Полный текст (108 стр.). Показаны 71–108 · переход к 76.
стр. 71
سبب نزول الآيات
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] : هذه الآيات الكريمات سبب نزولها أنه بعد أن نزلت الآيات السابقات تدل على أنه من قذف المؤمنة أو قذف المحصنة، فإنه ينبغي أن يقام عليه الحد ثمانين جلدة، إذا كان لم يُقِمِ الشهودَ على صدق قوله، فلما بين الله ﵎ وجوب الحد على القاذف، وقَعَ في عصر النبي ﵌ أن أحد الصحابة وهو عويمر العجلاني، رأى من امرأته الزنا بعينيه، وكذلك هلال بن أمية ﵁ وأرضاه، كان عند النبي ﵌ فدخل على أهله عشاءً فرأى ما يكرهه، فانتظر إلى الصباح فجاء إلى رسول الله ﵌ وشكى إليه ما رأى وقال: (يا رسول الله! الرجل يجد مع امرأته رجلاً، إن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ) : فقوله: (إن تكلم جلدتموه) : أي جلدتموه حد القذف.
(وإن قتل -أي: قتل الزاني- قتلتموه) .
(وإن سكت سكت على غيظ) : فكيف يسكت على فراشٍ فاسد.
فعَظُم الأمر على الصحابة؛ لأنهم خافوا أن يقيم رسول الله ﵌ الحد عليه.
فرواية عويمر العجلاني فيها أنه أمر عاصم بن عدي ﵁ -ابن عمه- أن يسأل رسول الله ﵌ فقال: (يا عاصم! الرجل يجد مع امرأته الرجل، إن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ، سل لي يا عاصم رسول الله ﵌ عن ذلك، فذهب عاصم إلى رسول الله ﵌ ثم رجع فجاءه عويمر، فقال: ماذا قال لك رسول الله ﵌؟ فقال له عاصم: والله! ما جئتني بخير، قد كره رسول الله ﵌ مسألتك، فلما علم منه ذلك مضى عويمر بنفسه إلى رسول الله ﵌ لعلمه أن النبي ﵌ كره المسألة؛ لأنه يظن أنها لم تقع، فلما كان قد بُلِي بها ذهب إلى رسول الله ﵌ حتى يخبره عن هذا البلاء الذي بُلِي به في أهله، فجاء إلى رسول الله ﵌ فقال مقالته، فأنزل الله الوحي على رسوله صلوات الله وسلامه عليه، فقال ﵊: قد أُنْزِل فيك وفي صاحبتك قرآن، فاذهب وائتِ بها) .
وفي حديث هلال بن أمية ﵁ وأرضاه أنه قذف امرأته بـ شريك بن سحماء، فلما قذفها عند رسول الله ﵌ كانت هذه الآيات لم تنزل بعد، فلما قذفها بذلك، قال الصحابة: الآن يجلد هلالاً، فأنزل الله على نبيه صلوات الله وسلامه عليه هذه الآيات.
стр. 72
سلسلة تفسير سورة النور [٤]
إشاعة الفواحش من أعظم المعاول التي تهدم المجتمع، وتقطع العلاقات، وتخرب البيوت، وفي حادثة الإفك يبين الله تعالى واجب المؤمنين والمؤمنات تجاه ما يسمعونه من شائعات على إخوانهم المسلمين، وأن عليهم أن يضعوا أنفسهم مكان ذلك المتهم، فيظنوا به خيراً.
وهذه الآيات قد نزلت في براءة أم المؤمنين عائشة ﵂ مما قذفها به عبد الله بن أبي وحزبه، ومن انخدع به فخاض معه في عرض رسول الله ﷺ .
стр. 73
آية الإفك وسبب نزولها
أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرَّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:١١-٢١] .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومَن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: ففي هذه الآيات الكريمة بيَّن الله ﵎ فيها قصة الإفك أو حادثة الإفك، وهي من أعظم الحوادث التي وقعت في العصر المدني، والتي عايش النبي ﵌ أحزانَها، وعايشت أم المؤمنين عائشة ﵂ بلاءها وأشجانَها، وعايش أصحاب النبي ﵌ كَرْبها.
هذه الآيات الكريمة نزلت في حادثة الإفك، والأصل فيها ما ثبت في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﵌ لما غزا غزوة بني المصطلق -وتسمى: غزوة المريسيع، وقد سميت غزوة بني المصطلق اعتباراً لمن غزاهم النبي ﵌، وهم بطن من خزاعة، وسميت بغزوة المريسيع؛ لأن الماء الذي نزل عليه هذا الحي يسمى بماء المريسيع، وقد كانت سنة ستٍِ كما قاله بعض أهل السير- لما أراد النبي ﵌ أن يخرج لهذه الغزوة، وكان من هديه ﵌ إذا أراد الغزوة أن يُقرِع بين نسائه، فمن خرجت لها القرعة خرجت معه ﵊، وشاء الله أن تكون القرعةُ في هذه الغزوة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، فخرجت مع النبي ﵌ حتى إذا انتهت الغزوة، آذَنَ رسول الله ﵌ أصحابَه بالرجوع إلى المدينة، فلما علمت عائشة ﵂ برحيل النبي ﵌ وإرادته الرجوع إلى المدينة خرجت لقضاء حاجتها، وكان الجيش لا كنيف فيه، فخرجت تبعد عن القوم من أجل قضاء حاجتها ﵂ وأرضاها حتى إذا توارت عن الجيش وقضت حاجتها، رجعت إلى منزلها وخبائها الذي نزلت فيه، فإذا بها قد فقدت عِقداً لها من جزع ظفار -والجزع: أصله الخرز، وقولهم: جزع ظفار؛ المراد بظفارٍ: موضع قِبَل اليمن، وهو المعروف الآن بعُمان، أُضيف إلى هذا البلد لكونه يُصنع فيه-، ففقدت هذا العقد، فخرجت ﵂ وأرضاها إلى الموضع الذي قضت حاجتها فيه حتى تجد العِقد الذي فقدته، وشاء الله لما خرجت جاء الذي يقود جملها وحمل مع آخرين هودجها، وكانت ﵂ خفيفة صغيرة السن، فلم يستبعد وجودَها في الهودج ولم يستغرب من خفة الهودج ﵁، فسار به وهو يظن أن أم المؤمنين ﵂ داخل الهودج، فخرجت حتى إذا وجدت حاجتها رجعت إلى منزلها، وإذا بالجيش قد ارتحل فرجعت إلى موضعها علَّهم أن يفقدوها ثم يرجعوا في طلبها، وشاء الله أن يدركها النوم، فنامت في الموضع الذي هو منزل لها حين نزل الجيش، فجاء صفوان بن المعطل ﵁ وأرضاه، قالت: فنمتُ، فما راعني إلا صوت صفوان ﵁ وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكان صفوان ﵁ يعرفها قبل نزول آية الحجاب، قالت: فأخذت الخمار فغطيت به وجهي وأعرض عني ﵁، ووالله ما كلمني بكلمة، وأناخ لها البعير ﵁ وأرضاه.
- صفوان بن المعطل صحابي جليل له فضله، فإنه لما اتُّهم بأم المؤمنين ﵁ وعنها وأرضاهما، قال: (والله! ما كشفتُ كنف أنثى) .
أي: ما زنيت بامرأة قط، وهذا من عفته ﵁ وأرضاه، واستُشهد ﵁ في خلافة عمر سنة تسع عشرة في غزوة أرمينية، وقيل: إنه قُتل ﵁ في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين من الهجرة، فالشاهد: أن هذا الصحابي الجليل ﵁، لما رآها أناخ لها البعير، وقد كان من ساقة الجيش، والساقة يتفقدون مَن وراء الجيش، لكي يعينوه إذا أصابه العجز عن المسير، أو حصل به ضرر -لا سمح الله- قالت: فاحتملني فما كلمني بكلمة حتى دخل بها المدينة، فرآهما عدو الله عليه مِن الله اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول فقال مقالته الخبيثة، قال: والله! ما نجا منها ولا نجت منه.
فاتَّهمها ﵂ وأرضاها، ونسبها إلى الذي هي منه بريئة، وشاء الله ما شاء، فخاض الناس في شأن عائشة ﵂ وأرضاها، واتهموها بما اتهمها به عدو الله، وكان المسلمون على طوائف: - منهم من أنكر وكذب إبقاءً لبراءة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها.
- ومنهم من حمل الحديث ونقله دون أن يصدقه ولكن كان يشهِّر به في المجالس.
- ومنهم من سمعه وصدقه.
فأصبح الناس ما بين مصدِّق ومكذِّب، وناقل للحديث.
ومضى على ذلك شهر كامل، وشاء الله أن عائشة ﵂ لم تكن على علم بكلام الناس فيها، فبمجرد أن أدخلها صفوان إلى المدينة أصابها المرض فاشتكت، فذهبت إلى بيت أبيها فجلست فيه ﵂ وأرضاها، والناس يتكلمون في عرضها، وهي غافلة لا تدري من حديث الناس شيئاً، حتى شاء الله في يوم من الأيام أن تخرج إلى المناصع -وهو موضع شرقي المدينة- لقضاء حاجتها، وكانت معها أم مسطح بن أثاثة ﵄، فلما رجعت من قضاء حاجتها عثرت أم مسطح في مِرْطها، فقالت: تعس مسطح، فلما قالت هذه المقالة، عتبت عليها أم المؤمنين عائشة ﵂ أن قالت هذه المقالة في حق ابنها، وكان مسطح ممن خاض في حديث عائشة ﵂، وتهمتها، فلما ردت عائشة مقالة أم مسطح أخبرتها أم مسطح بالخبر، قالت عائشة: فذكرت لي الحديث، فسألتها: هل علم رسول الله ﵌ بذلك؟ فأخبرتها أن رسول الله ﵌ علم بذلك، ثم سألت: هل علم أبوها وأمها بذلك؟ فقالت: نعم، فخرَّت مغشياً عليها ﵂ وأرضاها، وشاء الله ما شاء من فتنتها بهذه المقالة، وأصابتها الحمى، وجعلَتْ تنفض من شدة ما وجدت من التهمة والزور والبهتان فيها ﵂ وأرضاها، ثم شاء الله ما شاء، فمَضَت عليها ثلاث ليال لا تنام لها عين ولا ترقأ عن الدمع ﵂ وأرضاها، قالت: فلما كانت الليلة الثالثة جاء رسول الله ﵌ إليها، وقال: يا عائشة! إن كنت أذنبت ذنباً فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت لأبيها: أجب رسول الله، فما استطاع أبو بكر ﵁ وأرضاه أن يتكلم، وقالت لأمها: أجيبي رسول الله، فما استطاعت أمها أن ترد الحديث على رسول الله ﵌، فلما غلبهما ما غلبهما من العي والحصر في جواب النبي ﵌ قالت: والله! لئن قلتُ لكم: إني لم أفعل لم تصدقوني، ولو قلت لكم: إني فعلتُ صدقتموني، فوالله! ما فعلت؛ ولكن الله سيبرئني، ثم قالت: ولكن أقول كما قال أبو يوسف -عجز عنها اسم يعقوب ﵇ من شدة ما وجدت ﵂ من الهم والحزن-: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ، فاستعانت بالله ، فما قضت حديثها حتى نزل الوحي على رسول الله ﵌ وبرأها الله من فوق سبع سماوات ﵂ وأرضاها، فكانت هذه الحادثة من أشد الحوادث المدنية على رسول الله ﵌، فنزلت هذه الآيات التي صبَّرها الله بها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرَّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ
стр. 74
تفسير (الإفك - العصبة)
يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ [النور:١١] : الإفك: هو الكذب والبهتان، والقول الذي لا أصل له، والمراد بالإفك هنا: إفكٌ مخصوص، وليس المراد به كلُّ إفك، ووصفه الله ﵎ بالكذب إشارةً إلى عدم صحته وبطلانه.
يقول الله ﵎: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ) : فكأن هذا الكلامَ لا أصل له، وإنما هو ناشئٌ من الشخص الذي تكلم به، فجاء التعبير القرآني بهذا الأسلوب الذي يدل على اختلاق هذا الكلام، وأنه لا أصل له ولا حقيقة.
وقوله: (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) العصبة في اللغة: مأخوذة من تعصيب الشيء، والمراد به: الإحاطة بالشيء، ومنه العصابة التي يُشَد بها الجرح، وتُشَد بها الشجاج، ومن ذلك أيضاً: العصابة التي توضع على الرأس؛ لأنها تحيط به، وعصبة الرجل هم قرابته، وقد سُموا بذلك؛ لأنهم يحيطون به عند الشدائد، فإذا احتاج إليهم أحاطوا به، ودفعوا عنه بإذن الله ، فيوصفون بكونهم عصبة من هذا الوجه.
стр. 75
المقصود بالعصبة
قوله تعالى: (عُصْبَةٌ) : العصبة: قيل: إنهم الثلاثة، وقيل: الأربعة، وقيل: إلى عشرة، والمراد بهم هنا: - رأس الإفك وهو: عبد الله بن أبي بن سلول عليه لعنة الله.
- والثاني منهم: حسان بن ثابت.
- والثالث: مسطح بن أثاثة.
- والرابع: حمنة بنت جحش.
- وهناك مَن تكلم بالإفك غير هؤلاء.
ولكن هؤلاء هم الذين اشتهرت عنهم مقالة الإفك، ومنهم من قال إن حسان ﵁ لم يصرح بتهمتها وإنما عرَّض؛ ولكن الذي في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها أنه استأذن عليها حسان ﵁، فأنشدها أبياتاً في مدحها يقول فيها: حَصان رَزان ما تُزَنُّ بريبةٍ وتصبح غرثى مِن لحوم الغوافلِ حليلةُ خير الناس ديناً ومنصباً نبيُّ الهدى والمَكْرُماتِ الفواضلِ عقيلةُ حيٍّ مِن لؤي بن غالبٍ كرام المساعي مجدهم غير زائلِ إلى آخر الأبيات.
فأثنى عليها ﵁ وأرضاها، فقالت له ﵂: (ولكن أنت) أي: أنت الذي قلتَ ما قلتَ.
فقولها هذا يثبت أنه قد خاض، ولذلك لما استأذن عليها كما في صحيح البخاري أيضاً، قيل لها: أتأذنين له؟ قالت ﵂: أوَليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أرادت بذلك العمى والعياذ بالله، أي أن الله ابتلاه به عقوبة له في الدنيا، كما أشار إلى ذلك سفيان الثوري راوي الحديث.
فالمقصود أن هؤلاء الأربعة احتملوا حديث الإفك، وقد اختلف العلماء ﵏: هل جلدهم النبي ﵌ أم لم يجلدهم؟ وإن كان الذي صححه طائفة من العلماء أنه قد جلدهم، وهذا هو الذي يتفق مع الأصل الموجب لإقامة الحد على القاذف، كما سبق بيانه في المجالس الماضية.
стр. 76
تفسير قوله تعالى: (لاتحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم)
يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرَّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] : (لا تَحْسَبُوهُ) : من الحسبان وهو الظن، وحسبان الإنسان: ظنه، ولذلك يقال: لم يَدُر هذا بخَلَدي ولا بحسباني، أي ما ظننت أن هذا قد يقع، أو قد يحصل.
وقوله: (لا تَحْسَبُوهُ) : أي لا تظنوه.
(شَرَّاً لَكُمْ) : الشر: هو الذي غلب ضرره على نفعه، والخير: هو الذي غلب نفعه على ضرره، وليس هناك خير محض ولا شر محض إلا في الجنة والنار، فالجنة هي الخير المحض، والنار هي الشر المحض، وأما أمور الدنيا فهي ما بين غالب الشر وغالب الخير، وليس هناك محض الشر فيها ولا محض الخير، كما بينه العلماء ﵏.
وقوله : (بَلْ هُوَ خَيْرٌ) أي: أن الله ﵎ ابتلاكم بهذا البلاء وله في ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا هو ، وأنكم قد تستكبرون وقوع الإفك في حق عرض النبي ﵌ وأهل بيته؛ ولكن الله ﵎ أراد الخير بذلك كله.
ومن هنا يتبيَّن أن العبرة في الأمور بعواقبها، وأن الإنسان قد يرى شيئاً يظنه خيراً فيأتيه الشر من حيث يحسب ويظن أن يأتيه الخير، وقد يرى الشيء فيظنه شراً فيأتيه الخير من حيث يظن أن يأتيه الشر، وصدق الله إذ يقول: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] ، وكم من أمور نظر الإنسان إليها في بدايتها على أنها بلاء وشر؛ ولكن الله ﵎ جعل له حسن العاقبة والمآل فيها، ولذلك كان من الدعاء المأثور: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) ، أي: اجعل لنا عواقب الأمور كلها خيراً، فالعبرة في الأمور بعواقبها، والعبرة في الأحوال بخواتمها، فمن كانت خاتمته على الخير والسلامة فلا يضره ما مضى في الشيء الذي يئول إلى الخير من التعب والنصب، ولذلك أهل الجنة في الدنيا يكابدون الأشجان والأحزان والبلايا، وهي شر من ناحية الظاهر، ولكن عاقبة ذلك البلاء وذلك العناء رضوانٌ لا سخط بعده ورحمةٌ لا عذاب بعدها، فيهون على المؤمن ما يعلمه من حسن العاقبة.
فالشاهد: أن العبرة في الأمور بعواقبها، وكأن الله ينبه المؤمن في هذه الآية أن لا يعجل في الحكم على القضاء والقدر، وأن عليه التسليم والرضا بما كتب له الله علَّ الله أن يحسن له العاقبة.
يقول تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرَّاً لَكُمْ﴾ [النور:١١] : أي لا تحسبوا -يا معشر المؤمنين- أن الله يريد بكم السوء والضرر؛ ولكن الله يريد بكم الخير في الدين والدنيا والآخرة، وقد كان ذلك.
فحادثة الإفك، جعل الله فيها درساً لعباده المؤمنين، وهو درس يُسَلِّي كلَّ امرأة فُتِنَت في عرضها، فتكلم الناس فيها واتهموها زوراً وبهتاناً، إذا ذكرت ما وقع لأم المؤمنين ﵂ وأرضاها، تسلت وتعزت، وكان لها في ذلك من السلوان خير كثير، فهذا من الخير الذي جعله الله في حادثة الإفك.
وفيها من الخير أنها مدرسة لعباد الله المؤمنين أن يتحفظوا في نقل الشائعات، وألا يعتنوا بنقل الروايات دون تثبت، خاصة إذا اشتملت تلك الروايات والشائعات على طعنٍ في عبد من عباد الله، فعلى المسلم أن يتقي الله في إخوانه.
فهذه الحادثة هذبت ألسنة المؤمنين، وأدبت عباد الله المتقين، ودلتهم على ما ينبغي أن يكونوا عليه من سنن الدين، ومراعاة أعراض عباد الله المسلمين.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١] : المراد بهذا الخير لأهل الإيمان، وأما من كان على النفاق كـ عبد الله بن أبي بن سلول فإنه شر وبلاء عليه في الدنيا والآخرة، وهكذا من تكلم من المؤمنين في عرضها، فهو شر عليه في الدنيا؛ لأنه أُقيم عليه الحد، وفي الآخرة إذا لم يتب.
стр. 77
تفسير قوله تعالى: (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم)
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١] : (لِكُلِّ امْرِئٍ) : أي: لكل واحد منهم.
(مَا اكْتَسَبَ) : أي: من مقالة الزور والبهتان.
وفي هذه الآية الكريمة دلالة على عدل الله ، وأنه سيؤاخذ الإنسان بما اكتسب واجترحت يداه، وما نطق به لسانه.
وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يراقب الله ، فلا يصيب إثماً؛ لأن بين أن إصابة الإثم ستكون وبالاً على صاحبها؛ لأنه مرهون بها، وذلك هو المعبَّر عنه بقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١] أي: سيلحقه تبعة ما اكتسب واجترح من الإثم.
стр. 78
عبد الله بن أبي هو الذي تولى كبره في حادثة الإفك
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١] .
قوله: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ) كِبَر الشيء، أي عِظَمُه، ذلك أن هذه المقالة -وهي مقالة الإفك في أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها نشأت مِن عبد الله بن أبي بن سلول، ولولا هذا الخبيث المنافق عليه لعنة الله لَمَا تحدث الناس فيها ﵂ وأرضاها، فهو المتحمل لكبر هذا الإثم والعياذ بالله، ومن هنا أخذ بعض العلماء دليلاً على أن الإنسان إذا نشأت منه المقالة فطارت في الآفاق وكانت مشتملة على البهتان والإثم، فإنه يُسأل بين يدي الله عن كل لسان لاك تلك المقالة، ويتحمل آثام الناس والعياذ بالله.
ولذلك ورد في الحديث الصحيح في صحيح البخاري: (أن النبي ﵌ مر على رجل يعذب، فسأل عن ذلك، فأُخبر أنه الرجل الذي يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق) -والعياذ بالله- بأن يقول خبراً غير صحيح، فيتناقله الناس، فلذلك يعظم إثمه على حسب كثرة الذين يتكلمون بذلك الكلام المكذوب.
ومن هنا يتبين أنه ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه عن أن يقول شيئاً لا علم له به، وأن يكون على حيطة من أن يصيب شيئاً يكون عليه كِبَره ويكون عليه إثمه والعياذ بالله.
стр. 79
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً)
يقول الله ﵎: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] : سبب نزول هذه الآية: أن أبا أيوب الأنصاري زيد بن خالد الأنصاري ﵁ وأرضاه- كان مع أم أيوب ﵂، فقالت له أم أيوب: (ألم تسمع ما قد قيل في عائشة؟ فقال: قد سمعت، ثم قال لها: أو تظنين ذلك، قالت: لا والله! قال لها: يا أم أيوب، لو قيل فيك ذلك أكنتِ فاعلة لذلك، قالت: معاذ الله! قال: فوالله! لـ عائشة خير منك، ﵁ وأرضاه) .
(لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً) أي: هلا إذ سمعتموه ظننتم الخير بالمؤمنين والمؤمنات.
قوله (المؤمنون) عائد إلى أبي أيوب ومن كان مثله ممن رد الكذب ولم يحتمل البهتان في أم المؤمنين ﵂.
وأما قوله: (وَالْمُؤْمِنَاتُ) : فالمراد بهن أم أيوب ومن كان في حكمها؛ كـ زينب بنت جحش، فإنها كَذَّبْت ودافعت عن عائشة رضي الله عن الجميع.
وقوله: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً) الأنفس: جمع نفس، وتطلق على عدة معانٍ، منها: الأخ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] ، فهذا أحد الأقوال في تفسيرها كما سيأتي: أي على إخوانكم.
قوله تعالى: (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً) ، أي: ظنوا أن إخوانهم أبعد ما يكونون عن الشر وعن إصابة الفواحش والآثام إبقاءً للأصل والبراءة.
стр. 80
علاج الشائعات
ينبغي على الإنسان إذا سمع النقيصة في المؤمن ألاَّ يعجل في تصديقها، وقد قرر العلماء ﵏ أن الإنسان لو نقل المقالة التي تشتمل على الطعن في الإنسان؛ ولو كان على سبيل الحكاية، فإنه آثم والعياذ بالله، وقد توسع الناس في ذلك -كما قلنا- فهناك أناس يقدحون في الناس على اختلاف طبقاتهم، فيقدحون في العامة، ويقدحون في الخاصة، ويلصقون التهم بهم، وقد تصل التهمة إلى الدين والعياذ بالله، والخروج من الملة، وكل ذلك لا يجوز كما قلنا، فقد يتهم القاضي في حكمه، ويقال: إنه مرتشٍ، وهو أبعد ما يكون عن الرشوة، وأنزه ما يكون عنها، فيأتي إنسان مغفل لا يراقب الله في أعراض المسلمين، فيسمع مفتوناً يتكلم في ذلك القاضي على سبيل المثال، أو يسمع عدواً للقاضي يقول مقالته التي يطعن فيه بها، فيقول: إنه غير عالم، أو يأخذ الرشوة، أو يجور في حكمه، أو يستعجل في حكمه، فيأتي ويقول: تقول الناس في فلان كذا وكذا، وقد يأتي داعية إلى الله له بلاء ورسوخ، وحسن بلاءٍ في الساحة، فيقول رجل فيه: فيه كذا وكذا، وقد يكون من أجهل الناس بذلك العالم والداعية، فيقول فيه ما يقول، فيأتي إنسان ويحمل هذه المقالة فيقول: يقال في فلان كذا وكذا.
هذا الكلام الذي نقله على هذا الوجه يعتبر إثماً عليه والعياذ بالله، ولو نقله غيره ولو على سبيل الحكاية فإنه يعتبر آثماً.
وهذا كله يدل على سمو منهج الشرع في علاج الشائعة، فأحسن علاج في رد بلاء الشائعات التي تشتمل على أذية الناس في أعراضهم، هو: - ما بيَّنه القرآن بعد تثبت واستبيان.
- والأمر الثاني: أنه ينزل نفسه منزلة المتكَلَّم فيه.
وقد أشار الله إلى هذين العلاجين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] ، أي: نادمين في الدنيا على إصابة الذنب، ونادمين في الآخرة بما يلحقكم من العذاب والعقوبة والعياذ بالله، وأشار الله إلى العلاج الثاني، وهو الكف عن نقل الشائعات بحسن الظن، وتنزيل الناس منازلهم، والبقاء على البراءة الأصلية بقوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١٢] ، فهذا يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يكف عن الشائعة وألاَّ يعتني بنقلها.
وقوله: (إِفْكٌ) : أي كذب.
وقوله: (مُبِينٌ) أي: بيِّن واضح، وعبَّر بـ (فَعِيْل) وهي صيغة من صيغ المبالغة، أي كونه كذباً واضحاً لا شك فيه ولا مرية.
стр. 81
واجب المسلم تجاه الشائعات
في هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً﴾ [النور:١٢] دليل على ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن إذا بلغته الشائعة عن أخيه أو أخته المؤمنة من عدم المبادرة بالتصديق، وأنه يجب عليه إذا كان مؤمناً حقاً أن ينزل نفسه منزلة الشخص الذي تُكُلِّم فيه، فهل يرضى أن يقال فيه ما قيل في أخيه؟ فإن كان لا يرضى ذلك فليدافع عن أخيه كدفاعه عن نفسه، وهذه أخوة إيمانية، ووشيجة من الله ربانية، تدل على أن أهل الإيمان ينبغي أن يكونوا بمثابة الرجل الواحد، فإذا طُعن أحدهم فكأنما أصيب الجميع، وقال بعض العلماء: لما كانت عائشة ﵂ وأرضاها أمَّاً للمؤمنين صارت تهمتها بمثابة تهمة للمؤمنين جميعاً، أي: أذيتها وعارها وشنارها على جميع المؤمنين؛ لأنها أم للجميع ﵂ وأرضاها، فجاء تعبير الآية مناسباً لذلك، كما أشار إليه الزركشي في البرهان.
ولذلك أشار النبي ﵌ إلى أن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، قال بعض العلماء: ومفهوم ذلك أنه يكره لأخيه ما يكره لنفسه.
ولذلك لا يرضى أن يتكلم أحد في أحد من إخوانه المسلمين، وإذا تكلم أحد في إخوانه المسلمين مَنَعَه وزَجَرَه وكَهَرَه، وهذا يدل على ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، وقد ترك كثير من الناس إلا من رحم الله هذه السنة التي أوجبها الله وفرضها، وأصبحت الشائعات تدور بين المسلمين، وأصبح من اليسير أن تسمع تهم الناس لبعضهم بعضاً، وكذلك وصْفُهم بما هم منه برآء، فإن كانوا من العامة ألصقت النقائص بهم زوراً وبهتاناً، وإن كانوا من أهل العلم والفضل والدعاة إلى الله نُبِزُوا بأشياء هم منها برآء.
وإذا كان الله توعد مَن قدح في عرض المسلم بالعذاب العظيم الأليم في الدنيا والآخرة، فكيف بمن اتهم العالم في عقيدته، أو اتهمه بانحراف في فكره، أو نحو ذلك من التهم التي لا تقوم عليها دلائل صحيحة، ولا تشهد لها حجج صادقة؟! فهذا كله مما لا ينبغي أن يتخلق به المسلم، والواجب على المسلم أن يحفظ عرض إخوانه المسلمين، فضلاً عن أن يكونوا من علماء الدين.
وإذا حصل ووقع بين عالم وآخر كلام ووقعت المراجعة والمناظرة، فينبغي لطلاب العلم أن يحفظوا للعلماء حقوقهم، وأن يحفظوا لهم كرامتهم، وألا يستبيحوا أعراضهم، فينزل كل طالب علم نفسه منزلة العالم الذي يُتكلم فيه.
فإن كان مما يُسمح الخلاف فيه؛ كمسائل الفروع ونحوها، فالمفروض عذره في ذلك والتماس العذر له، وهذا هو شأن السلف ﵏، فقد كانوا يحسنون الظن بعامة المسلمين فضلاً عن العلماء.
وإن حصلت الزلة من عالم كأن يقع في خطأ مما لا يوجب خروجه من الشرع، فالواجب تهيئة الوضع له ليراجع نفسه، وذلك بمناقشته ومناظرته بأسلوب يمكنه من إعادة النظر، مع حفظ عرضه عن السب والشتم والثلب فإن الله لا يحب الجهر بالسوء، قال الله : ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ، وليس معنى ذلك -كما قررنا غير مرة- أن نترك تنبيه الناس على الأخطاء وبيان الأخطاء، وإنما المراد أن يُفرق بين نقد الذات ونقد الرأي.
فإذا أخطأ العالم في مسألة بيَّنا الصواب في المسألة والتمسنا لذلك العالم ما يوجب حسن الظن به؛ لأن هذا هو الأصل، وأما من خرج من ربقة الإسلام وخرج من الدين بالكلية في عقيدته ونحو ذلك من الأمور الموجبة لخروجه عن الشرع، فهذا لا كرامة له ولا حق له لخروجه أصلاً.
وإنما المراد بذلك أهل العلم والفضل الذين هم على استقامة وديانة وتعبد وحسن بلاء، فمثل هؤلاء ينبغي أن يُحفظ حقهم والله ﵎ قد يمتحن العباد بفتن مثل هذه، ولو نظرت في تاريخ الأمة لوجدت كثيراً من العلماء تُكلِّم فيهم وانتُقِصوا وانتُهكت أعراضهم بدون حق؛ ولكن جعل الله ذلك الانتقاصَ كمالاً لهم، وذلك الكلامَ شهرةً لهم، وذلك التتبعَ لعثراتهم سبباً في شهرتهم ومعرفة الناس بهم، فعلى سبيل المثال: الإمام العالم العامل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه ما اشتهر إلا بسبب أعدائه، وإن كان ﵀ على علم وفضل وقدم راسخة في العلم والعمل؛ لكن الله سخر له أعداء شهروا به حتى اشتهر ﵀ وفاق أقرانَه وأصبح كلام الأعداء فيه سبباً في معرفته واشتهاره، ومعرفة فضله رحمة الله عليه.
стр. 82
تفسير قوله تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... )
يقول تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] .
قوله ﵎: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:١٣] ، أي: هلا جاءوا على هذا الإفك والكلام الذي زعموه في أم المؤمنين عائشة ﵂، بالبينة التي تدل على صدق دعواهم.
وقوله: (بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) فيه دليل على البينة التي يثبت بها القذف، وأنه إذا قذف الإنسان غيره، وأقام أربعة شهود، فإن ذلك يوجب سقوط حد القذف عنه، لكون تلك البينة مصدِّقةً ومحقِّقةً لما قاله من رمي المتهم بذلك.
قوله تعالى: (بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) : قد تقدم الكلام في ذلك عند بيان حد الزنا، وما يثبت به حد الزنا، وأن الشهادة في القرآن في هذا الموضع مطلقة، وأن هذه الآية وأمثالها قد خصصتها آيات أخر، وذلك في قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، فليس المراد بأربعة شهداء مجردين عن العدالة، وإنما المراد من الشهود العدول الذين تُرضَى عدالتهم وأمانتهم واستقامتهم.
﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ [النور:١٣] : أي: فلو قالوا ذلك ولم يأتوا بأربعة شهداء.
﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور:١٣] : قال: (فَأُوْلَئِكَ) لم يقل: فهم، وإنما عبَّر باسم الإشارة للبعيد، قال بعض العلماء: فيه نكتة لطيفة تدل على بعدهم وحقارتهم؛ أي: من اتهم وليس عنده أربعة شهود على تهمته، ولو كان صادقاً، فإنه يعتبر في حكم الشرع -بحسب الظاهر- من الكاذبين.
وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور:١٣] : أي في حكم الله وشرعه؛ لأنه لو قال قائل: (عِنْدَ اللَّهِ) أي في حقيقة الأمر لأشكلت الآية، ووجه هذا الإشكال أن الإنسان قد يقذف امرأة رآها تزني وقد يقذف رجلاً رآه يزني، ويكون صادقاً ولا بيِّنة عنده، فلو قلنا: إن قوله تعالى: (فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ، على أنها على ظاهرها لأشكلت الآية، فهو صادق عند الله؛ لأنه اتَّهم بالزنا بدليل، ولذلك قال العلماء: إنما المراد (عِنْدَ اللهِ) أي أن القاضي يحكم على الظاهر، ويقال: إنهم كذبة على الحكم على الظاهر، وأما في الباطن فبينهم وبين الله أنهم صادقون فيما قالوا إذا كان المتهم قد فعل ما اتُّهم به مِن فِعْل الزنا والعياذ بالله، سواءً كان رجلاً أو كانت امرأة.
يقول تعالى: (فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) : ولذلك يحكم القاضي بفسق الإنسان إذا اتهم غيره بالزنا بدون بينة كاملة، ويحكم برد شهادته وبفسقه، ولا يقبل شهادته أبداً حتى يتوب، كما تقدم ذلك عند الكلام على آية القذف.
стр. 83
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ... )
قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤] : (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ) أي ولولا وجود فضل الله عليكم، ورحمته بكم.
(لَمَسَّكُمْ) : أي أصابكم.
(فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ) أي خضتم فيه، والمقصود به حديث الإفك.
(عَذَابٌ عَظِيمٌ) : وهذا يدل على أن الله ﵎ يغار على عرض المؤمن، وأنه ينبغي للمؤمنين أن يكفُّوا عن نقل الشائعات والعناية بالتهم وإلا أصابتهم العقوبة من الله والعياذ بالله.
стр. 84
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم)
يقول تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] : (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) في هذه الآية الكريمة أراد الله بها أن يعاتب عباده المؤمنين على ما كان منهم في تهمة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها.
قال تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) : في قراءة: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) .
وفي قراءة ابن مسعود: (إِذْ تَتَلَقَّوْنَه) .
وفي قراءة عائشة ويحيى بن يعمر: (إِذْ تَلِقُوْنَه) : مِن الوَلْق، والمراد به: الإسراع.
وفي قراءة: (إِذْ تُلْقُوْنَه) : ومعناها بيِّنٌ واضحٌ.
قوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) المراد بتلقي الشيء: قبولُه دون إنكار، ولم يقف الأمر عند ذلك، أي: لم تتلقوه فقط، وإنما كان ذلك منكم على سبيل الحكاية أيضاً، فلم يقتصر الإنسان على سماعه.
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) فكأنه عبَّر باللازم، أي أنه يُعتبر الإنسان متلقياً للشيء إذا قاله وحكاه بعد سماعه، فمن قيل له كلام فقال ذلك الكلام، فإنه يعتبر راضياً بذلك الكلام الذي ألقى.
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) .
(تقُولُون) : أي تتكلمون بذلك، والمراد بذلك: الخوض في شأن عائشة ﵂، قوله: (مَا لَيْسَ لَكُمْ بِه عِلْمٌِ) أي: دون علم منكم بأنها قد أصابت ذلك الشيء، وفي هذا دليل على ذم كل إنسان خاض في أمر لا يعلمه.
стр. 85
اختلاف عِظم الإساءة باختلاف المساء إليه
يقول الله ﵎ ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] : قال بعض العلماء: يعظم الذنب بحسب الشخص الذي أذنب في حقه، فالكلام في عرض العامة ليس كالكلام في عرض النبي ﵌، فـ عائشة فراش النبي ﵌ طيبةٌ قد اختارها الله لطيبٍ، وطاهرةٌ مختارةٌ لطاهر صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود: أنه لما عَظُم مقامها عند الله كانت الإساءة في حقها أعظم، ولذلك قالوا: الإساءة إلى العالِم ليست كالإساءة إلى الجاهل، والقَدْح في العالِم ليس كالقدح في الجاهل؛ لأنك إذا قدحت في الجاهل لا يضر ذلك القدح إلا ذلك الجاهل؛ ولكن إذا قُدح في العلماء وانتُقصوا، فإن ذلك قَدْحٌ وثلمة في الدين؛ لأن الناس تستخف بذلك العالم، ولذلك لا تثق بقوله، ولو كان القدح صحيحاً، فإنه ينبغي أن يكون بأسلوب لا يوهن الدين، كل ذلك حفاظاً على الفتاوى والأحكام التي تستفاد من مثل هذا العالم، ولذلك قالوا: إن الكلام في العلماء ثلمة في الدين؛ لما يشتمل عليه من الضرر، ولما يلحقه من عزوف الناس عن قبول الخير من ذلك العالِم، فهذا هو معنى قوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] فكلما عظمت منزلة الإنسان عند الله صلاحاً وتقوى كان الكلام فيه والأذية له مختلفة عن أذية غيره، كما أشار النبي ﵌ إلى ذلك في الحديث القدسي عنه تعالى أنه قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بحرب) وحرب من الله ليست بالهينة.
فالمقصود: أن الذنب قد يعظم على حسب الإساءة إلى الشخص، وعلى حسب قدر الإنسان المساء إليه.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يسلمنا من أعراض عباده، وأن يرزقنا عفة اللسان، وعفة الجنان، وأن يرضى عن أقوالنا وأفعالنا، إنه ولينا وهو حسبنا.
وصلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 86
بيان عِظم القدح في أعراض الناس
وقوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾ : أي تظنون أنه هين، والهين هو اليسير.
وقوله: ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] : أي تظنون أن هذه الشائعةِ التي اشتملت على تهمة عائشة ﵂ يسيرة؛ ولكنها عظيمة عند الله .
وهذا مثل قوله ﵊ في حديث ابن عباس في الصحيحين أنه مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) أي: ما يعذبان في شيء يظنه الناس كبيراً، وكذلك قوله: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً) : أي في ظنكم وحسبانكم أن الكلام في عرض عائشة ﵂ يسير؛ ولكنه عند الله عظيم.
وفي هذا دليل على خطر الكلام في الناس، وأن الإنسان قد يطعن في إنسان يحتقره ويظن أن الكلام فيه يسير ويكون من خيار عباد الله، فيكون الكلام فيه حرباً ومعاداةً لله ، وفي الصحيحين عن النبي ﵌ أنه قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً، يهوي بها أبعد ما بين المشرق والمغرب في النار) وفي الرواية الأخرى: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالاً، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه) ، فهذا كله يدل على خطر الآثام، وأن الإنسان قد يحتقر الذنب وهو عند الله عظيم، بل قال بعض العلماء: إن الكبيرة هي الذنب الذي يحتقره الإنسان، ومن ثم قال بعض أهل العلم وهو قول مأثور عن بعض السلف: (لا تنظر إلى المعصية؛ ولكن انظر إلى عِظم مَن عصيت) ، أي: انظر إلى عظمة الله ﵎، والمؤمن على كل حال إذا أصاب الذنب ولو كان يسيراً فإنه يعُدُّه في حق الله كبيراً لحياة قلبه وروحه، كما ثبت بذلك الخبر عن النبي ﵌: (أن المؤمن إذا أصاب الذنب أصابه الهم، كأنه قد حمل جبلاً على ظهره، فلا يزال في عناء ذلك الذنب حتى يغفره الله له، والمنافق يصيب الذنب العظيم فلا يراه إلا كالذبابة تحط على أنفه قد قُلِع عنه من يسير ما يظن في ذلك الذنب) ، ولذلك قال بعض العلماء: من دلائل حياة القلب وموته: خوفُه من الذنب وتساهلُه فيه؛ فإذا كان الإنسان عند إصابته لأي ذنب يتألم ويتأوه ويتوجع كان ذلك دليلاً على صلاح قلبه وحياة فؤاده، وأما إذا كان على خلاف ذلك والعياذ بالله فإنه لا يحس بأثر ذلك الذنب، ويراه شيئاً يسيراً، نعوذ بالله من موت القلوب.
стр. 87
سلسلة تفسير سورة النور [٥]
إن من كمال حراسة الله لفضيلة في المجتمعات الإسلامية، أن أمر بغض البصر، وحرم الاختلاط والتبرج والسفور؛ ومن حرص الشارع على نقاء المجتمع حرم حتى الكلام الذي يفضي إلى الفاحشة، وكل ما يزينها أو يسوغ وقوعها.
стр. 88
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ... )
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته والتابعين، ومَن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] .
هذه الآية الكريمة اشتملت على ثلاثة أمور: الأمر الأول: تحريم إشاعة الفاحشة بين أهل الإيمان.
والأمر الثاني: بيان عاقبةِ مَن أشاع الفاحشة في الذين آمنوا.
والأمر الثالث: بيان صفةٍ مِن صفات الله ﵎.
стр. 89
في الآية بيان صفة من صفات الرحمن
الأمر الثالث الذي اشتملت عليه هذه الآية الكريمة: فصفة تدل على عظمة الواحد الديان، ختم بها هذه الآيات الكريمة حتى ينبه العباد بفضل هذا الكتاب، وأنه سبيل الخير والهدى والصواب.
يقول الله ﵎ مشيراً إلى هذه الصفة الكريمة: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] وللعلماء في تفسير خاتمة هذه الآية الكريمة وجهان: - منهم مَن قال: إن المراد بها الخصوص، أي: أن الذي تقدم مِن قولنا: إن المراد بالآية قَذفَة عائشة وإشاعة الفاحشة عنها، يكون قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) أي: يعلم أن هؤلاء كاذبون ومفترون فيما قالوه، وأن الذين يشيعون الفاحشة في الذين آمنوا أنهم أهل كذب، لا حقيقة لما قالوه ولا صدق لما أذاعوه، فالله يعلم كذبهم، وأنتم لا تعلمون.
هذا هو الوجه الأول.
- وأما الوجه الثاني: فهو أن قوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي: يا عبادي! هذا حكمي أن أعذب أهل الفواحش، الدعاة إليها والممهدين لسبيلها، وأنا أعلم بخلقي، وأعلم بالحكم الذي شرعته لهم من عذاب الدنيا إذا قذفوا، وعذاب الآخرة إذا صاروا إلى الله ولم يتوبوا، فقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) يكون معناه على هذا الوجه الأخير، أي: أن هذا الشرع الذي شرعته لكم مِن عقوبة مَن يشيع الفاحشة في الدنيا والآخرة إنما هو شرع العليم الذي يعلم عواقب الأمور، وفي هذا إشارة إلى العواقب الوخيمة التي تتأتى أو تحصل بسبب إطلاق الناس لألسنتهم بالفواحش، أي: والله حرَّم ذلك لعلمه بما يئول إليه الأمر من أذية المسلمين، ولذلك لو أن إنساناً اتُّهم في عرضه لم ينم ليلته، ولم يرتح في يومه، وكذلك لم يرتح في عبادته وصلاته لربه، بل إن عائشة ﵂ لما بلغها قذفُها مكثت ثلاث ليالٍ لا تنام لها عين، ولا يجف لها دمع من البكاء والدموع.
فاتهام الناس في أعراضهم، وإشاعةُ الفاحشة عنهم أمرٌ خطير، ولا يعرف قدره إلا الله علام الغيوب، ولربما أن الإنسان إذا أشاع الفاحشة عن رجل أنها تضر بيته كله، فلا تُنْكَح بناتُه ولا أخواتُه، ولربما يسترسل ذلك إلى عواقب لا يعلمها إلا الله، فلا يستغرب المؤمن من هذا الوعيد الذي توعد الله به أهل إشاعة الفاحشة! فلا تعجب -أيها المؤمن- من ذلك فالله عليم بخلقه، حكيم في أمره ونهيه! وهذا يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يسلم لله ويذعن له، فإذا بلغه الحكم عن الله علم أن شرع الله هو الغاية، وأنه هو النهاية في العدل وفي اللطف بالعباد والرحمة.
والله أعلم.
стр. 90
عاقبة من أشاع الفاحشة بين المؤمنين
أما الأمر الثاني: قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] : فهذا المقطع من الآية الكريمة دل على أن من أحب انتشار الفاحشة في المؤمنين أن الله يعاقبه في الدنيا والآخرة، وللعلماء في هذه الآية وجهان، كلاهما مركبان على ما سبق في صدر الآية الكريمة عند بيان الأمر الأول، وهما: - أن الآية إما أن يراد بها الخصوص أي: قَذَفَة أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، فنقول: إن قوله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) المراد منه أن من قذف أم المؤمنين عائشة وصفوان بن المعطل رضي الله عن الجميع فإن الله سيعذبه في الدنيا والآخرة، أما عذاب الدنيا: فحد القذف الذي أقامه النبي ﷺ ، وأما عذاب الآخرة: فلأن الإنسان إذا قذف غيره ولم يتب إلى الله فإن الله سيعذبه في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية، ولذلك سيأتي في الآيات الكريمة التالية بيان أن الله يعذبهم في الآخرة بعذابين عظيمين: أما العذاب الأول: فهو أن يفضحهم كما فضحوا أولياءه، ويشهِّر بهم على رءوس الأشهاد أمام الأولين والآخرين، فيقيمهم في عرصات يوم الدين، ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء:٨٨] فتشهد عليهم الألسنة بأنهم كذبوا على عباد الله، واتهموا أولياء الله، وأنهم أشاعوا الفاحشة بين عباد الله، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما سعوا به في ذلك.
فلذلك أخبر الله عن هذا العذاب الأول، ثم أخبر عن العذاب الثاني وهو: عذاب النار وبئس القرار، نسأل الله أن يعيذنا من ذلك، وأن يرزقنا عفة اللسان عن عباده وخلقه، والأدب في نقل الحديث عنهم وترويج الأخبار عنهم، فالمقصود: أن هذا المقطع الثاني من الآية الكريمة إن كان المراد مِن صدرها أم المؤمنين وصفوان بن المعطل، فالمراد بقوله: (عَذَابٌ أَلِيْمٌ) أي: حد القذف في الدنيا، وعذاب الآخرة بعذاب النار والفضيحة أمام الأشهاد؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فمن فضح عباد الله وتتبع عورات المسلمين وشهَّر بهم بالزور والبهتان، كان حقاً على الله أن يعامله بما فعل، فكما شهر بالمؤمن في الدنيا يشهر الله به في الآخرة، وكما فضح المؤمنين يفضحه الله على رءوس الأولين والآخرين، وشتان ما بين الفضيحتين! وشتان ما بين العذابين! - ثم هناك وجهٌ ثانٍ في قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] : وهو أنه إذا قيل: إن المراد بالآية غير قَذَفَة عائشة، فيكون المعنى: كل مَن روَّج الشائعات التي تفضي بحصول الفحشاء، وانتشارها بين أهل الإيمان، أو كان داعية إلى الفجور كدعاة الزنا ودعاة الخمور ونحو ذلك ممن ينشرون ما حرم الله، ويدعون إليه، ويسهلون السبيل لبلوغه والوصول إليه، هؤلاء لهم عذاب أليم في الدنيا، ولهم عذاب أليم في الآخرة، فشهد الله أنه سيعذبهم بعذابين، ولذلك تجد دعاة الباطل والهوى وأصحاب الفسوق والردى في عذابٍ وقلق نفسي لا يعلمه إلا الله ، فيعذبهم الله في أنفسهم، فإذا فتشت عن قلب أحدهم وجدته أشد ما يكون احتراقاً والعياذ بالله من داخله، يتلذذ بالشهوات في جسده، يصيب الزنا والخمور واللواط والعياذ بالله وغيرها من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وفي داخله يحترق جحيماً والعياذ بالله، في قلق واضطراب لا يعلمه إلا الله ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦] ، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:٣٣] ولذلك تجدهم مهما تلذذوا بالشهوات يسلبهم الله لذتها، فيشربون الخمر ليجدوا لذة الساعة، وبعدها يجدون عذاب الدهر والعياذ بالله، فهذا هو عذاب الدنيا، ولربما يعذبهم الله في الدنيا بصرف القلوب عنهم، والأنظار، ولذلك تجد أهل الفحش والعياذ بالله في سُخْط من الناس، مهما عجبت الناس من أفعالهم وأقوالهم لكنهم لهم كارهون، ولسبيلهم مجانبون، فالمقصود أن الله يعذبهم بذلك في الدنيا، وأما عذاب الآخرة: فعند لقاء الله فيعذبهم الله ﵎ بما شاء من فتن القبور وأهوالها، وفتن النشور وشدائدها، وكذلك فتن جهنم وعذابها، نسأل الله السلامة والعافية من جميع ذلك.
فالمقصود: أن الآية إذا حُملت على العموم فإن المراد بها: أن الله يعذب كل مَن آذاه بإشاعة الفاحشة بين عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة.
ولذلك قال بعض العلماء ﵏: إن الغالب في الإنسان إذا دعا إلى الشهوات والفواحش ألاَّ يسلم له عقله، ولذلك قال الله حينما نهى عن الفواحش: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ) والغالب أن صاحب الفاحشة مع دعوته إليها أن تجد فيه خفةً وطيشاً في العقل والعياذ بالله؛ لأن العقل يَعْقِلُ صاحبَه عن الأمور الرذيلة، فإذا اجترأ على حدودَ الله سلبه الله نورَ العقل، ولذلك كم رأينا وسمعنا من عواقب كُتَّاب وشعراء وغيرهم ممن دعوا إلى الفواحش، كانت أوبأ العواقب وأسوأها والعياذ بالله، حتى ولو كان ذلك بمجرد كلمة يشيعها ويذيعها نسأل الله السلامة والعافية من جميع ذلك.
стр. 91
تحريم إشاعة الفاحشة
أما الأول: وهو تحريم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا: فقد تضمنه قوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) إذ بينت هذه الآية الكريمة تحريم إشاعة الفاحشة بين أهل الإيمان، وللعلماء في هذه الآية الكريمة وجهان: الوجه الأول: أن المراد بها طائفة مخصوصة، أو قوم مخصوصون، وهم الذين تكلموا في حادثة الإفك، أي: أراد الله ﵎ بهذه الآية الكريمة أن يزيد في تقريع المنافقين، وأولئك المؤمنين الذين تبعوا أهل النفاق في حكاية ما قالوه من الطعن في أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، واتهامها بالزنا، فوصفهم الله ﵎ بهذه الصفة أنهم قوم يحبون أن تشيع الفاحشة أي: نسبة أهل الإيمان إلى فعل الزنا والعياذ بالله، وأنهم يحبون ذلك؛ لكونهم يبغضون رسول الله ﷺ ، أو لضعف إيمانٍ أوجب لهم الوقوع في هذا الأمر العظيم.
وبناءً على هذا الوجه فإن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) .
يراد بقوله (الْفَاحِشَةُ) : شيءٌ مخصوص وهو: التهمة بالزنا.
وقوله (فِي الَّذِينَ آمَنُوا) أي: بنسبة عائشة ﵂ وصفوان بن المعطِِّل ﵁ إلى الزنا زوراً وبهتاناً.
(يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ) فوصفهم الله ﵎ بأنهم قوم يحبون ويرضون بإشاعة الفاحشة بين أهل الإيمان.
أما الوجه الثاني عند العلماء: أن المراد من هذه الآية العموم، أي: أن الله ﵎ أراد أن يؤدب أهل الإيمان بها، فلا يكون المؤمن ناقلاً لحديث الفاحشة، مشيعاً له بين الناس دون تَرَوٍّ ولا تَثَبُّتٍ ولا تَتَبُّعٍ لحقيقة الأمر الذي يقوله.
وبناءً على هذا الوجه الثاني يكون قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) أراد الله منه أن يبين طائفة من الناس ابتُليت بهذا المرض والعياذ بالله، وهو نقل الأحاديث القبيحة بين الناس.
ويكون قوله: (يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) يقال: شاع الخبر يشيع شيوعاً إذا ذاع وانتشر أي: يحبون أن تذيع الفاحشة وتنتشر بين أهل الإيمان، وهذا من أبغض الصفات، ذلك أن الفاحشة إذا سُتِرت ولم تتعد موضعها، ووئدت في مهدها بأن اقتصرت على الشخص الذي فعلها، وسُتِر إن كان الله ستره، فإن ذلك أدعى لصيانة المجتمع؛ ولكن إذا انتشر بين الناس ذكر الفواحش والكلام القبيح، ونسبة الناس إلى الأمور القبيحة فإن ذلك والعياذ بالله مظنة لفتنة الناس، وصدهم عن التخلق بالأخلاق الفاضلة.
وبناءً على هذا الوجه الثاني تكون هذه الآية الكريمة جاءت بقصد تأديب عباد الله المؤمنين حتى يحفظ كل واحد منهم لسانَه فلا يتكلم بالأمر القبيح ولا يشيعه بين الناس، ولذلك كان من علامة المؤمن الصادق في إيمانه أنه لا يحب سماع الفحش ولا ينقل ذلك القول الفاحش، ولذلك قالوا: مَن نَقَل الفاحشة فهو أفحش، أي: إذا رضي بها واعتنى بنشرها بين الناس، والغالب أنك إذا رأيت الرجل الذي يحرص على نشر الفاحشة بين الناس أن تجده متخلقاً بصفتين: إحداهما: ضعف إيمانه والعياذ بالله، ونقص خوفه من الله ﵎.
والصفة الثانية: نقص عقله.
ولذلك تجد نقلة الأحاديث الذين يعتنون بإشاعة الفاحشة والأخبار السيئة بين المؤمنين يتخلقون بالصفتين والعياذ بالله.
أما أهل الإيمان فهم أعف الناس لساناً، وأثبتهم في طاعة الله جَناناً، تشاع الفاحشة فيحسنون الظن بعباد الله، ويدفعون التهمة عن أولياء الله، وهم أطهر وأعف ألسنةً مِن تهمة الناس، يحبون للمسلمين ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون لأهل الإيمان ما يكرهون لأنفسهم، ولذلك كان مِن وصية السلف الصالح ﵏: أنه لا ينبغي إشاعة الحوادث التي فيها فُحش وأمرٌ قبيح؛ لأن ذلك وَهَن في المجتمع وضعف فيه، ولذلك ورد عن سفيان الثوري ﵀ قوله: إنه لا ينبغي للمؤمن إذا سمع الأمر القبيح أن يكون ناقلاً له لأن ذلك ثلمةٌ في الإسلام، فإذا وقعت الفاحشة بين أهل الإيمان، واعتُني بنشرها ونقلها وإذاعتها كان ذلك أدعى أن يجترئ أهل الفسق على الفسق حتى يقول القائل: إنني سأفعل كما فعل فلان، ولكن إذا كان الناس أبعد عن إشاعة هذه الأخبار الخبيثة وهذه الأمور القبيحة كان ذلك أدعى للحشمة والعفة، وليس معنى ذلك السَّتْرُ على أهل الفسوق والفجور، ولذلك صح عن النبي ﷺ في حديث معاوية ﵁ أنه قام في الناس خطيباً فقال (ألا تَرْعَوُون؟! اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس) .
فاستثنى أهلُ العلم ﵏ أن يكون الرجل مجاهراً بفسقه، فمثل هذا تُشاع شنيعته وتُفضح قبيحته، حتى يكون ذلك أدعى لبُعد الناس عن هواه، ومجانبتهم لفاحشته وطغيانه واعتدائه لحدود ربه، ولذلك إذا شُهِّر بالفاسق المجاهر بفسقه كان ذلك أدعى لكف الناس أو انكفاف غيره عن فحشه.
فالمقصود أن النهي عن إشاعة الفاحشة مقيد بأحوال، كما سبق في النص الذي ثبت عن النبي ﷺ .
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ) انظر رحمك الله كيف أخبر الله أن مجرد محبة إشاعة الفاحشة بين المؤمنين توجب عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فكيف بمن فعل؟! وكيف بمن نشر؟! وكيف بمن دعا وسهَّل؟! وللعلماء في هذه الآية الكريمة -بناءً على الوجه الثاني- وجه آخر؛ وهو: أن إشاعة الفاحشة المراد بها أن يدعو الإنسان غيره إلى الفاحشة، فيحب أن يصبح المجتمع والعياذ بالله مجتمعاً فاسقاً، لا يرعى ديناً ولا حرمةً من حرمات ربه والعياذ بالله.
وعلى هذا يكون قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ) المراد منه تحذير المسلم أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً يدعو غيره به إلى فعل الفاحشة، كما يفعل أهل الفسوق والفجور والعياذ بالله، فأخبر الله ﵎ أن مَن دعا إلى الفحش أنه سيذيقه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وعْداً مِن الله مفعولاً.
ولذلك حذر العلماء ﵏ عند الكلام على الآداب والأخلاق -كما هو منهج الشريعة- من أن الإنسان يَسُنُّ السُّنَّة القبيحة التي تفضي بوقوع غيره والعياذ بالله في الفحشاء والمنكر، ولقد بين بعض العلماء أن الدعوة إلى الفاحشة تكون باللسان، وتكون كذلك بالجوارح والأركان والعياذ بالله الرحمن، فقالوا: إن الإنسان قد يدعو غيره إلى الفاحشة بلسانه، ولذلك قالوا: لو أن إنساناً أشاع الفاحشة في قوم فإنه يلقى الله بآثامهم، فعلى سبيل المثال: الرجل يأخذ الشباب والصبية الصغار في السن يسهِّل لهم السبيل لحدود الله، ويحببهم في فعل معاصي الله، فهذا يعتبر من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، وصاحبه موعود بعذاب الدنيا والآخرة والعياذ بالله! ولذلك قرر بعض العلماء ﵏ أن الإنسان إذا دعا إلى الفاحشة بلسانه فسهل سبيلها لغيره كأن يدعوه إلى الزنا أو إلى شرب الخمر أو غير ذلك من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فإنه لن يفعل تلك الفواحش أحد، ولن يتأثر مخلوق بمقاله إلا لقي الله بوزره وإثمه، ولذلك قال الله في الشعراء: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] قال بعض العلماء: لِمَا في الشعر من مفاتن الغزل التي تدعو إلى تعدي حدود الله وانتهاك محارمه، فأخبر الله ﵎ أنهم بهذا الصنيع قد غَوَوا وضلوا وأضلوا والعياذ بالله.
فالمقصود: أن الإنسان قد يدعو إلى الفاحشة بلسانه وبأفعاله، فالمرأة إذا خرجت على عفة وصيانة ملبسها ولم تكن حافظةً لحدود الله في قيلها وكلامها، فإنها داعيةٌ إلى الفحشاء بقولها وفعلها، ولذلك قال : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] .
فالمقصود: أن الإسلام يراعي كفَّ أبواب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن هذه الآية الكريمة سواءً قلنا: إنها نزلت في أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، وصفوان بن المعطل ﵁ وأرضاه، أو قلنا: إن المراد بها العموم، فإن المقصود منها والعبرة فيها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعموم لفظها: يشمل كل مَن دعا إلى الفاحشة، فكل مَن تكلم عليه أن يراقب الله في كلامه، وأن لا يتكلم بالحديث الذي يدعو إلى الفحش والعهر، أو يسهل السبيل للفاحشة وانتهاك حدود الله ، وكم مِن متكلم تكلم بكلمة وقعت في قلوبٍ أغوتها عن سبيل الله، وحببت لها معاصي الله ، وانتهاك حدود الله ومحارمه.
نسأل الله السلامة والعافية.
فالمقصود: أنه ينبغي على المسلم أن يصون لسانه، وأن يحفظ جوارحه وأركانه عن أن يقول أو يفعل ما يدعو إلى الفاحشة، ولذلك نهى الله المؤمنة أن تضرب برجلها ليُعْلَم ما تخفي من زينتها؛ لأنها إذا ضربت بقدمها على هذا الوجه التفتت الأنظار إليها، فكان ذلك أدعى للفتنة، ومِن ثم يعتبر هذا من قفل الأبواب المفضية إلى الفحشاء، ونهى رسول الله ﷺ المرأة أن تمر على القوم فيجدوا ريحها، وأنها إذا فعلت ذلك فهي زانية والعياذ بالله، أي: زانيةٌ باعتبارٍ، أو زانيةٌ مِن وجه، ذلك أنها إذا تعطرت وأحسنت ذلك في ثيابها، وشُعِر به أثناء مرورها بالناس دَعَت إلى النظر والفتنة بها، فكان ذلك دعوة إلى الفحشاء وهي فاحشة النظر.
فالفحش كما يقع بالأفعال المتعلقة بالفروج من الشهوات يقع أيضاً باللسان والسمع والبصر.
ولذلك حذر الله ﵎ من محبة إشاعة الفاحشة.
والذي نستفيده من هذا الأمر الأول الموجود في هذه الآية الكريمة: - أنه ينبغي لكل مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن لا يحبها، ولا يحب أن تشيع في الذين آمنوا.
- وأما الأمر الثاني: فالخوف من هذه الخصلة المذمومة والبعد عنها بأن يحفظ الإنسان لسانه، فلا يشيع ولا يذيع بين الناس أن فلاناً فعل، وأنه ينبغي علينا إذا سمعنا أن رجلاً وقع في فاحشةٍِ ما، ألا نعجل في اتهامه بذلك، وأن نستثبت، ولو تثبت الإنسان وأمكنه أن يستر حتى يعين ال
стр. 92
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم)
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٠] : الفضل في اللغة: الزيادة، وفي هذا المقطع من الآية الكريمة دليل على أن العباد لا يستوجبون على الله شيئاً، وأن الفضل لله ، فإن أعطى الهداية فبمحض فضله، وإن وهب النعم والمنن والآلاء فبمحض جوده وكرمه، لا حق للعباد عليه في نعمه وفضائله الدينية والدنيوية والأخروية، يحكم ولا معقب لحكمه، ويقضي ولا راد لقضائه .
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) إشارة إلى عظيم المنن، وجليل النعم التي يرفل بها المؤمن من نعم الدنيا والآخرة، قال بعض العلماء: إن المقصود من هذه الآية الكريمة أن ينبه طائفتين: منهما الطائفة الأولى التي تكلمت في أم المؤمنين عائشة زوراً وبهتاناً، أي: أتتكلمون في الناس وتتهمونهم في أعراضهم وكأنكم تزكون أنفسكم، ولولا الله ما زكت أنفسكم ولا عُصِمت جوارحكم من حدود الله، ولا ابتعدت عن محارم الله ؟!
стр. 93
الرحمة والرأفة صفتان من صفات الله تعالى
وقوله: (وَرَحْمَتُهُ) : الرحمة ضد العذاب، وكم لله من رحمةٍِ بالعباد، وأعظمها رحمة الدين والهداية، والبعد عن سبيل الضلال والغواية! فهذه أجل النعم وأعظمها، وهي النعمة التي لا يعطيها الله إلا لمن أحب، أي: لولا أن الله تفضل عليكم ورحمكم، كيف يكون الحال؟! وكيف يكون شأنكم؟! وقوله: (وَرَحْمَتُهُ) : فيه إثبات صفة الرحمة لله ﵎، وهي الصفة التي بلغت الكمال والغاية، فلا أرحم من الله ولا أحلم بخلق الله منه، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : (إن الله قسم الرحمة إلى مائة جزءٍ، ثم أنزل منها جزءاً واحداً يتراحم الخلق به) .
فهذا الجزء الواحد أخبر النبي ﷺ عن شاهدٍ مِن شواهده، وهي: أن الدابة لترفع قدمها لرضيعها حتى لا تطأه، فهذا من ذلك الجزء من الرحمة، حتى إذا كان يوم القيامة جمع ما عنده إلى ذلك الجزء فرحم به عباده وهو أرحم الراحمين، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله كتب كتاباً عنده قبل خلق السموات والأرض أن رحمتي تسبق عذابي) فرحمته بعبيده وخلقه أعظم وأجل من كل رحمة، ولا رحمةَ إلا مِن رحمةِ الله ﵎! وكم لهذه الرحمة من شواهد ودلائل! رحم العباد فسخر لهم الأرزاق والنعم والمنن: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] وما ماتت دابة من الدواب تحتسب رزقها على الله .
وكذلك رحمهم بألفة بعضهم لبعض، حتى رحم الصبي إذ أوجده، فعطفَ قلبَ أمه عليه إنساناً كان أو حيواناً.
ورحم العباد فجعل قلوبهم متفاوتة، فمنهم الحليم الرحيم الرفيق الرقيق، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فإن كانت الشدة صَلُح لها قوي القلب، وإن كانت الرقة صلح لها رقيق القلب بإذن الله، وكل ذلك من شواهد رحمته.
وأما رحمته بالعبد فقد رحمه وهو في الظلمات -في بطن أمه- تقلب في طور الخلق طوراً بعد طور، يكلؤه بعنايته، ويحفظه برعايته، ويشمله برحمته، فأعطاه الغذاء، وأعطاه ما ينبت لحمه وينشز عظمه، وما من حركة له في تلك الظلمات إلا قدَّرها عليه، وما من سكون له في ذلك المكان الذي لا يعلمه سواه إلا وهو لطيف رحيم به .
وأغرب ما يكون أنك ترى المرأة وهي في حَملها وقد حان وضعها لو أنها عُرِّضت بفجيعة واحدة لأسقطت جنينها ولمات ذلك الجنين! فسبحانك ما أرحمك وما أحلمك وما أرأفك بخلقك! فرحم الإنسان في تلك الأحوال، ولو أنها ضُربت على بطنها ضرباً لربما سقط جنينَها ميتاً، ولربما ماتت معه من ذلك الإسقاط، فهذه رحمة سبقت قبل وجود الإنسان.
ثم جاءت تلك الساعة العصيبة الرهيبة ساعة وضعه، فأعطاه رحمته وأولاه عنايته، فكانت ساعةً يرى فيها الموت، وترى أمُّه فيها الموت، حتى إن مريم بنت عمران كما يقول الله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ [مريم:٢٤] وذلك عندما جاءتها تلك الساعة و ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] .
ورحم الله العبد بعد أن أخرجه إلى هذه الدنيا، فسخَّر له الشراب السائغ يغتذي به ليله ونهاره، وصباحه ومساءه، فهل عدم يوماً من الأيام رزق الله؟! وهل فقد يوماً من الأيام هذه الرحمة من الله؟! ثم تقلب في طور بعد طور، ومرحلة بعد مرحلة، يغذوه بنعمه ومنّه وكرمه، حتى أصبح بشراً سوياً جَلْداً قوياً قال: لا رب لي، ولا إله لي والعياذ بالله! فكان أعظم ما يكون فجوراً وكفوراً وإعراضاً عن الله! وبالنفس غروراً! ومع ذلك يرحمه، فيطعمه من طعامه، ويسقيه من شرابه، ويظله بظله، ويشمله برحمة لا يعلمها إلا هو سبحانه، مع أنه عاصٍ متمرِّد على الله ، نسأل الله السلامة والعافية.
وهذا من أبلغ ما يكون من الرحمة.
فكل هذه النعم لو لم تكن كيف يكون حال الإنسان؟! بل إن الإنسان لو أن الله تركه طرفةَ عين يمشي دون رحمةٍ لَهَلَكَ والعياذ بالله، ولذلك صح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: (يا حي يا قيوم! برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين) أي: لا تحرمني هذه الرحمة وهذا اللطف والرحمة منك سبحانك وتعاليت، فالمقصود: أن الله نبه العباد بهذه الآية إلى أنهم حقراء فقراء إلى رحمته، لولا الرحمة من الله واللطف منه : كيف سيكون حالكم؟! ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٠] : رءوف بكم! رحيم بكم! لا تستوجبون عليه من ذلك شيئاً؛ ولكنه صاحب الفضل والكرم.
وقوله: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) : فيه إثبات صفتين لله : - صفة الرأفة.
- وصفة الرحمة.
ورأفة الله غاية الرأفة، ولا تكون الرأفة إلا بالعطف الشديد على الإنسان، فيقال: فلان يرأف بفلان إذا عطف عليه عطفاً شديداً، والله ﵎ على أكمل ما يكون رأفةً بالعباد، ولذلك صح في الحديث عن النبي ﷺ أنه لما كان في الغزاة ففقدت امرأة صبيها فولهت من فقده، فجاء صبيها يعدو فانتشلته ورفعته، فقال ﵊: (أترون هذه طارحةً ولدَها في النار؟! قالوا: لا.
قال: لَلَّهُ أرحم بخلقه من هذه بولدها) فهذا يدل على عظيم رأفته وجليل رحمته .
стр. 94
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١] : هذه الآية الكريمة ابتدأها الله ﵎ بنداء أهل الإيمان يحذرهم من اتباع سبيل الشيطان، أي: يا أهل الإيمان! يا أهل الطاعة للرحمن! لا تتبعوا خطوات الشيطان، والخطوة: ما يخطوه الإنسان، وأصلها: المسافة بين القدمين، يقال: خطا إذا وضع قدمه على الأرض، وما بين الموضع والموضع خطوة.
وقوله: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) هذه الآية الكريمة يقول بعض العلماء ﵏: جمعت النهي عن جميع الشرور، فكل الشرور مبدؤها من الشيطان، وسبيل الوقوع فيها وسوسة الشيطان، فالإنسان لا يمكن أن يصيب حدود الله، ولا يجترئ على محارم الله إلا بدافع من نفسه، وذلك هو تسويل الشيطان، ووسوسته له في صدره، فجمع الله النهي في هذه الآية الكريمة الشرور كلها، ولذلك قال بعض العلماء ﵏: مَن وفَّقه الله فعصمه الله من وسوسة الشيطان ومتابعته فقد فلح وفاز فوزاً عظيماً، ولذلك بيَّن الله ﵎ في هذه الآية أمرين: الأمر الأول: أن الشيطان داعية الردى، وأنه المحبِّب في سبيل الغي والهوى.
وأما الأمر الثاني: أنه أطلع العباد على عاقبة دعوة الشيطان.
ففي هذه الآية الكريمة كشف الله حقيقة العدو اللدود للإنسان -الشيطان-، الذي لا يمكن أن يرتاح إلا إذا أوقع الإنسان في حدود الله ومعاصيه ومحارمه والعياذ بالله! يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يا من آمنتم بي! وصدقتم بكتبي! واتبعتم رسلي! إن كنتم مؤمنين حقاً فلا تتبعوا خطوات الشيطان، ثم انظر إلى أسلوب القرآن! حيث قال: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) ولم يقل: لا تتبعوا الشيطان؛ لأن الشيطان إذا أراد أن يغوي الإنسان أخذه بتدرجٍ مِن حكمته وحنكته والعياذ بالله في الغواية، فيبتدئ مع ولي الله المؤمن فيصيب محقرات الذنوب، ثم يسترسل معه من ذنب إلى ذنب حتى تأتي عليه الساعة التي ينسلخ فيها من دينه -والعياذ بالله-، بعد أن كان من خيار عباد الله وأصلح خلق الله، وبعد أن كانت المرأة من الصالحات القانتات، إذا به يفاجأ -بعد تتبعه خطوات الشيطان في دعوته، واسترساله معه من دركة إلى دركة- عند أن تأتي الساعة -والعياذ بالله، ونسأل الله العصمة منها- التي ينسلخ فيها من دينه ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] .
فالشيطان يبتدئ بالمعاصي اليسيرة وبالأمور الحقيرة في نظر الإنسان، فمثلاً: إذا أراد أن يوقع الإنسان في معاصي اللسان: تدرَّجه في المعصية اليسيرة من اللسان، وإذا أراد أن يوقعه في معصية البصر: تدرج معه في أخف معاصي البصر، ثم الشراب، ثم النكاح، ثم غير ذلك من الفواحش والمعاصي.
فيبتدئ مثلاً في معاصي اللسان -إذا كان الرجل من عامة الناس جاهلاً- فيقول له: لا حرج عليك إذا اغتبت شخصاً أو طعنت في شخص، فيتكلم بتلك الكلمة فيُفتح له باب من أبواب الشيطان: لأن من عصى الله بجارحة فتح على نفسه شعبة تلك الجارحة، وهكذا يأتي إنساناً صالحاً لا يتكلم إلا فيما يعنيه، فيقول له: يا هذا! قد ضيقت على نفسك، فأنت تزعم أنك من الصالحين ومن عباد الله المتقين! والدين يسر ورحمة، لماذا لا تتكلم في فضول الدنيا؟ وقد كان شخصاً حافظاً للسانه لا يتحدث في فضول الدنيا ولا يتكلم إلا فيما يعنيه، فيتدرج معه حتى يتكلم فيما لا يعنيه، فيبتدئ معه في فضول الدنيا، فيصبح يسأل عن هذا وذاك مما لا يعنيه، ثم يتدرج معه بعد ذلك إلى السؤال عن المحرمات، والوقوع في الحدود والسيئات التي نهى الله عنها، حتى يأتي ذلك اليوم -والعياذ بالله- الذي يكون فيه من أفحش الناس لساناً، وأقذعهم بياناً نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك ينبغي للإنسان إذا أراد أن يسلم لسانه أن يحفظ كل أمر فيه حد من حدود الله، وأن يبتدئ بالكمال بعصمة اللسان عن فضول الحديث، ولذلك كان بعض السلف ﵏ يحصي الكلمات التي يتكلمها من الجمعة إلى الجمعة، وقال بعضهم: والله! ما تكلمت بكلمة منذ ثلاثين عاماً أو أربعين عاماً إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله .
وبهذا قد يكون الإنسان قد تتبع خطوات الشيطان بلسانه.
ثم يأتيه في البصر، فيكون الإنسان -مثلاً- أعف الناس بصراً، ربما إذا شعر بالشيء لم يتبيَّنه اتقاء أن تكون امرأة أو شيئاً مما حرم الله فيبتدر قبل التبين ويغض بصره، فيقول له الشيطان: ما هذا التشديد على نفسك؟! وما هذا التنطع في الدين والدين يسر؟! فيبتدئ معه بالنظرة اليسيرة التي تبتدئ ربما بنظرة إلى القدم، ثم يعلو معه رويداً رويداً حتى يصبح لا خلاق عنده، ولا دين عنده يحفظ به بصره عن عورات المسلمين، ولربما يسترسل به إلى أقرب الناس إليه وهو جاره، فيطلع على أستاره ويهتك ستر الله عليه والعياذ بالله العظيم من كل ذلك.
فالمقصود: أن الشيطان متفنن في غواية الناس والعياذ بالله، والله من حكمته قال: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] : فكل معصية داعية إلى أختها.
وكذلك بالنسبة للسمع، يقول له: ما بالك لا تسمع فضول أحاديث الناس؟! وما بالك لا تجلس مع الناس فتسمع أحاديثهم فتروِّح عن نفسك؟! فالدين يسر لا تنطع فيه، حتى إذا ابتدأ معه في ذلك جلس مع الناس فقال له: إذا ذكرت الغيبة قال له: استمع إليها كما يستمع إليها غيرك، فيسترسل معه والعياذ بالله حتى تأتي الساعة التي لا يبالي بها بسماع ما حرم الله عليه.
وقس على ذلك الرجل، واليد، والفرج، وغير ذلك من الجوارح.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعصمنا وإياكم من متابعة الشيطان في جميع ذلك.
стр. 95
سلسلة تفسير سورة النور [٦]
إن خطر اتباع خطوات الشيطان لا يخفى على مسلم، فوسائل الشيطان طريق كل فاحشة وباب كل منكر، ولقد امتن الله على عباده المؤمنين بأن يسر لهم أسباب اجتناب ما يفضي إلى اتباع الشيطان.
ولقد بين الله في سورة النور عظم الأجر المترتب على التجاوز عن المسيء، وبذل الصفح للمخطئ، وأن ذلك سبب لنيل مغفرة الله، ورفعة الدرجات يوم القيامة.
стр. 96
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتعبوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان)
الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته، والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الله ﵎ بعد أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١] .
هذه الآية الكريمة اشتملت على ثلاثة أمور: الأمر الأول: نهي الله ﵎ لعباده المؤمنين عن اتباع سبيل الشيطان الرجيم.
والأمر الثاني: بيان العاقبة التي ينتهي إليها كل من اتبع الشيطان في أوامره وسبُله.
وأما الأمر الثالث الذي اشتملت عليه الآية الكريمة: بيان أن الله ﵎ هو المتفضل على عباده، يرحم من يشاء بهدايته، ويزكي من يشاء بفضله، .
стр. 97
عاقبة اتباع خطوات الشيطان
وقوله : ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١] هذا هو المقطع الثاني من الآية الكريمة، بيَّن الله ﵎ فيه عاقبة من اتبع سبيل الشيطان، وأطاعه في اتباع تلك الخطوات، بيَّن العاقبة التي ينتهي إليها في الدنيا، فقال : ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١] .
(فَإِنَّهُ) أي: الشيطان.
(يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) وهي: جمع فاحشة، والفحشاء: المراد بها الفاحشة، وقد تطلق على القول الذي لا يحبه الله ﵎، وقد تطلق على الفعل: فمن إطلاقها على الفعل: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢] فأخبر أن الزنا فاحشة مع أن الزنا فِعْل من الأفعال، فهذا من إطلاق لفظ: (الفاحشة) على الفعل.
ومن إطلاق الفاحشة على القول: قول عائشة ﵂: (إن النبي ﷺ لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً) صلوات الله وسلامه عليه، أي: ما كان ليقول أو يفعل ما لا خير فيه.
وقوله تعالى (وَالْمُنْكَرِ) : المنكر ضد المعروف، وهو ما أنكره الله ﵎ في كتابه، وأنكره رسوله ﷺ في سنته، والمنكر وُصِف بذلك لما فيه من النكارة وهي كل ما لا يحبه الله ويرضاه فإذا فعل العبد ما حرم الله عليه فإنه قد أصاب منكراً؛ لأنه من أعظم ما يكون جريمة أن يعصي العبد ربه، فبمعصيته لمن خلقه ورزقه، وأطعمه وكساه كان بذلك مرتكباً لأمرٍ منكر لا يحبه الله ولا يرضاه.
يقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ) أي: الشيطان.
أما الفائدة الثانية: أن الآية فيها منهجٌ تربوي لمن أراد أن يعلِّم أو يربِّي غيره، ذلك أن الله ﵎ نهى العباد عن متابعة الشيطان، وذكر عاقبة مَن اتبع الشيطان، قال بعض العلماء: ذكر عاقبة من اتبع الشيطان أبلغ في زجر الناس عن متابعة الشيطان، بمعنى إذا أراد الإنسان أن ينهى صبياً أو يعلم جاهلاً فإنه ينبغي له أن يجمع في النهي بين أمرين: الأمر الأول: أن يحدد له الشيء الذي ينهاه عنه.
والأمر الثاني: أن يبين له عاقبة الشيء الذي نهاه عنه.
فذلك أبلغ في التربية والتوجيه والتعليم.
وقد اشتملت الآية الكريمة على كِلا الأمرين، فحذرنا الله ﵎ عن اتباع سبيل الشيطان، وأخبرنا عن العاقبة التي ينتهي إليها كل من اتبعه وسار على نهجه وارتضاه، فقال: (فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) هذا الأمر الذي يوجهه الشيطان إلى الإنسان إنما يوجهه بالوسوسة، فهي سبيل الشيطان للإنسان، ولذلك إذا وقف الإنسان أمام معصية من المعاصي وجد في نفسه دعوة تدعوه إلى تلك المعصية، وهي لَمَّة الشيطان والعياذ بالله، ووجد في نفسه ما يزجره عن فعل تلك المعصية وهي لَمَّة الخير التي جعلها الله للمَلَك، ولذلك يعيش الإنسان بين اللَّمَّتين: منهما: لَمَّة الشيطان كما بين النبي ﷺ ذلك بقوله: (فإن للشيطان لَمَّة، وللمَلَك لَمَّة، فأما لَمَّة الشيطان: فتسويف بالخير وإيعاد بالشر، وأما لَمَّة المَلَك: فنهي عن الشر وإيعاد بالخير) ، فهاتان لَمَّتان موجودتان في الإنسان.
وبناءً على ذلك: فكل ما يجده الإنسان في نفسه من الدعوة إلى الحرام ينبغي أن يعلم أنه من الشيطان، وعلاج ذلك بيَّنه الله ﵎ بقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] فمن أراد أن ينجو من هذه الأوامر التي يسوِّلها الشيطان لأوليائه، فما عليه إلا أن يستعيذ بالله ، فإنه نعم المولى ونعم النصير.
стр. 98
هداية الله العباد إلى طاعته
يقول الله ﵎: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١] : هذا المقطع الثالث من الآية الكريمة اشتمل على أمرٍ عظيم وهو: أن هداية العباد إلى طاعة رب العباد موقوفة على الله ﵎، وأن الله إذا أراد أن يقلِّب العبد في طاعته فتزكو نفسه بمحبته واتباع سبيل ولايته أنه هو وحده القادر على ذلك، هو الذي يزكِّي القلوب برحمته، والزكاة في اللغة: الطهارة، قال الله ﵎: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩-١٠] .
والمراد بقوله: ﴿مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [النور:٢١] أي: ما طهر قلب الإنسان من معصية الله ﵎ التي اشتملت عليها أوامر الشيطان، وفي هذا دليل على أنه لا نجاة من تلك الوساوس والخطرات إلا برحمة الله ﵎، وكأن الله ﵎ يدعونا بهذه الآية الكريمة إلى التعلق به، وسؤاله النجاة من هذه الوساوس والخطرات، ولذلك صح عن النبي ﷺ أنه كان يكثر من دعاء الله صلاحَ قلبه، وزكاةَ فؤاده، حتى قال ﵊: (اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها) فالله ﵎ هو وحده الذي يزكي القلوب بفضله؛ فتنشرح لطاعته وسبيل محبته، وتكون أسبق ما تكون إلى ما يحبه ويرضاه، وأبعد ما تكون عن معاصيه التي لا يحبها ولا يرضاها، وقد أشار الله ﵎ إلى هذا المعنى بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧] فالله ﵎ وحده هو الذي يحبب القلوب في طاعته، ويشرح الصدور لسبيل ولايته، فإذا أراد أن يصطفي أحداً لتلك الهداية أو يجتبيَه لتلك الولاية جعل قلبه منشرحاً زكياً نقياً طاهراً من هذه الوساوس، ولذلك قال بعض العلماء ﵏: إن الإنسان إذا أراد أن يكون على درجة الصلاح والخير والاستقامة فينبغي أن يكون أبعد ما يكون عن الوساوس، كلما وجد في نفسه الوسوسة دفعها بذكر الله والاستعاذة به ﵎، ومن ثم نبهوا على أن أخطر ما يُخشى على الإنسان الاسترسال في الوساوس والخطرات، وهي: التي يُدْلَى بها الإنسان إلى معاصي الله ، فيبتدئ الشيطان مع الإنسان في سمعه، أو في بصره، أو في لسانه، أو في فرجه، أو في أي شيءٍ من الأمور التي يملكها حتى يسهل له بها السبيل إلى حدود الله فيبتدئ بالسمع أو بالبصر، فيقول له: تمتع بسمعك أو تمتع ببصرك، ولا حرج عليك في النظرة والنظرتين، فيرسل النظرة، فتورث النظرةُ الشهوة، فيسترسل بالنظرة تلو النظرة حتى ينتهي إلى حديث النفس المستحكِم، فإذا استحكم الشيطان بذلك القلب واستأثر بالفؤاد انقلب ذلك القلب والعياذ بالله من طاعة الله إلى معاصي الله ، فيصبح يفكر كيف السبيل لإصابة تلك الشهوة، وإصابة ذلك الحد من حدود الله ؟ يقول الله ﵎: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾ [النور:٢١] الفضل في اللغة: الزيادة.
وقوله: (فَضْلُ اللَّهِ) : أي: تفضل الله ﵎ عليكم ورحمته؛ لأن النجاة من المعاصي والبعد عما لا يحبه الله ويرضاه إنما هو رحمة من الله يرحم بها من شاء، قال بعض العلماء: وَصَفَ الله الهداية والاستقامة بكونها رحمة، لأن العبد يُرْحَم فيها في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فلأن صلاح الأمور بالاستقامة، وأما في الآخرة: فبالنجاة من عذاب الله وعقوبته، وذلك إنما يكون بالتزام شرعه والبعد عن حدوده ومحارمه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢١] سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأفعالكم.
وقوله: (سَمِيعٌ) : فعيل بمعنى فاعل أي: سامعٌ .
وقوله (عِلِيمٌ) : فعيل أيضاً، وصيغة فعيلٍ وهي دالة على المبالغة.
стр. 99
نهي الله ﵎ لعباده المؤمنين عن اتباع سبيل الشيطان
هذه الثلاثة الأمور، أشار الله ﵎ إلى أولها بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) .
قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (يا) : حرف نداء، و (أيُّ) : منادَى، و (الهاء) : للتنبيه.
أي: يا من آمنتم بي، وآمنتم برسلي، وآمنتم بكتابي، ولقائي! لا تتبعوا خطوات الشيطان.
هذا النداء من الله ﵎ استفتحه بهذه الخصلة العظيمة التي تدل على شرف الإنسان وعلوِّ مكانته عند الله وهي صفة الإيمان بالله ﵎.
وفي استفتاح هذا النهي بهذا النداء تشويق لأهل الإيمان أن يلتزموا شرع الرحمن، أي: إن كنتم أهل إيمان وطاعة واتباع لي، ولسبيلي لا تكونوا متابعين للشيطان في أوامره التي يأمركم بها بالفحشاء والمنكر.
وهذا النداء يستفتح الله ﵎ به بعض أوامره، ويستفتح به نواهيه، قال بعض العلماء: إن الله ﵎ يستفتح أوامره ونواهيه بهذا النداء؛ لكي يشوق السامعين والقارئين للقرآن للعمل بما تضمنه ذلك النداء من الأمر، ولترك ما اشتمل عليه من النهي، ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها: (إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا) فأرعها سمعك، فإنما هو خير تؤمر به، أو شر تُنهى عنه) .
ولذلك قال العلماء ﵏: إن الله ﵎ يستفتح الآيات بهذا النداء الذي يتضمن أحد ثلاثة أمور: - إما أمر بالمعروف.
- وإما نهيٌ عن المنكر.
- وإما أن يجمع بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فمن أمثلة أمره بالمعروف: أمره بتقواه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) .
ومن أمثلة نهيه عن المنكر كما في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] .
فقد تضمنت هذه الآية الكريمة النهي عن اتباع سبيل الشيطان، بل إن النهي عن اتباع خطوات الشيطان هو النهي عن الشر والبلاء كله، فالشر كل الشر في متابعة الشيطان، والخير كل الخير في اتباع سبيل الرحمن، ولن تجد من العبد معصية انتهك بها حدود الله أو أصاب بها محارم الله ﵎ إلا وجدت الشيطان داعياً إليها محبِّباً إياها ومقرباً منها، ولذلك جمع الله ﵎ في هذه الآية الكريمة النهي عن أصل الشر كله والتحذير منه، فكل الشر في هذا الأمر، وهو اتباع خطوات الشيطان.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خص الله أهل الإيمان في هذه السورة الكريمة ونهاهم عن اتباع سبيل الشيطان، وجاء في آية أخرى النهي لعموم الناس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨] فنهى الله ﵎ الناس عموماً والمؤمنين خصوصاً: - فشمل النداء عموم الناس مؤمنهم وكافرهم حينما قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) .
- وخصَّ أفضل الناس وهم أهل طاعته، وأهل سبيل محبته، حينما ناداهم في هذه السورة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) .
وفي هذا النداء دليل على أن الإيمان يستلزم من الإنسان القولَ والعملَ الصالح، كما قرره أهل السنة والجماعة من أن الإيمان بالله : (اعتقادٌ بالجَنان، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح والأركان) .
اعتقادٌ بالجَنان: فلابد أن يكون جَنان الإنسان أي: قلبه مؤمناً بالله ﵎.
وقولٌ باللسان: وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﵊.
وأما فعلُ الأركان والجوارح: فهو العمل بمقتضى هذه الشهادة، فتكون الأقوالُ والأفعالُ موزونةً بميزان الكتاب والسنة، لا يحيد المؤمن عن ذلك قيد شعرة، فإن حاد نقص إيمانه بقدر ما حاد، وإن ازداد من الخير والطاعة والاستقامة على منهج الله ﵎ كان أحظى الناس بالإيمان وأعلاهم مرتبةً في طاعة الرحمن.
يقول الله ﵎: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) الخطوات: جمع خُطوة، وهي ما بين القدمين، ويقال: خَطوة، وهو مصدر.
(لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) للعلماء ﵏ في (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أقوال: - فمِن أهل العلم مَن قال: إن قوله ﵎: (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) : المراد منه الخطايا التي يصيبها الإنسان باتباعه الشيطان؛ لأن الشيطان متمرد على طاعة ربه، بعيد عن محبة الله وسبيل ولايته.
- ومِن أهل العلم مَن قال: إن قوله: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) أي: آثاره.
- ومِنهم مَن قال: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) المراد بها: نذور المعاصي التي كان عليها أهل الجاهلية في جاهليتهم؛ لأن الشيطان كان يدعوهم بها إلى انتهاك حدود الله، وغشيان محارم الله ﵎.
- وهناك قولٌ اختاره بعض المفسرين -وهو قولٌ لطيف- يقول: إن قوله ﵎: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) المراد بها: انتقال الشيطان من المعصية إلى المعصية، فهو يقود الإنسان إلى حدود الله شيئاً فشيئاً، ويحببه في معاصي الله خطوة خطوة، حتى يفضي به إلى أعظم الحدود وأكبر الكبائر وهو الشرك بالله والعياذ بالله.
- وهناك قولٌ أخيرٌ في هذه الآية الكريمة -وهو القول الخامس-: وأن المراد بقوله: (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) : أي: الخطوة التي ينتقل بها من الحلال إلى الحرام.
فالمقصود: أن هذه هي أقوال العلماء في قوله تعالى: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) .
والذي عليه بعض المحققين: أن الآية شاملة لهذا كله، فما دام أن الجميع يصدُق عليه أنه خطوة للشيطان، فلا مانع أن الله ﵎ ينهانا عن جميع ذلك، والأصل أن اللفظ ما دام على عمومه أن يُحْمَل على ذلك العموم سواءً ورد في الكتاب أو ورد في السنة فيبقى لفظ الآية الكريمة في الدلالة على العموم حتى يرد النص الذي يدل على شيءٍ مخصوص بعينه.
ومن هنا يتبين لنا أن نهي الله ﵎ عن اتباع خطوات الشيطان المراد به النهي عن جميع ذلك كله، فالإنسان مطلوب منه أن يبتعد عن متابعة الشيطان سواءً دعاه إلى المعاصي أو نقله إليها خطوة خطوة، فينبغي للمؤمن كلما أحس في قلبه بوسوسة من الشيطان تدعوه إلى معصية الرحمن أن ينكفَّ وينزجر ويطيع الله ﵎ إذ نهاه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ عن متابعة هذه الوساوس والخطرات، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه (خط خطاً مستقيماً، ثم خط عن يمينة خطوطاً، وعن يساره خطوطاً فقال: هذا صراط الله، وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) فكل من أطاع داعي الشيطان إلى تلك السبل وأجابه إلى تلك المعاصي فقد خالف نهي الله ﵎، واعتدى حدود الله ، وانتهك محارمه على قدر عظم ما أصاب من ذلك الذنب الذي أطاع الشيطانَ فيه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) قال بعض العلماء: إن الله قد جمع في هذه الآية الكريمة النهي عن أساس الشر كله، وذلك في بعض سطر حينما قال: (لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) وهذا من إعجاز القرآن وحسن بيانه وعظيم شأنه، فإن الله ﵎ جعل هذا الكتاب المبين معجزاً بلفظه وبمعناه، فجمع الشر في هذا المقطع اليسير من الآية الكريمة.
وقوله تعالى: (خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) : نسبها إلى الشيطان؛ لأنه هو الداعي إليها والمحبِّب فيها، والشيطان على ضربين: - شيطان إنس.
- وشيطان جن.
ولكن إذا أطلق الشيطان فالمراد به أساس الشر وهو إبليس، ويتبعه أعوانه الذين يسلطهم بإذن الله على بني آدم، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أن الشيطان عرشه على الماء، يبعث رسله إلى بني آدم فتنةً من الله وامتحاناً وابتلاءً واختباراً تدعو عباد الله إلى معاصي الله، وتحببهم في انتهاك حدود الله وغشيان محارمه، فالناس بين عبدين: - عبد له مجيب، قد تردى في الدركات والعياذ بالله الموجبة لسخط رب الأرض والسماوات.
- عبد الله يتمرد على شيطانه، ويعتصم بالله ﵎، ويلوذ به ويستعيذ به، فينقذه الله من شرورهم، قال الله : ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] .
فالمقصود: أن الله ﵎ نهانا في هذه الآية الكريمة عن اتباع سبيل الشيطان، سواءً كان ذلك الشيطان شيطان جن أو كان شيطان إنس.
стр. 100
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل ... )
يقول الله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] :
стр. 101
معنى قوله تعالى: (وليعفوا وليصفحوا)
يقول الله ﵎: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) أصل العفو: الطمس، ومنه قولهم: عَفَتِ الريحُ الأثرَ إذا طَمَسَتْه وأزالَتْه.
وقوله: (وَلْيَعْفُوا) : ذلك أن الإنسان إذا أذنب آخر في حقه ولم يؤاخذه بذلك الذنب، فكأنه قد محا أثر ذلك الذنب، فلذلك يقال: عفا عنه، وقال بعض العلماء: العفو بالأقوال، والصفح بالأفعال.
فالصفح مأخوذ من صفحة العنق، وهو أن يعرض الإنسان عن الشيء الذي لا يريده، يقال: أعرض عنه صفحاً أي: أعرض عنه فلم يؤاخذه بما قال، وكل ذلك كناية عن عدم المؤاخذة.
يقول الله ﵎: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) : وفي هذه الآية الكريمة دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يكون سمحاً ليناً حليماً رحيماً رفيقاً بإخوانه، فإذا حصلت الزلة والأذية من أخيه، فإنه ينبغي له إذا كان يرجو رحمة الله ويطمع فيما عنده أن يقابل الإساءة بالإحسان، وأن لا يقابل الإساءة بالإساءة فذلك أكمل.
ولذلك ورد في الحديث عنه ﵊ وهو متكلَّمٌ في سنده ولكن لا تبعُد صحة متنه أنه (إذا كان يوم القيامة نادى منادي الله : مَن كان أجره على الله فليقم، فتقول الملائكة: ومَن هذا الذي أجره على الله؟ يقول النبي ﷺ : فلا يقوم إلا مَن عفا عن ذنب) .
فالإنسان إذا عفا عن غيره، وكان عفوه لوجه الله ، -رجاء ما عند الله ﵎ فإنه يرجى له مثوبة الله ، ولذلك قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا أساء إليه أحد فإن شاء أخذ حقه في الدنيا، وإن شاء أن يؤخر حقه إلى الآخرة أخَّرَه، فإن أخَّرَ حقه إلى الآخرة فهو مخير بين فضلين، أحدهما أعظم من الآخر: أما الأول: فهو أن يرضى أن يقتص الله له ممن ظلمه، وهذا أدنى الفضلين.
وأما الفضل الأعلى: فهو أن يعفو عنه ويحتسب الأجر عند الله، قال بعض لعلماء: مَن عفا عن الذنب لوجه الله، فإنه يُرجى له من مثوبة الله أكثر مما يعطاه لو أخذ من حسنات مَن ظلمه.
ولذلك رغَّب الله في العفو والصفح لوجهه، وهذا هو شأن الفضلاء والأخيار والنبلاء أنهم يبادلون الإساءة بالإحسان، ولا يبادلون الإساءة بالإساءة، وهذا هو هدي النبي ﷺ ، ولذلك كان ﵊ يقابل الإساءة بالإحسان، ولا يقابل السيئة بالسيئة، وكان هذا من وصفه في الكتب السماوية التي قبله أنه ﵊ يعفو عمن أساء إليه، ولا يؤاخذه، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه (جاءه أعرابي فأخذ بطرف قميصه ﵊ حتى أثر في صفحة عنق النبي ﷺ ، فتبسم النبي ﷺ له ولم يزده على ذلك) ، وورد عنه ﵊ في قصة اليهودي أنه استدان من اليهودي، فلما جاء ذات يوم أقبل عليه اليهودي، فأخذ بمجامع ثوبه ﵊ فقال: (يا محمد! اقضني ديني، فإني قد عهدتكم يا آل هاشم قومٌ مطل، فقال عمر: دع ثوب رسول الله ﷺ وإلا ضربت عنقك، فقال له النبي ﷺ : قد كنت أنا وهو أولى بخيرٍ من ذلك: أن تأمره بحسن الطلب، وأن تأمرني بحسن الأداء.
فكان ذلك سبباً في إسلام اليهودي) فهذا من كريم خُلُقه صلوات الله وسلامه عليه.
وفي الحديث الصحيح عنه ﵊ وهو من أخبار السير أيضاً أنه (لما فتح الله عليه مكة وقام عليهم فقال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم -قال بعض العلماء: لولا أن قريشاً تعلم منه الحلم والرحمة والإحسان ما قالت له ذلك، ولكنه كان على ذلك الخلق- فقال ﵊: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقال في الرواية الأخرى: لا تثريب عليكم! اذهبوا فأنتم الطلقاء) فكان ﵊ على السماحة واليسر.
وورد في الحديث الصحيح في صحيح مسلم في حديث سلمة بن الأكوع ﵁، أنه لما لحق بالقوم قال له النبي ﷺ : (مَلَكْتَ فأسجح) أي: اعف وسامح، صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود: أن هذه الآية الكريمة أدبت عباد الله المؤمنين فتخلقوا بخُلُق الصفح، خاصة إذا كان الإنسان ممن يُقتدى به، كأهل العلم وطلابه، فهم أحق الناس بسعة ورحابة الصدر؛ تأسياً بالنبي ﷺ .
ومن العجيب الغريب أن الناس انعكست عندهم المفاهيم، وانقلبت لديهم الموازين! فأصبح الذي يعفو عن الناس، ويتجاوز عن إساءتهم يوصف بكونه ضعيفاً وجباناً، وبكونه لا يستطيع الانتقام لنفسه، حتى ربما وصفوه بكونه امرأة وهو رجل، وهذا كله مما حرمه الله لأنه يفضي إلى تزهيد الناس في العفو والصفح الذي يوجب أُلفة القلوب واتحاد الكلمة.
والله ﵎ ندب عباده إلى العفو، ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] أي: يحب من كان بهذه الصفة من العفو عن الناس.
ولذلك كان مِن الخَطَإِ وصفُ مَن عفا عن حقه بكونه جباناً، بل لا يؤمَن على من يتفوّه بذلك أن يكون مخالفاً لهديه ﵊، ولذلك أنكر النبي ﷺ هذا الاعتقاد، بل إنه ﷺ أنكره بأسلوب عجيب، فقال ﵊: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رَفَعَه) قال بعض العلماء: قوله: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) قال: إن الناس تظن أن العفو ذُل، فأخبر النبي ﷺ أن العفو عزة، ولذلك تجد الإنسان إذا عفا عمن أساء إليه دلَّ ذلك على قوة شكيمته وإرادته وتحمله؛ لأن ذلك من صنيع الرجال الكاملين في الرجولة أن يتحملوا الأذى، ولذلك سُئِل الأحنف بن قيس ذات يوم، قال له رجل فضولي: (لِمَ سُدْتَ قومَك وأنت قصير دميم الخِلْقة؟! قال ﵀: بتركي لِمَا لا يعنيني كما عَناك من أمري ما لا يعنيني) .
قال بعضهم: إنه كانت به خُلَّة أمكنه أن يردَّه بها، ولكن كان الأحنف ﵀ على حِلْم.
فالمقصود: أن الحِلْم والصفح عن الناس من الخلق الكريم الذي يثيب الله عليه، ونَدَب إليه الكتاب، وندبت إليه السنة.
стр. 102
قوله تعالى: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم)
أما قوله: (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) أي: يا أهل الفضل! ويا أهل السعة! ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟! قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الإحسان والصدقة سبيل في عفو الله عن العبد، ولذلك ورد في الحديث عن أبي بكر ﵁ وأرضاه أنه لما نزلت هذه الآية الكريمة: (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) قال: (بلى والله! -أي: بلى والله! نحب أن تغفر لنا- والله لا أقطع عنه شيئاً أبداً) .
واستمر في عطيته إلى أن توفاه الله ﵁ وأرضاه.
وقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فيه إشارة إلى أنك إن صفحت عن الناس صفح الله عنك، وإن غفرت للناس غفر الله لك، وإن رحمت الناس رحمك الله، ولذلك قيل: (كيفما تدين تدان) وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إنه كان فيمن كان قبلكم رجلٌ يداين الناس وكان يقول: إذا لقيتم معسراً فتجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عني، قال: فلقي الله فتجاوز الله عنه) ، والله تعالى أعلم.
стр. 103
معنى القرابة في الآية
وقوله ﵎: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى) والقريب ضد البعيد المراد به مَن قرَّبه النسب سواءً اجتمعتَ معه في أصولك أو اجتمعتَ معه من فروعك.
فمثال الأول مَن اجتمعت معه في الأصول: كالأعمام.
وفي فروع الأصول: كأعمام الأب، وما تفرع عن هؤلاء.
ومثال مَن اجتمعت معه من الفروع: مَن كان منسوباً إليك كأبنائك، وأبناء أبنائك وإن نزلوا، وكذلك فروع إخوانك وأخواتك كل أولئك من القرابة؛ لأنه تجمعك بهم رابطة تقربهم منك، وتنسبك إليهم وتنسبهم إليك.
وقوله تعالى: (أُوْلِي الْقُرْبَى) : لأن مسطح بن أثاثة ﵁ كان قريباً لـ أبي بكر الصديق؛ لأنه ابن خالة لـ أبي بكر رضي الله عن الجميع، فلما آذى مسطح أبا بكر بالكلام في عائشة كان وقْعُ تلك الأذية عظيماً في قلب أبي بكر كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهندِ فأذية القريب مؤلمة؛ لأنك إذا أردت أن تنتقم منه لم تستطع لمكان القرابة والرحم، وإن سكت عنه سكت على الألم والأذية.
فمع عِظَم ما آذى به مسطح ﵁ أبا بكر الصديق أمر الله ﵎ أبا بكر أن يغض الطرف وأن يصفح عنه، وأن يحتسب عند الله ﵎ في ذلك الغض والصفح.
يقول تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ) و (المساكين) جمع مسكين، وُصِف بذلك لأنه تعلوه المسكنة، فالإنسان إذا كان ضعيفاً قليل المال فإنه تغلب عليه المسكنة والضعف، على خلاف الغني فإن الغالب فيه -إلا من رحم الله- أن يكون أشِرَاً بَطِرَاً، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] فالإنسان إذا أصاب الغنى بَطِرَ والعياذ بالله إلا أن يرحمه الله.
стр. 104
قوله تعالى: (والمهاجرين في سبيل الله)
وقوله تعالى: (وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أشار تعالى إلى فضل مسطح ﵁ وأرضاه، لأن مسطحاً كان من المهاجرين، وفي هذه الآية الكريمة دليل لأهل السنة والجماعة على المعتزلة الذين يقولون إن ارتكاب الكبيرة يوجب إحباط العمل والعياذ بالله، ومذهب أهل السنة والجماعة: أن العمل يُحْبَط بالكفر والشرك بالله ، كما أشار الله ﵎ إلى ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] فالعمل والعياذ بالله يُحبط بالكفر، قال الله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] فالكفر والشرك بالله يوجب حبوط العمل، وذهاب ما فعله الإنسان من صالح القول والعمل، ولو أن إنساناً كان من أصلح العِبَاد، وأتقاهم لله وأكثرهم صلاحاً واستقامةً وكانت حياتَه كلَّها في تلك الطاعة والاستقامة، حتى إذا دنا أجلُه أشرك بالله -ولو بكلمة- فإن ذلك الشرك يوجب حبوط عمله كله، قولاً كان أو فعلاً أو اعتقاداً، فيكون والعياذ بالله من الخاسرين، فلذلك كان من أعظم البلاء وأشد الرزية التي لا أعظم منها رزية: الشرك بالله، والكفر بالله ﵎، ومن الشرك بالله: الاستغاثة بغير الله من دون الله، ومن الكفر بالله: الاستهزاء بالدين، وكل ذلك مما عمت به البلوى والعياذ بالله خاصة في هذا الزمان.
فالمقصود أن مذهب أهل السنة والجماعة أن العمل إنما يُحبط بالكفر والشرك بالله.
ولا يُشْكِل على هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] فقد خرَّج بعض العلماء ذلك على الوعيد كما اختاره صاحب الأضواء وغيره من أهل العلم ﵏، وذهب المعتزلة إلى أن الإنسان إذا فعل كبيرة من الكبائر حبِط عمله والعياذ بالله، ومثال ذلك لو أن إنساناً زنى أو سرق وكان على طاعة واستقامة فإن زناه وسرقته توجب حبوط عمله عند هؤلاء.
والحمد لله الذي وسَّع علينا ما ضيقه أهل الاعتزال، والحمد لله الذي رحم عباده حيث لم يجعل حبوط العمل بارتكاب الكبائر، إذ النصوص شاهدة على أن مرتكب الكبيرة لا يعتبر ممن حبط عمله، كما في هذه الآية الكريمة، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن مسطحاً قذف أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها على خلاف: هل كان يقول ذلك، أو ينقل الكلام دون اعتقادٍ له، أو كان يحضر المجالس ويسمع ويرضى ولم يكن منكراً لذلك الأمر، وإن كان الذي ورد في الرواية التي في سبب النزول أنه ﵁ وأرضاه كان فقط يسكت على ما يقال، وهذا يدل على أن مَن جلس المجلس الذي يغتاب فيه المسلم أنه شريك للذي اغتاب والعياذ بالله في إثمه، وآخذ حكمه والعياذ بالله، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] .
فالمقصود: أن أصح الأقوال هو قول أهل السنة والجماعة من أن مرتكب الكبيرة لا يُحبط عمله، وأنه على حالتين: - إما أن يتوب في الدنيا فيتوب الله عليه، قال الله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] ولم يفرِّق الله بين ذنب كبير ولا صغير، فالآية عامة.
- وإما أن يصر على الكبيرة إلى لقاء الله والعياذ بالله، فيوافي الله يوم القيامة بتلك الكبيرة غير تائب منها، فإن وافاه وحالته على ذلك فهو تحت رحمة الله ومشيئته؛ إن عذبه فبِعَدْلِه، وإن عفا عنه فبِرَحْمَتِه، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، ومنها قوله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] .
стр. 105
معنى قوله تعالى: (أُوْلُوا الْفَضْلِ)
يقول الله ﵎:: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ) (أولوا) بمعنى: أصحاب، و (الفضل) في اللغة: الزيادة، والمراد بـ (الفضل) هنا فضل الدين، وهو الاستقامة على طاعة الله ﵎، تقول: فلان صاحب فضل، أي: صاحب استقامة على الشرع، وفيه تمسكٌ بهديه وآدابه، فلا يوصف الإنسان بكونه مِن أهل الفضل إلا إذا كان على استقامة وصلاح في قوله وعمله، ومن هنا دلت هذه الآية الكريمة على فضل أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، فإن الله ﵎ شهد له من فوق سبع سماوات بأنه من أصحاب الفضل، وهو كذلك ﵁ وأرضاه، وكيف لا يكون وهو الذي واسى رسول الله ﷺ وفدَّاه بنفسه وماله ﵁ وأرضاه، وجزاه عن نبيه خير ما جزى صحابياً عن صحبته؟!
стр. 106
معنى قوله تعالى: (والسعة)
يقول سبحانه: (وَالسَّعَةِ) وأصل السعة ضد الضيق، والسعة إذا أطلقت تطلق في القرآن كما هنا بمعنى بسطة الرزق، والله ﵎ أشار إلى بسطة الرزق بالسعة، وأشار إليها بالبسط، كما أشار إلى الضيق بالقَدْر، فقال : ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦] أي: يضيِّق، فجعل سعة المال وضيقه مبنية على هذا الوجه الذي هو أصل في المحسوسات.
وقوله تعالى: (وَالسَّعَةِ) : أي: الذين وسع الله عليهم في رزقهم فأصبحوا أهل مال وثراء.
(وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) في هذه الآية الكريمة دليل على أن أصحاب الجود والسخاء الذين يبذلون المال للضعفاء والفقراء يبتغون بذلك مرضاة رب الأرض والسماء أنهم أهل فضل، والله ﵎ شهد لهم من فوق سبع سماوات بذلك، فمن كان سخياً جواداً بماله في طاعة الله ومرضاته، يحتسب من إنفاقه رضوان الله عليه، فإنه يعتبر من أهل الفضل بشهادة الله ﵎، وفي هذا دليل على فضل الإنفاق والجود في طاعة الله ومحبته، ولو لم يكن في فضل الصدقة والإحسان إلا قول النبي ﷺ كما في الصحيح عنه أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار) لكفى بذلك فضلاً وشرفاً، ولذلك لما أراد النبي ﷺ أن يبين السبب الذي يوجب نجاة العبد من نار الله وعذابه قال: (ما مِن أحد منكم إلا وسيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) .
قال بعض العلماء في قوله: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) دليل على أن مِن أعظم الأسباب التي تنجي من النار وعقوبة الله: الصدقة، ولذلك نهى الله ﵎ أهل المال والثراء عن الإنفاق مع الأذية.
стр. 107
اختلاف العلماء في معنى قوله: (ولا يأتل)
يقول الله ﵎: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ) في هذا اللفظ قراءتان: - القراءة الأولى: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ) .
- القراءة الثانية:: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ) .
أما هاتان القراءتان فللعلماء ﵏ فيهما وجهان: الوجه الأول: أنهما قراءتان بمعنى واحد.
والوجه الثاني: أنهما قراءتان مختلفتان في المعنى.
أما أصحاب القول الأول الذين قالوا: إن تلك القراءتين بمعنى واحد، فقد اختلفوا على قولين أيضاً: فقال أصحاب القول الأول: إنهما بمعنى واحد، وهو الحلف، فقوله: (وَلا يَأْتَلِ) ، وقوله: (وَلا يَتَأَلَّ) كل ذلك المراد به لا يحلف وهو من الأَلِيَّة وهي: الحلف، ومِن استعمال هذا الفعل بمعنى الحلف قول الله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:٢٢٦] ، -وهي آية الإيلاء- أي أن يحلف الرجل ألاَّ يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر إجماعاً، أو أربعة أشهرٍ.
خلافٌ بين العلماء ﵏.
فالمقصود: أن الأَلِيَّة بمعنى الحلف على هذا القول.
وأما على القول الثاني: فقالوا: إن قوله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ) ، وقوله تعالى: (وَلا يَتَأَلَّ) : كل ذلك بمعنى: لا يقصر مِن قولهم: أَلَيْتُ بمعنى: قصَّرتُ، يقول الرجل: لا آلو جُهدي: أي: لا أقصِّر ومِن استعمال هذا الفعل في القرآن بمعنى التقصير قوله تعالى: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران:١١٨] أي: لا يقصرون في جلب ما يوجب الخبال لكم، يعني: أعداءه .
وهناك قول ثان: وهو أن كلتا القراءتين مختلفة المعنى فقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ) : أي: لا يقصر، وقوله تعالى: (وَلا يَتَأَلَّ) : أي: لا يحلف.
وبناءً على كلا المعنيين: يكون المعنى الأول: لا يحلف أولوا الفضل منكم والسعة ألا يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله من فضل الله، فتكون الآية الكريمة تضمنت نهي الصحابة أو نهي أبي بكر على سبيل الخصوص والمؤمنين على سبيل العموم عن أن يحلفوا على الامتناع عن إعطاء المساكين وأولي القربى والمهاجرين.
وأما المعنى الثاني: فيكون المراد لا يقصِّر أولوا الفضل وأولوا السعة الذين وسع الله عليهم من الخير وأعطاهم بسطة المال فرزقهم من فضله في الإحسان إلى هؤلاء الضعفاء.
وكلا المعنيين واضح.
стр. 108
سبب نزول الآية
أجمع العلماء ﵏ على أن هذه الآية الكريمة نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه، وذلك أنه حينما خاض مسطح بن أثاثة -وهو ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله عن الجميع- فيما خاض فيه من الإفك على عائشة ﵂ وأرضاها، وكان فيمن تكلم بما تكلم به في شأنها، فلما نزلت براءة عائشة في كتاب الله حلف أبو بكر ﵁ أن لا يعطي مسطحاً شيئاً من المال، وكان مسطح من فقراء المهاجرين -في سبيل الله- فحلف أبو بكر ﵁ من شدة ما لاقى من أذية مسطح، بالكلام في بنته عائشة ﵂ ألا يعطيه شيئاً من المال، فأنزل الله ﵎ هذه الآية الكريمة يحرك بها ما في نفس أبي بكر ﵁ من الخير، ويمنعه عن حبس الخير عن الناس الذين ألِفوا ما كان لهم من فضله ﵁ وأرضاه.