Полный текст (202 стр.). Показаны 176–202 · переход к 181.
стр. 176
الاختلاف في فهم المراد من الحديث
السبب الثالث: أنهم قد يختلفون في فهمهم للمراد من الدليل، وإن من أوضح الأدلة على ذلك: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ﷺ قال للصحابة في يوم الأحزاب: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فأدركهم العصر وهم في الطريق، فانقسم الصحابة إلى قسمين: قسم اجتهد وقال: نصلي العصر الآن لأن الرسول ﷺ لم يرد منا ذلك وإنما عزم علينا الخروج إلى بني قريظة، وقسم آخر قال: لا.
أمرنا الرسول ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة فلن نصلي العصر إلا في بني قريظة، فصلى فريق وامتنع فريق آخر، فلما بلغ ذلك إلى النبي ﷺ أقر الفريقين ولم يعب على فريق منهما، وهذا اختلاف في فهم المراد من الدليل.
стр. 177
عدم معرفة النسخ
السبب الرابع: قد يحدث صحابي بحديث عن النبي ﷺ ويستشهد به كدليل من الأدلة على مسألته وهو لا يعلم أن هذا الحديث قد نسخ بحديث آخر صريح من النبي ﷺ .
стр. 178
الآثار المترتبة على اختلاف الصحابة
أيها الأحبة: هذه بعض الأسباب التي أوقعت الصحابة ﵃ في الخلاف، ولكن ما هي الآثار المترتبة على هذا الخلاف؟ إنها المحبة المودة الرحمة الأخوة الحب في الله.
ومن ذلك: يختلف ابن عباس مع زيد بن ثابت في بعض المسائل ولما قام زيد بن ثابت تناسى ابن عباس هذا الخلاف وقام ليسحب له دابته، فيقول زيد بن ثابت: إليك عني يا ابن عم رسول الله، فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا وكبرائنا، فيقول زيد: أرني يدك فيأخذ زيد يده ويقبلها، ويقول: هكذا أمرنا أن نصنع بآل بيت نبينا.
стр. 179
الآثار المترتبة على خلاف المسلمين اليوم
أيها الأحباب! هذه هي آثار الخلاف بين أصحاب الحبيب المصطفى ﷺ ، أما آثار خلافنا اليوم وأسبابه فكثيرة، منها: الجهل، والتعصب، وحب الزعامة والريادة والسيادة، وأما آثاره فتمزق وتشتت، وبغض وكره، ومهاترات وانتقام، وسخرية وافتراء.
شتان شتان شتان بين زهرة طبيعية لا تحبس عن الناس عبيرها وعطرها وأريجها وريحها وبين زهرة صناعية لا تحمل من عالم الزهور إلا اسمها.
стр. 180
لحوم العلماء مسمومة
أيها الأحباب! وأما القاعدة الثانية التي أريد أن أقعدها لطلبة العلم خاصة وللمسلمين عامة واحفظوها وعوها في قلوبكم، ألا وهي: أن سنة سلفنا الصالح ﵃ جميعاً هي: عدم التعرض للظنون والأوهام والكهانات من العلماء المشهود لهم بالخير والبر والتقى والصلاح.
وهذه قاعدة نحن في أمس الحاجة إليها خاصة في هذه الأيام؛ لأننا نرى موجة عارمة عاتية من السخط والكلام ونهش لحوم العلماء على الرغم من أن هذا الذي يتكلم فيهم من أجهل الناس ومع ذلك يتطاول على أفضل الناس على ظهر الأرض بعد الأنبياء بشهادة النبي ﷺ يكون جاهلاً ويجلس في المجلس ليتطاول على أهل الفضل والخير والبر والتقى والصلاح.
أقول: إن سنة سلفنا الصالح هي: عدم التعرض للظنون والأوهام والجهالات للعلماء المشهود لهم بالبر والخير والتقى والصلاح، واعلم بأن لحوم العلماء مسمومة، كما ورد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) .
وروى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي حنيفة والشافعي أنهما قالا: (إن لم يكن الفقهاء -في قول للشافعي - إن لم يكن الفقهاء العاملون هم أولياء الله فليس لله في أرضه ولي) .
إن لم يكن الفقهاء والعلماء هم أولياء الله جل وعلا فمن يكون الولي إذاً؟ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] فهؤلاء هم أولياء الله بشهادة الله جل وعلا.
أيها الأحبة! اسمعوا إلى هذه القولة الرائعة من ابن عساكر ﵀ وطيب ثراه، يقول: (اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني الله وإياك فيمن يخشاه ويتقيه حق تقاته، اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالسلب بلاه الله قبل موته بموت القلب) .
يخشى على من ينهش لحوم العلماء في كل ساعة وحين أن يختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله، فمن أطلق لسانه في العلماء بالسلب بلاه الله قبل موته بموت القلب.
стр. 181
ثناء العلماء على الإمام أبي حنيفة
أيها الأحباب! بعد عرض هاتين القاعدتين بإيجاز نقرر ما يلي: أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى في أعلى درجات البر والخير والصلاح، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ، قال جمهور المفسرين: والظن الذي نهينا عنه هو ظن السوء بأهل الخير والصلاح.
أقول: وأبو حنيفة في أعلى درجات البر والخير والصلاح والورع والزهد والتقى، فلقد تجاوز الإمام القنطرة وشهد له بالعدالة والضبط والصدق والثقة على أيدي وألسنة قادة علماء الجرح والتعديل وأئمة الحديث رضوان الله عليهم جميعاً! أيها الأحبة! اسمعوا إلى هذا السيل من الثناء على هذا الإمام الذي اتهم من البعض بالكفر والزندقة، فقد أثنى على أبي حنيفة الإمام الشافعي رحمهما الله تعالى فقال: (ما طلب أحد الفقه إلا وكان عيالاً على أبي حنيفة) وأثنى على أبي حنيفة الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقال: (أبو حنيفة من العلم والزهد والورع وإيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد) ولقد ضرب بالسياط ليلي القضاء للمنصور فأبى، فرحمة الله عليه ورضوانه) .
وهذه شهادة إمام أهل السنة لأخيه الإمام أبي حنيفة فرحم الله الجميع ورضي عنهم وأسكنهم فسيح جناته.
وأثنى عليه أيضاً: الإمام سفيان بن عيينة فقال: (ما رأت عيني مثل أبي حنيفة) ، وأثنى عليه الإمام ابن عبد البر فقال: وقال أبو داود صاحب السنن: إن أبا حنيفة كان إماماً، وإن مالكاً كان إماماً، وإن الشافعي كان إماماً.
وأثنى على أبي حنيفة الإمام الذهبي أستاذ الجرح والتعديل في كتابه القيم المدهش: (طبقات الحفاظ) الذي قدم في هذا الكتاب القيم له بهذه المقدمة حيث يقول الذهبي: وهذه تذكرة بأسماء معدلي حملة العلم النبوي - هكذا لفظاً وحرفاً - ومن يرجع إلى اجتهادهم في التوثيق والتصحيح والتزييف وذكر من بين هؤلاء المعدلين: الإمام أبا حنيفة ﵁ وأرضاه.
وأثنى على الإمام أبي حنيفة الإمام الكبير الجهبذ شيخ الإمام البخاري الإمام علي بن المديني حيث قال: أبو حنيفة ثقة لا بأس به.
وأثنى على أبي حنيفة شيخ الجرح والتعديل، بل إمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان حيث قال عن أبي حنيفة: إنه من أعلم الأمة بما جاء عن الله ورسوله.
وأثنى على أبي حنيفة الإمام الكبير أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية الكبيرة المشهورة المعروفة فقال أبو جعفر: أبو حنيفة الإمام الأعظم: ثقة ثبت فقيه مشهور.
وأثنى عليه الإمام الذهبي في موضع آخر، وحكم له كثير من الحفاظ بأنه من خيار التابعين.
стр. 182
مولد الإمام ونشأته
ولد أبو حنيفة بالكوفة سنة (٨٠هـ) ، وأصله من مدينة كابول عاصمة أفغانستان اليوم، ونشأ الإمام في الكوفة وترعرع فيها على أيدي الشيوخ والعلماء الكبار، ورأى بعض أصحاب النبي ﷺ ، فرأى أنس بن مالك غير مرة، ورأى عبد الله بن أوس ورأى سهل بن سعد وغيرهم، فشهد له مجموعة من عظماء الأمصار بأنه من التابعين وبأنه من خيار التابعين، ويكفي أنه في خير القرون بشهادة الحبيب ﷺ ، كما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) .
وبالرغم من ذلك فقد اتهم الإمام ببعض الشبهات وأعرج على بعض التهم بعد جلسة الاستراحة مع البيان والتوضيح والإنصاف، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 183
الرد على الشبهات التي رمي بها الإمام ﵀
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: أيها الأحبة! بالرغم من هذا فإنه لا يسلم أحد على ظهر هذه الأرض من أن يتحدث الناس فيه، كيف لا وقد تحدث بعض الناس عن رب العزة والجلال، ألم تقرءوا قول الله في القرآن الكريم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] ؟ ألم تقرءوا قول الله حكاية عن إخوان القردة والخنازير حيث قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] .
ولم يسلم سيد الخلق وحبيب الحق المصطفى ﷺ ، بل اتهم بالسحر والكذب والجنون.
إلى آخر هذه التهم التي اتهم بها.
فمن ذا الذي لا يتهم بعد ما اتهم ربنا ونبينا ﷺ ؟! لقد اتهم الإمام أبو حنيفة وليس هذا ببدع كما ذكرت، ولكنني أردت أن أرد بعض التهم التي وجهت كذباً وزوراً:
стр. 184
الشبهة الأولى: أن البخاري ومسلم لم يخرجا له في الصحيحين
أما التهمة الأولى التي وجهت إليه من البعض فتقول: إن أبا حنيفة لم يخرج له الإمام البخاري ولا الإمام مسلم وباقي أصحاب الكتب الستة، ويعتبرون ذلك قدحاً في الإمام، ويعتبرونه من عدم الاعتبار من هؤلاء الأئمة لـ أبي حنيفة.
فأقول: إن هذه الشبهة ليست صحيحة، لأنه من ظن أن ثقات الرواة هم الرواة في الكتب الستة فقط فقد ظن باطلاً، ولن أستطيع أن أستطرد لكم لأبين لكم الدليل، وإنما سأذكر لكم دليلاً واحداً على ذلك، ألا وهو أن الإمام مسلم لم يخرج في صحيحه حديثاً واحداً عن الإمام البخاري على الرغم من أنه نسج صحيحه كله على منوال الإمام البخاري ﵁.
стр. 185
الشبهة الثانية: نقل الخطيب لأقوال القادحين فيه بأسانيدها
الشبهة الثانية: يقول البعض: إن الخطيب البغدادي ألف كتاباً كبيراً ذكر فيه أقوالاً كثيرة لبعض الذين قدحوا في الإمام أبي حنيفة بأسانيد إلى قائليها، ومن المعلوم لكل طالب علم في الحديث مبتدئ أن ذكر السند ليس دليلا ًعلى صحة السند، فكم هناك من الأسانيد الموضوعة والمكذوبة الملفقة التي افتري بها على الرسول ﷺ نفسه، أما إذا كان السند صحيحاً صادراً من أقران الإمام أبي حنيفة فمن المعلوم عند علماء الجرح والتعديل أن كلام الأقران لا يستشهد به في بعضهم البعض، وهذا ما صرح به الحافظان الكبيران الذهبي وابن حجر وغيرهما.
стр. 186
الشبهة الثالثة: تقديمه الرأي والقياس على النص
الشبهة الثالثة: تقول: بأن أبا حنيفة كان يقدم الرأي والقياس على النص، ولعلها من أخطر الشبهة التي توجه إلى مذهب الإمام، وأستطيع أن أرد بما رد به الإمام أبو حنيفة ذاته، فيقول أبو حنيفة: كذب والله وافترى علينا من يدعي أننا نقدم القياس على النص! ثم يقول: وهل بعد النص قياس؟! ويقول أبو حنيفة في موضع آخر: ما جاءنا عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا - أي قد نأخذ بقول عمر ولا نأخذ بقول ابن عباس - وما جاءنا عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال.
فهذه أيضاً قولة وشبهة غير صحيحة، وقال عن ذلك الإمام ابن القيم في كتابه المدهش: (إعلام الموقعين) ، قال: إن أبا حنيفة يقدم الحديث الضعيف على القياس.
ثم يقول ابن القيم: فكيف يُدعى بعدئذ أن أبا حنيفة يقدم القياس على النص؟! وقال الإمام ابن حزم في كتابه (المحلى) : إن جمهور أصحاب أبي حنيفة يقرون بأن مذهب الإمام أنه يقدم الحديث الضعيف على القياس والرأي، فكيف يدعى بعد ذلك أنه يقدم القياس والرأي على النص الصريح الصحيح؟!! وهذا ما أقره أيضاً الإمام ابن حجر في مقدمته في كتاب فتح الباري حيث قال: ومن ثم فإنه لا يعتد بجرح الجارحين الذين جرحوا أبا حنيفة بكثرة القياس.
стр. 187
الشبهة الرابعة: أنه استتيب من الكفر مرتين
أما الشبهة الرابعة: أنهم قالوا: إن أبا حنيفة قد استتيب من الكفر مرتين.
ومن المعلوم أن الذي كفّره واستتابه هم الخوارج كلاب أهل النار، ولم يكفروا أبا حنيفة وحده وإنما كفروا علياً وكرام الصحابة رضوان الله عليهم، فلا عبرة إذن باستتابتهم ولا بتكفيرهم، وهذا لا يحتاج منا إلى أي دليل.
стр. 188
الشبهة الخامسة: مخالفته لأهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان
أما الشبهة الأخيرة -وأكتفي بها- ولعلها أخطر الشبهات: قول البعض: إن أبا حنيفة يخالف أهل السنة والجماعة في مسمى الإيمان.
فمن المعلوم أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة: (اعتقاد وقول وعمل) قول باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، إلا أنهم اتهموا أبا حنيفة بالإرجاء وقالوا: بأنه من المرجئة الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان، ويقولون: بأن أصل الإيمان يكفي، وجعلوا مدار النجاة على مجرد التصديق فقط، فلا يهمهم عمل إذا استقر الإيمان في القلب، وهذا هو فكر المرجئة في هذه المسألة، فاتهموا أبا حنيفة بأنه من أهل الإرجاء؛ وأنه يخالف معتقد أهل السنة والجماعة في هذه الجزئية.
وأرد بما رد به الإمام أبو حنيفة نفسه على عالم البصرة عثمان البستي رحمه الله تعالى، حيث أرسل له عثمان رسالة يقول فيها: بلغني عنك يا أبا حنيفة أنك من المرجئة، فرد عليه أبو حنيفة بهذه الرسالة المطولة وقال فيها: أما بعد: فاعلم أنني أقول بأن أهل القبلة مؤمنون، وبأني لست أخرجهم من الإيمان إذا تركوا شيئاً من العمل، أما من ترك الإيمان والعمل فهو كافر عندنا من أهل النار، وأما من حقق أصل الإيمان وترك شيئاً من العمل فهو في مشيئة الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه.
ا.
هـ.
ولذا قال الإمام ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الحنفية الطحاوية المشهورة قال: إن الخلاف بين أبي حنيفة وجمهور أهل السنة والجماعة في هذه المسألة إنما هو اختلاف لفظي، ودلل على ذلك بأدلة كثيرة، وذكر أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي والزلات.
وذكر الإمام ابن أبي العز أن العمل شرط في كمال الإيمان عند أهل السنة والجماعة وليس شرطاً لصحة الإيمان كما قالت الفرق الأخرى.
стр. 189
رسالة إلى كل متعصب للإمام
وهكذا أيها الأحبة وبعد كل هذا أقول: أبو حنيفة بشر يصيب ويخطئ، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي ﷺ ! فإلى كل متعصب للإمام، وإلى كل متعصب للمذهب مع مخالفته للدليل الصحيح من القرآن والسنة، أقول له: اعلم أنك على خطر عظيم! وأنك مخالف لإمام مذهبك الذي قال بصراحة ووضوح: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) والذي قال في صراحة ووضوح: (حرام على من لم يعلم دليلي أن يفتي بقولي) .
وهو الذي قال: (إذا قلت قولاً ووجدتموه مخالفاً لكتاب الله وسنة رسول الله فاتركوا قولي وخذوا بقول الله ورسوله) .
أيها الأحبة! عودة حميدة إلى النبعين الصافيين الكريمين عودة إلى القرآن والسنة وما صح من أقوال أهل العلم بهذا المعيار الدقيق لتأتلف القلوب؛ فإذا كان القرآن والسنة هما مصدر رجوعنا فلا خلاف ولا شقاق ولا نزاع، بل قال الله قال رسوله، لا أن نكون ممن قال فيهم الإمام ابن القيم: إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قال الصحابة والألو تبع لهم في القول والأعمال أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام العالي صدوك عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال يا أمة لعبت بدين نبيها كتلاعب الصبيان في الأوحال حاشا رسول الله يحكم بالهوى والجهل تلك حكومة الضلال أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرد الأمة إلى النبعين الصافيين الكريمين القرآن والسنة الصحيحة لرسول الله ﷺ .
اللهم رد الأمة رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم جمع شملنا، اللهم وحد صفنا، اللهم ألف بين قلوبنا!!.
стр. 190
مصابيح الهدى - أحمد بن حنبل
السنة باب عظيم من دخله كان إلى الله من الواصلين، وهي الحصن الحصين الذي من دخله كان من الآمنين، فهي تنير لأهل الحق طريقهم، وتطفئ أنوار المبتدعة وأهل النفاق، وقد تعرضت عبر التاريخ لمحاولة تشويه وتغيير وتحريف، فانبرى لها أسود يذودن عن حياضها، ومنهم: إمام أهل السنة والجماعة الإمام: أحمد بن حنبل ﵀، فقد عاش مدافعاً ومنافحاً عن سنة النبي ﷺ ، وقد ابتلي في سبيل ذلك بأشد أنواع الابتلاءات، وهو صابر محتسب، حتى لقي الله وهو على ذلك.
стр. 191
بيان فضل السنة وأهميتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع إمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة! إننا اليوم على موعد مع اللقاء السابع عشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى.
أحبتي في الله! إن السنة هي الباب العظيم الذي من دخله كان إلى الله جل وعلا من الواصلين، وهي الحصن الحصين الذي من دخله كان من الآمنين، فالسنة تقوم بأهلها وإن قعدت بهم أعمالهم، والسنة تنير لأهلها إذا انطفأت على أهل البدع والنفاق أنوارهم، قال الله : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] ، قال ابن عباس ﵄: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل البدعة والاختلاف.
فأهل السنة هم أهل الهدى ودين الحق، وهم أصحاب العلم النافع والعمل الصالح.
أهل السنة هم الذين صدقوا رسول الله ﷺ في أقواله ولم يعارضوها بالشبهات، وهم الذين أطاعوا رسول الله ﷺ في أوامره ولم يضيعوها بالشهوات، فأهل السنة -أيها الأحبة- هم الذين صحبوا أنفاس الحبيب المصطفى في الدنيا، وهم أهل السعادة بصحبة أنفاسه ونفسه في جنات النعيم في الآخرة.
стр. 192
قبسات من سيرة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل
نحن اليوم على موعد مع إمام أهل السنة في زمانه وبعد زمانه، إنه العالم الرباني، شيخ الإسلام وسيد المسلمين الذي عرضت له الدنيا فأباها، وتعرضت له البدع فنفاها، إننا اليوم على موعد مع أئمة في إمام، فلقد كان إمامنا إماماً في الحديث وضروبه، إماماً في الفقه ودقائقه، إماماً في الزهد وحقائقه، إماماً في الورع وطرائقه، إماماً في السنة بجميع أقسامها، إماماً في العقيدة بكل أصولها وفروعها، إنه الإمام العلم إنه الحبر الرباني الكبير الذي بذل نفسه وروحه للذود وللذب عن حياض السنة المطهرة.
إنه الجبل الراسخ الذي لا تزعزعه الأهواء، ولا تميد به العواصف والفتن والمحن، إنه الرجل الذي أراني اليوم وأنا أتحدث عنه كأنني أقدم لحضراتكم اليوم صحابياً جليلاً من أصحاب الحبيب المصطفى ﷺ .
ولم لا وقد كان إمامنا الحبر العلم لا يحيد قيد شعرة في أقواله وأفعاله وأحواله عن سنة الحبيب المصطفى ﷺ ؟! إنه الإمام المبجل أحمد بن حنبل ﵁ وأرضاه، وطيب الله ثراه، وجمعنا الله به مع إمامه وأستاذه؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله! إنه لفخر لبني الإنسان، وإنه لشرف لمثلي وأمثالكم أن أتكلم أنا عن أحمد وأنتم تستمعون إلى سيرته، فمن نحن لنتكلم عن هذا الإمام العلم؟! والله إني أحس بأن حلقي ليجف وبأن قلبي ليرتعد خجلاً وحياءً من أن يقف مثلي معدداً لمناقب ومآثر هذا الحبر وهذا العالم الرباني الجليل الكبير.
أيها الأحبة! تعالوا بنا سريعاً -حتى لا تطاردنا عقارب الساعة- لنطالع سيرة هذا العالم الرباني من أولها، فإن تلخيص حياة الإمام في هذه الدقائق المعدودات أمر والله جد عسير، فإلى قفزات سريعة في حياة هذا الإمام العلم، فأقول مستعيناً بالله جل وعلا ومتوكلاً عليه:
стр. 193
مولده ونشأته
ولد الإمام أحمد في السنة الرابعة والستين بعد المائة الأولى في مدينة بغداد، فالإمام بغدادي المولد والنشأة والوفاة، ولما بلغ إمامنا الثالثة من عمره توفي أبوه في ريعان شبابه، فلقد مات والده في الثلاثين من عمره، ووليته أمه الصابرة التقية النقية، ودفعت أحمد في سن مبكرة جداً إلى الكُتّاب ليحفظ القرآن الكريم وليتعلم القراءة والكتابة، ونبغ إمامنا نبوغاً مبكراً.
стр. 194
طلبه للعلم ونبوغه فيه
أيها الأحبة: إن المادة كثيرة كثيرة، وأريد أن ألخص حياة الإمام تلخيصاً دقيقاً.
أقول: نبغ الإمام مبكراً فاتجه بعد ذلك إلى دراسة فقه الشريعة والحديث على يد شيخه الأول: هزيم بن بشير رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ولما بلغ الإمام الثامنة عشرة من عمره تفرغ لدراسة علم الحديث الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فنظر الإمام فلم ير شيخاً من شيوخ بغداد إلا وقد أخذ كل ما عنده من حديث المصطفى ﷺ ، ففكر الإمام في الرحلة لطلب الحديث، ورحل إمامنا إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، وفارس، وخراسان، واليمن، والمغرب، والشام، حتى قال الحافظ ابن كثير في بدايته ونهايته المتقنة: لقد طاف أحمد البلاد والآفاق بحثاً عن حديث رسول الله ﷺ .
وهكذا أحبتي في الله! وهكذا يا طلبة العلم لم يضيع الإمام لحظة واحدة في شبابه، ولا حتى في حياته إلا وقد حرص فيها على أن يسمع حديثاً عن رسول الله ﷺ ، أو أن يصحح رواية، أو أن يوصل سنداً من المسانيد، وهكذا رحل في سبيل هذه الغاية الشريفة العظيمة الكريمة إلى أدنى الدنيا وأقصاها، إن لم يجد ما يركبه فعلى قدميه ماشياً ﵁ وأرضاه، حتى تشققت قدماه، وضعف بدنه ضعفاً شديداً شديداً، ولكن سعادته بسماع أحاديث المصطفى ﷺ كانت تمسح آلامه، وتذهب جراحه، وتسكب في قلبه الطمأنينة واليقين والصبر والثبات حتى قال ولده الأكبر صالح بن أحمد ﵀ ورحم أباه رأى رجل مع أبي المحبرة ذات يوم فعجب، وقال هذا الرجل للإمام أحمد: يا إمام! أنت إمام المسلمين، وبلغت ما قد بلغت، ولا زلت أرى معك المحبرة؟ فقال أحمد قولته الخالدة: نعم.
مع المحبرة إلى المقبرة.
فلا تتعال يا طالب العلم، ولا تظنن أنك قد بلغت ساحل العلم، فإن ساحل العلم لا يصل إليه أحد، كيف وقد أمر الله حبيبه المصطفى الأمي الذي علم المتعلمين بقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤] ولا يزال هذا الأمر قائماً ودائماً حتى لقي الحبيب ربه جل وعلا.
نعم.
مع المحبرة إلى المقبرة، ومن ثم بهذا الصبر وهذه المثابرة وهذا الصدق والجهد والإخلاص واليقين صار الإمام أحمد محدث المتفقهين وفقيه المحدثين.
стр. 195
مسند الإمام أحمد ﵀
انتبهوا أيها الإخوة فإن هذه رءوس أقلام، ولا يسعني أبداً أن أقف مع سيرة الإمام مع علمه وفقهه وورعه وزهده، ومع خوفه، ومراقبته لله، ومع إخلاصه وصدق توكله، ومع صبره وثباته على المحن والشدائد، ومع حسن تواضعه وكريم إشفاقه.
لا يسعني أدباً أن أتحدث عن كل هذا في هذه الدقائق المعدودات، إلا أنني أقول: صار أحمد فقيهاً أو محدث المتفقهين وفقيه المحدثين، وإن أعظم دليل عملي على صدق قولي هذا هو مسنده العظيم، ذلك المورد الثجاج لحديث رسول الله ﷺ ، الذي جمع فيه الإمام جمعاً عظيماً من أحاديث المصطفى ﷺ ، فيأتي الإمام باسم الصحابي أو بمسند الصحابي فيقول: مسند أنس بن مالك، أو مسند أبي هريرة، أو مسند عبد الله بن عمر ويأتي بجميع الأحاديث التي رواها هذا الصحابي عن رسول الله ﷺ دون مراعاة لموضوعات هذه الأحاديث، ثم بعد ذلك بأقوال هذا الصحابي وفتاويه إن كانت له فتاوى، وهكذا يختلف ترتيب المسند عن ترتيب كتب السنن، فإن المسند مرتب على الصحابة، وكتب السنن مرتبة على أبواب الفقه كما يعلم طلبة الحديث.
أحبتي في الله! وهكذا أولى الإمام أحمد المسند عناية عجيبة فائقة، ولكن يأبى الله إلا أن يكون الكمال لكتابه وحده، ولقد صدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] .
أقول: مع كل هذه العناية الفائقة فلقد وقع في مسند الإمام أحمد الضعيف والموضوع، كأحاديثه في فضائل مرو وعسقلان، ففيها الضعيف والموضوع، ولكن الصحيح والله أعلم أن هذه الأحاديث الموضوعة -وأقول هذا للأمانة العلمية ووالله ليست تعصباً- التي ثبتت في مسند أحمد، وثبت الكذب في بعض رواتها ليست من رواية الإمام أحمد، وإنما هي من الزيادات التي زيدت على المسند بعد ذلك، ولقد حقق هذه المسألة تحقيقاً دقيقاً عجيباً خاتمة المحدثين والحفاظ، الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في كتابه القيم المذهل المسمى بـ: (القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد) ، وقد رد الحافظ ابن حجر في هذا الكتاب على شيخه الحافظ العراقي رحمه الله تعالى، وأثبت الحافظ ابن حجر أن الأحاديث الموضوعة التي ثبتت في مسند الإمام أحمد إنما هي من الزيادات التي زيدت على مسند الإمام، وليست من رواية أحمد ولا ولده عبد الله.
وهكذا أيها الأحبة: أجل الإمام أحمد وأهله إجلالاً منقطع النظير، حتى كان يذكر الإمام أحمد فيقال: ﵁ وأرضاه، ومن عظم أصحاب الحديث عظم في عين رسول الله ﷺ ، ومن حقّر أصحاب الحديث سقط من عين رسول الله ﷺ .
ولما سئل الإمام عن حديث المصطفى الذي خرجه هو في مسنده وهو مخرج في الصحيحين أيضاً من حديث معاوية ﵁ أنه ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) لما سئل الإمام أحمد في معنى هذا الحديث قال: إن لم تكن هذه الطائفة هم أهل الحديث فما أدري من هم؟! ولم يكن الإمام أحمد محدث المتفقهين فحسب، وإنما كان أيضاً فقيه المحدثين، وإن كان الإمام أحمد لم يترك لنا كتاباً في الفقه بعينه فلقد أجاب الإمام أحمد عن أكثر من ستين ألفاً من المسائل الفقهية بقوله: قال الله تعالى، قال رسوله ﷺ ، قال الصحابة ﵃، ومن أراد أن يرى العجب العجاب في ذلك فليراجع كتاب: (المغني) للعلامة ابن قدامة ليرى من ذلك العجب العجاب والمسائل الكثيرة الكثيرة.
стр. 196
أصول مذهب الإمام أحمد ﵀
أيها الأحبة! إن الإمام أحمد فقيه دقيق عميق النظر، كثير الحيطة، شديد الحذر، أعظم ما يخشاه ويخاف منه أن يقرر حكماً يخالف به حكماً لله جل وعلا، ولرسوله ﷺ ، وهو الذي يعي جيداً قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] ، وقد لخص تلميذه النجيب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، القاعدة التي بنى عليها الإمام أحمد فقهه في هذه الكلمات المعدودات فقال: (توقيف في العبادات، وعفو في المعاملات) وهذه هي قاعدة الفقه الحنبلي.
(توقيف في العبادات) فلا يصح أبداً أن يعبد إنسان ربه جل وعلا برأي أو بهوى، أو بقول أحد من الناس، وإنما بقول الله جل وعلا، وقول رسول الله ﷺ ، وهذا هو معنى التوقيف.
أحبتي في الله! (توقيف في العبادات) ، أي: على الله ورسوله.
(وعفو في المعاملات) : لأن الأصل في المعاملات الإباحة والحل ما لم يأت دليل بالتحريم، أما الأصل في العبادات فالتوقيف، فلا يجوز لأحد أن يعبد الله إلا بقال الله وقال رسوله ﷺ .
وقد لخص العلامة ابن القيم في كتابه القيم: (إعلام الموقعين) القواعد والأصول الخمسة التي بنى عليها الإمام أحمد فقهه فقال: الأول: النصوص: أول قاعدة وأصل بنى عليها الإمام فقهه: النصوص، فإذا وجد الإمام نصاً من الكتاب والسنة لا يلتفت إلى ما خالفه وإلى من خالفه كائناً من كان.
الأصل الثاني أو القاعدة الثانية من قواعد فقه الإمام أحمد: أقوال الصحابة ﵃، وكان الإمام لا يقدم على أقوال الصحابة رأياً ولا قياساً.
الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة في مسألة من المسائل اختار الإمام أحمد أقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة.
الأصل الرابع: أن الإمام كان يأخذ بالأثر المرسل وبالحديث الضعيف إذا لم يكن عنده في المسألة دليل صحيح من الكتاب والسنة، ولا من أقوال الصحابة ﵃.
الأصل الخامس: أنه كان يحيد إلى القياس أحياناً مع كراهته الشديدة لذلك، إذا لم يجد عنده نص من الكتاب والسنة ولا يجد عنده أثرا ًمرسلاً ولا حديثاً ضعيفاً، وكان يقول قولته: (الحديث الضعيف أفضل عندي من القياس) .
وعلق شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المقولة فقال: والحديث الضعيف عند الإمام أحمد هو قسيم الصحيح، وهو قسم من أقسام الحسن.
أيها الأحبة! هذه هي الأصول الخمسة التي بنى عليها الإمام مذهبه الفقهي عرضتها في عجالة سريعة وسامحوني على السرعة والتقصير.
وهكذا أحبتي في الله! فلم يكن الإمام أحمد فقيه المحدثين، ومحدث المتفقهين فحسب، بل كان إمام أهل السنة في العقيدة بكل أصولها وفروعها، فلئن كان الإمام شديد التمسك بالفقه والسنة وأحكامها في الأصلين والنبعين الصافيين الكريمين ألا وهما الكتاب والسنة فلقد كان الإمام أحمد أشد تسمكاً وأشد اتباعاً لرسول الله ﷺ ولسلف الأمة الصالح في أخطر مسائل الاعتقاد وصغيرها كمسائل الصفات، كقوله في معنى يد الله، ووجه الله، وقدرة الله، والقضاء والقدر وكقوله في الإيمان، وكقوله في الإسلام، وكقوله في معنى الكرامة، ومعنى المعجزة، وكقوله في رؤية الله جل وعلا في الآخرة.
إلى آخر هذه المسائل.
لم يحد الإمام عن قول السلف في هذه المسائل قيد شعرة؛ لأن الإمام كان شديد الاتباع، شديد البغض لكل رائحة ابتداع، فكان سيفاً مصلتاً على أهل الأهواء والبدع، أثبت كل ما أثبته الله ورسوله، ونفى كل ما نفاه الله ورسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يتسع الوقت لسرد بعض أقواله الجميلة الدقيقة في هذه المسائل الخطيرة التي زلت فيها أقدام، وضلت فيها أفهام، وكفرت فيها أقلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
стр. 197
موقف الإمام ﵀ من أهل البدع
أيها الأحبة! لقد كان الإمام أحمد شديد العداء لأهل الأهواء والابتداع، وهنا أعيروني القلوب والأسماع، فلعل هذا هو السبب الذي تعرض بسببه الإمام أحمد لفتن ومحن كثيرة تنوء بحملها الجبال الراسيات، وهذا حق لابد لكل من سلك طريق الدعوة إلى الله، ومشى على طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من النبيين والمرسلين، ولابد أن يعلم أن هذا الطريق ليس ممهداً بالورود ولا مفروشاً بالزهور والرياحين، ولكنه طريق محفوف بالأشواك والأذى والابتلاء ومفروش بالدماء والأشلاء.
стр. 198
الفتن والمحن التي تعرض لها الإمام أحمد ﵀
لماذا فتن الإمام أحمد، وابتلي إمام أهل السنة الأعظم الأكبر؟ لأنه وحد الله توحيداً خالصاً، ولأنه قال: لا إله إلا الله على مراد الله وعلى مراد رسول الله ﷺ ، وسلك طريق سلف الأمة الصالح ولم يحد عنه قيد شعرة.
стр. 199
فتنة القول بخلق القرآن
لعل أعظم محنة وفتنة تعرض لها الإمام ﵁ وأرضاه هي محنة خلق القرآن التي كانت سبة الدهر، وعار الأيام، وتلطخ بها ثلاثة من خلفاء الدولة العباسية متعاقدين هم بالترتيب: الخليفة المأمون، والخليفة المعتصم وولد المعتصم الخليفة الواثق.
وأصل هذه البدعة أيها الأحبة: أن الخليفة المأمون الذي قرأ بعض الكتب المترجمة عن اللغة اليونانية قد أعجب بفكر المعتزلة، واعتنق هذه العقيدة، وقرب منه رأس المعتزلة في حينه أحمد بن أبي دؤاد، وهذه فتنة كبيرة لا ناقة للمسلمين فيها ولا جمل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عباد الله! القرآن كلام الله أنزله الله ﵎ على قلب حبيبه المصطفى ﷺ ، فأنذر به النبي وبشر، وحفظه الصحابة ووعوه في قلوبهم وعي من سحر ببيانه وعظيم أسلوبه وقوة برهانه، وحولوا هذا القرآن إلى واقع عملي في حياتهم وسلوكهم، وآمنوا بمحكمه ومتشابهه امتثالاً عملياً لقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] وهكذا كان سلفنا الصالح يشتغلون بتطبيق القرآن والعمل به عن الجدل في آياته وأحكامه هكذا كان دأبهم ﵃ وأرضاهم إلى أن دخلت هذه الأفكار والعقائد والفلسفات التي بسببها استكبرت العقول، وتطاولت على كل شيء، حتى في التفكير في ذات الله وتقليب الرأي في صفاته جل وعلا، وهو الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، جل عن الشبيه وعن المثيل والنظير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
لماذا هذا التعنت؟ ولماذا هذا التنطع؟ ولماذا هذا التشدد؟ شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، كما فعل بنو إسرائيل، قال الله : اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها ما صفاتها ما عمرها ما سنها ما شكلها؟ إن الله يأمر أن تذبحوا بقرة فاذبحوها أياً كانت، فلما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم.
ألا يسعنا من القرآن ما وسع النبي وأصحابه ﵃؟! ما الداعي لهذه الفتنة التي أحرقت الأخضر واليابس، وأخذت دماء الأطهار الأبرار من العلماء الأفاضل والأخيار الكبار؟! ما الداعي لها؟ إنها فتنة ابتدعها هذا المعتزلي أحمد بن أبي دؤاد واعتنقها الخليفة المأمون وأراد أن يحمل الناس على اعتناقها، بل والعلماء الفضلاء أيضاً.
وكثير من العلماء لم يصبر على هذا العذاب، والسجن، والقتل، فقال بما أراده المأمون من خلق القرآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا أن للحق رجالاً ثبتهم الله جل وعلا كثبوت الجبال الراسيات، وكان الإمام أحمد جبلاً راسياً ثابتاً راسخاً لم يقل إلا بما علمه من كتاب الله وسنة رسول الله، حتى ولو قدم بدنه رخيصاً لدين الله ، ولسنة المصطفى ﷺ ، وقال الإمام أحمد قولته الخالدة: القرآن كلام الله وليس بمخلوق.
وكانت هذه الفتنة أول ما أطلت برأسها في خلافة هشام بن عبد الملك، وكان أول من قال بها هو الجعد بن درهم عليه من الله ما يستحقه، فهو أول من قال بخلق القرآن، ولكن هشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى وجزاه الله عن هذه الأمة خير الجزاء أمر أميره على العراق خالد القسري أن يقتل الجعد بن درهم، فقام خالد في خطبة عيد الأضحى وخطب الناس وقال في آخر خطبته: انصرفوا أيها الناس وضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ اليوم بـ الجعد بن درهم، ونزل من على المنبر فقتله، وأراح الناس من شره وفتنته.
وخمدت نار الفتنة في مهدها إلى أن أطلت برأسها مرة أخرى في خلافة المأمون، وقال الإمام أحمد قولته، فأمر الخليفة المأمون أن يرسلوا إليه أحمد بن حنبل، وقيد الإمام بالأغلال والحديد وحمل على بعير وذهب به إلى الخليفة المأمون، وفي طريقه مر عليه رجل من الأعراب من بني ربيعة يقال له: جابر بن عامر رحمه الله تعالى، والإمام أحمد وهو راكب على البعير مقيد بالأغلال، فقال له: السلام عليك يا أبا عبد الله فرد عليه الإمام أحمد السلام، فقال هذا الرجل الأعرابي العاقل الفقيه: يا أبا عبد الله! إنك رأس المسلمين اليوم، فإياك أن تستجيب إلى ما دعوك إليه، فأنت رأس الناس وسلف الناس، وإن أجبتهم بما يريدون سيقول الناس بمثل مقالتك وتحمل أوزارهم أمام الله يوم القيامة، فإن كنت تحب الله يا أبا عبد الله! فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ليس بينك وبين الجنة إلا أن تقتل في سبيل الله ، وإن لم تقتل مت، وإن عشت عشت حزيناً.
يقول أحمد: فصبرني هذا الكلام، وزادني عزماً على ما كانت عزمته بإذن الله جل وعلا وحوله.
فلما وصل الإمام إلى منزل الخليفة المأمون خرج إليه خادم من قصر الخليفة وكان يعرف الإمام، فلما رأى هذا الخادم الإمام مقيداً بالقيود والأغلال بكى وقال له: يا أبا عبد الله! والله إنه ليعز عليّ أن أرى الخليفة المأمون قد سل سيفاً ما سله قبل اليوم، ويقسم الخليفة بقرابته من رسول الله ﷺ ويقول: والله إن لم يجبني أحمد للقول بخلق القرآن لأقتلنه بسيفي هذا، فجثا الإمام أحمد على ركبتيه، ورفع طرفه إلى السماء، ونادى من يسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وقال لربه جل وعلا: سيدي! غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، فاللهم إن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مئونته بما تشاء.
ووالله لم تمض هذه الليلة إلا وسمع الإمام في الثلث الأخير من الليل صياحاً وصراخاً في قصر الخليفة، فلما سأل الإمام عن سبب هذا الصراخ، قالوا له: لقد مات الخليفة المأمون.
واستجاب الله دعاءه ومات الخليفة المأمون، ولكن الخليفة كان قد أوصى إلى أخيه المعتصم أن يرث أداة الفتنة المحركة ابن أبي دؤاد عليه من الله ما يستحقه، وورث المعتصم رأس الفتنة ابن أبي دؤاد، وصدر الأمر بسجن الإمام أحمد.
أتدرون كم هو الوقت الذي ظل فيه إمام أهل السنة في السجن؟ سجن الإمام أحمد في خلافة المعتصم ثمانية وعشرين شهراً على الكمال والتمام، وما ذاك إلا لأنه يوحد الله توحيداً خالصاً.
ولما أرادوا أن يدخلوه السجن ودخل فيه قال قولته الجميلة، قولة يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] ، ومكث الإمام في السجن، وظلوا يرسلون إليه كل يوم رجلين ليناظرانه في هذه القضية الخطيرة وهذه الفتنة الكبيرة، وكان الإمام لا يغير قوله أبداً، ويقول: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فلما سمع المعتصم بعناد أحمد وقوته، وأنه لا يريد أن يقول ما يقوله الخليفة قال: أدخلوه عليّ، فأدخلوا الإمام أحمد مكبلاً بالقيود والأغلال على المعتصم وقد جمع خلقاً كثيراً في مجلسه، وعلى رأسهم أحمد بن أبي دؤاد، ودخل الإمام على الخليفة فقربه المعتصم منه حتى أدناه من مجلسه.
يقول أحمد: فأثقلتني القيود فجلست ثم قلت له: أتأذن لي بالكلام يا أمير المؤمنين؟ فقال المعتصم للإمام: تكلم.
فقال أحمد ﵁ وأرضاه سائلاً المعتصم: إلى ما دعا الله ورسوله يا أمير المؤمنين؟ فسكت المعتصم هنيهة ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقال أحمد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم نظر الإمام إلى الخليفة وقال: يا أمير المؤمنين! إن جدك ابن عباس ﵄ روى عن رسول الله ﷺ لما قدم عليه وفد عبد القيس وسألهم الرسول ﷺ : (أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال لهم الرسول ﷺ : الإيمان أن تشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم) وأنا أقر بهذا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأقيم الصلاة، وأوتي الزكاة، فاستحيا المعتصم وقال لـ أحمد: والله لولا أني رأيتك في يد من كان قبلي لعفوت عنك، سبحان الله! ثم صرخ الخليفة فيمن حوله وقال لهم: ناظروه كلموه، وغر هؤلاء الجهلاء المعتصم بإمام أهل السنة الأكبر الأعظم، فأمر المعتصم بجلد الإمام ﵁، ووقف المعتصم بنفسه إلى جوار الجلاد فيأمر الجلاد أن يضرب أحمد سوطين، ثم يتقدم إلى أحمد يقول له: يا أحمد أجبني بقولي لأفك قيدك بيدي، فيرد الإمام تحت وطأة هذه السياط التي تلهب الأجساد يقول له: أعطني شيئاً من كتاب الله وسنة رسول الله أقول به.
دمه الكتاب والسنة روحه الكتاب والسنة أنفاسه التي يتنفسها الكتاب و
стр. 200
سماحة الإمام أحمد مع أعدائه
شاء الله أن ينتقم للإمام في حياته لا بعد مماته، فلقد رأى بعينه ابن أبي دؤاد بعد أن عزله المتوكل وجرده من مناصبه، بل وأخذ كل أمواله وردها إلى بيت المال، وابتلى الله هذا الرجل بمرض خطير، بمرض الفالج، حتى كان يعيش ميتاً بين الأحياء، ودخل عليه عبد العزيز بن يحيى المكي وقال له: والله ما جئتك عائداً، ولكني جئت إليك لأراك هكذا لأحمد الله الذي سجنك في جلدك وأنت في هذه الدنيا.
وهكذا أيها الأحبة! ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠] والله لو كانت الحياة تكريماً لأحد لكان أولى بهذا سيد الناس محمد ﷺ .
стр. 201
وفاة الإمام ﵀
نام الإمام أحمد على فراش الموت في السابعة والسبعين من عمره، وجلس إلى جواره ولده عبد الله، فرأى الإمام أحمد يقول: لا بعد لا بعد لا بعد، فتعجب ولده، فلما أفاق الإمام بين سكرات الموت وكرباته، قال: يا أبتي! ماذا تقول، أراك تقول: لا بعد لا بعد؟! أتدرون ماذا قال أحمد؟ قال: يا بني! إن إبليس جالس عند رأسي بحذائي عاض على أنامله، يقول لي: يا أحمد! لقد فتني في حياتك، ولو فتني اليوم ما أدركتك بعد اليوم، مت يا أحمد على اليهودية مت يا أحمد على النصرانية، وأنا أقول: لا بعد لا بعد حتى ألقى الله موحداً على لا إله إلا الله.
أحمد يفتن عند موته، ولكن أنى لأهل الاستقامة وأهل الإيمان أن يفتتنوا والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠-٣٢] ؟! ودخل عليه أبو بكر المروزي فقال له: يا أحمد! كيف أصبحت؟ فقال أحمد: وكيف يصبح من ربه يطالبه بأداء الفرض، ونبيه يطالبه بأداء السنة، ونفسه تطالبه بهواها، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، وإبليس يطالبه بالفاحشة، وملك الموت يطالبه بقبض روحه؟!! ومات الإمام أحمد ﵁ وأرضاه وصلى الله على أستاذه ومصطفاه، وجمعنا الله بهما في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
وأعتذر لكم أحبتي عن الإطالة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 202
التعصب للإمام يخالف مذهبه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: أيها الأحبة! فـ أحمد بشر يخطئ ويصيب، ويؤخذ منه ويرد عليه، فقد أبى الله تعالى ألا يكون الكمال إلا له، وأن يلبس ثوب العصمة إلا لأنبيائه ورسله، فإلى كل متعصب للإمام ومذهبه مع مخالفة الدليل الصحيح من القرآن والسنة أقول: إن أحمد بشر، واعلم بأنك بتعصبك للإمام ولقوله مع مخالفته للدليل الصحيح من القرآن والسنة -أحياناً- قد خالفت بذلك إمامك وخرجت على قواعد وأصول مذهبه، فإلى النبعين الصافيين اللذين استقى منهما أحمد مذهبه، ولكن إن قال بقوله فقد يخطئ ويصيب؛ لأن الإمام مالك قال قولته الخالدة: كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي ﷺ .
فهيا يا أبناء الصحوة وهيا أيها المسلمون إلى حب الأئمة واقتفاء آثارهم، والآخذ من النبعين الصافيين الكريمين القرآن والسنة الصحيحة، فهذا هو الطريق الصحيح الذي لا عز لنا ولا سعادة لنا في الدنيا والآخرة إلا بالسير فيه.
أسأل الله جل وعلا أن يجزي عنا هؤلاء الأئمة خير ما جزى الله ﵎ مصلحاً أو صالحاً.
اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم اقبلنا وتقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحببينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.