← Акыда

Акыда · id 7699

سلسلة الأسماء والصفات

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (219 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إثبات صفة الكلام لله وهذه الكتب كلها من كلام الله، وقد أثبتنا له صفة الكلام من قبل، وهذا زائد على ذلك، فمجرد إثبات صفة الكلام الذي سبق معنا يشمل الكلام التشريعي والكلام القدري الكوني، ولكن تخصيص الكتب بأنها كلام الله مهم هنا، فلذلك احتجنا إلى التصريح به. قال: (من كلامه جل) ، أي: هي من كلام الله بأي لغة كانت، وكل رسول إنما يرسل بلغة قومه كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] ، فيكلمه الله تعالى بلسان قومه، وهذه الكتب من كلام الله ، تكلم بها كما يليق بجلاله.

стр. 177

الكلام على اصطلاح الكلام النفسي عند الأشعري ومن وافقه وهنا مسألة البحث التي كثر الكلام فيها، وقد أشرنا إليها من قبل، وهي أن المعطلة من الجهمية والمعتزلة اتفقوا على إثبات الكلام لله، وهذا يتفق عليه جميع أهل السنة على مختلف مذاهبهم، فإنهم يتفقون على إثبات صفة الكلام لله، ولكنهم اختلفوا في إثبات الكلام النفسي، والكلام النفسي معناه: الكلام المنسوب إلى النفس، وليس معناه حديث النفس، كما يفهمه بعض الناس، فبعض الناس إذا سمع (الكلام النفسي) ظن أن معناه: حديث النفس الذي هو درجة من درجات اليقين، وهذا غير صحيح، بل الكلام النفسي معناه: الكلام الذي هو غير ملفوظ به، بل القدرة على الكلام، أي: أن يكون أحد قادراً على الكلام، فهذا هو الكلام النفسي. وتسميته بهذا نسبة إلى النفس، بخلاف تكليم المخلوق فإنه ليس كلاماً للنفس. ولذلك غلط أصحاب وحدة الوجود في هذا الباب، فجعلوا كل كلام منسوب إلى الله؛ لأنه خلقه، حتى قال ابن عربي الحاتمي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وهذا غلط فادح؛ لأن كل كلام في الوجود من خلقه، إلا كلامه الذي تكلم به فهو كلامه لا خلق من خلقه. فهناك فرق بين كلامه وبين خلقه، كما سبق. والكلام النفسي إذا فسرناه بأن معناه: القدرة على التكلم متى شاء بما شاء، فلا مشاحاة فيه، وينبغي ألا يكون محلاً للخلاف، لكن اختلف أهل الاصطلاح في تسميته بذلك، فذهب الأشعري والماتريدي وابن كلاب إلى تسميته بالكلام النفسي، وسلك هذه الطريقة جمهور العلماء من الأصوليين والمتكلمين وغيرهم. وأنكر هذا الاصطلاح شيخ الإسلام ابن تيمية. وأظن ذلك راجعاً إلى تصور معنى الكلام النفسي؛ لأن من أنكره كأنه تصور أن معناه: حديث النفس فقط، وإلا فلا يمكن أن يخفى على شيخ الإسلام ابن تيمية أن الله قادر على الكلام متى شاء، وأن علمه يحيط بكل شيء، لا يمكن أن يخفى هذا عليه، ولذلك حين وصل إلى هذه النقطة سماها باصطلاح آخر، فقال: كلام الله قديم النوع محدث الآحاد أو الأفراد. والنوع مقصوده به: الكلام النفسي، لكنه سماه النوع، وهذا الاصطلاح الذي أطلقه شيخ الإسلام ابن تيمية اصطلاح بعيد جداً؛ لأن النوع لا تصور له في الخارج إلا بأفراده، فمثلاً: الإنسان نوع من أنواع الحيوان، وهل يمكن أن يكون إنسان موجوداً ليس من البشر المعروفين، لا ذكراً ولا أنثى ولا خنثى؟ لا يمكن أن يقع هذا أبداً؛ لأن الإنسان إنما يتصور بفلان أو فلانة مثلاً، فلا يفصل بين مفهوم النوع وما صدقه فمفهومه تفسيره، وما صدقه أفراده. فلا يمكن أن تكون الأفراد محدثة ويكون النوع قديماً أو العكس؛ لأن النوع إنما يتجلى في أفراده، وكذلك الجنس.

стр. 178

معنى قول الأشعري: الكلام اللفظي ليس صفة لله أما الكلام اللفظي -وهو الشق الثاني من شقي الكلام- فإن الأشعري ﵀ ذكر أن الكلام اللفظي ليس صفة الله، بل قال: القرآن فيه صفة الله وصفة عدو الله، وضرب لذلك أمثلة: فمن صفات الله في القرآن: قول الله تعالى: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١-٢] ، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٥-١٦] ، وغير ذلك من الصفات. وفيه صفة عدو الله، كقول الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الجاثية:٧] ، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر:١١-١٦] ، فهذه صفة عدو الله. لكن لم يفهم كلامه هذا عدل على الصحيح، فتلقفه أصحابه من غير فهم، فظنوا أنه يقصد أن الكلام اللفظي ليس كلام الله، وهو لم ينف أن يكون كلام الله، إنما نفى أن يكون صفة الله، وشتان بين الأمرين، فظنوا أنه يقصد أن هذا الكلام اللفظي ليس من كلام الله، وأن إطلاق الكلام عليه مجاز، وأن المقصود به لازمه، فيقولون: معنى كون القرآن كلام الله: أنه دال على كلام الله، أو دال على مدلول كلام الله، فقد يكون دالاً على كلام الله مباشرة بأن يكون الكلام منسوباً إلى الله ، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١] ، أو على مدلول كلام الله، كما إذا كان الكلام محكياً، كقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] ، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] ، فالكلام المحكي هنا ليس من كلام الله، لكن كلام الله دل عليه، بمعنى: استوعبه. والبحث هنا ينبغي فيه التدقيق؛ حيث نقول: إن الكلام اللفظي كلام الله تكلم الله به، وضمنه كلام من شاء من خلقه، فحكى ذلك الكلام عن خلقه، لكنه في حكايته لكلام الخلق إن كان الكلام مرضياً عنده أدرجه دون أن ينسبه لغيره، وإن كان الكلام غير مرضي عنده نسبه إلى قائله؛ ليدل بذلك على أنه ليس من كلام الله، وليس مرضياً عنده. فإن كان مرضياً عنده أدرجه في كلامه، كقول الله تعالى في سورة مريم عندما حكى كلام الملائكة ﵈: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا * جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا * وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٥٩-٦٤] ، معناه: وتقول الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا * وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٢-٦٧] . وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ﴾ [مريم:٦٦] ، حين لم يكن كلام الإنسان مرضياً صرح بنسبته إلى الإنسان، ولما كان كلام الملائكة مرضياً عند الله لم ينسبه إليهم، فلم يقل: وتقول الملائكة كما قال: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ﴾ [مريم:٦٦] ، ونظير هذا كثير في القرآن، فكثيراً ما يأتي اللفظ المرضي عند الله تعالى دون نسبة. وقد يوقع بعض المفسرين ذلك في اختلاف، فمثلاً: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ، اختلفوا فيه هل هو من الكلام المحكي عن امرأة العزيز أو ليس كذلك؟ لأنه محفوف بكلامها من قبله ومن بعده, فقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف:٥٣] ، هذا من كلامها (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) هذا تقرير من الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣] ، هذا أيضاً من كلامها. وكذلك قوله تعالى حكاية عن ملكة سبأ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل:٣٤] ، فقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) تصديق من الله تعالى لكلامها المحكي.

стр. 179

الرد على المؤولين لكلام الله فهذا الكلام كله كلام الله، وعلى هذا فهو كلامه بالحقيقة لا بالمجاز، وهذا الذي يقول فيه السيوطي ﵀: كلامه القرآن ليس يخلق وهو بلا تجوز ما تنطق ألسننا به وفي المصاحف خط ومحفوظ بصدر العارف فالذي تنطق ألسنتنا به وهو مكتوب في مصاحفنا ومحفوظ في صدورنا هو كلام الله على الحقيقة لا على المجاز، وهو الكلام الذي تكلم الله به. وأما المتأولة فإنهم غلطوا في ذلك فاختلفوا فيه، وهذا الخلاف هو الذي أشار إليه الشيخ هنا إشارة عابرة؛ لأنه لا يريد أن يذكر أقوال الفرق، لكن أراد الرد عليها فقط بلطف، فقال: فذر قولهم القرآن قد دل على الـ كلام أو على الذي الكلام دل قوله: (فذر) معناه: اترك. وقوله: (قولهم) أي قول المتأولين من المتكلمين، (القرآن قد دل على الكلام) أي: أنهم يزعمون أن القرآن قد دل على الكلام، ويرون أن الكلام المقصود به الكلام النفسي الذي لا لحن فيه ولا إعراب ولا تقديم ولا تأخير. والقرآن على هذا يكون جميعاً بمعنىً واحد؛ لأنه لو كان دالاً على صفة واحدة من صفات الله لما اختلف؛ لأن الصفة لا تختلف، ولو كان كذلك أيضاً لكان معنى كل كلمة من القرآن هو معنى الكلمة التي بعدها، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] هو معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، ويكون هو معنى قوله: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ، وهذا مستحيل، فلا يمكن أن يكون هذا الكلام الذي فيه الخبر والوعد والوعيد والأمر والنهي والقصص تعبيراً عن صفة واحدة، ولا ترجمة لصفة واحدة، ولو كان كذلك أيضاً لكان القرآن والتوراة والإنجيل والزبور معناها واحد. ولهذا فإنهم يغلطون في هذا الباب فيقولون: يعبر عنه بالعبرانية فيكون توراة، وبالسريانية فيكون إنجيلاً، وبالعربية فيكون قرآناً. وهذا خطأ بالكلية؛ فشتان بين التوراة والإنجيل من حيث التقسيم والأحكام، وشتان بينهما وبين القرآن من حيث المعاني والأحكام والإعجاز والترتيب وغير ذلك. وهذا المعنى هو الذي نظمه أحدهم بقوله: تلاوة له دلتنا مطابقة على معاني كلام غير أصوات وأول الناس قولاً جاء عن سلف بأن ذلك من حذف الإضافات عنوا بـ (دل على الكلام) دل على مدلوله فاشتروا حذفاً بإثبات قلت ومن يشو بيت الشنفرى خرق يخط الخمائل من غض الكنايات قوله: (تلاوة له) أي: نطقنا نحن به. وقوله: (دلتنا مطابقة على معاني كلام غير أصوات) ، أي: أن هذا اللفظ يدل على معانٍ وراءه، وهذا لا نختلف فيه. وقوله: (وأول الناس) يقصد المتكلمين ممن هم على مذهبه هو. وقوله: (قولاً جاء عن سلف) أي: مذهب السلف في القرآن كلام الله. وقوله: (بأن ذلك من حذف الإضافات) ، أي: أنه من حذف المضاف، ومعناه: أن القرآن معنى كلام الله، أو مدلول كلام الله. وقوله: (عنوا بدل على الكلام دل على مدلوله فاشتروا حذفاً بإثبات) أي: وضعوا الحذف مكان الإثبات. وقوله: (قلت ومن يشو بيت الشنفرى خرق يخط الخمائل من غض الكنايات) أشوى الصيد بمعنى: أصابه على الشوى، والشوى: الطرف، والصيد إذا أصيب في شواه لم يتأثر ولم يصطد. والشنفرى هو الشاعر المعروف، والبيت المشار إليه بقوله: (خرق) أي: الذي فيه هذه الكلمة وهو قوله: ولا خرق هيق كأن فؤاده يظل به المكاء يعلو ويسفل فهذا من باب الكناية؛ لأن المقصود (ولا خرق هيق كأن فؤاده) أي: قلبه. وقوله: (يظل به المكاء يعلو ويسفل) أي: يظل يرتجف كأن طائراً يمسك بقلبه فيصعد به وينزل، وليس المقصود أن الطائر فعلاً يحمل قلبه ويصعد به وينزل، بل المقصود: أن قلبه مندهش يتقلب، فهو خائف غاية الخوف، لكن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن مبناه على المبالغة في صفة المخالفة؛ لأنهم فهموا الكلام على أنه مثل كلام المخلوق تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فاضطروا لأن يأولوه، ونحن نعلم أن كلام الله يليق بجلاله، وأنه أثبته لنفسه، وأنه كلامه، فلا داعي لكل هذا التأول، ولذلك قال: (قولهم القرآن قد دل على الـ كلام أو على الذي الكلام دل) ومعناه: هو على الذي دل الكلام عليه.

стр. 180

كلام الله حروف وأصوات لائقة بجلاله قال: [بل الحروف والمعاني وردا والله بالصوت يكلم غدا] وقوله: (بل بالحروف والمعاني ورد) ، أي: بل القرآن نزل من عند الله بالحروف وبالمعاني، فكل ذلك كلام الله، حروفه من كلام الله ومعانيه من كلام الله. والذي يحذرونه هو نسبة الأصوات إلى الله؛ لأنهم يظنون أن الصوت مثل صوت المخلوق، وأنه عرض يحل بالجسم، ويقولون: لا يحل الصوت إلا في جسم مجوف، وهذا إنما محله في الجسم الحادث، أما الصوت المنسوب إلى الله فعلى ما يليق بجلاله، ولا يشبه أصوات المخلوقين، فلهذا قال: (والله بالصوت يكلم غدا) . وصفة الصوت أيضاً ثابتة في حديث آدم: (إن الله ينادي آدم، فيناديه بصوت: أخرج بعث النار، فيقول: يا رب! من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك يوم ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] ) . والمقصود بالصوت هنا: كلام الله على ما يليق بجلاله، لا يشبه أصوات المخلوقين، ولا تشبهه أصوات المخلوقين. وقوله: (يكلم غداً) ، أي: يوم القيامة يكلم آدم بصوت. ثم قال: [ولا تقل ذا الصوت عن تموج هواء أو تخلل فيه يجي أو حرفه كيفية تحدث له بالضغط جل الله أن نمثله] بالنسبة للصوت يجب الإيمان به كما أخبر الرسول ﷺ ، وأن نعلم أنه على ما يليق بجلاله، وأنه منزه عن أن يكون مشبهاً لأصوات المخلوقين. وإذا ثبتت الصفة لله فإننا نعلم أنها صفة كمال، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين التي هي صفات نقص وعجز، فإن صفات المخلوقين ناشئة عن عجز، وأصواتهم إنما أخرجوها لأنهم يحتاجون إليها، والله لا يحتاج إلى شيء؛ فهو الغني الحميد، ولذلك قال: (ولا تقل ذا الصوت) أي: الصوت الذي يخاطب الله به آدم يوم القيامة. وقوله: (عن تموج هواء) أي: لا تقل هذا؛ لأن هذا إنما هو في صوت المخلوق فقط. وقوله: (أو تخلل فيه يجي) أي: تخلل في الهواء يجيء ذلك الصوت منه كحال أصوات المخلوقين، فإن أصوات المخلوقين إنما هي الهواء المنطلق من الرئة، فيضغط عليه في مكان معين فيخرج صوت. وقوله: (أو حرفه كيفية تحدث له) ، كذلك لا تقل: إن الحروف كيفيات تحدث له؛ فهو منزه عن الغِيَر فلا يمكن أن تحل به الحوادث والآفات، فلذلك كانت الحروف التي أنزل بها القرآن والتي تشكل منها كقوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١-٢] ، ونحو ذلك، فهذه الحروف نسبتها إلى الله ليست مثل نسبتها إلى المخلوق، فالمخلوق إنما ينطق بالحروف على كيفية تحدث له بالنطق، والله مخالف للمخلوق، فحرفه وكلامه على حسب ما يليق بجلاله وعظمته مما هو مخالف لحال خلقه. وقوله: (تحدث له بالضغط) أي: بالضغط على الهواء في مكان معين حتى يخرج الحرف، فهذا للمخلوق لا للخالق.

стр. 181

كلام الله غير مخلوق وصوت قارئه مخلوق قال الشيخ حفظه الله: [بقارئ في صوته أو حرفه كل وما لاق به من وصفه] جل الله أن نمثله بقارئ في صوته أو حرفه، فقارئ كلام الله ليس هو المتكلم الأول بالكلام، وليس كلامه كتكلم المتكلم الأول بالكلام، بل القارئ يتكلم على حسب حاله وما يليق به، والخالق كلامه على حسب ما يليق بجلاله وعظمته، فلا يمكن تمثيله به ولا تشبيه أي شيء من صفاته بشيء من صفات المخلوقين كما هو الحال في ذاته كما سبق؛ لذلك قال: (بقارئ في صوته أو حرفه كل وما لاق به من وصفه) كل من الخالق والمخلوق كما لاق به من وصفه، فصوت المخلوق وحرفه من صفات المخلوقين على ما يليق بهم، وصوت الله وكلامه على ما يليق بجلاله وعظمته. [فنحن حين ننشد الآن قفا نبك وقد أودى بمنشيها العفا لسنا بمجتري هواء نفثه أو محدثين عين ما قد أحدثه] هذا مثال يبين الأمر جداً؛ فإذا كان الاختلاف بين كلام المخلوقين بهذه المنزلة، فكيف بالاختلاف بين كلام الخالق والمخلوق! فالمخلوقون يتكلمون وكلامهم متفاوت بشكل عجيب! فأصوات الفيل لا تشبه أصوات الإنسان، بل هي متنافية معه، وأصوات بعض الناس لا تشبه أصوات بعضهم، فبعض الناس خشن الصوت وبعضهم مليح الصوت، وبعضهم مرتفع الصوت وبعضهم منخفضه، وبعضهم رخيم الصوت وبعضهم أبح، فأنواع الناس في الكلام متباينة، وأصواتهم متفاوتة، وإذا كان المخلوق لا يشبه المخلوق في الصوت، فكيف يشبه بكلام الخالق أو بصوته؟! مثَّل هنا مثالاً فقال: من قرأ قصيدة قالها شاعر سابق، هل معناه أنه يأخذ الهواء الذي نفثه ذلك الشاعر، فيسكنه هو في رئته ثم يضغط عليه كما ضغط عليه الشاعر حتى يخرج الصوت كما هو؟! الجواب لا، فنحن حين ننشد الآن قصيدة امرئ القيس التي قالها قبل مولد النبي ﷺ بمائة عام: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل لا نأخذ الهواء الذي نفثه ونعيده كما فعل هو ومعنى (أودى) : أهلك، (منشيها) أي: امرئ القيس الذي أنشأها، (العفاء) : وهو التغير والانعدام. (لسنا بمجتري هواء نفثه) أي: حين ننشدها، فليس معنى أننا نحاكيه بإنشاده أن نأخذ الهواء الذي نفثه ونعيده نحن حتى نخرجه مرة أخرى كما أخرجه هو. (أو محدثين عين ما قد أحدثه) أي: ولسنا أيضاً محدثين عين ما قد أحدثه هو بالضغط على نفس الطريقة كما ضغط هو. [وذاك من كيفية إن صرفه ما بين حلق ولهاة وشفه] (من كيفيةٍ إن صرفه) معناه: حين صرف ذلك الهواء (ما بين حلق ولهاة وشفه) : وهذه هي أصول مخارج الحروف، فإذا كان الفرق واضحاً فيما بيننا، فكيف يكون الفرق بين صفاتنا وصفات الخالق ؟! ونحن نعلم أن ضرب الأمثلة لله منهي عنه بقول الله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤] ، ولكن ضرب المثل المنهي عنه هو: القياس المثلي. وأما قياس الأولى: فيجوز ضربه له؛ لأنه ضربه لنفسه في عدد من الآيات كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [الزمر:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل:٧١] فهذا يقتضي جواز هذا النوع من الأقيسة وهو قياس الأولى لا قياس المماثلة، فلذلك قال: (لا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) ، فهذا ممنوع في قياس المماثلة، لكنه يجوز في قياس الأولى. (ولا تصغوا لمن عطل أو من مثل) (لا تصغوا) من صغى بمعنى: مال، (لمن عطل) صفات الله أو أسماءه، ومعناه: نفى معانيها وجعلها ألفاظاً لا تدل على شيء، فهؤلاء هم المعطلة، (أو من مثل) وهم المشبهة الذين شبهوه بخلقه وضربوا له مثلاً على وجه المماثلة سواء صرحوا بذلك أو نفوه؛ لأن المعطلة أيضاً مشبهة من وجه آخر، فالمعطلة يشبهونه بالمعدومات، والممثلة يشبهونه بالموجودات، وكلا الأمرين فيه تشبيه في الواقع، لكن هؤلاء تشبيههم منفي، وهؤلاء تشبيههم مثبت، والجميع منهي عنه؛ فلذلك قال: (ولا تصغوا لمن عطل) فشبهه تشبيهاً بالنفي الذي ليس فيه أي تنزيه ولا أي إثبات لصفات الكمال، (أو من مثل) حيث شبهه بخلقه تعالى الله عن ذلك، فكلاهما زالق في هذا الباب.

стр. 182

صفة التكليم من الله سعادة للكليم [كلم موسى بكلامه اتخذ خليلاً إبراهيم مَن أوَّل شذ] يقول: إن أبلغ الأدلة على أن الكلام اللفظي كلام الله وليس دلالة على كلام الله أو دلالة على ما يدل عليه كلام الله: أنه كلم موسى بكلامه، فهذا الكلام قطعاً صفة ذاته لا خلق من خلقه؛ فلذلك قال: (كلم موسى بكلامه) وقد صرح بذلك في كتابه فقال سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] وهذا تشريف وتفضيل لموسى ﵇ حيث اجتباه الله برسالاته وبكلامه، وهذا الاجتباء قال أهل العلم: يحصل للإنسان به من الشرف الدنيوي سعادة الدنيا؛ لأن سعادة الآخرة: هي إدراك الإنسان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وسعادة الدنيا: هي منتهى اللذة بحيث تنقطع عنه كل آلامه، ويصل إلى أقصى آماله، فهذا يحصل بتكليم الله . لكن قالوا: إن أهل الإيمان من أتباع محمد ﷺ إذا قرءوا القرآن بتدبر وصلوا إلى هذه السعادة، فإنهم يعلمون أن الله يخاطبهم فيقول: (يا أيها الذين آمنوا) فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله بيديك، فيشعرون أن الله يخاطبهم وأنهم داخلون في ذلك، وإذا سمع أحدهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] يقول: لبيك اللهم لبيك! ويعلم أنه داخل في هذا الخطاب وأن الله وجه إليه هذا الكلام، فينال في ذلك لذة وسعادة عجيبة تقضي على كل شيء بعلمه أن الله يخاطبه ويكلمه. فالمزية التي يغبط عليها موسى ﵇: أن الله كلمه، ويحصل المؤمن على مستوى منها حين يعلم أنه داخل في خطاب الله له حين كلمه.

стр. 183

إثبات صفة الخلة لله ثم قال: (اتخذ خليلاً إبراهيم) : وهذه صفة أخرى وهي اتخاذ إبراهيم خليلاً، وقد أثبتها الله لنفسه في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء:١٢٥] . وهذا تشريف عظيم لإبراهيم ﵇ حيث اتخذه الله خليلاً، فخالط قلبه حب الله فتخلله حتى لم يبقِ فيه محلاً لشيء آخر. ومعنى الخلة: أن تتخلل المحبة القلب حتى لا تدع فيه محلاً لأي شيء آخر، فإبراهيم قد ملأ قلبه حبُّ الله فلم يبقَ فيه محل لولد ولا أهل ولا وطن ولا أي شيء آخر، فخرج عن أقاربه جميعاً متجهاً إلى الله، وهاجر في ذات الله ، وقال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦] ، وترك أمته وولده بمكة في واد غير ذي زرع، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا. ولما أوحي إليه بذبح ولده قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] ، فلم يُبقِ في قلبه مكاناً لمحبة أي شيء غير محبة الله ، فاستحق بذلك جائزة كبرى هي: الخلة، فاصطفاه الله من خلقه خليلاً. وهذه الخلة أيضاً أعطاها الله محمداً ﷺ ، فقد اتخذه الله خليلا، فقد ثبت عنه أنه قال: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) . وخلة الله هي أعلى منازل العبادة، ولم تثبت إلا لرجلين فقط: إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ . قال: (مَن أوَّل شذ) أي أن هذه الصفات كلها من أوَّل شيئاً منها شذ، أي: انحاز عن الطريق المستقيم، والشذوذ معناه الانفراد عن الجادة، يقال: هذه الدابة شاذة نادة، أي تهرب عن البهائم ولا تسير معها في طريقها.

стр. 184

كل ما أوهم نقصاً فهو مؤول بالنص [فالله لم يسكت على ما أوهما حدوثاً أو نقصاً له بل أفهما] يقول: إن التأويل إنما يحتاج إليه عندما تقتضي الصفة نقصاً، فإذا كانت الصفة لا تقتضي نقصاً فإنه لا يحتاج إلى هذا التأويل، أما إذا كانت الصفة بذاتها تدل على النقص فإن الله لا يتركها دون تأويل، بل لابد أن يرِدَ تأويلها بالوحي، ومثال ذلك قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه : (عبدي مرضت فلم تعدني؟ فقال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فقال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدتني عنده) ومثله بقية الحديث: (استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي) وهكذا؛ فلذلك قال: (فالله لم يسكت على ما أوهما حدوثاً أو نقصاً له بل أفهما) : فكل ما يوهم حدوثاً أو نقصاً لا يمكن أن يقر دون تأويل، بل يجب تأويله بالنص، فالله لم يسكت على ما أوهم حدوثاً أو نقصاً له، بل أفهم معناه وبين مراده بقوله: (مرضت فلم تعدني) في هذا الحديث، وكذا في (جعت) وهي رواية من روايات الحديث، والرواية المشهورة المعروفة هي: (استطعمتك فلم تطعمني) وفي رواية أخرى: (جعت فلم تطعمني) ، وهي مؤولة بنفس التأويل؛ لأنه ذكر: (أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدتني عنده أو لوجدت ذلك عندي) . وبهذا نكون قد انتهينا من توحيد الصفات ووصلنا إلى الكلام في الأسماء.

стр. 185

سلسلة الأسماء والصفات [١٣] لله تعالى الأسماء الحسنى والصفات العلا، وقد أثبت أهل السنة لله ما أثبته لنفسه من الصفات والأسماء كما يليق بجلاله، وذموا من ألحد في أسماء الله أو نفاها، وكذلك صفاته.

стр. 186

إثبات أسماء الله الحسنى قال الشيخ حفظه الله: [أسماؤه الحسنى على الصفات دلت فذلت أوجه النفاة]

стр. 187

أصل اشتقاق الاسم والاسم مختلف فيه: فقيل: هو مشتق من السمو؛ لأنه يسمو به مسماه فيرفعه من حالة المجهولية إلى المعلومية فيعرف به. وقيل: مشتق من السمة؛ لأنه علامة على مسماه، وقد اختلف الكوفيون والبصريون فيه: فقال البصريون: أصله (سمو) كقنو فحذفت لامه وعرضت الهاء بهمزة الوصل مثل ابن، فإن همزة الوصل التي فيه عوض من اللام وأصله بنو وهكذا. وقال الكوفيون: أصله (وسم) من السمة التي هي العلامة، ففاء الكلمة هي المحذوفة وعوض منها همزة الوصل. لكن مذهب البصريين أصح؛ لأننا نقول: أسماء ولا نقول: أوسام، ونقول: سمي ولا نقول: وُسَيم، ونقول: سميت ابني زيداً، ولا نقول: وسمت ابني زيداً، وهذا الذي يقول فيه أحدهم: اشتق الاسم من سما البصريُ واشتقه من وسم الكوفيُ والمذهب المقدم الجليّ دليله الأسماء والسميُّ

стр. 188

ما يطلق من الأسماء على الصفات والاسم المقصود به: ما يعين مسماه ويعرف به، وهو نوعان: اسم معين لذات مسماه، وهذا هو المسمى بالعَلم، واسم يطلق على مسماه إذا كان معروفاً، وهذا يشمل الضمائر والأوصاف، فكل صفة هي اسم بالمعنى الأخير، فكل صفة من صفات الله اشتق منها اسم يطلق عليها، والاسم هنا بالمعنى الأخير، وليس معناه أنه معين له ولا يطلق على غيره، بل الاسم الذي يطلق عليه ولا يجوز إطلاقه على غيره هو: الله والرحمن فقط، فالله هل تعلم له سمياً؟ لا يمكن أن يسمى بهذا الاسم أحد، والرحمن كذلك؛ ولذلك استعمل هذان الاسمان في القرآن استعمال الأسماء: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] . أما الرحيم: فهو اسم من أسماء الله مشتق من صفة من صفاته، لكنه لا يعين ذاته، بل يمكن أن يوصف به غيره كقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، والذين يقولون: إن هذه الأسماء إنما تعينه بشرط دخول (أل) عليها، يقولون: (الرحيم) بأل خاصة به، وأما (رحيم) فيمكن أن يوصف بها كل متصف بالرحمة، فهذا مخالف للقياس اللغوي؛ لأن (أل) هنا إنما تكون بحسب موقع الاسم الذي هي فيه، فإذا كان نعتاً لمعرفة حلي بأل، وإذا كان نعتاً لنكرة حذفت منه أل، ومثل ذلك الحليم، فتقول: بشرناه بغلام حليم، والحليم بأل تستعمل إذا كان نعتاً لمعرفة كقول الشاعر: وقد يستبلد الرجل الحليمُ فالحليم هنا: نعت رجل، والرجل معرفة فعرفت فيه، كذلك: عليم والعليم وكريم والكريم، إذا كان نعتاً لنكرة حذفت منه أل وإن كان نعتاً لمعرفة أثبتت فيه أل، فلا يعين ذلك الله ، بل يوصف به المخلوق ويسمى به. ومن هنا اختلف في الصفات المختصة بالله هل يصح أن يسمى خلقه بأوصافها أم لا؟ فمثلاً: هل يجوز أن نسمي شخصاً: المنتقم، أو المهيمن، أو الجبار، أو المتكبر أو نحو ذلك؟ أما المهيمن فقد وصف الله تعالى القرآن بأنه مهيمن: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] وهو في لغة أهل اليمن بمعنى الشاهد. ويذكر: أن امرأة جاءت إلى عمر بن الخطاب ﵁ وفي مجلسه ابن عباس فقالت: يا أمير المؤمنين! إن بعلي عبد حقي، وترك الوصيد رهواً، ولي عليه مهيمن، فهل عليه من مسيطر؟ قال: ما فهمت ماذا تقولين، فقال ابن عباس كلمات كلهن في كتاب الله: بعلي تقصد زوجي: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود:٧٢] . عبد حقي أي: تركه، ومنه قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] أي: التاركين لعبادة ذلك الولد. وترك الوصيد رهواً، الوصيد الباب: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] ، رهواً أي: مفتوحاً: ﴿وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٤] . ولي عليه مهيمن أي: شاهد ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] . فهل لي عليه مسيطر: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] والمسيطر هو الحاكم المجازي. فإطلاق المهيمن على إنسان وتسمية ولده المهيمن مثلاً أو نحو ذلك، مختلف فيها: فقال طائفة من أهل العلم: تحل، ولكن لا يجوز التسمية بالله ولا بالرحمن، أما ما دون ذلك من الأسماء فتحل التسمية به، إلا ما كان منها عيباً في المخلوق كالمتكبر والجبار ونحو ذلك فلا يحل التسمية به؛ لأنه من الألقاب التي لا يحل التنابز بها، ولكن يمكن أن يوصف بها من كان متصفاً بتلك الصفة، يقال: فلان متكبر، أو أخرجوا عنا هذا المتكبر أو هذا الجبار ونحو ذلك؛ ولهذا يطلق الجبار على جذع النخلة الضخم، ومنه قول الشاعر وهو زياد بن حمل النجدي: متى أمر على الشقراء معتسفاً خل النقا بمروح لحمها زيمُ والوشم قد خرجت منه وقابلها من الثنايا التي لم أقلها ثرم فليت شعري عن جنبي مكشحة وحيث يبنى من الحناءة الأطم عن الأشاءة هل زالت مخارمها وهل تغير من آرامها إرم وجنة ما يذم الدهر حاضرها جبارها بالندى والحمل محتزم (جبارها) أي: جذوع النخل الضخمة. وأما (الغفور) فلا يمكن أن يوصف به غير الله أصلاً، فلا يسمى به إلا إذا قصد به معنىً آخر وهو أنه من الغفر الذي هو الخفاء والستر، فقد يقال مثلاً: الليل كافر غافر. (كافر) معناه: ساتر لما فيه، (غافر) معناه: مكفٍ له، ومنه اشتقاق الغفر الذي هو منزلة من منازل القمر لاختفائها، والمغفر الذي يغفر الرأس، أي: يستره عن السيول.

стр. 189

مسألة التوقيف في الأسماء الحسنى وهذه الأسماء العلى قد اختلف فيها مثل الاختلاف السابق في الصفات، هل هي توقيفية أو لا؟ وقد ذكرنا من قبل ثلاثة أقوال في الصفات: القول الأول: أن الصفات كلها توقيفية. القول الثاني: أنها كلها جائزة الإطلاق إذا اقتضت كمالاً، فكل صفة تقتضي كمالاً يجوز إطلاقها عليه ولو ولم ترد. القول الثالث: الاكتفاء بما ورد ولو لم يصرح به، بل يكتفى بالفعل والمصدر ونحو ذلك. والأسماء أيضاً مختلف فيها: فقيل: هي توقيفية مطلقاً، وعلى هذا جاء الدعاء: (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك؛ أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي) ، فهذا فيه: (سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك) أي: مما سميت به نفسك: (أو علمته أحداً من خلقك) أي: مما سميت به نفسك: (أو ستأثرت به في علم الغيب عندك) معناه: بعد أن سميت به نفسك. وقيل: هي أيضاً مثل الصفات، فكل صفة ثبتت لله يجوز اشتقاق الاسم منها، ولكن هذا القول فيه توسع زائد؛ لأن بعض الصفات -كما ذكرنا- لا يحل تفسيرها، بل تفسيرها تلاوتها. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] مثلاً، هذه في موضع معين مقصود بها المقابلة وشدة الأخذ والأخذ الوبيل. وقيل بالتفصيل: فالصفات التي ورد بها النص وتقتضي كمالاً ولا توهم نقصاً يجوز اشتقاق الأسماء منها مطلقاً، والصفات التي توهم النقص مطلقاً سواء ورد بها النص أو لم يرد لا يشتق منها الاسم.

стр. 190

أنواع الصفات وحكم اشتقاق الأسماء منها ونحن ذكرنا أربع صور للصفات؛ لأنها إما أن يرد بها النص أو لا يرد بها، وكل واحدة منهما إما أن توهم النقص أو لا توهمه: فالنوع الأول: وهو ما ورد به النص مما لا يوهم النقص فهذا يشتق منه الاسم. النوع الثاني: ما ورد به النص وقد يوهم النقص لدى ضعاف العقول ومن في ذهنه نقص، فهذا لا يشتق منه الاسم. النوع الثالث: ما لم يرد به النص ولا يوهم النقص فهذا الراجح جواز اشتقاق الأسماء منه كالمحسن والمتفضل والمنعم، فيجوز اشتقاق الأسماء منه وعلى هذا يجوز التعبيد له، يقال: عبد المحسن وعبد المنعم وعبد المتفضل، كعبد المقصود وعبد الموجود ونحو ذلك. وقالت طائفة من أهل العلم: لا يجوز في كل هذه الأسماء التعبيد، ومثل هذا في الدعاء هل يقال: يا محسن، يا متفضل، يا منعم، يا موجود، يا مقصود، أو لا يقال ذلك في الدعاء؟ هذا محل خلاف على الذي ذكرناه.

стр. 191

عد أسماء الله الحسنى وإحصاؤها وعموماً فإن أسماء الله جاءت النصوص بما يدل على كثرتها، ولم يرد لها حصر بعدد محدد، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة) . وقد اختلف العلماء في معنى قوله: (من أحصاها) : فقالت طائفة: من عرف أعدادها بذواتها. وهذا مشكل؛ لأن معناه التعبد بشيء مجهول؛ لأنه لم يرد بيانها في هذا اللفظ، لكن يجاب عن هذا بأن المقصود بها حينئذٍ ما ورد في حديث مداره على الوليد بن مسلم من رواية أبي هريرة وهو عند الترمذي وابن حبان والحاكم وابن خزيمة ولفظه: (الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت -وفي رواية المغيث- الحسيب، الجليل، الكريم، القريب -وفي رواية الرقيب- المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، المتين -وفي رواية المبين- الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفوّ، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور) وفي رواية بدل هذه بإثبات الوكيل والحنان المنان، وإثبات الحنان المنان جاء في صحيح ابن حبان، وإن كان مالك قد كره الدعاء بقول: يا حنان يا منان، لأنه لم يصح عنده هذا الحديث، وهو في صحيح ابن حبان كما ذكرنا. والذين يطعنون في اتصال هذا الحديث يزعمون أنه موقوف على أبي هريرة، أو يزعمون أن الوليد بن مسلم قد يكون دلس فيه، ويجاب قولهم: بالنسبة للوليد بن مسلم المعروف بتدليس التسوية بأنه صرح بالسماع هنا، وأيضاً فإن أبا هريرة حتى لو كان موقوفاً عليه فإن هذا مما لا يعرف بالرأي، وبالأخص أنه أدرجه مع الحديث. فإذاً: لابد أن يكون لهذا العد للأسماء أصل على اختلاف رواياته، مع أن الوارد في حديث أبي هريرة لو جمعناه لزاد على المائة اسم باختلاف الروايات؛ لأن فيه المتين والمبين، وفيه المغيث والمقيت، وفيه الرقيب والقريب، وفيه البر والوكيل بدلهما الحنان المنان، فعلى هذا فإن معنى الحديث من أحصاها أي: من حفظها وعدها. وقالت طائفة أخرى من أهل العلم: معنى (من أحصاها) من آمن بها على الإجمال، لكن هذا القول بعيد من الناحية اللغوية؛ لأن لفظ الإحصاء معناه: العد.

стр. 192

اسم الله الأعظم ليس منحصراً في اسم واحد ولله تعالى أسماء بكل اللغات، فليست أسماؤه محصورة في العربية، وقد سبق البحث في الله هل هو من العربية أو لا؟ وقد دعاه كثير من عباده بكثير من الأسماء فاستجيب لهم، وعلى هذا فالأحاديث الواردة في الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب وإذا سئل به أعطى لا تقتضي انحصار ذلك في اسم واحد، بل قد يكون الاسم الأعظم لدى بني إسرائيل غير الاسم الأعظم في هذه الأمة. وهذا الاسم لا ينبغي لأحد من هذه الأمة معرفته بعد رسول الله ﷺ ، ولا مانع أن يدعو الإنسان به فيستجاب له، لكن لا يتأكد من أنه هو الاسم الأعظم بخصوصه، ويبدو أن الاسم الأعظم يتفاوت بحسب الأشخاص أيضاً كما يتفاوت بحسب الأمور، فيمكن أن يكون الاسم الأعظم في حق شخص معين هو الاسم الفلاني كذا، وشخص آخر يكون الاسم الأعظم في حقه هو الاسم الفلاني؛ وذلك نظراً لتنوع الأمم. ولا فرق بين أن يكون الاسم الأعظم لدى اليهود هو الاسم الفلاني، والاسم الأعظم لدى هذه الأمة الاسم الفلاني، وبين وجود ذلك في الأفراد؛ لأن الاسمية لا تنسخ، فكونه اسم تسمى به هذا لا ينسخ، لكن يأتي الوعد عليه، والوعد عليه يختلف باختلاف العبادات مثلما ذكرنا من قبل في النزول، فوقت النزول يختلف باختلاف البلدان، ولكن إثبات النزول لله تعالى هو نزول واحد، مع أن الثلث الأخير من الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا مانع أن يكون الاسم الأعظم كذلك. ومع هذا فقد اشتغل عدد من الناس في البحث في الاسم الأعظم ما هو؟ فقالت طائفة: هو (الله) ، وقالت طائفة أخرى: هو (ذو الجلال والإكرام) ، وقالت طائفة أخرى: هو (القيوم) ، وقالت طائفة أخرى: هو (الحي) ، وكل هذا أصله أن الرسول ﷺ ذكر بعض الآيات بخصوصها فذكر أنه في آيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] وآية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فبعض العلماء بحثوا عما تجمع هاتان الآيتان من الأسماء. وقد جاء في حديث عائشة أن الاسم الأعظم من الأسماء التي دعت بها، وقد جاء في حديث الأنصاري الذي قال: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت ديان السماوات والأرض، قال له: لقد سأل هذا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أجاب وإذا دعي به أعطى) وهذا يقتضي تنوع الاسم، فالأسماء التي قالتها عائشة غير الأسماء التي دعا بها هذا الأنصاري، فدعاء عائشة: (اللهم إني أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك البر الرحيم) . وعموماً لا ينبغي للإنسان أن يشتغل وأن يتعب نفسه في البحث عن الاسم الأعظم بخصوصه، بل يسأل الله بأي اسم من أسمائه فإن الله يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ، ويقول تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ، ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] . وقد تخبط طوائف من العلماء في البحث عن الاسم الأعظم حتى أدى بهم هذا إلى الخرافة، فبدأت طائفة منهم تبحث في تقطيع الحروف ونحو ذلك، وأهل علم الجدول يرون أن الاسم الأعظم مركب فيعدونه ألفاً (أيقش) وهي الألف التي هي رمز الواحد والياء التي هي رمز عشرة والقاف التي هي رمز مائة والشين التي هي رمز ألف، وبعضهم يعدها بالكتابة بنجمة سليمان وفيه خاتم سليمان، وهو نجم مسدس فيه شعار اليهود، وغير هذا من التخبطات التي لا أصل لها.

стр. 193

كل اسم من أسماء الله الحسنى يدل على صفة أو أكثر من صفاته (أسماؤه الحسنى على الصفات دلت فذلت أوجه النفاة) (أسماؤه الحسنى) الحسنى: المتصفة بالحسن، وهذه صفة كاشفة. والصفات تنقسم إلى قسمين: صفات مميزة وصفات كاشفة. فالصفات المميزة: معناها التي تميز بعض الموصوف عن بعضه مثل قولك: جاء الصحابة من المهاجرين، أو جاء الصحابة الأنصاريون، أو جاء الصحابة البدريون، فهذه الصفة مميزة؛ لأنها تميز بعضهم عن بعض. والصفات الكاشفة: مثلما لو قلت: الصحابة الكرام، فالصحابة كلهم كرام، فهذه كاشفة للجميع، وكذلك قولك: القرآن الكريم أو القرآن العظيم، هذه صفة كاشفة لكل القرآن، لكن قولك القرآن المدني أو القرآن المكي هذه صفة مميزة، وأسماء الله كلها حسنى. (على الصفات دلت) فهذه الأسماء لا يجوز تعطيلها، بل كل اسم يدل على صفة فأكثر، فاسم (الله) يدل على جميع الصفات، وكل اسم اشتق من صفة فإنه يدل على تلك الصفة أيضاً، وقد يقتضي أكثر من صفة، فبعض الصفات يدخل فيها كثير من الصفات الأخرى. (فذلت أوجه النفاة) يترتب على ذلك ذلة أوجه النفاة؛ لأنهم ألحدوا في أسماء الله فعطلوها عن معانيها، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١] ، أي: في ذلك الوقت، فمن حمل ظلماً وبالأخص إذا كان إلحاداً في أسماء الله وصفاته.

стр. 194

إثبات الأسماء والصفات لابد أن يكون على طريقة السلف الصالح قال: [فأثبتوا من نصه ما السلفُ أثبت وانفوا ما نفى ثم قفوا] ما يتعلق بالأسماء والصفات يثبت فيه ما جاء عن السلف الصالح من أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم وأتباع أتباعهم من المرضيين الذين شهد لهم الناس بالخيرية وسلوك طريق رسول الله ﷺ ، فيثبت من ذلك ما أثبتوه وينفى منه ما نفوه، ويوقف بعد ذلك على هذا الحد فلا يزاد عليه ولا ينقص منه، وهذا يقتضي التوقيف في الصفات وفي الأسماء، وهو قول لكثير من أهل العلم، لذلك قال: فأثبتوا من نصه ما السلف أثبت وانفوا ما نفى ثم قفوا والسلف فَعَلْ بمعنى مفعول، مثل لَقَطْ ونَقَص وقَنَص، فالقَنَص معناه: المقنوص كما قال الشاعر: يا شاة ما قنص لمن حلت له حرمت علي وليتها لم تحرم (شاة ما قنص) معناه: يا شاة قنص. والسلف: المقصود به ما سلف، وأصل ذلك أن الناس قديماً كانوا إذا ارتحلوا من مكان قدموا المترفين منهم فيركبون أحسن المراكب ويخرجون أمامهم، ويكون من وراءهم تبعاً لهم، فمنهم من يمشي ومنهم من ينتظر رجوع الدواب والمواشي، فالمتقدمون يسمون سلفاً كأنهم أسلفوهم أي: قدموا إليهم قرضاً ليؤخذ منهم فيما بعد، والعصور السابقة من هذه الأمة هي سلف لمن يأتي بعدها. والمقصود بالسلف الصالح إذا أطلق: الذين زكاهم رسول الله صلى الله ﷺ ، وتزكيته لهم نوعان: تزكية مشروطة، وتزكية مطلقة؛ فالتزكية المشروطة: هي التي في قوله: (يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى محمداً فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً فيقولون: نعم فيفتح لهم) ، وهذه مشروطة بالرؤية، فمن عاش في ذلك الوقت ولم ير النبي ﷺ ، أو عاش في عصر التابعين ولم يرى صحابياً، أو عاش في عصر أتباع التابعين ولم يرى تابعياً -وهذا كثيراً ما يحصل- لا يعتبر به، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم.

стр. 195

سلسلة الأسماء والصفات [١٤]

стр. 196

سبب تسمية الكلالة بهذه التسمية السؤال لماذا سمي ميراث الكلالة بهذا الاسم؟ الجواب أن الكلالة من (كلَّ) بمعنى تعب، والإنسان الذي ليس له أصل ولا فرع كأنه قد تعب من الحياة فانقطع وحده، ويقال: كلَّ الفرس إذا جرى حتى انقطع، وكلَّ السيف إذا لم يقطع، وكلَّ الإنسان بمعنى: تعب من سيره، فمن هنا جاء اشتقاق الكلالة.

стр. 197

معنى الأذن في قوله تعالى: (ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم) السؤال قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة:٦١] ، هل (أذن) هنا بمعنى: الاستماع؟ الجواب لا؛ لأن الآية قرئت بقراءتين سبعيتين: (قُلْ أُذْنُ خَيْرٍ لَكُمْ) بالإسكان، وقرئت: (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) [التوبة:٦١] ، بالضم، والمعنى في كلتيهما أي: موصل، فالأذن عند العرب هو المحقن الذي يحقن به اللبن في وعاء اللبن، والمقصود به: ما يبلغ، فقد كان المنافقون إذا طلب منهم تعظيم رسول الله ﷺ يقولون: ما هو إلا أذن، أي: مبلغ عن الله فقط، فكأنه بمثابة المحقن الذي يحقن فيه اللبن، ثم لا يكون له فائدة بعد ذلك، فرد الله عليهم هذا القول بقوله: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة:٦١] .

стр. 198

حكم التجويد والتوسع في القراءات السؤال ما رأيكم فيمن لا يرى التجويد لتلاوة القرآن أو التوسع في القراءة والتلفيق بين القراءات؟ الجواب التجويد أنواع: منه ما هو واجب؛ وهو الذي إذا لم يأخذ به الإنسان أفسد قراءته، وهذا واجب لا خلاف فيه، ولذلك قال ابن الجزري ﵀: الأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم وهذه المرتبة يأثم الإنسان بتركها. القسم الثاني: التجويد الذي يقتضي اختلاط الحروف في مخارجها وصفاتها، أو إدغام بعض ما لا يدغم، أو إزالة بعض الحركات بالإشالة والسرعة كالهذرمة، وكذلك التنطيق الزائد، فترك هذا واجب، وفعله يوقع في الإثم. القسم الثالث من التجويد: ما كان سنة، وهو ما يقتضي تحسين القرآن وحسن تقطيعه، ويعين على تدبره، كالوقف في مواضع الوقف على التمام أو الكمال، ونحو ذلك، فهذا التجويد سنة. ومنه تجويد مندوب عند طائفة من أهل العلم: وهو تحسين الصوت به حتى يكون أرق من صوته العادي، وذلك بأن يشجي صوته به، حتى يكون ندياً شجياً. ومنه ما هو مكروه: وهو ما يكون كشكل الطرب والغناء ونحو ذلك. ومنه ما يكون محرماً: وهو ما يبالغ الإنسان فيه حتى يتقعر ويخرج به الكلام عن أصله. فإذاًَ: التجويد تعتريه أحكام الشرع بهذا، وأما التوسع في القراءة بالقراءات فإن ذلك بحسب ما تيسر، والله تعالى يقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، وقد قال السيوطي ﵀: إن القراءات العشر برواياتها العشرين مما تيسر في زماننا. أي: أنها ميسورة وسهلة، وقد ألفت فيها الكتب، وتداولها الناس؛ فأصبحت متيسرة. وابن الجزري ﵀ ذكر في النشر ألف طريق وطريق واحدة في القرآن، فقال: هذه ألف طريق وطريق واحدة يمكن أن يقرأ بها جميعاً، فهي متيسرة سهلة، وقد نظمها في طيبة النشر. وأما التلفيق بين القراءات فإذا كان في الكلمة الواحدة فهو محرم قطعاً، مثل من يجمع بين قراءتين متنافيتين؛ كالذي يرقق الراء في كلمة الآخرة فإنه لا يحقق الهمزة، وهذا مثال في تحريف الكلمة الواحدة؛ لأنه لحن، وليس كلاماً من لغة واحدة. وإذا كان في الجملة الواحدة فمحل خلاف، فقيل بتحريمه، وقيل بكراهته. وإذا كان في الآية الواحدة فهو مكروه قطعاً، وإذا كان في آيتين ولم يكن على وجه التعليل فهو خلاف الأولى. ومع ذلك فإن كثيراً من أهل العلم يرى أن القراءات أنفسها ملفقة من الحروف السبعة التي أنزلت على النبي ﷺ ، فليست القراءة موافقة لحرف واحد، بل كل قراءة فيها أخذ من كل الحروف، ولا يمكن الجزم بهذا؛ لأن الجزم فيه صعب، ونحن نعلم أن النبي ﷺ أنزل عليه القرآن على سبعة أحرف؛ لكن لم يبين لنا أن هذا هو الحرف الأول وهذا هو الحرف الثاني وهذا هو الحرف الثالث وهذا الرابع وهذا الخامس وهذا السادس وهذا السابع، بل قرأ بالجميع، وأقر الناس على قراءة الجميع، فبالإمكان أن يحفظ فلان من الناس سورة التوبة على الحرف الأول، ويحفظ هو نفسه سورة يس مثلاً على الحرف الخامس، وسورة أخرى على الحرف السادس ويلفق الجميع، فيكون قد حفظ القرآن بحروفه المتعددة، وهكذا.

стр. 199

الحكمة في توفيق من لم تقبل توبته إلى التوبة السؤال ما هي الحكمة من توفيق الله تعالى العبد للتوبة إذا كان لن يتقبل منه هذه التوبة؟ الجواب الحكمة من توفيق الله للعبد لأي عمل صالح وهو لا يريد أن يتقبله منه هي الرحمة بغيره، فقد يوفق الله العبد لأن يتوب من ذنب ليطهر الله الأرض من ذلك الذنب؛ لأن الأرض تشكو إلى الله من ذلك الذنب، فيترك الإنسان ذلك الذنب، والله تعالى يعلم أنه سيعود إليه، أو أنه يختم له بالشقاوة فلا يتقبل الله توبته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] . ومثل هذه الأعمال كلها، فمثلاً قد يوفق الله العبد للصدقة، فيجعل تلك الصدقة رحمة للمتصدَق عليه، ولكنه لا يقبلها من المتصدِق؛ لأنه علم أن في قلبه مرضاً فيبطلها بالمن والأذى ونحو ذلك، نعوذ بالله من سوء الخاتمة! فلله تعالى في ذلك حكم عجيبة جداً. ولهذا فإن أعمال الكافرين قد تحقق رحمة للمؤمنين، فمثلاً: الرسول ﷺ كان يأكل من مائدة ابن جدعان هو وكثير من المؤمنين الضعفاء ومع ذلك لا يتقبل الله تلك المائدة من ابن جدعان، وقد سألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عما كان يقدمه؛ لأنه كان قد اشتهرت مائدته؛ لأنه كان ينادي عليها المنادي بفجاج مكة وشعابها، حتى قال فيه الشاعر: له داعٍ بمكة مشمئل وآخر فوق دارته ينادي فالرسول ﷺ حين سألته عائشة قال: (إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ، والله تعالى يقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ، ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩] . وأهل الفترة هم في النهاية إما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار، فإن كانوا من أهل الجنة فما تقربوا به إلى الله يحسب لهم إذا امتحنوا يوم القيامة ببعثة النبي ﷺ فآمنوا به؛ فإنه يتقبل منهم ما مضى من أعمالهم؛ لأنه لم تكن قد قامت عليهم الحجة في الماضي. وإن كانوا من أهل النار فلم ينجحوا في الامتحان الأخروي، فإنه لا يتقبل منهم، إنما يتقبل الله من المتقين. ونفس الشيء يكون للذين لم تبلغهم الدعوة من أهل الفترة، فتقام عليهم الحجة يوم القيامة بالامتحان، حيث يمتحنهم الله ببعثة النبي إليهم، ومن علم الله فيه الخير وفقه لتصديقه ومن علم فيه غير ذلك -نسأل الله السلامة والعافية- حجبه عن ذلك.

стр. 200

سبب حصول الغلبة للنصارى في الوقت الحاضر السؤال كيف يكون لأتباع عيسى ﵇ الغلبة على غيرهم في الزمان الحاضر؟ الجواب أن النصارى هم أكثر سكان أهل الأرض إلى الآن، وأيضاً دولهم ذات مكانة في الدنيا، فقد فتح لهم في مجالات الدنيا من أيام عيسى إلى زماننا هذا. وقد كان لهم من المال والقوة الشيء الكثير، حتى كان رجال الكنيسة هم الدرجة الثانية في المجتمعات الإقطاعية في أوروبا، وكان لهم الحكم، وكانوا يقتلون من خالفهم، ففي العصور المظلمة في أوروبا كان رجال الكنيسة فيها يتحكمون في العلم، ويقتلون من أتى بأي اختراع، ويتحكمون في كل شيء. وقد يكون هناك حكمة معينة وهي: إعزاز هذا الدين الذي جاء به عيسى؛ لأنه عاش في ذلة ومسكنة، وعاش أتباعه في حياته بذلة ومسكنة، حيث كان اليهود يطاردونهم ويريدون قتل عيسى، ولم تكن لهم دولة في حياة عيسى ولا تمكين ولا في أيام الحواريين، وهم قد باعوا أنفسهم لله حين قال لهم عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢] ، فأراد الله تمكيناً دائماً لهم مقابلاً لذلك، وهذا مثل إبراهيم ﵇ حين طرده أبوه وأقرب الناس إليه ورموه في النار، فجعل الله له لسان صدق في الآخرين.

стр. 201

معنى كون خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك السؤال ما صحة قول القائل: إن الله منزه عن استطابة الروائح الكريهة تعليقاً على حديث: (إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ؟ الجواب ليست الرائحة كريهة؛ لأن خلوف فم الصائم طيب عند الله ، ولا ينبغي أن يقاس الله بخلقه، بل طيبه عند الله سبحانه تعالى أن يتقبله منه، بشرط أن يكون ذلك الصائم محقاً في صومه مخلصاً فيه لله، أما إذا كان الصائم غير مخلص لله فلا يكون خلوفه مستطاباً عند الله، وإذا كان الصائم مخلصاً لله فهو مستطاب عنده بأي وجه من الوجوه كان. فالمقصود: أنه ترك طعامه وشرابه من أجل الله ، فكان هذا الصوم لله خالصاً، كما قال تعالى في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به؛ يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) . وإنما يذكر هنا ما كان صفة صريحة جاء بها النص أو كان متعلقاً بصفة جاء بها النص ولو لم تذكر تلك الصفة، فقوله: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ، هذا ليس تصريحاً بصفة، لكنه تصريح بمتعلق صفة لم تذكر، فالشم صفة لم تثبت بلفظها لكن متعلق هذا ذكر في هذا الحديث، بخلاف ما جاء فيه أفعل من غير هذا مثل: أثقل عند الله، أو أرجح عند الله من كذا، فهذا المقصود به في الميزان الذي عند الله، فهو ليس متعلقاً بصفات الله، مثل المقصود بالعندية هنا، فالعندية بمعنى القرب في الميزان يوم القيامة فقط، ولذلك فلابد من النظر إلى دلالة الصفة على متعلقها سواءً ذكرت الصفة أو ذكر متعلقها فقط.

стр. 202

سبب وقوع القصاص بين الحيوانات التي لا تكليف عليها السؤال كيف يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء يوم القيامة مع رفع التكليف عنها؟ الجواب أن هذا لنفي الظلم، فالظلم يقع حتى مع عدم التكليف، ولذلك لا ينبغي أن يترك الصبيان يظلم بعضهم بعضاً، وهكذا البهائم، وقد روي في السير والقصص أن رجلاً صالحاً كان على ماء فكانت ترده الأسود، فكان إذا ظلم أسد أسداً أو ضايقه بالماء ضربه بعصاه حتى يأخذ له حقه.

стр. 203

تكليف العبد ومحاسبته يوم القيامة السؤال هل الطفل يحاسب على أعماله يوم القيامة؟ وكيف تكتب حسناته وسيئاته؟ الجواب الطفل له حسنات تكتب ويجازى عليها يوم القيامة، لكن سيئاته لا تصل إلى درجة الحرمة؛ فلا يعاقب عليها؛ لأنه ليس واصلاً إلى تلك الدرجة، وهذا محله في حقوق الله، أما في حقوق الناس فإنها من الحقوق التي لا تترك، بل لابد أن يأخذوها، وحقوق الناس تابعة للخطاب الوضعي لا للخطاب التكليفي، ولهذا فإن القاتل وهو نائم أو القاتل خطأً لابد أن يؤخذ منه الحق لذوي المقتول، والقاتل خطأً تجب عليه الدية، حتى لو كان الخطأ قد رفع فيه التكليف، وهكذا الصبي لو قتل أو جرح أو كسر شيئاً فإنه يجب ذلك في ماله، وهكذا النائم، فالمرأة إذا نامت حول طفلها فانقلبت عليه فمات، فقد قتلته خطأً تلزم فيه الدية والكفارة. فالخطاب التكليفي هو الذي يشترط له تكليفاً، أما الخطاب الوضعي فلا يشترط له ذلك، ومنه الضمان ونحوه. أما الصبيان فإن أجورهم يوم القيامة ثابتة في قوله ﷺ حين رفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولك أجر) ، فأثبت أن للصبي حجاً، وقد أمر رسول الله ﷺ بأمر الصبيان بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر، وأمر بالتفريق بينهم في المضاجع، وهذا أيضاً لنفي ما يمكن أن يتصور بين ذكورهم وإناثهم من الاختلاط المحرم. وهنا يرد خلاف أصولي مشهور هو في معنى التكليف؛ لأن التكليف مختلف فيه، فقيل: هو إلزام ما فيه كلفة. وقيل: هو طلب ما فيه كلفة. وعلى كل واحد من القولين إشكال، فإذا قلنا: التكليف إلزام ما فيه كلفة، فمعناه أن المندوبات والمكروهات والمباحات ليست من أقسام التكليف؛ لأنها لا إلزام فيها. وإذا قلنا: التكليف هو: طلب ما فيه الكلفة، فمعناه أن الصبي مكلف؛ لأنه يطلب منه المندوبات على سبيل الندب والواجبات على سبيل الندب أيضاً، وينهى عن المحرمات على سبيل الكراهة وعن المكروهات على سبيل الكراهة أيضاً، هذا إشكال أصولي وارد. فينبغي إذا ظلم الطفل طفلاً آخر أن يقتص له منه، لكن يكون ذلك بلطف. وأما إذا كان في الآخرة فسيقتص له؛ لأنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، وهذا من باب أولى. وأما رفع القلم فهو فيما يتعلق بحقوق الله، أما حقوق الناس فمشكلة؛ لأن حقوق الناس لابد أن يأخذوها، فهو حق لا يترك، أو يجازي الله عنها يوم القيامة، فيمكن أن الله يرضي صاحبها في مقابلها، ولهذا كانت أخطر الحقوق. والحقوق ثلاثة: - ذنب لا يغفر، وهو: الشرك بالله. - وذنب لا يترك، وهو: حقوق العباد. - وذنب تحت المشيئة؛ إن شاء الله أخذ به، وإن شاء عفا عنه، وهو حقوق الله، فرفع القلم هو في حقوق الله.

стр. 204

حكم استخدام أجهزة الصدى في المساجد السؤال ما حكم استخدام أجهزة الصدى في المساجد؟ وهل يعد ذلك من التكلف؟ الجواب رأيي أنه من التكلف الذي لا ينبغي، وفيها مشغلة لكثير من المصلين عن الخشوع، فلا أرى جواز استعماله، وحتى إن كثيراً من الأئمة يتكلف فيما يتعلق بتقريب الميكرفون من فمه والتمايل معه، وهذا من التكلف الذي ينبغي أن يهجر.

стр. 205

متن يشمل أنواع التوحيد كلها السؤال ماذا يجاب به من يقول: إن هذا المتن يقتصر على جانب الأسماء والصفات فقط؟ الجواب ليس هذا صحيحاً، بل فيه أنواع التوحيد كلها، وحتى فيه أمور زائدة على ما ليس من توحيد الله ، مثل أقسام الإيمان الأخرى؛ فإنها كلها مذكورة فيه، وقد جاء التصريح بما يتعلق بتوحيد الإلوهية في قوله: واجتنبوا الشرك الجلي والخفي ولو بما فيه اختلاف السلف فأفردوه جل بالعباده لا تشركوا في نوعها عباده فلا تسموا ولداً عبد علي أو تنذروا لصالح أو لولي ولا تمسوا قبراً أو تمسحوا ولا تطوفوا حوله أو تذبحوا لا تعبدوه بسوى ما قد شرع بل نتقرب بجلب ما نفع وصرح بتوحيد الربوبية في قوله: وبالربوبية وحدوه فهو الذي تعنو له الوجوه لا تجعلوا إذا دعوتم وسطا بينكم وبينه فهو خطا وكل هذا من توحيد الربوبية. وأما أنواع الإيمان الأخرى فهي مذكورة فيه: الإيمان، وتعريف الإيمان، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالرسل، والكتب المنزلة، والملائكة، وبالقدر خيره وشره، ومشاهد القيامة، وما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، كل هذا مذكور فيه؛ فهو متضمن لكل أبحاث الإيمان.

стр. 206

بعض اللغات في الهمزة السؤال لماذا لم يثبت الشيخ الهمزة في يشاء في قوله: فما يشا فينا يكن لو لم نشا؟ الجواب هذه الهمزة فيها أوجه كثيرة في اللغة، ومنها: تحفيفها بقلبها ألفاً، وهو كثير، وهي لغة قريش في مثل هذا، ولو أتى بالهمزة لم يكن ذلك مستقيماً في الوزن، فأسهل منها الإتيان بالألف؛ لأنه لو أتى بها ساكنة في الآخر كان النطق بها صعباً، ولذلك يقول ابن المبري ﵀: والهمز في النطق به تكلفُ فسهلوه تارة وحذفُوا وأبدلوه حرف مد محضاً ونقلوه للسكون لفظاً كل هذه تسهيلات في القراءة، وهذا ذكره ابن المبري في كتابه الدرر اللوامع في أصل ما قرأ الإمام نافع.

стр. 207

سؤال متعلق بتحريك قافية النظم السؤال الثالث: لم لا يصح تحريك قافية البيت رقم ثمانية وأربعين: وليس يطعمه ولن يناله لحومها ودماء ما يهدى له الجواب بل يجوز فيها أن تقول: ولن ينالهُ لحومها ودماء ما يهدى لهُ، لكن الإسكان في مثل هذا أجود في القافية.

стр. 208

بعض معاني الإدراك السؤال الإدراك بمعنى سعة العلم، هل يدخل في ضمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] ؟ الجواب هذا كله إدراك، والله يعلم ذلك تفصيلاً، فهو إدراك كامل له، لكن العلم قد يكون بالإدراك مثل المذكور هنا، وقد يكون دون ذلك، مثل علمك أنت بمن يطرق عليك الباب، فأنت جازم بأن وراء الباب شخصاً يطرق عليك، لكن لا تدركه؛ لأنك لا تعلم لونه، ولا تعرف قامته، ولا هل هو صغير أم كبير، ولا هل هو ذكر أو أنثى، فهذا هو الفرق بين العلم والإدراك، فإن العلم يشمل الجميع.

стр. 209

إطلاق لفظ القرآن على الكتب المنزلة من عند الله ﵎ السؤال حديث: (ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن التلاوة يتغنى بالقرآن) ، هل (بالقرآن) هنا زيادة؟ الجواب هي رواية في الحديث؛ لأن القرآن المقصود به: الكتاب المنزل مطلقاً، وقد جاء في كثير من الأحاديث إطلاق القرآن على الكتب الأخرى التي تقرأ، فقد جاء ذكر قراءة داود للقرآن، والمقصود بالقرآن الزبور المنزل عليه، أو الكتب التي كان يقرؤها وهي التوراة والإنجيل والزبور، وجاء هذا في عدد كبير من الأحاديث التي فيها تصريح بقراءة الأنبياء للقرآن.

стр. 210

الفرق بين القضاء والحكم السؤال ما هو تلخيص الفرق بين القضاء والحكم؟ الجواب قضاء الله هو رتبة من مراتب قدره، والمقصود به: تنفيذ ما يريد أن يكون على وقت ما أراد، مثل جلوسنا هذا قد أراده الله قبل خلقنا ثم كتبه، وقد كتب أنه سيقع في هذه السنة كذا وفي هذه الليلة كذا، ثم ينفذ ذلك في وقته الآن، فهذا قضاءه. ويأتي القضاء بمعنى الأمر دون إلزام، وذلك مثل قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ، إذا كان الخطاب لأمة الدعوة. ويأتي بمعنى الأمر بالإلزام إذا كان الخطاب لأمة الإجابة في هذه الآية مثلاً. ويأتي القضاء بمعنى الفصل بين الخصوم، وذلك مثل القضاء في يوم القيامة. أما الحكم فإنه في أغلب إطلاقاته في النصوص الشرعية إنما يطلق على الإلزام بالقوة الحكمية، مثلاً: الفصل بين المتخاصمين وفض النزاع هذا يسمى حكماً، والقهر والغلبة يسمى حكماً، لكن مجرد الإيجاب أو مجرد الطلب غير الموجب يسمى قضاءً ولا يسمى حكماً، فبينهما تداخل، وبينهما عموم وخصوص. فالحكم يشمل ما لا يشمله القضاء؛ حيث يطلق على السلطان، والقضاء يشمل ما لا يشمله الحكم؛ حيث يطلق على تنفيذ الأشياء بعد أن لم تكن، فكل واحد منهما يختص بشيء، ويشتركان في عموم دلالتهما، وهذا الحال من وجود عموم وخصوص لهما من وجه كثير في الصفات، فهي تتداخل في أشياء، وتختص كل صفة بشيء آخر. أما السؤال عن إطلاق القضاء، فإطلاق القضاء بيننا أغلبه على فصل النزاع مثلاً، ولكن كلمة (قضى) في اللغة تستعمل لكثير من المعاني غير هذا: فهي تطلق على الموت: مثل قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] . وتطلق على الإنهاء والإبلاغ: مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦] . وتطلق على الفصل: ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف:٤١] . وتطلق على الخلق: مثل قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:١٢] ، ولها عدة إطلاقات غير هذه، حيث تطلق تقريباً على عشرة معانٍ في اللغة العربية.

стр. 211

معنى مثلية الأرضين السبع للسماوات السبع السؤال ما هو التقابل في السماوات السبع والأرضين السبع؟ الجواب لم يرد في القرآن التصريح بأن الأرضين سبع إلا في موضع واحد وهو في سورة الطلاق في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] ، فقد صرح بمثلية الأرضين للسماوات، والمثلية لا يقصد بها المثلية بمعنى التشابه؛ لاختلاف حال السماوات عن حال الأرضين، وإنما نص العلماء على أن المقصود بالمثلية: المثلية العددية فقط، وإلا فلا يمكن مقارنة السماوات والأرض لا من حيث الضخامة والكبر ولا من حيث الارتفاع والانخفاض ولا من حيث مكونات الخلق، فالمثلية إنما هي في العددية فقط. وأما في الأحاديث فقد جاء التصريح بأن الأراضين سبع، مثل قوله ﷺ : (اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن) وجاء كذلك في الحديث: (إن السماوات السبع والأراضين السبع في قبضته) . وأما في العلم الحديث فإن أهل العلم الحديث في أصل نظريتهم لا ينطلقون من مبدأ الإيمان والتسليم بما جاء به الوحي، وإنما يتحدثون عما وصلوا إليه وما وجدوه، ولذلك ليس للسماء ذكر في قاموس العلم الحديث، ولا يعرفون شيئاً اسمه السماء، إنما يعرفون الطبقات المحيطة بالأرض فقط، وهي أنواع: بعضها غازات، وبعضها طبقات جوية، وبعضها فضاء خارجي إلى آخره، لكن هذه كلها من عالم الأرض وليست من عالم السماء، حتى المدارات البعيدة التي فيها الكواكب البعيدة جداً والتي تبعد السنوات الضوئية عن الأرض، ومع ذلك تعتبر من الأرض ولا علاقة لها بالسماء؛ لأن السماء لا يمكن أن يصلها البشر بوجه من الوجوه. وأما بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦] ، ليس المقصود أن القمر حجر من السماء أو أنه لاصق بها، بل هو كما تقول: فلان في البيت، وليس معناه أنه حجر من سقفه أو منه، بل المقصود: أنه في داخله، فكذلك القمر وغيره من الكواكب كلها ليست في داخل السماوات، وكلها تنسب إلى الأرض، ولذلك المجموعة الشمسية التي نحن فيها والمجموعات الشمسية الأخرى والمجرات المعروفة كلها، وطبقة اليونسفير وما دونها والفضاء الخارجي؛ كل هذا الذي اطلع عليه علمياً اليوم هو من الأرض لا علاقة له بالسماء، ولهذا فإن السماء محفوظة، كما وصفها الله بذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢] ، فلا يمكن أن يصل البشر إليها بوجه من الوجوه. وهذه السماء الدنيا فقط هي المزينة بالكواكب، أما السماوات الأخرى فليس فيها شيء من الكواكب هذه، ولهذا قال: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢] ، وهذا التزيين هو بحسب الرؤية؛ لأننا إذا رأينا المصابيح فإنما تكون زينة للسماء، ولا يمكن أن تكون زينة للأطباق الأخرى التي فوقها، فهي تحول دونها السماء الدنياء. والسماء سقف حصين له أبواب تفتح ولا يمكن النفوذ منه دون فتح الأبواب بحال من الأحوال، حتى الأرواح التي يعرج بها الملائكة إذا لم يؤذن لهم ويفتح لهم أبواب السماء يرجعون إلى الأرض بها، ولهذا قال الله تعالى في أرواح أهل الشقاوة: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] ، والرسول ﷺ ليلة أسري به حين عرج إلى السماء استفتح جبريل واستأذن وعرَّف بنفسه وبمن معه حتى فتح له باب السماء. ولا يمكن أن يصل البشر ولا الجن إلى أقطار السماء أبداً، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] ، وهذا للتحدي، فصيغة افعل هنا ليست للأمر، وإنما هي للإعجاز مثل قوله سبحانه: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥٠-٥١] ، فهي للإعجاز المطلق. إذاً: إذا كان الناس عاجزين عن اكتشاف السماء الدنيا فمن باب أولى السماوات الأخرى التي فوق ذلك، والكرسي فوق السماوات، والعرش فوق ذلك، والله فوق كل ذلك. أما الأرضون فقد اختلف فيها ما هي: فقيل: هذا الذي نكتشفه نحن ونعلمه ويصل إليه علمنا كلها أرض واحدة بما فيها من الكواكب، وإن كانت هذه الأرض التي نسكنها لا تمثل شيئاً بالنسبة للكواكب الأخرى؛ لأنها كوكب صغير في المجموعة الشمسية التي هي فيها، وفيها كواكب أضعاف الأرض عدة مرات. وقالت طائفة أخرى: بل الكواكب الكبرى أرضون، وهذا قد يشكل إلا إذا اعتبر بالمجرات الكبرى فلا يبعد أن تصل إلى السبع فيكون الأمر كذلك، وقد روي عن ابن عباس ما يدل على هذا، فقد جاء عنه: أن الأرضين السبع في كل واحدة منها آدم كآدمنا، وأن فيها شرائع ورسل كرسلنا. وهذا الذي قاله ابن عباس إن كان قاله برأيه فالمقصود أنه أخذه من المثلية في قوله: ﴿وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] ، ففهم ابن عباس من المثلية. المثلية في الملك والجبروت، ولا يكون ذلك إلا بوجود هذه الجنود فيها. لكن ظاهر الآيات أن الجنس البشري مقصود على هذه الأرض، وأن لله تعالى خلائق أخرى لا نعرفها ولا ينبغي لنا أن نعرفها في الأرضين الأخرى وفي غيرها، ولهذا حين استشكل المشركون وجود نبي من البشر في الأرض قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٥] ، فبين أن الرسل في هذه الأرض لا ينبغي أن يكونوا إلا من أهلها من البشر، إذ لو كان سكانها ملائكة لكان رسلهم من جنسهم، أي: لكان رسلهم ملائكة، وهكذا. وعموماً هذا الخلاف فيما يتعلق بالأرضين لا نستطيع حسمه، وينبغي الوقوف عنده، ولا يتوسع الإنسان فيه؛ لأن العلم محصور، وليس لنا من العلم إلا الشيء القليل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] ، لكن الذي يجزم به ويقطع أن السماوات فوق كل هذه المخلوقات، وقد جعلها الله سقفاً محفوظاً، والله أخبر عن رفعه لها، وهذا الرفع لا يمكن أن يتصور مثله، ولذلك في المسافات وفي الارتفاع وفي الشرح ما جاء قياسها إلا بالسنوات، وهذا يدلنا على قضية السنوات الضوئية هذه وأهميتها في تقييم المسافات، فالرسول ﷺ يذكر السنوات في ذكر المسافة، كذكر خمسمائة عام في مسافة الانتقال إلى العلو، وكان هذا متشابهاً قبل أن تعرف السنة الضوئية، واليوم بالنسبة للمسافات لو كان النبي ﷺ ذكر للناس المسافات مثل مسافات الأرض لكانت المسافات التي تقطع اليوم في هذه المراكب أضعاف أضعاف ما يمكن أن يتصور في ذلك الوقت. فإذاً: من إعجاز الخبر النبوي أنه لم يقوِّم المسافات في الارتفاع إلا بالسنوات، مع أن تقويم المسافات عند أهل ذلك الزمن كان بالمراحل أو بالوحدات مثل الأميال أو نحو ذلك، لكنه ﷺ ما حدد بهذا، وإنما حدده بالسنوات، والسنوات من وحدات الزمن وليست من وحدات المكان، والمسافات من وحدات المكان وليست من وحدات الزمان، فارتبطت وحدات الزمان بوحدات المكان ليصل هذا إلى حد الإعجاز.

стр. 212

أقسام الصفات واشتقاق الأسماء منها السؤال ما حكم إطلاق الألفاظ التي فيها تكريم على الله دون توقيف؟ الجواب هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فقالوا: الصفة إما أن تقتضي نقصاً أو لا تقتضي نقصاً، وإما أن يرد بها نص أو لا يرد بها نص، فهذه أربعة أقسام من الصفات: القسم الأول: الصفات التي لا تقتضي نقصاً وورد بها النص، فهذه لا إشكال فيها إطلاقاً، مثل صفات الله الواردة في النصوص الشرعية. القسم الثاني: الصفات التي قد توهم نقصاً، ولكنها ورد بها النص، فهذه تثبت وينزه الله عن ذلك النقص مثل قوله تعالى في الحديث القدسي: (جعت فلم تطعمني) ، وقد فسر ذلك وبين المقصود به، وهذه لا يُتعدى بها محل النص، ولا يجوز إطلاقها إلا في موضعها، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران:٥٤] ، ومثل قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] ، فلا يُتعدى بها محلها، ولا يتجاوز بها نفس الآية أو الحديث الذي وردت فيه أبداً. القسم الثالث: ما لا يقتضي نقصاً ولم يرد به النص، مثل صفات الكمال التي لم يرد بها النص، فهذه اختلف في إطلاقها، والراجح جواز إطلاقها؛ لدلالة عمومات المدح عليها؛ لأن الله امتدح نفسه بكل كمال، وامتدحه رسوله ﷺ بذلك، فهذا يقتضي وصفه بكل كمال نعبر نحن عنه. القسم الرابع: ما يقتضي نقصاً ولم يرد به نص، فهذا لا يجوز إطلاقه بالكلية. يبقى مسألة أخرى وهي: اشتقاق الأسماء من هذه الصفات، أما الأسماء التي جاء إطلاقها عن رسول الله ﷺ فهي توقيفية، وما ورد به النص من الأسماء فليس فيه شيء يقتضي نقصاً، وهذا لا نقاش فيه. أما الصفات التي لا تقتضي نقصاً ولم يرد بها نص فقد اختلفت في استعمال الأسماء منها، مثل: المحسن، فالمحسن لم يرد به نص، وأنت قد تسمي ولدك مثلاً: عبد المحسن، أو عبد المتفضل، وهذا لم يرد به النص، فهل يجوز إطلاقه؟ الجواب: هذا محل خلاف بين أهل العلم: قالت طائفة من أهل العلم: يجوز أن تسمي عبد المحسن، ويجوز أن تطلق على الله أنه محسن؛ لأن كل من قام به وصف يجوز أن يشتق له منه اسم، والعكس أيضاً: من لم يقم به وصف لا يجوز أن يشتق له منه الاسم، ولذلك يقول الناظم: وغير من قام به وصف فلا يشتق منه اسم له من عقلا والسيوطي ﵀ ذكر أطراف هذه المسألة حيث قال: أسماؤه سبحانه موقفه ثالثها الاسم فقط دون الصفه ويكتفى بمرة والمصدر والفعل والظنون في المعتبر فأسماؤه سبحانه توقيفية، وهذا على القول بأن الأسماء والصفات توقيفية. القول الثاني: أن الأسماء توقيفية بخلاف الصفات. القول الثالث: أنها غير توقيفية مطلقاً لا الأسماء ولا الصفات، أي: أن كل وصف يقتضي كمالاً يجوز إطلاقه على الله، ويجوز أن يشتق له منه اسم كالمتفضل والمحسن. هذه الأقوال الثلاثة اختصرها السيوطي ﵀ في قوله: أسماؤه سبحانه موقفه ثالثها الاسم فقط دون الصفه ثم قال بعد هذا في الصفات: ويكتفى بمرة، أي: لو جاء الاسم في حديث واحد من أخبار الآحاد أو الصفة في خبر واحد من أخبار الآحاد مرة واحدة فيكفي ذلك في إثباتها. قوله: والمصدر، أي: كذلك إذا جاء المصدر فقط فإنك يجوز أن تشتق لله منه اسماً أو صفة لثبوته بالوحي. وقوله: والفعل، أي: كذلك لو أطلق فعل على الله ولم يرد منه وصف فيجوز اشتقاق الوصف منه، وكثير مما نذكره من الصفات هنا إنما جاءت بلفظ الفعل أو المصدر كما في الحكم، فلم يأت اشتقاق الوصف منه إلا أحكم الحاكمين، وأحكم الحاكمين وصف من الحكم أو من الحكمة، لكنه أضيف إلى الحاكمين فكان ذلك يقتضي إثبات الصفة، وقد جاء بالفعل وجاء بالمصدر: جاء بالمصدر في قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] ، وجاء الفعل في قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:١١٣] . وقوله: والظنون، أي: أخبار الآحاد إذا وصلت إلى درجة المقبول بأن كانت صحيحة أو حسنة، فذلك كافٍ في الاحتجاج بها في إطلاق الصفات والأسماء على الله ، هذا هو القول الراجح.

стр. 213

حكم التأويل في النصوص الشرعية السؤال هل يصح أن يقال: إن ما جاء في النصوص من مثل: (مرضت فلم تعدني) ، من الصفات المؤولة؟ الجواب نعم، ثبت تأويله بالنص، والتأويل ليس كله محظوراً، ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التدمرية القاعدة الثالثة في التأويل أن التأويل ليس منفياً مطلقاً ولا مثبتاً مطلقاً، بل منه ما هو مثبت، ومنه ما هو منفي. والتأويل عند الأصوليين هو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يقتضيه، فاللفظ إذا جاء دليل شرعي يقتضي صرفه عن معناه الظاهر المتبادر يحمل عليه، هذا هو معنى المؤول عند الأصوليين، وهو التأويل الصحيح؛ لأن التأويل الصحيح لابد أن يكون بدليل، إذ التأويل من غير دليل تأويل باطل.

стр. 214

حدود الأرض السؤال ألا يكون القول بأن المجرات ومجموعتنا الشمسية تابعة للأرض يناقض كون الأرض من أصغر كواكب المجموعة؟ الجواب لا يناقض ذلك؛ لأن الأرض لها إطلاقان: تطلق على هذا الكوكب الذي نحن عليه بيبسه وبلله، وتطلق على ما هو أكبر من ذلك، ولهذا فإن الجاذبية الأرضية تابعة للأرض ومساحتها مساحة قريبة من الأرض، مثلاً: حجاب الصوت لا يتجاوز خمسين ألف قدم تقريباً، والجاذبية تزيد على ذلك قليلاً، ويختفي من منطقة إلى أخرى، وما فوق الأرض من الأحجبة التي تحجبها عن أشعة الشمس ونحو ذلك من الطبقات الغازية يتبع الأرض، مثل طبقة الأوزون، ومثل الطبقات الأخرى التي تتبع الأرض، وهي معدودة. ولذلك فإن الأهوية القريبة من الأرض مثل الأكسجين الذي نتنفس به وغيره هي تابعة للأرض قطعاً، ولهذا يجوز بيعها إذا تملكها الإنسان، فإذا ملكت أرضاً فيجوز أن تبيع الهواء الذي فوقها بأمتار معينة؛ فمن ملك أرضاً ملك هواءها، وما كان معدوماً لا يجوز بيعه، وما لم يكن من الأرض ليس لنا، والله تعالى يقول: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] ، فأنت تستطيع أن تبيع -مثلاً- عشرة أمتار فوق ثلاثين ألف قدم، ولهذا فناطحات السحاب الآن ما فوقها من الهواء تبع لها، ويملكه أهل الأرض، فلا يحجر عليهم فيما بنوه، فالسقوف فوق ذلك ملكهم، ولهذا نص الفقهاء على هذا، فمثلاً: يقول خليل ﵀: وجاز بيع عمود عليه بناء للبايع إن انتفت الإضاعة وأمن كسره ونقضه البائع، وهواء فوق هواء إن وصف البناء وغرز جذع في حائط وهو مضمون إلا أن يذكر مدة فإجازة تنفسخ بانهدامه. فهذا يدلنا على أنها تابعة للأرض.

стр. 215

أقسام الطوائف الذين قاتلوا علياً ﵁ وموقف ابن عمر ﵁ من ذلك السؤال ما هو موقف ابن عمر ﵁ فيما حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم؟ وهل كان هذا الموقف متفقاً عليه أو كان محل خلاف؟ الجواب كان محل خلاف؛ فالطائفتان المتقاتلتان كانتا تريان الخوض في الأمر والمناقشة فيه والمجادلة، ولذلك فإن علي بن أبي طالب ﵁ كان يستشهد الصحابة على أمر الرسول ﷺ له بمقاتلة الخوارج، وبمقاتلة الناكثين والخارجين والمارقين. فهو يفهم ذلك على أن الناكثين هم: من خرج مع طلحة والزبير ﵄ وقد بايعوه، ورأى أنهم نكثوا بيعته. والخارجين: يقصد به أهل الشام الذين خرجوا عن بيعته. والمارقين: هم الخوارج الذين مرقوا من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. فإذاً: هذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: الناكثون، وهم أهل حق لا غبار عليهم، بل أكثرهم من أهل الجنة مقطوع بذلك. القسم الثاني: الخارجون، وهم طائفة باغية عليه، يعني: فئة باغية من أهل الإسلام ومن أهل الخير والصلاح، وفيهم من هو من أهل الجنة قطعاً أيضاً. أما القسم الثالث: فهم المارقون. فهو رأى قتال هذه الطوائف الثلاث، واستدل بأمر النبي ﷺ له، واستدل على الزبير بحديث: (تقاتله وأنت له ظالم) ، واستدل عليه أيضاً في قتال الخوارج بأنه قال: (بل يقتلهم خاصف النعل) ، فقد كان النبي ﷺ في طريق فانقطع شسع نعل علي ﵁، فجعل يخصف نعله، فذكر الرسول ﷺ الخوارج ومروقهم من الدين، وأن من قتلهم له أجر، وأن النبي ﷺ لو شهدهم لقتلهم كقتل عاد وإرم، فقال: (أأقتلهم؟ قال: بل يقتلهم خاصف النعل) ، يقصد بذلك علي بن أبي طالب ﵁، وهذا تشريف له، وكل واحد من الخلفاء الراشدين له ميزة اختص بها. فمذهب ابن عمر ﵁ هو اعتزال القضية بالكلية، وهذا الذي رآه هو، ورآه أسامة بن زيد، ورآه سعد بن أبي وقاص، وغيرهم من كبار الصحابة رأوا هذا الرأي، لكن كان مع علي في رأيه ثمانمائة ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان، وكلهم مقطوع بأنهم من أهل الجنة، ويجب الإيمان بأنهم من أهل الجنة. وكان كذلك مع معاوية ﵁ عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم، وكان في أهل الجمل من هو مقطوع بأنه من أهل الجنة، كـ عائشة والزبير وطلحة، وكان في الفئة الأخرى مع علي ﵁ عدد مقطوع بأنهم من أهل الجنة. فإذاً: لم تكن القضية محل اتفاق، لكن كان مذهب هؤلاء هو اعتزال الطائفتين، وقد استمر عليه ابن عمر حتى بعد هذا، حتى في معركة كربلاء، وكان إذا ذكرت له معركة كربلاء يقول: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦] ، ولا يخوض في أمرها، مع أنه نصح الحسين ﵁ ألا يتوجه إلى العراق. وحين دخل على عائشة بعد الجمل قال: لوددت أنك ما خرجت، فقد كنت أعلم عاقبة الأمر. فقال: لمَ لم تنصحني يا أبا عبد الرحمن؟! قال: رأيت رجلاً قد غلب عليك. يقصد: أن عبد الله بن الزبير غلبها على رأيها. فـ ابن عمر كان يقدر هذه الظروف، ولذلك لم يبايع لأحد بعد بيعته لـ علي في المدينة إلى أن بايع عبد الملك بن مروان، وبيعته لـ عبد الملك مروية في صحيح البخاري، فإنه كتب إليه بذلك. ولم يبايع معاوية ﵁، وحين طلب معاوية بيعة أهل المدينة من جديد امتنع ابن عمر عنها، وهكذا امتنع عبد الرحمن بن أبي بكر والحسين وعبد الله بن الزبير عن تلك البيعة من جديد.
следующие страницы →