة الماء، فسواءٌ تضرروا بانقطاع الماء الذي يشربون، أم تضرروا بقلة المرعى، أم تضرروا بهما معاً، فكل ذلك مما تشرع له صلاة الاستسقاء.
وبناءً على ذلك، فلو كانت أحوال الناس دون الحالة التي فيها الكفاية، بمعنى أنه نزل عليهم الغيث ولكن نزوله لم يكن بصورة تحيي الأرض حياة ينتفع بها الناس انتفاعاً يحصل به الاكتفاء على وجه التمام والكمال، فقد قال بعض العلماء: يشرع لهم أيضاً أن يصلوا صلاة الاستسقاء.
فعلى هذا القول لا يتوقف حكمنا بمشروعية صلاة الاستسقاء على حالة شدة الجدب الشديدة، ولا على حالة شدة القحط، فلو كان هناك نوع جدب فيه نوع ضرر يشرع أيضاً أن يصلوا صلاة الاستسقاء، فلو كان الماء موجوداً ولكنه بقلة، أو كان المرعى موجوداً ولكنه بقلة فإنه يشرع حينئذٍ أن يستسقوا.
فالحالة الأولى التي يشرع لها الاستسقاء: إذا أجدبت الأرض وقحط المطر كما نص المصنف.
والحالة الثانية: أن يكون الماء موجوداً ولكنه لا يكفي لسد الحاجة.
والحالة الثالثة: أن يستسقوا فلا يسقون، فيشرع لهم أن يكرروا الاستسقاء مرة ثانية، ويسألوا الله العظيم أن يرحمهم، ولو تكرر ذلك عشرات المرات فلا حرج؛ لأنه داخل في عموم الندب إلى التضرع وسؤال الله الرحمة.
стр. 1447
كيفيات الاستسقاء
قوله: [صلوها جماعة وفرادى].
مذهب العلماء رحمة الله عليهم -ويكاد يكون مذهب الجماهير- أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها مستحبة.
والنصوص دالة على تأكد هذه السنة، ويقوم الإمام بالاستسقاء عند رؤية أحوال الناس أو شكواهم.
والاستسقاء على ثلاثة أنوع: النوع الأول: أن يكون بالصلاة مع الجماعة، وهذا هو الذي يعتني العلماء ﵏ ببيان أحكامه ومسائله في الغالب، وهو الذي ينصبّ عليه الحديث في باب صلاة الاستسقاء.
النوع الثاني من الاستسقاء: الاستسقاء من الأفراد، وذلك أن يستسقي الإنسان وحده، كأن يكون صاحب مزرعة، أو صاحب دواب ويتضرر بعدم وجود الكلأ، فيصلي ويسأل الله ، ولكن على غير صفة صلاة الاستسقاء، وإنما يصلي صلاة مطلقة يسأل الله فيها من فضله، ويتضرع إلى الله ، فهذا استسقاء من الأفراد.
النوع الثالث من الاستسقاء: الاستسقاء في صلاة الجمعة، وهذا ثابت عن النبي ﷺ ، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ وأرضاه: (أن رجلاً من الأعراب دخل على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا وفي رواية: أنه اشتكى الجهد واللأواء التي هم فيها، وفي بعض الروايات أنه وصف شدة الجدب إلى درجة أن الدابة لا يتحرك لها ذيل من شدة ما هي فيه من الإعياء والنصب، فلما اشتكى لرسول الله ﷺ رفع رسول الله ﷺ كفيه حتى رئي بياض إبطيه، وقال: (اللهم أغثنا.
اللهم أغثنا.
اللهم أغثنا) قال أنس: فوالله ما في السماء من سحابة ولا قزعة، حتى خرجت من وراء سلع كالترس -يعني السحابة- فأمطرتنا سبتاً.
وقد جاء في هذا الحديث أنهم لم يروا الشمس بسبب المطر، وما جاء قوم من ناحية إلا وذكروا الحياة والمطر وأنهم سقوا، قال: فلما كانت الجمعة الثانية دخل الرجل فاستقبل رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل! فقال ﵊: (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)، وفي رواية: أنه ما أشار إلى جهة إلا تفرق السحاب عنها، وهذا من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود: أن الاستسقاء ثلاثة أنواع: النوع الأول: الاستسقاء جماعة، وذلك بالصلاة كما سيصفه المصنف ﵀.
النوع الثاني: الاستسقاء فرادى، بأن يدعو الإنسان، فالإنسان لو كان جالساً في مزرعته، أو بين دوابه وبهائمه، ونظر إلى شدة ما هو فيه، وتذكر ذنوبه وإساءته في جنب ربه فرفع كفه إلى الله يسأله أن يغيثه ويرحمه فهذا مشروع ولا حرج فيه، ولو صلى وسأل الله في صلاته واسترحم ربه فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأنه داخل في عموم التضرع، لكنه لا يصلي صلاة الاستسقاء بصفتها إذا كان منفرداً، وإنما يصلي صلاة مطلقة لعموم حديث عائشة: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، وقد ندب الله المبتلى للصلاة عند حصول البلاء، فقال سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، فلذلك لا حرج أن يدعو.
النوع الثالث: الاستسقاء يوم الجمعة، ويكون الاستسقاء يوم الجمعة من الخطيب إذا اشتكى إليه الناس، أو رأى هو ما بهم وأحسّ بحاجتهم، فإنه يستغيث ويسأل الله العظيم من فضله.
وقول المصنف: (إذا أجدبت الأرض) كأنه يشير به إلى الوقت الذي يكون فيه الاستسقاء، وبناءً على ذلك فإن الزمان الذي يقع فيه الاستسقاء هو وقت حصول المشقة والحاجة من الناس، حتى ولو كان ذلك في الصيف، فإن رحمة الله واسعة، والذي ينزل الغيث في مواسمه قادر على أن ينزله في غير مواسمه، فقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠]، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٨٢ - ٨٣].
стр. 1448
مسائل متعلقة بصلاة الاستسقاء
стр. 1449
وقتها
السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ في وقتها أنه: (خرج حينما بدا حاجب الشمس)، كما في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، ولذلك قال العلماء ﵏: يستحب أن تكون صلاة الاستسقاء في وقت صلاة العيدين، وذلك بعد ارتفاع الشمس قيد رمح.
فقولها ﵂: (بدا حاجب الشمس)، تعبير يشير إلى ظهور ضوء الشمس، والحاجب هو الضوء، وإنما عبروا به لأن الضوء من الشمس يحجب الشمس، فأنت إذا رأيت الشمس مشرقة متوهجة بضوئها لا تستطيع أن ترى نفس الشمس؛ لأنه يحجبها عنك من شدة توهجه، ولذلك يقولون: حاجب الشمس.
أي: الذي يحجب الشمس من ضوئها.
فخرج ﵊، وكان قد وعد الناس بالخروج، وهذا من السنة كما سيأتي، فيخرج ويكون وقوعها في وقت الضحى، ويصلي بعد انتهاء وقت النهي، ووقت النهي يبدأ من بعد صلاة الصبح وينتهي بارتفاع الشمس قيد رمح، أما أثناء طلوع الشمس أو بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس فإنها لا تصلى قولاً واحداً عند العلماء، حتى حكي الإجماع على عدم مشروعية إيقاع صلاة الاستسقاء في أوقات الكراهة، فليس بمشروع أن يوقعها في هذا الوقت مع أن لها وجهاً وهو كونها من الصلوات ذوات الأسباب، لكنه لما كان الأمر فيه نوع تأسٍ واقتداء بالنبي ﷺ لم يشرع.
وأما آخر وقتها فبعض العلماء يقول: صلاة الاستسقاء جماعة تصح في الليل والنهار، ولا حرج أن يصلوا في الليل أو في النهار، أو في أي وقت إلا أوقات الكراهة.
فهذا مذهب طائفة من العلماء ﵏.
وهذا المذهب لا يخلو من نظر؛ إذ لو كانت تصلى في أي وقت لالتمس ﵊ وقت السحر، إلا أن بعض العلماء أجاب عن هذا الاعتراض وقال: إن وقت السحر يشق على الناس، خاصة وأن أكثرهم نائمون.
لكن أجيب بأن هذه المشقة مقدور عليها؛ لأنها صلاة في يوم معين، فلا مانع أن يكلفوا بها، وقد كان ﵊ يندب الناس إلى إحياء العشر الأواخر، وهو يندب بذلك عامة الأمة.
ومهما يكن فهذا القول لا يخلو من نظر؛ لأنه لو كان فعلها في الليل مشروعاً لفعلها ﵊، ولو قلنا: إن فعلها في السحر فيه مشقة، فإنه لا مانع أن يفعلها بين العشاءين، وهذا أرفق وأخف بكثير على الناس، لكن كونه ﵊ يتقصد أول النهار لا شك أنه هو الأولى والأحرى، ولذلك قال بعض العلماء: إنه ينتهي وقتها بالزوال كالعيد، وهذا هو الأشبه، ولذلك نجد الصحابة يلحقون صلاة الاستسقاء بصلاة العيد.
стр. 1450
كيفيتها وحال الخارج لها
قال رحمه الله تعالى: [وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد].
ينبغي لمن خرج لصلاة الاستسقاء أن يخرج من بيته خاشعاً متخشعاً متبذلاً متذللاً متواضعاً متضرعاً؛ لما ثبت في حديث ابن عباس ﵄ وأرضاهما قال: (خرج رسول الله ﷺ خاشعاً متخشعاً متذللاً متواضعاً متضرعاً)، فهذه هي السنة في الخروج.
ومعنى خروجه خاشعاً: أن لا يدمن الالتفات يمنة أو يسرة، وإنما يكون عليه الخشوع والوقار، والتبذل: مأخوذ من البذلة، وهي الثياب التي ليس لها شأن، بمعنى أنه لم يعتن بجميل الثياب، بخلاف العيد، فإن السنة أن يلبس له أحسن ما يجد وأن يتجمل؛ لأنه يوم عز للإسلام، ولكن يوم الاستسقاء يوم ضراعة واستكانة وفاقة وحاجة واسترحام واستغفار وسؤال الله الحلم والعفو، فلذلك شرع له أن يظهر بحالة تناسب المقام.
قالوا: تكون ثيابه غير مبالغ فيها.
لكن لا يمنع هذا أن يكون نظيفاً، فلا يخرج وهو نتن الرائحة، خاصة إذا كان مأموماً؛ لأنه يؤذي الناس، واجتماع الناس بعضهم مع بعض قد تؤذيهم بسببه الروائح الكريهة، ولذلك يشرع له أن يخرج بثياب ليست بذات الشأن، وأيضاً لا يبالغ في الطيب والتزين، وكذلك لا يبالغ في رفاهية الثياب.
ثم إذا انتهى إلى المصلى فإن للعلماء قولين: قال بعض العلماء: يبتدئ بالخطبة والدعاء قبل الصلاة.
وهذا فيه حديث مسلم عن عبد الله بن زيد ﵁ وأرضاه: (أن النبي ﷺ خطب ثم دعا ثم صلى).
وقال بعضهم: يبتدئ بالصلاة قبل الخطبة، فإذا صلى بالناس صلاة الاستسقاء رقى المنبر ثم خطب ودعا.
وهذا القول الثاني هو الأقوى؛ لأنه يؤيده حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عن الجميع.
وحديث عبد الله بن زيد أُجيب عنه -كما اختاره بعض المحققين، ويميل إليه الحافظ ابن حجر - بأن الأحاديث التي ذكرت الدعاء قبل الصلاة لا تعارض الأحاديث التي ذكرت الخطبة بعد الصلاة، وذلك أن النبي ﷺ كان في دعاء وضراعة حتى انتهى إلى المصلى، فمن رأى ضراعته ودعاءه قال: إنه خطب.
وذلك حين قال لهم: (إنكم شكوتم إليَّ جدب دياركم، وانقطاع المطر وتأخر أوانه عنكم، وشدة المئونة بكم)، قالوا: هذا فهم منه الصحابي أنه خطبة، مع أن النبي ﷺ كان يقصد به أن يبين لهم عظيم رحمة الله لقوله بعد ذلك: (وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)، فمن نظر إلى أن هذا الدعاء السابق من النبي ﷺ أنه بمثابة الخطبة وبمثابة الدعاء قال: خطب ثم صلى.
وأما الروايات الصريحة القوية فهي أنه صلى ثم خطب، وهذا يختاره بعض العلماء.
والخلاصة: أن للعلماء في هذه الأحاديث المختلفة أوجه: فمنهم من يقول: السنة أن يبتدئ بالخطبة ثم يصلي.
ومنهم من يقول: يصلي ثم يخطب، على الصورة المعهودة المعروفة عندنا.
ومنهم من يقول: يخيّر، فإن شاء قدم الخطبة ثم صلى، وإن شاء خطب ثم صلى، فكل جائز ولا حرج عليه في ذلك، والأمر على السعة والخيار.
فإذا ابتدأ الصلاة صلى كصلاة العيدين، يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، على أصح أقوال العلماء، وذلك لحديث ابن عباس ﵄، حيث حكى صلاة النبي ﷺ في الاستسقاء كصلاته في العيدين، وقد ثبت عنه ﵊ في العيدين من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنه كبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً).
وقال بعض العلماء بعدم مشروعية التكبير والأقوى أنه يشرع.
стр. 1451
الأمور التي يحث الإمام الناس عليها قبل خروجهم للاستسقاء
قال ﵀: [وإذا أراد الإمام الخروج لها وعد الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم وترك التشاحن، وبالصيام والصدقة].
أي: إذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء وعد الناس، فيقول لهم: في يوم كذا سنخرج للاستسقاء.
فإذا حدد لهم يوماً يخرجون فيه للاستسقاء فإن الناس تتهيأ لهذا اليوم بالتوبة والاستغفار وإصلاح أحوالهم، ويكون ذلك بما ذكره المصنف ﵀، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة حديث يشير إلى هذا، فلا يغير الله أحوال الناس مما هم فيه من البلاء حتى يقلعوا عما هم فيه من المعصية، كما قال بعض السلف: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة)، فإذا تاب الناس تاب الله عليهم، وإذا استغفروه غفر لهم، وإذا استرحموه رحمهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
فإذا قحط المطر وتأخر فإن هذا إشارة إلى ما هم فيه من البعد عن الله وكثرة الذنوب والمعاصي، وكأنه نذير لهم أن يتوبوا إلى الله، وأن يراجعوه قبل أن يعمهم بعذاب، فإذا راجعوا أنفسهم شرع لهم أن يتوبوا فيما بينهم وبين الله، فالحقوق الواجبة كالصلوات ونحوها يحافظون عليها، والحدود المحرمة كالفواحش ونحوها يقلعون عنها، وحقوق العباد ينتبهون لها، كحقوق الأقارب من بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، وتفقد أصحاب الحقوق كالعمال والمستخدمين ونحوهم، فليغير الإنسان من حاله حتى يغير الله ما به، ويصلح الله حاله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فإذا غيّر العبد من حاله غيّر الله ما به، ولذلك لما رأى قوم يونس أمارات العذاب وأمارات السخط والغضب من الله حين تغيرت السماء وتلبدت خرجوا إلى الله رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، حتى أخرجوا دوابهم وبهائمهم، وما زالوا في البكاء والتضرع والاستغفار حتى رفع الله عنهم العذاب، وهي القرية الوحيدة التي رأت أمارات العذاب وسلّمها الله من عذابه، كما قال تعالى عنها: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]، فهذا من رحمة الله ولطفه بالعباد.
قوله: (وأمرهم بالتوبة).
التوبة ترفع وتدفع عن الإنسان البلاء، ولذلك إذا تاب العبد تاب الله عليه، وبالتوبة يزول البلاء؛ لأن سببه الذنب، وكان ﷺ يقول في خطبته: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)، فشرور النفس هي التي تجلب البلاء، فإذا تاب من شرور النفس تاب الله عليه، ورفع البلاء عنه، فقد قال تعالى حكاية عن صالح ﵇: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]، فالتوبة سبب من أسباب الرحمة، ولذلك إذا أكثر الإنسان من الاستغفار ﵀ ، فمن أسباب رحمة الله بعبده أن يكثر العبد من الاستغفار، فإذا أكثر من الاستغفار ﵀ .
وقوله: (والخروج من المظالم) معناه أنه إذا كان هناك مسلم يعلم أنه أكل مال أحد، أو شتمه، أو سبّه، أو عابه، أو آذاه فليذهب إليه وليقل له: يا فلان! إني ظلمتك في كذا، فإن شئت أن تأخذ حقك أعطيتك حقك، وإن شئت أن تعفو فجزاك الله خيراً، ونحو هذا من الكلام الذي يكون به تطييب خاطر المظلوم، فإذا أخذ الناس حقوقهم وردت المظالم إلى أهلها رفع الله البلاء عن الناس، ورفع الله البلاء عمن ابتلاه بسبب ظلمه للناس وأذيته لهم.
قوله: (وترك التشاحن).
أي: ويوصي الإمام الناس بترك التشاحن؛ إذ الخلاف والفتن التي تقع بين الناس وتفرق جماعة المسلمين وتؤذيهم من السباب والشتائم ونحو ذلك من الأمراض التي تقع بين الناس بسبب ما يكون من فتن الدنيا، كما قال ﵊: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم)، فهذا يدل على أن الناس إذا انشغلوا بالدنيا ألهتهم عن الآخرة، فتقع بينهم الشحناء والبغضاء، فعلى الإمام والخطيب أن يوصي الناس أن يتركوا الشحناء، وأن يصلحوا ذات بينهم؛ لأن الله أمر بذلك فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، فالمسلمون كالجسد الواحد، وينبغي أن يعطف بعضهم على بعض، فإذا كان الناس في قحط وشدة، أو أصاب الناس القحط والشدة فلينظروا إلى ما هم فيه، فإذا نظروا إلى اثنين بينهما خصومة سعوا في الصلح بينهما وجمع الشمل وإزالة ما بينهما من الشحناء والبغضاء، وهذا واجب في سائر أيام السنة، وفي سائر أحوال المسلمين، فضلاً عن مثل هذه الحالة التي فيها شدة وبلاء.
فعلى المسلمين دائماً أن تكون مجالسهم معمورة بالصلح بين الناس.
وقد كان الناس في خير ورحمة حينما كان بعضهم يوصي بعضاً بالصلح، حتى قلّ أن تجد المشاكل الزوجية والأمور التي تقع بين الناس تصل إلى القضاة، بسبب وجود أهل الحل والعقد والفضل والنبل الذين كانوا يسعون للصلح بين الناس، فكان الناس في رحمة مع أنهم كانوا يعيشون في فقر وشدة وحاجة، ولكن كانوا في رحمة من الله بسبب حفاظهم على المودة وإصلاح ذات البين، ولما فقد الناس هذا كثر الشر بينهم.
يقول بعض العلماء: إن وجود الشحناء بين الناس يرفع الخير عن الأمة.
والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ : (أنه لما كان معتكفاً أُري ليلة القدر، فتلاحى رجلان في الدين - أبي وابن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عن الجميع- فقال النبي ﷺ لصاحب الدين: ضع هكذا.
ثم قال للمدين: قم فاقضه.
ثم قال للصحابة صبيحتها: أريت ليلتكم هذه فتلاحى رجلان، فرفعت وعسى أن يكون خيراً)، أي: أثناء الخصومة رفعت ليلة القدر، حتى كان بعض العلماء يقول: إن هذا مثال على ما جعل الله في الخصومة من البلاء على الأمة، حتى إن ليلة القدر مع ما فيها من عظيم الأجر والخير للناس رفع علمها عن الناس بسبب الخصومة والشحناء.
وقد جعل الله الشحناء سبب الفشل والخيبة، فقال : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦].
فينبغي للإمام أن ينصح الناس باجتماع القلوب وتآلفها وتراحمها وتعاطفها، وهو الخير الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، وعظيماً من الله ليست بالهينة، فإزالة الشحناء مطلوبة عند الاستسقاء، ومتأكدة في كل وقت، فينبغي للمسلمين أن يتواصوا، وأن يوصي بعضهم بعضاً لإزالة ما بينهم من الشحناء والخلاف.
قوله: (وبالصيام).
الصيام من أفضل القربات وأحبها إلى الله ، وذلك لما فيه من الإمساك عن شهوتي البطن والفرج قربة إلى الله ، ولما فيه من الإخلاص لله ، فهو العبادة الخفية التي استأثر الله بثوابها وأجرها.
فعلى الإمام أن يحثهم على أن يصوموا ويستكثروا من الصيام والصدقات والصلوات وذكر الله ، حتى يكون حالهم أدعى للإجابة من الله .
قال رحمه الله تعالى: [ويعدهم يوماً يخرجون فيه].
أي: يحدد لهم يوماً فيقول: في يوم كذا سيكون استسقاؤنا.
ويخرج الناس في صبيحة ذلك اليوم للاستسقاء وسؤال الله الغيث.
стр. 1452
الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخروج لصلاة الاستسقاء
[ويتنظف ولا يتطيب ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً].
قوله: (ويتنظف) أي أن له أن يغتسل، وأن لا يكون على ثيابه القذر والنتن، خاصة مع اجتماع الناس، فكما أنه يتنظف الإمام فليتنظف المأموم؛ لأن الناس يتضررون من الروائح الكريهة، ولذلك نهى النبي ﷺ من أكل الثوم والبصل أن يقرب المصلى.
قوله: (ولا يتطيب) لأن الطيب فيه بالغ زينة، وليس الاستسقاء بعيد، كالحال في الجمعة والعيدين؛ إذ يشرع له التطيب فيهما، ولم يتطيب ﵊، ولذلك يخرج على حالته، وظاهر قوله في الحديث: (متبذلاً) يدل على أنه لم يكن متطيباً ﵊.
قوله: (ويخرج متواضعاً) التواضع: المراد به توطئة الكنف، والتواضع مندوب إليه، وأمر به النبي ﷺ فقال: (إن الله أوحى إليَّّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد)، فالتواضع مطلوب، وكلما كان الإنسان في نعمة من الله فإنه ينبغي أن يتواضع لها، وكلما طابت نفس الإنسان كلما كمل تواضعه، ومن كانت سريرته على خير أظهر الله تلك السريرة الطيبة المباركة من خلال شمائله وآدابه التي تدل على سماحته وتواضعه، ولو لم يكن في التواضع إلا قوله ﵊: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون)، لكفاه فضلاً، فهذه سمات لا توجد إلا عند المتواضعين، وكلما زاد خير الإنسان كلما تواضع، كما قيل: إن كريم الأصل كالغصن كلما ازداد من خير تواضع وانحنى فالإنسان إذا طاب أصله وطابت سريرته ظهر ذلك الطيب على شمائله وآدابه فيتواضع.
فقوله: (ويخرج متواضعاً) ممعناه: أنه لا يتكبر، ولا يصعر خده إذا خرج للصلاة، ولكن يخرج على صفة تدل على ذلته لله وانكساره؛ لأنه يوم فاقة وفقر وحاجة إلى الله ، وقد جاء هذا اللفظ في حديث ابن عباس: (خرج متواضعاً).
أي: خرج ﵊ وعليه شعار المتواضعين، ويتأكد هذا في حق الأخيار والعلماء والصالحين كطلاب العلم ونحوهم، فهم أحق الناس بهذه الخلة الكريمة التي يحبها الله ويرفع أهلها، فقد قال ﷺ : (ما تواضع أحد لله إلا رفعه).
وقوله: (متخشعاً) أي: متعاطياً أسباب الخشوع من السكينة ونحوها، وأصل الشيء الخاشع: الذي فيه سكون وهدوء.
فالمعنى أن الإمام لا يكون فيه صخب ولا لغط ولا لغو، ولكن فيه سكينة ووقار يدل على حالة من الذلة لله والانكسار.
وقوله: (متذللاً) من الذلة، وذلك كما قلنا؛ لأن الحال والمقام يقتضي هذا، فالمقام مقام سؤال، والسائل إذا سأل ربه ينبغي أن يظهر لله الذلة والانكسار، كأن يطأطئ رأسه وتظهر عليه آثار الخوف والوجل من الله حتى يرحمه ولا يخيبه فيرد عليه سؤاله ولا يجيب استسقاءه، فكل إنسان أراد الخروج فعليه أن يخرج وكله أمل أن الله يرحمه، وما يدريك فلعل الله أن يجعل دعوتك هي المجابة، ويرحم بك هذه الأمة، ويكون لك أجر هذا الدعاء وأجر هذا الخير الذي تصاب به الأمة، وما ذلك على الله بعزيز، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)، فالله لا ينظر إلى الصور ولا إلى الأشكال، ولكن ينظر إلى القلوب، فإذا خرج الإنسان بذلة واستكانة وفاقة إلى الله فإنه حري أن يجاب.
(متضرعاً) من الضراعة: وهي بالغ السؤال.
стр. 1453
أصناف الناس الذين يخرجون مع الإمام للاستسقاء
[ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان والمميزون].
أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استسقى بعم رسول الله ﷺ ، وهو العباس بن عبد المطلب.
فيكون مع الإمام أهل الدين والصلاح، كالعلماء والأخيار الذين عرفوا بالاستقامة والتمسك بالكتاب والسنة والعبادة على منهج السلف بعيداً عن البدع والأهواء، وأهل الخير وأهل التمسك بالدين، فمثل هؤلاء ترجى إجابة دعوتهم بإذن الله لما فيهم من الخير والاستقامة والالتزام بدين الله ، وكلما كان الإنسان أكثر صلاحاً واستقامة كلما كانت دعوته أرجى للإجابة؛ لأن الله يذكر من ذكره، ووعد الذي يكون على استقامة بالطاعة والخير وذكر لله أن يذكره، فمن ذكر الله في الرخاء ذكره في الشدة، فلذلك يخرج بأمثال هؤلاء من العلماء وطلاب العلم والأخيار الصالحين ونحوهم من أهل الفضل والنبل، وهذا أدعى لإظهار الحاجة لله ، على خلاف ما إذا خرج بأهل الدنيا من الأغنياء والأثرياء فإن الحال يكون على عكس هذا تماماً.
قوله: [والشيوخ].
أي: يخرج معه الشيوخ؛ لأن كبار السن قلوبهم منكسرة، ولذلك لما ذكر النبي ﷺ الإمامة قال: (فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً)، وكبر السن مظنة أن يكون الإنسان أقرب إلى الآخرة؛ لأن كبار السن فيهم خشوع، فقد جبروا الزمان، وعزفت نفوسهم عن الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، فالخشوع منهم أكثر، ولذلك يكون الدعاء منهم أرجى إجابة من غيرهم، فالمهم أن يتعاطى أسباب إجابة الدعاء.
وبعض العلماء يستدل لهذا بحديث ابن ماجة: (لولا شيبان ركّع، وصبيان رضّع، وبهائم رتّع لصببت العذاب عليكم صباً)، إلا أن هذا الحديث تكلم العلماء ﵏ على إسناده.
قوله: [والصبيان المميزون].
أي: ويخرج معه الصبيان المميزون، وذلك لقلة ذنوبهم؛ لأنهم غير مكلفين، فدعاؤهم وسؤالهم الله أرجى إجابة، مع أن خروج الصبيان فيه نوع استرحام لله ، فإن خروج الإنسان بأطفاله من الصغار فيه نوع من الذلة لله .
стр. 1454
خروج أهل الذمة مع المسلمين للاستسقاء
قال ﵀: [وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا].
أهل الذمة هم اليهود والنصارى الذين فتحت بلادهم وأحبوا أن يبقوا على دينهم ويدفعوا الجزية.
أما من جاء من الكفار إلى بلاد المسلمين، ودخل بأمان من واحد منهم فإن أمانه يكون ماضياً على جميع المسلمين، لحديث علي في الصحيح: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم حرب على من سواهم)، فالكافر إذا دخل بلاد المسلمين يسمى مستأمناً، وإن كان من اليهود والنصارى الذين يدفعون الجزية فهو من أهل الذمة.
فإن أراد أهل الذمة الخروج للاستسقاء فقد اتفق العلماء على عدم السماح لهم أن يخرجوا منفردين في يوم معين؛ لأنهم إذا خرجوا منفردين في يوم معين ربما امتحن الله العباد فنزل الغيث في اليوم الذي استسقوا فيه فتحصل الفتنة للناس، وربما ظنوا أنهم سقوا باستسقائهم، ولذلك لا يشرع أن يمكنوا من الاستسقاء منفردين.
واختلف العلماء إذا طلبوا الخروج مع المسلمين المستسقين: فقال بعض العلماء -كما اختاره المصنف ﵀: يجوز أن يخرجوا مع المسلمين، ولكن يعتزلون المسلمين، ولا يصلون معهم، حتى لا تكون لهم يد منة، فإذا ظهر الفضل كانت نسبته للمسلمين، وهم أحق بذلك وأولى به؛ لأنهم على دين الله الصحيح، وأولئك على غير دين الإسلام، ولذلك لا يشرع أن يكونوا مع المسلمين في نفس المصلى، وإنما يعتزلون ويكونون بناحية غير ناحية المسلمين.
стр. 1455
كيفية الخطبة والدعاء في الاستسقاء
قال رحمه الله تعالى: [فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به].
ما ذكره المصنف في شأن الخطبة هو كما ذكر بعض العلماء إلحاقاً لها بصلاة العيد على ظاهر حديث ابن عباس حينما وصف صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء أنها كصلاة العيد.
وقوله: (يفتتحها بالتكبير).
الأولى والأقوى أن يستفتح بحمد الله ، لكن لو كبّر وهو يتأول فهو قول له سلف من العلماء قالوا به، وإن كان الأولى والأقرب للسنة أن يبدأ بحمد الله والثناء على الله ، على ظاهر حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ الذي تقدمت الإشارة إليه، وهو عند أبي داود وغيره.
قوله [ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به].
آيات الاستغفار كقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢]، فلما ورد هذا النص في كتاب الله دل دلالة واضحة على أن الاستغفار من أعظم الأسباب التي يرحم الله بها عباده فيسقيهم الغيث.
ولا يقف الأمر عند هذا، بل إنه سبب في وضع البركة في الأموال والأولاد، فمن أكثر الاستغفار فإنه يخرج من ذنوبه، وإذا خرج الإنسان من ذنوبه خرج من أسباب البلاء، وكان ذلك من أعظم الأمور التي يجعل الله بها خير دينه ودنياه وآخرته.
قال رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي ﷺ ، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ... ) إلى آخره].
رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ثبتت به النصوص الصحيحة، ومن أقواها حديث أنس في الصحيحي وأنه وصف رفعه حتى ذكر أنه كان يبالغ حتى يرى بياض إبطيه.
وكذلك رفع يديه في استسقائه ﵊ يوم الجمعة، وقد ذكرنا في صلاة الجمعة أنه يشرع للإمام إذا دعا للاستسقاء أن يرفع يديه، وقد جاء رفع اليدين عند الدعاء عن النبي ﷺ فيما لا يقل عن ثلاثين حديثاً، وذكر الإمام النووي أنه جمع نحو ذلك من الصحيحين أو أحدهما كلها في رفعه ﵊ ليديه في الدعاء، وهذا في مواضع مختلفة.
فرفع اليدين في الدعاء لا حرج فيه إلا في العبادات التوقيفية كالحج والعمرة ونحو ذلك، فيتقيد فيها بالوارد، ولا يرفع إلا حيث ورد الرفع.
فلو أن إنساناً في لحظة ما أراد أن يدعو فرفع يديه ففي هذا عدد من الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ الصحيحة والحسنة التي تدل على رفعه، حتى أفردها الإمام النووي بالتصنيف، وأفردها كذلك الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بعد كتاب الدعوات، وأفردها أيضاً السيوطي في كتابه: (فض الوعاء بمشروعية رفع اليدين في الدعاء)، وذكر الأحاديث في الصحيحين وغيرهما، وهي ثابتة عن النبي ﷺ ، لكن في العبادات التوقيفية لا يشرع رفع اليدين إلا في المواطن التي ورد عن رسول الله ﷺ أنه رفع يديه فيها، فهذا هو السنة والثابت عن النبي ﷺ .
وبناءً على ذلك: فإذا أراد أن يستسقي يشرع له أن يرفع يديه في الاستسقاء، ويرفع يديه مبالغاً في الرفع حتى يرى بياض إبطيه، وإذا كان عليه الثوب يكون في حكم من انكشف إبطه، بمعنى أنه يبالغ في رفع اليدين حتى يظهر شدة الفاقة لله .
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قلب كفيه صلوات الله وسلامه عليه في الدعاء، وللعلماء في هذا القلب وجهان: فمنهم من يقول: هو سنة توقيفة لا تشرع إلا في هذا الموضع.
وبناءً على ذلك لا يشرع أن يقلب الإنسان كفيه إلا في هذا الموضع من دعاء الاستسقاء، وتكون مناسبته -كما ذكر بعض العلماء- أن النبي ﷺ عدّ هذا من الفأل، والفأل تقرّه الشريعة، كما في الصحيحين: (أن النبي ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطيرة)، والفأل: أن يسمع الإنسان، أو يرى شيئاً يبشره بالخير، كأن يريد السفر فيسمع إنساناً يقول: يا سالم.
فإنه فأل بالسلامة؛ لأن الفأل يحمل الإنسان على حسن الظن بالله ، ويزيد من اعتقاده بالله ﷻ ، بخلاف التشاؤم؛ فإن التشاؤم يصرفه إلى الاعتقاد في الأشياء، والاعتقاد في الأزمنة، والاعتقاد في الأشخاص، فإذا رأى مشلولاً أو أعمى تشاءم فصار يعتقد في الأشخاص أنهم شؤم عليه، فيفطعن هذا في عقيدته وتوحيده -نسأل الله السلامة والعافية- لكن الفأل الحسن يحسّن ظنه بالله ، فقلب كفيه ﵊ من باب الفأل الحسن، فإنه سأل ربه وكأنه يقول: أرجو أن الله يبدل الحال، أو يغيّر ما بالناس من الشدة إلى الرخاء، ومن الضيق إلى السعة، ومن القحط إلى الغيث، ومن الجدب إلى المراعي الخصبة التي ينتفع بها الناس والدواب وخلق الله ، وهذا -كما قلنا- من باب الفأل.
ومن العلماء من يقول: إنه يشرع عند كل دعاء في شدة، وفيه حديث حسنه بعض العلماء، إلا أن فيه ابن لهيعة.
والأقوى أن هذا يختص بما ورد عن النبي ﷺ ، وأما في غيره فيكون السؤال ببطن الكف، كما هو الأصل في دعاء الله وسؤاله الثابتة به الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ .
قوله: (فيدعو بدعاء النبي ﷺ ، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ... ) إلى آخره).
ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: (اللهم أغثنا.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وكذلك جاء عنه ﵊ أنه قال: (اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً.
هنيئاً مريئاً مريعاً عاماً طبقاً سحاً غدقاً عاجلاً غير آجل ولا رائف تنبت به الزرع، وتدر به الضرع، وتحيي به بلدك الميت، سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا غرق ولا هدم)، وكذلك ورد عنه: (اللهم إن بالعباد والبلاد من البلاء واللأواء والجهد ما لا يشكى إلا إليك، ولا يعول في رفعه إلا عليك، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وكذلك: (اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين)، وغير ذلك من الأدعية التي وردت في الكتاب فيها استرحام، واستغفار وسؤال الله الرحمة بعباده، فكل ذلك لا حرج على الإنسان أن يدعو به.
стр. 1456
ما يفعله الناس إن سقوا قبل الاستسقاء
قال رحمه الله تعالى: [وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله].
أي: إذا نزل عليهم غيث قبل استسقائهم شكر والله تعالى، والسبب في هذا أنه إن وعدهم يوماً معيناً، فلربما يغيرون ما بهم ويتوبون من المظالم، فيرحمهم الله قبل أن يسقوا، فإذا نزلت عليهم الرحمة وسقوا قبل أن يخرجوا فحينئذٍ يحمدون الله ويشكرونه حتى يبارك لهم فيما أسدى إليهم وأولاهم من نعمه وفضله، ولذلك قال العلماء: لا يشرع أن تصلى صلاة الاستسقاء إذا نزل الغيث.
بمعنى أنهم لو تهيأوا للخروج للاستسقاء، فنزل الغيث، وأغيث العباد، وجرت السيول، وانتفع الناس، فحينئذٍ لا وجه للاستسقاء، فلا يستقيم للخطيب أن يقول: (اللهم إن بالعباد والبلاد من الجهد والبلاء ... )؛ لأنه يشكي بدون سبب للشكوى، ولذلك قالوا: لا يشرع أن يستسقوا إذا سقوا الغيث، لكن لو سقوا سقيا ضعيفة، أو نزل الغيث ولم يكن الغيث الذي ينتظرون فإنه يشرع لهم أن يخرجوا، وأن يستسقوا مع نزول الغيث عليهم.
قال رحمه الله تعالى: [وينادى لها الصلاة جامعة].
الثابت في الحديث الصحيح عنه ﵊ أنه لم يؤذن لها ولم يقم، ولكن بعض العلماء يقول بأنه ينادي لها بـ (الصلاة جامعة) ولكن الأقوى والأشبه أن لا ينادى لها بهذا النداء، لقوله: (بدون أذان ولا إقامة).
قال رحمه الله تعالى: [وليس من شرطها إذن الإمام].
أي: يصلونها فرادى وجماعات، بدون ليست كالجمعة، أما الجمعة فلا بد فيها من إذن الإمام.
стр. 1457
ما يسن فعله عند نزول المطر
قال رحمه الله تعالى: [ويسن أن يقف في أول المطر وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر].
بعد أن ذكر لنا ﵀ آداب الاستسقاء التي قبل السقيا وصفة صلاة الاستسقاء شرع ﵀ في بعض الآداب والسنن وهدي رسول الله ﷺ أثناء نزول الغيث، وهذا من المناسب؛ لأنه لما تكلم عن السقيا وسؤال الله الغيث ناسب أن يذكر بعض الهدي والآداب الواردة عن رسول الله ﷺ أثناء نزول الغيث.
فمن هذه الآداب أن يخرج إلى المطر؛ لأن النبي ﷺ كان إذا نزل الغيث حسر عن رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول: (إنه قريب العهد بربه)، أخرجه الترمذي وغيره.
وكان من دعائه: (اللهم صيباً نافعا)، فكان ﵊ يسأل الله أن يكون الغيث والمطر صيباً نافعاً، ولذلك شرع أن يحسر عن رأسه حتى يصيبه الغيث.
ولذلك قالوا: هذا من السنة، ويكون الدعاء الوارد: (صيباً نافعاً)، بمعنى أنه يكون فيه الخير؛ إذ ربما مطر الناس ولا يكون في هذا المطر خير، فيبقون على قحطهم وما هم فيه من الجدب -نسأل الله السلامة والعافية- فلا يكون صيباً نافعاً، كما ثبت في الحديث عنه ﵊: (أن تمطروا ثم تمطروا ثم لا تنبت الأرض) أي: يمطر الناس المطر بعد المطر ولا يضع الله البركة في هذا المطر، فلا تنبت الأرض، فكأنهم لم يمطروا، فهذا من أشد ما يكون -نسأل الله السلامة والعافية-.
وكان من هديه ﵊ أنه ندب للدعاء عند نزول المطر، فإنه من مظان الإجابة.
стр. 1458
ما يقال عند الخوف من كثرة المطر
قال رحمه اله تعالى: [وإن زادت المياه وخيف منها سن أن يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)، (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ... ) الآية].
الدعاء الذي ذكره هو الوارد عنه ﵊، وهذا هو الدعاء الذي يمكن أن يقال عند تخوّف المطر، كأن يكون مطراً شديداً يخشى منه الغرق، ويخشى أن يكون منه ما يضر الناس، فيسأل الله أن يجعله حواليهم ولا عليهم، بمعنى أنه لا يسأل الله صرف المطر كله؛ لأنه إذا صرفه كله صرف الخير عن عباد الله، فلذلك يقول: (حوالينا ولا علينا)؛ لأن ما حوالي المدن والقرى في الغالب أماكن السيول والأودية التي يتقونها عند النزول.
فمراده ما فسره بعد ذلك في قوله: (على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)؛ وذلك أنها إذا نزلت على الجبال فإنها تنفع أكثر؛ لأن نزولها على الجبال يكون منه جريان السيل، بخلاف نزولها على الأرض المنبسطة، فنزول الغيث على الضراب والآكام وبطون الأودية والأماكن المرتفعة ينفع كثيراً، ويصل إلى أمد، ربما يجاوز المكان الذي نزله إلى مكان آخر؛ لأن السيل إذا قويت موارده كانت نهايته أبلغ ما تكون على حسب قوة مورده، فلذلك يسأل الله أن يكون على الأماكن العالية حتى يكون أبلغ في وصول الماء إلى الناس الآخرين، حتى ينتفع به المسلمون، ويكون نفعه عاماً لا خاصاً بالمكان الذي نزل فيه.
стр. 1459
الأسئلة
стр. 1460
حكم الخطبة في صلاة الكسوف
السؤال
ما حكم الخطبة في صلاة الكسوف؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فإن الخطبة في صلاة الكسوف ليست بواجبة، وذلك أن النبي ﷺ قال: (فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، ولم يأمر ﵊ بالخطبة، خاصة وأن خطبته ﵊ كانت لمناسبة، وهي قول الناس: إن إبراهيم قد توفي، وإن الشمس قد كسفت لوفاته.
فهي ليست بواجبة، لكن لو خطب فإنه لا حرج في ذلك، وهو مذهب طائفة من العلماء، ويرون أنها جائزة، بمعنى أنها مسنونة ولا حرج؛ لأن النبي ﷺ ذكر الجنة والنار في خطبته ﵊، ورغب ورهب في خطبة الكسوف، قالوا: فهذا يدل على مشروعية الخطبة لها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1461
حكم من ندبهم الوالي للاستسقاء وهم مكتفون بالعشب والماء
السؤال
إذا ندب الوالي للاستسقاء وهناك بلدة مكتفية بالماء والعشب، فهل يشرع لهم الاستسقاء بندب الوالي لهم؟
الجواب
نعم.
وتكون السقيا لغيرهم، كأن يكون البلد واحداً فيستسقون، فيكون السقيا لهم زيادة خير، ولغيرهم زوال بلاء وضر، وقد نص بعض العلماء على أنه لا حرج في هذا، والله تعالى أعلم.
стр. 1462
كيفية قضاء من فاتته ركعة من صلاة الاستسقاء
السؤال
كيف يقضي صلاة الاستسقاء من فاتته ركعة منها، هل يقضيها سبع تكبيرات أم خمس؟
الجواب
هذه المسألة مفرعة على مسألة أخرى في القضاء وهي: إذا فاتتك بعض الركعات فهل صلاتك ما بقي مع الإمام هي الأولى، أو هي الأخيرة؟ فهناك مذهبان هما أصل هذه المسألة تفرّع عنهما مذهب الجمع، وهو المذهب الثالث الذي يلفق بين المذهبين.
فمن العلماء من يقول: الذي أدركته مع الإمام هو صلاتك الأولى.
وبناءً على ذلك فإذا سلم الإمام فإنك تضيف ما فاتك من الركعات وتعتبره آخر صلاتك، وهذا المذهب يحتج بحديث أبي هريرة في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فهذا يدل على أنك تبني على صلاة الإمام، ولا تقضي ما فاتك.
ومن العلماء من يقول: صلاتك مع الإمام هي الأخيرة.
وبناءً على ذلك فإذا قمت فإنك تقضي ولا تبني، وتعيد الركعات التي فاتتك.
وهناك مذهب ثالث يلفق بين المذهبين فيقول: يبني في الأفعال ويقضي في الأقوال، جمعاً بين رواية: (فاقضوا)، ورواية: (فأتموا).
وأصح هذه الأقوال وأقواها أنه يتم ويبني، ولا يقضي، ولا يجمع بين البناء والقضاء، وذلك لما يلي: أولاً: لأن الرواية الصحيحة عن أبي هريرة أقوى ما رويت به رواية الإئتمام، أي: (وما فاتكم فأتموا)، فأصحاب الزهري ﵀ الذين رووا: (فأتموا) أقوى من الذين رووا: (فاقضوا)، فالسفيانان يقدمان على غيرهما عند التعارض.
ثانياً: أن روية: (فأتموا) لا تعارضها رواية: (فاقضوا)؛ لأن القضاء يستعمل بمعنى الإتمام، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة:١٠] أي: تمت.
وقوله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] أي: أتممتموها.
والقاعدة في الأصول أنه إذا تعارض نص مع نص، وكان أحدهما يتضمن المعنى الذي لا يعارض من كل وجه بحيث يمكن صرفه إلى معنى يتفق مع الوجه الثاني فإنه ينبغي صرف النص المخالف إلى المعنى الذي يوافق به النص الآخر.
فنقول: رواية: (فاقضوا) المراد بها رواية: (فأتموا)؛ لأن القضاء يستعمل بمعنى الإتمام، فترجح قول من يقول: إنه يتم ولا يقضي سنداً ومتناً، سنداً لأنها رواية أقوى، ومتناً لأن معنى الإتمام أقوى في الدلالة من معنى القضاء، فالقضاء يستعمل بمعنى الإتمام، فدخل تحت الإتمام ولم يقو على معارضته.
ويتفرع على هذه المسألة ما لو كنت قد أدركت ركعة في صلاة الاستسقاء فعلى القول بالقضاء تقوم فتكبر سبع تكبيرات في الركعة الثانية التي ستقضيها، وعلى القول بالبناء تكبر خمس تكبيرات؟ والصحيح أنك تكبر خمس تكبيرات على ظاهر السنة التي ذكرناها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1463
مشروعية شهود النساء للاستسقاء
السؤال
هل يشرع للنساء أن يحضرن صلاة الاستسقاء كالعيد؟
الجواب
لا حرج في شهود النساء للاستسقاء إذا أمنت من خروجهن الفتنة، وذلك لأن المقام مقام استرحام واستعطاف، وكان بعض العلماء يرى خصوص الخروج لكبيرات السن دون الشابات، فلا يشرع للشابات والنساء اللاتي تحصل بهن فتنة أن يخرجن؛ لأنه يوم تضرع ومسكنة، وخروجهن فتنة لهن، أو فتنة لغيرهن، أو فتنة لهن ولغيرهن، وأما بالنسبة لكبيرات السن من النساء والضعفة فلا حرج في خروجهن.
وبعض العلماء يمنع مطلقاً، يقول: لا يشرع خروج النساء مطلقاً.
стр. 1464
من فاتته صلاة الاستسقاء مع الجماعة
السؤال
إذا لم أدرك صلاة الاستسقاء مع الجماعة فهل أصلي بمفردي، أم أستمع للخطبة؟
الجواب
من جاء وقد فرغ الإمام من صلاة الاستسقاء، وكان الاستسقاء في مسجد فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم ينصت ويدعو بدعاء المسلمين، ويسأل الله الرحمة أثناء الدعاء وأثناء خطبة الإمام.
والله تعالى أعلم.
стр. 1465
حكم الزيادة والنقصان في عدد تكبيرات صلاة الاستسقاء
السؤال
ما حكم الزيادة والنقصان في عدد تكبيرات صلاة الاستسقاء؟
الجواب
المشروع أن يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، على الأصل الذي ذكرناه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في صلاة العيد، وعلى هذا فلا يشرع له أن يزيد، وبناءً على ذلك تكون السنة على هذه الصفة الواردة، ولو زاد تكبيرة فبعض العلماء يرى من ناحية الأصل أنها بدعة، ويرى كأنه قد تكلم بكلام أجنبي، فيتفرع الحكم على هذه المسألة عن حكم الكلام في الصلاة إذا كان بذكر الله كالتكبير والتحميد وتلاوة القرآن، وإذا كان بغيره، وإن كان الأقوى أنها لا تبطل، فإذا زاد تكبيرة لا تبطل، لكنه يأثم؛ لأنها بدعة وحدث، فيعتبر آثماً إذا كان عالماً.
لكن لو شك هل الذي كبره أربع تكبيرات أو خمس تكبيرات فإنه يبني على الأقل حتى يستيقن، على الأصل الذي دل عليه حديث عبد الله بن زيد ﵁، وكذلك أحاديث الشك في عدد ركعات الصلاة كحديث أبي سعيد، وأبي موسى رضي الله عن الجميع، وهي كلها ثابتة وصحيحة عن النبي ﷺ .
أما كونه يزيد في عدد التكبيرات من عند نفسه فلا؛ لأننا قلنا: إن هذا من البدعة والحدث، ويأثم صاحبه.
والله تعالى أعلم.
стр. 1466
قلب الرداء في الاستسقاء يشمل غطاء الرأس
السؤال
هل قلب الرداء في الاستسقاء يشمل ما يغطى به الرأس؟
الجواب
الرداء هو ما يلبس لأعالي البدن، وما يكون لأسفل البدن يسمى إزاراً في لغة العرب، مثل ما يلبس المحرم، ولقد قلب رداءه ﵊، فجعل ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، وهذا هو السنة عن النبي ﷺ ، فطرد بعض العلماء ﵏ ذلك في الملبوس الآن، وقال: لما كان المعنى هو التفاؤل بتغيّر الحال واسترحام الله وحسن الظن بالله شرع إذا كان له عباءة كالبشت ونحوه أن يقلبه، ولا حرج أن يجعل أيمنه على يساره وأيسره على يمينه.
قالوا: وكذلك أيضاً إذا لم يكن عليه عباءة قلب غطاءه الذي على رأسه كالغترة والشال ونحوهما، ولا حرج عليه أن يقلبه فيجعل أيمنه أيسره وأيسره أيمنه؛ لأن المعنى موجود، وصورة الثوب غير مؤثرة؛ لأن مقصود النبي ﷺ حسن الظن بالله والفأل المحمود شرعاً.
والله تعالى أعلم.
стр. 1467
حكم تخصيص يوم الإثنين بصلاة الاستسقاء
السؤال
هل ورد دليل على تخصيص الصلاة بيوم الإثنين؟
الجواب
اختار بعض العلماء يوم الاثنين لأنه يوم صيام، وهو أرفق وأيسر على الناس، فكرهوا يوم السبت لأنه يوم اليهود، وكرهوا يوم الأحد لأنه يوم النصارى، ويرون أن ابتداء الإثنين أرفق بالناس، ويوافق عرض الأعمال على الله، ثم إن الناس يصومونه فهم أقرب إلى الله ، ومثل الإثنين يكون الخميس؛ لأن للخميس ما للإثنين، وقد يكون أرفق من جهة كونه أخف عليهم.
ومع ذلك فليس هناك دليل لتخصيص الإثنين، لكن لو خصص الإثنين فلا حرج، لزومه واعتقاد وجوبه فليس هناك دليل على ذلك، وفرق بين أن نقول: يخصص يوم للخروج، وقولنا: يجب خروج هذا اليوم، فتخصيص أي يوم للخروج ثبتت به السنة، وأما اعتقاد وجوبه فلا.
والله تعالى أعلم.
стр. 1468
حكم رفع اليدين عند دعاء الخطيب في الجمعة
السؤال
هل يشرع رفع اليدين في خطبة الجمعة إذا دعا الخطيب؟
الجواب
رفع اليدين في خطبة الجمعة لا يشرع إلا عند الاستسقاء؛ لأن النبي ﷺ إنما رفع حين استسقى، كما في الصحيحين من حديث أنس ﵁ وأرضاه، فدل على أنه كان من هديه إذا دعا أنه لا يرفع إلا في استسقائه، ومن هنا أخذ العلماء ﵏ أنه لا يشرع الرفع، ولما رفع مروان بن الحكم على منبر النبي ﷺ قال عمارة بن رؤيبة: تباً لهاتين اليدين.
وهذا إنكار عليه، فلم يكن النبي ﷺ يزيد على أن يشير بإصبعه: اللهم اغفر لنا.
اللهم ارحمنا.
اللهم تب علينا.
ونحو هذا، فما كان يرفع يديه صلوات الله وسلامه عليه في دعائه في خطبة الجمعة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1469
من عليه أكثر من كفارة يمين
السؤال
امرأة عليها كفارات أيمان، فهل تكفر كفارة واحدة أم متعددة؟
الجواب
هذا فيه تفصيل، فإذا حلفت اليمين على شيء واحد وكررت اليمين فقالت: والله لا أخرج.
ثم بعد ساعة قيل لها: اخرجي، قالت: والله لا أخرج.
ثم في اليوم الثاني قيل لها: اخرجي.
قالت: والله لا أخرج.
فحينئذٍ لو حلفت ألف يمين على هذا الشيء المعين فكفارته كفارة واحدة، وأما إذا كانت حلفت أيماناً متعددة على أشياء متعددة فإن الكفارة فيها متعددة بتعددها، وذلك لاختلاف أسبابها، فكل يمين تستقل بحكمها، ويجب التكفير عن كل واحدة منها منفردة عن أختها.
والله تعالى أعلم.
стр. 1470
حكم إدراج نية الوضوء في الغسل المستحب أو الواجب
السؤال
ما حكم إدراج نية الوضوء في الغسل، سواء أكان للتبرد أم للجنابة أم للجمعة؟
الجواب
لا حرج أن يدرج الإنسان الوضوء تحت الغسل، فتنوي قبل غسلك أن تصلي بعد الغسل، فهذا لا حرج فيه، لحديث أم المؤمنين عائشة: (أن النبي ﷺ ما كان يتوضأ بعد غسله)، فكان بعد الغسل يصلي مباشرة، فأجمع العلماء على أن من نوى بغسله أن يصلي أنه يجزئه، سواء أكان الغسل للجنابة أم كان غسلاً مستحباً.
والله تعالى أعلم.
стр. 1471
وقت قيام المرأة إلى الصلاة المكتوبة
السؤال
هل تصلي المرأة الصلوات الخمس بعد انتهاء الإمام من الصلاة، أم بعد دخول الوقت مباشرة؟
الجواب
إذا دخل الوقت يجوز للمرأة أن تصلي، فإذا سمعت النداء، أو غلب على ظنها أن وقت الصلاة قد دخل فإنها تصلي.
لا تلزم بصلاة الإمام، ولا يجب عليها أن تتقيد بصلاة الإمام، وإنما يتقيد بصلاة الإمام الرجل في يوم الجمعة إذا كان قد ترك الجمعة تهاوناً فإنه لا يصليها ظهراً إلا بعد صلاة الإمام للجمعة؛ لأنها لا تجب عليه ظهراً إلا بعد فراغ الإمام من الجمعة.
والله تعالى أعلم.
стр. 1472
حكم الدخول مع الجماعة إذا أدرك المصلي التشهد الأخير
السؤال
إذا وصلت المسجد والجماعة في التشهد الأخير فهل أجلس معهم للتشهد، ثم أتم، أم أنتظر حتى يتجمع بعض المتأخرين ونقيم جماعة جديدة؟
الجواب
من دخل المسجد وجب عليه أن يدخل مع الجماعة لظاهر السنة عن النبي ﷺ في قوله: (فإذا أقيمت فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا) فقال: (فما أدركتم) ولم يفرق بين قليل ولا كثير، ولذلك يقولون: إن النبي ﷺ شدد في ترك الجماعة حتى قال للرجلين: (ما منعكما أن تصليا في القوم؟ ألستما بمسلمين؟ -مع أنهما كانا قد صليا في رحالهما- فقالا: يا رسول الله! قد صلينا في رحالنا.
قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا فإنها لكما نافلة).
فكون الإنسان يدخل والجماعة قائمة والإمام في صلاته ويبقى واقفاً ينتظر تسليم الإمام فهذا لا أصل له من جهة الدليل، أي: ليس هناك دليل يستثني هذا العموم الوارد عن رسول الله ﷺ ، ولذلك ينص العلماء ﵏ لحديث أبي هريرة في الصحيح على أنه ينبغي عليه أن يدخل مع الجماعة، ومنهم من يقول: يجب عليه أن يدخل مع الإمام ولا يتخلف، وقد جاء الأمر في بعض الأحاديث في السنن مفسراً ذلك، فقال: (على أي حالة أدركتمونا فصلوا) بمعنى أنه يجب على الإنسان أن يدخل على الحالة التي يجد عليها الإمام.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس والعامة أنهم يرون الإمام ساجداً فيبقون حتى يرفع الإمام من سجوده، وهذا فوات للخير وفوات للبركة، ولذلك ينبغي على الإنسان إذا وجد الإمام ساجداً أن يسجد، فإن الله يرفعه بها درجة ويعظم له بها الأجر، وقد يستجيب الله له الدعاء، فقد يوافق باباً مفتوحاً في السماء فيستجاب له، وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ حث على الدعاء عند السجود وقال: (فقمن أن يستجاب لكم)، فترك السجود والفضل والدرجات والانتظار حتى يقوم الإمام فوات للخير.
فيفوته وقت الصلاة؛ لأن هذا القدر الذي فيه السجدة يعتبر من أول الوقت، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (إن العبد ليصلي الصلاة وما يصليها في وقتها، ولما فاته من وقتها خير له من الدنيا وما فيها)، فلحظات يسيرة ربما تكون خيراً للإنسان من الدنيا وما فيها، فهذا القدر اليسير تدركه والإمام راكع، وتدركه والإمام ساجد، وتدركه والإمام جالس بين السجدتين، وهو يتشهد، فعلى أي حالة أدركت الإمام فصلِّ رحمك الله، وادخل مع الجماعة، فهذا هو نص السنة.
فإذا صلى مع الجماعة الأولى أدرك فضل أول الوقت وأدرك فضيلة الجماعة الأولى، وإن كان لم يدرك حكم الجماعة، وفرق بين قولنا: أدرك حكم الجماعة، وبين قولنا: أدرك فضل الجماعة، فقد نص العلماء على أن من أدرك الإمام قبل أن يسلم فإنه يكون مدركاً لفضل الجماعة الأولى، ولذلك قالوا في روايات فضل صلاة الجماعة على الفرد، كرواية:: (سبع وعشرين درجة)، ورواية: (خمس وعشرين درجة): إن رواية (سبع وعشرين) لمن أدركها كاملة، ورواية: (وخمس وعشرين) لمن أدركها في آخرها، ورواية: (ست وعشرين) لمن أدرك ما بينهما.
فمن السنة أن الإنسان يدخل مع الإمام، وهذا هو الذي حرص الإسلام عليه لاجتماع الشمل، وكأن الإسلام يريد أن يجتمع الناس، وأن لا يتفرقوا، وأن لا يكون ذلك سبباً في زوال المعنى الذي من أجله قصدت صلاة الجماعة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
стр. 1473
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الجنائز [١]
عيادة المريض من السنن التي حث الشارع عليها ورتب عليها الثواب العظيم، سواء أكان المريض مسلماً أم كافراً، ومقصد الشارع من العيادة أنها من المواساة لذلك المريض وتصبيره، والمريض الذي أوشك على الموت وعرف ذلك بالعلامات الدالة عليه ينبغي أن يذكر بالتوبة والوصية، كما يستحب أن يُحسن ظنه بالله، وأن يلقن الشهادة، ويستخدم معه الوسائل التي تيسر عليه النطق بها، مثل تعاهد بل حلقه بالماء أو بشراب؛ فإن ذلك مما يعين على سهولة نطقه وحديثه، وكذلك ذكر الآيات والأحاديث التي تبين سعة رحمة الله.
стр. 1474
بيان أن عيادة المريض من السنة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: يقول المؤلف عليه ﵀: [كتاب الجنائز].
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [كتاب الجنائز].
الجنائز: جمع جَنازة أو جِنازة -لغتان- وقال بعض العلماء: جَنازةٌ (بالفتح) للميت نفسه، وجِنازة (بالكسر) للسرير الذي يُحمل عليه الميت.
وقيل: إنها مأخوذة من جَنز الشيء إذا استتر، و (الجنائز) المراد بها: بيان الأحكام المتعلقة بالميت.
ومناسبة هذا الكتاب لما تقدم: أن للعبد حالتين: الحالة الأولى تتعلق بدنياه، والحالة الثانية تتعلق بآخرته، فبعد بيان العبادات التي تتعلق بدنياه شرع ﵀ ببيان جملة من المسائل والأحكام الشرعية المتعلقة بالمكلف عند موته أو بعد موته، وذلك من عيادته، وتلقينه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه.
وهذا الباب يعتني به العلماء من المحدثين والفقهاء ﵏، وقد اشتمل على جملة من المسائل والأحكام الشرعية، وختم به المصنف ﵀ كتاب الصلاة، وكأنه لما عبر بالكتاب جعله وسطاً بين الصلاة والزكاة، والسبب في ذلك: تردد حالة الإنسان في العبادات بين كونها عبادة تتعلق بالدنيا، وعبادة تتعلق بالآخرة، فناسب التقسيم من هذا الوجه، كأنه حينما قال لنا: [كتاب الجنائز] كأنه يقول لك: في هذا الموضع سأذكرُ لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالميت، وما ينبغي على أهله وذويه إذا نزل به الموت، وكذلك ما ينبغي على المسلمين من الصلاة عليه ودفنه والدعاء له.
يقول ﵀: [تُسن عيادة المريض].
هذه السنية دلت عليها النصوص المتضافرة الواردة عن النبي ﷺ قولاً وفعلاً، وعيادة المريض من أجل القربات وأحب الطاعات إلى الله جل وعلا، والتي جمع بها بين قلوب المؤمنين والمؤمنات؛ لما تشتمل عليه من رحمةِ بعضهم ببعض؛ ولما فيها من معونة المسلم لأخيه المسلم في حالة هو أشد ما يكون إلى رؤية إخوانه، والتعزي بما نزل في جسده، وما أُصيبَ به في نفسه.
وقد فعل النبي ﷺ هذه العيادة، وأمر بها أصحابه رضوان الله عليهم، وأمته من بعدهم، فكان ﵊ يعود المريض، وفي الصحيح عنه ﵊ أنه عاد سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه وسلاه، وأخبره بمعجزة من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه وهي أنه يعمر، وينتفع به أقوامٌ -وهم المسلمون- ويستضر به أقوامٌ -وهم الكافرون- وكان كما قال.
وكذلك عاد ﵊ جابر بن عبد الله ﵁، وصبّ وضوءه عليه فشفي.
وكذلك ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه عاد يهودياً.
فالسنة بفعله ﵊ تدل على مشروعية هذه العبادة الجليلة، وكذلك أمر بها ﵊، وفي الصحيح عنه ﵊ من حديث البراء أنه أمر بعيادة المريض وإبرار المقسم، وجعلها من السبع التي أمر بها أصحابه وأمته من بعده صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
стр. 1475
فضل عيادة المريض
ندب ﵊ إلى عيادة المريض، وأخبر عما فيها من عظيم الأجر وجزيل الثواب عند الله ، ففي الصحيح عنه ﵊ أنه قال: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة حتى يعود، قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: جناها)، وللعلماء في هذا الحديث وجهان: الوجه الأول: أن قوله: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة) أي: شبه حال الإنسان وهو خارجٌ لعيادة أخيه المسلم بحال الرجل الذي جلس أمام ثمار البستان يجني منها ما لذّ وطاب، فالذي يعود المريض يجني ثمرة عيادته من عظيم الأجر والمثوبة عند الله ، فكما أن صاحب البستان جالسٌ أمام خير من الدنيا، فمن عاد المريض جالسٌ أمام خيرٍ من الآخرة، وهذا يدل على عظيم الفضل، كأنه يجني الثواب بدون حساب؛ من كثرة ما في ذلك من الأجر والمثوبة عند الله .
والوجه الثاني: أن قوله: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة حتى يعود) أي: أن الطريق الذي سلكه في عيادة أخيه المسلم حال مرضه أشبه بالطريق إلى الجنة، بمعنى: أنه سينتهي به إلى الجنة.
وهذا كله يؤكد فضل عيادة المريض، ويدل على استحبابها وتأكد هذا الاستحباب.
ويعظم حق المريض بحسب قربه؛ فإن كان من الوالدين أو من القرابات والأرحام فالأمر في حقه آكد وأشد، ولذلك كان من وصل مريضاً وله قرابةٌ به فإنه يؤجر من وجهين: الوجه الأول: من جهة عيادته للمريض، وله أجر عيادة المريض المطلق.
والوجه الثاني: أنه يؤجر من جهة كونه وصل الرحم وبلها ببلالها، واتقى الله فيها.
فأفضل ما تكون عيادة المرضى، إذا كانت للأقرباء ومن لهم رحمٌ بالإنسان وصلة، فإن حقهم آكد وأعظم، والتقصير في حقهم لاشك أنه أكثرُ إثماً وأعظم جرماً.
следующие страницы →