Полный текст (108 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من يتولى الجلد
وقوله تعالى: (فَاجْلِدُوا) ظاهر هذه الآية الكريمة: أن جميع المسلمين يقومون بجلد الزاني والزانية، وليس المراد أن يقوم كل شخص بجلد الزاني، أو جلد الزانية؛ ولكن المراد أن يقوم به المعني بذلك الأمر، كما قرر ذلك المفسرون ﵏، فقالوا: إن الآية أمرت بالنص العام، والمراد بها طائفة مخصوصة، وهم الحكام وولاة الأمر.
فقوله: (فَاجْلِدُوا) المخاطب به ولي الأمر، ومن يقوم مقامه كالقاضي ونحو ذلك ممن يفوض في إقامة الحدود والقيام عليها.
ويتفرع على هذا المعنى -استنباط أن الأمر متوجه إلى الولي الذي هو معني بإقامة الحدود- أنه لو قام إنسان فجلد زانياً أمام جماعة من الناس دون سلطة شرعية لم يسقط الحد؛ لأنه ينبغي أن يكون ذلك بالحكم الشرعي المترتب على ثبوت زناه، ثم بعد ذلك يُحكم بجلده.
وقوله تعالى: (فَاجْلِدُوا) قد تقدم بيان أن الجلد إنما يكون بالسوط، والمراد ما كان من السوط وسطاً، فليس بالسوط الطري، ولا بالسوط اليابس الذي يتهشم عند الضرب به، فالمراد به كما يقول العلماء: السوط بين السوطين، أي: الذي هو وسط بين الطري واليابس الذي يتهشم عند الضرب به، وقد حُفِظَت في ذلك آثار عن أصحاب النبي ﷺ من الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم اعتبروا الوسط في السوط.
والأصل في إقامة الحد أن يحضره من كان من أهل الفضل ونحو ذلك ممن يكون على بصيرة بأحكامه، حتى يقام الحد على وجهه الشرعي.
стр. 37
ما يجلد من الزاني
وقوله: (فَاجْلِدُوا) يكون الجلد -كما قلنا- بالسوط.
والسؤال: ما الذي ينبغي جلده من الزاني والزانية؟ للعلماء في هذا وجهان: الوجه الأول: أنه يُجلد ظهر الزاني وحده، وهذا هو قول الإمام مالك ﵀.
والقول الثاني: أنه يجلد سائر الأعضاء إلا الوجه والفَرْج فإنهما يُتَّقيان لمكان الضرر المترتب على ضربهما، فيفرق الضرب في سائر الظهر ونحوه من الأعضاء: كالساقين، وأسفلهما، وما علا من الظهر.
وهذا الوجه هو قول جمهور العلماء، وممن نص على ذلك فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع، واحتج الإمام مالك ﵀ بقصر الضرب على الظهر بحديث ابن عباس ﵄ وفيه أنه قال: (إن هلال بن أمية قذف امرأته بـ شريك بن سحماء عند النبي ﷺ فلما قذفها قال له النبي ﷺ : البينة أو حد في ظهرك) .
وجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح: يقولون: إن النبي ﷺ خيَّره بين أمرين: فقال: إما أن تقيم البينة على أنك صادق في أن زوجتك زانية، وإلا أقيم عليك الحد في ظهرك.
فقَصَر الحد في ظهره.
فدل هذا دلالة واضحة على أن الحد إنما يكون في الظهر، واحتج الجمهور بما ورد في حديث علي -يُروَى مرفوعاً وموقوفاً- ﵁ وأرضاه أنه أمر بجلد الزاني فقال ﵁: (اضربه وأعط كل عضو حقه واتقِ الفرج والفخذين، واتقِ رأسه ومذاكيره) .
قالوا: فهذا يدل على أنه ينبغي تفريق الضرب.
ثم قالوا أيضاً: وهذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه، وكذلك ابن أبي شيبة والبيهقي والصحيح أنه موقوف على علي ﵁ وأرضاه، ويقول أصحاب هذا القول: إنه إذا تفرق الضرب في الظهر فإن ذلك أدعى إلى الإيلام، وأبعد عن أذية العضو؛ لأنه يُخشى إذا ضُرِب في مكان واحد، أن يحصل الضرر للعضو الذي يضرب، وهذان القولان مشهوران عند أهل العلم ﵏، والسنة تقوي المنزع الأول إلا أن يقال: إن قوله ﵊: (البينة أو حد في ظهرك) المراد به ذكر أشهر المواضع؛ لأن أكثر المواضع التي تضرب عند ضرب الإنسان في حد الخمر وحد الزنا وحد القذف إنما هو الظهر؛ فلذلك ذكره النبي ﷺ لا لبيان الاقتصار وإنما لتهديده وتخويفه وبيان الحكم المترتب على قذفه بدون بينة.
стр. 38
هل يجلد قائماً أم قاعداً
المسألة الثانية في الجلد: هل يُضرب الزاني قائماً أو قاعداً؟ قولان للعلماء ﵏: - فمنهم من قال: إنه يضرب قاعداً على ظهره، وهو مذهب الإمام مالك ﵀.
- والقول الثاني: أنه يضرب وهو قائم واقف، وهذا هو مذهب بعض الفقهاء من الشافعية والحنفية رحمة الله على الجميع.
ولكلا القولين وجهه؛ لكن إذا قلنا: إنه يشرع تفريق الضرب في سائر البدن فإنه في هذه الحالة يشرع إقامته، وهذا أبلغ في تفريق الضرب على سائر بدن المجلود والمحدود.
стр. 39
معنى قوله تعالى: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)
стр. 40
تفسير نكاح الزاني أو الزانية
أما قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] .
فقوله: (الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) للعلماء في هذه الآية أقوال: القول الأول: المراد بهذه الآية: أن (الزَّانِي) أي: فاعل الزنا، (لا يَنْكِحُ) أي: لا يزني إلا بامرأة زانية مثله -أي: تتعاطى الزنا والعياذ بالله- أو بامرأة مشركة.
هذا القول لـ عبد الله بن عباس ﵄ واختاره جمع من أهل العلم، فيكون المراد بالآية الكريمة: أن فعل الزنا لا يكون إلا في امرأة زانية، أو أن فعل الزاني للزنا لا يقع إلا بامرأة مثله أو بامرأة مشركة لا تؤمن بالله واليوم الآخر -والعياذ بالله-.
القول الثاني: إن هذه الآية الكريمة نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يسافر بأصحاب النبي ﷺ ويهاجر بهم، ثم إنه كانت له صاحبة في الجاهلية بغيٌّ من بغايا الجاهلية تسمى عناقاً، فأراد أن ينكحها فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أنكح عناقاً -أي: هل أتزوج عناقاً؟ - فأنزل الله هذه الآية الكريمة) أي: ما كان لك أن تنكح هذه الزانية المشركة بالله.
القول الثالث في هذه الآية الكريمة: أنها نزلت في أهل الصفة، كانوا على فقر وضعف، وكان بالمدينة بغايا يتعاطين الزنا والعياذ بالله! وكان المال بأيديهن كثيراً، وكان هؤلاء القوم والرجال يذهبون إليهن، ويطعمون من الطعام ويشربون من الشراب، فنزلت الآية وهي تتضمن المنعَ من ذلك وتبشيعَه.
القول الرابع: أن (الزَّانِيَة) المراد بها أم مهزول -وهي امرأة كانت من البغايا وممن يتعاطى الزنا- أراد بعض أصحاب النبي ﷺ نكاحها، فأنزل الله هذه الآية الكريمة.
القول الخامس: أن هذه الآية منسوخة، نسخها قولُ الله ﵎: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] ووجه ذلك أن الله حرم نكاح الزانية، ثم بعد ذلك استثنى على تفصيل عند أصحاب هذا القول.
وهناك قول سادس في هذه الآية: أن المراد: تحريم نكاح الزانية، وأنه إذا تزوج العفيفُ الزانيةَ، أنه يدخل في دلالة هذه الآية الكريمة، فيحرُم على الإنسان أن يتزوج المرأة الزانية، وفرَّعوا على هذا القول أنه لو زنى الزوج انفسخ عقده من المرأة العفيفة، ولو زنت زوجته انفسخت من عقد زوجها العفيف.
وهذا القول قول ضعيف؛ لأن الآية أصح الأقوال فيها: هو القول الأول أن المراد: لا يفعل الزنا إلا بامرأة مثله أو بامرأة كافرة لا تؤمن بالله واليوم الآخر، ويرجح ذلك أنه سياق الآية، والسياق معتبر، فسياق الآية في ذم الزنا وتبشيعه والتحذير منه، فحمل الآية على هذا الوجه أنسب وأقرب.
وإننا لو قلنا: إنها على ظاهرها لأدى ذلك إلى جواز نكاح المرأة الزانية المؤمنة من الرجل الكافر المشرك، وهذا أمر لا يقول به أحد، ولذلك أجمع العلماء ﵏ على أنه لا يجوز إنكاح المؤمنة -ولو كانت زانية- من رجل كافر؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] فدل على تحريم نكاح الكافر من مؤمنة.
وقوله الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣] : أي: حُرِّم فعل الزنا على المؤمنين، فدل هذا على أن المراد بالآية التبشيع والتهديد.
والله تعالى أعلم.
стр. 41
مقصد الشارع في شهود حد الزنا
يقول الله ﵎: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] : خص الله الشاهدين بكونهم من أهل الإيمان، ولذلك اختلف العلماء ﵏ في أمر الله بشهود حد الزنا للطائفة: فمن العلماء من قال: إن المراد بذلك أن يرتدع الناس وينزجروا عن إصابة حد الزنا، فمن وقف على زان أو وقف على زانية يقام عليهما الحد، فإن ذلك أبلغ في زجره وخوفه من الله ، ولذلك قالوا: السعيد مَن وُعظ بغيره، والشقي مَن شقي في بطن أمه، فالسعيد من اتعظ بغيره فرأى النكال والعقوبة بإساءته، فاجتنب الإساءة التي توجب الوقوع في مثل تلك العقوبة، ولذلك بين الله ﵎ حينما أوقع عذابه بمن كفر وطغى وبغى، فقال تعالى بعد أن بين ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [آل عمران:١٣] إلى غير ذلك من الآيات التي بين الله ﵎ فيها، أن مَن كان له قلب يعي به أو فهم يتدبر به يرتدع برؤيته لما يحصل لغيره وينكف وينزجر، ولذلك قال العلماء: إن شهود الناس للحدود يمنعهم من الوقوع بها، ويدعوهم إلى الانكفاف والبعد عن أسبابها الموجبة للتلبس بها، وقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أمر الله بشهود هذه الطائفة، والمراد: أن يكون أبلغ في أذية الزاني والزانية، فيُشْتَهر زنا كل واحد منهما عند الناس، فيكون ذلك أبلغ في إيلامهما، وكذلك أبلغ في زجرهما وحذر الناس منهما على أعراضهم، فهذا مِن مقصود الشرع.
والذي يظهر -والعلم عند الله- أن الحكم بوجوب شهادة حد الزنا أنه يشمل الأمرين: - أن فيه زجراً للناس عن التلبس بحدود الله ومحارمه.
- وكذلك فيه تكفير وإيلام للشخص الذي ارتكب الجريمة.
فلما وُجدت الفائدتان، ووجدت المصلحتان وترتبا على هذا الحد فلا مانع من القول بأن وجوب شهادة الحد المراد به كلا الأمرين، ولا يُخص شيءٌ منهما لعدم ورود النص الذي يدل على التخصيص، فالأمر محتمل لكلا الوجهين.
وقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يُخرج غير المؤمنين، ولذلك كان بعض الأخيار إذا رأى الحد يقام لم يفته، ويدعو أصحابه إلى رؤيته، كل ذلك من أجل أن يتعظوا ويكون زاجراً لهم.
стр. 42
المراد بالطائفة
فقوله: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا) أي: ليكن حاضراً ذلك العذاب: (طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
واختلف العلماء ﵏ في قوله: (طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) على أقوال: القول الأول: المراد بالطائفة: الواحد إلى الألف، وهذا هو قول مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس ﵄ ورحمه الله، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:١٢٢] فقال: إن قوله: (طَائِفَةٌ) في الآية المراد بها الواحد فأكثر، واحتج كذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] ، فإنها نزلت في رجلين اقتتلا، فدلت على أن الطائفة تطلق على الواحد فأكثر.
القول الثاني: أن المراد بالطائفة: الاثنان فأكثر، وهو قول عكرمة تلميذ ابن عباس ﵄.
القول الثالث: أن المراد بالطائفة: أربعة، كشهود الزنا.
القول الرابع: أن المراد به: العشرة فما فوق.
стр. 43
معنى (شهد) في الآية
يقول جل ذكره: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] (شهد) تطلق في لغة العرب على عدة معانٍ.
منها: شهد الشيء بمعنى علمه، ومنه قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) : أي: أعلم علماً لا شك فيه ولا مرية.
ومن معنى شهد: شهد الشيء بمعنى حضره، ومنه قولهم: شهد الواقعة، وشهد النازلة، وشهد الحادثة: أي حضرها وكان موجوداً أثناء وقوعها.
стр. 44
سلسلة تفسير سورة النور [٣]
ما من مجتمع إلا وتظهر فيه بعض المظاهر السيئة، من طعن في الأعراض، أو وقوع في الفاحشة، فهذا مجتمع الرسول ﷺ قد ظهر فيه مثل هذا، ولكن جاء الشرع ووضع حلولاً لهذه المظاهر، وقام بمعالجتها معالجة سليمة، وما ذلك إلا ليحفظ للإنسان عرضه وكرامته، كما هو موضح في الآيات الكريمات من سورة النور.
стр. 45
الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآيات
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٤-١٠] .
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول الله ﵎ بعد أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] : هذه الآية الكريمة اشتملت على جملة من الأحكام الشرعية والكلام عليها ينحصر في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: في بيان سبب نزولها.
والموضع الثاني: في بيان مفرداتها.
والموضع الثالث: في بيان أحكامها ومسائلها.
стр. 46
سبب نزول الآية
أما سبب نزول هذه الآية فذهب سعيد بن جبير ﵀ إلى أنها نزلت في قَذَفَة أم المؤمنين عائشة ﵂، فبيَّن الله ﵎ وجوب الحد عليهم، وأمر نبيه ﵌ أن يقيم عليهم حد القذف -والعياذ بالله-.
ومِن العلماء مَن قال: إن هذه الآية الكريمة أنزلها الله ﵎ على العموم، وأراد أن يقرر بها صيانة أعراض المسلمين، حتى لا يستطيل المسلم على عرض أخيه، فأدّب الألسن لئلا تسترسل في أعراض الناس بالتهم والظن الذي لا أصل له.
стр. 47
معاني الرمي
يقول الله ﵎: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) الرمي في لغة العرب يطلق على معنيين: الرمي الحسي: كرمي الحجر وهو قذفه، ومنه قوله ﵎: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٤] .
والرمي المعنوي: وهو السب والنقيصة والتهمة بالسوء والعياذ بالله، فيقال: رمى الرجلُ الرجلَ إذا اتهمه بالسوء والعياذ بالله وانتقصه في عرضه، فالرمي بهذا المعنى يستعمل فيما يُسْتَبْشَع والعياذ بالله من الألفاظ الخبيثة، ومنه قول الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن أجل الطوي رماني أي: رماني بتهمة سوء قد كنتُ منها ووالدي بريئين، فمعنى الرمي انتقاص الشخص الذي يُتَّهم.
يقول الله ﵎: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ) أي: يقذفون، والمراد بهذه الآية اشتراط شيءٍ معين، وهو أن يحصل لفظ معين من الإنسان، وهذا اللفظ يتضمن تهمة الإنسان بالزنا والعياذ بالله، سواءً كان المتهم رجلاً أو كان امرأة، صالحاً كان أو فاسداً ما دام أنه من المسلمين.
стр. 48
الأقوال في معنى المحصنات والإحصان
وقوله : (الْمُحْصَنَاتِ) قيد، والمحصنات جمع محصنة، وللعلماء في معناها أربعة أقوال: القول الأول: المراد بالمحصنات: العفيفات.
والقول الثاني: المراد بذلك: الفروج المحصنة.
والقول الثالث: الأنفس المحصنة.
والقول الرابع: أن الآية جاءت للمغايرة، فذكر الله فيها قذف الأجنبية حتى يُرَكِّبَ عليها قذف الزوج لزوجته، كما سيأتي بيانه وبيان أحكامه ومسائله إن شاء الله.
والإحصان في اللغة معناه: المنع، ومنه الحصن؛ لأنه يمنع الإنسان الذي بداخله من أن يصله السوء من خارجه، ومنه قوله ﵎: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠] ، أي: لتقيكم ضربات السيف والقنا، فقوله: (لتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) أي: تحفظكم من أذى الحروب.
فالشاهد: استعمال الإحصان بمعنى المنع.
يقول العلماء: سُمِّيت المرأةُ العفيفةُ محصنةً؛ لأنها تمتنع عن الأمور التي لا تليق بها من الفاحشة وما في حكمها.
فقوله ﵎: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) المراد به: العفيفات، والمرأة المحصنة هي المرأة العفيفة الحافظة لعرضها، ومن ذلك قول حسان بن ثابت يمدح أم المؤمنين عائشة ﵂ وعنه: حصان رزان ما تُزَنُّ بريبةٍ وتصبح غرثى مِن لحوم الغوافلِ (حصان) أي: عفيفة.
فالمرأة المحصنة هي العفيفة، وُصفت بذلك لأنها أحصنت فرجها، فحفظته مِن أن يُتَوَصَّل إليه بغير طريق شرعي معتبر.
يقول الله ﵎: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ، والسؤال: كيف يتحقق رمي المحصنات؟ رمي المحصنات يفتقر إلى لفظ مخصوص، وسيأتي إن شاء الله بيانُ الألفاظ التي إذا خاطب بها الإنسانُ غيرَه والعياذ بالله كان قاذفاً متوَعَّداً بالوعيد الذي اشتملت عليه هذه الآية الكريمة.
يقول الله ﵎: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) ليس المراد من هذه الجملة أن الوعيد والعذاب مختص بمن قذف النساء، بل إن الحكم عام، فكل من قذف مسلماً أيَّاً كان رجلاً أو امرأة فإن الله ﵎ توعده بما جاء في الآية.
стр. 49
أمور يجب مراعاتها عند الحكم على القاذف والمقذوف
يقول الله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) هذه هي الجملة الثانية: وهي على أمرين: الأمر الأول: أن الزنا يثبت بشهادة أربعة شهود ذكور عدول، وذلك يدل على أنه إذا وُجِد هذا الشرط، وهو اكتمال البينة بأربعة شهود ثبت الزنا.
وقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) يدل على الأمر الثاني وهو: أن حد القذف لا يثبت إلا إذا لم يُقِم الإنسان بينة كاملة، وهي أربعة شهود، ولو أن إنساناً قذف غيره فقال له والعياذ بالله: يا زانٍ، أو قال لامرأة: يا زانية، ولم يُقِم إلا ثلاثة شهود، فإنه يجب أن يجلد الحد، وأن يجلد بقية الشهود أيضاً الحد، وفي هذا دليل على صيانة الله لأعراض المسلمين.
فانظر رحمك الله! إلى هذه الآية الكريمة؛ يخاطب الله بها خير الأمة وأفضلها بعد رسول الله ﵌، وهم أصحابه الكرام الفضلاء الأعلام.
يقول تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور:٤] ، فلو أن ثلاثة من الصحابة شهدوا ولم يكتمل النصاب -أربعة- لوجب إقامة الحد عليهم جميعاً على المدعي والشهود الذين معه؛ لأنهم قَذَفَةٌ، كما فعل ذلك عمر ﵁ بمن قذف المغيرة بن شعبة ﵁ وأرضاه.
وقوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) أي لم يحضروا أربعة شهداء، والمراد بهم الذكور، وأما الإناث فإن شهادتهن في الحدود فيها خلاف بين العلماء ﵏ كما سيأتي إن شاء الله!
стр. 50
أمور توجب الحد على القاذف
وقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور:٤] : هذه هي الجملة الثالثة، تدل على أنه إذا تحقق الأمران: الأمر الأول: وهو قذف الإنسان لغيره وذلك باتهامه بالزنا رجلاً كان أو امرأة.
والأمر الثاني: أنه لا بينة عنده، ولم يقر المقذوف بأنه زان، فحينئذ يقول الله تعالى مبيِّناً العقوبة المترتبة على هذا الأمر: العقوبة الأولى: أشار إليها بقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] .
والعقوبة الثانية: أشار إليها بقوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور:٤] .
والعقوبة الثالثة: أشار إليها بقوله سبحانه: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] ، أي: فَسَقَةٌ -والعياذ بالله- خارجون عن طاعة الله ومحبة الله.
فهذه ثلاث عقوبات لمن قذف أخاه المسلم، أو قذف أخته المسلمة بدون بينة.
стр. 51
صور القذف
المسألة الأولى: بم يتحقق القذف؟ يتحقق القذف باللفظ الصريح الدال عليه، وذلك بأن يتهم الإنسانُ غيرَه رجلاً كان أو امرأةً من المسلمين بالزنا، فيقول له -والعياذ بالله-: يا زانٍ، أو يقول للمرأة: يا زانية، أو يتهم أبا المقذوف، فيقول له: يا ابن الزاني، أو يتهم أم المقذوف -والعياذ بالله- فيقول: يا ابن الزانية، فهذا لفظ صريح يدل على التهمة بالزنا، أو يتهمه بفاحشة في حكم الزنا على خلاف بين العلماء، كأن يقول له: يا لوطي، أو يا ابن اللوطي والعياذ بالله.
فكل هذه الألفاظ توجب ثبوت القذف أي: التهمة، وتعتبر من الألفاظ الدالة على ثبوت لفظ القذف، أي: الألفاظ الصريحة.
стр. 52
اللفظ غير الصريح
هناك نوع ثانٍ من الألفاظ: وهي الألفاظ المحتَمِلة التي يُقْذَف بها تعريضاً، ولا يُقْذَف بها تصريحاً، مثال ذلك: أن يقول الرجل للرجل -في حال الخصومة وفي حال المنازعة- إني لستُ بابن زانٍ، أو لستُ أنا بزانٍ، أو لستُ مِن أهل الزنا، كأنه يقول له: أنت من أهل الزنا، فهذا يسميه العلماء: القذف بالتعريض، أي: أنه لم يباشره بلفظ يدل صراحة، وإنما أعطاه لفظاً يحتمل المعنى الذي هو ظاهره، ويحتمل المعنى الآخر.
стр. 53
اختلاف العلماء في القذف بالتعريض
إن للعلماء في القذف بالتعريض قولين: القول الأول: مذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع أن من قذف أخاه تعريضاً أنه لا يجب عليه حد القذف وإنما يعزر.
القول الثاني: من قذف أخاه تعريضاً فإنه يجب أن يُحَدَّ حد القذف، كالحال فيمن قذف تصريحاً، وهذا هو مذهب الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع، يقول الإمام مالك والإمام أحمد في رواية: مَن قال لأخيه: لست بابن زنا، أو ما أنا بابن الزنا، ونحو ذلك من الألفاظ التي يُفْهَم منها أنه يتهم صاحبه، فإنه يُعْتَبَر قاذفاً والعياذ بالله.
واستدل الجمهور بما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أن رجلاً قال له: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال ﵌: هل لك من إبل؟ ... ) الحديث، وجه الدلالة أن الرجل اتهم امرأته تعريضاً ولم يصرح، والنبي ﵌ لم يأمر بإقامة الحد عليه، وقال أصحاب هذا القول: إن في اللفظ احتمالاً، وبناءً على ذلك فالأصل براءة المتكلم، حتى تثبت إدانته وتهمته على وجه لاشك فيه ولا مرية.
أما أصحاب القول الثاني فاحتجوا بأدلة، أقواها: قول الله ﵎ في بني إسرائيل: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ [النساء:١٥٦] ، فإن بني إسرائيل لم يقولوا لمريم: أنت زانيةٌ صراحةً وإنما قالوا: لها ما ذكر الله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيَّاً﴾ [مريم:٢٨] ، فلم يقولوا لها: أنت زانية، وإنما قالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيَّاً﴾ [مريم:٢٨] ، كأنهم يقولون لها: أنت واقعة في ذلك، أي في الزنا، والله يقول: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ [النساء:١٥٦] ، فأثبت أنهم متَّهِمون لها من هذا الوجه، فدل على أن التعريض يأخذ حكم التصريح.
وأصح الأقوال -والعلم عند الله-: أن القذف تعريضاً لا يأخذ الحكم بالقذف تصريحاً، وأنه في هذه الحالة ينبغي زجر المتكلم، والنظر إلى بساط المجلس، فإن كان بساطُ المجلس فيه خصومة أو فيه عداوة يُفهم منها أنه يريد السوء؛ فإنه يُؤدَّب ويُعزَّر، ولا يقام عليه حد القذف، وإنما يعزر بما دون حد القذف، كما أشار إلى ذلك جمهور العلماء ﵏.
стр. 54
حكم القذف وما يترتب على فعله من الوعيد الشديد
المسألة الثانية: بعد أن عرفنا بما يثبت القذف، فما حكم القذف؟ أجمع العلماء ﵏ على أنه يحرم على المسلم أن يتهم غيره بالزنا من المسلمين، سواءً كان ذكراً أو كان أنثى، وأجمع العلماء ﵏ على أن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات يعتبر من كبائر الذنوب -والعياذ بالله- الموجبة لسخط الله وغضبه.
ولذلك توعد الله مَن فَعَلَ ذلك باللعنة في الدنيا والآخرة، والعذاب العظيم في الآخرة، والفضيحة على رءوس الأشهاد -والعياذ بالله- يوم يقوم الأولون والآخرون، فيقيمهم الله ، فتشهد الألسن التي تكلمت بأنها افترت على عباد الله، وكذبت على عباد الله، ويكون في ذلك جمع بين عقوبة المعنى وعقوبة الحس والعياذ بالله، كما آذى إخوانه المؤمنين بسبهم وتهمتهم في أعراضهم توعده الله بشديد العذاب وعظيم النكال.
стр. 55
الطعن في أعراض المسلمين
وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على حرمة عرض المسلم، وأنه لا يجوز للمسلم إذا أراد أن يخاطب أخاه المسلم، أن يستطيل في عرضه بدون حق، فإذا اتهمه بالزنا كان ذلك من الاستطالة في العرض، ففي الصحيحين عن النبي ﵌ أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) ، فمن أشد وأقبح ما يكون من الإنسان من أن يتسلط على امرأة مؤمنة غافلة بعيدة عن الفحشاء، فيتهمها بالزنا -والعياذ بالله- وينسبها إلى ما لم يكن منها زوراً وبهتاناً، فذلك أذية لله وأذية لعباد الله، ولذلك توعد الله مَن فَعَلَ ذلك بما سبق من العقوبة.
ولذلك بيَّن العلماء ﵏ أن النبي ﵌ نَزَّل العرض منزلة الدم، فجمع بين حرمة العرض وحرمة الدم، وذلك في أعظم مشهد وأعظم جمع جُمع له في عهده صلوات الله وسلامه عليه، فقد قام في أصحابه في مقامٍ لم يجمع له مثله لا من قبل ولا من بعد، يوم حجة الوداع، حيث أخبر بعض الصحابة أن الجمع بلغ مائة ألف من الصحابة، كلهم حضروا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلما أراد أن يقرر الأحكام وأن يبين الشريعة قال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) ، فدل على أن العرض ومنه: سب الإنسان وتهمته بالزنا يعتبر من المحارم المعظَّمة عند الله ، كحرمة يوم عرفة في الشهر الحرام في البلد الحرام، كل ذلك تعظيماً من الله لأعراض المسلمين.
فدل على أنه ينبغي للمسلم أن يصون لسانه من الوقيعة في عرض أخيه المسلم، بل قال العلماء: لو أن شخصاً رأى رجلاً أو امرأة فظن بهما ظن السَّوء ولم يتحقق فعلهما للسُّوء، فإنه يعتبر مرتكباً للجريمة -والعياذ بالله- على قدر ظنه، ويلقى الله -والعياذ بالله- بإثمهما، كما بين الله ﵎ ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، فأخبر أن بعض الظن إثم وجريمة في حق الناس.
ولذلك نبه العلماء ﵏ -عند الكلام على أدب اللسان- على ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، من عدم التكلم في حق أخيه إلا ببينة وعلم، كما أشار الله ﵎ إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] ، ولو كان الإنسان مازحاً فقال لأخيه: يا ابن الزانية أو يا ابن الزاني؛ لكان -والعياذ بالله- قاذفاً، ويلحقه الوعيد الذي أخبر الله عنه في كتابه وعلى لسان رسوله ﵌، في الحديث الذي تقدمت الإشارة إليه في قوله: (اجتنبوا السبع الموبقات) قال بعض العلماء (الموبقات) أي: المهلكات والعياذ بالله، أي: أنها تهلك العبد في دينه ودنياه وآخرته.
فالمقصود: أن القذف من كبائر الذنوب، وأنه ينبغي للمسلم أن يصون لسانه، وأن يصون سمعه عن سماع أي طعن في مسلم أو مسلمة بفاحشة.
стр. 56
ما يجب على من رأى من يزني ولم يكن معه غيره وما يندب له
أما المسألة الثالثة: إذا عُلم اللفظ المعتبر للقذف، وعُلم حكم القذف، فإنه ينبغي أن يُعلم أنه لا تترتب الثلاث العقوبات التي سبقت الإشارة إليها إلا عند فقد البينة، ولذلك قال العلماء: لو أن إنساناً رأى رجلاً يزني أو رأى امرأة تزني بعينيه وليس عنده شهود، فإنه ينبغي عليه أن يكف لسانه، أي: لا يشهد أمام الملأ بأن فلاناً وفلانةً زنيا؛ لأن ذلك يفضي به إلى عقوبة القذف، بل ينبغي عليه أن يسكت إلا إذا وجد البينة.
وهل يُندب له الستر إذا كانت تلك فلتة من الزاني والزانية؟ نقول: يندب له الستر لحديث بريدة بن الحصيب ﵁ في صحيح مسلم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في موضعه.
стр. 57
مواصفات الشهود
أما المسألة الرابعة: فقوله : ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] : الآية هنا دلت على أنه ينبغي إحضار أربعة شهود يشهدون بالزنا، وهذا الإطلاق الذي ورد في هذه الآية الكريمة تقيِّدُه آيةٌ أخرى، وهي قوله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، فلا يقبل في الشهادة إلا من كان مسلماً عدلاً، أما العدالة فمحل اتفاق بين العلماء ﵏ إلا على قولٍ في مذهب الحنفية على تفصيلٍ عندهم في قبول شهادة الفاسق، فكلهم يقولون: بأنه يشترط لصحة الشهادة وقبولها أن يكون الشاهد عدلاً، والعدل هو المستقيم على طاعة الله.
стр. 58
ضوابط يجب توافرها في المسلم حتى يكون عدلاً
العلماء ﵏ أتوا للعدل بضابطين: أحدهما: أن يكون مجتنباً لكبائر الذنوب.
والضابط الثاني: ألاَّ يصر على صغائر الذنوب.
فإذا كان غير مرتكب للكبائر، ومتقياً في أغلب حاله للصغائر، فإنه يُحكم بكونه عدلاً وتقبل شهادته، وإلى ذلك أشار بعض الفضلاء بقوله: العدل من يجتنب الكبائرا ويتقي في الأغلب الصغائرا أي: أنه لا يفعل كبائر الذنوب كشرب الخمر وأكل الربا ونحو ذلك، ويتقي في الأغلب الصغائر، أي يبتعد في غالب حاله عن صغائر الذنوب، فهذا هو الذي تُرضى شهادته، ويُحكم بشهادته في الدماء والأعراض والفروج والأموال، وغير ذلك مما تطلب له الشهادة.
стр. 59
العقوبات المترتبة على من قذف شخصاً ولم تكن عنده بينة
قال الله : ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] : هذه هي العقوبة الأولى، فقد أجمع العلماء ﵏ على أنه إذا قذف الشخص غيره، ولم تكن عنده بينة، فإنه يُجلد ثمانين جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤] .
وقوله: (فَاجْلِدُوهُمْ) أمر عام والمراد به خاص، وهم ولاة الأمر كالقضاة ونحوهم، فإنهم هم المطالَبون بإقامة الحد على القاذف.
وقوله ﵎: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) وقد تقدمت صفة الجلد، وأنه يجلد الزاني بسوط ليس بهش يتهشم عند الضرب به، ولا بلين، وإنما بسوط بين السوطين.
يقول تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور:٤] : أجمع العلماء ﵏ على أن القاذف إذا قذف غيره وثبت عند القاضي قذفه، فإن القاضي يحكم بعدم قبول شهادته إلى الأبد، يقول بعض العلماء، وفي هذا أدب إلهي يبيِّن لنا حرمة الأعراض وكيف تؤدب الألسن إذا انطلقت دون خوف من الله في أعراض المسلمين، قال بعض العلماء لما كان هذا اللسان جريئاً على أعراض المسلمين، عاقبه الله فقطع شهادته إلى الأبد لكي يكون في ذلك زجر لأهل الفساد، الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وفي هذا دليل على سمو منهج الشرع، فإن الإنسان إذا كان لا يتقي الله في أعراض المسلمين، فيشهد عليهم بالتهم، ويلصق بهم ما لا أصل له من الفواحش، فإنه جريءٌ على الكذب في غير ذلك، وإذا لم يتقِ الله في أعراض المسلمين، فإنه إذا شهد بالأموال من باب أولى وأحرى أن يكذب، فكما كذب في الأعراض فإنه من باب أولى وأحرى أن يكذب كذلك في الأموال، فالأموال أهون من الأعراض، وفي هذا دليل على حكمة الشرع، وأن الله ﵎ قد وضع العقوبة في موضعها.
يقول تعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] : قال بعض السلف: لو قال لي القاذف قبل توبته: السماء فوقك، ما صدقته ولَصَدقت غيره، كل ذلك لأن الله قال: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور:٤] ، فمنع من قبول الشهادة منهم أبداً.
العقوبة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] : الفاسقون جمع فاسق، فالله وصف القاذف بالفسق، والفسق في اللغة: الخروج، ومنه قولهم: فَسَقَت الرُّطَبة: إذا خرجت من قشرها، قال بعض العلماء: سمي الفسق فسقاً لأن صاحبه -والعياذ بالله- خارج عن طاعة الله ﵎، فالفاسقون هم الخارجون عن طاعة الله، المجانبون لسبيل الله، المنتهكون لحدود الله ومحارم الله.
стр. 60
أقسام الذنوب كما بينها العلماء
لقد بيَّن العلماء ﵏ أن الذنوب على ثلاثة أقسام: - ذنب يوجب الخروج من الملة.
- وذنبان لا يوجبان الخروج من الملة.
أما الذنب الذي يوجب الخروج من الملة: فهو الكفر والردة والعياذ بالله! وأما الذنبان اللذان لا يوجبان الخروج من الملة فهما: - كبائر الذنوب التي لا تصل إلى الكفر.
- وصغائر الذنوب.
فصغيرة الذنب كالنظرة إلى الحرام مرة واحدة إذا كانت بعد استرسالٍ على وجه لا يكون فيه اطلاع على عورات ونحو ذلك تعتبر من الصغائر.
فإذا استرسل فيها وداوم عليها انتقل إلى الكبائر، فأصبحت بمجموع الإصرار تعادل الكبيرة والعياذ بالله! وكبائر الذنوب تكون: - باللسان، ومن ذلك القذف.
- بالشراب، كشرب الخمر.
- بالبطن، كأكل مال اليتيم، وأكل الربا.
- بالفرج، كالزنا.
- باليد، كالسرقة.
فلكل جارحة ما يناسبها من الذنوب التي تصل إلى الكبائر أو تكون دون ذلك.
فالمقصود أن الذنوب على ثلاثة أقسام: - فإن وصلت إلى حد الخروج من الملة فهي: الكفر.
- وإن كانت صغيرةً لا يُداوَم عليها فهي: صغائر الذنوب التي لا توجب الفسق.
- وإن كانت بين الصغيرة والردة فهي: الكبيرة، كالزنا ونحو ذلك.
فالكبيرة هي التي توجب الفسق.
ولذلك أشار الله إلى هذه الأقسام الثلاثة بقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] : - الكفر: الذنب الأعظم الموجب للخروج من الملة.
- الفسوق: كبائر الذنوب.
- العصيان: صغائر الذنوب.
وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه.
فقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] : أي الخارجون عن طاعة الله المعتدون على محارم الله وحدوده.
стр. 61
توبة القاذف وأقوال أهل العلم في هذه المسألة
وأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] : بعد أن بين الله ﵎ حُكْم مَن وقع في هذه الكبيرة وهذا الذنب العظيم، فتح الباب للتائبين، ورغَّب في الرجوع إليه لعباده المنيبين، فقال سبحانه وهو أرحم الراحمين: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) : (إلاَّ) حرف استثناء، والاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فأراد الله بهذه الآية الكريمة أن يستثني شيئاً مما سبق ذكرُه مما ترتب على القذف من العقوبة، فقال سبحانه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) .
التوبة من القذف للعلماء فيها قولان: الأول: أن التائب من القذف لابد أن يعترف أنه كان كاذباً في القذف، وأن فلاناً ليس بزانٍ، وفلانة ليست بزانية، وأصحاب هذا القول هم الجمهور، يقولون: إن الذي يقذف غيره فيتهمه بالزنا لا يعتبر تائباً إلا إذا كذب نفسه، فقال: فلان الذي اتهمته بالزنا ليس بزان، ويرجع عن قوله وتهمته، هذا هو قول جمهور العلماء، يقولون: لو تاب وأناب وأصلح، وكان من خيار عباد الله، وبقي على التهمة بالقذف؛ فإنه لا يزال -والعياذ بالله- قاذفاً، وهذا القول هو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ولذلك لما وقعت حادثة المغيرة بن شعبة ﵁، وشهد عليه الشهود ورجع بعضهم، قال عمر لـ أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁: تب أقبل شهادتك، أي: ارجع عن قذفك للمغيرة حتى أقبل الشهادة منك، فهذا يدل على أن التوبة من القذف أن يكذب القاذف نفسه ويقول: فلان الذي اتهمته بالزنا ليس بزانٍ وفلانة التي اتهمتها بالزنا ليست بزانية.
القول الثاني: إن التائب من القذف لابد أن يُصْلِحَ حاله، وأن يستقيم في ظاهره وباطنه، ولا يشترط عند أصحاب هذا القول أن يكذِّب القاذف نفسه، بل قالوا: إنه إذا تاب وأناب ورجع إلى الطاعة واستمر وداوم عليها فإنه يعتبر تائباً منيباً إلى الله يشمله الاستثناء في هذه الآية الكريمة، وهذا القول هو مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس ﵀، يقول: إن التوبة بصلاح الحال.
وأصح القولين -والعلم عند الله-: أنه لا توبة للقاذف إلا إذا كذب لفظه، فقال: فلان الذي اتهمته بالزنا ليس بزانٍ، وفلانة التي اتهمتها بالزنا ليست بزانية، فإذا فعل ذلك كان تائباً وإلا فلا.
وقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي من بعد قذفهم.
(وَأَصْلَحُوا) : أي أصلحوا بالقول الطيب فقالوا قولاً طيباً بعد أن قالوا القول الخبيث والفحش الذي لا يرضي الله.
стр. 62
الخلاف في قبول شهادة القاذف بعد توبته
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] : للعلماء ﵏ في هذه الآية وجهان: الوجه الأول: قالوا: إن هذه الآية الكريمة دلت على أن الإنسان إذا قذف غيره وحكم القاضي برد شهادته، ثم تاب وكذَّب نفسه، فقال: فلان الذي قذفته ليس بزانٍ يُحكم بقبول شهادته.
فقوله: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ [النور:٥] يستثنى منه رجوع القائل الناطق بالقذف المتلفظ به، فإذا رجع عن قذفه فكذب نفسه قُبِلت شهادته، وهذا هو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع.
وقال الإمام أبو حنيفة ﵀: إن القاذف لا تقبل شهادته إلى الأبد، وأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور:٥] فهو عائد إلى الحكم بالفسق في قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] ، أي: إلا الذين تابوا فهم ليسوا بفاسقين.
وفائدة الخلاف بين القولين: فيما لو أن إنساناً قذف غيره بالزنا، ثم أقيم عليه الحد رُدَّت شهادته وحُكِم بفسقه، فعند الجمهور: لو تاب وكذَّب نفسه تُقبل شهادته بعد أن يكذِّب نفسه.
وعند الإمام أبي حنيفة ﵀: لا تُقبل شهادته بل ترد عليه ويبقى رد شهادته إلى الأبد، ولا ينفعه في ردها صلاحه، وتوبته فيما بينه وبين الله .
وفي هذه الآية الكريمة دليلٌ على سعة رحمة الله بعباده، ولطفه بهم، وهي تدل دلالة واضحة على كمال وحكمة التشريع، ووجه ذلك: أن الله ﵎ لم يقنط القاذف، الذي ارتكب جريمة القذف من رحمته، بل فتح له باب الإنابة والتوبة إليه .
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور:٥] : أي: من بعد إقامة الحد عليهم والحكم برد شهادتهم وبفسقهم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥] : هذا هو الجواب، غفور لما كان منهم، رحيم بهم، وقال بعض العلماء: إن ختم الآيات بالرحمة يدل على التوفيق لهم بالطاعة، أي: أن الإنسان إذا ارتكب الإساءة فتاب وأناب ورجع إلى الله فإن الله يمنُّ عليه بصلاح الحال رحمةً به ولطفاً من الله .
стр. 63
آيات اللعان والأحكام المستنطبة منها
стр. 64
بيان الحكمة من اللعان
قال العلماء: إن اللعان فيه حكمة عظيمة، وذلك أن الأزواج تنسب إليهم الذرية، فكل ما حملته المرأة فإنه منسوب إلى البعل، فلو أننا قلنا: إنه لا يُقبل قذفهم إلا بالبينة، فإن ذلك يوجب الضرر عليهم، فشرع الله هذا السبيل لكي يُدفع الضرر عنهم، فحصل بذلك المقصود، فلو أن رجلاً قذف امرأته بالزنا -والعياذ بالله- ولم يكن عنده شهداء إلا نفسه، فإنه في هذه الحالة يدفع الضرر بما قلناه، ولذلك رحم الله عباده إذ أن المعروف في الإنسان أن الغَيرة تتملكه، وقد تؤثر عليه إلى درجة قد يضر بها الغير، قال بعض العلماء: شرع اللعان يدفع كثيراً من المفاسد، من أعظمها: أننا لو قلنا: إن الزوج يُقبل قولُه مجرداً عن البينة لاستطاع الزوج أن يضر بزوجته وبكل عدو له، كأن يدعو عدوه إلى زيارته، ثم يلصق به التهمة -تهمة الزنا- فلو فُتح باب التهمة هكذا مجرداً؛ لكان أيسر ما يكون على النفوس الضعيفة أن تؤذي عباد الله ، وتؤذي إماء الله في حال الحَنَق والغيظ والعداوة، والعكس أيضاً، ولذلك حفظ الله الأعراض، وصانها وحفظ كذلك الحدود والمحارم، فكان في شرعية اللعان ما يوجب جلب المصالح لكلا الطرفين، ودرء المفاسد عنهما.
стр. 65
فضل الله على عباده بقبول توبتهم ورحمته بهم
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٠] : أي: هذا كله فضل من الله ﵎، والفضل في الأصل هو الزيادة، ومنه الفضلة المتبقية من الطعام والشراب.
وقوله: (فَضْلُ) يدل على أننا أمام هذه الأحكام، أمام رحمة لا نستوجبها على الله، وإنما هي محض إحسانه ومحض عفوه ولطفه بخلقه وعبيده.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:١٠] : وصف الله نفسه بـ (تواب) وهي: صيغة فعَّال وتدل على الكثرة، أي: يقبل توبة التائبين، ويتوب على العبد إذا تاب تفضلاً وتكرماً، حتى ولو لم يتب فإن قد يصيبه برحمة منه تفضلاً وتكرماً، بل إن من دلائل رحمته وتوبته على عباده أنه يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه سبحانه سخَّر حملةَ العرش للاستغفار لك أيها المؤمن! وهذا من عظيم رحمته ودليل لطفه بعباده، ولو أنه وَكَلَهم إلى حولهم وقوتهم لكانوا بلا شك من الهالكين، فهو الذي ييسر التوبة للعبد، ولذلك قال العلماء: صيغةُ فعَّال تدل على الكثرة والمبالغة في الشيء، والله موصوف بتوَّاب، ووصف نفسه بذلك في أكثر من موضع، إذ أن توبته لم تقف على كونه تائباً على من تاب، بل إنه يمنُّ بالتوبة على مَن شاء من عباده، ولذلك قد ترى الرجلَ كأشد ما أنتَ راءٍ فِسْقاً وفجوراً واعتداءً على حدود الله وغروراً، وفي لحظة واحدة ينفحه الله برحمته، ويصيبه بلطفه وعنايته، فينقلب رأساً على عقب تائباً منيباً إلى الله، فلذلك قالوا: التوفيق للتوبة دليل على عظيم رحمة الله ولطفه وتوبته على عباده؛ لكنه سبحانه -مع أنه تواب- قد قَرَن توبته على عباده باسمه (الحكيم) ، والحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه، فهو عليم بخلقه، حكيم في تقديره وأمره وتدبيره، فيضع الأمور في مواضعها، فلذلك يتوب على من شاء، ويمن بالتوبة على من شاء.
ونسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يمنَّ علينا في هذا المجلس المبارك بتوبةٍ لا مؤاخذة بعدها، ورحمة لا عذاب بعدها، وسعادة لا شقاء بعدها، وأن يجعلنا من عباده التائبين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 66
الأحكام المترتبة على تراجع أحد الزوجين في اليمين
المسألة الأولى: وهي لو فرضنا أن الزوج أثناء لعانه نَكَل، أو الزوجة أثناء لعانها نَكَلت، صورة هذه المسألة أن يقوم الزوج فيحلف الأيمان، حتى إذا بلغ اليمين الخامسة يذكره القاضي بالله ويذكره بعقوبة الله، فيقول: أنا تائب، وأنا كاذب فيما قلت، فيكذِّب نفسه فما الحكم؟ إذا وقف الزوج وحلف بعض الأيمان أو حلف حتى بلغ الخامسة، وذُكِّر بالله فرجع عن حلفه، فإنه يجب إقامة حد القذف عليه في هذه الحالة، ويُحكم بلحوق الولد به.
أما إذا كذَّبت المرأة نفسها، كأن تكون المرأة في منتصف الأيمان وقالت: إنه صادق، ورجعت عن تكذيبه وأقرت، فإنه يقام عليها حد الرجم والعياذ بالله! فترجم حتى تموت وتتلف نفسها عقوبة من الله، كالحال في الزاني المحصن، وأما إذا رجعت أثناء الحلف فنكلت وترددت فهل يقام عليها الحد أم لا؟ وجهان للعلماء ﵏: أصحهما أنه يقام عليها الحد إذا تلكأت، تُخيَّر بين الإتمام وبين إقامة الحد عليها.
المسألة الثانية: إذا أقيمت المرأة وأقيم الرجل للحلف والإدلاء بشهادات اللعان، واستتم الرجل الشهادات وأكملها وامتنعت المرأة أن تحلف بعد حلف الزوج، وامتنعت أن تقر بالزنا فللعلماء وجهان: الوجه الأول: أن شهادة الزوج الكاملة توجب إقامة الحد عليها إذ امتنعت من اللعان، وهذا الوجه هو مذهب الجمهور.
والوجه الثاني: أنه إذا استتم الرجل الأيمان كاملةً وامتنعت المرأة من الحلف حُبِست حتى تحلف، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة، أن تحلف أو أن تبقى في سجنها حتى تموت.
وأصح الأقوال -والعلم عند الله- أنها تخير بين الأمرين؛ بين الحلف، أو يقام عليها حد الرجم مباشرة؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ [النور:٨] فدل على أن العذاب يلزمها رجماً إن لم تحلف الخمسة الأيمان، ولأن كل يمين من الزوج تعتبر قائمةً مقام الشاهد، فكانت بمثابة البيِّنة الكاملة، فكأن الزوج قد أقام أربعة شهود على صدق قوله.
المسألة الثالثة: إذا امتنع الزوج من الحلف، فإنه يخير بين الأمرين: بين أن يلاعن، وبين أن يقام عليه حد القذف، فإن شاء استتم اللعان، وإن شاء أُقيم عليه حد القذف، ويُحكم بلحوق الولد في النسب.
فهذا هو المراد من آية اللعان.
стр. 67
حالتان تجيز للزوج أن يلاعن زوجته
وسؤال يطرح نفسه متى يحق للزوج أن يتهم زوجته بالزنا؟ لا يحق للزوج أن يتهم الزوجة بالزنا إلا إذا تحقق من ذلك بأن رآها أو تبين زناها، على خلاف عند العلماء في ضوابط ذلك التبين، فمذهب بعض العلماء: أنه إذا أخبره ثلاثة ممن يثق بهم، أو اثنان ممن يثق فيهم عدالةً وأمانةً وصدقاً، أن من حقه أن يقذفها بناءً على شهادتهم، ومن حق الزوج أن يلاعن زوجته في حالتين: الأولى: إذا رأى منها الزنا.
الثانية: إذا كان هناك أمرٌ يَخشى منه اختلاط النسب، كأن تكون المرأة حَمَلت من هذا الزنا والعياذ بالله! فإذا حملت من زناها وجب عليه أن يلاعنها لكي ينفي هذا الولد، فيبعده عن أن يرثه ويُنسب إليه؛ ويستبيح النظر إلى بناته من امرأة أخرى ومحارمه اللاتي لا يحق له النظر إليهن.
فلذلك قال العلماء: يجب على الزوج أن يلاعن زوجته، وأن ينفي الولد عنه إذا تحقق من زناها، وكان ذلك الزنا في طهر لم يجامعها زوجها فيه، فكان الماء خالصاً لهذا الزاني، فالولد خالص له، فينبغي أن يسعى في نفي هذا الولد عنه، وإلا أثم شرعاً.
ومن العلماء مَن قيد ذلك فقال: إذا رأى امرأته على الزنا، وكان ذلك على الصفة التي ذكرناها في طهر لم يجامعها فيه، قالوا: له إذا استطاع أن يأخذ الولد بعد ولادتها فيضعه لقطة يأخذه الغير، فيسلم من شر عاره، ودخوله على أولاده وبناته، قالوا: يجوز له الستر في هذه الحالة، أما إذا لم يتمكن من ذلك، وتعلق به هذا الولد، فإنه يجب عليه أن يلاعن، لما في إثباته والسكوت عنه من حصول الإضرار، واستباحة المحارم بالنظر إليهن والجلوس معهن، من هذا الابن الذي هو ابن زناً والعياذ بالله!
стр. 68
صفة الملاعنة بين الزوجين والغرض منها
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦-٧] : هذه الشهادات المراد بها أربعة أيمان؛ أن يحلف أربعة أيمان، فيطلبه القاضي ويقيمه في مجلس القضاء، وقال بعض العلماء: يستحب أن يغلظ عليه فيقيمه عند المنبر؛ لكي يكون ذلك أبلغ في تخويفه بالله ، ويكون بعد صلاة العصر كالحال في الأيمان التي ذكرها الله في كتابه تغليظاً وزجراً، فيقوم ويشهد أربع شهادات بالله، وحينئذ لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يقصد من الملاعنة إثبات زناها.
الحالة الثانية: أن يقصد إثبات الزنا ونفي الولد، فإذا أراد إثبات الزنا قال: أحلف بالله أن فلانة -ويشير إليها مع ذكر اسمها في مجلس القضاء- زانية، وإذا أراد نفي الولد ضم إلى هذه اليمين قوله: أن فلانة زانية، وأن هذا الولد ليس بولدي، أو أن هذا الحمل الذي منها ليس مني، فيشهد أربع شهادات.
حتى إذا استتم الأربع أوقفه القاضي وقال له: اتقِ الله يا فلان! إنها الموجبة، كما فعل النبي ﵌ ذلك، قال بعض العلماء: إنها الموجبة، أي: إذا حلف الإنسان أن عليه لعنة الله -وكان كاذباً- أصابته اللعنة، وأنها إذا حلفت كاذبة أصابها الغضب والعياذ بالله! فأوجبت اليمين الكاذبة منه لعنةً من الله موجِبةً للطرد من رحمته، أو غضباً من الله -على المرأة إن كانت كاذبة- موجِباً للبعد من لطفه وعنايته.
يقول هذه الخمس الشهادات حتى إذا استتمها خُيِّرت المرأة بين إقرارها أو تلاعنه، فإذا أقرَّت وزُجرت بهذه الشهادات فلا إشكال، أما إذا أصرت على قولها وبقيت على تبرئتها لنفسها، فالحكم حينئذ أنه يطالبها القاضي بخمسة أيمان؛ أربع منها تشهد فيها بالله أنه لمن الكاذبين؛ وأنه قد كذب علي وأني لست بزانية، فإذا كان على نفي الولد قالت: لست بزانية، وأن الولدَ ولدُه، وتشير إليه أو تذكره، أو كان حملاً فتقول: وهذا الحملَ حملُه أو هذا الحمل منه، حتى إذا بلغت الشهادة الرابعة واستتمتها، ذكَّرها القاضي بالله وأوقفها وقال لها: يا فلانة! يا أمة الله! اتقي الله؛ إنها الموجبة أي: أنكِ إذا حلفتِ الخامسة -كاذبة- بأن غضب الله عليكِ فإنه سيصيبك الغضب -والعياذ بالله- لا محالة.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه لما أقام المتلاعنَين بين يديه شهد الرجل خمس شهادات حتى إذا انتهى قامت المرأة فشهدت الأربع شهادات الأولى، فقال لها: (اتقي الله يا أمة الله! إنها الموجبة، فترددت المرأة وتلكأت في كلامها، فلما أرادت أن تعترف قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فحلفت الخامسة) ، فهذا يدل على أنه ينبغي تذكير الزوج وتذكير الزوجة عند اليمين الخامسة، أنه لا يبادِر ولا يعاجَل بها، كل ذلك صيانة له من لعنة الله، وصيانة لها من غضب الله -والعياذ بالله- فإذا استتموا هذه الشهادات الخمس، فحينئذ يحكم القاضي بالتفريق بينهما فراقاً مؤبداً لا تحل له إلى الأبد، ولا يحل لها إلى الأبد -والعياذ بالله-، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ أنه لما تلاعن الرجل مع امرأته، قال ﵊: (حسابكما على الله، الله يعلم أن أحدكما كاذب) فهذا يدل على أنه لابد من وقوع الكذب، إما من الرجل وإما من المرأة، نسأل الله السلامة والعافية.
والمقصود بيان حقيقة اللعان وأنه على الصفة التي ذكرناها، وإذا ثبت اللعان ثبتت الفرقة المؤبدة، وحينئذ لا يخلو حالهما من ضربين: الضرب الأول: أن يُكَذِّبَ الرجل نفسه ويرجع عن قوله.
والضرب الثاني: أن يبقى على لعانه، وتبقى المرأة على لعانها.
ففي الحالة الأولى: إذا قال الرجل: كذبتُ عليها، أو قال: هي ليست بزانية، أو قال: الولد مني، فإنه حينئذ يجلد حد القذف.
وهل تعود له امرأته أو لا تعود، وجهان: أصحهما أنها لا تعود له إلى الأبد، وأنها تبقى عليه حراماً ولو كذَّب نفسه.
وإذا حكم القاضي بالتفريق بينهما فالسؤال: ماذا يُصنع بالولد؟ إذا تلاعن الرجل مع امرأته ونفى الولدَ فإن الولد يُنسب إلى المرأة ولا يُنسب إلى الرجل، ويعطى حكم ولد الزنا، وحساب أبيه على الله إن كان كاذباً والعياذ بالله!
стр. 69
الحكمة من نزول هذه الآيات
وهذه الآيات فيها رحمة من الله ﵎ بعباده؛ لأن النساء يختلفن في العفة والبُعد عن الوقوع في الفاحشة، فلو أن الله ﵎ أوقف الزوج بين الخيارات الثلاثة: بين أن يَقْتُل فيُقْتَل، وبين أن يسكت على الغيظ، وبين أن يقذف فيُجْلَد الحد، والعياذ بالله! لكان في ذلك من البلاء ما لا يعلمه إلا الله، فنزلت هذه الآيات رحمة من الله بعباده، ولطفاً من الله بخلقه، ولذلك قال العلماء: إن الغالب في الزوج أن لا يقدم على تهمة زوجته إلا إذا كان عنده ما يوجب ذلك، فلا يعقل أن الإنسان يفسد فراشه وينفي ولده إلا وهو معتمد على دليل، ولذلك كان هذا الحكم من الشرع قمةً في السوية والعدالة، ذلك أن الله لو قال لنبيه أو أوحى لنبيه: أن اقبل قذف الأزواج، وأقم على الزوجات الحد مطلقاً لكان في ذلك ضرر بالزوجات، ولفُتِح باب انتقام الأزواج من زوجاتهم، ولو قال بالعكس: لا تَقْبَل شهادة الزوج مطلقاً، وأقم عليه حد القذف لكان في ذلك من الضرر بالرجال ما لا يعلمه إلا الله، ولكنَّ الله أقام الميزان العدل، فأمره أن يقيم هذه الشهادة، وهي شهادات اللعان؛ خمس من الزوج، وخمس من الزوجة بالغة في النكال والعقوبة -والعياذ بالله-، يُوقف عند الخامسة فيُذكَّر بالله ، وتُوقف المرأة عند الخامسة فتذكر بالله ، وكل يمين من هذه الخمس بمثابة الشاهد، فما أنسبه من حكم! وما أعدله من شرع!
стр. 70
أقوال العلماء في تقييد القذف بالرؤية وعدمه
يقول الله ﵎: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ) للعلماء في هذه الآية وجهان: الوجه الأول: أنه لا يقبل قذف الزوج لزوجته إلا إذا قرنه بالرؤية، فقال: لقد رأيتها بعيني تزني، فلا يقبل من الزوج أن يقذف زوجته ويلاعنها بعد القذف، إلا إذا جمع بين أمرين: القذف، مع نسبة ذلك القذف إلى الرؤية، فيقول: زوجتي فلانة زانية رأيتها بعيني، أو فلانة زوجتي رأيتها بعيني تزني، هذا يسمى عند العلماء: بالقذف المقيد بالرؤية، وهذا هو مذهب المالكية، يقولون: إذا قذف الزوج زوجته فإنه لا يُقْبَل لعانه إلا إذا قرنه بالرؤية، فلو قذفها بناءً على خبر أحد، أو شهادة مَن يعرف فيه الصدق، فإنه يقام عليه حد القذف ثمانون جلدة إذا لم يقم البينة كاملة، وهذا هو الذي يسميه العلماء: القذف المجرد، وهو أن يقذفها بقذف مجرد من الرؤية.
الوجه الثاني: مذهب جمهور العلماء أن من قذف زوجته مطلقاً، سواء قذفها مجرداً عن الرؤية فقال: فلانة زانية، أو قذفها مقيداً بالرؤية، فقال: رأيتها بعيني تزني، أنه يوجب ثبوت اللعان له.
ومذهب الجمهور هو أصح الأقوال في المسألة.
واحتج الأولون بحديث عويمر إذ قال فيه: (والله! لقد رأيتها بعيني يا رسول الله! والله يا رسول الله! لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني) قالوا: فهذا يدل على أن القذف لابد أن يستند إلى الرؤية.
والجواب عن هذا الحديث بأمرين، الأمر الأول: أن الآية أطلقت والحديث مقيد؛ فلفظ الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٥] ، وأما الحديث فلفظه: (لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني) فيجاب عنه بأن النبي ﵌ لم يطالبه بالتقييد.
والأمر الثاني: أنه جمع بين السماع والرؤية، وبالإجماع لا يشترط قوله: (سمعت بأذني) فكذلك قوله: (رأيت بعيني) .
فهذا هو أصح الأقوال؛ أن الزوج إذا قذف زوجته مطلقاً أنه يلاعنها.
стр. 71
سبب نزول الآيات
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] : هذه الآيات الكريمات سبب نزولها أنه بعد أن نزلت الآيات السابقات تدل على أنه من قذف المؤمنة أو قذف المحصنة، فإنه ينبغي أن يقام عليه الحد ثمانين جلدة، إذا كان لم يُقِمِ الشهودَ على صدق قوله، فلما بين الله ﵎ وجوب الحد على القاذف، وقَعَ في عصر النبي ﵌ أن أحد الصحابة وهو عويمر العجلاني، رأى من امرأته الزنا بعينيه، وكذلك هلال بن أمية ﵁ وأرضاه، كان عند النبي ﵌ فدخل على أهله عشاءً فرأى ما يكرهه، فانتظر إلى الصباح فجاء إلى رسول الله ﵌ وشكى إليه ما رأى وقال: (يا رسول الله! الرجل يجد مع امرأته رجلاً، إن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ) : فقوله: (إن تكلم جلدتموه) : أي جلدتموه حد القذف.
(وإن قتل -أي: قتل الزاني- قتلتموه) .
(وإن سكت سكت على غيظ) : فكيف يسكت على فراشٍ فاسد.
فعَظُم الأمر على الصحابة؛ لأنهم خافوا أن يقيم رسول الله ﵌ الحد عليه.
فرواية عويمر العجلاني فيها أنه أمر عاصم بن عدي ﵁ -ابن عمه- أن يسأل رسول الله ﵌ فقال: (يا عاصم! الرجل يجد مع امرأته الرجل، إن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ، سل لي يا عاصم رسول الله ﵌ عن ذلك، فذهب عاصم إلى رسول الله ﵌ ثم رجع فجاءه عويمر، فقال: ماذا قال لك رسول الله ﵌؟ فقال له عاصم: والله! ما جئتني بخير، قد كره رسول الله ﵌ مسألتك، فلما علم منه ذلك مضى عويمر بنفسه إلى رسول الله ﵌ لعلمه أن النبي ﵌ كره المسألة؛ لأنه يظن أنها لم تقع، فلما كان قد بُلِي بها ذهب إلى رسول الله ﵌ حتى يخبره عن هذا البلاء الذي بُلِي به في أهله، فجاء إلى رسول الله ﵌ فقال مقالته، فأنزل الله الوحي على رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فقال ﵊: قد أُنْزِل فيك وفي صاحبتك قرآن، فاذهب وائتِ بها) .
وفي حديث هلال بن أمية ﵁ وأرضاه أنه قذف امرأته بـ شريك بن سحماء، فلما قذفها عند رسول الله ﵌ كانت هذه الآيات لم تنزل بعد، فلما قذفها بذلك، قال الصحابة: الآن يجلد هلالاً، فأنزل الله على نبيه صلوات الله وسلامه عليه هذه الآيات.
стр. 72
سلسلة تفسير سورة النور [٤]
إشاعة الفواحش من أعظم المعاول التي تهدم المجتمع، وتقطع العلاقات، وتخرب البيوت، وفي حادثة الإفك يبين الله تعالى واجب المؤمنين والمؤمنات تجاه ما يسمعونه من شائعات على إخوانهم المسلمين، وأن عليهم أن يضعوا أنفسهم مكان ذلك المتهم، فيظنوا به خيراً.
وهذه الآيات قد نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ مما قذفها به عبد الله بن أبي وحزبه، ومن انخدع به فخاض معه في عرض رسول الله ﷺ .
стр. 73
آية الإفك وسبب نزولها
أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرَّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:١١-٢١] .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومَن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي هذه الآيات الكريمة بيَّن الله ﵎ فيها قصة الإفك أو حادثة الإفك، وهي من أعظم الحوادث التي وقعت في العصر المدني، والتي عايش النبي ﵌ أحزانَها، وعايشت أم المؤمنين عائشة ﵂ بلاءها وأشجانَها، وعايش أصحاب النبي ﵌ كَرْبها.
هذه الآيات الكريمة نزلت في حادثة الإفك، والأصل فيها ما ثبت في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﵌ لما غزا غزوة بني المصطلق -وتسمى: غزوة المريسيع، وقد سميت غزوة بني المصطلق اعتباراً لمن غزاهم النبي ﵌، وهم بطن من خزاعة، وسميت بغزوة المريسيع؛ لأن الماء الذي نزل عليه هذا الحي يسمى بماء المريسيع، وقد كانت سنة ستٍِ كما قاله بعض أهل السير- لما أراد النبي ﵌ أن يخرج لهذه الغزوة، وكان من هديه ﵌ إذا أراد الغزوة أن يُقرِع بين نسائه، فمن خرجت لها القرعة خرجت معه ﵊، وشاء الله أن تكون القرعةُ في هذه الغزوة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، فخرجت مع النبي ﵌ حتى إذا انتهت الغزوة، آذَنَ رسول الله ﵌ أصحابَه بالرجوع إلى المدينة، فلما علمت عائشة ﵂ برحيل النبي ﵌ وإرادته الرجوع إلى المدينة خرجت لقضاء حاجتها، وكان الجيش لا كنيف فيه، فخرجت تبعد عن القوم من أجل قضاء حاجتها ﵂ وأرضاها حتى إذا توارت عن الجيش وقضت حاجتها، رجعت إلى منزلها وخبائها الذي نزلت فيه، فإذا بها قد فقدت عِقداً لها من جزع ظفار -والجزع: أصله الخرز، وقولهم: جزع ظفار؛ المراد بظفارٍ: موضع قِبَل اليمن، وهو المعروف الآن بعُمان، أُضيف إلى هذا البلد لكونه يُصنع فيه-، ففقدت هذا العقد، فخرجت ﵂ وأرضاها إلى الموضع الذي قضت حاجتها فيه حتى تجد العِقد الذي فقدته، وشاء الله لما خرجت جاء الذي يقود جملها وحمل مع آخرين هودجها، وكانت ﵂ خفيفة صغيرة السن، فلم يستبعد وجودَها في الهودج ولم يستغرب من خفة الهودج ﵁، فسار به وهو يظن أن أم المؤمنين ﵂ داخل الهودج، فخرجت حتى إذا وجدت حاجتها رجعت إلى منزلها، وإذا بالجيش قد ارتحل فرجعت إلى موضعها علَّهم أن يفقدوها ثم يرجعوا في طلبها، وشاء الله أن يدركها النوم، فنامت في الموضع الذي هو منزل لها حين نزل الجيش، فجاء صفوان بن المعطل ﵁ وأرضاه، قالت: فنمتُ، فما راعني إلا صوت صفوان ﵁ وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان صفوان ﵁ يعرفها قبل نزول آية الحجاب، قالت: فأخذت الخمار فغطيت به وجهي وأعرض عني ﵁، ووالله ما كلمني بكلمة، وأناخ لها البعير ﵁ وأرضاه.
- صفوان بن المعطل صحابي جليل له فضله، فإنه لما اتُّهم بأم المؤمنين ﵁ وعنها وأرضاهما، قال: (والله! ما كشفتُ كنف أنثى) .
أي: ما زنيت بامرأة قط، وهذا من عفته ﵁ وأرضاه، واستُشهد ﵁ في خلافة عمر سنة تسع عشرة في غزوة أرمينية، وقيل: إنه قُتل ﵁ في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين من الهجرة، فالشاهد: أن هذا الصحابي الجليل ﵁، لما رآها أناخ لها البعير، وقد كان من ساقة الجيش، والساقة يتفقدون مَن وراء الجيش، لكي يعينوه إذا أصابه العجز عن المسير، أو حصل به ضرر -لا سمح الله- قالت: فاحتملني فما كلمني بكلمة حتى دخل بها المدينة، فرآهما عدو الله عليه مِن الله اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول فقال مقالته الخبيثة، قال: والله! ما نجا منها ولا نجت منه.
فاتَّهمها ﵂ وأرضاها، ونسبها إلى الذي هي منه بريئة، وشاء الله ما شاء، فخاض الناس في شأن عائشة ﵂ وأرضاها، واتهموها بما اتهمها به عدو الله، وكان المسلمون على طوائف: - منهم من أنكر وكذب إبقاءً لبراءة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها.
- ومنهم من حمل الحديث ونقله دون أن يصدقه ولكن كان يشهِّر به في المجالس.
- ومنهم من سمعه وصدقه.
فأصبح الناس ما بين مصدِّق ومكذِّب، وناقل للحديث.
ومضى على ذلك شهر كامل، وشاء الله أن عائشة ﵂ لم تكن على علم بكلام الناس فيها، فبمجرد أن أدخلها صفوان إلى المدينة أصابها المرض فاشتكت، فذهبت إلى بيت أبيها فجلست فيه ﵂ وأرضاها، والناس يتكلمون في عرضها، وهي غافلة لا تدري من حديث الناس شيئاً، حتى شاء الله في يوم من الأيام أن تخرج إلى المناصع -وهو موضع شرقي المدينة- لقضاء حاجتها، وكانت معها أم مسطح بن أثاثة ﵄، فلما رجعت من قضاء حاجتها عثرت أم مسطح في مِرْطها، فقالت: تعس مسطح، فلما قالت هذه المقالة، عتبت عليها أم المؤمنين عائشة ﵂ أن قالت هذه المقالة في حق ابنها، وكان مسطح ممن خاض في حديث عائشة ﵂، وتهمتها، فلما ردت عائشة مقالة أم مسطح أخبرتها أم مسطح بالخبر، قالت عائشة: فذكرت لي الحديث، فسألتها: هل علم رسول الله ﵌ بذلك؟ فأخبرتها أن رسول الله ﵌ علم بذلك، ثم سألت: هل علم أبوها وأمها بذلك؟ فقالت: نعم، فخرَّت مغشياً عليها ﵂ وأرضاها، وشاء الله ما شاء من فتنتها بهذه المقالة، وأصابتها الحمى، وجعلَتْ تنفض من شدة ما وجدت من التهمة والزور والبهتان فيها ﵂ وأرضاها، ثم شاء الله ما شاء، فمَضَت عليها ثلاث ليال لا تنام لها عين ولا ترقأ عن الدمع ﵂ وأرضاها، قالت: فلما كانت الليلة الثالثة جاء رسول الله ﵌ إليها، وقال: يا عائشة! إن كنت أذنبت ذنباً فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت لأبيها: أجب رسول الله، فما استطاع أبو بكر ﵁ وأرضاه أن يتكلم، وقالت لأمها: أجيبي رسول الله، فما استطاعت أمها أن ترد الحديث على رسول الله ﵌، فلما غلبهما ما غلبهما من العي والحصر في جواب النبي ﵌ قالت: والله! لئن قلتُ لكم: إني لم أفعل لم تصدقوني، ولو قلت لكم: إني فعلتُ صدقتموني، فوالله! ما فعلت؛ ولكن الله سيبرئني، ثم قالت: ولكن أقول كما قال أبو يوسف -عجز عنها اسم يعقوب ﵇ من شدة ما وجدت ﵂ من الهم والحزن-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ، فاستعانت بالله ، فما قضت حديثها حتى نزل الوحي على رسول الله ﵌ وبرأها الله من فوق سبع سماوات ﵂ وأرضاها، فكانت هذه الحادثة من أشد الحوادث المدنية على رسول الله ﵌، فنزلت هذه الآيات التي صبَّرها الله بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرَّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ
стр. 74
تفسير (الإفك - العصبة)
يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور:١١] : الإفك: هو الكذب والبهتان، والقول الذي لا أصل له، والمراد بالإفك هنا: إفكٌ مخصوص، وليس المراد به كلُّ إفك، ووصفه الله ﵎ بالكذب إشارةً إلى عدم صحته وبطلانه.
يقول الله ﵎: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ) : فكأن هذا الكلامَ لا أصل له، وإنما هو ناشئٌ من الشخص الذي تكلم به، فجاء التعبير القرآني بهذا الأسلوب الذي يدل على اختلاق هذا الكلام، وأنه لا أصل له ولا حقيقة.
وقوله: (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) العصبة في اللغة: مأخوذة من تعصيب الشيء، والمراد به: الإحاطة بالشيء، ومنه العصابة التي يُشَد بها الجرح، وتُشَد بها الشجاج، ومن ذلك أيضاً: العصابة التي توضع على الرأس؛ لأنها تحيط به، وعصبة الرجل هم قرابته، وقد سُموا بذلك؛ لأنهم يحيطون به عند الشدائد، فإذا احتاج إليهم أحاطوا به، ودفعوا عنه بإذن الله ، فيوصفون بكونهم عصبة من هذا الوجه.
стр. 75
المقصود بالعصبة
قوله تعالى: (عُصْبَةٌ) : العصبة: قيل: إنهم الثلاثة، وقيل: الأربعة، وقيل: إلى عشرة، والمراد بهم هنا: - رأس الإفك وهو: عبد الله بن أبي بن سلول عليه لعنة الله.
- والثاني منهم: حسان بن ثابت.
- والثالث: مسطح بن أثاثة.
- والرابع: حمنة بنت جحش.
- وهناك مَن تكلم بالإفك غير هؤلاء.
ولكن هؤلاء هم الذين اشتهرت عنهم مقالة الإفك، ومنهم من قال إن حسان ﵁ لم يصرح بتهمتها وإنما عرَّض؛ ولكن الذي في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها أنه استأذن عليها حسان ﵁، فأنشدها أبياتاً في مدحها يقول فيها: حَصان رَزان ما تُزَنُّ بريبةٍ وتصبح غرثى مِن لحوم الغوافلِ حليلةُ خير الناس ديناً ومنصباً نبيُّ الهدى والمَكْرُماتِ الفواضلِ عقيلةُ حيٍّ مِن لؤي بن غالبٍ كرام المساعي مجدهم غير زائلِ إلى آخر الأبيات.
فأثنى عليها ﵁ وأرضاها، فقالت له ﵂: (ولكن أنت) أي: أنت الذي قلتَ ما قلتَ.
فقولها هذا يثبت أنه قد خاض، ولذلك لما استأذن عليها كما في صحيح البخاري أيضاً، قيل لها: أتأذنين له؟ قالت ﵂: أوَليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أرادت بذلك العمى والعياذ بالله، أي أن الله ابتلاه به عقوبة له في الدنيا، كما أشار إلى ذلك سفيان الثوري راوي الحديث.
فالمقصود أن هؤلاء الأربعة احتملوا حديث الإفك، وقد اختلف العلماء ﵏: هل جلدهم النبي ﵌ أم لم يجلدهم؟ وإن كان الذي صححه طائفة من العلماء أنه قد جلدهم، وهذا هو الذي يتفق مع الأصل الموجب لإقامة الحد على القاذف، كما سبق بيانه في المجالس الماضية.
следующие страницы →