Полный текст (202 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عائشة على فراش الموت
وفي شهر رمضان في السنة الثامنة والخمسين من الهجرة نامت الصديقة على فراش الموت، ودخل عليها ابن عباس ﵄، فأبت أول الأمر أن يدخل عليها، فقال لها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن: يا أماه! إنه ابنك، وخير صالحي أمتك وبنيك، يودعك ويسلم عليك، فقالت: ائذن له إن شئت.
وهذه رواية أحمد وابن سعد في الطبقات، وأبي نعيم في الحلية، وسندها صحيح.
فلما دخل عليها ابن عباس ﵁ بشرها وزكّاها.
وفي رواية البخاري قال لها: كيف تجدينك يا أماه؟ فقالت عائشة: بخير إن اتقيت، فقال ابن عباس: أنت بخير إن شاء الله، أنت زوج رسول الله ﷺ ، والبكر الذي لم يتزوج بكراً غيرك، وأنت زوجة رسول الله ﷺ في الجنة، فقالت له عائشة ﵂: يا ابن عباس! لا حاجة لي في تزكيتك، والله لوددت أني كنت نسياً منسياً.
وهكذا أيها الأحباب! فارقت روحها هذا الجسد الطاهر؛ لتسعد مرة أخرى سعادة أبدية بصحبة الحبيب المصطفى، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في جنات ونهر، فلقد ورد في صحيح البخاري من حديث عمار بن ياسر ﵁ أنه ﵁ قال: (إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة) .
رضي الله عن عائشة، وصلى الله وسلم وبارك على نبيها وأستاذها ومعلمها، ورضي الله عن أبيها، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بهم في دار كرامته، ومستقر رحمته.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروماً.
اللهم أصلح حكام المسلمين، وأصلح علماء المسلمين، وأصلح شباب المسلمين، وأصلح نساء المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا، فإن الله جل وعلا قد أمرنا بذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 142
مصابيح الهدى - عمر بن عبد العزيز
عمالقة الإسلام ورجاله لا يحصرهم زمان ولا مكان، وإن كانوا في زمن النبوة أكثر عدداً، وأعلى شأناً، إلا أن هناك من سار على منهجهم واقتفى أثرهم، ومن أولئك: عمر بن عبد العزيز، ذلك الرجل الذي جدد في الأمة عهد الخلفاء الراشدين، ذلك الرجل الذي حكم فعدل، ذلك الرجل الذي دخل الخلافة غنياً وخرج فقيراً! إنه عمر بن عبد العزيز الذي اختفى الفقراء في عصره، وأمن الناس في زمانه، فرضي الله عنه وأرضاه، وأسكنه فسيح جناته.
стр. 143
عمالقة الإسلام لا يحصرهم زمان ولا مكان
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! بعد طول غياب نعاود مرة أخرى حديثنا عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ونحن اليوم على موعد مع رجل لا ينتمي لعصر الوحي تاريخياً، ولكنه نقل عصر الوحي بكل قيمه ومثله وفضائله إلى دنيا هائجة مائجة مفتونة مضطربة، وقد نجح في ذلك نجاحاً يأخذ العقول ويبهر الألباب! إننا اليوم على موعد مع رجل ومع مثل رائد من أروع الأمثلة دلالة على صفاء عنصر هذه الأمة، وعلى نقاء معدنها، وسرعة رجوعها إلى الحق إذا وجدت رائداً يقودها على السواء، غير منحرف بها، ولا ضال معها، فهي تسير معه، وتتبع ظله، وترتفع به من حضيض وهدتها آخذة طريقها إلى السمو الإيماني، والقيادة الربانية، والمكانة العلية التي اختارها لها ربها ، فلقد استطاع رائدنا وقدوتنا وبطلنا اليوم، استطاع بصدق إيمانه، وعمق يقينه، وصفاء نفسه ونقاء سريرته، وشدة ورعه وزهده وخوفه من الله ، استطاع أن يضع يده على موطن الداء الذي استشرى في أمته، واستطاع أن يستل جرثومته بيد بيضاء نقية، فعادت الأمة مرة أخرى وكأنها تعيش في عصر النبوة من جديد! ليس في عشرين عاماً ولا في عشرة أعوام، وإنما في عامين ونصف إلا قليلاً! إننا اليوم على موعد مع حفيد الخلافة والملك، إنه رضيع المباهج والنعيم، ريان الشباب، وناعم الإهاب، وفواح العطور والعبير، أجل! فإن هذا الشاب التقي الورع كان قبل خلافته يضمخ ثيابه بأغلى وأرقى العطور، ويسكن أعلى القصور، ويركب الصافنات الجياد، ويلبس أبهى الحلل، ويأكل أشهى الطعام، وهاهو ذاته يتحول في التو واللحظة بعد أن أعلن خليفة للمسلمين، يتحول هذا الشاب ابن السادسة والثلاثين -لا أقول: ابن الستين ولا ابن السبعين- يتحول في اللحظة إلى زاهد ناسك تقي عابد ورع، يترك متاع الدنيا، ويزهد في كل ملذات الحياة، ويدخل على زوجته التقية النقية الوفية الصابرة، وهي من هي؟! هي بنت الخليفة والخليفة جدها أخت الخلائف والخليفة زوجها يدخل عليها بطلنا وقدوتنا اليوم ويخيرها بين أمرين: بين أن ترد كل ما تملك من متاع وجواهر وحلل إلى بيت مال المسلمين، وأن تعيش معه من اليوم عيشة الزهد والورع والكفاف! أو أن يسرحها سراحاً جميلاً! فتختار الذكية النقية التقية هذا البطل وهذا العملاق على متاع الدنيا الزائل! ولم لا؟! وبطلنا وقدوتنا اليوم حفيد فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب، إنه معجزة الإسلام، وولد الإسلام العزيز عمر بن عبد العزيز.
أيها الأحبة! والله إن الصعوبة التي تواجهني الآن وأنا أتحدث عن هذا العملاق لتتمثل في: ماذا أقول وماذا أدع، من هذا الحشد الهائل من الحقائق الناصعة التي ترويها لنا سيرة هذا الورع التقي القوي النقي، وإن كانت الحكمة العربية القديمة تقول: من أخصب تخير، أي: من وجد الأرض الخصبة تخير المرعى، فإني أجدها الآن تنقلب عليَّ، إني أجدها الآن: من أخصب تحير!
стр. 144
ترجمة موجزة لعمر بن عبد العزيز
ماذا أقول، وماذا أدع عن هذا التقي النقي العابد الورع؟! فلنطالع نبأ هذا التقي النقي من أوله.
لقد روت لنا كتب التاريخ والسير أن فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ قد حرم في خلافته خلط اللبن بالماء، وفي ليلة من الليالي المظلمة الشاتية الممطرة والناس نيام، ولكن أنى للنوم أن يعشى عمر! فخرج عمر بن الخطاب يتفقد أحوال الرعية، وأمام بيت من بيوت الناس سمع عمر بن الخطاب حواراً جميلاً جذاباً بين أم وفتاتها التقية النقية الزاهدة الورعة: الأم تقول لفتاتها: هيا يا بنيتي أسرعي وامزجي اللبن بالماء قبل أن يطلع علينا الصباح! والبنت التقية تجيب أمها وتقول: يا أماه! ألم ينه أمير المؤمنين عمر عن مزج اللبن بالماء؟! فتقول الأم لفتاتها: يا بنيتي! إن الناس يمزجون، وما يدري أمير المؤمنين بنا الآن؟ فترد الفتاة الورعة التقية وتقول لأمها: يا أماه! إن كان أمير المؤمنين لا يرانا، فرب أمير المؤمنين يرانا! واغرورقت عينا عمر بدموع الغبطة والسرور والفرح، وأطلق ساقيه للريح يجري إلى داره، يا عاصم! من عاصم؟ عاصم بن عمر، يا ولدي! اذهب إلى هذا البيت الفلاني وتزوج بهذه الفتاة الورعة التقية، فإني والله أرجو الله أن يخرج منها فارساً يقود العرب والمسلمين! إنها عبقرية فاروق الأمة ﵁ وأرضاه.
ويستجيب الولد لرغبة أبيه، ويتزوج عاصم بن عمر ﵄ بهذه الفتاة المراقبة لله جل وعلا، وتنجب له هذه الفتاة فتاة أسموها ليلى وكنوها بـ أم عاصم، فتزوجت أم عاصم هذه رجلاً من خيار بني أمية يقال له: عبد العزيز بن مروان، فولدت لـ عبد العزيز هذا الشاب التقي النقي الزاهد العابد الورع عمر بن عبد العزيز، ولدته بالمدينة المنورة سنة ستين للهجرة، وقيل: ولد عمر بن عبد العزيز بمصر بمدينة حلوان سنة إحدى وستين للهجرة.
إنها ذرية كريمة بعضها من بعض، فهذا الشبل من ذاك الأسد!
стр. 145
طلب عمر بن عبد العزيز للعلم وثناء العلماء عليه
ونشأ عمر في هذه البيئة المترفة، في قصور الملك والنعيم، فأبوه عبد العزيز بن مروان الذي كان والياً على مصر حينذاك، واستمر على ولاية مصر عشرين عاماً، والخليفة الأموي خليفة المسلمين هو الوليد بن عبد الملك بن مروان، وهو ابن عم عمر بن عبد العزيز ﵁.
نشأ عمر في هذه البيئة، في بيئة القصور، في بيئة الخلافة والإمارة والملك والجاه والنعيم والسلطان، ولكنه شب ونشأ نشأة عجيبة لفتت إليه جميع الأنظار، فلقد ذهب هذا الولد في مقتبل عمره إلى أبيه الوالي والأمير وقال: يا أبتِ! دعني أذهب إلى المدينة المنورة لأجلس بين يدي علمائها وفقهائها، ولأتأدب بآدابهم، فأذن الوالي لولده، وانطلق هذا الغلام إلى المدينة المنورة، وعكف في أول أمره على حفظ القرآن الكريم، فأنهى حفظه في زمن قياسي أذهل الجميع في المدينة، ثم بعد ذلك انكب هذا الغلام على طلب العلم، وعلى طلب الفقه والسنة حتى قال في حقه الصحابي الجليل أنس بن مالك، وقد طال به العمر وصلى يوماً وراء هذا الشاب، وراء عمر بن عبد العزيز، فقال أنس بن مالك صاحب رسول الله ﷺ : والله ما صليت صلاة وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله من هذا الغلام.
إنه عمر بن عبد العزيز! وقال في حق عمر الإمام العلم إمام التفسير مجاهد بن جبر الذي عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، قال مجاهد: جئنا لنعلم عمر بن عبد العزيز فما عدنا حتى تعلمنا منه.
وقال عنه الإمام الفقيه العلم الليث بن سعد، ما التمسنا علم شيء إلا وجدنا عند عمر بن عبد العزيز أصله وفرعه وما كان العلماء عنده إلا تلامذة! انظروا إلى شهادات هؤلاء الأعلام، هؤلاء الأفذاذ، وما كان العلماء عند عمر إلا تلامذة.
стр. 146
عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة
ولما بلغ عمر الخامسة والعشرين من عمره نظر خليفة المسلمين الوليد بن عبد الملك إلى عمر فوجد نفسه أمام قدرة ذهنية وعلمية فائقة هائلة، فاختاره الوليد بن عبد الملك والياً على المدينة المنورة.
وأصبح عمر -وهو في الخامسة والعشرين- والياً على مدينة رسول الله ﷺ ، وسعد أهل المدينة سعادة غامرة، فهو الذي يحبهم ويحبونه، وهو الذي يعرفهم ويعرفونه، وسعد الناس واستطاع هذا الشاب التقي النقي أن يجعل من ولايته مثلاً عالياً للرحمة والعدل والسعة والرخاء، في فترة لا تساوي من حساب الزمن شيئاً، ولما رأى خليفة المسلمين ذلك كافأه فولاه على الحجاز كله، وكأنما أراد الله جل وعلا بهذا: التجربة العملية الرائدة لهذا الشاب التقي النقي؛ لما يدخر له في الغد القريب، حينما سيصير خليفة لأعظم دولة عرفت في ذلك التاريخ.
وهكذا أيها الأحبة! مات الوليد بن عبد الملك، وخلفه من بعده أخوه سليمان بن عبد الملك، الذي تعلق بـ عمر تعلقاً شديداً، وكان يصطحب عمر معه في معظم رحلاته وسفراته، وفي يوم من الأيام اصطحب سليمان عمر لزيارة معسكر من معسكرات الجيش، وأمام معسكر يعج بالعتاد والسلاح سأل سليمان في فخر وزهو عمر قائلاً: ماذا تقول فيما ترى يا ابن عبد العزيز؟! فنظر عمر إلى الخليفة وقال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضاً! وأنت المأخوذ بها والمسئول عنها بين يدي الله ! يا إلهي! ما هذا؟! فبهت الخليفة ونظر إلى هذا الشاب الورع وقال: ما أعجبك يا عمر! فرد عليه عمر بمنتهى القوة وقال له: بل والله ما أعجب من عرف الله فعصاه، وعرف الشيطان فاتبعه، وعرف الدنيا فركن إليها! وعلم هذا الرجل أن رجل الغد القريب هو عمر ﵁ وأرضاه، حتى قال سليمان قولته الشهيرة: والله ما أهمني شيء قط إلا وخطر ببالي أول ما خطر عمر بن عبد العزيز.
стр. 147
عمر بن عبد العزيز خليفة للمسلمين
ولما نام سليمان بن عبد الملك على فراش الموت وعلم أن هذا المرض هو مرض الموت، استدعى سليمان وزيره الأمين وصاحبه الصادق رجاء بن حيوة طيب الله ثراه، ونور الله مسراه، استدعى سليمان رجاء وسأله فقال: يا رجاء! يهمني أمر الخلافة، فبماذا تشير علي؟ فأشار عليه هذا الرجل مشورة صادقة كريمة بارة، قال له رجاء: يا أمير المؤمنين! إن مما يحفظك في قبرك، ويشفع لك في أخراك أن تستخلف على المسلمين رجلاً صالحاً، فالتفت سليمان إلى رجاء وقال: ومن عساه يكون يا رجاء؟! فقال رجاء -على الفور-: عمر بن عبد العزيز.
إنه عمر! ولا أحد غير عمر! وتلقى سليمان مشورة رجاء كالبشرى، وقال قولته الباهرة الجامعة: والله لأعقدن لهم عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب.
يا رجاء! قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ائتني بكتاب، واكتب: استخلف سليمان بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز خليفة للمسلمين من بعده، ثم نظر إلى رجاء وقال: اختم هذا الكتاب واطوه، واجعله معك، وتضامنا وتعاهدا ألا يعلم أحد بمضمون هذا الكتاب ما دام خليفة المسلمين حياً.
وأمر سليمان بن عبد الملك أن يدخل عليه أمراء بنو أمية، فدخلوا عليه ووقفوا بين يديه وهو على سرير موته، وفي مرضه الأخير، وأمرهم أن يبايعوا من استخلفه في هذا الكتاب، وهم لا يعلمون من هو، فبايعوا جميعاً من استخلفه خليفة المسلمين، ودفع الخليفة الكتاب إلى رجاء، وأذن لهم فانصرفوا وهم يتساءلون ويخوضون: يا ترى من سيكون هذا الخليفة؟! وبعد أيام قليلة مات سليمان بن عبد الملك، وانطلق الناس جميعاً إلى مسجد دابق، واكتظ المسجد بالناس، وازدحم الناس وكأن القيامة قد قامت! وصمتت الأنفاس، وشخصت الأبصار تجاه رجاء بن حيوة الذي وقف على المنبر؛ ليقرأ كتاب الخليفة، ويأخذ البيعة لخليفة المسلمين الجديد! وبايع الناس جميعاً وهم لا يعلمون من يبايعون، وشخصت الأبصار، واتجهت تجاه رجاء، وشق هذا السكون وهذا الذهول صوت رجاء وهو ينادي ويقول: قم يا أمير المؤمنين! قم يا أيها الشاب التقي النقي الورع، قم يا عمر بن عبد العزيز! ولم يكد عمر يفيق من هول هذه المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أبداً! وإذ به ينتفض انتفاضة العصفور المبلل بماء المطر! ولا يقوى عمر على القيام بعدما سمع، لقد ذهل وعقر! فقام متكئاً على بعض إخوانه حتى صعد المنبر، وأذهل الناس بكلامه الإيماني الرائع، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! إني قد ابتليت بهذا الأمر من غير رأي مني ومن غير مشورة للمسلمين، وإني أخلع اليوم بيعة من بايعني فاختاروا لأنفسكم! وضج المسجد! وارتفعت صيحة من هذه الحناجر الصارخة على صوت رجل واحد: بل إياك قد اخترنا يا أمير المؤمنين! فتول أمرنا يا عمر على بركة الله ، واندفعت الجموع التي تبكي من السعادة والفرح؛ لتولية عمر ﵁ وأرضاه ولتبايعه وهو على المنبر لا يقوى على القيام! بينما راح بطلنا وزاهدنا وورعنا يجهش بالبكاء.
ونزل عمر من على المنبر بعد هذه البيعة الجماعية التي تخلع القلوب وتهز الوجدان، واقترب منه رجاء بن حيوة ﵀ وطيب الله مسراه، اقترب منه وقال له: يا أمير المؤمنين! أرى أن تذهب اليوم إلى بيتكم لتستريح قليلاً، فإني أرى التعب ظاهراً جلياً عليك، فنظر إليه عمر ودموعه تنسال على خديه وهو يقول: لقد فعلتها يا رجاء، لقد فعلتها يا رجاء! فدعني أستنقذ نفسي من عذاب الله.
стр. 148
التحول الكبير في حياة عمر بن عبد العزيز
الذي تبدل، وما الذي تغير؟! لقد تبدل كل شيء، وتغير كل شيء، لقد أصبح عمر جديداً، هل نحن أمام فاروق جديد، هل نحن أمام عمر جديد؟! نعم، إن هذا الشبل من ذاك الأسد، لقد تحول عمر تحولا ًعارماً، وتحولاً هائلاً، أتوا إليه بمراسم الخلافة، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذه مراسم الخليفة الجديد، قال: لا حاجة لي بها، ردوها إلى بيت المال، أتوا إليه بثياب الخليفة، قال: ما هذا؟ قالوا: ثياب الخليفة الجديد، قال: لا حاجة لي بها، ردوها إلى بيت المال، أتوه بالجواري والغلمان، قال: ما هذا؟ قالوا: خدم الخليفة الجديد، قال: لا حاجة لي بها، ردوها إلى بيت المال! إنه التقي النقي الزاهد العابد الورع الذي تحول فيه كل شيء، الذي كان بالأمس القريب يركب الصافنات الجياد، ويلبس أبهى الحلل، ويأكل أشهى الطعام، ويسكن أعلى القصور، ما الذي غيره؟! إنها المسئولية التي حملها على عاتقه، إنها تهدهد الجبال وتحطم الصخور والحجارة! ثم دخل إلى بيته تحت ضغط إخوانه: أن يستريح قليلاً، وما كاد عمر يسلم جنبه إلى مضجعه وفراشه المتواضع وإذ بولده التقي النقي! إنه عبد الملك بن عمر، هذا الشاب الذي كان في الخامسة عشر من عمره يدخل على أبيه فيراه نائماً، فينظر إليه ولده ويقول: ماذا أنت صانع يا أمير المؤمنين؟! فيقول والده عمر: يا بني! أريد أن أستريح قليلاً، فإني لم أر في جسدي طاقة، فقال له ولده: تريد أن تغفو ولم ترد المظالم إلى أهلها! فنظر إليه أبوه وقال: يا بني! إني متعب الآن، دعني أنم، وإذا حان وقت صلاة الظهر خرجت وصليت بالمسلمين ورددت المظالم إلى أهلها إن شاء الله، فرد عليه ولده الورع وقال: يا أمير المؤمنين! وهل تضمن أن تعيش إلى صلاة الظهر؟! فانتفض عمر من فراشه انتفاضة من لدغة حية رقطاء! وكانت هذه الكلمات بمثابة التيار الكهربائي الذي سرى في جسده المتعب، وأثارت هذه الكلمة النوم من عين عمر ﵁ وعن ولده التقي النقي، وقام عمر وضم ولده إلى صدره وقبله بين عينيه وبكى، وقال: الحمد لله الذي جعل من صلبي من يعينني على أمر الله .
ولم ينم عمر، وخرج على الفور، وأمر المنادي أن ينادي في الناس: من كانت له مظلمة فليرفعها الساعة إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.
стр. 149
خطبة عمر بن عبد العزيز بعد خلافته
وهكذا أيها الأحبة! بدأ عمر حياة خطابية فاروقية جديدة، بين أسسها، ووضح معالمها في هذه الخطبة العصماء، فلقد وقف خطيباً على المنبر في اليوم الثاني وقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: أيها الناس! ليس بعد نبيكم نبي، وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، ألا إن الحلال ما أحله الله على لسان رسوله إلى يوم القيامة، والحرام ما حرمه الله على لسان رسوله إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بقاض، وإنما أنا منفذ، ولست بمبتدع، إنما أنا متبع، ولست بخيركم وإنما أنا رجل منكم غير أني أثقلكم حملاً، وغلب عليه البكاء والنحيب! ونظر إلى الناس فقال: وأيم الله إني لأقول هذه المقالة وإني لأعلم أني أكثركم ذنوباً، فأستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
ونزل عمر فدخل إلى داره ووضع يديه على خديه وجلس جلسة القرفصاء يبكي، فدخلت عليه زوجته التقية النقية الوفية الصابرة وقالت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين! فقال: يا فاطمة! إني وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، ففكرت في الفقير الجائع، والمسكين الضائع، وفكرت في الأرملة واليتيم المكسور والمسكين وذي العيال الكثير، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، وخشيت يا فاطمة أن يسألني عنهم ربي يوم القيامة! فلقد علمت أن خصمي دونهم هو محمد ﷺ ، فأخشى أن لا تثبت لي حجة بين يدي الله ، فبكت فاطمة ﵂ وأرضاها، وأجهش عمر بالبكاء.
ما هذا؟! في أي عصر يكون عمر؟! في عصر النبوة، كلا، إنه مثل رائد على صفاء عنصر هذه الأمة، وعلى نقاء معدنها، ما الذي تغير؟! تغير كل شيء، وتبدل كل شيء.
стр. 150
قوة عمر بن عبد العزيز وصلابته في الحق
وبالرغم من هذا، أرى أن العظمة تتجلى في أسمى معانيها، حينما نرى هذا الزاهد الورع البكاء الخائف من الله ، نرى هاتين العينين السابحتين بالدموع خوفاً من الله ، نراهما حينما يجلس على كرسي الحكم ويأمر بالسياسية، نراهما تحدقان كعيني الصقر، وترسلان بريقاً أخّاذاً يقنع كل من يرى أنه أمام عينين ثاقبتين ليس إلى خداعهما سبيل، وهذه هي العظمة في أجل معانيها، وأسمى صورها، في خلوته بينه وبين ربه: إنه الزاهد التقي النقي الورع، أما في موطن عمله، وفي مقر إنتاجه في حقله في مصنعه في مزرعته في متجره، فهو القوي الشديد على هذا العمل، وهذه هي العظمة أيها الأحباب! فقد اجتمع أمراء بني أمية واتفقوا جميعاً على أن يرسلوا إليه تهديداً ووعيداً؛ لأنه حرمهم من الأموال والمواريث والحقوق، وأمر برد هذا كله إلى بيت المال! واجتمعوا جميعاً وقرروا أن يرسلوا إليه رسالة وعيدية على لسان عمر بن الوليد بن عبد الملك، فأرسل إليه عمر بن الوليد رسالة شديدة قال فيها: من عمر بن الوليد إلى ابن عبد العزيز، أما بعد: فلقد أزريت بمن سبقك من الخلفاء، وسرت في الناس بغير سيرتهم، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل، وعملت في قرابتك بغير الحق! فعمدت إلى أموالهم ومواريثهم وحقوقهم وأدخلتها بيت مالك عدوناً وزوراً وظلماً! فاتق الله يا ابن عبد العزيز، وإلا ليوشكن بك ألا تستقر على منبرك! وعيد واضح، وتهديد صارخ، وما كان من هذا الورع البكاء التقي النقي إلا أن يتحول إلى زلزال مدمر، وإعصار مزمجر! وعلى الفور يرد برسالة شديدة على عمر بن الوليد فيقول فيها: من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى ابن الوليد، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فعهدي بك يا ابن الوليد كنت جباراً شقياً، والآن ترسل إلي وتتهمني بالظلم لأنني حرمتك وأهل بيتك من مال المسلمين! الذي هو حق للضعيف والمسكين وابن السبيل! ألا إن شئت يا بن الوليد أخبرتك بمن هو أظلم مني وأترك لعهد الله، إنه أبوك الوليد بن عبد الملك، الذي حين كان خليفة للمسلمين استخلفك عليهم صبياً سفيهاً تحكم في دمائهم وأموالهم! فويل لك وويل لأبيك! ألا إن شئت أخبرتك يا بن الوليد بمن هو أظلم مني وأترك لعهد الله، إنه من ولَّى الحجاج بن يوسف يسبي المال الحرام، ويسفك الدم الحرام! ألا إن شئت أخبرتك يا ابن الوليد بمن هو أظلم مني وأترك لعهد الله، إنه من ولّى يزيد بن أبي مسلم على المغرب كلها يجبي المال الحرام ويسفك الدم الحرام! ألا رويدك يا ابن الوليد، فوالله لو طالت بي حياة لأقيمنك وأهلك على المحجة البيضاء.
والسلام.
إنها العظمة! ورع تقي بكاء وجل في خلوته، بينه وبين ربه، أما على كرسي الحكم والسياسة فهو القوي الشديد، صاحب العينين الثاقبتين اللتين تدوران كعيني الصقر فتلقط كل شاردة وواردة، وبالفعل أيها الأحباب! تغير كل شيء بعدما غير الولاة وأمناء بيت المال، وغير القضاة، وغير كل شيء، واستتب الأمر من جديد على أروع ما يكون، حتى إن الناس أحسوا بأنهم يعشون في عصر النبوة!
стр. 151
اختفاء الفقراء في عهد عمر بن عبد العزيز !!
إننا نذهل أمام هذا الإجماع التاريخي الذي يقول: لقد اختفى الفقر والفقراء في عهد عمر ﵁! نعم اختفى الفقر! حتى إن الأغنياء كانوا يخرجون بزكاة أموالهم فلا يجدون يد فقير تبسط إلى هذا المال، يا للعجب! في عشرين عاماً؟! في عشرة أعوام؟! كلا والله، بل في سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام! إنها المعجزة! إنها الكرامة الكبرى على يد ولد الإسلام العظيم! وأرسلت الكتب من أمير المؤمنين وتقرأ في مساجد عواصم دولته التي كانت تبلغ مساحتها ربع مساحة العالم اليوم في القرن العشرين، تقرأ كتب أمير المؤمنين ﵁: من كان عليه أمانة وعجز عن أدائها فلتؤد عنه من بيت مال المسلمين! من كان عليه دين وعجز عن سداده فسداد دينه من بيت مال المسلمين! من أراد من الشباب أن يتزوج وعجز عن الصداق فصداقه من بيت مال المسلمين! من أراد من المسلمين أن يحج وعجز عن النفقة فليعط النفقة من بيت مال المسلمين! وما من يوم إلا وينادي المنادي من قبل عمر: أين الفقراء، أين اليتامى، أين الأرامل، أين المساكين؟! يا ألله! يا خالق عمر سبحانك! ليس في عشرين عاماً وإنما في عامين ونصف! وذلك إذا سلك الناس طريق الحق ومنهج الله ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] ، وقال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٠-١٣] .
رحم الله عمر، وجزاه الله عنا خير ما جزى صالحاً أو مصلحاً، وأقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 152
وفاة عمر بن عبد العزيز
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
ويشاء الله جل وعلا بعد هذا الوقت القليل القصير، الكبير العظيم! أن ينام عملاقنا على فراش الموت، ويدخل عليه ابن عمه مسلمة بن الوليد بن عبد الملك ويقول: يا أمير المؤمنين! ألا توصي لأولادك بشيء، فلقد أفقرتهم وهم كثير؟ ! فقال عمر: وهل أملك شيئاً لأوصي لهم به؟! أم تريد مني يا مسلمة أن أعطيهم من مال المسلمين؟! والله لا أعطيهم حق أحد من المسلمين أبداً! فإن عيالي بين حالين: إما أن يكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين، وإما أن يكونوا غير صالحين فوالله لا أدع لهم ما يستعينون به على معصية الله ! أي فلسفة هذه؟! إما أن يكونوا صالحين فالله يتولاهم ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء:٩] إما أن يكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين، وإما أن يكونوا غير صالحين فوالله لا أدع لهم شيئاً يستعينون به على معصية الله .
ثم قال: أدخلوهم علي، فدخل أولاده وأحاطوا بسريره وعلى رأسهم الأم التقية النقية الوفية الصابرة فاطمة بنت عبد الملك رحمها الله وطيب الله ثراها، ونظر إليهم عمر نظرة حانية، نظرة مبتسمة، وقال لهم كلاماً يفتت الصخور، ويذيب الحجارة! في كلام موجز قليل، نظر إلى أبنائه وقال: يا بني! إن أباكم قد خير بين أمرين: بين أن تفتقروا ويدخل الجنة، وبين أن تستغنوا ويدخل النار، وقد اختار أبوكم الجنة، انصرفوا.
فانصرف الأولاد وانصرفت أمهم، وفي وقت انصرافهم كانت بعثة الشرف من الملائكة في انتظار عمر، فلقد أقبل ملك الموت ليعالج هذه الروح الطيبة الطاهرة النقية، وأقبل ملك الموت وعمر بن عبد العزيز يردد قول الله : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] .
وهكذا مالت رأسه التي لم تمل أبداً عن حق من حقوق الله، وأغمضت عيناه التي لم تغمض أبداً عن حق من حقوق الله، وآب البطل إلى داره، وعاد البطل إلى رحابه، وعاد البطل إلى ما أراد الله له، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
رحم الله ابن عبد العزيز وجزاه الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير ما جزى صالحاً أو مصلحاً.
تلك قدوتنا، وذلكم هو بطلنا، وذلكم هو رائدنا، نسأل الله جل وعلا أن يمن على الأمة بالقائد الرباني الذي يقودها ويسير بها على السواء كما فعل عمر بن عبد العزيز، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح جميع حكام المسلمين، اللهم أصلح حكام المسلمين، اللهم ثبتهم على الحق والهدى، اللهم خذ بنواصيهم إليك، اللهم خذ بنواصيهم إليك، اللهم اجعلهم رحمة على شعوبهم وأبنائهم يا رب العالمين! اللهم أصلح علماء المسلمين وثبتهم يا رب العالمين! اللهم أصلح شباب المسلمين وأصلح نساء المسلمين، اللهم تقبلنا واقبل منا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المسلمين، اللهم انصر كلمة الحق وكلمة الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم صل وسلم وزد وبارك على أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية محمد ﷺ .
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 153
مصابيح الهدى - مالك بن أنس
علماء الشريعة الربانيون هم شمس الأمة التي لا تزال تشرق وتتألق لتنشر نورها على الدنيا، ومن أولئك العلماء العاملين: نجم ثاقب بين أهل العلم، عالم جمع بين تصحيح الرواية وتحقيق الدراية، عالم غاص على درر المعاني واستخرجها، وأسس قواعد العلم وأحكمها، وألف فرائده وأتقنها، إنه شيخ الإسلام وإمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵀ رحمة الأبرار.
стр. 154
ومضات من سيرة إمام دار الهجرة مالك بن أنس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠-٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! إننا اليوم على موعد مع اللقاء الخامس عشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، تلك السلسلة الكريمة التي نقدمها لأبناء الصحوة خاصة وللمسلمين عامة؛ للعظة والعبرة من ناحية، ولتقديم القدوة الصالحة الطيبة من ناحية ثانية، ولتصحيح بعض حقائق التاريخ التي شوهت من ناحية ثالثة.
أيها الأحبة! أعيروني القلوب والأسماع لنعيش اليوم مع إمام من أئمة أهل العلم فلئن كانت شمس النبوة قد أشرقت على بلاد العرب فبددت ظلام شركها، وجعلت ليلها كنهارها؛ فإن الصحابة رضوان الله عليهم، والتابعين من بعدهم، والأئمة المهديين، والعلماء العاملين، والدعاة الصادقين، كانوا بمثابة النجوم التي تعلقت بتلك الشمس، ودارت في فلكها، ونهلت من نورها ونبعها، وإن تلك النجوم لا تزال وسوف لا تزال تشرق، وتتألق، وتنشر نورها على الدنيا، وإنه لمن واجبنا أن ننشر عبير سيرتهم على الدنيا كلها، وأن نتتبع أخبارهم، وأن نقدمهم للبشرية كلها مثلاً علياً وقدوة طيبة.
إنهم ورثة الأنبياء! إنهم معين الحكمة، ونبع العلم، ومصدر النور والهدى! إن العلماء هم الشموع التي تحترق لتضيء للأمة طريق ربها ونبيها ﷺ .
إن العلماء هم وعي الأمة الحر، وفكرها المستنير، وقلبها النابض بالحياة، بحياتهم تحيا الأمة، وبموتهم وذهابهم تموت الأمة ويضل الناس، كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق ﷺ ، كما في حديث عبد الله بن عمرو الذي رواه البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: (إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور الناس، ولكنه ينتزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً) وفي رواية مسلم: (حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) .
ولذا أحبتي في الله! ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء أيها الأحبة: نحن اليوم على موعد مع النجم الثاقب بين العلماء، مع الإمام المهدي، والعالم المرضي، والعالم الذي جمع بين تصحيح الرواية وتحقيق الدراية، وغاص على درر المعاني واستخرجها، وأسس قواعد العلم وأحكمها، وألف فرائده وأتقنها، إنه شيخ الإسلام والمسلمين، إمام المحدثين، وأبرز المتفقهين، وإمام دار هجرة سيد المرسلين، إنه مالك بن أنس بن مالك رضوان الله عليهم أجمعين.
بعدما عشنا في اللقاء الماضي مع أول وأكبر الأئمة الأربعة سناً، مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فإننا اليوم على موعد مع إمام دار الهجرة، مع الإمام مالك ﵀ وطيب الله ثراه.
أحبتي في الله! تعالوا معي سريعاً لنعيش مع حياة هذا النجم الثاقب بين أهل العلم، ومع هذا الإمام الكبير، فلقد ولد إمامنا سنة (٩٣) للهجرة على أصح الأقوال، في مدينة الخير وطيبة الهدى، في مدينة الحبيب المصطفى ﷺ ، ولا يخفى على أي مسلم فضلاً عن العلماء والدعاة وطلبة العلم ما لمدينة المصطفى من خير وبر وفضل وبركة ورحمة، فهي حرم الله، ومستقر رسول الله ﷺ ، ومهبط الوحي، ومعدن الرسالة، ومعين الهدى والسنة والنور، وبها تربة الحبيب المصطفى، وفيها قبره الشريف، وبها ذاته الكريمة بأبي هو أمي ﷺ ، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال أبداً، وإليها يأرز الإيمان كما تأرز الحية إلى جحرها، حرمها الحبيب المصطفى، ودعا إليها بضعف البركة، التي دعا بها إبراهيم لمكة ولأهل مكة، ففي الحديث الذي رواه مسلم والإمام مالك في الموطأ، وابن ماجة في السنن من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإن إبراهيم قد دعا لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه) ، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، ومالك في الموطأ من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم صححها وبارك لنا في صاعها ومدها) ، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اللهم إن إبراهيم قد حرم مكة، وإني أحرم المدينة ما بين لابتيها) ، فهي بلد الله الحرام بعد بلد الله الحرام مكة، زادهما الله تشريفاً وتكريماً وتعظيماً، وزادهما الله أمناً واستقراراً وأماناً وسائر بلاد المسلمين.
стр. 155
نشأته ﵀
في هذه المدينة الخيرة، وفي هذا البيئة الطاهرة، بفضل الله ثم ببركة دعاء المصطفى ﷺ ثبت الدين في المدينة واستقر، ومنها إلى سائر الأقطار انتشر، وكانت المدينة محطاً لكبار أهل العلم، وتواترت فيها السنة القولية والفعلية خاصة، نقلها جيل عن جيل، وخلف عن سلف، وفي هذه البيئة في بيئة العلم، بيئة الخير، بيئة البركة والفضل نشأ إمامنا مالك بن أنس رحمه الله تعالى.
стр. 156
طلبه للعلم
وبدأ مالك يطلب العلم في سن مبكرة جداً، على أيدي هؤلاء الأعلام الكبار، حتى قيل: إن مالكاً طلب العلم على نحو مائة شيخ من الشيوخ الكبار، والأئمة الأعلام كـ محمد بن شهاب الزهري رحمه الله تعالى الذي روى له الإمام مالك في الموطأ مائة واثنين وثلاثين حديثاً، وكـ ربيعة بن أبي عبد الرحمن الذي قال عنه مالك بعد موته: لقد ذهبت حلاوة الفقه بعد موت ربيعة، وكـ نافع مولى عبد الله بن عمر الذي كان يلقب حينئذٍ بفقيه أهل المدينة، والذي لازمه الإمام مالك ملازمة شديدة، وروى عنه في الموطأ ثمانين حديثاً، وكان أهل الحديث يلقبون ويسمون رواية مالك عن نافع عن ابن عمر بالسلسلة الذهبية؛ لجلالة وقدر هؤلاء الرواة الثقات الكبار جميعاً.
أيها الأحباب: ولعل ما ذكرت هو السبب الرئيسي الذي اختلف فيه بعض أهل العلم: ما الذي لم يجعل مالكاً يرحل لطلب العلم كغيره من العلماء؟ فمن المعلوم أن الإمام مالكاً لم يرحل لطلب العلم، مع أن الرحلة لطلب العلم كانت من مقومات العالم، لا سيما إن كان من المحدثين، وبالرغم من ذلك لم يرحل مالك لطلب العلم، لماذا؟ لأن المدينة كانت تزخر بالعلماء الأعلام، وبالأئمة الأطهار، وبالشيوخ الكبار من أهل العلم والخير والفضل، وكان مالك يرى أن أصل العلم هو علم أهل المدينة، وأن أصل الرواية هي رواية أهل المدينة، فلماذا يرحل عن المدينة وقد حباها الله بهذا الكم الكبير من أهل العلم والفضل والخير.
ولذا أحبتي في الله! في أعوام قليلة جداً لفت مالك جميع الأنظار إليه، فلقد جلس في السابعة عشرة من عمره ليدرس العلم للناس، فنظر إليه جميع الشيوخ الكبار على أنه إمام أهل المدينة في الغد القريب، وفعلاً -أيها الأحباب- انتشر علمه، وظهر فضله، وعلت منزلته، وذاع صيته في الأمصار، وانتشر علمه في الأقطار، وضربت إليه أكباد الإبل، وارتحل الناس إليه من كل مصر، وأتى إليه الناس من كل قطر.
وهكذا في فترة وجيزة شهد له شيوخه وعلماؤه من الأئمة الكبار المعروفين، شهدوا له بالخير والعلم والفضل، وأذعنوا له بالإمامة، ومتع الله المسلمين بحياته وبقائه، فمكث الإمام مالك يفتي الناس ويدرسهم أكثر من سبعين سنة.
روى عنه في هذه المدة جمع غفير من كبار أهل العلم، سمعوا منه، ورووا عنه الحديث، أذكر على سبيل المثال منهم: الإمام سفيان بن عيينة، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن يحيى النيسابوري شيخ الإمام مسلم، وقتيبة بن سعيد شيخ الإمام البخاري، والشافعي، وأبو حنيفة مع أنه كان يكبره سناً، وروى عنه هارون الرشيد، وعمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وغيرهم من الأئمة الأعلام، حتى قال أهل العلم: لقد سمع من مالك وروى عنه الحديث أكثر من ألف شيخ.
ووالله -يا أحباب- لو لم يكن من حسنات مالك إلا الشافعي لكفى، فإن الشافعي هو تلميذ الإمام مالك، حتى قال الشافعي قولته الكبيرة الخالدة: (ليس أحد أمن علي في دين الله من مالك بن أنس) .
стр. 157
ثناء العلماء والمشايخ عليه ﵀
وأثنى عليه كبار الأئمة والشيوخ والعلماء، من أساتذته وشيوخه وطلبة علمه الذين انتقلوا يوماً ما ليجلسوا بين يديه وهم شيوخه ليرووا عنه حديث النبي ﷺ ، فلقد فاق الإمام مالك أقرانه، وساد على جميع أفراده، بل وفاق شيوخ أهل زمانه، وجلسوا بين يديه ليرووا عنه حديث رسول الله ﷺ ، حتى قال حماد بن سلمة لما جاءه رجل يسأله في مسألة قد اختلف فيها الناس: قال حماد لهذا الرجل: (يا أخي! إذا أردت السلامة لدينك فسل عالم المدينة، وصر إلى رأيه، فإنه حجة، وإن مالكاً هو إمام الناس) .
وقال عنه الإمام سفيان بن عيينة ﵀: (ومن نحن إلى جوار مالك، فلقد كنا ننتبع آثاره، فإن وجدناه روى وكتب عن شيخ من الشيوخ كتبنا نحن عن هذا الشيخ، وإن وجدنا مالكاً قد أعرض عن شيخ أعرضنا عنه وتركناه) .
وقال عنه إمام أهل السنة الإمام أحمد: (إن القلب والله ليسكن إلى حديثه وفتياه، وإن مالكاً عندنا حجة؛ لأنه كان شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده) .
وقال عنه الإمام الليث بن سعد فقيه أهل مصر في زمانه: (علم مالك علم نقي، وعلم مالك أمان لكل من أخذ به) .
وقال عنه الإمام البخاري: (إن مالكاً كان إماماً) .
وقال عنه الإمام الشافعي تلميذه وأقرب الناس إليه، قال ﵀: (إذا جاءك الحديث من مالك فشد به يدك) .
وقال عنه أيضاً: (مالك أمير المؤمنين في الحديث) .
وقال عنه عبد الله بن المبارك: (والله ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لحديث رسول الله من مالك بن أنس) .
ولو استطردت في أقوال أئمة الجرح والتعديل، وعلى رأسهم يحيى بن سعيد القطان رحمه الله تعالى، الذي قال في مالك: (مالك أثبت القوم) وهذه أعلى درجات التعديل، كما هو معلوم عند أهل هذا الفن الشريف.
قال ﵀: (مالك أثبت القوم، ومالك رحمة من الله لهذه الأمة) .
أيها الأحبة: هذه بعض أقوال الشيوخ الكبار، وأئمة الجرح والتعديل في هذا النجم الثاقب، وفي هذا الإمام العلم الكبير.
стр. 158
مكانته ﵀ عند الخلفاء والأمراء
أيها الأحبة! قد تعجبون إذا علمتم أن مالكاً رحمه الله تعالى لم ينل هذه المكانة العالية عند أهل العلم فحسب، وإنما بلغ مالك مكانة عالية عند الخلفاء والأمراء، وليس بالضرورة أن يتهم كل عالم يدخل على الخلفاء والأمراء، ولذلك اتهم مالك بهذا، فلما قيل له: إنك تدخل على السلاطين، فقال مالك رحمه الله تعالى: ومن يتكلم بالحق؟ أي: من يقول قولة الحق إن لم أقلها أنا.
أيها الأحبة! ليس بالضرورة أن نطلق ألسنتنا بالتجريح والسلق الشديد لكل من يدخل على ذوي السلطان، فإن لهؤلاء العلماء الأعلام من وجهات النظر ومن البعد الدقيق العميق ما قد يخفى على كثير من أبناء الأمة، ولذا فينبغي أن نحفظ ألسنتنا، وأن لا نطلق لها العنان لتأكل لحوم علمائنا ودعاتنا، فإن لحوم العلماء مسمومة.
وهكذا أيها الأحبة! نال مالك المكانة السامقة العالية عند العلماء، بل والخلفاء والأمراء، فقد كانوا يستضيئون برأيه، ويأخذون بمشورته، بل تعجبون أن خليفة المسلمين أبا جعفر المنصور ذهب إلى مالك يوماً من الأيام وقال: يا مالك! إني أعزم على أن آمر بموطئك أن ينسخ، وأن أرسل بنسخة لكل مصر من أمصار المسلمين، وأن ألزمهم به، وأن لا يأخذوا إلا به ويدعوا غيره.
إلى هذا الحد، يريد أن يلزم الناس بموطأ الإمام مالك.
أتدرون ماذا قال هذا الإمام الكبير المتواضع؟ قال: يا أمير المؤمنين! إن أصحاب النبي ﷺ قد انتشروا في الأمصار، وقد سمع الناس منهم أحاديث، وروى الناس عنهم روايات، وقد أخذ كل ناس بما سبق إليهم وعملوا به، ورد الناس عما قد اعتقدوه أمر شديد، ولذا فأرى أن تترك الناس على ما هم عليه، فقال له أبو جعفر المنصور: والله -أو لعمري- لو طاوعتني لأمرت الناس بذلك.
هذا هو الإمام مالك!! بل وقيل له ذلك من هارون الرشيد، وقيل له ذلك من المهدي كما روى ذلك الإمام الطبري.
стр. 159
من أقواله ﵀
أيها الأحباب! إن أعظم درس أريد أن أقدمه للعلماء ولطلبة العلم فضلاً عمن دونهم من طويلبي العلم، ومن كل من يريد أن يتعلم، أقدم لهم هذا الدرس الغالي، أقدم لهم أقوال هذا الإمام العلم.
стр. 160
لا أدري لا أحسن الجواب
من أعظم أقواله: قوله: (لا أدري) ، إمام ينال هذه المكانة عند العلماء والأمراء، ومن أعظم أقواله: (لا أدري) فلقد قال عبد الرحمن بن مهدي شيخ الإمام أحمد: كنا ذات يوم عند الإمام مالك، فجاءه رجل وقف في مجلس علمه وكان الناس يتزاحمون ويتضاربون على مجلس الإمام مالك، فجاءه رجل ووقف على مجلس علمه، والإمام بين طلابه، أو إن شئت فقل بين شيوخه وأساتذته يلقي ويروي الحديث عن رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: يا أبا عبد الله! قال: نعم، قال: لقد جئتك من مسيرة ستة أشهر.
انظروا! مشى الرجل ستة أشهر على ظهر دابته، لم يركب طيارة، ولا سيارة مكيفة، بل ولم يتكاسل، ونحن الآن نرى كثيراً من المسلمين قد يأتيهم العالم إلى قراهم ومنهم من يتكاسل أن يذهب إليه وأن يجلس بين يديه، وهذا يأتي من مسيرة ستة أشهر، ويقف ويقول: لقد حملني أهل بلدي مسألة لأسألك فيها، فقال الإمام مالك: سل، فسأله الرجل عن مسألته -ولم تذكر الرواية تلك المسألة- فنظر الإمام مالك بعد ما انتهى السائل من سؤاله وقال: لا أدري، لا أحسن جواب مسألتك، فذهل الرجل وقال: أتيتك مسيرة ستة أشهر وأهل بلدي ينتظرونني وأنت تقول: لا أحسن جوابك مسألتك، ماذا أقول للناس إذا ما رجعت إليهم؟ فقال مالك: قل لهم: قال مالك بن أنس: لا أحسن الجواب.
وهذه رسالة إلى كل عالم إلى كل طالب علم إلى كل طويلب علم أن يتعلم هذا الدرس الكبير الجليل.
وقال تلميذه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لقد صحبت مالكاً فسئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري.
أيها الأحبة! إن أعظم درس أقدمه في لقائنا مع هذا الإمام الجليل هو هذا الدرس، أن يتعلم العالم والداعية وطالب العلم أن يقول: (لا أدري) ، ولا يستحي ولا يتحرج، فإن القول على الله بغير علم مزلة جائرة فاجرة، وهي عتبة خطيرة فاجرة، فلا تقل على الله بغير علم، وإننا لنرى كثيراً من الناس في الحج في المساجد في كل زمان وفي كل مكان لا يتورعون عن الفتيا، ويتجرأ الواحد منهم على القول على الله جل وعلا بغير علم، وما ابتليت الأمة والله إلا بمثل هذا الصنف النكد من الخنفشاريين الذين تزببوا قبل أن يتحصرموا، وادعوا العلم قبل أن يتعلموا، وأجابوا على الناس قبل أن ينهي الناس أسئلتهم، فإننا نرى الآن صنفاً قد يجيب السائل على سؤاله قبل أن ينتهي السائل من طرح السؤال، فسبحان الفتاح العليم! ونرى كثيراً من الناس قد يجيب على كثير من المسائل التي والله لو عرضت واحدة منها على عمر بن الخطاب، فاروق الأمة لجمع لها أهل بدر كلهم، يجمع عمر لهذه المسألة الصحابة ليستشيرهم، ومن الناس من يجيب بغير تورع، ويستحي أن يقول الناس عنه: إنه لا يعلم.
فيا أخي قالها رسول الله ﷺ ، وقالها الصحابة من بعده، وقالها أئمة أهل العلم.
جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فسأله وقال: يا عبد الله! أترث العمة؟ قال: لا أدري، اذهب إلى العلماء واسألهم، فضرب الرجل كفاً على كف وانطلق وهو يقول: أنت تقول: اذهب إلى العلماء فاسألهم، فلما انصرف الرجل قبل ابن عمر يد نفسه وقال: نعم ما قال أبو عبد الرحمن، سئل عما لا يدري فقال: لا أدري.
أيها الأحبة! والله ما ابتليت الأمة بمصيبة أكثر من ابتلائها بهذا الطراز النكد من الخنفشاريين، الذي يفتي في كل شيء، ويقول في أي شيء، ولا يتورع أن يقول: لا أدري.
ومن أعجب ما قرأت في هذا: أن رجلاً كان يفتي الناس في كل شيء، ويجيب على أي مسألة، فأراد بعض أهل الخير أن يبينوا للناس خطره، فذهبوا إليه وقد اختلقوا كلمة لا أصل لها، وذهبوا إليه في مجلس علمه، وقالوا: يا شيخ! ما تقول في الخنفشار -وأنا أسمي هذا الطراز بالطراز النكد من الخنفشاريين نسبة إلى هذا السؤال- والخنفشار كلمة لا أصل لها، فإنهم أخذوا بأول حرف من اسم كل واحد منهم فصارت هذه الكلمة، ولا أصل لها في قواميس اللغة على ظهر الأرض، ولكن الرجل يدعي أنه يعلم ما تحت الأرض وما فوق الأرض، فسألوه: ما تقول في الخنفشار؟ قال: نعم.
الخنفشار نبت طيب الرائحة ينبت في أطراف اليمن -حتى لا يذهب أحد ولا يبحث عنه- إذا أكلته الإبل عقد لبنها، كما قال الشاعر اليمني -يستدل بالشعر-: لقد عقدت محبتكم فؤادي كما عقد الحليب الخنفشار وقال: قال في الخنفشار أبو داود كذا وكذا، وقال فيه فلان كذا وكذا، وأخيراً قال: وقال فيه النبي ﷺ ، فقام إليه أحدهم وقال: اسكت يا كذاب، كذبت على هؤلاء جميعاً فلا تكذب على رسول الله ﷺ .
أقول: والله ما ابتليت الأمة بمثل ابتلائها بهذا الطراز النكد من الخنفشاريين الذين تزببوا قبل أن يتحصرموا، وادعوا العلم قبل أن يتعلموا، ورحم الله الغزالي صاحب الإحياء حيث يقول: (لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف) .
هذا درس يعلمنا إياه إمامنا وقدوتنا الإمام مالك صاحب هذه المكانة السامقة العالية بين العلماء والأمراء والخلفاء، يعلمنا أن نقول: لا أدري، والله لا أحسن الجواب.
وهكذا أيها الأحبة يحذرنا النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي وابن ماجة والبيهقي، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الترغيب والترهيب من حديث كعب بن مالك، أنه ﷺ قال: (من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار) .
стр. 161
الاستواء معلوم والكيف مجهول
ومن أقوال الإمام الجميلة التي صارت أصلاً كبيراً من أصول أهل السنة والجماعة، ما قاله يوم جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله! قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فكيف استوى؟ فغضب الإمام وعلاه العرق، ونظر إليه وقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرجوه) وصارت قولة الإمام من أصول أهل السنة في مبحث خطير من مباحث العقيدة، ألا وهو مبحث الأسماء والصفات، وهذا الباب الخطير الجليل كم ضلت فيه من أفهام، وكم زلت فيه من أقلام.
ولكن نقول ما قاله الإمام مالك: (نحن نؤمن بأسماء الكمال وصفات الجلال كما وردت في القرآن والسنة، ونمرها صريحة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل) .
стр. 162
إن هم العلم دين .
ومن أقوال الإمام الجميلة قوله: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) .
стр. 163
كل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ
ومن أقوال الإمام الجميلة: (كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي ﷺ .
وبعد جلسة الاستراحة ألخص لكم في عجالة سريعة ما كررناه كثيراً في هذه الخطبة، وفي هذا اللقاء من قولنا: كتاب الإمام مالك الموطأ؛ لنتعرف في عجالة سريعة عن هذا الموطأ الذي أراد بعض الخلفاء أن يلزموا الناس به، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 164
نبذة مختصرة عن موطأ الإمام مالك
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! يحسن بنا ونحن نتكلم عن الإمام مالك -ولا أريد أن أطيل أكثر من ذلك، فإن الحديث عنه يطول جداً- أن نقدم لحضراتكم نبذة مختصرة صغيرة سريعة عن هذا الكتاب الجليل الذي أراد بعض الخلفاء أن يلزموا الناس به ألا هو كتاب الموطأ.
стр. 165
سبب تسميته بالموطأ
من المعلوم أننا جميعاً نسمع عن موطأ الإمام مالك، وقل من يعرف عنه الشيء الكثير، فأقول ابتداءً: سمي الموطأ بالموطأ لأمرين: الأول: أنه وطأ.
أي: سهل ويسر به حديث النبي ﷺ ، فسمي بالموطأ.
الأمر الثاني: أنه عرضه على سبعين فقيهاً من فقهاء أهل المدينة، فواطئوه على صحته، فسمي بالموطأ.
стр. 166
خصائص كتاب الموطأ
والموطأ كتاب يشتمل على كم كبير من أحاديث رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة، وأقوال التابعين وأهل العلم من بعدهم، والموطأ لا يقتصر على الأحاديث المسندة فقط، وإنما يشتمل على الأحاديث المسندة والمرسلة والمنقطعة، وعلى البلاغات.
والبلاغات أن يقول مالك: بلغني كذا وكذا.
وكل كلمة من هذه الكلمات أعلم أنها تحتاج إلى شرح وتفصيل، والمجال والوقت لا يتسع لذلك.
أيضاً: من خصائص كتاب الموطأ: أن الإمام مالك كتبه في أربعين سنة، ولذا قال الشافعي قولته الجميلة: لا يوجد على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب الإمام مالك.
قال الحافظان: الذهبي وابن الصلاح: قال الشافعي قولته هذه قبل أن يؤلف الصحيحان، فإن الصحيحين هما أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا.
لماذا؟ لأن التحقيق أن موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى يشتمل على بعض الأحاديث الضعيفة سواء كانت مسندة أو مرسلة أو منقطعة أو حتى في البلاغات، وهذا ما حققه بعض أهل العلم.
وهذه نبذة صغيرة سريعة عن الموطأ، وقد روى الموطأ عن الإمام مالك خلق كثير، وكذا شرحه جمع كبير من أهل العلم.
стр. 167
الإمام مالك بشر يخطئ ويصيب
رحم الله الإمام مالك فقد ملأ الدنيا علماً وفضلاً وخيراً، ولكنه بشر يخطئ ويصيب، ويؤخذ منه ويرد عليه، فهو صاحب القولة الخالدة: كل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ .
فإلى كل متعصب لمذهب الإمام مالك مع مخالفة الدليل من القرآن والسنة الصحيحة، أقول له: إنك على خطر، وإنك من المخالفين لمنهج إمامك ولإمام مذهبك الذي قال قولته الجميلة: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) .
أسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى النبعين الصافيين الكريمين، إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، اللهم رد الأمة إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بأيدينا إليك، اللهم بارك في علمائنا، اللهم ثبت علماءنا، اللهم بارك في علمائنا، اللهم ثبت علماءنا، اللهم أصلح حكامنا واجعلهم رحمة على شعوبهم يا رب العالمين! اللهم بارك في شبابنا وأصلح نساءنا، واستر بناتنا، أنت ولي ذلك والقادر عليه! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام وعز المسلمين، أنت ولي ذلك والقادر عليه! أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد ﷺ كما أمرنا الله جل وعلا بذلك في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 168
مصابيح الهدى - أبو حنيفة بن النعمان
أول من دون علم الفقه ورتب أبوابه وقواعده هو العلم العظيم والعلامة الجليل أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵀، وإن الناظر إلى حياة هذا الجهبذ النحرير يجدها مليئة بالمناقب والمآثر والفضائل، وما ثناء العلماء عليه إلا خير شاهد ودليل، وصفاته ﵀ أشهر من أن تذكر، ولكن شاء الله أن يتطاول على هذا الجبل الأشم أقزام من الناس، ولا يرمى بالأحجار إلا طيب الأثمار، وهذا هو شأن الجهال الذين لا هم لهم ولا عمل إلا الكلام في العلماء والطعن فيهم، وهم موجودون على مر الأزمان لا كثرهم الله.
стр. 169
نبذة تعريفية بالإمام أبي حنيفة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين: أما بعد فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكّى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: إننا اليوم على موعد مع اللقاء الرابع عشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى من الخلفاء الراشدين والصحابة الكرام المهديين، والأئمة المجتهدين، والعلماء العاملين الذين قيضهم الله جل وعلا ليحفظ بهم هذا الدين.
أيها الأحبة! لو استطردنا في هذه السلسلة قد تحتاج منا إلى أعوام بدون مبالغة، فإنني قلت قبل ذلك: إن هؤلاء الأبطال وهؤلاء الأخيار هم عمر الزمن ونبض الحياة، وقد يكون من المحال أن نقدر نبض الزمن وأن نحسب أنفاس الحياة، وحتى لا نطيل عليكم في هذه السلسلة الكريمة فسوف نبدأ بحديثنا من اليوم عن الأئمة الأربعة المعروفين: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وهذا هو ترتيبهم الزمني، وسوف نلتزم بهذا الترتيب الزمني ونحن نتحدث عنهم خشية أن ندع مجالاً ومدخلاً لنزعة تعصب بغيضة قد يقذفها الشيطان في بعض القلوب إن قدمنا واحداً عن الآخر! ومن ثم فإن حديثنا اليوم عن إمام الفقه والزهد والورع الذي قال عنه الإمام الشافعي: (الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة) نعم.
فـ أبو حنيفة ﵀ هو أول من دون علم الفقه، ورتب أبوابه ووضع أصول وقواعد هذا العلم العظيم الجليل الكبير، ولا يهمني اليوم وأنا أتحدث عن حياة هذا الإمام العظيم وأن أؤرخ لحياته، أو أن أعدد لمناقبه ومآثره وفضائله بقدر ما يهمني اليوم أن أدفع أمر هذه الشبهات والتهم الخطيرة التي وجهت إلى هذا الإمام العظيم، وبلغ بعض هذه التهم حداً خطيراً.
بلغ إلى حد الحكم بالكفر والزندقة على هذا الإمام ﵁.
ويهمني اليوم أيضاً أن أذكر وأحذر المتعصبين للإمام ولمذهبه أن الإمام براء من هذا التعصب البغيض الأعمى، فهو الذي أعلن بصراحة وبوضوح قولته الشهيرة: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) .
стр. 170
اعرف الحق تعرف أهله
أيها الأحبة! وقبل أن أبدأ الحديث عن هذه الشبهات التي وجهت إلى إمامنا وصفوتنا الذي نقدمه اليوم للعلماء العاملين والدعاة الربانيين الصادقين المخلصين أود أن أقعد لكم قاعدتين عظيمتين جليلتين لطلبة العلم خاصة وللمسلمين عامة.
القاعدة الأولى تقول: اعرف الحق تعرف أهله.
أيها الحبيب! أصغ لي السمع فإن التعصب البغيض الأعمى هو الذي مزق الشمل، وشتت الصف، وبذر بذور الخلاف على مدار تاريخ هذه الأمة الطويل، ومازالت صحوتنا ترتجف وتتعثر خطاها بين الحين والآخر بسبب هذا التعصب الأعمى إما لحركة من الحركات، أو لجماعة من الجماعات، أو لشيخ من الشيوخ، أو لإمام من الأئمة، وهم الذين أعلنوا جميعاً على لسان وقلب إمام واحد: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) .
أيها الأحبة! إن الحق لا يعرف بالرجال ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق، ومن أروع ما قال الإمام الشاطبي في كتابه القيم المبدع (الاعتصام) : ولقد زل أقوام بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال، وخرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل.
ومن نفيس كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وطيب الله ثراه التي ينبغي أن يكتب بأحرف من نور قوله: (وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي ﷺ .
(ليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً) أي: إماماً أو شيخاً أو عالماً أو داعية.
(يدعو إلى طريقته غير النبي ﷺ : ليس لأحد أن ينصب للأمة كلاماً يوالي ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل إن هذا من فعل أهل البدع.
يقول شيخ الإسلام: بل إن هذا من فعل أهل البدع والأهواء الذين ينصبون للأمة شخصاً أو كلاماً يوالون ويعادون عليه ويفرقون به بين الأمة) .
وفي موضع آخر من المجلد الثاني والعشرين من مجموع فتاويه المبارك يقول: (ومن تعصب لواحد من الأئمة بعينه فهو بمنزلة من تعصب لواحد من الصحابة بعينه دون الباقين) كالرافضي الذي يتعصب لـ علي ﵁.
وهذه طرق أهل البدع والأهواء، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لـ أبي حنيفة أو لـ مالك أو للشافعي أو لـ أحمد رضوان الله عليهم جميعاً.
فالتعصب البغيض الأعمى -أيها الأخيار- يصم الآذان عن سماع الحق ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل ولو كان واضحاً كوضوح الشمس في رابعة النهار، ويبذر بذور الخلاف والشقاق والبغضاء والنزاع بين أبناء الأمة.
стр. 171
صور من التعصب الأعمى
أيها الأحبة! لقد وقع على مدار تاريخ الأمة الطويل بسبب التعصب المذهبي البغيض المقيت الأعمى ما يؤلم القلب ويحزن النفس، ويسود صفحة التاريخ، ومن أعجب ما قرأت في هذا: ما ذكره الإمام محمد رشيد رضا في مقدمته الجميلة التي قدم بها لكتاب (المغني مع الشرح الكبير) للإمام القدير ابن قدامة، ذكر هذا الرجل بعض صور هذا التعصب البغيض فذكر شيئاً يذهل العقل ويأخذ الفؤاد، ومما ذكر هذا الشيخ رحمه الله تعالى: أن واحداً من متعصبي الحنفية -أي: من المتعصبين للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى والإمام براء من هذا التعصب الأعمى- يرى جواز قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة، فوقف يوماً في الصف ليصلي ووقف إلى جواره رجل قرأ الفاتحة في الصلاة، فما كان من هذا المتعصب الحنفي إلا أن ضرب أخاه في الصف ضربة قوية في صدره فأوقعت الرجل على ظهره، وهما في الصلاة بين يدي الله جل وعلا.
وذكر هذا الشيخ أيضاً في هذه المقدمة لمن أراد أن يراجعها مفصلة في كتاب (المغني مع الشرح الكبير) لـ ابن قدامة، ذكر أن رجلاً جلس في التشهد وأشار بسبابته يحركها عند التوحيد، فما كان من رجل آخر لا يرى جواز ذلك إلا أن انقض على سبابته فكسرها وهما في الصلاة بين يدي الله .
وذكر صورة مزرية للتعصب البغيض الأعمى حدثت في وقت من الأوقات في بلاد طرابلس بالشام، ذكر أن التعصب وصل إلى حد أن جعلوا لكل مسجد أربعة أئمة، محراب لإمام الشافعية، ومحراب لإمام المالكية، ومحراب لإمام الحنفية، ومحراب لإمام الحنابلة حتى يأتي أصحاب كل مذهب ليصلوا وراء إمامهم الذين يرتاحون إليه ويعتقدون بمذهبه ويؤمنون بقول إمامه.
وهل هذا الكلام ضرب من الوهم ونسج من الخيال؟ كلا! إنها حقائق مسطورة في بطون الكتب لمن أراد أن يراجعها وأن يطلع عليها! بل قد لا تصدقوا إذا قلت لكم: إن التعصب الأعمى بلغ إلى حد تحريم زواج الحنفي من الشافعية، فمن كان ينتمي إلى مذهب الحنفية حرم عليه أن يتزوج بامرأة تنتمي إلى مذهب الشافعية.
وهذا هو التعصب البغيض الأعمى لهذه المذاهب، وأصحابها براء منه، وأقول بملء فمي -كما سأوضح لكم ذلك بالدليل- إن هذا هو التعصب البغيض الأعمى الذي مزق الشمل وشتت الصف وبذر بذور الخلاف، وها نحن نرى آثاره المريرة في هذه الأيام بين بعض أبناء شباب هذه الصحوة المباركة، فقد لا يقبل الأخ أن يلقي السلام على أخيه إن عرف أنه لا ينتمي إلى جماعته، أو إن عرف أنه لا يؤمن باعتقاده وبفكره الذي يدعو إليه، وقد نرى أن بعضهم لا يتوقف عند عدم إلقاء السلام فحسب، بل ينتقل إلى التشهير والتحقير والاعتداء والازدراء، وهذه من آثار التعصب المذهبي البغيض الأعمى.
أيها الأحباب! إن إسلامنا دين عظيم واسع، وإن كتابنا هو القرآن، وجماعتنا هي جماعة المسلمين، وشيخنا وإمامنا وقدوتنا هو محمد ﷺ ، وكل من نهج على نهجه بالدليل الصحيح من القرآن والسنة على مذهب وفهم سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 172
ذم الفرقة والاختلاف
أيها الأحباب! إن الأمر لا يحتاج إلى تعقيد، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] الأمر لا يحتاج إلى تقعيد وتعقيد، بل هو من السهولة بمكان.
إن هذا التعصب هو الذي يبذر بذور الخلاف والشقاق والنزاع في القلوب، وأعجب لهؤلاء الذين يريدون أن يقعدوا للخلاف قواعد وأن يؤصلوا له أصولاً، والله جل وعلا ما ذكر الخلاف في القرآن إلا وحذر الأمة منه، كما قال جل وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] ، وقال ربنا : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] ، وقال ربنا : ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٩] إلا من رحم ربك لا يقعون في مرض الخلاف الذي يؤدي إلى حد النزاع والشقاق.
وأعجب لمن استشهد بهذا الحديث الذي يقول: (خلاف أمتي رحمة) وهو حديث باطل لا أصل له كما حقق ذلك شيخنا الألباني حفظه الله تعالى في كتابه القيم المبدع (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) بقوله: (خلاف أمتي رحمة) حديث باطل موضوع لا أصل له مكذوب على النبي ﷺ .
فكيف يكون صحيحاً وهو يخالف صحيح وصريح القرآن؟! أيها الأحبة: إن البعض يريد أن يقعد للخلاف قواعد وأن يؤصل له أصولاً حتى خشيت -والله- وأنا أقرأ في بعض الكتب أن يكون الخلاف حسنة من الحسنات، ويستشهدون بخلاف الصحابة فيما بينهم.
سبحان الله شتان شتان بين زهرة طبيعية لا تحبس أريجها وعطرها، وبين زهرة صناعية لا تحمل من عالم الزهور إلا اسمها.
شتان شتان بين خلاف أصحاب المصطفى ﷺ ، وبين الخلاف الذي وقع على مدار التاريخ بين أبناء الأمة في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها.
стр. 173
أسباب الخلاف بين الصحابة
أيها الأحبة! أستطيع أن ألخص لكم في عجالة سريعة بعض أسباب الخلاف بين أصحاب النبي ﷺ حتى لا يشوش عليكم يا طلبة العلم بمثل هذا الادعاء العريض، فمنها:
стр. 174
أن بعضهم لم يبلغهم الحديث
السبب الأول من أسباب الخلاف بين الصحابة رضوان الله عليهم: أن بعضهم لم يبلغهم الحديث، فالبعض قد يسمع الحديث من رسول الله ﷺ والبعض قد لا يسمع الحديث منه ﵊، وإن من أوضح الأدلة على ذلك: ما رواه الإمام البخاري،وقد روى قصة سفر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى بلاد الشام، وأخبر عمر في الطريق أن بها وباء الطاعون -الذي مات فيه أبو عبيدة ﵁ فجمع عمر الصحابة واستشارهم، واختلف الصحابة على رأيين، فمنهم من قال بدخول الشام، ومنهم من قال بعدم الدخول، وكان عمر من أنصار الرأي الثاني، وقال قولته الجميلة حينما قيل له: يا أمير المؤمنين! نفر من قدر الله؟ فقال: (نعم.
نفر من قدر الله إلى قدر الله) .
وجاء عبد الرحمن بن عوف وكان غائباً عن الصحابة لحاجة من حاجاته، فلما رأى هذا الخلاف بين الصحابة على الرأيين قال عبد الرحمن لقد سمعت في ذلك حديثاً من رسول الله ﷺ فقال عمر ما هو؟ قال عبد الرحمن سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا سمعتم بالطاعون في بلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) فسعد عمر بن الخطاب ﵁ وحمد الله .
وعند هذا الحد انتهى الخلاف.
والشاهد من هذا: أن بعض كبار الصحابة كـ عمر ﵁ لم يسمع هذا الحديث من النبي ﷺ ولم يبلغه الدليل فاجتهد رأيه، فلما بلغه الدليل أقر الجميع بحديث النبي ﷺ .
стр. 175
أن أحدهم قد ينسى الحديث
السبب الثاني: أن أحدهم قد يسمع الحديث وقد ينساه بعد طول فترة من الفترات فجل من لا ينسى، بل قد ينسى الإنسان آية في كتاب الله وليس حديثاً، وذلك وقع بين عمار بن ياسر وعمر بن الخطاب ﵁، ولا أستطيع أن أستطرد أكثر من ذلك لضيق الوقت أيها الأحباب.
стр. 176
الاختلاف في فهم المراد من الحديث
السبب الثالث: أنهم قد يختلفون في فهمهم للمراد من الدليل، وإن من أوضح الأدلة على ذلك: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي ﷺ قال للصحابة في يوم الأحزاب: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فأدركهم العصر وهم في الطريق، فانقسم الصحابة إلى قسمين: قسم اجتهد وقال: نصلي العصر الآن لأن الرسول ﷺ لم يرد منا ذلك وإنما عزم علينا الخروج إلى بني قريظة، وقسم آخر قال: لا.
أمرنا الرسول ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة فلن نصلي العصر إلا في بني قريظة، فصلى فريق وامتنع فريق آخر، فلما بلغ ذلك إلى النبي ﷺ أقر الفريقين ولم يعب على فريق منهما، وهذا اختلاف في فهم المراد من الدليل.
стр. 177
عدم معرفة النسخ
السبب الرابع: قد يحدث صحابي بحديث عن النبي ﷺ ويستشهد به كدليل من الأدلة على مسألته وهو لا يعلم أن هذا الحديث قد نسخ بحديث آخر صريح من النبي ﷺ .
стр. 178
الآثار المترتبة على اختلاف الصحابة
أيها الأحبة: هذه بعض الأسباب التي أوقعت الصحابة ﵃ في الخلاف، ولكن ما هي الآثار المترتبة على هذا الخلاف؟ إنها المحبة المودة الرحمة الأخوة الحب في الله.
ومن ذلك: يختلف ابن عباس مع زيد بن ثابت في بعض المسائل ولما قام زيد بن ثابت تناسى ابن عباس هذا الخلاف وقام ليسحب له دابته، فيقول زيد بن ثابت: إليك عني يا ابن عم رسول الله، فيقول ابن عباس: هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا وكبرائنا، فيقول زيد: أرني يدك فيأخذ زيد يده ويقبلها، ويقول: هكذا أمرنا أن نصنع بآل بيت نبينا.
стр. 179
الآثار المترتبة على خلاف المسلمين اليوم
أيها الأحباب! هذه هي آثار الخلاف بين أصحاب الحبيب المصطفى ﷺ ، أما آثار خلافنا اليوم وأسبابه فكثيرة، منها: الجهل، والتعصب، وحب الزعامة والريادة والسيادة، وأما آثاره فتمزق وتشتت، وبغض وكره، ومهاترات وانتقام، وسخرية وافتراء.
شتان شتان شتان بين زهرة طبيعية لا تحبس عن الناس عبيرها وعطرها وأريجها وريحها وبين زهرة صناعية لا تحمل من عالم الزهور إلا اسمها.
стр. 180
لحوم العلماء مسمومة
أيها الأحباب! وأما القاعدة الثانية التي أريد أن أقعدها لطلبة العلم خاصة وللمسلمين عامة واحفظوها وعوها في قلوبكم، ألا وهي: أن سنة سلفنا الصالح ﵃ جميعاً هي: عدم التعرض للظنون والأوهام والكهانات من العلماء المشهود لهم بالخير والبر والتقى والصلاح.
وهذه قاعدة نحن في أمس الحاجة إليها خاصة في هذه الأيام؛ لأننا نرى موجة عارمة عاتية من السخط والكلام ونهش لحوم العلماء على الرغم من أن هذا الذي يتكلم فيهم من أجهل الناس ومع ذلك يتطاول على أفضل الناس على ظهر الأرض بعد الأنبياء بشهادة النبي ﷺ يكون جاهلاً ويجلس في المجلس ليتطاول على أهل الفضل والخير والبر والتقى والصلاح.
أقول: إن سنة سلفنا الصالح هي: عدم التعرض للظنون والأوهام والجهالات للعلماء المشهود لهم بالبر والخير والتقى والصلاح، واعلم بأن لحوم العلماء مسمومة، كما ورد في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى في الحديث القدسي الجليل: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) .
وروى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي حنيفة والشافعي أنهما قالا: (إن لم يكن الفقهاء -في قول للشافعي - إن لم يكن الفقهاء العاملون هم أولياء الله فليس لله في أرضه ولي) .
إن لم يكن الفقهاء والعلماء هم أولياء الله جل وعلا فمن يكون الولي إذاً؟ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] فهؤلاء هم أولياء الله بشهادة الله جل وعلا.
أيها الأحبة! اسمعوا إلى هذه القولة الرائعة من ابن عساكر ﵀ وطيب ثراه، يقول: (اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني الله وإياك فيمن يخشاه ويتقيه حق تقاته، اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالسلب بلاه الله قبل موته بموت القلب) .
يخشى على من ينهش لحوم العلماء في كل ساعة وحين أن يختم له بسوء الخاتمة والعياذ بالله، فمن أطلق لسانه في العلماء بالسلب بلاه الله قبل موته بموت القلب.
следующие страницы →