Полный текст (219 стр.). Показаны 211–219 · переход к 216.
стр. 211
معنى مثلية الأرضين السبع للسماوات السبع
السؤال
ما هو التقابل في السماوات السبع والأرضين السبع؟
الجواب
لم يرد في القرآن التصريح بأن الأرضين سبع إلا في موضع واحد وهو في سورة الطلاق في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] ، فقد صرح بمثلية الأرضين للسماوات، والمثلية لا يقصد بها المثلية بمعنى التشابه؛ لاختلاف حال السماوات عن حال الأرضين، وإنما نص العلماء على أن المقصود بالمثلية: المثلية العددية فقط، وإلا فلا يمكن مقارنة السماوات والأرض لا من حيث الضخامة والكبر ولا من حيث الارتفاع والانخفاض ولا من حيث مكونات الخلق، فالمثلية إنما هي في العددية فقط.
وأما في الأحاديث فقد جاء التصريح بأن الأراضين سبع، مثل قوله ﷺ : (اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن) وجاء كذلك في الحديث: (إن السماوات السبع والأراضين السبع في قبضته) .
وأما في العلم الحديث فإن أهل العلم الحديث في أصل نظريتهم لا ينطلقون من مبدأ الإيمان والتسليم بما جاء به الوحي، وإنما يتحدثون عما وصلوا إليه وما وجدوه، ولذلك ليس للسماء ذكر في قاموس العلم الحديث، ولا يعرفون شيئاً اسمه السماء، إنما يعرفون الطبقات المحيطة بالأرض فقط، وهي أنواع: بعضها غازات، وبعضها طبقات جوية، وبعضها فضاء خارجي إلى آخره، لكن هذه كلها من عالم الأرض وليست من عالم السماء، حتى المدارات البعيدة التي فيها الكواكب البعيدة جداً والتي تبعد السنوات الضوئية عن الأرض، ومع ذلك تعتبر من الأرض ولا علاقة لها بالسماء؛ لأن السماء لا يمكن أن يصلها البشر بوجه من الوجوه.
وأما بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦] ، ليس المقصود أن القمر حجر من السماء أو أنه لاصق بها، بل هو كما تقول: فلان في البيت، وليس معناه أنه حجر من سقفه أو منه، بل المقصود: أنه في داخله، فكذلك القمر وغيره من الكواكب كلها ليست في داخل السماوات، وكلها تنسب إلى الأرض، ولذلك المجموعة الشمسية التي نحن فيها والمجموعات الشمسية الأخرى والمجرات المعروفة كلها، وطبقة اليونسفير وما دونها والفضاء الخارجي؛ كل هذا الذي اطلع عليه علمياً اليوم هو من الأرض لا علاقة له بالسماء، ولهذا فإن السماء محفوظة، كما وصفها الله بذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢] ، فلا يمكن أن يصل البشر إليها بوجه من الوجوه.
وهذه السماء الدنيا فقط هي المزينة بالكواكب، أما السماوات الأخرى فليس فيها شيء من الكواكب هذه، ولهذا قال: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢] ، وهذا التزيين هو بحسب الرؤية؛ لأننا إذا رأينا المصابيح فإنما تكون زينة للسماء، ولا يمكن أن تكون زينة للأطباق الأخرى التي فوقها، فهي تحول دونها السماء الدنياء.
والسماء سقف حصين له أبواب تفتح ولا يمكن النفوذ منه دون فتح الأبواب بحال من الأحوال، حتى الأرواح التي يعرج بها الملائكة إذا لم يؤذن لهم ويفتح لهم أبواب السماء يرجعون إلى الأرض بها، ولهذا قال الله تعالى في أرواح أهل الشقاوة: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] ، والرسول ﷺ ليلة أسري به حين عرج إلى السماء استفتح جبريل واستأذن وعرَّف بنفسه وبمن معه حتى فتح له باب السماء.
ولا يمكن أن يصل البشر ولا الجن إلى أقطار السماء أبداً، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] ، وهذا للتحدي، فصيغة افعل هنا ليست للأمر، وإنما هي للإعجاز مثل قوله سبحانه: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥٠-٥١] ، فهي للإعجاز المطلق.
إذاً: إذا كان الناس عاجزين عن اكتشاف السماء الدنيا فمن باب أولى السماوات الأخرى التي فوق ذلك، والكرسي فوق السماوات، والعرش فوق ذلك، والله فوق كل ذلك.
أما الأرضون فقد اختلف فيها ما هي: فقيل: هذا الذي نكتشفه نحن ونعلمه ويصل إليه علمنا كلها أرض واحدة بما فيها من الكواكب، وإن كانت هذه الأرض التي نسكنها لا تمثل شيئاً بالنسبة للكواكب الأخرى؛ لأنها كوكب صغير في المجموعة الشمسية التي هي فيها، وفيها كواكب أضعاف الأرض عدة مرات.
وقالت طائفة أخرى: بل الكواكب الكبرى أرضون، وهذا قد يشكل إلا إذا اعتبر بالمجرات الكبرى فلا يبعد أن تصل إلى السبع فيكون الأمر كذلك، وقد روي عن ابن عباس ما يدل على هذا، فقد جاء عنه: أن الأرضين السبع في كل واحدة منها آدم كآدمنا، وأن فيها شرائع ورسل كرسلنا.
وهذا الذي قاله ابن عباس إن كان قاله برأيه فالمقصود أنه أخذه من المثلية في قوله: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] ، ففهم ابن عباس من المثلية.
المثلية في الملك والجبروت، ولا يكون ذلك إلا بوجود هذه الجنود فيها.
لكن ظاهر الآيات أن الجنس البشري مقصود على هذه الأرض، وأن لله تعالى خلائق أخرى لا نعرفها ولا ينبغي لنا أن نعرفها في الأرضين الأخرى وفي غيرها، ولهذا حين استشكل المشركون وجود نبي من البشر في الأرض قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٥] ، فبين أن الرسل في هذه الأرض لا ينبغي أن يكونوا إلا من أهلها من البشر، إذ لو كان سكانها ملائكة لكان رسلهم من جنسهم، أي: لكان رسلهم ملائكة، وهكذا.
وعموماً هذا الخلاف فيما يتعلق بالأرضين لا نستطيع حسمه، وينبغي الوقوف عنده، ولا يتوسع الإنسان فيه؛ لأن العلم محصور، وليس لنا من العلم إلا الشيء القليل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] ، لكن الذي يجزم به ويقطع أن السماوات فوق كل هذه المخلوقات، وقد جعلها الله سقفاً محفوظاً، والله أخبر عن رفعه لها، وهذا الرفع لا يمكن أن يتصور مثله، ولذلك في المسافات وفي الارتفاع وفي الشرح ما جاء قياسها إلا بالسنوات، وهذا يدلنا على قضية السنوات الضوئية هذه وأهميتها في تقييم المسافات، فالرسول ﷺ يذكر السنوات في ذكر المسافة، كذكر خمسمائة عام في مسافة الانتقال إلى العلو، وكان هذا متشابهاً قبل أن تعرف السنة الضوئية، واليوم بالنسبة للمسافات لو كان النبي ﷺ ذكر للناس المسافات مثل مسافات الأرض لكانت المسافات التي تقطع اليوم في هذه المراكب أضعاف أضعاف ما يمكن أن يتصور في ذلك الوقت.
فإذاً: من إعجاز الخبر النبوي أنه لم يقوِّم المسافات في الارتفاع إلا بالسنوات، مع أن تقويم المسافات عند أهل ذلك الزمن كان بالمراحل أو بالوحدات مثل الأميال أو نحو ذلك، لكنه ﷺ ما حدد بهذا، وإنما حدده بالسنوات، والسنوات من وحدات الزمن وليست من وحدات المكان، والمسافات من وحدات المكان وليست من وحدات الزمان، فارتبطت وحدات الزمان بوحدات المكان ليصل هذا إلى حد الإعجاز.
стр. 212
أقسام الصفات واشتقاق الأسماء منها
السؤال
ما حكم إطلاق الألفاظ التي فيها تكريم على الله دون توقيف؟
الجواب
هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فقالوا: الصفة إما أن تقتضي نقصاً أو لا تقتضي نقصاً، وإما أن يرد بها نص أو لا يرد بها نص، فهذه أربعة أقسام من الصفات: القسم الأول: الصفات التي لا تقتضي نقصاً وورد بها النص، فهذه لا إشكال فيها إطلاقاً، مثل صفات الله الواردة في النصوص الشرعية.
القسم الثاني: الصفات التي قد توهم نقصاً، ولكنها ورد بها النص، فهذه تثبت وينزه الله عن ذلك النقص مثل قوله تعالى في الحديث القدسي: (جعت فلم تطعمني) ، وقد فسر ذلك وبين المقصود به، وهذه لا يُتعدى بها محل النص، ولا يجوز إطلاقها إلا في موضعها، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] ، ومثل قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ، فلا يُتعدى بها محلها، ولا يتجاوز بها نفس الآية أو الحديث الذي وردت فيه أبداً.
القسم الثالث: ما لا يقتضي نقصاً ولم يرد به النص، مثل صفات الكمال التي لم يرد بها النص، فهذه اختلف في إطلاقها، والراجح جواز إطلاقها؛ لدلالة عمومات المدح عليها؛ لأن الله امتدح نفسه بكل كمال، وامتدحه رسوله ﷺ بذلك، فهذا يقتضي وصفه بكل كمال نعبر نحن عنه.
القسم الرابع: ما يقتضي نقصاً ولم يرد به نص، فهذا لا يجوز إطلاقه بالكلية.
يبقى مسألة أخرى وهي: اشتقاق الأسماء من هذه الصفات، أما الأسماء التي جاء إطلاقها عن رسول الله ﷺ فهي توقيفية، وما ورد به النص من الأسماء فليس فيه شيء يقتضي نقصاً، وهذا لا نقاش فيه.
أما الصفات التي لا تقتضي نقصاً ولم يرد بها نص فقد اختلفت في استعمال الأسماء منها، مثل: المحسن، فالمحسن لم يرد به نص، وأنت قد تسمي ولدك مثلاً: عبد المحسن، أو عبد المتفضل، وهذا لم يرد به النص، فهل يجوز إطلاقه؟ الجواب: هذا محل خلاف بين أهل العلم: قالت طائفة من أهل العلم: يجوز أن تسمي عبد المحسن، ويجوز أن تطلق على الله أنه محسن؛ لأن كل من قام به وصف يجوز أن يشتق له منه اسم، والعكس أيضاً: من لم يقم به وصف لا يجوز أن يشتق له منه الاسم، ولذلك يقول الناظم: وغير من قام به وصف فلا يشتق منه اسم له من عقلا والسيوطي ﵀ ذكر أطراف هذه المسألة حيث قال: أسماؤه سبحانه موقفه ثالثها الاسم فقط دون الصفه ويكتفى بمرة والمصدر والفعل والظنون في المعتبر فأسماؤه سبحانه توقيفية، وهذا على القول بأن الأسماء والصفات توقيفية.
القول الثاني: أن الأسماء توقيفية بخلاف الصفات.
القول الثالث: أنها غير توقيفية مطلقاً لا الأسماء ولا الصفات، أي: أن كل وصف يقتضي كمالاً يجوز إطلاقه على الله، ويجوز أن يشتق له منه اسم كالمتفضل والمحسن.
هذه الأقوال الثلاثة اختصرها السيوطي ﵀ في قوله: أسماؤه سبحانه موقفه ثالثها الاسم فقط دون الصفه ثم قال بعد هذا في الصفات: ويكتفى بمرة، أي: لو جاء الاسم في حديث واحد من أخبار الآحاد أو الصفة في خبر واحد من أخبار الآحاد مرة واحدة فيكفي ذلك في إثباتها.
قوله: والمصدر، أي: كذلك إذا جاء المصدر فقط فإنك يجوز أن تشتق لله منه اسماً أو صفة لثبوته بالوحي.
وقوله: والفعل، أي: كذلك لو أطلق فعل على الله ولم يرد منه وصف فيجوز اشتقاق الوصف منه، وكثير مما نذكره من الصفات هنا إنما جاءت بلفظ الفعل أو المصدر كما في الحكم، فلم يأت اشتقاق الوصف منه إلا أحكم الحاكمين، وأحكم الحاكمين وصف من الحكم أو من الحكمة، لكنه أضيف إلى الحاكمين فكان ذلك يقتضي إثبات الصفة، وقد جاء بالفعل وجاء بالمصدر: جاء بالمصدر في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] ، وجاء الفعل في قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:١١٣] .
وقوله: والظنون، أي: أخبار الآحاد إذا وصلت إلى درجة المقبول بأن كانت صحيحة أو حسنة، فذلك كافٍ في الاحتجاج بها في إطلاق الصفات والأسماء على الله ، هذا هو القول الراجح.
стр. 213
حكم التأويل في النصوص الشرعية
السؤال
هل يصح أن يقال: إن ما جاء في النصوص من مثل: (مرضت فلم تعدني) ، من الصفات المؤولة؟
الجواب
نعم، ثبت تأويله بالنص، والتأويل ليس كله محظوراً، ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية القاعدة الثالثة في التأويل أن التأويل ليس منفياً مطلقاً ولا مثبتاً مطلقاً، بل منه ما هو مثبت، ومنه ما هو منفي.
والتأويل عند الأصوليين هو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يقتضيه، فاللفظ إذا جاء دليل شرعي يقتضي صرفه عن معناه الظاهر المتبادر يحمل عليه، هذا هو معنى المؤول عند الأصوليين، وهو التأويل الصحيح؛ لأن التأويل الصحيح لابد أن يكون بدليل، إذ التأويل من غير دليل تأويل باطل.
стр. 214
حدود الأرض
السؤال
ألا يكون القول بأن المجرات ومجموعتنا الشمسية تابعة للأرض يناقض كون الأرض من أصغر كواكب المجموعة؟
الجواب
لا يناقض ذلك؛ لأن الأرض لها إطلاقان: تطلق على هذا الكوكب الذي نحن عليه بيبسه وبلله، وتطلق على ما هو أكبر من ذلك، ولهذا فإن الجاذبية الأرضية تابعة للأرض ومساحتها مساحة قريبة من الأرض، مثلاً: حجاب الصوت لا يتجاوز خمسين ألف قدم تقريباً، والجاذبية تزيد على ذلك قليلاً، ويختفي من منطقة إلى أخرى، وما فوق الأرض من الأحجبة التي تحجبها عن أشعة الشمس ونحو ذلك من الطبقات الغازية يتبع الأرض، مثل طبقة الأوزون، ومثل الطبقات الأخرى التي تتبع الأرض، وهي معدودة.
ولذلك فإن الأهوية القريبة من الأرض مثل الأكسجين الذي نتنفس به وغيره هي تابعة للأرض قطعاً، ولهذا يجوز بيعها إذا تملكها الإنسان، فإذا ملكت أرضاً فيجوز أن تبيع الهواء الذي فوقها بأمتار معينة؛ فمن ملك أرضاً ملك هواءها، وما كان معدوماً لا يجوز بيعه، وما لم يكن من الأرض ليس لنا، والله تعالى يقول: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] ، فأنت تستطيع أن تبيع -مثلاً- عشرة أمتار فوق ثلاثين ألف قدم، ولهذا فناطحات السحاب الآن ما فوقها من الهواء تبع لها، ويملكه أهل الأرض، فلا يحجر عليهم فيما بنوه، فالسقوف فوق ذلك ملكهم، ولهذا نص الفقهاء على هذا، فمثلاً: يقول خليل ﵀: وجاز بيع عمود عليه بناء للبايع إن انتفت الإضاعة وأمن كسره ونقضه البائع، وهواء فوق هواء إن وصف البناء وغرز جذع في حائط وهو مضمون إلا أن يذكر مدة فإجازة تنفسخ بانهدامه.
فهذا يدلنا على أنها تابعة للأرض.
стр. 215
أقسام الطوائف الذين قاتلوا علياً ﵁ وموقف ابن عمر ﵁ من ذلك
السؤال
ما هو موقف ابن عمر ﵁ فيما حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم؟ وهل كان هذا الموقف متفقاً عليه أو كان محل خلاف؟
الجواب
كان محل خلاف؛ فالطائفتان المتقاتلتان كانتا تريان الخوض في الأمر والمناقشة فيه والمجادلة، ولذلك فإن علي بن أبي طالب ﵁ كان يستشهد الصحابة على أمر الرسول ﷺ له بمقاتلة الخوارج، وبمقاتلة الناكثين والخارجين والمارقين.
فهو يفهم ذلك على أن الناكثين هم: من خرج مع طلحة والزبير ﵄ وقد بايعوه، ورأى أنهم نكثوا بيعته.
والخارجين: يقصد به أهل الشام الذين خرجوا عن بيعته.
والمارقين: هم الخوارج الذين مرقوا من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.
فإذاً: هذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: الناكثون، وهم أهل حق لا غبار عليهم، بل أكثرهم من أهل الجنة مقطوع بذلك.
القسم الثاني: الخارجون، وهم طائفة باغية عليه، يعني: فئة باغية من أهل الإسلام ومن أهل الخير والصلاح، وفيهم من هو من أهل الجنة قطعاً أيضاً.
أما القسم الثالث: فهم المارقون.
فهو رأى قتال هذه الطوائف الثلاث، واستدل بأمر النبي ﷺ له، واستدل على الزبير بحديث: (تقاتله وأنت له ظالم) ، واستدل عليه أيضاً في قتال الخوارج بأنه قال: (بل يقتلهم خاصف النعل) ، فقد كان النبي ﷺ في طريق فانقطع شسع نعل علي ﵁، فجعل يخصف نعله، فذكر الرسول ﷺ الخوارج ومروقهم من الدين، وأن من قتلهم له أجر، وأن النبي ﷺ لو شهدهم لقتلهم كقتل عاد وإرم، فقال: (أأقتلهم؟ قال: بل يقتلهم خاصف النعل) ، يقصد بذلك علي بن أبي طالب ﵁، وهذا تشريف له، وكل واحد من الخلفاء الراشدين له ميزة اختص بها.
فمذهب ابن عمر ﵁ هو اعتزال القضية بالكلية، وهذا الذي رآه هو، ورآه أسامة بن زيد، ورآه سعد بن أبي وقاص، وغيرهم من كبار الصحابة رأوا هذا الرأي، لكن كان مع علي في رأيه ثمانمائة ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، وكلهم مقطوع بأنهم من أهل الجنة، ويجب الإيمان بأنهم من أهل الجنة.
وكان كذلك مع معاوية ﵁ عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم، وكان في أهل الجمل من هو مقطوع بأنه من أهل الجنة، كـ عائشة والزبير وطلحة، وكان في الفئة الأخرى مع علي ﵁ عدد مقطوع بأنهم من أهل الجنة.
فإذاً: لم تكن القضية محل اتفاق، لكن كان مذهب هؤلاء هو اعتزال الطائفتين، وقد استمر عليه ابن عمر حتى بعد هذا، حتى في معركة كربلاء، وكان إذا ذكرت له معركة كربلاء يقول: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦] ، ولا يخوض في أمرها، مع أنه نصح الحسين ﵁ ألا يتوجه إلى العراق.
وحين دخل على عائشة بعد الجمل قال: لوددت أنك ما خرجت، فقد كنت أعلم عاقبة الأمر.
فقال: لمَ لم تنصحني يا أبا عبد الرحمن؟! قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك.
يقصد: أن عبد الله بن الزبير غلبها على رأيها.
فـ ابن عمر كان يقدر هذه الظروف، ولذلك لم يبايع لأحد بعد بيعته لـ علي في المدينة إلى أن بايع عبد الملك بن مروان، وبيعته لـ عبد الملك مروية في صحيح البخاري، فإنه كتب إليه بذلك.
ولم يبايع معاوية ﵁، وحين طلب معاوية بيعة أهل المدينة من جديد امتنع ابن عمر عنها، وهكذا امتنع عبد الرحمن بن أبي بكر والحسين وعبد الله بن الزبير عن تلك البيعة من جديد.
стр. 216
العلاقة بين الإنس والخلائق الأخرى
السؤال
هذه الخلائق الأخرى التي جاءت بها النصوص كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] ، هل بينها من الألفة والتعارف مثل ما بين البشر؟ وهل تعرف أجناسها وأحوالها وقد حجب البشر والجن عن ذلك، أو ليس الأمر كذلك؟
الجواب
العلاقة بين الإنس والجن هي الموضحة بالنصوص؛ فإن الجن يروننا من حيث لا نراهم، وقد حرمنا رؤيتهم على الوجه الذي هم عليه على الحقيقة، ولا يقتضي ذلك حرماننا من رؤيتهم مطلقاً، وهم يروننا وليس معناه أنهم يروننا مطلقاً، بل قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] ، أي: من غير الجهة التي ترونهم منها.
والجن على هذا في الدنيا يطلعون على كثير من أمور الإنس، ويذكر أن في يوم القيامة يراهم الإنس وهم لا يرون الإنس، فينعكس الأمر، يذكر هذا عن بعض الصحابة وبعض السلف.
وقد جاء أن الخلائق الأخرى تشعر بأشياء لا يشعر بها الإنس والجن، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خير أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه أرسل إليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مطرقة مصيخة من طلوع فجره إلى طلوع شمسه تنتظر الساعة إلا الإنس والجن) ، وكذلك في حديث أسماء في الصحيحين في عذاب القبر: (أن الملكين يضربانه بمزربة معهما، وفي الرواية الأخرى: يضربانه بمطارق بين فوديه أو بين قرنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الإنس والجن) ، قوله: (من يليه) يمكن أن يكون من الملائكة والأشجار وهذه الأنواع أيضاً التي نجهلها.
لكن مع هذا فيتصور أن بعض ما اكتشف منها ليس له ذلك العلم، فمثلاً: اكتشف الآن الميكروبات والجراثيم ونحوها من عجائب الخلق، وهذه يرى بعض أهل العلم أنها داخلة في الجن، وأنها فصائل من الجن؛ لأن لها بعض أوصاف الجن؛ قالوا: لأن فيها التكاثر والضرر على الإنسان، ولزوم الأقذار والأوساخ، وأنها تجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذه من خصائص الجن، وكلها تحصل في الميكروبات، فهي خصائص ثابتة بالنص للجن، وهي حاصلة في هذه الأجناس، ومع ذلك هي حيوية فعلاً وفيها حياة، وبالأخص بعض الميكروبات الضارة جداً التي تجري من ابن آدم مجرى الدم، ولها تمييز في أماكن الضعف.
ونحن نراها، لكن لا نراها بالعين المجردة، فيمكن أن نراها بوسائل خاصة، ومثل هذا قد ينطبق على الجن، فالله سبحانه لم يقل: لا ترونهم مطلقاً، إنما قال: ﴿يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] ، فيمكن أن يكتشف في المستقبل مجاهر يرى بها الجن أيضاً، ولا مانع من هذا، لكن لا يرون من الجهة التي يروننا منها.
فلذلك هذه المخلوقات العجيبة والذرات الكونية المتحركة فيها ذرات تتحرك دائماً، وهذه الحركة هي عبارة عن حياة وإن لم يكن فيها نماء ولا زيادة.
فمثلاً (الكوارتز) هذه في حركة دائمة، ويقال: إن الجبال أيضاً في داخلها حركة دائماً، وكذلك البراكين فيها حركة دائمة، سواءً كانت في يبس أو كانت في بلل، فالبراكين نوعان: براكين صخرية، وهي التي في اليبس، وحركتها أنك تشعر بغازيتها وبالحيوية فيها، ولذلك يزداد نشاطها في بعض الأزمنة ويخف، ومن البراكين ما ينشط في وقت معين ويخف نشاطه في وقت آخر.
والبراكين البحرية كذلك مثل بركان باسيد هذا الذي يطلق على البركان الكبير الأعظم في الدنيا الذي يوجد في المحيط الأطلسي؛ فإنه أكبر بركان في الدنيا، وهو إلى الآن لازالت النار تشتعل فيه، وله نفق في البحر تمشي فيه النار يميناً وشمالاً، ولا تتأثر به الكائنات الحية الموجودة في البحر، وقد أطلق عليه الأمريكان اسم باسيد، وهذا الاسم يرتبط بأسطورة قديمة لدى اليونانيين حين يطلقون باسيد على إله البحر كما يسمونه، فهو إطلاق خرافي من الإطلاقات الشركية اليونانية القديمة.
стр. 217
الفرق بين علم الظهور والعلم المتجدد
السؤال
ما معنى ذكر علم الله بعد الابتلاء ونحوه؟
الجواب
يقول الله في القرآن الكريم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٢] ، ويقول سبحانه: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨] ، ونحو ذلك.
والمقصود بذلك: ظهور ذلك وخروجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وليس المقصود تجدد العلم.
فالعلم هنا يطلق على إطلاقين: يطلق على علم الله به، وهذا يستوي فيه عالم الغيب والشهادة.
ويطلق على علم المخلوقات به، وهذا يختص بعالم الشهادة فقط.
فما دام الشيء في عالم الغيب فإن الله يعلمه ولا تعلمه المخلوقات، لكن إذا ظهر إلى عالم الشهادة علمه من أراد الله له أن يعلمه من المخلوقات، وقد قرئ في القراءات الشاذة: ﴿لِيُعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٨] ، فإذا قرأت: ((لِيُعْلَمَ)) [الجن:٢٨] ، فما معنى الآية؟ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] ، أي: بالإرهاصات التي تسبق بعثته، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الجن:٢٧] ، أي: بالمعجزات التي يشهدها، ﴿رَصَدًا﴾ [الجن:٢٧] ، ﴿لِيُعْلَمَ﴾ [الجن:٢٨] ، معناه: ليعلم الناس ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا﴾ [الجن:٢٨] ، أي: أن قد أبلغ الرسل رسالات ربهم.
وعلى هذا فالمعجزات ربما يعلم فيها النبي بعض الغيب ويخبر به، لكن عن طريق الوحي، فيكون ذلك معجزة، فقوله: ﴿لِيُعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٨] ، أي: ليعلم الناس أنهم لم يأتوا بهذا من تلقاء أنفسهم، وإنما أخبروا عن ربهم؛ لأنه قد قامت المعجزة حجة على ذلك.
стр. 218
إخبار المتقدمين يوم القيامة بالمكتشفات العلمية
السؤال
ما يتجدد من الاكتشافات العلمية ونحوها، هل يخبر بها الناس يوم القيامة حتى يستوي في علمها المتقدمون والمتأخرون، أم تبقى حكراً على المتأخرين الذين عرفوها في الدنيا ولا يعلم بها من مضى؟
الجواب
أن هذا راجع لتقسيم الأرزاق، فالله يكتب لكل طائفة من الرزق ما يشاء لها، وكل قوم يقدر لهم من الرزق ما يتناسب معهم، ولذا فقد تجدد من الأرزاق وأنواع المعاشات والسكن واللباس والمراكب وغير ذلك ما حرمه السابقون، وفي الجنة يعوض الجميع خيراً مما كانوا فيه، حتى الذين نعموا بأرقى أنواع المعاش إذا دخلوا الجنة كأن لم ينالوا أي شيء مما يحبونه.
وبالنسبة لمجرد إطلاعهم على هذه الأمور لم يرد به نص، فالأصل عدم ذلك، لكن يبدو أن بعض الرسل قد أخبروا بشيء من هذه الأمور، ولذلك جاءت كثير من نصوص الوحي تدل على بعض الإعجاز العلمي الحالي، وعلى كثير من الأمور التي لم تكن تعرف في الزمان الأول وهي من الإعجاز العلمي الموجود، مثل: عدد مفاصل الإنسان، هذا لا يمكن أن يعرف في القديم، وقد عرف بالوحي، ومثل: الإخبار بالظلمات التي في البحر، قال تعالى: ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠] ، وهذا كان سبباً لإسلام أحد العلماء الكبار؛ لأنه درس البيئة التي عاش فيها النبي ﷺ وهذا لم يكن موجوداً فيها؛ إنما هو في القطبين الشمالي والجنوبي، ولم يقصدهما قطعاً، ولا علم له بهما، وقد نزل الوحي بهذا.
فإن هذا الظلام الدائم في هذا المكان هو في القطب الشمالي حيث يمكث ستة أشهر كاملة لا تطلع عليه الشمس بسبب الغيوم المتراكمة، وهكذا أيضاً نفس الشيء في القطب الجنوبي.
والإعجاز العلمي في هذا كثير جداً لا حصر له، وكثير منه بدأ الناس اليوم يكتشفونه ويظنونه مكتشفاً جديداً، ويكون قد جاء بالوحي، مثل العلاجات النبوية بالعسل وغيره، ونحو ذلك.
وتطاول الناس في البنيان هذا ما عرف في العصور القديمة، إنما عرف في زماننا هذا، والتطاول معناه أن يقول المتطاول: هذا أكبر مني داراً فلابد أن أطيل داري، وهكذا، قال ﷺ في ذكر أمارات الساعة: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) .
وكذلك الإخبار ببعض ما سيحصل من التطور الحضاري في بعض الأماكن بخصوصها، مثل فتح العراق، واليمن، والشام، حيث أخبر بها الرسول ﷺ وبما سيقع من أمور ستحصل، وأخبر أيضاً عن أمور غيبية في المدينة وفي مكة وفي غيرهما، كقوله ﷺ : (إذا رأيت بنيان مكة يطاول جبالها فاعلم أن الأمر قد أظلك) ، وفي الحديث الآخر: (إذا تبعجت بطون مكة كظائم فاعلم أن الأمر قد أظلك) وهذه الأمور قد حصلت الآن.
السؤال: ومعنى الحديث: إذا تبعجت بطون مكة كظائم: أن مكة كانت وادياً غير ذي زرع كما وصفها الله بذلك في قوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧] ، فلم يكن الناس يزرعون فيها ولا يحرثون، فإذا كانت بطونها وأوديتها كظائم معناه: جنات ومزارع، (فاعلم أن الأمر قد أظلك) ، أي: أن الساعة قد اقتربت.
стр. 219
أجساد الأنبياء لا تبلى
السؤال
ما معنى (أرمت) في حديث: (وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت) ؟
الجواب
الرمم: جمع رمة، والرمة تطلق على القبر، وتطلق على العظام الرميمة، أي: المتفتتة، فمن إطلاق الرمة على القبر قول توبة بن الحمير: ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ومن بين رمسينا من الأرض سبسب لظل صدى صوتي وإن كنت رمة لصوت صدى ليلى يهش ويطرب فقوله: وإن كنت رمة، معناه: قبراً، ومن ذلك ما جاء في الحديث: (وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟) ، قال ﷺ : (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) .
فقولهم: (وقد أرمت) معناه: أنهم كانوا يظنون أن كل ميت تأكل الأرض جسده، ولكنه بين لهم أن الأنبياء لا يدخلون في ذلك، ومثلهم الشهداء، قد اختلف في الشهداء: هل الشهداء كلهم كذلك أو يختص هذا بمن جاء النص فيه؟ فقالت طائفة من أهل العلم: جميع الشهداء لا تأكلهم الأرض أصلاً.
وقالت طائفة: ويشمل ذلك العلماء أيضاً.
وقالت طائفة: ويشمل حملة القرآن.
وقالت طائفة: ويشمل المؤذنين، وهذا كله مبناه على التجارب، فقد جرب حصول ذلك، فبعض العلماء نبشت قبورهم بعد فترة طويلة ووجدت أجسامهم كما هي، وقد حصل هذا لشهداء أحد، فقد نبش معاوية ﵁ بعضهم عندما أراد إجراء العين التي بجوار أحد إلى المدينة، فأمر بستة عشر من الأنصار من شهداء أحد فاستخرجهم، وكان ذلك بعد ست وأربعين سنة من دفنهم.
وكذلك أخرج السيل جثث أربعة شهداء من المهاجرين وهم: حمزة بن عبد المطلب، وابن أخته عبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، ومصعب بن عمير أخرجهم السيل في عام ستمائة وأربعين من الهجرة فوجدوا كما هم، ولذلك هم اليوم في المكان المعروف وحدهم من شهداء أحد، ولا يقطع بأحد أنه من شهداء أحد غير المهاجرين الأربعة، وكل اثنين في قبر؛ لأنهم دفنوا في الستمائة وأربعين.
والله أعلم، وصلى الله عليه نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.