Полный текст (219 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
معنى اسم الله البصير
السؤال
عن معنى البصير؟
الجواب
ذكرنا أن البصير المتصف بصفة البصر، والمقصود بذلك أن الله أثبت لنفسه البصر، وأنه متصف بذلك على أبلغ الوجوه؛ لأن (بصير) ليست بمعنى مبصر فقط، ولا باصر؛ لأن الباصر الذي يصح منه البصر، والمبصر: الذي يتصف بصفة البصر، لكن البصير تجمع كل ذلك وتزيد عليه أنه لا يفوته شيء، ولا يخفى عليه شيء، فلا تحجب عنه سماء سماءً، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، ونظره إلى ذلك دائم فلا يفوته أي شيء.
لكن نظر الله ينقسم إلى قسمين: نظر بمعنى العلم والاطلاع، ونظر بمعنى التكريم، ولذلك تجدون النظر بمعنى التكريم منفياً عن أهل النار في قول الله تعالى: ﴿لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧] وليس معناه: أنه لا يراهم، بل هو يراهم وهو مطلع على بواطن قلوبهم وهو أقرب إليهم من حبل الوريد؛ لكن معناه: لا ينظر إليهم نظرة تكريم ورحمة، فالرحمة حظهم منها قد أخذوه في الدنيا، أما يوم القيامة فلا رحمة للكافر: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] .
стр. 37
حكم الإشارة بالأعضاء عند ذكر بعض الصفات
السؤال
هل تعتبر الإشارة باليد، أو بكيفية معينة جائزةً شرعاًَ، وما ضابط ذلك، وما الذي ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك؟
الجواب
أن الإشارة كما ذكرنا إذا قصد بها التفهيم فقد وردت في بعض النصوص عن النبي ﷺ ، كما في الإشارة إلى الأذن في قوله: (وما أذن الله لشيء أذنه إلى نبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن) وكذلك الإشارة إلى الأنف في قوله في حديث الصوم: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك) وكذلك قبضة اليد فيما يتعلق بذكر القبضة يوم القيامة: ﴿وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] .
стр. 38
قوله: (من غير ما تكييف) للمبالغة في النفي
السؤال
لما قال الشيخ حفظه الله: (من غير ما تكييف) ولم يقل: من غير تكيف ولا تمثيل، فهل لهذا مغزى؟
الجواب
أنه ليس له مغزىً مخصوص، لكن فقط للمبالغة في النفي؛ لأن غير وما كلتاهما أداة نفي، فإذا تكررتا اقتضى ذلك تمام النفي.
стр. 39
لم يستعمل أحد من السلف لفظ الذات
السؤال
هل استعمل أحد من السلف لفظ الذات؟
الجواب
لا، الذات ليست من العربية، بمعنى مقابل الصفة كما سنذكره إن شاء الله قريباً.
стр. 40
الفرق بين التأويل والتفويض والإمرار
السؤال
ما الفرق بين التأويل والتفويض والإمرار؟
الجواب
أن التأويل: هو صرف للفظ عن مقتضى دلالته الأصلية، مثل حمله على المجاز إذا كان وروده على الحقيقة.
والتفويض معناه: جهالة معناه وإحالة علم ذلك إلى الله، فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن يقولوا في كل شيء جهلوه: الله أعلم، وأن يحيلوا العلم إلى الله في كل ما جهلوه، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي بن كعب: أن الله عتب على موسى حين لم يرد العلم إليه، حين سأله سائل فقال: من أعلم أهل الأرض، فقال موسى: أنا.
والإمرار هو: قراءتها فقط، كما ذكرنا ما روي عن السلف من أن تفسير هذه الآيات قراءتها، أي: أن تقرأ فقط.
стр. 41
معنى حديث: (إن الله خلق آدم على صورته)
السؤال
عن لفظ: (إن الله خلق آدم على صورته) .
الجواب
هذا سنذكره إن شاء الله تعالى؛ لأن الشيخ تعرض له قليلاً، وذكر أن الأحاديث التي جاءت في هذا نوعان، منها: ما هو قابل أن يحمل على غير ما يفهم منه، مثل قوله ﷺ : (إذا ضرب أحدكم أخاه فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) فإن بعض أهل العلم قالوا: ليس هذا الحديث من أحاديث الصفات أصلاً، وإنما المقصود به أن الله خلق آدم على صورة الأخ الذي تضربه، فلذلك لا ينبغي أن تضرب وجهه؛ لأنه على صورة أبيك آدم فاحترمه.
وأما الأحاديث الأخرى التي فيها (على صورة الرحمن) ونحو ذلك من التصريح بهذا، فالمقصود بالصورة مختلف فيه: فقالت طائفة: المقصود بذلك الكمال والحسن، والجمال قطعاً صفة لله ، فالمقصود بالصورة حينئذ الصفة، فالله هو المتصف بصفات الكمال والحسن والجمال، فهذه صورته بمعنى صفتة، والمقصود بذلك صفة الوجه.
وقالت طائفة أخرى: بل المقصود بذلك على الصورة التي اقتضاها الرحمن فهي أكمل الصور، فأكمل الصور هو الصورة التي اختارها الرحمن لآدم، فهذا معنى: على صورته.
стр. 42
الإشارة إذا كانت للتفهيم فإنها جائزة ولا يقصد بها التجسيم ولا التشبيه
السؤال
ما كان بالحركات لا يكون تمثيلاً، أرجو التوضيح بالأدلة؟
الجواب
ذكرنا إشارة الرسول ﷺ في تبيين بعض الأحاديث، ونحن لا نقصد أن ما كان بالحركات، إنما نقصد أن ما كان من الإشارات للتفهيم بدلالة النص، فالإشارة هنا لا يقصد بها التجسيم ولا التشبيه وهذا لا حرج فيه، وما كان يقصد به التشبيه ونحو ذلك فهذا لا يجوز.
стр. 43
الفرق بين التمثيل والتشبيه
السؤال
ما الفرق بين التمثيل والتشبيه؟
الجواب
أن التمثيل أبلغ من التشبيه؛ لأن التشبيه هو الاشتراك في الشبه، وقد يقوى ذلك الشبه كما يشبه الغراب الغراب، وقد يكون أدنى من ذلك، فتشبيه الرجل الأبخر بالأسد هو لاشتراكهما في صفة البخر فقط، لا في صفة الشجاعة ولا في صفة القوة، والتمثيل: هو أن يكون مثلاً له، أي نداً مساوياً له، وبينهما عموم وخصوص، فالتمثيل قد يكون من ناحية المكانة لا من ناحية الشبه، والتشبيه قد يكون كاملاً وقد يكون ناقصاً، وإنما جاء في القرآن نفي التمثيل، وذلك في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] فهو أبلغ من التشبيه.
стр. 44
الفرق بين تفويض الكيف وتفويض المعنى
السؤال
عن قول الإمام أحمد: لا كيف ولا معنى، ما الفرق بينه وبين التفويض؟
الجواب
بالنسبة للتفويض يطلق على أمرين: يطلق على تفويض الكيف وعلى تفويض المعنى، فتفويض الكيفيات تفويض مطلوب من كل أحد؛ لأن الكيفيات لا تصل إليها العقول، فتفوض إلى الله كيفيات صفاته؛ لأنك لا يمكن أن تدرك ذلك بعقلك.
وأما التفويض في المعنى: فإنه لم يعرف الكلام فيه قديماًَ، بل أول من ذكر عنه أنه صرح به هو أبو الحسن الأشعري، وذلك حين خالط الأعاجم، واختلطت اللغة العربية بغيرها من اللغات فقال: إذا قلت للأعجمي: الاستواء معلوم والكيف مجهول، قال لي: معلوم عندك، أما أنا فغير معلوم عندي، وإذا قلت له: اليد معلومة في اللغة، قال: أنا غير معلومة عندي، فاضطر حينئذ إلى أن يفوض وأن يقول له: الله أعلم بمراده به.
وسنتكلم على هذا النوع من أنواع التفويض، وهل هو مذهب السلف أو قريب من مذهب السلف؟ لأن بعض الناس يزعم أنه مذهب السلف تماماً، وهذا الذي ذكره السبكي والسيوطي وغيرهما حتى الحافظ ابن حجر، ولكن الواقع أن بينه وبين مذهب السلف فرقاً بسيطاً جداً، فالسلف مثلاً يقولون في مثل هذه الصفات: الاستواء معلوم، وأصحاب التفويض يقولون: الله أعلم به، ولا يؤول ذلك واحد منهما، ولا ينفيه واحد منهما، ولا يصرح بشرح لفظ من ذلك واحد منهما، الخلاف فقط في الجواب عنه، فهذا يقول: معلوم، وهذا يقول: الله أعلم به، فالأمر فيه سهل.
أما بالنسبة لكلام الإمام أحمد فإنه قد يفهم منه الوجهان معاً، قد يكون المقصود بقوله: (ولا كيف) أنه لا يبحث عن الكيف، فيكون هذا من تفويض الكيف، وقطعاً لا يقصد به أنه لا كيف للصفة؛ لأن كل صفة لا بد لها من كيف، لا يفهمها العقل بلا كيف، لكن الكيف مجهول، وقوله: (ولا معنى) محتملة لأمرين: الأول: إما أن يكون المعنى: لا تفسير لذلك، أي: لا يحل لك أن تفسره بأي لفظ آخر، وهذا القول هو الراجح.
القول الثاني: أن (لا معنى) معناه: أن معناه مجهول بالنسبة لنا نحن، وإنما نؤمن بأنه حق، وبأن الله إنما وصف نفسه بذلك كمالاً له، وهذا القول هو قول التفويض.
стр. 45
الكلام على تأويل قوله: (كل شيء هالك إلا وجهه)
السؤال
صرف بعض الآيات عن ظاهرها كالوجه في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] مع إثبات الصفة بالجملة هل يعد هذا من التأويل؟
الجواب
أن هذه الآية مختلف في تفسيرها وهي قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) فالتفسير الراجح فيها: أن الوجه المذكور فيها ليس الوجه بالمعنى كالصفة المقصودة، وإنما المقصود بالوجه الذات، فالوجه يطلق على الذات، والمقصود في الآية ليس أن ذاته غير وجهه، بل المقصود أن كل العالم يفنى ويبقى الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] معناه: تبقى ذاته متصفة بصفاته، والوجه يطلق على ثلاث إطلاقات: فالأول: يطلق على السبيل فيقال: تصدق فلان لوجه الله، معناه: في سبيل الله.
والثاني: يطلق على الذات مثل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) ، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) .
والثالث: يطلق على الصفة المخصوصة مثل: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) فهذا فيه إثبات صفة مخصوصة وهي صفة الوجه.
فإذاً هذه ثلاث إطلاقات من لفظ واحد وهو لفظ الوجه.
стр. 46
الكلام على مقولة: المعطل يعبد عدماً والمشبه يعبد جسماً
السؤال
ما حجة المقولة: المعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد جسماً، وما صحة القول بأن المعطل أخف ضرراً من المشبه؟
الجواب
بالنسبة لكون المعطل يعبد عدماً، فالمقصود به أنه شبهه بالمعدومات، فالمعطل والمجسم كلاهما مشبه؛ لأن المعطل شبهه بعدم، حيث نفى عنه الصفات كلها كالمعتزلة الذين ينفون عنه كل الصفات، فجعلوه كالعدم المحض؛ لأنه لا يمكن أن يكون موجود غير متصف بصفة، لا يمكن أن يتصور عقلاً أن الشيء موجود وهو غير متصف بأية صفة، فالمعتزلة إنما نفوا الصفات فراراً من تعدد القديم، لذلك قال المختار ابن منى ﵀: ومن تعدد القديم المعتزلْ فر إلى نفي المعاني إذ جهلْ فعندما تصوروا أن القديم لا يمكن أن يكون متعدداً نفوا الصفات؛ لأنهم يرونها شيئاً زائداًَ عن الذات.
والمشبه يعبد جسماً؛ لأنه شبهه بالمخلوق، والجسم هنا من الألفاظ التي لم ترد بالإثبات ولا بالنفي، لكن ما دامت كذلك فهي من المنفيات؛ لأنه لا يحل إطلاق شيء على الله مما لم يطلقه على نفسه ولم يطلقه عليه رسوله الله ﷺ ؛ لقصور العقل عن بلوغ ذلك.
وأما القول بأن المعطل أخف ضرراً من المشبه فذلك أن المعطل بالغ في التنزيه، وأما المشبه فإنه وصل إلى النقص، حيث لا يزال الشيطان يوقعه حتى يصل به إلى ما وصل إليه كثير من المشبهة في زمان السلف، فقد كان بعضهم نسأل الله السلامة والعافية يثبت حتى أعضاء البدن لله ، ويشبه ذلك بنفسه نعوذ بالله.
стр. 47
سلسلة الأسماء والصفات [٤]
درج كثير من العلماء في العصور المتأخرة على إطلاق كلمة (ذات الله) على ما يقابل صفاته ، وهذا المعنى غير معروف في لسان العرب ولا في المصطلحات الشرعية، ولا تضاف كلمة (ذات) إلى الأعلام إلا شذوذاً، والأصل أن تضاف إلى غير الأعلام كالإله فيقال: (ذات الإله) كما كانت مستعملة في الجاهلية وفي صدر الإسلام، ويقصد بها عند من أطلقها منهم أنها ملته وشرعته وسبيله، لا بمعنى ما يقابل الصفة كما يطلقها المتأخرون.
стр. 48
إطلاق لفظ (الذات) على الله
قال شيخنا حفظه الله: [يقال نفسه كما قال كتب ربكم الآية أما من نسب ذاتاً له فقد عنى التي له ملته شرعته سبيله والأصل أن تضاف للإله لا للضمير أو للفظ لله كمثل ما قال خبيب إذ صلب وقال نابغة ذبيان الذرب لأنها تأنيث ذي الملتزمِ فيه الإضافة لغير العلمِ لظاهر قال ابن مالك وقد ذكر ما يلزم (ذو) في ذا الصدد ذو ذات أنثاه ذوات الجمع وجريان الأصل مثل الفرع نعم أتت مضافةً لله في كذبات القانت الأواه وهو شذوذ ونظيره ذو بكة مما وجهه الشذوذ] هذه الأبيات كلها في مبحث واحد، وهو مبحث إطلاق الذات على الله ، فإن الله له صفات ويقابلها هو (الذات) فالذي يطلق عليه لفظ الله هو هذا الاسم، فيدل على الله وعلى صفاته، فهو بفهم العقل لا يمكن أن يفصل عن الصفات أصلاً في الوجود الخارجي؛ لكن في الوجود الذهني يمكن أن يتخيل الفصل، فأنت إذا أردت أن تثبت ماهيةً دون أن تخوض في صفاتها فهذا بالنسبة للماهيات المخلوقة الأمر فيه سهل؛ لكن بالنسبة لله تعالى فإن صفاته لا تفارق ذاته، فلا يمكن أن تثبت الذات دون الصفات، لكن مقابل الصفة ماذا يسمى؟ سماه الله نفساً في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤] وفي قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] فإطلاق النفس عليه لا إشكال فيه قطعاً؛ لأنه ثابت في النصوص فتكون نفس الله وصفات الله، لكن لم يُستعمل في صفات الله هذا الاستعمال، وإنما استعملوا له (ذات) على مقابل الصفة.
فالشيخ قال: (يقال نفسه كما قال: (كَتَبَ رَبُّكُمْ الآية) فلا إشكال في هذا.
стр. 49
إطلاق الذات على الله في مقابل الصفة اصطلاح حادث
وبهذا نعلم أن لفظ ذات إنما جاء إطلاقه على مقابل الصفة في العصور المتأخرة، وإن كان بعض أئمتنا يطلقه لكنه إنما يقصد بذلك المجاراة، وأصبحت كلمة دارجة في عرف الناس، والناس يقولون: خطأ مشهور خير من صواب مهجور، وهذه الخيرية نسبية؛ لأنها إذا كانت تقتضي إثباتاً أو نفياً في مجال الاعتقاد فليست كذلك، لكن المقصود به الإفهام والمجاراة، فإذا كان الناس لا يعرفون مقابل الصفة إلا بالذات فإننا نقيس عليه هذه الكلمة، وإن كانت ليست في لغة العرب أصلاً، فليس في لغة العرب لفظ (ذات) تطلق على مقابل الصفة، وإنما هي من ألفاظ المتكلمين التي اندرجت بالعربية فأصبحت دارجة فيها، فهي من الكلام الدارج.
стр. 50
إضافة الذات إلى الله ورد شذوذاً في حديث كذبات إبراهيم
(نعم أتت مضافة لله في كذبات القانت الأواه) نعم: استدراك على ما سبق، وذلك أنه جاء في صحيح البخاري: (ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله) وفي رواية: (أن اثنتين منهن في ذات الله) يعني: إبراهيم ما كذب إلا ثلاث كذبات اثنتين منهن في ذات الله، فأضيفت هنا (ذات) إلى (الله) فيكون هذا من الشاذ في اللغة؛ لأنه أضيف فيه لفظ (ذات) إلى العلم وهذا نادر، وكذبات إبراهيم هي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] كذب في ذات الله ليتركوه فيخلو بأصنامهم ويحطمها، والثانية قوله: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] يقصد الأصنام، والثالثة: قوله في زوجته: هي أختي ويقصد بذلك أخوة الدين، هذه ثلاث كذبات كلهن في ذات الله، أو اثنتان منهن في ذات الله، والمقصود بذات الله: سبيل الله، أي: قصد بذلك إعلاء كلمة الله، ومن هنا أجاز العلماء الكذب في العمل لنصرة دين الله، وإذا خيف على العمل له فيكون الصدق فيه محرماً والكذب واجباً؛ لأن الصدق يؤدي فيه إلى ضرر، وما حرم الكذب إلا من أجل الضرر الذي يؤدي إليه، وما أوجب الصدق إلا من أجل النفع الذي يحصل به، فإذا ترتب على الصدق ضرر وعلى الكذب نفع انعكس الأمر وانتقض الحكم.
وقد أذن رسول الله ﷺ للحجاج بن علاط السلمي ﵁ أن يكذب على قريش حتى يستخلص منهم أمواله، وقد كذب كذباً لو كذبه أحد لم يؤذن له به لكان كفراً؛ لأنه زعم أن رسول الله ﷺ : قد هزم وأنهم أخذوه أسيراً، وأنهم قالوا لن نقتله حتى نبيعه بمكة، فمن زعم أن رسول الله ﷺ هزم فقد كفر؛ لأن هذا استخفاف بمقامه ﷺ .
قوله: (وهو شذوذ) .
يقصد الشذوذ اللغوي ولا يقصد الشذوذ الحديثي، فليس الحديث شاذاً من ناحية الرواية الحديثية.
والشاذ لدى المحدثين هو: رواية المنفرد إذا خالفه من هو أوثق منه أو أكثر، فالحديث الذي رواه عدد لا يكون شاذاً، بل لا بد فيه من الانفراد.
والأمر الثاني: لا بد أن يكون ثقة، فإن كان غير ثقة كان حديثاً منكراً، وإذا انفرد به غير الثقة لا يسمى شاذاً وإنما هو منكر.
القيد الثالث: أن يكون خالفه، والمقصود بالمخالفة: المخالفة بالإثبات أو النفي أو بإضافة حكم، لا مجرد الزيادة، فزيادة الثقة لا تعتبر شذوذاً، وكذلك الزيادة في الإسناد وهي المسماة عند المحدثين: المزيد في متصل الأسانيد، فلا تسمى شذوذاً أيضاً.
أما الشاذ في اللغة: فهو ما انفرد عن القاعدة وهو المقصود هنا؛ لأن القاعدة هي المعبر عنها بالأصل، وقد ذكرنا من قبل أن الأصل يطلق على القاعدة، فالأصل أن تضاف (ذو) إلى الاسم الظاهر غير العلم، وهنا أضيفت إلى العلم فهو شاذ، أي: منفرد عن القاعدة.
(ونظيره ذو بكة) : كما في الأثر الذي ذكرناه عن ابن الزبير فيما كتب على الحجر.
(مما وجهه الشذوذ) : أي: وجهه اللغوي شذوذ.
стр. 51
إضافة الذات إلى العلم نادر وشاذ
ونظم القاعدة في قوله: وقل أن تضاف ذو إلى العلم إضافة لفظ (ذو) إلى علم نادرة جداً، وقد ذكر ما ورد منه وهو: (ذو تبوك وذو مكة) ذو تبوك.
أي: أميرها وقائدها، وتبوك: اسم محلة دون الشام أو من الشام، وكانت عيناً في الجاهلية ولم يكن عليها سكنى، وإنما عسكر عليها رسول الله ﷺ وقبل أن يصل إليها أمر من سبقه إلى العين ألا يأخذ شيئاً من مائها، فسبقه رجلان فانصرفا للماء فدعاهما ووبخهما على ذلك توبيخاً شديداً، كما في الصحيح ثم قال لـ معاذ: (يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جناناً) فكان ذلك بعد أن مضت سنوات قليلة حتى كانت تبوك جناناً، وملئت بالحياة والزراعة والنخل، وما زالت كذلك إلى اليوم، وقد دعا رسول الله ﷺ بإناء فتوضأ فيه وأمر أن يصب ذلك في عينها، فلم تغر من ذلك الوقت ببركة وضوء رسول الله ﷺ .
وكذلك ذو بكة: جاء هذا في حجر وجده ابن الزبير داخل الكعبة حين هدمها لإعادة بنائها، فوجد فيها حجراً كتب عليه: أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض (ذو بكة) معناه: مالك مكة وبكة هي مكة كما جاء ذلك في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦] فبكة من البك وهو الإهلاك؛ لأنها تبك الظالمين، فإنها لم يعتد فيها ظالم من قبل إلا أهلكه الله، كما قالت القرشية لابنها: أبني لا تظلم بمكة لا الكبير ولا الصغير أبني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما بنيت بساحتها القصور ولقد غزاها تبع فكسا بنيتها الحبير يمشي إليها حافياً بفنائها ألفا بعير والله آمن طيرهاوالعصم تأمن في ثبير وقد كان أهل الجاهلية يشاهدون هذا، ولكن عندما جاء الإسلام رفع ذلك، كما قال ذلك ابن عباس: قد كان ذلك في الجاهلية حيث لا حاكم يردع عنها، فكان الذئب يطرد الأرنب فتدخل في الحرم فيرجع عنها، وكان الإنسان يعصي الله من الليل في مكة فيفضحه الله من النهار، وتسلط عليه بائقة من البوائق: إما أن تنزل عليه صاعقة، أو أن تأتيه حية بين الناس فتأخذه، أو نحو ذلك، فلما جاء الإسلام رفع الله بالسلطان والقرآن ما كان يردعه مباشرة، وأصبح الناس يذنبون في الحرم فلا تعجل لهم العقوبة، لكن ذلك سيزيد عليهم؛ لأن الذنب يعظم بحسب الزمان والمكان.
وقول ابن مالك: (وذات أنثاه ذوات الجمع) أي: ذات هي التي تطلق على مؤنث ذو.
(ذوات الجمع) أي: ذوات هي جمع ذات، (وجريان الأصل مثل الفرع) جريان الأصل وهو ذو تجري فروعه كلها فذات، وذوات، وذوو كلها لا تضاف إلى العلم ولا تضاف إلى الضمير إلا نادراً، فمن إضافتها إلى العلم قوله: ذو بكة، وقوله: ذو تبوك، ومن إضافتها إلى الضمير قول الشاعر: صبحنا الخزرجية مرهفات أباد ذوي أرومتها ذووها ذوو عروبتها ذووها: ذووها أضيفت إلى الضمير هنا، وهذا نادر جداً لم يسمع منه غير هذا البيت.
стр. 52
أول تحقيق للكتب في التاريخ وذكر أصح نسخة للبخاري ودور ابن مالك في ذلك
وأما صحيح البخاري فأكثر الكلمات التي فيها غرابة لغوية أو إشكال جمعها ابن مالك حين كان اليونيني يريد تحقيق صحيح البخاري، وهو أول عملية تحقيق في هذه الأمة، هذا التحقيق الذي يفخر به المستشرقون إنما نشأ في بداية القرن الثامن الهجري حينما ابتدأه اليونيني ﵀، فجمع ستة عشر عالماً في دمشق، وأعطاهم أموالاً طائلة، وجمع إليهم نسخ صحيح البخاري المروية في دمشق، فقابلها وكتب الفروق بينها بكل دقة، وجعل الكلام الساقط من بعض النسخ بين قوسين، وأشار عليه بحروف تدل على النسخ، وكانت نسخة اليونيني أصح نسخ صحيح البخاري وأجمعها للروايات؛ لأنه جمع الاختلاف الوارد في رواية ابن عساكر، وفي رواية كريمة، وفي رواية الكشميهني، وفي راوية أبي ذر الهروي، وفي رواية المستملي، وفي رواية الأصيلي، وفي رواية المؤيد، فجمع كل الاختلافات الواردة في روايات صحيح البخاري وأبان الفروق بينها، فإذا أشكلت عليهم أية مسألة لغوية فـ ابن مالك موجود بين ظهرانيهم أحالوها عليه، فكتبها وكتب الجواب عنها، وجمع ذلك في كتاب سماه: التوضيح والتصحيح لحل مشكلات الجامع الصحيح، وهو كتاب مطبوع الآن، لذلك فـ ابن مالك هو مرجع سواء كان في مجال الوحي والنصوص، أو في مجال اللغة.
والشيخ هنا استشهد بكلامه في كافيته، والكافية هي النظم الذي نظمه لأحد أولاده وأراد به أن يقوي ملكته في النحو، فنظم له الكافية الشافية وهي ألفان وسبعمائة وثمانون بيتاً، كما قال هو فيها: ومنتهى أبياتها ألفان مع مئين سبع وثمانين تبع وهو أول كتاب من كتب النحو يكثر فيه من الاستشهاد بالحديث، وكل من سبقه من النحويين يندر لديهم الاستشهاد بالحديث، فلو رجعت إلى كتاب سيبويه وشروحه، لا تجد عناية بالاستشهاد بالحديث، وكتاب سيبويه فيه ثلاثمائة وثمانون آية من القرآن؛ لكن الأحاديث فيه معدودة على الأصابع والظاهر أنها أربعة أحاديث، وأول من أكثر من الاستشهاد بالحديث هو ابن مالك في شرحه الكافية المسمى: شرح الكافية الشافية وقد طبع في خمس مجلدات.
وهذا البيت من الشافية يقول فيه: وذات أنثاه ذوات الجمع وجريان الأصل مثل الفرع
стр. 53
أصل (ذات) أنها تأنيث (ذو) والاستشهاد لذلك من كلام ابن مالك وذكر طرف من مناقبه
قوله: (لأنها تأنيث ذي الملتزم فيه الإضافة لغير العلم) هذا تعليل قوله: (والأصل أن تضاف للإله) وإنما كان هذا هو الأصل في اللغة؛ لأن (ذات) هي تأنيث (ذو) الذي هو من الأسماء الخمسة.
(الملتزم فيه الإضافة) والذي هو بمعنى صاحب، لكنه لا يضاف لعلم ولا إلى ضمير، ولهذا قال: (لغير العلم من ظاهر) ومعناه: من الأسماء الظاهرة فلا يضاف للعلم ولا إلى الضمير.
(قال ابن مالك وقد ذكر ما يلزم ذو في ذا الصدد) قال ابن مالك: وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الجياني منشأً، الأندلسي إقليماً، الدمشقي داراً وبها توفي سنة (٧٧٢هـ) ، الطائي نسباً، الشافعي مذهباً بعد أن كان مالكياً، وهو محدث فقيه لغوي، وهو الذي استطاع أن يفك للناس الإشكالات اللغوية في صحيح البخاري بعد أن أحجم عنها كثير من الناس، فكثير من الألفاظ جاءت في الصحيحين تتباين فيها النسخ والروايات، ويختلف الناس فيها من ناحية اللغة، وإلى الآن ما زال بعضها مشكلاً في صحيح مسلم؛ لأن صحيح مسلم لم يعمل عليه أحد، بينما عمل ابن مالك على صحيح البخاري.
مثال ذلك: (لقد بلغ هذا الكلام قاعوس البحر) ، أو (قاموس البحر) ، أو (ناعوس البحر) كلها روايات في صحيح مسلم.
ونحن إلى الآن لا نعرف أيها صحيح من الناحية اللغوية، وهي مشكلة تردد فيها شراح صحيح مسلم كلهم: أبو العباس القرطبي في المفهم، والمازري في المعلم، والقاضي عياض وهو من أشد الناس عناية باختلاف النسخ في صحيح مسلم، ونقل كلام القاضي عياض النووي ولم يزد عليه شيئاً في هذا الباب، وكذلك الأبي، وكذلك السنوسي وكل شراح مسلم تحيروا في هذه الكلمة.
стр. 54
ذكر الشاهد على إضافة (ذات) من شعر النابغة
وقوله: (وقال نابغة ذبيان الذرب) معناه: ومثل ما قال نابغة ذبيان وهو النابغة الذبياني من بني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أدد، والنابغة أحد شعراء الجاهلية المشاهير، وكان هو حكم أهل الجاهلية في سوق ذي المجاز وفي سوق عكاظ يتحاكمون إليه في شعرهم، وهو أحد الذين علقت قصائدهم على الكعبة، وأحد الشعراء الستة الجاهليين الذين هم أشهر أهل الجاهلية شعراً، مع أن معلقة النابغة اختلف فيها ما هي؟ فقال طائفة من أهل العلم: هي قوله: يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت فطال عليها سالف الأبد أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد وقالت طائفة أخرى هي قوله: عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ماذا تحيون من نؤي وأحجار والنابغة هذا كان حكيماً في الجاهلية معروفاً، وقد عاش حتى بعث رسول الله ﷺ لكنه لم يسلم، ويمكن أن لا تكون قد بلغته الدعوة، وكان ناقداً بليغاً في النقد، فحين أنشده حسان بن ثابت أبياته التي يفخر فيها ويقول: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دماً بين له أنه في هذا البيت وحده أخطأ عدة أخطاء، فقال: قال: جفنات، ولم يقل: جفان، مع أن جفنات جمع قلة.
وقال: الغر، ولم يقل: البيض، والغر بياض الوجه فقط.
وقال: يلمعن، ولم يقل: يضئن.
وقال: بالضحى، ولم يقل: بالدجى؛ لأن الضحى لا فائدة من الضوء فيه.
وقال: وأسيافنا، ولم يقل: سيوفنا، والأسياف جمع قلة.
وقال: يقطرن، ولم يقل: يجرين، وهي أبلغ منها وأشهر.
والنابغة يقول في قصيدته التي يمدح بها الحارث بن أبي شمر الغساني التي مطلعها: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب تطاول حتى قلت ليس بمنقض وليس الذي يرعى النجوم بآيب يقول فيها في مدح بني جفنة: حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب لئن كان للقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حازب وللحارث الجفني سيد قومه ليلتمسن بالجيش دار المحارب إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم عصائب طير تهتدي بعصائب يصاحبنهم حتى يغرن مغارهم من الضاريات بالدماء الدوارب لهن عليهم عادة قد عرفنها إذا عرض الخطي فوق الكواثب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تورثن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب تقد السلوقي المضاعف نسجه وتوقد بالصفاح نار الحباحب محلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب وهذا البيت هو محل الاستشهاد، وفيه روايتان: إحداهما: مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب والأخرى: محلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب ومعنى مجلتهم، أي: مكان إجلالهم وتعظميهم الذي يجلونه ويعظمونه هو ذات الإله، ومعناه: ملة الله وشريعة الله، والرواية الأخرى: محلتهم ذات الإله: أي: أن الذي يعدلون به ويرجعون إليه في أمورهم هو شرعة الله، ولا يرجعون إلى هواهم ولهذا قال: (فما يرجون غير العواقب) أي: أمور الآخرة، فهنا قال: (ذات الإله) ولم يقل: ذات الله، فأضاف لفظة (ذات) إلى الإله؛ لأنه ليس علماً ولا ضميراً، فهذا هو السياق اللغوي.
والذرب معناه: الذي تعود على أن لا يغلب في الكلام ولا في غيره، والذرابة: هي طلاقة اللسان، وقد تكون محمودة وقد تكون مذمومة، فإذا كانت في الحق كانت محمودة، وإذا كانت في غيره كانت مذمومة، فقد ورد عن رسول الله ﷺ وصف أهل النار بأنهم: (كل عتل جواض متفيهق مستكبر) متفيهق معناه: الذي يكثر الكلام ويتشدق به، وذكر في وصف المنافقين أنهم يتخللون بألستنهم كما تتخلل البقر بألسنتها، فهذا النوع من التفيهق والتقعر في الكلام والتكلف فيه مناف للشرع؛ ولذلك لا يكون مدحاً.
ولا يخفى أن كثيراً من الناس تعرفهم في لحن القول يتفيهقون في الكلام، ويتفاصحون فيه ويتقعرون فيه، وهذا الوصف نلومه، بل قد يقتضي نفوراً، كما حصل لرجل كان في الوفاة فدخل عليه رجل يريد أن يلقنه الشهادة فقال: قل: لا إله إلا الله، ولك أن تقول: لا إلهٌ إلا الله! ولك أن تقول: لا إلهاً إلا الله! فقال: أخرجوه عني.
لأنه تقعر له في الكلام، والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] فهذا التكلف مذموم شرعاً، فمن أجل هذا فإن الذرابة في وصف النابغة يمكن أن تكون من باب الذم؛ لأنه جاهلي وقد جاء في شعره كثير من معاني الجاهلية، ويمكن أن تكون أيضاً بمعنى الفصاحة والبلاغة فقد اشتهر بكثير من الإبداع العجيب، وبالأخص فيما يتعلق بالاعتذار، فهو أشعر الناس في مجال الاعتذار، وذلك في اعتذاره للنعمان بن المنذر.
стр. 55
الأصل عدم إضافة (الذات) إلى الضمير ولا إلى العلم
(والأصل أن تضاف للإله لا للضمير أو للفظ الله) والأصل في الذات في اللغة أن تضاف للإله، ولا ينبغي أن تضاف إلى الله؛ لأن (ذا) هو من الأسماء الخمسة الملازمة للإضافة، لكنه لا يضاف إلى الضمير ولا إلى العلم، والله علم، ومن أجل هذا قال: (والأصل) أي: الأصل في اللغة (أن تضاف للإله) ؛ لأن الإله ليس ضميراً ولا علماً بل هو اسم محلىً بأل، (لا للضمير أو للفظ الله) أي: الذي هو علم، مثال ذلك:
стр. 56
ذكر الشاهد على إضافة ذات إلى (الإله) من شعر خبيب
(كمثل ما قال خبيب إذ صلب) أي: خبيب بن عدي أخو بني جحجبى وهو رجل من الأنصار ﵁، خرج في بعث الرجيع الذي أرسله رسول الله ﷺ ؛ ليأتي بأخبار مكة، وأمر عليه عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، وكانوا ثمانية فغدر بهم بنو لحيان وبنو عصية، فقتل عاصم بن ثابت فحماه الله بالدبر، أي: بالنحل، وذلك أن امرأة من قريش قتل عاصم ثلاثة من أولادها يوم أحد، وهي زوجة أبي طلحة بن عثمان بن عبد الدار، فنذرت أن تشرب الخمر في رأسه، وجعلت لمن أتاها برأسه مائة ناقة، فأراد بنو لحيان أن يأتوها برأس عاصم فحماه الله بالدبر، فجاء النحل فحال بينهم وبينه حتى جاء الليل، فجاء سيل فحمل جثته، وقتلوا عدداً منهم وأخذوا رجلين وهما: زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي فباعوهما بمكة، فاشترتهما قريش وكان ذلك في الشهر الحرام، فأمسكوهما حتى خرجت الأشهر الحرم، فأخرجوهما خارج الحرم وقتلوهما.
وقصة قتل خبيب: أنهم حين أرادوا أن يصلبوه سأله أبو سفيان: هل تحب أن تكون الآن بين أهلك وذويك وأن محمداً مكانك نقتله؟ فغضب خبيب وقال: (والله ما أحب أن محمداً ﷺ في المكان الذي هو فيه يشاك بشوكة، وأنني نجوت من بين أيديكم) ، وقد شاهدوا منه أشياء عجيبة كانت سبباً لإسلام بعضهم فيما بعد، فقد كان سجيناً عندهم وكانت تأتيه أرزاق ليست في مكة، فقد أتوه ذات يوم فوجدوا بين يديه طبقاً من العنب وليس ذلك في وقت وجود العنب أصلاً، ورأوا منه أخلاقاً كريمة، فقد خرجت أم خالد بنت الحارث تطلب ولداً لها فوجدته قد أجلسه في حجره وبيده سكين فخشيت أن يذبح الولد، فقال: معاذ الله أن أفعل هذا وأنا في حرم الله، وهذا ابن صغير ما له ذنب أقتله به، فرأوا أخلاقاً عالية فأسلم عدد منهم بعد ذلك، وكانوا يحدثون بهذا ويقولون: ما رأينا أكرم من خبيب بن عدي، وحين صلبوه أنشد أبياته المشهورة التي يقول فيها: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله فإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع فقوله هنا: (وذلك في ذات الإله) هو محل الاستشهاد من قصة خبيب، حيث قال: (في ذات الإله) ولم يقل: في ذات الله، فنسب لفظة ذات إلى الإله؛ لأنه ليس ضميراً ولا علماً.
стр. 57
من أطلق عبارة (ذات الله) من القدماء فإنما يقصد سبيله أو ملته أو شرعته
(أما من نسب ذاتاً له) أي: وقال: ذات الله، ومعناه: أضاف الذات إلى الله، والمقصود إذا كان ذلك في النص أو في كلام السلف مثل: سبيل الله، أو ملة الله، أو شريعة الله، لذلك قال: [..
أما من نسب ذاتاً له فقد عنى التي له ملته شرعته سبيله] أي: اعلموا أن ثم مضافاً إلى الله، أي: مملوكاً لله مثل ملته، أو شرعته، أو سبيله.
والملة والشريعة والشرعة معناها متقارب، لكن الملة: تطلق على ما يشمل الاعتقاد والعمل، والشريعة: تطلق على العمل، والشرعة: تطلق على العمل والأخلاق، فالملة تشمل الاعتقاد والعمل والأخلاق، والشريعة تشمل الأعمال فقط، يعني: أعمال التشريع فقط.
والشرعة: تشمل الأعمال والأخلاق دون الاعتقادات، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ [المائدة:٤٨] فشرعة الأنبياء مختلفة، ولكن عقيدتهم واحدة لقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الشورى:١٣] وقال لرسوله ﷺ : ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥] فملته ما يشمل الجميع في الأصل إلا ما استثني من ذلك.
وليس معناه أن كل تشريع نزل على النبي ﷺ كان موجوداً في ملة إبراهيم، بل هذه الشريعة أكمل من ملة إبراهيم بالكلية، إذ لا يمكن للبشرية أن ترجع إلى الوراء فتأخذ بتشريع قد أخذت به قديماً قبل نضجها، والبشرية لم تتكامل في زمان إبراهيم، بل خاضت بعد ذلك كثيراً من التجارب؛ ولهذا شرع لها كثير من الأديان بعد ذلك على مقتضى المراحل التي تمر بها، وإنما كملت البشرية في وقت النضج الحقيقي حين أرسل الله إليها محمداً ﷺ بهذه الشريعة.
فمن هنا تشترك هذه الشريعة مع ملة إبراهيم في بعض الأمور، سواءً كان ذلك في التشريعات أو في الأخلاق، ففي باب الأخلاق: أخلاق إبراهيم مشروعة لهذه الأمة كالضيافة، وخصال الفطرة، وعدم العجلة والتأني، وعدم الدعاء على قومه والحلم عنهم، فهذه أخلاق إبراهيم وهي مشروعة لهذه الأمة، وقد أخذ بها الرسول ﷺ ، ولم يأخذ بدعاء نوح على قومه، ولا بدعاء هود، ولا بدعاء صالح، ولا بدعاء موسى.
وكذلك لم تكن هذه الأمة مطالبة بكثير من الإيغال في الروحانيات مثل ما طولب بذلك أصحاب عيسى، فكثير مما ورد عن عيسى ﵇ من الأوصاف غير مطلوب من كل الناس في هذه الأمة، من مثل: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر ونحو ذلك، فليس هذا مطلوباً من هذه الأمة، بل عندنا الميزان الوارد في سورة الشورى في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٣٩-٤٣] فهذا ميزان بين أن تصبر وتغفر أو أن تأخذ بحقك، وذلك أن كل واحدة منهما لها مقام، فمن المقامات ما ينبغي فيه الحلم وعدم المؤاخذة بالحق، ومن المقامات ما ينبغي فيه المؤاخذة بالحق وعدم التحلُّم كما قال الحكيم: وبعض الحلم عند الجهـ ـل للذلة إذعان أي: ذلة وليس حلماً حقيقاً.
وكذلك يقول أبو الطيب المتنبي: إذا قيل مهلاً قال للسلم موضع وحلم الفتى في غير موضعه جهل ولولا تولي نفسه حمل حلمه على الأرض لانهدت وناء بها الحمل ويقول أيضاً: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى (أما من نسب ذاتاً له فقد عنى التي له) : يقصد بذلك القدماء ولا يقصد به المتأخرين، فالمتأخرون يطلقون الذات ولا يقصدون هذا المعنى الذي ذكره، بل القدماء سواء كانوا من أهل الجاهلية أو من صدر الإسلام إذا أطلقوا ذات الله أو ذات الإله فإنما يقصدون بها ملته أو شرعته أو سبيله.
стр. 58
الأسئلة
стр. 59
الرسول ﷺ لم يهزم يوم أحد والجيش الإسلامي هزم
السؤال
هل يقال هزيمة أُحُد مثلاً أو نحو ذلك؟
الجواب
إذا قصد بذلك هزيمة المؤمنين أو الجيش الإسلامي فلا حرج، ولكن إذا قصد به التنقص من مكانة الرسول ﷺ ، وأنه هو في نفسه هزم، فإنه غير صحيح وهو باطل من ناحية الاعتقاد، فالرسول ﷺ في غزوة أحد لم يهزم هو وأحد عشر رجلاً معه وامرأة واحدة، أما البقية من المسلمين فقد هزموا فعلاً، هزم الجيش الإسلامي وكان عداده أكثر من سبعمائة رجل، إلا رسول الله ﷺ وأحد عشر رجلاً وامرأة واحدة هي نسيبة ﵂، والبقية كلهم هزموا: وثبت مع النبي اثنا عشر بين مهاجر وبين من نصر وثبتت نسيبة المبايعة قبل وعن خير الورى مدافعة فجيش رسول الله ﷺ فعلاً انهزموا ذاك اليوم، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلاً، لكن هو نفسه لم يهزم والذين بقوا معه لم يهزموا، ونفس الأمر حدث يوم حنين حيث هزم الناس ولم يبق مع رسول الله ﷺ إلا مائة، وهزم عنه حتى كثير من أصحابه المقربين إليه، ولم يبق معه إلا مائة منهم امرأتان هما: أم سليم بنت ملحان وعائشة أم المؤمنين، وصاح العباس في الناس: يا أهل الشجرة! يا أصحاب البيعة!
стр. 60
سلسلة الأسماء والصفات [٥]
لله تعالى صفات مذكورة في الكتاب والسنة، وقد خالف في إثباتها المشبهة والمعطلة، وقد ذكر أهل السنة قواعد ترد على الفرقتين، وتبين الطريقة السليمة في إثبات صفات الله الذاتية والفعلية من غير انحراف.
стр. 61
الكلام على قاعدة (القول في صفات الله كالقول في ذاته ونفسه)
يقول الشيخ حفظه الله: [وما نقول في صفات قدسه فرع الذي نقوله في نفسه]
стр. 62
الرد بالقاعدة على المشبهة والمعطلة
هذا شروع في وضع قواعد لتوحيد الأسماء والصفات، وهذه القواعد أهمها قاعدتان: أولاهما: أن القول في الصفات كالقول في الذات، وهذه القاعدة هي التي نظمها في هذا البيت بقوله: (وما نقول في صفات قدسه فرع الذي نقوله في نفسه) أي: إن الكلام في صفاته مثل الكلام في ذاته، وهذه مزيلة لكل إشكال، سواء كان من جهة المعطلة أو من جهة المشبهة: أما من جهة المعطلة: فإنهم يثبتون له نفساً هي الذات عندهم، وهم يعرفون أن للمخلوق ذاتاً ومع ذلك لا يقتضي إثبات أن له ذاتاً وأن للمخلوق ذاتاً التشبيه قطعاً عندهم! فما الفرق بينها وبين الوجه واليدين والعين والقدم والساق؟! لا فرق، وهم إنما نفوا الصفات فراراً من التشبيه، فلماذا لم ينفوا الذات كذلك فراراً من التشبيه؟ وأما من ناحية التشبيه: فإن المشبهة سبب غلطهم هو فهمهم لهذه الصفات على مقتضى مشابهتها للمخلوق، ومع ذلك فهم يثبتون لله ذاتاً ولا يشبهونها بذوات المخلوق فما الفرق؟ أي: إذا كانوا يؤمنون بأن له ذاتاً لا تشبه ذوات المخلوقين، ولا ينبغي لها أن تشبه أي شيء، فلماذا يشبهون صفاته بصفات الخلق؟ فالقول في الصفات كالقول في الذات، فهذه القاعدة من أهم القواعد في هذا الباب؛ لأنها قاضية على الاتجاهين معاً، وهي أبلغ شيء في رد هذه الانحرافات التي تنشأ في هذا الباب.
قوله: (فما نقول في صفات قدسه) أي: في صفاته المقدسة، والقدس بمعنى الطهارة والنزاهة، يقال تقدس بمعنى تطهر، ويطلق ذلك على الله للدلالة على تنزهه عن كل نقص، فهو المنزه عن كل نقص.
وأضاف الصفات إلى القدس لتعظيمها؛ لأن هذه الصفات مقتضية لإثبات الكمال ولنفي النقص؛ فلذلك كانت صفات قدس.
قوله: (فرع الذي نقوله في نفسه) أي: مرتب عليه فهو فرع عنه؛ لأننا إذا أثبتنا أن له نفساً مخالفة لأنفس المخلوقين، فكذلك نثبت له ما أثبته لنفسه من الصفات التي تخالف صفات المخلوقين، ولا تشبهها بوجه من الوجوه.
ورتب على هذه القاعدة قوله: [فإن يقل جهميهم كيف استوى كيف يجيء فقل له كيف هو] أي: إذا قال المعطل وهو الذي يسمى بالجهمي نسبة إلى الجهم بن صفوان: كيف استوى؟ معناه: سأل عن الكيف في صفات الذات: كيف الوجه، أو اليدين، أو العين؟ أو سأل عن الكيف في الصفات الفعلية كالمجيء والاستواء والنزول ونحو ذلك؟ فجوابه أن يقال له: كيف هو؟ أي: لماذا لا تطلب الكيف في ذاته وتطلب الكيف في صفاته؟ فهو لا يمكن أن يوجه إلينا سؤالاً عن كيفية ذاته؛ لأنه مؤمن بها مسبقاً، وإنما أشكل عليه إثبات هذه الصفات التي جنسها في الاسم ثابت للمخلوق؛ فلذلك إذا أعيد عليه السؤال فسئل عن كيفية ذاته فإنه يقول: أنا أؤمن بأن له ذاتاً لكني جاهل بكيفيتها، فيقال: كذلك آمنت بأن له هذه الصفات وأنت جاهل بكيفياتها.
وكلام السلف في نفي الكيف المقصود به: نفي استيعابه وإدراكه، وإلا فالكيف من المقولات اللازمة لكل صفة.
стр. 63
صفات المخلوقين تقتضي السؤال عن عشر مقولات والخالق بخلاف ذلك
والصفات أياً كانت فإنها في إثباتها تقتضي عشر مقولات، هذه المقولات هي التي تسمى: مقولة الملك، ومقولة التملك، ومقولة الفعل، ومقولة الانفعال، ومقولة الكيف، ومقولة الكم، ومقولة الأين، ومقولة المتى، ومقولة الإضافة، ومقولة التصور، فهذه عشر مقولات وهي التي نظمها أحد المناطقة في قوله: زيد الطويل الأزرق ابن ملك في بيته بالأمس كان متكي في يده غصن لواه فالتوى فهذه عشر مقولات سوا فالكيف معناه: السؤال عن الهيئة.
والكم معناه: السؤال عن القدر.
والمتى معناه: السؤال عن الوقت.
والأين: السؤال عن المكان.
والتصور: السؤال عن الحقيقة.
ومقولة الملك معناها: السؤال عن الحيازة.
ومقولة الفعل معناها: السؤال عن التصرف.
ومقولة الانفعال معناها: السؤال عن التأثر.
ومقولة الإضافة معناها: السؤال عن نسبة غيره إليه.
وهذه المقولات لا يمكن إدراك أي تصور إدراكاً كاملاً إلا بها، ولكن فيما لا يمكن أن يحاط به في التصور لا يمكن أن يؤتى بجواب هذه المقولات؛ فلذلك لا توجه إليه فإنه لا يسأل عن كيفه، ولا عن كمه، ولا عن متاه، ولا عن أينه، وإذا سئل عن الأين فالمقصود بذلك إثبات صفة العلو فقط، دون أن يزعم أن له جهة تحده وتحيط به فالإحاطة في حقه ممنوعة؛ لأنه هو الذي خلق الجهات، وكذلك الكم لا يسأل عنه فهو الكبير المتعال ولا يمكن أن يتصور المخلوق كمه؛ لكن لا يقتضي هذا أن ننفي هذه المقولات أصلاً، فلا يقال: لا كيف له، أو لا كم له، أو لا أين له، أو لا متى له، لكن يقال: لا يحيط به شيء من هذه المقولات ولا نعلمها نحن.
لكن لو كشف الحجاب عنا فرأينا وجهه كما نرى القمر ليلة البدر لا نضام في رؤيته، فإن الكيف سيفهم بعضه، ولا يمكن أن تحيط به الرؤية لكن تعرف بعض الكيف؛ ولهذا فإن ما قاله الإمام أحمد فيما يتعلق بالكيف قال: (أمروها وأقروها ولا كيف ولا معنى) ، فمقصوده بلا كيف: لا تسألوا عن الكيف، ومقصوده بلا معنى: لا تخوضوا في معناها، وإلا فلها معنىً ولها كيف، ولذلك قال مالك ﵀ للذي سأله عن الاستواء: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا صاحب سوء، فأخرجوه عني) فأثبت الكيف ونفى العلم به، فالكيف موجود لكن المعنى نجهله.
(فإن يقل جهميهم) أي: جهمي المعطلة المعترض منهم أياً كان (كيف استوى؟ كيف يجيء؟) أو يسأل عن كيف أي صفة من الصفات، (فقل له: كيف هو؟) أي: اسأله عن كيف ذاته فإنه سيبهت بذلك.
стр. 64
الكلام على قاعدة (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر)
ثم ذكر القاعدة الثانية وهي: أنه لا فرق بين بعض الصفات وبعض، أي أن الكلام في بعض الصفات كالكلام في بعض، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض، هذه القاعدة الثانية مهمة قال فيها: [لا فرق بين ما سميه يعد وصفا لنا كعلم أو جزءاً كيد] (لا فرق بين ما سميه) أي: المشترك معه في الاسم من الصفات، فمن الصفات ما لا يشترك معه صفة للمخلوق في اسمه، ومنها ما يشترك معه بعض صفات المخلوق في الاسم، فصفة الوجه تضاف إلى المخلوق وتضاف إلى الخالق، لكن الوجه في المخلوق معروف، والوجه في الخالق نؤمن به ولا نبحث عن كيفه، وكذلك في العلم والإرادة والقدرة، كل له علم وإرادة وقدرة بحسبه.
فالقول في بعض الصفات كالقول في بعضها، فلذلك قال: (لا فرق بين ما سميه يعد وصفاً لنا كعلم أو جزءاً كيد) فالباب في الجميع واحد، فبعض الصفات يشترك معه بعض صفات المخلوق في الاسم كالعلم والإرادة والقدرة، وبعضه يشترك معه بعض أبعاض المخلوق في الاسم كالوجه والعين واليد والقدم والساق ونحو ذلك؛ لكن لا فرق فيما يتعلق بإثباته لله ؛ لأن الجميع في حقه صفة.
стр. 65
معنى كون الوجه واليد ونحوها صفات لله
وهذه المسألة ذكرها كثير من الذين ساروا على طريقة السلف من المتأخرين، وورد الكلام فيها عن عدد من السابقين كـ ابن خزيمة والدارقطني وأهل تلك الطبقة، لكن اختلف اللاحقون في معنى كون هذه صفات لله ، فورد عنهم فيها وجهان: الوجه الأول: ما ذكره ابن القيم من أن هذه -أعني الوجه- والعين واليدين والقدم والساق والأصابع إما أن تكون أبعاضاً، وإما أن تكون صفات، قال: والأبعاض تدل على التجزئة، وهي نقص فهي محالة على الله، فلم يبق إلا أنها صفة، هذه طريقة ابن القيم.
الوجه الثاني: هو ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري عند شرح: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] أنها صفة الرحمن، قال: المقصود بكون الوجه واليدين والعين صفة لله تعالى إثبات كينونتها، أي: كونه ذا يدين صفة من صفاته، وكونه ذا وجه صفة من صفاته، وكونه ذا عين صفة من صفاته، وكونه ذا قدم صفة من صفاته، وكونه ذا ساق صفة من صفاته، وكونه ذا أصابع صفة من صفاته، فإثباتها وصف له، أي: إنك إذا أثبت له وجهاً فقد وصفته بأنه ذو وجه، وإذا أثبت له اليدين فقد وصفته بأنه ذو يدين وهكذا، وهذه الطريقة التي سلكها الحافظ ابن حجر أقرب وأسهل من التي سلكها ابن القيم.
(لا فرق بين ما سميه) أي: المشترك معه في الاسم، وهو الذي أطلق عليه هذا الاسم فقط (يعد وصفاً لنا كالعلم) والإرادة، والقدرة، والحياة.
(أو جزءاً) : وهو ما يشترك معه بالاسم ويعتبر جزءاً في المخلوق، لكن نسبته للخالق أنه صفة، فلا فرق بين الصنفين، وهذا لا يقتضي تشبيهاً لمجرد الاشتراك في الاسم، ألا ترى أن الجنة: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] وهذه سميها في الدنيا معروف، ولكنه لا يشترك معها إلا في الاسم فقط، كما قال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) والاشتراك في الاسم لا يقتضي شبهاً، وإذا كان هذا التباين الكامل وانقطاع الشبه بين المخلوقات مع الاشتراك في الاسم، فكيف تكون المقارنة لو كان هذا بين الخالق والمخلوق؟
стр. 66
إثبات صفة الوجه واليدين ونحوها هو من باب التسليم والإيمان بالغيب
ومن هنا نعلم أن هذه الصفات إنما أخبرنا بها على وجه امتحان إيماننا بالغيب؛ لأن أصل إخبارنا بما لا يصل العقل إلى كيفه؛ إنما هو امتحان بالتفريق بين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن به، فالمزية ليست في الإيمان بالشهادة، إنما هي في الإيمان بالغيبيات التي تقصر دون تصورها العقول.
فإذا انطلق الإنسان من منطلق التسليم المطلق لكل ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، فإنه يتصف بهذه الصفة الحميدة التي هي الإيمان بالغيب؛ ولذلك فإن الله -كما أخبر رسوله ﷺ يأتي أهل الجنة في صورة يوم القيامة فيقول: أنا ربكم فيقولون: لا لست بربنا، فيقول: وما الأمارة بينكم وبين ربكم؟ فيخبرونه أنه يكشف عن ساق، فيتجلى لهم في صورة أخرى، فيكشف عن ساق فيخرون له سجداً، ويقولون: أنت ربنا، وفي ذلك الوقت كل من لم يكن يسجد لله في الدنيا يجعل الله ظهره من نحاس فلا يستطيع السجود، وبهذا فسر قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] وقد جاء في تفسير الآية غير هذا، كما صح عن ابن عباس: أن هذا مما تطلقه العرب على الشدة، فيقولون: (يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) أي: يشمر للأمر، وهذا يقتضي الشدة.
ولا مشاحة في الأمر؛ لأن الحديث ثابت في صحيح البخاري، والآية معناها محتمل له، فيمكن أن تفسر الآية على مقتضى الحديث، ويمكن أن تفسر على التفسير الذي فسره ابن عباس، فلا يتعين أن يكون هذا هو المقصود بالآية؛ لأن الحديث لم يقل: وهذا معنى قول الله تعالى، ولذلك يغلط بعض الناس في الكلام في هذه الآية، فالذي يعدها من آيات الصفات جزماً غلط؛ لأنه جاء في تفسيرها عن ابن عباس غير ذلك؛ ولذلك من ينكر على من فسرها بغير هذا، أو يجعله مؤولاً أو نحو ذلك غلط؛ لأن تفسيرها بهذا ثابت عن ابن عباس وغيره، لكن لا يقتضي ذلك نفي صفة الساق فإنها ثابتة في الحديث الذي ذكرناه.
[فالباب في الجميع واحد] أي: في صفات الله [واحد] .
(فما لنا فيها إلا الخبر) أي: فلا نستطيع أن نصل إلى كنهها، وما عرفنا أنه حي إلا بخبره، وما عرفنا أن له وجهاً إلا بخبره، فما الفرق بين اتصافه بالحياة وبين اتصافه بكونه ذا وجه؟! فالباب في الجميع واحد، وهو باب التسليم المطلق.
[فلا تكن معطلاً] أي: فلا تكن معطلاً لهذه الصفات نافياً لدلالتها، كمن يرى أن هذه الآيات التي جاءت فيها هذه الصفات أو أن الأحاديث التي ورد فيها ذلك هي من المتشابه الذي نؤمن بلفظه ونكف عن معناه، فهذا من تعطيلها عن دلالتها.
[ولا ممثلاً] : أي لا تكن مشبهاً أيضاً، فتظن أن اشتراك هذه الصفات مع صفات المخلوق أو أجزائه بالاسم يقتضي شبهاً، فليس الأمر كذلك.
стр. 67
من أمثلة الصفات الواردة في النصوص
ثم بدأ في عد بعض الصفات التي جاءت بها النصوص فقال: [يأتي يجي يكشف عن ساق يضع قدمه على جهنم يسع بفضله الخلق يداه بالعطا مبسوطتان كيف شاء بسطا كلتاهما في يمنها يمين فهو بذا من خلقه يبين] هذه الصفات بعضها صفات فعلية، وبعضها صفات ذات، والصفات الفعلية بعضها اختيارية بمعنى: متكررة، وبعضها ثبتت مرة واحدة.
стр. 68
من الصفات الفعلية: المجيء والإتيان
فمن صفات الأفعال قوله: (يأتي) : وهذه الصفة ثابتة بكتاب الله لقول الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١٥٨] (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) هذا إثبات لهذه الصفة، وقد جاء تفسير ذلك: أن الباري عندما يحشر الناس إليه وينادى فيهم: هلموا إلى ربكم! فيخرجون: ﴿مِنْ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] يجمعون بالساهرة، وهي أرض بيضاء كالكرسفة، فيرى الشخص الواحد كل من كان على هذه الأرض منذ آدم إلى نهاية الدنيا، يحيط بهم البصر، ويؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، وتحيط بالناس من كل جانب، ويصف الملائكة صفاً بأجناسهم، ويتجلى الباري لفصل الخصام: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧] فيظل بظل عرشه من شاء من عباده، ويمنع من شاء من ذلك، ففي هذا جاء قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٢-٢٤] .
فمن هنا كان ذكرنا لهذه الصفات إنما يقتضي العمل على لازمها، وألا نقرأها صفات مجردة كما يحصل لدى كثير من الناس، فكثير من الناس يقرأ هذه الصفات على أنها مجرد معان يفهمها، أو ألفاظ يلوكها بلسانه ولا تؤثر في عمله، ولا في شعوره، ولا في محبته لله، ولا في إخلاصه له، ومن هنا تصبح هذه المادة مقتضية للقسوة والغلظة، بعد أن كان المقصود منها الترقيق والمحبة والعاطفة في التعامل مع الله ، والإقبال عليه بقلب سليم.
وفي قوله: (يجي) إثبات لهذا الفعل وهو فعل المجيء، والمجيء هو والإتيان واحد؛ لكن لأن الله أثبت الفعلين في كتابه، فإن الله قال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) وقال: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢١٠] نعم: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥] .
стр. 69
صفة الساق
وقوله: (يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) : هذا فعل آخر وهو فعل الكشف، والمقصود به: ليس الكشف عن ذاته، وإنما هو الكشف عنا نحن، فنحن المحجوبون لا هو، فالله لا يمكن أن يحيط به حجاب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] .
فالحجاب يتعلق بالمخلوق ولا يمكن أن يتعلق بالخالق، ولهذا فالحجاب الذي (لو كشف لأحرقت سبحات وجهه السماوات والأرض ومن فيهن) هذا الحجاب هو على السماوات والأرض لا على وجهه .
فإثبات صفة الكشف هنا مهم؛ لأنه يتعلق بالكشف عن الساق، وكشف الحجاب عن ساق فيه إثبات لصفة الساق لله ، وقد صح ذلك في الحديث الذي ذكرناه في صحيح البخاري، وأيضاً على تفسير آية نون.
стр. 70
صفة الوضع وصفة القَدَم
وقوله: (يضع قدمه على جهنم) : هذه الجملة مثبتة لصفتين: صفة فعلية وصفة ذاتية مثل سابقتها، فالفعل يثبت صفة فعلية، والاسم يثبت صفة ذاتية، فقوله: (يضع) هذا إثبات لصفة الوضع، فهو (يضع قدمه على النار فينزوي بعضها على بعض وتقول: قط قط، أو قطني قطني) .
وقوله: (يضع قدمه على جهنم) ، هذا إثبات لصفة القدم لله .
(على جهنم) : وهو اسم من أسماء النار، واختلف فيه هل هو عربي أو أعجمي؟ فقيل: هو عربي، والنون التي فيه زائدة وأصله من التجهم وهو تغير الوجه، والمقصود بذلك أن من رآها استاء لها.
وقيل: هذا اللفظ عجمي وليس من ألفاظ العربية، وهذا الذي تميل إليه النفس.
والله قد تعهد للنار بملئها، وجاء في الحديث أنها: (إذا أمر ببعث النار يخرج إليها من كل ألف تسع مائه وتسعة وتسعون) وإذا أعلن ذلك وأعلنت تلك النتائج: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] فهذا الوقت هو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : فذلك ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] لأن كثيراً من الناس في ذلك الوقت كما قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] نسأل الله السلامة والعافية.
فإذا أعلنت هذه النتائج يحال بين الناس بحيلولة عجيبة: يضرب ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ومن أعظم ذلك الظلام الشديد الذي يأتي، فلا يستطيع أهل الكفر التقدم، ويستطيع أهل الإيمان ذلك بالنور الذي جعل الله في وجوههم وأبصارهم، فيتقدم أهل الإيمان ويبقى أهل الكفر في الحافرة، فإذا بقي أهل الكفر رأوا نور أهل الإيمان فقالوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: انتظرونا حتى نستضئ بنوركم، وفي هذا الوقت يحال ﴿بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] .
فإذا وردوا النار فإنه سيتفاوت دخولهم فيها بحسب الحساب، وبحسب مرورهم على الصراط، فالصراط إذا نصب على متن جهنم (فهو أحد من السيف، وأرق من الشعر, وعليه كلاليب كشوك السعدان، والناس يتفاوتون عليه بحسب أعمالهم: فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدوا، ومنهم من يمر كالرجل يزحف على مقعدته فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس على وجهه في نار جهنم) .
والمخدوش إنما يخدش من جسمه الجزء الذي يستحق النار كأن يكون نبت شيء من لحمه من حرام فالنار أولى به، فهذا لا يقع في النار ولكن يؤخذ اللحم الذي نبت من النار، تمسكه كلاليب الصراط فيسقط في النار، وهذا معنى المخدوش الذي أمسك فقطع شيء من لحمه أو أعضائه نسأل الله السلامة والعافية.
وفي هذا التفاوت يوجد جماعات كلما رمي فيها بجماعة استقبلهم من سبقهم: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ [الأعراف:٣٨] بدأ الحوار بينهم: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] وحينئذٍ لا تزال النار تقول: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) ، هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، هَلْ مِنْ مَزِيدٍ.
تريد زيادة، وذلك لإرعاب أهلها واتساعها نسأل الله السلامة والعافية، مع أن الله يضخم كل من وقع فيها، فيضخم جثته؛ لأنه ضمن للنار ملئها، فمقعد الكافر فيها كما بين مكة والمدينة، وضرس الكافر فيها كجبل أحد، ومع ذلك تقول: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) وهذا لإرعاب من يأتي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:١٢-١٤] نسأل الله السلامة والعافية.
فإذا كمل أهل النار ولم تكتف وهي تقول: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فإن الباري يضع عليها قدمه، فتئط وينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قطني قطني أو قط قط؛ معناه: يكفيني يكفيني، وهذا فيه إثبات لصفتين: صفة الوضع وهي من صفات الأفعال، وصفة القدم وهي من صفات الذات.
стр. 71
صفة الوسع
(يسع بفضله الخلق) : وهذا إثبات أيضاً للصفة الفعلية في قوله: (يسع الله ، وقد وصف نفسه بأنه هو الواسع، وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة من الأسماء التسعة والتسعين، والمقصود به أن عطاءه يتسع لحوائج الناس، فيعطي قبل المسألة، ويعطي بعدها ولا ينقص ذلك شيء من عطائه وفضله، ففضله هو الواسع المحيط بكل من يحتاج، والفضل هنا المقصود به الكرم والبذل، وذلك أن جميع نعم الله هي من التفضل الذي يتفضل به على عباده.
وليس شيء من نعم الله مستحقاً على الله، فقد ذكرنا أن من القواعد المهمة لدى أهل السنة والجماعة أن الله لا يجب عليه شيء.
وهذا مخالف لمذهب المعتزلة كما سبقت الإشارة إليه، وسنذكر هنا مزيد إيضاح له، فإنهم يرون وجوب الصلاح والأصلح على الله ، ولما كان يتفضل على الناس بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقتضى ذلك أن نعلم أن الجنة لا يمكن أن تنال بالأعمال، ولا يمكن أن يدخل أحد الجنة بعمله، كما قال رسول الله ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) والآيات الكثيرة التي فيها: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] فالباء التي فيها ليست للعوض، وإنما هي للسببية.
والباء ترد لأربعة عشر معنىً قد أشرنا لها من قبل، فمن معانيها السببية، فهذا العمل سبب لدخول الجنة، وهو الكسب الذي كان يكسبه بعمله، فيكون سبباً لدخول الجنة، وذلك مثل أعمالنا اليوم فإنها ليست عوضاً لرزقنا، وإنما الرزق بفضل الله والأعمال هي سبب في الرزق فقط.
فالأعمال لا تضمن الرزق للإنسان، بل نشاهد كثيراً من الناس يعملون، ولا يتركون مجالاً من مجالات الارتزاق إلا تعبوا فيه، ومع ذلك لا ينالون شيئاً، ونجد أن آخرين يرزقون من دون أن يبذلوا أي سبب، كم رأينا من الناس ممن أتعب عمره وأفناه في طلب الرزق فما حصل على فائدة، وكم رأينا من الناس ممن جاءته نفحة من نفحات الله وهو غير متسبب في أي شيء، وكم شاهدنا من أنواع الحيوانات التي لا تقدر على أي اكتساب ومع ذلك يأتيها رزقها في مكانها: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] .
فإذا كان الأمر كذلك؛ فإننا نعلم أن الأسباب التي نتسبب بها كحراثة الأرض، وكالبناء، والأعمال إنما هي أسباب فقط، لكنها لا تضمن مسبباتها.
وكذلك الأعمال الصالحة الأخروية فهي بمثابة الأعمال الدنيوية في أنها سبب للنجاة يوم القيامة، وسبب لدخول الجنة لكنها لا تضمنها، فمن يضمن لك قبول عملك، فالله هو الذي يتقبل ما يشاء ويرد ما يشاء: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ولو عاش الإنسان عمراً في طاعة الله، لم يجب على الله أن يتقبل شيئاً من عمله؛ لأن العبرة بالخواتيم فقد يكون غير مخلص، وقد يبتلى بسوء الخاتمة، ويكون ذلك سابقته التي علم الله في الأزل، ومن هنا علم أن الباء في الآيات كلها للسبب، وأن الباء في الحديث للعوض: (لن يدخل أحد الجنة بعمله) أي عوض عمله.
(يسع بفضله الخلق) : والخلق المقصود به المخلوقات، فهو مصدر في الأصل لكنه يطلق على اسم المفعول، والمقصود به: كل ما خلق الله، فكل ما خلق الله يسعه بفضله، حتى الكفار فإن الله تعالى لديه من أنواع العذاب الأليم وتعجيله ما صرف عنهم، فقد أخر عنهم العذاب في الدنيا وأملى لهم: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] فنالوا حظهم بفضله، حيث تفضل عليهم بخلقه، وبالعافية، وبالمال والأولاد وغير ذلك، لكن عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ومنهم إبليس فقد عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وسلط على من سلط عليه من أهل الدنيا؛ لكنه لا حظ له يوم القيامة.
стр. 72
صفة البسط وصفة اليدين
قوله: (يداه بالعطا مبسوطتان كيف شاء بسطا) : كذلك هذه الجملة مثبتة لصفتين: صفة ذاتية، وصفة فعلية: فالصفة الذاتية هي قوله: (يداه) ، وهذا إثبات لصفة اليدين لله ، وقد أثبت الله ذلك في كتابه في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ويداه كلتاهما يمين كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ في عدد من الأحاديث سيشير إليها المؤلف.
وقوله: (بالعطا مبسوطتان) هذه صفة فعلية وهي بسط اليدين بالعطاء، فالله يقول في كتابه: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] فقوله: (يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) تفسير لقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) فالمقصود بالبسط العطاء، ولا يقصد به ما يتبادر إلى الذهن من مجرد البسط فقط، بل المقصود ببسط اليدين: بسط الفضل وعمومه، وهو يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فلذلك هما مبسوطتان بالعطاء سحاء الليل والنهار لا تغيضان.
والبسط بسطان: فالبسط الأول: بسط عطاء، والبسط الثاني: بسط قبول التوبة، وذلك في قوله ﷺ : (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) هذا بسط للقبول بالتوبة، وذلك أن التوبة لا تتم إلا في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: أن يتوب الله على عبده، بمعنى أن يوجه قلبه للتوبة ويوفقه لها، وهذه من فضل الله السابق على عمل المكلف.
ثم المرحلة الثانية: هي توبة العبد إلى الله، وهي ندمه على ما فرط في جنب الله وخروجه منه ونيته ألا يعود إليه، وهذه من المكلف.
ثم المرحلة الثالثة: هي توبة الله الأخيرة، وهي قبوله لتوبة العبد، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧] توبتان من عند الله ثم قال: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] أي تاب على الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، هذه التوبة الأولى، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨] هذه توبتهم هم: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] فهذه التوبة من عند الله ، يتوب على الإنسان ليتوب، ثم يتوب عليه بعد ذلك ليقبل منه.
والعطاء: اسم مصدر لإعطاء، فالإعطاء هو المصدر أعطى إعطاءً، والعطاء هو اسم المصدر، ويطلق على المناولة لأي شيء، ويطلق على ما ينفع بالخصوص، ولذلك اصطلح في صدر الإسلام على تسمية الراتب الذي يوزع على المسلمين من بيت مالهم بالعطاء، وهو مهموز لكنه هنا في البيت حذفت همزته للضرورة وهذا كثير في الشعر، وفيه قول ابن مالك ﵀: وقصر ذي المد اضطراراً مجمع عليه والعكس بخلف يقع فقصر الممدود في الشعر متفق عليه.
стр. 73
صفة المشيئة في العطاء
قوله: (كيف شاء بسطا) : هذا إثبات لصفة أخرى لله ، وهي صفة المشيئة في العطاء: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] فالله يهب، وبسطه مربوط بمشيئته، فيهب ما شاء لمن شاء كما قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] وفي قوله تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] .
والكيف هنا راجع إلى العطاء، فالعطاء يمكن أن يعرف كيفه؛ لأنه يمكن أن يكون ذكوراً ويمكن أن يكون إناثاً، يمكن أن يكون مالاً كثيراً ويمكن أن يكون قليلاً، يمكن أن يكون عافية وصحة إلى آخره، فكل ذلك متعلق بكيفيات العطاء لذلك قال: (كيف شاء بسطا) .
стр. 74
كلتا يدي الرحمن يمين مباركة
قوله: (كلتاهما في يمنها يمين فهو بذا من خلقه يبين) : (كلتاهما) أي: كلتا يديه، (في يمنها) معناه: في بركتها، (يمين) وهذا إشارة إلى ما جاء في الحديث أن آدم قال: (وكلتا يدي ربي يمين مباركة) فقوله: (كلتا يدي ربي يمين) ، أتبعها بقوله: (مباركة) ؛ ليبين ذلك معنى اليمين؛ لأن اليمين مشتقة من اليمن واليمن هو البركة، فكلتاهما توصف باليمن الذي هو البركة.
فما جاء في صحيح مسلم من صفة الشمال محمول على الشذوذ؛ لأنه يخالف هذه النصوص الكثيرة المثبتة لليمين، ولم يصح إثبات الشمال لله في هذا الحديث، فقد انفرد به رجل واحد، وهذا يعارضه رواية من هو أكثر منه وأوثق.
فرواية: (ويمسك الأرضين بشماله) من حديث الزهري، وقد انفرد به الزهري وهو ثقة لكن خالفه من هو أكثر منه عدداً، فكان الحديث شاذاً من هذا الوجه، وقد ثبت ذلك في كثير من الأحاديث منها: (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين) وغير ذلك من الأحاديث.
وإثبات صفة اليمين لله جاء في كثير من الأحاديث الأخرى مثل قوله: (إن الله كتب التوراة لموسى بيمينه) (خلق آدم بيمينه) وغير ذلك من الأحاديث التي فيها تفسير لليد التي في القرآن، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وفي الحديث: (بيمينه) وهي شاملة لهما معاً فكلتاهما يمين، فالله خلق آدم بيمينه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته.
(فهو بذا من خلقه يبين) أي: فهذا من مظاهر مخالفته لخلقه، فالمخلوق مثل البشر له يدان؛ لكن إحداهما يمين والأخرى شمال، والله كلتا يديه يمين ولذلك قال: (فهو بذا من خلقه يبين) أي: يخالف خلقه من هذا الوجه.
وهنا بحث في (يبين) والمقصود به المخالفة، وأما ما كثر إطلاقه في عرف السابقين كقولهم: بائن من خلقه، فإن هذا اللفظ لم يرد في النصوص الشرعية، وإنما ورد في التوسع عند الرد على الذين يزعمون أن شيئاً من العالم في ذات الله؛ فلذلك قال كثير من الناس في إثبات صفة الفوقية: إن الله فوق عرشه بائن من خلقه، ولكن لم يرد ذلك في النصوص، فالأفضل الاقتصار على ما جاء في النص، وعدم الجراءة على إطلاق لفظ لم يرد.
стр. 75
صفة الرؤية وعدم إمكان وقوعها في الدنيا
قال: [يرى ولا يراه منا ذو بصر حتى يموت مثلما جاء الخبر] فهنا صفتان: إحداهما من الإيجاب، والأخرى من السلب، وقد ذكرنا من قبل أن الصفات منها سلب ومنها إيجاب، وأن الإيجاب مفصل، وأن السلب مجمل، فبدأ بالصفة الإيجابية وهي قوله: (يرى) وفيه إثبات صفة الرؤية لله ، فإن الله يرى كل شيء، ولا يخفى عليه أي شيء: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] فلذلك لا تخفي عنه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، فكل ذلك يراه.
ولكن رؤيته تنقسم إلى قسمين: الأول: رؤية علم وإحاطة وبصر ونظر، والثاني: رؤية تقدير وحفظ، فرؤية التقدير والحفظ هي التي يعبر عنها بالنظر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧] أي: لا ينظر إليهم بعين رحمته وحفظه؛ لكن مع ذلك لا يخفون عليه بل هو يراهم، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فهذه الرؤية المخصوصة المقصود بها مع إثبات النظر والإبصار: الحفظ والإحاطة أيضاً، فهو حافظ لهما، عاصم لهما من فرعون وجنوده.
ثم الصفة السلبية هي قوله: (ولا يراه منا ذو بصر حتى يموت) : وهذه الصفة السلبية متضمنة لإثبات أيضاً؛ لأنها مغياة بغاية، فنفي الرؤية عن المخلوق ليس نفياً مطلقاً، بل هو في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فقد أثبتها رسول الله ﷺ وذكر أن المؤمنين (سيرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته) وجاء في كثير من الآيات ما يدل على ذلك، مثل قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فهذه الرؤية الأخروية ثابتة بالنصوص ويجب الإيمان بها، وقد أنكرها المعتزلة فكثر الرد عليهم، ومن الذين ألفوا في الرد عليهم: الإمام الدارقطني فألف كتابه في إثبات الرؤية، وقد كان كثير من السلف يمتحن بها توبة ورجوع الجهمية عن جهميتهم، فمن أثبت منهم الرؤية وأقر بها فهذا دليل على توبته.
أما الرؤية الدنيوية فإنه لا يمكن أن تدركه الأبصار لقول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ولذلك فإن موسى سأله رؤية دنيوية حين كلمه بكلامه: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولن هنا للنفي؛ لكنها لا تقتضي التأبيد خلافاً لبعض المعتزلة، فإنه رأى أن (لن) للنفي على وجه التأبيد، ومعناه: لن تراني مطلقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا منفي؛ ولذلك قال أهل البلاغة: إن لن لا تدل على التأبيد، كما قال السيوطي ﵀ في عقود الجمان: وقيل للتأبيد لكن ترك ورده لابن خطيب زملكا رده ابن خطيب زملكا.
وينسب للزمخشري أنه قال: إن (لن) للنفي على سبيل التأبيد أي: لتأكيد النفي وتأبيده، ولكن لم يرد هذا في الكشاف حسب علمي، ولا في المفصل، وإن كان في الأنموذج، ولم أر من نص على أنه فيه، وهذه كتب الزمخشري المتعلقة باللغة، ولكن عموماً هو يقر أنه معتزلي ويعتز بذلك، وهذا مذهبه.
следующие страницы →