Полный текст (219 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
صفة الوسع
(يسع بفضله الخلق) : وهذا إثبات أيضاً للصفة الفعلية في قوله: (يسع الله ، وقد وصف نفسه بأنه هو الواسع، وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة من الأسماء التسعة والتسعين، والمقصود به أن عطاءه يتسع لحوائج الناس، فيعطي قبل المسألة، ويعطي بعدها ولا ينقص ذلك شيء من عطائه وفضله، ففضله هو الواسع المحيط بكل من يحتاج، والفضل هنا المقصود به الكرم والبذل، وذلك أن جميع نعم الله هي من التفضل الذي يتفضل به على عباده.
وليس شيء من نعم الله مستحقاً على الله، فقد ذكرنا أن من القواعد المهمة لدى أهل السنة والجماعة أن الله لا يجب عليه شيء.
وهذا مخالف لمذهب المعتزلة كما سبقت الإشارة إليه، وسنذكر هنا مزيد إيضاح له، فإنهم يرون وجوب الصلاح والأصلح على الله ، ولما كان يتفضل على الناس بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقتضى ذلك أن نعلم أن الجنة لا يمكن أن تنال بالأعمال، ولا يمكن أن يدخل أحد الجنة بعمله، كما قال رسول الله ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) والآيات الكثيرة التي فيها: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ، ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] فالباء التي فيها ليست للعوض، وإنما هي للسببية.
والباء ترد لأربعة عشر معنىً قد أشرنا لها من قبل، فمن معانيها السببية، فهذا العمل سبب لدخول الجنة، وهو الكسب الذي كان يكسبه بعمله، فيكون سبباً لدخول الجنة، وذلك مثل أعمالنا اليوم فإنها ليست عوضاً لرزقنا، وإنما الرزق بفضل الله والأعمال هي سبب في الرزق فقط.
فالأعمال لا تضمن الرزق للإنسان، بل نشاهد كثيراً من الناس يعملون، ولا يتركون مجالاً من مجالات الارتزاق إلا تعبوا فيه، ومع ذلك لا ينالون شيئاً، ونجد أن آخرين يرزقون من دون أن يبذلوا أي سبب، كم رأينا من الناس ممن أتعب عمره وأفناه في طلب الرزق فما حصل على فائدة، وكم رأينا من الناس ممن جاءته نفحة من نفحات الله وهو غير متسبب في أي شيء، وكم شاهدنا من أنواع الحيوانات التي لا تقدر على أي اكتساب ومع ذلك يأتيها رزقها في مكانها: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] .
فإذا كان الأمر كذلك؛ فإننا نعلم أن الأسباب التي نتسبب بها كحراثة الأرض، وكالبناء، والأعمال إنما هي أسباب فقط، لكنها لا تضمن مسبباتها.
وكذلك الأعمال الصالحة الأخروية فهي بمثابة الأعمال الدنيوية في أنها سبب للنجاة يوم القيامة، وسبب لدخول الجنة لكنها لا تضمنها، فمن يضمن لك قبول عملك، فالله هو الذي يتقبل ما يشاء ويرد ما يشاء: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ولو عاش الإنسان عمراً في طاعة الله، لم يجب على الله أن يتقبل شيئاً من عمله؛ لأن العبرة بالخواتيم فقد يكون غير مخلص، وقد يبتلى بسوء الخاتمة، ويكون ذلك سابقته التي علم الله في الأزل، ومن هنا علم أن الباء في الآيات كلها للسبب، وأن الباء في الحديث للعوض: (لن يدخل أحد الجنة بعمله) أي عوض عمله.
(يسع بفضله الخلق) : والخلق المقصود به المخلوقات، فهو مصدر في الأصل لكنه يطلق على اسم المفعول، والمقصود به: كل ما خلق الله، فكل ما خلق الله يسعه بفضله، حتى الكفار فإن الله تعالى لديه من أنواع العذاب الأليم وتعجيله ما صرف عنهم، فقد أخر عنهم العذاب في الدنيا وأملى لهم: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] فنالوا حظهم بفضله، حيث تفضل عليهم بخلقه، وبالعافية، وبالمال والأولاد وغير ذلك، لكن عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ومنهم إبليس فقد عجلت له طيباته في الحياة الدنيا، وسلط على من سلط عليه من أهل الدنيا؛ لكنه لا حظ له يوم القيامة.
стр. 72
صفة البسط وصفة اليدين
قوله: (يداه بالعطا مبسوطتان كيف شاء بسطا) : كذلك هذه الجملة مثبتة لصفتين: صفة ذاتية، وصفة فعلية: فالصفة الذاتية هي قوله: (يداه) ، وهذا إثبات لصفة اليدين لله ، وقد أثبت الله ذلك في كتابه في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] ويداه كلتاهما يمين كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ في عدد من الأحاديث سيشير إليها المؤلف.
وقوله: (بالعطا مبسوطتان) هذه صفة فعلية وهي بسط اليدين بالعطاء، فالله يقول في كتابه: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] فقوله: (يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) تفسير لقوله: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) فالمقصود بالبسط العطاء، ولا يقصد به ما يتبادر إلى الذهن من مجرد البسط فقط، بل المقصود ببسط اليدين: بسط الفضل وعمومه، وهو يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فلذلك هما مبسوطتان بالعطاء سحاء الليل والنهار لا تغيضان.
والبسط بسطان: فالبسط الأول: بسط عطاء، والبسط الثاني: بسط قبول التوبة، وذلك في قوله ﷺ : (يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) هذا بسط للقبول بالتوبة، وذلك أن التوبة لا تتم إلا في ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: أن يتوب الله على عبده، بمعنى أن يوجه قلبه للتوبة ويوفقه لها، وهذه من فضل الله السابق على عمل المكلف.
ثم المرحلة الثانية: هي توبة العبد إلى الله، وهي ندمه على ما فرط في جنب الله وخروجه منه ونيته ألا يعود إليه، وهذه من المكلف.
ثم المرحلة الثالثة: هي توبة الله الأخيرة، وهي قبوله لتوبة العبد، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧] توبتان من عند الله ثم قال: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] أي تاب على الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، هذه التوبة الأولى، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨] هذه توبتهم هم: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] فهذه التوبة من عند الله ، يتوب على الإنسان ليتوب، ثم يتوب عليه بعد ذلك ليقبل منه.
والعطاء: اسم مصدر لإعطاء، فالإعطاء هو المصدر أعطى إعطاءً، والعطاء هو اسم المصدر، ويطلق على المناولة لأي شيء، ويطلق على ما ينفع بالخصوص، ولذلك اصطلح في صدر الإسلام على تسمية الراتب الذي يوزع على المسلمين من بيت مالهم بالعطاء، وهو مهموز لكنه هنا في البيت حذفت همزته للضرورة وهذا كثير في الشعر، وفيه قول ابن مالك ﵀: وقصر ذي المد اضطراراً مجمع عليه والعكس بخلف يقع فقصر الممدود في الشعر متفق عليه.
стр. 73
صفة المشيئة في العطاء
قوله: (كيف شاء بسطا) : هذا إثبات لصفة أخرى لله ، وهي صفة المشيئة في العطاء: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] فالله يهب، وبسطه مربوط بمشيئته، فيهب ما شاء لمن شاء كما قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٤٩-٥٠] وفي قوله تعالى: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] .
والكيف هنا راجع إلى العطاء، فالعطاء يمكن أن يعرف كيفه؛ لأنه يمكن أن يكون ذكوراً ويمكن أن يكون إناثاً، يمكن أن يكون مالاً كثيراً ويمكن أن يكون قليلاً، يمكن أن يكون عافية وصحة إلى آخره، فكل ذلك متعلق بكيفيات العطاء لذلك قال: (كيف شاء بسطا) .
стр. 74
كلتا يدي الرحمن يمين مباركة
قوله: (كلتاهما في يمنها يمين فهو بذا من خلقه يبين) : (كلتاهما) أي: كلتا يديه، (في يمنها) معناه: في بركتها، (يمين) وهذا إشارة إلى ما جاء في الحديث أن آدم قال: (وكلتا يدي ربي يمين مباركة) فقوله: (كلتا يدي ربي يمين) ، أتبعها بقوله: (مباركة) ؛ ليبين ذلك معنى اليمين؛ لأن اليمين مشتقة من اليمن واليمن هو البركة، فكلتاهما توصف باليمن الذي هو البركة.
فما جاء في صحيح مسلم من صفة الشمال محمول على الشذوذ؛ لأنه يخالف هذه النصوص الكثيرة المثبتة لليمين، ولم يصح إثبات الشمال لله في هذا الحديث، فقد انفرد به رجل واحد، وهذا يعارضه رواية من هو أكثر منه وأوثق.
فرواية: (ويمسك الأرضين بشماله) من حديث الزهري، وقد انفرد به الزهري وهو ثقة لكن خالفه من هو أكثر منه عدداً، فكان الحديث شاذاً من هذا الوجه، وقد ثبت ذلك في كثير من الأحاديث منها: (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين) وغير ذلك من الأحاديث.
وإثبات صفة اليمين لله جاء في كثير من الأحاديث الأخرى مثل قوله: (إن الله كتب التوراة لموسى بيمينه) (خلق آدم بيمينه) وغير ذلك من الأحاديث التي فيها تفسير لليد التي في القرآن، كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وفي الحديث: (بيمينه) وهي شاملة لهما معاً فكلتاهما يمين، فالله خلق آدم بيمينه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته.
(فهو بذا من خلقه يبين) أي: فهذا من مظاهر مخالفته لخلقه، فالمخلوق مثل البشر له يدان؛ لكن إحداهما يمين والأخرى شمال، والله كلتا يديه يمين ولذلك قال: (فهو بذا من خلقه يبين) أي: يخالف خلقه من هذا الوجه.
وهنا بحث في (يبين) والمقصود به المخالفة، وأما ما كثر إطلاقه في عرف السابقين كقولهم: بائن من خلقه، فإن هذا اللفظ لم يرد في النصوص الشرعية، وإنما ورد في التوسع عند الرد على الذين يزعمون أن شيئاً من العالم في ذات الله؛ فلذلك قال كثير من الناس في إثبات صفة الفوقية: إن الله فوق عرشه بائن من خلقه، ولكن لم يرد ذلك في النصوص، فالأفضل الاقتصار على ما جاء في النص، وعدم الجراءة على إطلاق لفظ لم يرد.
стр. 75
صفة الرؤية وعدم إمكان وقوعها في الدنيا
قال: [يرى ولا يراه منا ذو بصر حتى يموت مثلما جاء الخبر] فهنا صفتان: إحداهما من الإيجاب، والأخرى من السلب، وقد ذكرنا من قبل أن الصفات منها سلب ومنها إيجاب، وأن الإيجاب مفصل، وأن السلب مجمل، فبدأ بالصفة الإيجابية وهي قوله: (يرى) وفيه إثبات صفة الرؤية لله ، فإن الله يرى كل شيء، ولا يخفى عليه أي شيء: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] فلذلك لا تخفي عنه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، فكل ذلك يراه.
ولكن رؤيته تنقسم إلى قسمين: الأول: رؤية علم وإحاطة وبصر ونظر، والثاني: رؤية تقدير وحفظ، فرؤية التقدير والحفظ هي التي يعبر عنها بالنظر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧] أي: لا ينظر إليهم بعين رحمته وحفظه؛ لكن مع ذلك لا يخفون عليه بل هو يراهم، وكذلك قوله لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فهذه الرؤية المخصوصة المقصود بها مع إثبات النظر والإبصار: الحفظ والإحاطة أيضاً، فهو حافظ لهما، عاصم لهما من فرعون وجنوده.
ثم الصفة السلبية هي قوله: (ولا يراه منا ذو بصر حتى يموت) : وهذه الصفة السلبية متضمنة لإثبات أيضاً؛ لأنها مغياة بغاية، فنفي الرؤية عن المخلوق ليس نفياً مطلقاً، بل هو في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فقد أثبتها رسول الله ﷺ وذكر أن المؤمنين (سيرون ربهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته) وجاء في كثير من الآيات ما يدل على ذلك، مثل قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣] فهذه الرؤية الأخروية ثابتة بالنصوص ويجب الإيمان بها، وقد أنكرها المعتزلة فكثر الرد عليهم، ومن الذين ألفوا في الرد عليهم: الإمام الدارقطني فألف كتابه في إثبات الرؤية، وقد كان كثير من السلف يمتحن بها توبة ورجوع الجهمية عن جهميتهم، فمن أثبت منهم الرؤية وأقر بها فهذا دليل على توبته.
أما الرؤية الدنيوية فإنه لا يمكن أن تدركه الأبصار لقول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ولذلك فإن موسى سأله رؤية دنيوية حين كلمه بكلامه: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ولن هنا للنفي؛ لكنها لا تقتضي التأبيد خلافاً لبعض المعتزلة، فإنه رأى أن (لن) للنفي على وجه التأبيد، ومعناه: لن تراني مطلقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا منفي؛ ولذلك قال أهل البلاغة: إن لن لا تدل على التأبيد، كما قال السيوطي ﵀ في عقود الجمان: وقيل للتأبيد لكن ترك ورده لابن خطيب زملكا رده ابن خطيب زملكا.
وينسب للزمخشري أنه قال: إن (لن) للنفي على سبيل التأبيد أي: لتأكيد النفي وتأبيده، ولكن لم يرد هذا في الكشاف حسب علمي، ولا في المفصل، وإن كان في الأنموذج، ولم أر من نص على أنه فيه، وهذه كتب الزمخشري المتعلقة باللغة، ولكن عموماً هو يقر أنه معتزلي ويعتز بذلك، وهذا مذهبه.
стр. 76
رؤية الله في المنام والكلام على رؤية النبي لربه في الدنيا
كذلك اختلف في رؤية الله في النوم، فقالت طائفة من السلف: لا يمنع نص من رؤيته في النوم؛ لأن الرؤية في النوم إنما هي بالأرواح لا بالأشباح فليست راجعة للبصر، والنفي إنما جاء معلقاً بالأبصار بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] وعلى هذا فالرؤيا غير الرؤية، فيمكن أن يرى من الرؤيا لا من الرؤية في الدنيا.
وروي عن الإمام أحمد أنه رآه في النوم مرات كثيرة، وأنه سأله عن أقرب ما يتقرب به المتقربون إليه؟ فقال: قراءة القرآن، فقال: أي ربي بفهم وبغير فهم؟ فقال: بفهم وبغير فهم، وقد صح عن رسول الله ﷺ ذلك في قوله: (رأيت ربي في أحسن صورة) .
لكن رؤية النبي ﷺ في الدنيا فالخلاف فيها مستقل، فقال بعض الصحابة بثبوت رؤيته بعين البصر، وقال آخرون: إنما هي رؤية بالروح والبصيرة لا بالبصر.
ومن الذين أثبتوا رؤيته بالبصر عبد الله بن عباس، ومن الذين نفوا ذلك: عائشة أم المؤمنين ﵃ أجمعين، قالت عائشة: (لقد قف شعري مما قلت) ، وقالت: (من أخبرك أن محمداً رأى ربه ليلة المعراج فقد أعظم على الله الفرية) ، وقالت: (ثلاث من حدثك بهن فقد أعظم على الله الفرية) وذكرت فيهن: (ومن أخبرك أن محمداً رأى ربه بعين بصره) .
وعموماً فالآيات التي فيها ذكر الرؤية لا يقصد بها رؤيته لله ، وإنما يقصد بها رؤيته لجبريل ﵇ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٣-١٤] فالمقصود بذلك رؤيته لجبريل فقط: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١١-١٤] فجبريل رآه رسول الله ﷺ على صورته مرتين: المرة الأولى: على جبال مكة قد غطاها وسترها؛ فصعق منه حين رآه.
والمرة الثانية: في ليلة الإسراء عندما بلغ سدرة المنتهى وفارقه عاد إليه فرآه على صورته، له ستمائه جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب.
وقد اختلف العلماء في معنى التصور وأن جبريل يتصور بصورة بشر كما في حديث عمر، وحديث عائشة، وحديث جابر، وحديث ابن عمر وغيرها من الأحاديث الكثيرة التي فيها أنه يتشكل في صورة بشر: فقالت طائفة من أهل العلم: يعدم الله تعالى ما عدا تلك الصورة من جسده، ثم يعيدها إليه من جديد، أي: يخلقها من جديد.
وقالت طائفة أخرى: بل جاء جبريل على صورته؛ ولكن الله حجبه بحجابه فلم ير الناس منه إلا تلك الصورة وهي صورة دحية الكلبي.
وقالت طائفة أخرى: بل هذه الصورة وهمية غير حقيقية، وإنما هي تمثل كما مثل لرسول الله ﷺ في عرض الجدار الجنة والنار.
فإذاً مباحث الرؤية هنا ثلاثة أقسام: القسم الأول: الرؤية الأخروية، وهذه ذكرنا أنه لا خلاف بين أهل السنة في إثباتها.
القسم الثاني: الرؤية في النوم، وهذه ذكرنا الخلاف فيها لأهل السنة.
المسألة الثالثة: رؤية الرسول ﷺ لربه ليلة المعراج، وهذه ذكرنا الخلاف فيها لأهل السنة.
فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول متفق عليه، والاثنان الآخران مختلف فيهما، ولهذا يقول السيوطي ﵀ في الكوكب الساطع: والخلف في الجواز في الدنيا وفي نوم وفي الوقوع للهادي اقتفي والجواز الذي في الدنيا يقصد به جواز العقل المحض، وليس الجواز بمعنى الوقوع في الدنيا، (وفي نوم) أي: كرؤيته في النوم، (وفي الوقوع للهادي) وهو النبي ﷺ (اقتفي) أي اتبع.
(ولا يراه منا ذو بصر حتى يموت) أي: لا يراه منا أحد ذو بصر أي: ببصره لا ببصيرته، وهنا الشيخ يشير إلى رؤيا النوم في قوله: (ذو بصر حتى يموت) وهذه غاية للنفي فهي مقتضية لإثبات رؤية الآخرة؛ لذلك قال: (حتى يموت مثل ما جا في الخبر) أي: مثل ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ .
والخبر يطلق على المأثور سواء كان مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، أو موقوفاً على أحد من أصحابه، أو مقطوعاً عن أحد من التابعين.
وقالت طائفة من أهل العلم: هو مرادف للأثر، لكن جرى الاصطلاح عند المحدثين: أن يطلقوا الأثر على الموقوف والمقطوع، وأن يطلقوا الخبر على المرفوع، فالخبر أكثر إطلاقه على المرفوع إلى النبي ﷺ ، والأثر أكثر إطلاقه على الموقوفات والمقطوعات، والخبر: مشتق من الخبر الذي هو أحد قسمي الكلام؛ لأن الكلام إما إنشاء وإما خبر، فالإنشاء هو: التعبير عن معنىً بلفظ يقارنه في الوجود، والخبر هو: التحدث عن أمر قد مضى، ولا يقصد بالحديث أن يكون دائماً خبراً ولكن بعد نقله أصبح خبراً؛ لأن النبي ﷺ قد حدث به في الماضي، فأنت تخبر الآن عن النبي ﷺ به فأصبح خبراً، ولذلك يشتق منه فعل (أخبرنا) ، والمحدثون يطلقون هذا الفعل (أخبرنا) على ما تلقاه الشخص عن طريق القراءة أو ما دونها من الإجازة أو نحوها، أما ما تلقاه الإنسان بالسماع فيطلقون عليه: سمعت أو حدثنا، وهذا عند جمهورهم، كـ مسلم بن الحجاج ومن دونه، أما البخاري فلا يميز بين حدثنا وأخبرنا بل يطلق على الجميع حدثنا وأخبرنا وحدثني وأخبرني.
стр. 77
الأسئلة
стр. 78
الفرق بين كلام ابن القيم وابن حجر في صفة القدم والوجه
السؤال
ما الفرق الجوهري بين قول الإمام ابن القيم: الساق والقدم وغيرها صفات لله، وبين قول الحافظ ابن حجر فيها؟
الجواب
أن الله أثبت لنفسه هذه المذكورات، وأثبتها رسوله ﷺ ، ولم يبحث فيها الصحابة، لا من جهة كونها صفات أو غير ذلك، ولم يرد عنهم كلام فيها، ولا التابعون ولا أتباعهم، وإنما بدأ البحث فيها بعد هذا، فوجدنا عدداً من الذين جاءوا في هذه الطبقة يطلقون عليها صفات، فهل هذا من باب التأويل؟ هذا هو محل البحث.
نقول: ليس هذا تأويلاً، لكن ما معناه؟ ابن القيم يرى أن معناه أنهم: عملوا بالسبر والتقسيم فوجدوا أن هذه إما أن تكون صفات، وإما أن تكون أبعاضاً، فكونها أبعاضاً مقتض للنقص فهو ممنوع، فلم يبق احتمال إلا أن تكون صفات، وهذا بالسبر والتقسيم فقط.
أما ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر فهو واضح من جهة أنهم أثبتوا كونها صفات ولا يقتضي ذلك تأويلاً لها، بل يقتضي أن إثبات كون الله ذا يد أو ذا عين وصف قطعاً؛ لأنه يوصف بذلك، فالكينونة أي: المصدر الصناعي، وهو كونه ذا وجه، وكونه ذا يدين، هذا هو الوصف.
فعلى رأي ابن القيم: فالوجه صفة، واليدان صفة، والعين صفة إلى آخره.
وعلى رأي ابن حجر: الوجه ليس صفة ولكن كون الله ذا يد صفة، والعين ليست صفةً لكن كون الله ذا عين صفة، مثل العلم والإرادة؛ فالإرادة نفسها ليست صفة، والعلم ليس صفة، لكن كون الله ذا علم -أي: اتصاف الله بالعلم- هو الصفة، أما العلم بمعنى المعلوم فليس صفة لله، لكن اتصاف الله بالعلم هو صفته.
стр. 79
الصفات الاختيارية هي التي تتعلق بالمشيئة
السؤال
لم سميت هذه الصفات صفات اختيارية؟
الجواب
صفات اختيارية معناه: الصفات التي يفعلها متى شاء، فالصفات المتعلقة بالمشيئة دائماً تسمى صفات اختيارية؛ مثل النزول والكلام والخلق والرزق والإماتة والإحياء، فهي صفات فعل علقت بالمشيئة، فهو يهب لمن يشاء، يتكلم متى شاء وهكذا.
فهذه صفات معلقة بالمشيئة فلذلك سميت اختيارية؛ لأن الله : ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ، ولذلك قال رسول الله ﷺ : (لا يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، وليجزم أحدكم المسألة فإنه لا مكره له) .
стр. 80
كيف يتحاور أهل النار فيما بينهم في النار مع شدة العذاب عليهم
السؤال
بعض العوام يستغرب ما يكون في النار من كلام أهلها والحوار بينهم، مع العذاب الشديد؟ الجواب عن ذلك: أن هذا من عذابهم، وأن الله يعذبهم بإقامة الحجة عليهم، حتى يستطيع بعضهم أن يكلم بعضاً، مع أن حرارة هذه النار لا تتصورونها: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ومع ذلك فهذه الشمس ستكون عقيرة في النار، وحرارتها المتوقعة أكثر من أربعة عشر مليون درجة حرارية، يعني: أن نسبة معينه من الاقتراب منها تعدم الأشياء إعداماً مطلقاً، فضلاً عن أن يلتصق بها الشيء أو أن يكون قريباً منها، ولذلك فأشعتها التي تنطلق منها هي انفجارات نووية هائلة، ففي الثانية الواحدة يقع عدد كبير جداً من الانفجارات النووية على سطح الشمس! ومع ذلك فهذه الشمس لا تساوي شيئاً من حرارة جهنم ولا أي نسبه مئوية! والله تعالى مع ذلك يخلق لأهل النار هذه القدرة على الكلام، وتقع بينهم محاورة؛ ليكون هذا أشد نكاية بهم، وأشد تعذيباً لهم، وذلك مثلما فهم أصحاب القليب وأسمعهم الله كلام النبي ﷺ مع أنهم موتى، والله تعالى يقول لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:٨٠] ، ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥] ، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٢-٢٣] ومع ذلك أسمعهم الله كلامه ليكون أبلغ في تعذيبهم، فإذاً هذا لا يخرج عن عذاب أهل النار، نسأل الله السلامة والعافية.
ومن أمثلة حوار أهل النار مع غيرهم: الرجل الذي يرمى به في النار فيقع فيها، فتندلق أقتابه أو أمعائه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيتأذى به أهل النار فيقولون: يا فلان! أو لم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت أمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه، فهذا حوار بينه وبين أهل النار، مع أن أمعائه قد اندلقت في النار، وهو يدور بها كما يدور الحمار برحاه! ومع هذا فإن عذاب أهل النار ليس درجةً واحدة: فمنه ما يكون بالزمهرير وهو البرد الشديد، ومنه ما يكون بهذا الحر المحرق: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٩] ومنه ما يكون بالحيات والتنانين والعقارب، ومنه ما يكون بأن يعذب الإنسان بمثل ما قتل به نفسه، وكما رأى رسول الله ﷺ ليلة أنه ذهب به الملكان ومرا به على المعذبين، فرأى أنواعاً من أنواع العذاب على الزناة، وعلى القتلة، وعلى أكلة الربا وغير ذلك، وهذا كله لا يمنع من كلامهم فيها.
стр. 81
خلق الله آدم بيمينه يقتضي أن كلتا يديه يمين
السؤال
ثبوت أن الله خلق آدم بيمينه على سبيل الإفراد، هل يقتضي أن له شمالاًَ؟
الجواب
لا، بل يقتضي إثبات اليمين لله ، وأن كلتا يديه يمين؛ لأنه قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] فقد خلقه بيديه، ومع ذلك أثبت الرسول ﷺ أنه خلقه بيمينه، فهذا يقتضي أن كلتا يديه يمين.
стр. 82
الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية
السؤال
نريد توضيح الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية؟
الجواب
الصفات الذاتية هي التي لا تعلق لها بالمخلوق، وإنما هي متعلقة بالذات، وأما الصفات الفعلية فهي التي لها طرفان: طرف هو الفعل، وطرف هو الانفعال، فالطرف الذي هو الفعل راجع إلى الله، والطرف الذي هو الانفعال راجع إلى المخلوق كالإحياء والإماتة والخلق ونحو ذلك، فالخلق طرف الفعل منه إلى الله، وطرف الانفعال منه إلى المخلوق وهكذا، فهذه تسمى صفات الفعل.
وأما الصفات التي لها وجهان: ذاتية من وجه وفعلية من وجه مثل الإرادة ونحوها، فإنها ذاتية من وجه وفعلية من وجه؛ لأن الإرادة متكررة؛ ولهذا يقع التزاحم بين الإرادتين، مثل ما صح في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه) فتتزاحم الإرادتان، وهذا دليل على أن الإرادة من هذا الوجه صفة فعلية؛ لكن مع ذلك هي صفة ذاتية في الأصل، فيجتمع فيها الأمران.
стр. 83
هل الكفار يمرون على الصراط ؟
السؤال
ذكرت في أهوال يوم القيامة السور الذي يضرب بين المؤمنين والكافرين، ويرى البعض أن أهل الكفر -أهل الظلمة- يذهب بهم إلى النار ولا مرور لهم على الصراط، وأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] خاص بالمؤمنين، فهم الذين يمرون على الصراط بحسب أعمالهم، نريد أن نسمع الترتيب في ذلك والسابق منها واللاحق، والحوض والميزان والظلمة وغير ذلك؟
الجواب
بالنسبة للعبور على الصراط ظاهر الأحاديث أنه يشمل الجميع، فعندما يشفع الرسول ﷺ في أهل المحشر، فإنه يؤذن لهم جميعاً إلى الصراط، لكن يؤمر آدم بإخراج بعث النار، وهؤلاء قطعاً سيقعون عن الصراط في النار، لكن يبدو أن الصراط يمر به الجميع، وأن أبواب جهنم تحت الصراط: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] .
لكن لو قيل بأن بعثاً يمكن أن يدخل النار دون المرور بالصراط فلا مانع، مثل ما ورد أن بعض أهل الجنة يدخلون الجنة دون حساب، ولا يمرون بشيء من العقبات، ولا يحسون بالأهوال، وحينئذ يكون عبور أهل الجنة من باب رحمة الله ولطفه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١-١٠٢] ويكون تعجيل أهل النار إليها قبل الصراط أو دون أن يمروا عليه، أو أن يكون مرورهم عليه صورياً، يكون ذلك من باب عدل الله ، فهذا هو الذي يستحقونه.
أما الترتيب بين هذه المشاهد أو الأهوال: فأولها الحشر كما ذكرنا من قبل، ثم إذا أُذن للناس وشفع الرسول ﷺ فيهم، فإن أول ما يمرون به وأول منزلة بعد الحشر: حوض رسول الله ﷺ على الراجح؛ لأنه جاء في وصفه أنه لا يظمأ من شرب منه أبداً، ولو كان بعد الصراط لما احتاج الناس إليه؛ لأنهم سيدخلون الجنة، لكن يذاد عنه الذين غيروا وبدلوا، ويذاد عنه أيضاً الذين أعانوا الظلمة، وقد جاء في حديثين ذكر أنواع من يذاد عنه: الحديث الأول: (ألا لا ألفين أقواماً أعرفهم فيذادون دوني كما تذاد غرائب الإبل، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، وفي لفظ: أمتي أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا منذ فارقتهم مرتدين على أعقابهم فأقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً) هؤلاء قد غيروا وبدلوا.
والحديث الآخر: عند عبد الرزاق في المصنف وإسناده صحيح، أنه ﵌ قال: (إنه سيستعمل عليكم أمراء يظلمون الناس ويؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فمن صدقهم في كذبهم أو أعانهم على ظلمهم فلن يرد علي الحوض) فهؤلاء أيضاً يذادون عن الحوض ويطردون عنه.
وكذلك الميزان فإنه سابق على الصراط، فبعد مشهد الحوض، يأتي وزن أعمال العباد، والمقاصة بينهم حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي ذلك الوقت أيضاً يأتي العرض على الله وبسط كنفه على عباده المؤمنين، ثم يأتي الحساب بعد الميزان محاكمة على الأعمال، ثم بعد ذلك تأتي هذه الظلمة وكذلك النور الذي ينور الله به المؤمنين، وهو إعلان النتيجة؛ لأنه سيعطى أهل هذا النور كتبهم بأيمانهم، ويعطى أهل الظلمة كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 84
ابن حجر يسير على منهج أهل التأويل في كثير من أحاديث الصفات
السؤال
هل التأويل المنسوب لـ ابن حجر هو ما ذكره في الوجه واليد، أم في مسائل أخرى؟
الجواب
ما ذكره ابن حجر هنا لا يعد تأويلاً، لكنه في كثير من أحاديث الصفات يسير على منهج التأويل في بيانها.
стр. 85
هل قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) من آيات الصفات ؟
السؤال
ما توجيه قولكم بغلط من فسر الآية: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:٤٢] بأنها من آيات الصفات، وما هو تفسير ابن عباس لها؟
الجواب
أنا ما ذكرت أن أحداً ممن فسرها غلط، إنما ذكرت أن بعض من فسرها جزم بأنها من آيات الصفات، ولم يدع مجالاً للخلاف فيها، وجعل من لم يفسرها بهذا من المعطلة، والواقع أن في الآية تفسيرين، أحدهما يجعلها من آيات الصفات فيكون معناها موافقاً لمعنى الحديث، والآخر لا يجعلها من آيات الصفات ويجعل معناها الشدة، فيكون هذا من أهوال يوم القيامة؛ لكن لا يقتضي إثبات صفة الساق لله، وإنما ثبتت الصفة في الحديث فقط.
ولا يمكن الجزم به، وتفسير ابن عباس أن قوله: ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] بمعنى الشدة أي أن: هذه الكلمة تطلقها العرب على الشدة في الأمر، والشدة وصف لحال الناس يوم القيامة، وكل أهوال يوم القيامة شدة.
стр. 86
الإنفاق والعطاء من الله تعالى هو لحكمة بالغة
السؤال
هذا السؤال عن قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] هل حصر بسط اليد بالإنفاق فقط؟
الجواب
الآية فيها أنه : (يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) أي: مبسوطتان بالعطاء؛ لأن هذا رد على اليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] وقالوا: لا يعطي الناس ما يكفيهم، وهذا بناءً على قولهم بفقره نسأل الله السلامة والعافية: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ولذلك فشبهة اليهود هي التي أخذ بها المشركون والمنافقون؛ لأن اليهود يقولون: (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ) ؛ ولذلك أمر عباده بالإنفاق، ويقولون: لا يعطي عباده ما يكفيهم؛ ولذلك أمر بالإنفاق عليهم والصدقة! والله رد عليهم فقال: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) .
وهذه الشبهة هي التي أخذ بها المشركون فيما حكى الله تعالى عنهم في قوله في سورة يس: ﴿وإِذَا قِيْلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] وهي الشبهة التي أخذ بها المنافقون فقالوا: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧] .
فالله رد هذا، وأخبر أنه ينفق فيعطي ما شاء بحكمة بالغة: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧] وقد ضل بهذه بعض القدرية، فيقول أحدهم: كم عالم عالم أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي جعل الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا والجواب: أنهم لم يؤمنوا بالقدر ولم يسلموا له؛ ولذلك دخلت عليهم الزندقة.
стр. 87
الرؤيا المنامية لا تؤخذ منها الأحكام
السؤال
ما حكم الرواية عن أحمد في رؤيته لله للعمل بمقتضاها؟
الجواب
أن هذه رؤيا نوم، والمرائي لا تؤخذ منها الأحكام، ولكنها تسر ولا تغر، وهي من المبشرات كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] ولا ينالها إلا الشخص المعذب، وسبحان الله! الذين ذكروا أنهم رأوا الله تعالى في المنام، إنما يذكرون هذا في حال تعذيبهم في ذات الله، لا أعلم أحداً ذكر أنه رأى الله في المنام إلا إذا كان قد عذب في ذات الله عذاباً شديداً، فالإمام أحمد إنما رآه وهو يقاد إلى الخليفة ليضرب عنقه.
стр. 88
نفي رؤية الله في الدنيا صفة سلبية تقابل الرؤية المثبتة له في الآخرة
السؤال
عن قوله: (يرى ولا يراه منا ذو بصر) قلت: إن فيه صفتين إيجابية وهي النظر، وسلبية، فما هي الصفة السلبية؟
الجواب
السلبية في قوله: (لا يراه منا ذو بصر) أنه: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، صفة، وكونه يرى في الآخرة صفة إيجابية، وكونه: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) في الدنيا صفة سلبية.
стр. 89
معنى قوله تعالى: (وأتوا به متشابها)
السؤال
كيف نجمع بين مقولة ابن عباس في نعيم الجنة، وقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة:٢٥] ؟
الجواب
(وَأُتُوا بِهِ) أي: بنعيم الجنة (مُتَشَابِهاً) أي: فيما بينه، وليس معناه أنه يشبه ما في الدنيا، بل ما يعرض عليهم من نعيم الجنة هو ما يأتيهم الآن، وما يأتيهم غداً، وما يأتيهم بعد غد، يظنونه نفس الشيء لا يتغير، فيشبه بعضه بعضاً، وهذا من تمام النعيم.
стр. 90
التبعيض نقص في حق الله تعالى
السؤال
كيف يعد التبعيض نقصاً في حق الله ؟
الجواب
لأن التبعيض يقتضي الإحاطة، فإذا أثبت أحد جزءاً فمعناه أن ذلك الجزء يمكن النظر إليه وحده، أو الإحاطة به وحده، وهو أيضاً يقتضي العجز؛ لأن المخلوق هو الذي يحتاج إلى هذه الأجزاء في تصرفه، أما الخالق فلا يحتاج إلى الأبعاض.
стр. 91
ما اختلف فيه الصحابة لا يدخل في مسائل العقيدة
السؤال
هل هناك ترجيح في قولي الرؤية المختلف فيها؟
الجواب
أن المسائل إذا اختلف فيها الصحابة رضوان الله عليهم، واختلف فيها من دونهم، لم تعد من الأمور التي يجب اعتقادها، وإنما ندرس القولين فيها، ولا يمكن أن نخطئ ابن عباس ولا أن نخطئ عائشة، وقد جاء في حديث أبي ذر في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: (نور أنّى أراه) ، وهذا الحديث محتمل للمذهبين معاً، وكذلك جاء في بعض طرقه: (رأيت نوراً) وهذا يقتضي أنه رأى نور الله ، ويقتضي أنه لم ير رؤية إحاطة؛ لأنها أصلاً مستحيلة.
وقد ذكرنا من قبل أنه ليس للسلف مذهب واحد في مثل هذه الأمور، وإنما لهم فيها خلاف، والجميع لا يخرج عن مذهبهم، لكن لا يسمى عقيدة، وإلا لوجب على كل مكلف أن يعرف أن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه ليلة المعراج أو أنه لم يره، وهذه من الأمور التي لا تجب، ولم يبينها الرسول ﷺ حتى نمتحن الناس بها ونجعلها عقيدة لازمة، وقد بينا من قبل أن العقيدة اللازمة هي: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره؛ على سبيل الإجمال وعلى سبيل التفصيل.
стр. 92
سلسلة الأسماء والصفات [٦]
الصفات الفعلية الثابتة لله تعالى منها ما اشتق منه اسم الله تعالى، ومنها ما ليست كذلك، وقد أثبت الله لنفسه في كتابه وأثبت له رسوله صفات كثيرة، وقد ذكر الشيخ هنا بعضها وشرحها.
стр. 93
بعض صفات الله الفعلية
قال الشيخ: [يسمع يبصر يحب يعجب يضحك يرضى يستجيب يغضب] هذا البيت كله يتضمن ثماني صفات من صفات الله الفعلية، بعض هذه الصفات مقتضية أيضاً لبعض الأسماء من أسمائه، فمثلاً:
стр. 94
إثبات صفة السمع لله
قوله: (يسمع) : هذا إثبات لصفة السمع لله ، والله تعالى يقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] فهذا إثبات لهذه الصفة الفعلية، وهو إثبات أيضاً لاسم (السميع) فهو اسم مشتق من هذه الصفة.
وسمع الله الراجح أنه للأصوات أي: يتعلق بالأصوات، وأنه لا يتعلق بالذوات، وخالف في هذا المتكلمون، فإنهم يقولون: سمعه يتعلق بالذوات والأصوات، وبصره يتعلق بالذوات والمبصرات، وليس لهم على هذا أي دليل، وإنما قصدوا به إتمام صفة المخالفة فقط، لذلك قال أحدهم: وأنت بصير تبصر الذات والمعنى، وهذا الذي قاله لا دليل عليه، وإلا لكان السمع والبصر صفة واحدة؛ لأنه إذا اتفقا في المحل -والمحل قطعاً هو ذات الله وإذا كان متعلقهما واحداً فهما صفة واحدة؛ لأنه لا يفرق بينهما بالمحل، وإنما يفرق بينهما بالمتعلق.
стр. 95
إثبات صفة البصر لله
وقوله: (يبصر) هذا إثبات لصفة البصر، وهي صفة الرؤية التي سبقت، ورؤيته معناها: أنه يرى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ، ومنها اسمه (البصير) فهو مشتق من هذه الصفة، فالله أثبت ذلك لنفسه في كثير من الآيات في كتابه.
стр. 96
إثبات صفة المحبة لله
وقوله: (يحب) هذه صفة فعلية وهي صفة المحبة، فالله يحب، وجاء ذلك مسنداً إلى أعيان وإلى أفعال، فمن الأعيان قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦] ، وجاء بالسلب في قوله: ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١] هذا للأعيان.
وجاء مسنداً إلى الأفعال في قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٤٨] هذا في النفي، وفي الإثبات مثل ما جاء عنه ﷺ في قوله: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) وقوله: (إن الله يحب إذا أنعم نعمة على عبده أن يرى آثارها عليه) وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ [الصف:٤] لكن هذا يشملهما معاً فهو للذات والصفة؛ لأن المحبة للذوات هي بسبب الصفة، أي: بسبب فعل هذا الفعل؛ لأن الاسم الموصول مستلزم للصفة، معناه: أحبهم بسبب قتالهم في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، ولم يشتق من هذه الصفة اسم لله .
والمحبة بينها وبين الأمر عموم وخصوص فإن الله يحب أن يؤتى ما أمر به، ويكره أن يؤتى ما نهى عنه، لكنه يأمر بأشياء لا يقدرها أصلاً، وينهى عن أشياء ويقدرها فتقع.
وقد جاء إسناد المحبة إلى أشخاص بأعيانهم، فقد ورد في الحديث الذي أخرجه الحاكم أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله أمرني أن أحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، وهم علي بن طالب، والمقداد بن عمرو، وعمار بن ياسر، وبلال بن رياح) ، وكذلك صح في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) قال سفيان وهو سفيان بن عيينة أحد رواة هذا الحديث: ولا أراه إلا قال في البغض مثل ذلك.
أي: إن الله إذا أبغض عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم ينزل له الخذلان في الأرض فيبغضه الناس.
стр. 97
إثبات صفة العجب لله
وقوله: (يعجب) هذه صفة أخرى وهي صفة العجب، وقد أثبتها رسول الله ﷺ لله في عدد من الأحاديث: (إن الله يعجب لرجلين يقتل أحدهما الآخر وهما في الجنة) الرجل الذي يكون مشركاً فيقاتل فيقتل مسلماً فيكون شهيداً في الجنة، ثم يؤمن القاتل بعد ذلك.
وإثبات صفة العجب فيها أيضاً ما ذكرناه في المحبة، فإنها مقتضية للتشريف للشيء الذي يعجب الله منه، مثل الشيء الذي يضحك منه، ويقتضي ذلك أن يتعجب منه عباده، والشيء الذي يحبه يقتضي أن يحبه عباده وهكذا.
وهذه الصفة لم يشتق منها اسم.
وقد قرئ قول الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] بضم التاء، وعلى هذا تكون هذه الآية إثباتاً لصفة العجب أيضاً.
стр. 98
إثبات صفة الضحك لله
وقوله: (يضحك) هذا إثبات لصفة الضحك لله ، وقد ثبت ذلك في عدد من الأحاديث عن رسول الله ﷺ فمنها: (إن الله يضحك إلى المصلي في جوف الليل، ويضحك إلى القائم في الصف) وغير ذلك من الأحاديث التي فيها إثبات الضحك لله .
وهو مثل صفة العجب والمحبة فيما ذكرناه، فإذا ذكر ذلك مع أي فعل فهو يقتضي زيادة فضله ومحبته، ويقتضي من المؤمنين المبادرة إليه لمحبتهم لله ، فيحبون ما يضحك منه ، وقد جاء أن أعرابياً سمع رسول الله ﷺ يقول: (يضحك الله إلى المصلي في جوف الليل، فقال يا رسول الله: أويضحك ربنا ؟ قال: نعم، قال: لا نعدم من رب يضحك خيرا) فتعجب رسول الله ﷺ من ذلك، وهذه الصفة لم يشتق منها اسم أيضاً.
стр. 99
إثبات صفة الرضا لله
(يرضى) : هذه صفة فعلية أخرى وهي صفة الرضا، والفرق بينها وبين المحبة أن الرضا يقتضي حصول المغفرة ويختص بالأعمال، فإذا رضي الله عن عبد من عباده فإن ذلك يقتضي مغفرة ما مضى منه، وقد يقتضي مغفرة المستقبل وهذا هو الرضا الأكبر الذي لا سخط بعده، فالرضا قسمان: فالأول: رضاً يختص بالماضي، ويقتضي مغفرته.
والثاني: رضاً يعم المستقبل وهو الرضا الأكبر الذي لا سخط بعده، وهو ما حل على أهل بدر حتى قال الله لهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ومثله ما حل على أهل الشجرة الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحتها، فقال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨] ولذلك قال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) .
وهذه الصفة تسمى: رِضاً ورِضواناً، ورُضواناً، ورُضاً، فهذه أربعة مصادر لرضي، والله جاء بها مثبتة ومنفية، مثبتة في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:١٨] ، ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] وجاء بها منفية في قوله: ﴿لا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] .
стр. 100
إثبات صفة الاستجابة لله
وقوله: (يستجيب) هذا إثبات لصفة أخرى من صفات الله ، وهي صفة الاستجابة، والمقصود بها إجابة الدعاء.
فالله يستقبل الدعاء فيثيب عليه ويجيبه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢] وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٧٦] فهذا إثبات لصفة الاستجابة، ومنها اشتق اسم المجيب في حديث أبي هريرة في التسعة والتسعين اسماً من أسماء الله تعالى.
والاستجابة لا تتعلق بالدعاء وحده، بل كثير من الأعمال تعرض عند الله، ولهذا جاء في أذكار الصلاة: سمع الله لمن حمده، و (سمع) هنا بمعنى استجاب؛ لأنها التي تتعدى باللام؛ أما (سمع) التي معناها سماع الصوت، فإنها تتعدى بنفسها مثل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ، أما التي تتعدى باللام فمعناها الإجابة، فمعنى (سمع الله لمن حمده) أجاب دعاءه، والحمد دعاء، وقد ذكرنا أثر ابن عيينة حين سئل عن قول الرسول الله ﷺ : (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) قيل له: أفهذا دعاء؟! قال: بلى، أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوماًً كفاه من تعرضه الثناء
стр. 101
إثبات صفة الغضب لله
وقوله: (يغضب) -عائذاً بوجهه من ذلك- وهذه صفة من صفات الفعل وهي الغضب، والله يغضب ويشتد غضبه وكلتاهما ثابتة في النصوص.
والغضبة الكبرى هي البطشة الكبرى، وهي إقامة القيامة، فإنه إذا لم يبق في الأرض من يقول: الله، يغضب الله على أهل الأرض الغضب الأكبر الذي بسببه تقوم الساعة، ولذلك يقول الأنبياء: (إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) وذلك حين يتمحض الشرك في الأرض، أما قبل ذلك فلا يأتي الغضب الماحق في الدنيا، وإنما يحل الغضب على قوم أو بلد أو نحو ذلك.
ومظاهر الغضب هي أخذ الله ، وهو أنواع: فمنه: الأخذ الوبيل الماحق مثل ما حصل للأمم السالفة.
ومنه: أخذ دون ذلك، كما في حديث ابن عمر في سنن ابن ماجة والمسند وغيرهما، وفيه: (ما نقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وعسف السلطان ونقص المئونة، ولا نقض قوم عهد الله وميثاقه إلا سلط الله عليهم عدواً من سواهم فأخذ بعض ما في أيديهم، ولا منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، وما ظهرت الفاحشة في قوم فأعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأوجاع التي لم تكن فيمن مضوا من أسلافهم، وما لم يحكم أئمتهم بما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) فهذه من مظاهر الغضب لكنها ليست عامة فلا يأخذ بها الجميع.
وغضب الله سببه الشرك به ومعصيته، ولهذا فإن الغضب الأكبر وهو غضب القيامة سببه تمحض الشرك به في الأرض.
وهذا الفعل لم يشتق منه اسم، وهو والسخط سواء، فقد أثبت الله السخط لنفسه أيضاً وهو بمعنى الغضب، واختلف فيهما فقيل: الغضب أعم من السخط، والسخط أخص منه، وقالت طائفة: معناهما واحد فهما من المترادف؛ لأنهما يتعاقبان في القرآن بنفس المعنى، ولذلك نسب السخط إلى اليهود والغضب عليهم أيضاً في القرآن، وهذا يقتضي ترادف السخط والغضب.
стр. 102
إثبات صفة البغض لله
قال: [يبغض يطمس الوجوه يطبع يقبض يبسط ويعطي يمنع] قوله: (يبغض) هذا إثبات لصفة فعلية أخرى هي بغضه، وهي مقابل المحبة التي سبقت، فإن الله يبغض الأفعال الذميمة التي حرمها ونهى عنها، ويبغض أعداءه بذواتهم، فالذين خلقهم للنار قد أبغضهم، والأفعال التي حرمها قد أبغضها، فهذا الفعل أيضاً يتعلق بالذوات وبالأفعال، ويأتي على ضد المحبة التي سبقت، ولهذا أخرج مسلم في الصحيح ومالك في الموطأ: أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) فيستعيذ من الصفة بضدها.
وهنا السخط ضد الرضا والمحبة، وكذلك البغض ضد المحبة، وقد جاء في حديث ليس بالقوي: (أن الله في آخر الدنيا يحشر المؤمنين إلى الشام، ويبقى في البلاد قوم تقذرهم نفس الرحمن) ، وهذا بمعنى البغض، هذا إذا ثبت الحديث لكن الحديث لم يثبت، ولو ثبت الحديث لأثبتنا صفة أخرى هي صفة الاستقذار.
стр. 103
إثبات صفة الطمس لله
وقوله: (يطمس الوجوه) : هذه صفة فعلية أخرى وهي الطمس، وقد جاءت منسوبة إلى الوجوه كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء:٤٧] .
وجاءت غير منسوبة إلى الوجوه، كما حكى الله تعالى عن موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] فالطمس على الأموال بمعنى إذهابها واجتياحها، وطمس الوجوه هو ردها على أدبارها نسأل الله السلامة والعافية.
وكذلك جاء الطمس على البصائر والقلوب، والمقصود به الختم عليها حتى لا تنتفع بخير ولا تقبل عليه ولا تقبله أصلاً، فالقلوب المطموس عليها هي التي لا تتوجه إلى الخير ولا تقبله أبداً.
стр. 104
إثبات صفة الطبع لله
وقوله: (يطبع) كذلك الطبع على القلوب هو صفة فعلية مثل سابقتها، والله أثبته لنفسه بقوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٩٣] وهذا الطبع هو الختم عليها بطابع النفاق نسأل الله السلامة والعافية، فتكون هذه القلوب مطبوعاً عليها لا يمكن أن يدخلها خير: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦] فلا يمكن أن يصلها الخير.
ومن هنا فإن الناس في الذكرى ينقسمون إلى أربعة أقسام: القسم الأول: هم الذين يسمعون الذكرى بآذانهم فتنقلها بكل أمانة إلى قلوبهم فينتفعون بالذكرى، وفيهم يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس:١١] وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ [الفرقان:٧٣] وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧-١٨] هؤلاء هم الذين ينتفعون بالذكرى.
القسم الثاني: هم الذين لا يتحملون سماع الذكرى أصلاً، حتى آذانهم لا تتحمل سماعها فيفرون منها كما يفرون من الأسد، وهؤلاء هم المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفََرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩-٥٠] والقراءة الأخرى: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر:٥٠] التي تقرءون بها.
والقسورة الأسد، فهؤلاء لا يمكن أن تخالط الذكرى أسماعهم.
القسم الثالث: قوم يسمعون الذكرى بآذانهم ولكنها لا تصل إلى قلوبهم؛ لأن قلوبهم مطبوع عليها، فالآذان تسمع الذكرى لكن لا تتجاوز تراقيهم، فالقلوب مختوم عليها من هنالك، والختم حول التراقي أو النحور كما في أحاديث الخوارج، وهؤلاء هم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ [محمد:١٦] فالقلوب لم تستفد.
القسم الرابع: الذين يفصلون في الذكرى، فيقبلونها من بعض الناس دون بعض، إذا رأوا من يعجبهم شكله أو يعرفونه قبلوا الذكرى منه، وإذا رأوا آخر فسمعوا منه خيراً لم يقبلوه؛ لأنه ليس في ذلك المحل! وهؤلاء هم مرضى القلوب الذين ابتلاهم الله بالكبر والعجب، وصفتهم مثل صفة قريش حين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣١-٣٢] .
стр. 105
إثبات صفة القبض والبسط لله
وقوله: (يقبض يبسط) : (يقبض) هذه صفة أخرى من الصفات الفعلية فالله ، وهذا الفعل يشمل عدة أمور: فهو سبحانه يقبض الأرواح بإرسال الملك المكلف بها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] ، ويقبض السماوات والأرضين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] ، ويقبض الشمس فيذهب الظل مع النهار كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ [الفرقان:٤٥-٤٦] ، ويقبض الرزق، وهذا النوع من القبض هو المقصود هنا وهو المقابل للبسط، يقبضه فيزويه عمن يشاء، وهذا يشمل أمرين: الأول: إزاحة الأموال مثلما حصل لصاحب الجنتين في سورة الكهف، وهذا من قبض الله ، والثاني: عدم إزاحتها ولكن انتقال الرزق منها، فيكون المال موجوداً لكن ينتقل الرزق منه، كحال آل فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٢٥] وكثير من الناس يعطى مالاً يتصرف فيه لكن لا يرزق به ولا يقدمه لآخرته حتى ينتفع به، ولا ينتفع به في رفاهية نفسه في الدنيا، بل يحال بينه وبينه حيلولة مطلقة.
وهذا القبض هو المقابل للبسط، والبسط: هو الذي يتعلق بالرزق في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧] .
وهذا القبض والبسط وإن كان في المحسوسات كقبض الأرزاق وبسطها, فإنهما أيضاً يتعلقان بالسعادة النفسية, ويتعاقبان على النفوس, فالنفوس تارةً تشهد تجليات القبض، وتارةً تشهد تجليات البسط, فتجد الإنسان في بعض الأحيان مرتاحاً جداً ولا يدري سبباً لذلك, وتجده منقبضاً أحياناً أخرى ولا يدري سبباً لذلك، وهذا من تجليات القبض والبسط.
ولهذا يقول شيخي ﵀: القبض والبسط في الأكوان شيئان على مراد الفتى قد لا يجيئان يتعاقبان لكل منهما أجل هذا بآن وهذا بعض في آن لجوهر البسط في آن على أحد فآنه المختفي في مظهر الثاني والعسر لا يغلب اليسرين منفرداً فالعسر فرد وإن اليسر يسران لا تجزعن ولا تفرح لحادثة فإن دارك دار ذات ألوان وراع في كل حال ما يناسبها ولا تشح بفان أيها الفاني
стр. 106
إثبات صفة الإعطاء والمنع لله
وقوله: (ويعطي يمنع) , هاتان الصفتان أيضاً متضادتان وهما: صفة الإعطاء وصفة المنع, فالله تعالى يعطي ما يشاء لمن يشاء, ويمنع ما يشاء, ولذلك قال رسول الله ﷺ في دعاء الرفع من الركوع: (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) , وقال: (رحمن الدنيا والآخرة تعطي منهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء) .
стр. 107
الأسئلة
стр. 108
معنى حديث: (يعجب الله من الشاب ليست له صبوة)
السؤال
(يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة) هل هذا حديث أو أثر، وإذا ثبت فما معناه؟
الجواب
بالنسبة لثبوته لا أذكر شيئاً فيه, ولا أدري درجته, لكن معناه أن الله سلط على الإنسان الشهوات، وبالأخص في بداية شبابه، فعقله ما زال ضعيفاً وتجربته ما زالت ضعيفة، ومع ذلك فإن شهوته قوية, فلذلك إذا تغلب عليها فقد انتصر، وكان محلاً للإعجاب به, ولهذا يستحق أن يظل في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 109
حشر المؤمنين إلى الشام لقتال اليهود قبل قيام الساعة
السؤال
أين يكون الناس قبل حشرهم إلى أرض الشام؟
الجواب
الناس في الأرض: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] , لكن أول من يحشر إلى أرض الشام هم اليهود، كما قال تعالى: ((وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ)) أي تفرقوا في الأرض ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء:١٠٤] يحشرهم الله إلى الشام, وأول ذلك: طرد النبي ﷺ لبني قينقاع من المدينة؛ ولذلك قال الله فيه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢] هذا أول حشر إلى الشام.
وأما حشر المؤمنين إليه فقد جاء فيه: (يوشك أن يكون خير مهاجرهم مهاجر أبيهم إبراهيم) فيهاجرون إلى الشام لقتال اليهود, وهذا المقصود به خيرتهم، وإلا فلا يمكن أن يتسع الشام لكلهم؛ لأن الشام هو الذي ينزل فيه عيسى بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فيجتمع إليه أنصاره من المؤمنين الذين هم خيرة أهل الأرض يومئذٍ ويكونون في الشام، وقد جاء قبل ذلك قوله ﷺ : (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) وهذا الحديث أخرجه الترمذي في السنن وإسناده حسن.
وكذلك جاء في الشام عدد كبير من الأحاديث، جمعها الحافظ ابن عساكر فأوصلها إلى قرابة ألف حديث في فضائل الشام وحشر الناس إليه وغير ذلك, وبه فسر كثير من أهل العلم قوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وهم أهل الغرب) وقال ﷺ : (هم أهل الشام) وإن كان الشام ليس في غرب المدينة، لكن يطلق عليه ذلك؛ لأن غرب المدينة البحر, والبحر من سار بساحله يوصله ذلك إلى الشام.
وقال آخرون: هو اتجاه المغرب، كما جنح إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: كل الفتن والمصائب والبدع جاءت من المشرق، وأما المغرب فلم يأت منهم إلا خير، فجاء منه العلم والحفاظ في كثير من العصور, وهذه القاعدة يمكن أن تنقض بالعبيديين فقد ظهروا في البداية في المغرب في المهدية في تونس، ثم رحلوا إلى المشرق, لكن يجاب على هذا: بأن التشيع كله في الأصل من المشرق, فـ عبيد الله بن إسماعيل جاء أيضاً من المشرق, فأنشأ ذلك بالمغرب.
وقال أحد علمائنا في شرحه لصحيح مسلم عندما بلغ هذا الحديث: الغرب في اللغة له ثلاثة معان: يطلق على الدلو العظيمة, يقول: لا أعرف بلداً من بلاد الله أكبر دلاء منا.
ويطلق على مغرب الشمس، يقول: ونحن آخر المسلمين إلى جهة المغرب.
ويطلق على القوة والشوكة، يقول: نحن أهلها، ولم يجاهد قوم دون إمام فينصروا ويغنموا غيرنا, وهذه دعوى، لكن المهم أنها مبشرات.
وحشر المؤمنين إلى الشام لقتال اليهود جاء فيه الحديث الذي في الصحيحين: (لتقاتلن اليهود حتى تقاتل بقيتكم الدجال) , وفيه: (أنه حتى يقول الحجر والمدر: يا عبد الله! هذا يهودي خبيث تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) وجاء في مسند البزار وغيره من حديث نهيك السكوني ﵁: أنه ذكر أن رسول الله ﷺ قال في خطبة من خطبه: (لتقاتلن الدجال أو لتقاتلن بقيتكم الدجال , أنتم شرقي نهر الأردن وهم يومئذٍ غربيه) ، قال: ولا أدري ما الأردن يومئذٍ, والحديث في إسناده مجهول، لكن مع ذلك تشهد له الأحاديث السابقة الصحيحة.
стр. 110
سلسلة الأسماء والصفات [٧]
بين يدينا عدد من الصفات الفعلية المتقابلة، وكلها مما يدل على عظمة الله .
следующие страницы →