← Тафсир

Тафсир · id 7697

تفسير سورة النور

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (108 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة تفسير سورة النور [١] إن دين الإسلام أقوم الأديان، وشريعته هي أوسط الشرائع، فقد جاء هذا الدين باليسر والتبشير، والله بحكمته وعلمه جعل في هذا الدين حدوداً تصون المجتمع، حتى لا يتعدى حماه. وبحفظ الحدود تحفظ الأعراض والأموال، وإن من العقوبات والحدود التي أقرت حفظاً للأعراض حد الزنا، لما لانتشار هذه الفاحشة من هتك للأعراض واختلاط للأنساب، لذا فقد رتب الله لهذه الجريمة حداً يتناسب مع عظمها وخطورتها.

стр. 2

علم القرآن هو أفضل العلوم وأشرفها بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [القرقان:١] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء:٣٠] ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه فجعله بشيراً ونذيراً، ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٦] ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: الحمد لله الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك، والحمد لله الذي جمعنا في بيت من بيوته على أشرف كلام وأكمل نظام، جعله الله نوراً وطريقاً إلى رحمته ودار السلام، الحمد لله الذي جمعنا على القرآن، وألف بين قلوبنا بالقرآن، وهدانا إلى رحمته بالقرآن، فليس هناك مكان أشرف عند الله من مكان تتلى فيه آيات الله، ولا زمان أفضل من زمان يقضى في بيان كتاب الله. لذلك فإن العناية بكتاب الله ومذاكرته وتفهُّم معانيه وترسُّم هديه، نعمة من الله ﵎. ولذلك اصطلح العلماء ﵏ على تسمية هذا العلم بعلم التفسير، وإن عمَّموه قالوا: علم القرآن، وأرادوا بذلك العناية بكتاب الله بمعرفة حدوده، والوقوف عند آياته وعظاته. ومن ثم كان أشرف العلوم وأزكاها وأعلاها: علم تفسير كتاب الله بمعرفة حلاله وحرامه، ووعده ووعيده، وبشارته ونذارته، والوقوف على أحكامه، وتبين مسائله وشرائعه، فالعناية بذلك كله توفيقٌ من الله ﵎، ومنحةٌ وعطيةٌ من الله . إن كتاب الله هو حبله المتين، وصراطه المبين، وحجته على الجاحدين، ومحجته المفضية إلى رضوانه المبين، إنه كتاب الله الذي تنشرح به الصدور، وتستنير به القلوب، فكم أدمع لله عيوناً، وكم أسهر من خشية الله جفوناً، وكم أخشع لله قلوباً، وكم أقام بين يدي الله أقداماً، وكم أصبح من أجله العبادُ صياماً، إنه كلام الله الذي هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى، بيَّن الله فيه الحلال والحرام، وجعله السبيل الوحيد إلى دار الكرامة والسلام، إنه كتاب الله الذي لا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، من ارتوى منه فقد ارتوى من المعين الصافي، ومن ارتوى من ذلك المعين فلا يضل ولا يشقى. قال بعض السلف: ضَمِن الله لمن قرأ كتابه، فأحل حلاله وحرم حرامه؛ أن لا يضل ولا يشقى، قال الله : ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] .

стр. 3

حال السلف مع القرآن هذا الكتاب هو الذي بيننا وبين الله، من أحب هذا الكتاب واطمأن لآياته وعمل بعظاته، ووقف عند حدوده، بلَّغه الله سعادة الدارين، وأصاب الفوز في الدارين، ولذلك لما علم السلف الصالح رحمة الله عليهم حقيقةَ العلم، استعصموا بهذا الكتاب بعد الله، واستمسكوا به، فكانوا به رهبان الليل، وفرسان النهار، ظمئوا من أجله بالهواجر، وقطعوا به الليل تسبيحاً وقرآناً. فإذا أراد الله بالعبد السعادة، وأراد أن يبلِّغه مرتبة الولاية: شرح صدره للقرآن، ونور قلبه بالقرآن، وجعله محباً للقرآن، محباً لتلاوته، محباً لمعرفة أحكامه وحدوده، محباً للعمل بما علم من ذلك القرآن، وقد أشار النبي ﵌ إلى هذا الفضل العظيم والمقام الكريم، فقال عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فشهد ﵊ بأن خير العباد مَن تعلم كتاب الله، وعمل بما علم منه، وكذلك علمه للغير. وكان الصحابة رضوان الله عليهم على وعي كامل بهذه الحقيقة؛ فكان الرجل منهم يترسم كتاب الله في ليله ونهاره في غيبته ومشهده؛ ففي غيبته عن الأنظار -خالياً وحيداً- يتلو كتاب الله بقلب يتدبره، وعين تخشع لآياته وتدمع من عظاته، وكذلك في المشهد على ملأٍ من الناس يفجر حكمه وأسراره، ويبيِّن أحكامه وأخباره؛ فلما كانت هذه أحوالهم رفع الله شأنهم، وقذف في قلوب العباد محبتهم؛ فكانوا أهل القرآن، وكانت حياتهم مع القرآن ليلهم مع القرآن نهارهم مع القرآن، وأبت نفوسهم الأبية أن تخلِّف هذا الكتاب وراء الظهور حتى لقنوه صغارهم، وأدبوا عليه أطفالهم؛ فنشأ الصغير محباً لكتاب الله، وترعرع الطفل على محبة كلام الله؛ فأصبحت قلوبهم معلقةً بهذا الكتاب، وأصبحت مساجدهم تعج بأصواتهم تلاوةً للقرآن وتفسيراً. وكل ذلك يدلنا على منزلة كلام الله عند عباد الله الأخيار، وصفوته الأبرار من سلف هذه الأمة الصالح. ومن هنا نقول: لا صلاح للخلف إلا بترسم منهج السلف، كما قال الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس ﵀: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) .

стр. 4

هجر القرآن سبب الهوان على الله فلما تنكب العباد عن هذا الهدي القويم، وحادوا عن هذا الصراط المستقيم، وأصبح كتاب الله مهجوراً، وتلاوته غروراً، وأصبح الإنسان لا يعرف القرآن إلا بلسانه، أما العمل والتطبيق والتحقيق للغاية منه، والسير على هذا المنهج -منهج النبي والصحابة- فغائب عن واقع حياتنا. ولما أصبحنا بهذه المثابة وتنكبنا عن صراط الله، وذهبت حلاوة القرآن من القلوب، وأصبح كثير من الناس لا يجد لكلام الله أثراً، ولا يجد له لذة وعظةً في قلبه وفؤاده؛ صرنا إلى ما نحن فيه الآن. من هنا علمنا أن الداء كل الداء، والبلاء كل البلاء في إعراضنا عن كتاب الله، وصدق الله إذ يقول في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤-١٢٦] . إن أحَبُّ المجالس إلى الله مجلس يُعْمَر بكلام الله، وأطيب الحديث حديثٌ يذكَّر فيه بكلام الله. ومن هنا أحببنا أن يكون هذا المجلس في تفسير كلام الله ، وفي بيان ما اشتمل عليه هذا الكلام من نَظْم بديع، ومعنى رفيع، يهدي إلى صراط الله المستقيم، وسبيله القويم. أحببنا أن نتشرف بالتأسي بالسلف الصالح، فنُبَيِّنُ -ويُبَيَّنُ لنا- ما في هذا الكتاب من عظات، علها أن تكون سبباً لنا في القُرْب من رب الأرض والسماوات. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل هذا المجلس خالصاً لوجهه، نافعاً يوم لقائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يوفقنا فيه لصلاح القول والعمل.

стр. 5

تفسير سورة النور قد كنتُ أحب أن أبتدئ مباشرة بتفسير هذه السورة التي اخترناها -أعني: سورة النور- ولكني نظرت إلى الجمع وعلمت أن الكثير يحتاج إلى شيءٍ نمهد به لبيان هذه السورة، وبيان مكانتها ومنزلتها، بعد أن نبين فضل القرآن وفضل العناية به؛ فلذلك أحببت أن أقدم بهذه المقدمة، وقد كان من المقرر أن نتكلم على بعض الأمور المهمة التي ينبغي لكل طالب علم أن يعتني بها في تفسير كتاب الله ؛ ولكني نظرتُ إلى الجمع ووجدت أن بيننا أناساً لهم حق علينا، وأن ذكر هذه المسائل قد يشوش عليهم، فآثرت أن يكون الكلام على قواعد التفسير ومسائله وضوابطه عند العلماء ﵏ هو خاتمة سورة النور إن شاء الله تعالى. وبعد أن ننتهي من تفسيرها بإذن الله ، سنتكلم بإسهاب في قواعد التفسير وضوابطه عند سلف الأمة وخلفها رحمة الله على الجميع. ونسأل الله أن يمن علينا جميعاً بالتوفيق والسداد. وإنما قدمت بهذه المقدمة لما رأيت معنا الكثير من العوام، والذين يحتاجون إلى أن يُذكَّروا بهذه الذكرى، وإلا كان من المقرر أن نبدأ مباشرة في التفسير. وأنبه هنا على أمر: وهو أني كنت أحب أن يكون التفسير بذكر القراءات، وأوجه اللغات، والبسط في الأحكام والمسائل الفقهية، ولكني أخشى أيضاً التشويش على العامة. ومن هنا إن شاء الله سيكون تفسيرنا بإذن الله وسطاً لطلاب العلم بحيث يكون كالبداية لطالب العلم؛ لأننا لا نحب أن يكون فيه تشويش على العامة، كما ورد في الأثر: (حدثوا الناس بما يعلمون) . فإن شاء الله سيكون في هذا القدر حظ لطالب العلم، وللعامي حتى تكون الفائدة للجميع. وسنبدأ إن شاء الله بسورة النور، وسيكون منهجنا بإذن الله التركيز أكثر ما يكون على بيان العقيدة والأحكام الشرعية وما يتبع ذلك من الآداب.

стр. 6

تسمية سورة النور بهذا الاسم سورة النور، هذه السورة العظيمة سميت بالنور لقول الله ﵎ فيها: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] ، وهذه التسمية لهذه السورة الكريمة إنما هي من باب تسمية الشيء بما ورد فيه، فتسمية سور القرآن بما ورد فيها من الحوادث، أو بما ورد فيها من الأحكام المهمة؛ وهو منهج موجود في كتاب الله وسنة النبي ﷺ ؛ ولذلك سميت بهذا الاسم لشرف الآية المذكورة، قال العلماء: إن تسمية السور بما ورد فيها يعتبر من باب الدلالة على ذلك الجزء المسمى به، سواء كان حكماً، أو كان قصةً، أو كان خبراً. وهذه السورة مدنية بالإجماع، نزلت على النبي ﷺ في المدينة، والسور المدنية التي تمتاز ببيان الشرائع والأحكام.

стр. 7

خصوصية سورة النور في استفتاحها استفتح الله ﵎ هذه السورة بتنبيه العباد إلى فضلها، وعلو مكانها ومنزلتها. فقال جل من قائل بعد أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحَيْمِ ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] قد كان من عادة القرآن أن تُسْتَفتح السور فيه بمقاصده، ويذكر الله فيها ما يذكره، ولكن هذه السورة خاصة استفتحها الله بتنبيه العباد على عظيم شأنها، ولذلك اعتُبر من خصائص سورة النور أن الله استفتحها ببيان فضلها، فهذه منزلة لسورة النور لم تشاركها فيها غيرها من سور القرآن.

стр. 8

مجمل الموضوعات التي تناولتها سورة النور

стр. 9

التحذير من اتباع خطوات الشيطان ثم انتقلت الآيات إلى بيان أسباب الشرور والفتن والمحن كلها، وذلك في آيةٍ مشتملةٍ على وصية من الله، يقول الله فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١] ، فرَدَّ الأمور إلى أسبابها، وأقامها في نصابها، وبيَّن أنها بسبب تتبع الشيطان، وأن الإنسان لا يُبْلى بفاحشة ولا منكر إلى من طريقه.

стр. 10

بيان عظمة الله بذكر آياته في الكون ثم مضت السورة إلى ما يتبع ذلك من بيان عظمة الله ﵎ وجلاله، فتحدثت عن آيات الله في الكون، فذكَّرت بآياته على الأرض، وذكرت بآياته في السماء، وذكَّرت بآياته بين السماء والأرض، حتى ذكّرت بالطير صافات، تسبح بحمد ربها، وتذكر خالقها، فحركت هذه الآيات من المؤمن أحاسيسه ووجدانه في طاعة الله وذكره.

стр. 11

بيان شروط الاستئذان وآدابه ثم انتقلت هذه الآيات بعد ذلك إلى بيوت المسلمين، فأدبت الصغير والكبير في الدخول والخروج، وأثبتت وجوب الاستئذان، وبيَّنت حدوده وزمانه، وبيَّنت البيوت التي يجب الاستئذان عند دخولها، والبيوت التي لا حرج في دخولها من دون استئذان. ثم انتقلت الآية من مَعْلَمِ خير إلى مَعْلم خير آخر، حتى خُتِمت بالدلالة على عظمة الله، وبيان جلال الله ﵎. وهذا كله بأسلوب رفيع، ونظم بديع، يذكر بالله العظيم السميع. وبداية ومع هذه السورة الكريمة نسأل الله أن يفتح علينا فيها فتوح العارفين به، وأن يلهمنا سداد القول والعمل. والله تعالى أعلم.

стр. 12

النزول ببراءة عائشة ﵂ ثم بعد ذلك انتقلت هذه السورة الكريمة إلى قضية عظيمة عاشها أصحاب رسول الله ﷺ وعاشتها أم المؤمنين في أيام عصيبة، وليالٍ مؤلمة، لا يعلم ما بلغ بها من الهم والغم غير ربها، فقد عانت ولاقت ما لاقت حتى جعل الله لها فرجاً ومخرجاً، فجاءت هذه الآيات سلواناً للمؤمنات، إذا قُذِفت المؤمنة وأوذيت في عرضها تذكرت بتلك الآيات أمها، فصَبَرت، وسَلَت وتعزَّت.

стр. 13

الدعوة إلى إقامة الحدود وهذه السورة بيَّن الله ﵎ فيها جملة من الشرائع والأحكام، وبيَّن فيها آداب شريعة الإسلام، إذ بيَّن في مطلع هذه السورة الكريمة فضلها، وبعد آية واحدة من مطلعها؛ إذا بآياتها تفاجئك بحد من حدود الله وعقوبة من عقوباته التي كسر بها شوكة الفسق، وقطع بها دابر الفجور والعصيان، هذا الحد هو حد الزنا الذي صان الله به أعراض المسلمين، وحفظ به بيوت عباده المؤمنين، فبين وجوب حد الزنا، وبين مقداره ولزومه، وأوجب على العباد أن يقوموا به، ولا تأخذهم في الله لومة لائم في أداء ذلك الحد والقيام به على وجهه، وبعد تلك الآيات القصيرة في بيان هذا الحد العظيم، إذا به يستفتح بحد آخر وهو حد القذف الذي أدب به ألسن عباده المؤمنين، فصانهم عن قذف المؤمنين والمؤمنات، والتعرض لهم بالبهتان والزور، ونسبتهم إلى الغي والفجور، فابتدأ بحد القذف، فبيَّن الله ﵎ عقوبته، وحذر العباد من إصابته، ثم بيَّن بعد ذلك حكم قذف الزوج لزوجته وهي الحالة التي قد يبتلى بها العبد، فيرى من زوجه ما يسوءه لا ما يسره، فيقف ذلك الموقف العصيب بين خيارات مؤلمة، وقفها بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فجعل الله لهم من ذلك الغم فرجاً، كما في الصحيح من حديث عويمر العجلاني ﵁ أنه قال: (يا رسول الله! إن قتل قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ) فجاءت هذه الآيات مبينةً لهذا الحد، ومبينةً للّعان الذي به يندفع الشر عن الزوج، ويُصان فراشه، ونسبه وعرضه.

стр. 14

تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون) أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ. بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحَيْمِ. ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:١-٣] .

стр. 15

معنى قوله تعالى: (لعلكم تذكرون) لأن الإنسان يمر بثلاث مراحل مع كتاب الله : المرحلة الأولى: سماعه والإصغاء إليه. والمرحلة الثانية: تدبره وتفهم معانيه. والمرحلة الثالثة: العمل بمقتضى ذلك التدبر. كما أشار الله ﵎ إلى ذلك بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] .

стр. 16

معنى آية قوله: ﴿آيَاتٍ﴾ [النور:١] : جمع آية، والآية في لغة العرب: العلامة. وقوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١] : أي: بينة واضحة، والبينة في لغة العرب: هي الحجة والدليل الواضح، ومنه قول زهير في قصيدته: أضاءت فلم تغفر لها خلواتها فلاقت بياناً عند آخر معهد دماً عند شلوٍ تحجل الطير حوله وبضع لحام في إهاب مقدد فقوله (بياناً) : أي: وجدت علامة واضحة على فقد صغيرها؛ لأنه يتحدث عن دابة فَقَدَت صغيرها الذي افترسه السبع، فالمراد أن البينة هي العلامة والحجة الواضحة. وقوله تعالى: (بَيِّنَاتٍ) أي: لا لبس فيها ولا غموض. قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور:١] : لعل حرف ترج، أي على رجاء أن تتذكروا، الذِّكْر ضد الغفلة والنسيان، وذَكَرَ الشيءَ إذا استقر في ذهنه وفي ذاكرته، والمراد بالذكرى تأثرُ الإنسان بما يتلى عليه من كتاب الله ، والذكرى هي المرحلة الثانية الداعية إلى العمل.

стр. 17

معنى أنزلناها وبيان علو الله وفي قوله تعالى: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور:١] : نزل الشيء إذا انحط من مكان عالٍ إلى ما هو أسفل منه. وفي قوله: (أَنْزَلْنَاهَا) إشارة إلى مَن أنزل وإلى الشيء المنَزَّل، فالمُنْزِل هو الله، وعبَّر بضمير الجمع إشارة إلى التعظيم والتفخيم، والعرب تستخدم أسلوب الجمع أو ضمير الجمع للمفرد على سبيل التعظيم والتفخيم، فيقول الرجل المفرد: نحن فلان، أو نحن فعلنا، أو نحن قلنا، كل ذلك على سبيل التعظيم، والله خليقٌ بذلك، فهو المنزِّل . والضمير الأخير في قوله: (أَنْزَلْنَاهَا) عائد إلى السورة، وفي هذا دليل على علو الله ﵎ وفوقيته على خلقه خلافاً لمن زعم رد الفوقية، ومذهبُ السلف الصالح رحمة الله عليهم: إثبات الفوقية لله لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله ﵎: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠] ، وهنا أشار إلى ذلك ضمناً في قوله: (أَنْزَلْنَاهَا) ، كما أشار إلى هذه الصفة ضمناً في قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] ، والأحاديث في الدلالة على هذه الصفة مستفيضة واضحة.

стр. 18

معنى: (فرضناها) وفي قوله : ﴿أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور:١] : (الواو) للعطف، أي: كما أنزلناها فرضناها، وفَرَضَ الشيءَ بمعنى أوجبه، وقيل: فَرَضَ بمعنى قَطَع، ومنه فرضة السهم. وقوله: (فَرَضْنَاهَا) أي: أوجبناها، وهناك قراءتان: - (فَرَّضْنَاهَا) : بالتشديد. - و (فَرَضْنَاهَا) : بالتخفيف. واختلف العلماء ﵏ في المعنى: فقيل: (فَرَضْنَاهَا) أي: أوجبنا على العباد تحليل حلالها وتحريم حرامها، وهذا هو قول مجاهد بن جبر ﵀ تلميذ ابن عباس ﵄. والقول الثاني في قوله: (فَرَضْنَاهَا) أي: بيَّناها وأوضحناها، وهو قول عبد الله بن عباس ﵄. وفي قوله تعالى: (فَرَضْنَاهَا) أي: فرضنا على العباد علمها، وقد اختار بعض العلماء ﵏ الجمع بين المعنيين، وهو قول الإمام ابن جرير الطبري رحمة الله عليه، فقد اختار أن قوله تعالى: (فَرَضْنَاهَا) المراد كلا الأمرين: أي أوجبنا على العباد إحلال حلالها وتحريم حرامها، وبيَّنَّا لهم فيها الأحكام والشرائع.

стр. 19

الفرق بين قوله: (أنزل) و (نزّل) وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور:١] : تارةً يعبِّر القرآنُ بـ (أنْزَل) وتارةً يعبِّر بـ (نَزَّل) ، قال بعض العلماء: هناك فرق بين قوله تعالى: (أنْزَل) وبين قوله: (نَزَّل) ، فإن عُبِّر بـ (أنْزَل) ؛ فالمراد به نزول الشيء كاملاً، وإن عُبِّر بـ (نَزَّل) ؛ فالمراد به تجزئة الشيء ونزوله نجماً نجماً. وهذا هو اختيار طائفة من المحققين ﵏. وقد أشار الله ﵎ إلى نزول القرآن جملةً كما في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦] ، فعبَّر بـ (أنزل) في الجملة، وأما في التفصيل فقال: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ [الإسراء:١٠٦] ، فدل على أن (أنزل) للجميع، و (نَزَّل) للمنجم، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] ، أي: أنزلناه كاملاً إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، وهو اختيار طائفة من العلماء والسلف ﵏. يقول تعالى: (وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) .

стр. 20

معاني السورة يقول الله ﵎: ﴿سُوْرَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور:١] : السورة -في لغة العرب- للعلماء فيها قولان: القول الأول: أنها مأخوذة من الارتفاع، ولذلك سُمِّي السور سوراً لارتفاعه عن الأرض، قالوا: سميت السورة سورة لارتفاعها وعلو منزلتها، ولأن القارئ إذا قرأها وحصَّلها حصل مرتبة لم يكن أصابها من قبل، والعرب تصف بالسورة المنزلة العالية والمقام الشريف، ومنه قول النابغة يمدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة في قوله: ألم تر أن الله أعطاك سورةً ترى كل مَلْكٍ دونها يتذبذب أي: أعطاك منزلة عالية ومقاماً شريفاً. والقول الثاني: أن السورة مأخوذة من السؤر، وسؤر الشيء بقيته وفضلته، ولذلك يقال: سؤر الدابة، أي: بقية شرابها، وأصل السؤر في لغة العرب: القطعة من الشيء، قالوا: سميت السور سوراً من هذا الوجه؛ لأنها قطعة من القرآن، ولأنها تقطع عن غيرها، وتفصل عن غيرها بالبسملة، وتصبح منفردة.

стр. 21

أوجه اعراب (سورة) وقوله تعالى: ﴿سُوْرَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور:١] : قرئت (سورةٌ) على: - أنها خبر لمبتدأ محذوف. - أو أنها مبتدأٌ خبرُه الزانية والزاني. فهذان وجهان للعلماء.

стр. 22

معنى قوله تعالى: (الزانية والزاني ... ) ومسائل دلت عليها الآيات يقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢] الزانية: هي المرأة التي فعلت الزنا، والزاني اسم فاعل، أي: الرجل الذي فعل الزنا، والمراد بالزنا: جريمة من الجرائم التي كانت في الجاهلية، وما زالت في الإسلام، ومعناها في اللغة كمعناها في الاصطلاح؛ ولكن في الاصطلاح معنى يُضْبَط به الزنا يختلف عن المعنى العام الموجود في لغة العرب. وقوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] : هذه الآية فيها مسائل:

стр. 23

مراتب الزنا والزنا هو إتيان لحد من حدود الله، وجريمة من الجرائم التي لا يحبها الله، وهي كبيرة من كبائر الذنوب؛ ولكن الزنا على مراتب، فبعضه أشد جريمة من بعض، وأعظم عند الله أثراً: - فالزنا بامرأة المجاهِد في سبيل الله من أعظم الزنا، وأشده إثماً وجرماً -والعياذ بالله-: ولذلك ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ (أن مَن زنا بامرأة المجاهد في سبيل الله أنه يُقام له يوم القيامة على رءوس الخلائق يُخَيَّر في حسناته، يقول ﷺ : فما ظنكم؟!) أي هل يُبقي شيئاً من حسناته؟! نسأل الله السلامة والعافية من ذلك. - وبعده الزنا في القريبة: فالزنا بالقريبة ليس كالزنا بالغريبة البعيدة، فالزنا بذات القرابة كابنة العم ونحوها أعظم جريمة من الزنا بغيرها، وكلما كانت ألصق بالقرابة كذي المحرم -والعياذ بالله- فهو أشد جريمة، وأعظم انتهاكاً لحد الله. - ومن الزنا المعظم عند الله: الزنا بحليلة الجار: أن يزني الرجل بزوجة جاره أو أخته أو ابنته والعياذ بالله، فهذا من أكبر الكبائر وأشد الجرائم، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما سأله أحد صحابته: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خَلَقَك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) ، فهذا يدل -والعياذ بالله- على عظيم الذنب فيما إذا زنى الإنسان بحليلة الجار، ويشمل ذلك زوجته، وابنته، وأخته، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (والله! لا يؤمن، والله! لا يؤمن، والله! لا يؤمن، قالوا: مَن يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جارُه بوائقه) فهذا يدل على عظيم الإساءة إلى الجار. ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجيرنا وإياكم من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 24

معالجة الشرع لجريمة الزنا في جميع مراحلها هذه العقوبة من الله علاج لهذه الجريمة التي تُنتهك بها الأعراض، وتختلط بها الأنساب، والإسلام دين حكيم قويم عالج هذه الجريمة قبل وقوعها، وعالجها أثناء وقوعها، وعالجها بعد وقوعها: - فعالجها قبل الوقوع: حينما منع الأسباب المفضية إلى الزنا. - وعالجها أثناء الوقوع: حينما دعا إلى ترك المعصية والبُعد عنها، كما في الصحيح عن النبي ﷺ في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين) فأغلقت الشريعة أبواب الزنا، ولذلك منعت المرأة أن تكثر الخروج لغير ضرورة فقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] ، وإذا خرجت نُهيت عن التعطر حتى لا تسترسل الأنظار إليها، وكذلك نُهيت عن الضرب برجليها حتى لا يُعْلَم ما تخفيه من زينتها، ونُهيت عن أمور تكون سبباً في فتنة الغير بها، فلذلك أغلقت بهذه النواهي باب الفتنة، وأمرت المؤمن أن يغض بصره وأن يحفظ فرجه، وأن لا يختلي بامرأة لا تحل له، وأن لا يسافر بامرأة ليست من محارمه، كل ذلك قفلاً لأبواب الفساد وقطعاً لدابر أهل الإفساد. - ولما وقعت هذه الجريمة: قام سلاح الشرع مؤدباً وزاجراً حتى ينكف أهل الفساد عن الفساد، فأمر بعقوبة الزاني والزانية على ملأٍ من الناس وبمحضر من الناس حتى يكون ذلك أبلغ في زجر الغير، وأدعى للبُعد عنه.

стр. 25

صفة الرجم والفرق بين رجم الرجل والمرأة وأما صفة الرجم: فبالنسبة للرجل: السُّنَّةُ أن يُرجم وهو قائم، وألاَّ يُحفَر للرجل، لما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ (أنه لما أمر بـ ماعز أن يُرجم رُجِم دون أن يُحفَر له) ، وأما بالنسبة للمرأة فللعلماء في صفة رجمها قولان: - منهم من قال: يُحفَر لها إلى ثديها، ثم تُرجم بعد ذلك. - ومنهم من قال: تُلَفُّ في ثيابها وترجم. والقول بالحفر لها قد ورد به نص عن النبي ﷺ صحَّحها بعض العلماء، وحكم بثبوتها، فلا مانع من اعتبارها، وهو قول طائفة من السلف والخلف رحمة الله على الجميع. قالوا: الداعي إلى ذلك سترها حتى لا تنكشف. وأما بالنسبة لما يرجم به: فإنه لا يُرْجم بالحصى الصغير؛ لأن رجمه بالحصى الصغير مبالغة في الأذية، وإطالة تعذيب للمرجوم، ولا يُرجم بالحصى الكبير المبالَغ فيه، لما فيه من المبالغة في الإزهاق؛ لأن المقصود النكال، وكذلك المقصود زجر الغير عن هذا الفعل، وإنما يرجم بالحصى الذي هو وسط بين الصغير والكبير. ويكون الجلد والرجم بمحضر جماعة المسلمين: لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] ، فأمَرَ بشهوده وحضوره، لما فيه من العِظَة والعبرة، ومن ثم قال بعض العلماء ﵏: إن الله أوجب هذه الحدود حتى تكون زاجراً عن المعصية، وكذلك عقوبة لمن عصى، ومانعة لمن سلم من المعصية أن يقع فيها، لما فيها من العظة والعبرة.

стр. 26

حكم الجلد وصفته، وصفة السوط وفي قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ [النور:٢] : الجلد يكون بالسوط ونحوه، والكلام في صفة الجلد يكون في أمور: - منها: حكمه: وهو الوجوب بالإجماع، لظاهر قوله سبحانه: (فَاجْلِدُوا) ، وهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب. - ومنها: بأي شيءٍ يُجلد؟ يُجلد بسوط الذي هو وسط، ليس بشديد الطراوة، ولا شديد اليبس مما يجعله يتكسر لو ضرب به، وإنما هو بين بين، كما ورد في الأخبار والآثار وانعقد على ذلك عمل السلف والخلف رحمة الله على الجميع، فلا يُضرب بسوط يابس يتكسر ويتهشم عند الضرب به، ولا يُضرب كذلك بسوط طري ندي لما فيه من المبالغة في العقوبة والزيادة، وإنما يُضرب بما هو بين ذلك. ومنها: موضع الضرب: وأصح الأقوال عند العلماء ﵏ أن الرجل يُضرب قائماً، والمرأة تُضرب جالسة، بعد أن تلف عليها ثيابها، ويُضرب الرجل على ظهره ما بين رقبته وعجزه، ويفرق الضرب على سائر ظهره، ولا يستقر في مكان واحد حتى لا يُتْلِف عضواً من أعضائه. - ومنها: أن الجالد ينبغي له ألاَّ يجلد جلد الحانق، وألاَّ يجلد بموات. والمراد بقولهم: (جلدة الحانق) أي الذي يضرب بغيض، ومثَّل العلماء لذلك بأن قالوا: لا يرفع يده حتى يُرَى إبطه، وإنما يضربه مع استقرار يده على إبطه. وكذلك أيضاً لا يضرب بموات، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور:٢] ، فالمطلوب هو الوسط، ويُفَرَّق الضرب على الظهر على الصفة التي ذكرناها. وينبغي أن يُختار الوقت المناسب للجلد: فليتخير لذلك اليوم الذي لا يكون شديد الحر ولا شديد البرد، ويجرَّد من ثيابه، ويبقى بثوب واحد يقيه البرد إذا كان ثَمَّ برد، أو يقيه لفح الشمس على ظهره إذا كان النهار صائفاً، ويضربه على هذا الوجه بمحضر جماعة المسلمين.

стр. 27

المسألة الثالثة: حكم الزاني الثيب والخلاف في جلده المسألة الثالثة: إذا عرفنا حقيقة الزنا وما يجب بالنسبة للزاني البكر، فالسؤال: ما حكم الزاني الثيب؟ الثيب: هو كل من تزوج، ووطئ في نكاح صحيح، مسلماً، عاقلاً، بالغاً، فإذا تحقق الإسلام، مع البلوغ، مع العقل، مع نكاح صحيح، ووطءٍ صحيح فإنه يُحْكَم بكون الإنسان ثيباً، ولو أن رجلاً تزوج امرأة وعَقَد عليها ولم يدخل بها ثم زنا قبل الدخول بها، فإنه لا يزال بكراً، ولا يُحْكم بكونه ثيباً بمجرد العقد. فالثيوبة بإجماع العلماء يشترط فيها الدخول. وبناءً عليه: فمتى تحقق هذا الوصف -وهو كون الزاني ثيباً- فإن الحكم أنه يُرْجَم، وهذا بإجماع السلف والخلف، خلافاً للخوارج الذين يقولون: إن الثيب إذا زنا لا يرجم؛ لأن الله أوجب جلد الزاني ولم يوجب رجمه. ونجيبهم: بأن السنة دلت على الرجم، كما في الحديث الصحيح الذي سبقت الإشارة إليه، فحكمه أنه يجلد أولاً ثم يرجم بعد جلده. وقد اختلف العلماء ﵏ هل يُجلد الثيب قبل أن يُرجم أم لا؟ وذلك على قولين: فذهب الإمام أحمد وداوُد الظاهري وطائفة من السلف إلى أن الثيب إذا زنى يُجمع له في العقوبة بين أمرين: - أحدهما: جلده مائة جلدة. - ثم بعد ذلك يرجم سواءً كان رجلاً أو امرأة. وهذا القول دليله حديث عبادة بن الصامت عند أحمد في مسنده والإمام مسلم في صحيحه من قوله ﵊: (. والثيب بالثيب؛ جلد مائة والرجم) . وذهب الإمام أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمة الله على الجميع إلى أن الثيب يرجم ولا يجلد، واحتجوا بحديث ماعز في الصحيحين من أن النبي ﷺ أمر برجمه ولم يأمر بجلده، فدل على أن الثيب يرجم ولا يجلد، وهكذا المرأة التي اعترفت بالزنا أمر برجمها ولم يأمر بجلدها، قالوا: فهذا يدل دلالة واضحة على أن الواجب هو الرجم دون الجلد. وأصح الأقوال -والعلم عند الله- هو الجمع بين الجلد والرجم؛ لأن حديث ماعز وحديث المرأة التي اعترفت بالزنا، فأمر بها، فرجمت، لم يُذكر فيها الجلد، وسُكت عنه، وحديث عبادة نطق فيه بوجوب الجلد، والقاعدة: أنه إذا تعارض المسكوت عنه والمنطوق به فيقدم المنطوق على المسكوت عنه، فاستدلال الجمهور من باب المسكوت عنه، واستدلال الإمام أحمد وداوُد من جهة المنطوق، وهذا أقوى، ولذلك يقال بالجمع بين الجلد والرجم على الصحيح من أقوال العلماء ﵏. إذا ثبت هذا فإن هذه العقوبة، وهي معاقبة البكر بجلد مائة وتغريب عام، ومعاقبة الثيب بجلد مائة والرجم، هذه العقوبة، نسخ الله بها حكماً سابقاً، ذلك أنه كان في أول الإسلام إذا زنى الرجل أو زنت المرأة يُحبس كل منهما حتى يتوفاه الموت، فجعل الله الفَرَج والمخرج، ولذلك ورد في حديث عبادة الذي سبقت الإشارة إليه قوله ﵊: (خذوا عني، خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر؛ جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب؛ جلد مائة والرجم) .

стр. 28

المسألة الثانية: الشروط الواجب توافرها للحكم على الإنسان بالزنا المسألة الثانية: إذا عرفنا الحد الذي صُدِّرت به الآية، فمتى يُحكم بالزنا؟ يشترط في الحكم وإثبات الزنا: - أن يزني بامرأة ليست بزوجة له، ولا بملك يمين. - وأن يكون خالياً من الشبهة كما بيَّن العلماء ﵏، ولذلك قال العلماء ﵏ في تعريف الزنا: هو الوطء في غير نكاح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين، فقولهم (هو الوطء) المراد به مجاوزة رأس العضو الذي يتحقق به الزنا، وقولهم (في غير نكاح) خرج وطء النكاح؛ لأنه مباح شرعاً، وقولهم (وغير شبهة نكاح) كأن يطأ امرأة يظنها امرأة له، وليست بامرأة له، أو يقع في شبهة يظنها حلالاً فإذا هي حرام عليه، كالأنكحة الفاسدة التي يتبين فسادُها بعد الوطء، فكل ذلك يدفع عنه الحد؛ لأن الشبهة توجب دفع حد الزنا عن الزاني لما ورد في الأثر من قوله: (ادرءوا الحدود بالشبهات) وهو حديث يروى مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، والصحيح أنه ضعيفٌ رَفْعُه، بل هو موقوف على عائشة ﵂ وأرضاها، وقولهم: (ولا ملك يمين) وهي الأمة التي يتسراها الإنسان؛ لأن ملك اليمين ليس من الزنا في شيء بل هو وطءٌ حلال.

стр. 29

المسألة الأولى: ثبوت حد الزنا وتفاصيله المسألة الأولى: دلت الآية الكريمة على ثبوت حد الزنا، وهو جلد كل من الزاني والزانية مائة جلدة؛ ولكن هذا الحد فيه تفصيل دلت النصوص الأخرى على بيانه، وهو أن مَن فعل الزنا لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون بكراً. والحالة الثانية: أن يكون ثيباً سواءً كان رجلاً أو امرأة. أما إذا كان بكراً، فقد أجمع العلماء ﵏ على أن البكر إذا زنا فإنه يجلد مائة جلدة؛ ولكن اختلفوا؛ هل يجب تغريبه أو لا يجب تغريبه، وذلك على ثلاثة أقوال عند أهل العلم ﵏: - فمذهب الإمام أحمد والشافعي وداوُد الظاهري أنه إذا زنى الرجل البكر بالمرأة البكر فإنه يجب جلد كل واحد منهما مائة جلدة، ثم يغرب سنة كاملة عن أهله، واحتج أصحاب هذا القول بما ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (البكر بالبكر؛ جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب؛ جلد مائة والرجم) ، وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ أوجب جلد كل بكر مائة جلدة، وأوجب تغريبَه أيضاً، ولم يفرق بين الذكر والأنثى. - أما القول الثاني في المسألة: فقالوا: لا يجب التغريب أصلاً، لا على الرجل ولا على المرأة، وهذا هو قول الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، وقال الإمام: إن الله ذكر الجلد في القرآن ولم يزد على ذلك، فنحن نقتصر على ما ورد به النص في الكتاب، وأما حديث السنة فهو زيادةُ آحادٍ فلا يُعْمَل بها لئلا يكون ذلك من باب نسخ القطعي بالظني، وذلك لا يجوز. - القول الثالث في المسألة: أنه يجب تغريب الذكر ولا يجب تغريب الأنثى، وهذا هو قول الإمام مالك ﵀ قال: إذا زنى الرجل أقمتُ عليه الحد مائة جلدة، وأغربه عاماً كاملاً عن أهله، وأما المرأة فإنه يجب جلدها مائة جلدة ولا تغرَّب، قال: أما الرجل فاحتج بحديث عبادة بن الصامت ﵁ في قوله: (البكر بالبكر؛ جلد مائة وتغريب عام) أما الأنثى فإني أسقط عنها التغريب؛ لأنني إذا غرَّبتها فإنه لا يخلو الأمر من حالتين: إما أن أغرِّبها بدون محرم، فأخالف النص الذي ينهى عن سفر المرأة بدون محرم، في قوله ﵊: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو حرمة) ، وإن غرَّبتها مع محرمها؛ فإنني أعاقب بريئاً لا ذنب له -وهو محرمها الذي سيغرَّب معها- فعلى كلا الوجهين يقول بعدم التغريب لهذا. وأصح الأقوال -والعلم عند الله- وجوب تغريب الرجل والمرأة، وذلك لصريح حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم الذي تقدمت الإشارة إليه. وبناءً عليه: فإن البكر إذا زنى وجب أن يقام عليه الحد مائة جلدة، ويغرَّب عاماً كاملاً. والسؤال: ما هو التغريب؟ التغريب: مأخوذ من الغربة، وأصله سفر الإنسان، وتغريب الزاني بمعنى أن يُبعد عن المكان الذي زنى فيه سنة كاملة، وهذا علاج حكيم أراد به الشرع قطع دابر الفساد، وتهيئة البيئة الصالحة للشاب أو الشابة الذي بلي بالزنا حتى يكون أدعى لتوبته، فإذا غُرِّب عاماً كاملاً قطع عن الفساد الذي عهده، وابتعد عن المكان الذي يحركه للفتنة.

стр. 30

سلسلة تفسير سورة النور [٢] الجلد حد من حدود الله لمن ارتكب الزنا وكان غير محصن، شرعه الله زجراً للعاصي وغيره، وتكفيراً له عما ارتكبه، ولذا فإنه لابد عند إقامته أن يكون على ملأ من المؤمنين، وبشروط مطلوبة يتحقق بها الغرض من إقامة الحد.

стр. 31

تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما) مائة جلدة) ... الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: فقد تقدم في المجلس الماضي بيان ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة من حد الزنا، وذكرنا فيه جملة من المسائل الشرعية التي ذكرها العلماء، والتي تتفرع على دلالة هذه الآية الكريمة. يقول الله ﵎: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور:٢] (اجْلِدُوا) : فعل أمر، وأصل الجلد سُمي بذلك لمكان إيلامه للجلد، فسمي جلداً من هذا الوجه.

стр. 32

معنى قوله: (في دين الله) وقوله: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] أي: في حكمه وشرعه. وقال بعض العلماء: (فِي دِينِ اللَّهِ) أي: في طاعة الله ، ولذلك قال الله عن يوسف: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٦] أي على نهجه وشريعته، فالمراد بقوله: (فِي دِينِ اللَّهِ) أي: في طاعته وحكمه .

стр. 33

معنى الرأفة يقول ﵎: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] الرأفة: هي الرقة والرحمة وللعلماء في هذا النهي الذي ورد في هذه الآية وجهان: الوجه الأول: مِن العلماء مَن قال: إن الله ﵎ أراد بهذه الكلمة ألاَّ يمتنع الإنسان من إقامة الحد على الزاني، أو إقامة الحد على الزانية شفقةً عليهما، بل ينبغي ألاَّ تأخذه في الله لومة لائم، وينبغي عليه أن يعلم أن الله أرحم بعباده من عباده بأنفسهم، فهو الذي شرع ذلك، فلابد من مضي شرعه، ولذلك حذر الشرع أيُّما تحذير من تعطيل الحدود، ومن عطل الحد فإنه آثم شرعاً، ومرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ولذلك ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ ما يدل على عظم شأن الحد، وأنه يُشرع للإنسان أن يدفع الحد بشرط أن لا يبلغ السلطان، فإذا بلغت الحدود إلى السلطان فلعنة الله على الشافع والمشفِّع، وهذا يدل على أنه إذا ثبت الحد الشرعي فلا وجه لتعطيله، ولا وجه للمنع منه، ولذلك قال ﵊ لما شُفع في الحد عنده: (أتشفع في حد من حدود الله؟! -استفهام إنكار، أي: ويحك هل تشفع في حد من حدود الله؟! - ثم رقى المنبر وقال: والذي نفسي بيده! إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم القوي تركوه، والذي نفس محمد بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وهذا يدل على عظم شأن الحدود، ولذلك قال أبو هريرة ﵁ فيما أُثر عنه: (إقامة حد لله خير من أن يمطر الناس مائة عام) . وهذا يدل على عظم الحد عند الله، وعظم منزلته عند الأخيار من عباد الله. الوجه الثاني: يقول بعض العلماء: المراد من هذه الآية التحذير من التساهل أثناء الضرب، فيضرب الجالد ضرباً رقيقاً رفيقاً من باب الرأفة، فأراد الله بهذه الآية الكريمة أن يكون الإنسان حال إقامته للحد على الحال الذي ينبغي أن يكون عليه من إقامة الحد، فقوله: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) على هذا القول المراد به أن يضرب الضرب الوسط الذي لا رأفة فيه ولا شدة، ولذلك قال بعض العلماء: إنه إذا ضرب لا ينبغي له أن يُبْعِد العضد عن جنبه، وإنما يضرب ولا يتكاسل في ضربه، ويكون وسطاً بين الضربين، فيضرب ضربة بين الضربتين، وهي التي يسميها بعضهم الضربة بين الحانق وهو الرجل الغضبان، وبين المتماوت الذي يضرب ضرباً يسيراً أو رفيقاً، فالمراد بهذه الآية الكريمة على هذا القول أن يكون الإنسان أثناء جلده مراعياً لحد الله، فلا يتساهل ولا يرأف بالشخص المحدود سواءً كان رجلاً أو كان امرأة، ولذلك استشهد بهذه الآية الكريمة عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه ليدلل بها على ما ينبغي أن يكون عليه الجالد. يقول الله ﵎: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور:٢] : أي: يا معشر أهل الإيمان! إن كنتم من أهل الإيمان بالله واليوم الآخر فعظموا حدود الله، وأقيموا شرع الله، ولا تأخذكم في ذلك رأفة تحول بين إقامة الحد على وجهه، بل ينبغي أن تكون الحمية لله، وأن تكون العصبية لدين الله وشرعه وحكمه.

стр. 34

حد العبد والأمة يقول الله ﵎: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور:٢] : الأمر بضرب مائة جلدة هذا عام؛ ولكن يُخصَّص من عمومه الرقيق فيضربون خمسين جلدة، وهكذا الأمة الرقيقة فإنها تُجلد خمسين جلدة لقول الحق ﵎: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] أي: عليهن نصف ما على الحرائر من العذاب، وهذا يدل على أن العبد يُجلد نصف ما يُجلده الحر، وكذلك بالنسبة للأمة تُجلد نصف ما تُجلده الحرة.

стр. 35

التجريد من الثياب حال الجلْد المسألة الثالثة: إذا جُلد الزاني أو جُلدت الزانية هل يجردان من الثياب أم تبقى عليهما ثيابهما؟ أما الزانية فاتفق العلماء ﵏ على أنها يبقى عليها من ثيابها ما يسترها؛ لأنه إنما يطلب إيلامها، وإيلامها يتأتى مع وجود الثوب عليها، ولأنه من المطلوب شرعاً حفظ عورة المرأة، فكشفها أمام الناس فضيحة وأذية لها وفتنة للناظر، وكل ذلك مخالف لمقصود الشرع الذي يراعي سد أبواب الفتنة، بل إن حد الزنا إنما شرعه الله لقفل باب الفتنة، فالقول بتجريدها موجب لذلك؛ فلذلك أجمع العلماء على عدم تجريدها، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما اعترفت المرأة بزناها قال الصحابي ﵁: (فأَمَر بها فشُكَّت عليها ثيابها، وفي رواية: فشُدَّت عليها ثيابها) . فقوله: (فشُكَّت) : أي: وُضِع الشوك في داخل العباءة حتى يكون بمثابة الخيط، حتى لا تتكشف إذا تحركت من شدة ضربها ورجمها. وفي الرواية الثانية: (فشُدَّت عليها ثيابها) أي: أمر النبي ﷺ أن تُشَدَّ ثيابها عليها على وجه إذا تحركت لم يبد شيء من عورتها وأعضائها. فهذه السنة تدل دلالة واضحة على أنه ينبغي ستر المرأة إذا أقيم عليها الحد. أما بالنسبة للرجل فللعلماء في تجريده أقوال: القول الأول: أنه يجرد أثناء إقامة الحد عليه، وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية، يقولون: إنه يجرد من ثوبه. والقول الثاني: يقول بأنه لا يجرد من ثوبه، وهذا مأثور عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه، وقال بعض السلف: إنه لا يشرع تجريد الزاني من ثوبه. والقول الثالث: أن القاضي أو الإمام مخير، فإن شاء جرده من ثيابه إذا أراد أن يزجر الناس، وكان ذلك أبلغَ في زجره وزجرهم فإنه يشرع له أن يجرده وإلا ضربه وثيابه عليه. ولكن ينبغي أن يُعْلَم -والذي يظهر والعلم عند الله- أنه لا يُحكم بتجريده من ثيابه إلا بدليل يدل على ذلك، اللهم إلا أن يقال: إن أمر الله بالجَلد يدل على طلب إيلام الجِلد، وذلك إنما يكون بالتجريد أكثر مما إذا كان عليه ثوبه؛ ولكن يُجاب بأنه وإن كان عليه ثوبه فإن الألم موجود، وإيلام الجِلد ممكن، فلا وجه لزيادة ذلك بطلب تجريده، ولأنه أبلغ كذلك في أذيته والإضرار به، فهو نوع عقوبة قد تكون زائدةً لعدم وجود النص الذي يدل على ذلك، فالقول بأنه يبقى عليه من الثياب ما يستره من القوة بمكان؛ لكن ينبغي أن يستثنى من ذلك الثياب الغليظة، ولذلك قال العلماء: إذا كان له ثوبان أحدهما غليظ والآخر رقيق فإنه يجرّد عن الثوب الغليظ ويطلب منه أن يلبس الثوب الذي هو أرق منه حتى لا يكون الثوب مانعاً من وصول الضرب؛ فلذلك يشرع إزالة ما يمنع من إقامة الحد على وجهه.

стр. 36

من يتولى الجلد وقوله تعالى: (فَاجْلِدُوا) ظاهر هذه الآية الكريمة: أن جميع المسلمين يقومون بجلد الزاني والزانية، وليس المراد أن يقوم كل شخص بجلد الزاني، أو جلد الزانية؛ ولكن المراد أن يقوم به المعني بذلك الأمر، كما قرر ذلك المفسرون ﵏، فقالوا: إن الآية أمرت بالنص العام، والمراد بها طائفة مخصوصة، وهم الحكام وولاة الأمر. فقوله: (فَاجْلِدُوا) المخاطب به ولي الأمر، ومن يقوم مقامه كالقاضي ونحو ذلك ممن يفوض في إقامة الحدود والقيام عليها. ويتفرع على هذا المعنى -استنباط أن الأمر متوجه إلى الولي الذي هو معني بإقامة الحدود- أنه لو قام إنسان فجلد زانياً أمام جماعة من الناس دون سلطة شرعية لم يسقط الحد؛ لأنه ينبغي أن يكون ذلك بالحكم الشرعي المترتب على ثبوت زناه، ثم بعد ذلك يُحكم بجلده. وقوله تعالى: (فَاجْلِدُوا) قد تقدم بيان أن الجلد إنما يكون بالسوط، والمراد ما كان من السوط وسطاً، فليس بالسوط الطري، ولا بالسوط اليابس الذي يتهشم عند الضرب به، فالمراد به كما يقول العلماء: السوط بين السوطين، أي: الذي هو وسط بين الطري واليابس الذي يتهشم عند الضرب به، وقد حُفِظَت في ذلك آثار عن أصحاب النبي ﷺ من الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم اعتبروا الوسط في السوط. والأصل في إقامة الحد أن يحضره من كان من أهل الفضل ونحو ذلك ممن يكون على بصيرة بأحكامه، حتى يقام الحد على وجهه الشرعي.

стр. 37

ما يجلد من الزاني وقوله: (فَاجْلِدُوا) يكون الجلد -كما قلنا- بالسوط. والسؤال: ما الذي ينبغي جلده من الزاني والزانية؟ للعلماء في هذا وجهان: الوجه الأول: أنه يُجلد ظهر الزاني وحده، وهذا هو قول الإمام مالك ﵀. والقول الثاني: أنه يجلد سائر الأعضاء إلا الوجه والفَرْج فإنهما يُتَّقيان لمكان الضرر المترتب على ضربهما، فيفرق الضرب في سائر الظهر ونحوه من الأعضاء: كالساقين، وأسفلهما، وما علا من الظهر. وهذا الوجه هو قول جمهور العلماء، وممن نص على ذلك فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع، واحتج الإمام مالك ﵀ بقصر الضرب على الظهر بحديث ابن عباس ﵄ وفيه أنه قال: (إن هلال بن أمية قذف امرأته بـ شريك بن سحماء عند النبي ﷺ فلما قذفها قال له النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك) . وجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح: يقولون: إن النبي ﷺ خيَّره بين أمرين: فقال: إما أن تقيم البينة على أنك صادق في أن زوجتك زانية، وإلا أقيم عليك الحد في ظهرك. فقَصَر الحد في ظهره. فدل هذا دلالة واضحة على أن الحد إنما يكون في الظهر، واحتج الجمهور بما ورد في حديث علي -يُروَى مرفوعاً وموقوفاً- ﵁ وأرضاه أنه أمر بجلد الزاني فقال ﵁: (اضربه وأعط كل عضو حقه واتقِ الفرج والفخذين، واتقِ رأسه ومذاكيره) . قالوا: فهذا يدل على أنه ينبغي تفريق الضرب. ثم قالوا أيضاً: وهذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه، وكذلك ابن أبي شيبة والبيهقي والصحيح أنه موقوف على علي ﵁ وأرضاه، ويقول أصحاب هذا القول: إنه إذا تفرق الضرب في الظهر فإن ذلك أدعى إلى الإيلام، وأبعد عن أذية العضو؛ لأنه يُخشى إذا ضُرِب في مكان واحد، أن يحصل الضرر للعضو الذي يضرب، وهذان القولان مشهوران عند أهل العلم ﵏، والسنة تقوي المنزع الأول إلا أن يقال: إن قوله ﵊: (البينة أو حد في ظهرك) المراد به ذكر أشهر المواضع؛ لأن أكثر المواضع التي تضرب عند ضرب الإنسان في حد الخمر وحد الزنا وحد القذف إنما هو الظهر؛ فلذلك ذكره النبي ﷺ لا لبيان الاقتصار وإنما لتهديده وتخويفه وبيان الحكم المترتب على قذفه بدون بينة.

стр. 38

هل يجلد قائماً أم قاعداً المسألة الثانية في الجلد: هل يُضرب الزاني قائماً أو قاعداً؟ قولان للعلماء ﵏: - فمنهم من قال: إنه يضرب قاعداً على ظهره، وهو مذهب الإمام مالك ﵀. - والقول الثاني: أنه يضرب وهو قائم واقف، وهذا هو مذهب بعض الفقهاء من الشافعية والحنفية رحمة الله على الجميع. ولكلا القولين وجهه؛ لكن إذا قلنا: إنه يشرع تفريق الضرب في سائر البدن فإنه في هذه الحالة يشرع إقامته، وهذا أبلغ في تفريق الضرب على سائر بدن المجلود والمحدود.

стр. 39

معنى قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)

стр. 40

تفسير نكاح الزاني أو الزانية أما قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] . فقوله: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) للعلماء في هذه الآية أقوال: القول الأول: المراد بهذه الآية: أن (الزَّانِي) أي: فاعل الزنا، (لا يَنْكِحُ) أي: لا يزني إلا بامرأة زانية مثله -أي: تتعاطى الزنا والعياذ بالله- أو بامرأة مشركة. هذا القول لـ عبد الله بن عباس ﵄ واختاره جمع من أهل العلم، فيكون المراد بالآية الكريمة: أن فعل الزنا لا يكون إلا في امرأة زانية، أو أن فعل الزاني للزنا لا يقع إلا بامرأة مثله أو بامرأة مشركة لا تؤمن بالله واليوم الآخر -والعياذ بالله-. القول الثاني: إن هذه الآية الكريمة نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يسافر بأصحاب النبي ﷺ ويهاجر بهم، ثم إنه كانت له صاحبة في الجاهلية بغيٌّ من بغايا الجاهلية تسمى عناقاً، فأراد أن ينكحها فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أنكح عناقاً -أي: هل أتزوج عناقاً؟ - فأنزل الله هذه الآية الكريمة) أي: ما كان لك أن تنكح هذه الزانية المشركة بالله. القول الثالث في هذه الآية الكريمة: أنها نزلت في أهل الصفة، كانوا على فقر وضعف، وكان بالمدينة بغايا يتعاطين الزنا والعياذ بالله! وكان المال بأيديهن كثيراً، وكان هؤلاء القوم والرجال يذهبون إليهن، ويطعمون من الطعام ويشربون من الشراب، فنزلت الآية وهي تتضمن المنعَ من ذلك وتبشيعَه. القول الرابع: أن (الزَّانِيَة) المراد بها أم مهزول -وهي امرأة كانت من البغايا وممن يتعاطى الزنا- أراد بعض أصحاب النبي ﷺ نكاحها، فأنزل الله هذه الآية الكريمة. القول الخامس: أن هذه الآية منسوخة، نسخها قولُ الله ﵎: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] ووجه ذلك أن الله حرم نكاح الزانية، ثم بعد ذلك استثنى على تفصيل عند أصحاب هذا القول. وهناك قول سادس في هذه الآية: أن المراد: تحريم نكاح الزانية، وأنه إذا تزوج العفيفُ الزانيةَ، أنه يدخل في دلالة هذه الآية الكريمة، فيحرُم على الإنسان أن يتزوج المرأة الزانية، وفرَّعوا على هذا القول أنه لو زنى الزوج انفسخ عقده من المرأة العفيفة، ولو زنت زوجته انفسخت من عقد زوجها العفيف. وهذا القول قول ضعيف؛ لأن الآية أصح الأقوال فيها: هو القول الأول أن المراد: لا يفعل الزنا إلا بامرأة مثله أو بامرأة كافرة لا تؤمن بالله واليوم الآخر، ويرجح ذلك أنه سياق الآية، والسياق معتبر، فسياق الآية في ذم الزنا وتبشيعه والتحذير منه، فحمل الآية على هذا الوجه أنسب وأقرب. وإننا لو قلنا: إنها على ظاهرها لأدى ذلك إلى جواز نكاح المرأة الزانية المؤمنة من الرجل الكافر المشرك، وهذا أمر لا يقول به أحد، ولذلك أجمع العلماء ﵏ على أنه لا يجوز إنكاح المؤمنة -ولو كانت زانية- من رجل كافر؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] فدل على تحريم نكاح الكافر من مؤمنة. وقوله الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] : أي: حُرِّم فعل الزنا على المؤمنين، فدل هذا على أن المراد بالآية التبشيع والتهديد. والله تعالى أعلم.
следующие страницы →