Полный текст (202 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
علي بن أبي طالب
علي بن أبي طالب أول من أسلم من الصبيان، تربى في بيت النبوة، وقدم نفسه فداءً للنبي ﵊ يوم الهجرة، فكان من أشجع الرجال.
كانت له مواقف بطولية معروفة كموقفه في غزوة الخندق، وكذلك موقفه في غزوة خيبر الذي دل على محبة الله له، وكان موقفه الأخير -وهو من أعظم المواقف- في الفتنة، حيث كان الحق حليفه، وقد قتل ﵁ وأرضاه غدراً.
стр. 2
مواقف من حياة الإمام علي بن أبي طالب
الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله, أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين, فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته, وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة وزكى الله هذه الأنفس المطمئنة بالإيمان, وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله: مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى, ونحن اليوم على موعد مع العابد التقي الورع الذي تفوَّق على إغراء دنيا البشر, إننا اليوم على موعد مع خليفة آخر، من طراز عمر في شدته وعدله واستقامته وورعه وزهده وتواضعه, إنه الرجل والخطيب المفوه البارع الذي تهتز الدنيا لكلماته، وهي تخرج من وراء شفتيه كأنها نور يبدد الظلماء, إنه الفقيه العالم الذي يجري الحق على لسانه وقلبه، إنه تلميذ بيت النبوة الذي تربى في حجر المصطفى ﷺ وكفى, إنه الرجل الذي أحب الله ورسوله وأحبه الله ورسوله، إنه الرجل الذي اضطر يوماً لأن يفخر بهذه الفضائل وبتلك المكارم فقال:
محمدٌ النبي أخي وصهري وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر من يمسي ويضحي يطير مع الملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وزوجي منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ولداي منها فأيكم له سهم كسهمي
إننا اليوم على موعد مع الشهيد المظلوم علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
أحبتي في الله! الحق أقول لكم: لقد صحبت التاريخ طوال الأسبوع الماضي في مراجعه وأمهاته الكبار، لكي أدرس من جديد حياة الإمام دراسة دقيقة في فترة حرجة من أحرج فترات التاريخ الإسلامي, بيد أن محاولة تلخيص حياة الإمام في هذه الدقائق المعدودات محاولة صعبة وعسيرة, فحياة الإمام لاسيما في مراحلها الأخيرة التي بدأت باستخلافه وانتهت باستشهاده لم تكن حياة عادية وإنما كانت تتفجر بالعظمة والجلال، وتموج بالأسى والهول موجاً في آن واحد.
فهيا بنا سريعاً إلى هذه الحياة الحافلة بالبطولة والألم والعظمة والمأساة, والبأساء والضراء, والنصر والهزيمة, والرخاء والشدة, والبسمة والدمعة, والفرح والحزن, هيا بنا إلى حياة الإمام علي ﵁ وأرضاه، وتعالوا بنا لنستهل هذه الحياة العامرة المباركة الكريمة بشهادات الحق وأوسمة الصدق التي منحها الحبيب المصطفى ﷺ علياً ﵁ وأرضاه.
стр. 3
علي أول من أسلم من الصبيان
في أيام الرسالة الأولى يوم أن تنزل جبريل لأول مرة بوحي السماء على أرض مكة، كان هناك علي بن أبي طالب في بيت النبوة يستمع إلى القرآن غضاً طرياً من فم رسول الله ﷺ ، وسرعان ما نطق هذا الصبي الصغير التقي النقي بشهادة الحق وقولة الصدق ليكون أول صبي يدخل في دين الله جل وعلا، كما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي بسند حسن صحيح من حديث زيد بن أرقم أنه قال: (أول من أسلم علي) وليس هناك تناقض؛ فإن علياً هو أول من أسلم من الصبيان، وإن أبا بكر هو أول من أسلم من الرجال.
стр. 4
علي في غزوة خيبر
وأنتقل سريعاً مع مواقف علي في حياته قبل الخلافة في غزوة خيبر، في السنة السابعة من الهجرة برزت وتجلت بطولة أسد الله، وظهرت مكانته عند الله وعند رسوله ﷺ , فلقد خرج النبي ﷺ إلى حصون خيبر آخر المعاقل لليهود في المدينة المنورة وحاصرها النبي حصاراً شديداً وطال الحصار, فقال النبي ﷺ يوماً -كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم -: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه) .
أسمعتم أيها الأحبة؟! رجل يحب الله ورسوله أمر عادي على أصحاب رسول الله ﷺ , ولكن رجل يحبه الله ورسوله إنه أمر تشرئب إليه الأعناق, ولذا ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: [والله ما تمنيت الإمارة إلا يومئذٍ] يقول سهل بن سعد راوي الحديث: [فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها] أي: يخوضون ويتحدثون، يا ترى من سيكون هذا الرجل الذي سيفتح الله على يديه حصون خيبر المنيعة؟ يا ترى من سيكون هذا الرجل الذي يحبه الله ورسوله؟ فلما أصبح الناس غدوا إلى رسول الله ﷺ واشرأبت الأعناق، وحاول كل فارس مغوار أن يقول لرسول الله: هأنذا, وسكن الجميع وصمت الجمع وشق هذا الصمت الرهيب وهذا السكون الدائم صوت رسول الله ﷺ وهو يقول: (أين علي بن أبي طالب؟ -إنه رجل الموقف وصاحب الراية- فقالوا: يا رسول الله! إنه يشتكي عينيه) لقد رمد علي وتخلف؛ لأنه يشتكي اليوم عينيه فقال النبي ﷺ : (فأرسلوا إليه, فأتي به ﵁ وأرضاه، فمسح النبي ﷺ على عينيه ودعا له فبرئ وكأنه لم يكن به وجع, وأعطاه الراية، فقال علي: على ماذا أقاتل الناس يا رسول الله؟ -وهذا لفظ مسلم من حديث أبي هريرة - فقال ﷺ : قاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) وفي لفظ البخاري: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداًَ خير لك من حمر النعم) .
وانطلق البطل المغوار والفدائي العظيم الذي علَّم الدنيا شرف البطولة وحقيقة الفداء، وسرعان ما علا صوت النصر على لسان هذا البطل الكبير والفدائي العظيم الذي صرخ بأعلى صوته في وسط حصون خيبر: الله أكبر! خربت خيبر , وتم الفتح بموعود الله وبكلام رسول الله ﷺ على يد هذا الأسد والبطل الشريف والفدائي الكبير.
стр. 5
علي في غزوة تبوك
وفي السنة التاسعة من الهجرة خرج النبي ﷺ لغزوة تبوك، وأمر النبي ﷺ علياً أن يخلفه في أهله، وخرج علي يشتكي كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وقال: (يا رسول الله! تخلفني في النساء والصبيان؟) أعيروني القلوب وأصغوا الأسماع لتستمعوا إلى هذه الشهادة، ولتأخذوا هذا الوسام الذي علقه النبي ﷺ بيده الكريمة على صدر علي بن أبي طالب، فيقول له الحبيب: (يا علي! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي) , الله أكبر! أي طراز من البشر كان علي؛ لينال هذه الشهادة الكريمة، وليحصل على هذه المنقبة الكبيرة العظيمة؟
стр. 6
دراسة تحليلية لأحداث الفتنة بين علي ومعاوية
ولن أتوقف طويلاً -أيها الأحبة- عند حياة الإمام قبل الخلافة -فإني أرى عقارب الساعة بين يدي تطاردني لنخلِّف سريعاً الأحداث المؤلمة- لنعيش مع البطل في أحداث الفتنة الصماء البكماء العمياء؛ لنستخرج الحق من وسط هذا الركام الهائل من الأخبار الموضوعة والأقوال المكذوبة المصنوعة، التي شحنت بها الكتب والأسفار على أيدي الشيعة والخوارج وغيرهم من فرق الباطل والضلال.
وأعيروني القلوب فإن هذا العنصر من أخطر عناصر اللقاء والموضوع، ولو لم أتوقف في هذا اللقاء إلا معه لكفى, فلقد شوهت حقائق التاريخ, وشوهت صور هؤلاء الأطهار الأبطال الأبرار والعدول الثقات، الذين زكاهم وعدلهم محمد ﷺ .
стр. 7
كُتَّاب التاريخ في الميزان مع الأحداث
يجب أن نعلم -أيها الأحبة- أن التاريخ الإسلامي لم يبدأ في تدوينه إلا بعد زوال دولة بني أمية, وقام على تدوينه ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: طائفة طلبت العيش والرزق والكسب بما تكتبه وما تؤلفه، بالتقرب والتودد إلى مبغضي بني أمية من دولة بني العباس.
الطائفة الثانية: طائفة ظنت أن التقرب إلى الله جل وعلا لا يكون إلا بإطراء علي بالباطل والكذب, وبتشويه صورة أبي بكر وعمر وعثمان بل وبتكفيرهم.
الطائفة الثالثة: من أهل الصلاح وأهل الدين والاستقامة؛ كأمثال الأئمة الفطاحل الكبار كـ ابن جرير الطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير.
ولكن هؤلاء لظروف سياسية لا يتسع المجال لذكرها رأوا أن يجمعوا التاريخ كله ويسجلوا الحق؛ أن يجمعوا أخبار الإخباريين على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم ومشاربهم، مع ذكر أسماء الرواة؛ ليرجع الباحث بعد ذلك إلى الخبر برجال إسناده؛ فيتعرف على صحة هذا الخبر من خلال معرفته بهؤلاء الرواة.
ولكن من الذي سيتعرف على ذلك؟ إنه لا يتعرف على ذلك إلا جهابذة النقاد والصيارفة من علماء الجرح والتعديل، وهكذا نقلت إلينا هذه التركة على أنها التاريخ الإسلامي بغثها وسمينها، وقام من لا يجيد النزال في وسط هذا الميدان اللجب الكبير؛ لينقل من هذه التركة بغير ميزان وبدون قيد ولا ضابط، فنقل الغث والسمين والصحيح والخاطئ والباطل والكذب وهو لا يدري، على أنها سيرة الصحابة وتاريخ الإسلام، وهو بريء من كل هذه التهم ومن كل هذه الأخبار التي دس معظمها الشيعة من ناحية، والخوارج من ناحية أخرى.
فلا بد من العودة إلى هذه التركة الضخمة لنستخلص الحق من الباطل والصحيح من الخطأ والصدق من الكذب, وإنها لمهمة صعبة, فإن هؤلاء الأبرار الذين زكاهم وعدلهم النبي ﷺ ، كما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أنه ﷺ قال -وهذا لفظ مسلم -: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) , وفي رواية الترمذي في كتاب المناقب -وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه- أنه ﷺ قال: (الله الله في أصحابي؛ لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك الله أن يأخذه) ، شوه تاريخهم في هذه الفترة الحرجة وكذب عليهم، وهم أهل الصدق وأهل العدالة ﵃, وإن من أشد الفترات التي شوهت تاريخهم هذه الفترة التي تبدأ تقريباً من النصف الثاني في خلافة عثمان ﵁ وأرضاه والتي انتهت بمقتله ومقتل علي والحسن والحسين ومقتل عدد كبير رهيب من المسلمين، نسأل الله جل وعلا أن يتجاوز عنا وعنهم بمنه وكرمه.
стр. 8
محاولات علي بن أبي طالب في إخماد الفتنة
السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو دور علي في هذه الفتنة الصماء البكماء العمياء؟ وانتبهوا -أيها الأحبة الأخيار- فلقد بدأ علي بدور الوساطة الصادقة الأمينة بين عثمان بن عفان وبين الموتورين من الثوار المجرمين الذين حاصروا بيت الخليفة ﵁, ولكن علياً رأى الفتنة تشتد، ورأى النار تتأجج وتشتعل، ورأى الموتورين من الثوار يحاصرون بيت الخليفة ﵁ وأرضاه, فخرج من بيته معتماً بعمامة رسول الله ﷺ متقلداً سيفه مع نفر من الصحابة من المهاجرين والأنصار؛ من بينهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين وأبو هريرة وغيرهم من موالي عثمان ﵁، وكانوا تقريباً لا يزيدون على سبعمائة رجل، ولو تركهم عثمان لمنعوه, ولكن عثمان هو الذي رفض أن تهراق قطرة دم واحدة في مدينة رسول الله ﷺ ، وأن يكون سبباً في الفتنة التي لم يغلق بابها بعد.
فدخل علي بن أبي طالب على عثمان في داره وقال: [يا أمير المؤمنين! ما أرى القوم إلا قاتليك فمرنا فلنقاتل]-لا تنسوا هذه العبارة- فقال عثمان الأواب التواب التقي الحيي النقي الذي علم أن رسول الله ﷺ قد بشره بالشهادة بل وجاءه في الليلة السالفة الماضية ليقول له: (أفطر عندنا غداً يا عثمان) وهو ابن الثمانين فلماذا يقاتل؟ ولماذا تهراق الدماء بسببه؟ فنظر عثمان إلى علي وإلى رقيقه ومواليه وقال: [أقسم بالله على كل من لي عليه حق أن يغمد سيفه وأن يكف يده وأن يرجع إلى منزله] , ونظر إلى مواليه وقد شهروا السيوف فقال لهم: [من أغمد سيفه فهو حر] , وهكذا أعلن عثمان قولته الخالدة: [ما أحب أن ألقى الله وفي عنقي قطرة دم لامرئ مسلم] , وآثر الشهادة في سبيل الله وألا تبدأ الفتنة ﵁ وأرضاه.
وانطلق علي بن أبي طالب إلى المسجد فحان وقت الصلاة؛ فقال الناس: تقدم يا أبا الحسن! فصلِّ بالناس فقال: [والله ما كنت لأصلي بكم والإمام محصور] وصلّى علي وحده وتركهم وانصرف, ووقع ما قدر الله جل وعلا وكان؛ فقتل عثمان ﵁ وأرضاه بعد أن حصره المجرمون في داره وكاد الظمأ أن يقتله لو أمهلوه بضعة أيام, وظلت المدينة خمسة أيام كاملة بلا خليفة، وأميرها الغافقي الوقح قاتل عثمان، وحار الناس واضطرب الأمر، وقال الجميع على صوت رجل واحد: لا يصلح لهذا الأمر إلا علي , وذهب المهاجرون والأنصار فأبى, ثم ذهبوا إليه مرة أخرى فأبى, ثم ذهبوا إليه مرة ثالثة فأبى, فقالوا: إنه واجب! وانقاد علي بن أبي طالب لضغوط المهاجرين والأنصار، وعلم أن هذه التبعة قدر عليه أن يكون هو حاملها، وأن يكون هو رجلها الآن, فمن يحملها إن لم يحملها علي؟ والحق يقال: إنه لم يكن على ظهر الأرض قاطبة بعد عثمان ﵁ من هو أحق بالخلافة من علي ﵁ وأرضاه.
стр. 9
تولي علي الخلافة ومطالبة معاوية والناس بدم عثمان
وتولى علي الخلافة في وقت عصيب رهيب, وخرج إلى المسجد ليبايع الناس فبايعه المهاجرون والأنصار جميعاً، وما لبث علي أن بويع إلا ودخل عليه طلحة والزبير ﵄ مع رءوس الصحابة الكبار في المدينة المنورة وقالوا: يا أمير المؤمنين لا بد من قتل قتلة عثمان؟ -سبحان الله! - وهنا يبدأ الخلاف؛ فكل فريق له وجهة نظره, وكل فريق له اجتهاده, من الذي يقتله؟ وأي قوة تستطيع الآن أن تقتل قتلة عثمان؟! لقد تعصب وغضب إليهم كثير من الناس حتى زاد عددهم عن عشرة آلاف فارس مدججين بالسلاح ينتشرون في مدينة رسول الله ﷺ ، فمن الذي يستطيع أن يقيم عليهم حد الله بالثأر لقتل دم عثمان في هذا الظرف؟ واعتذر علي وقال ﵁ وأرضاه: [إن قتلة عثمان كثرة ولهم مدد وأعوان] والحق معه بكل المقاييس، إذاً أين القوة التي تستطيع أن تقيم عليهم الحد ولم تستطع أن تحول بينهم وبين قتل الخليفة؟ وخرج الصحابة في غضب وفي ثورة شديدة على علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وكان من بين هؤلاء الذين ثاروا ثورة شديدة لدم عثمان ﵁؛ معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه, وحذار حذار من الخوض في هؤلاء الأطهار الأبرار, فإننا نسمع الآن ونقرأ من يتكلم على هؤلاء الأخيار كلاماً تقشعر له الأبدان وتضطرب له الأفئدة، وهم السابقون الأولون.
ثار معاوية وازدادت ثورته بعدما أرسلت نائلة زوجة عثمان بقميص عثمان الذي قتل فيه، ووضعت فيه أصابعها التي قطعت وهي تدافع عنه, وأرسلت بالقميص والأصابع إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه الذي كان يعتبر نفسه من أوائل الناس ومن أحق الناس مطالبة بدم الخليفة الراحل, ولما رأى معاوية القميص بكى, وأخذ القميص وعلق فيه أصابع نائلة , وعلق القميص على منبر المسجد الدمشقي ولما رآه الناس والصحابة بكوا بكاءً شديداً، وارتفعت الأصوات بالنحيب على موت عثمان ﵁ وأرضاه, وبايعوا معاوية على الثأر لـ عثمان ولم يبايعوه على الخلافة, ما بويع معاوية على الخلافة ولم يطلب معاوية الخلافة قط، وإنما كان يطلب الثأر لدم عثمان أو أن يسلم علي لـ معاوية قتلة عثمان ليقتص منهم لـ عثمان ﵁ وأرضاه, وهنا بدأ الخلاف الكبير.
فخرج طلحة والزبير إلى مكة المكرمة إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ فلقد كانت عائشة بـ مكة لأداء مناسك الحج في هذا العام، ولما سمعت عائشة بخبر مقتل عثمان قامت تدعو الناس وتحث الناس للثأر لدم عثمان , وقد تأولت قول الله جل وعلا الذي رددته كثيراً: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤] فخرجت عائشة ﵂ فالتف الناس حولها وقالوا: يا أماه! نحن معك حيث سرت للمطالبة بدم عثمان , واتفق هذا الجمع كله على الذهاب إلى البصرة ليكونوا قريبين من معاوية ﵁، وقد ضمن الأمر في المدينة علي بن أبي طالب ليستسمعوا همم الناس للمطالبة بدم عثمان ﵁, وخرجوا جميعاً إلى البصرة , ولما سمع علي بذلك عزم على أن يخرج بنفسه, فقام عبد الله بن سلام الصحابي الجليل وأخذ بعنان فرسه وقال: [يا أمير المؤمنين! لا تخرج من مدينة رسول الله؛ فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبداً بعد اليوم] ورفض الحسن أن يخرج أبوه ﵁, ولكن علياً قال: [والله ما خرجنا إلا لأنا نريد الإصلاح بين الناس لا نريد قتالاً] .
وإن أعظم دليل على ذلك أن علياً خرج من المدينة مع تسعمائة رجل، فهل هذا جيش يريد القتال؟ وفي الطريق التف حوله الناس من كل البقاع واجتمع عليه عدد كبير، ولما وصل إلى البصرة , وكان قد اجتمع على عائشة وعلى طلحة والزبير عدد كبير من أهل البصرة للمطالبة بدم عثمان أرسل علي إليهما -أي: إلى طلحة والزبير - القعقاع بن عمرو التميمي ﵁ وأرضاه.
فبدأ القعقاع بأم المؤمنين عائشة ﵂ فقال: يا أماه! ما الذي جاء بك إلى هذه البلاد؟ فقالت: أي بني! ما جئت إلا لأصلح بين الناس.
فقال القعقاع: فأرسلي إلى طلحة والزبير ليحضرا, فحضرا طلحة والزبير.
فقال القعقاع بن عمرو: لقد سألت أمنا ما الذي أقدمك إلى هذه البلاد؟ فقالت: ما جئت إلا لأصلح بين الناس.
فنطق طلحة والزبير ﵄ وقالا: والله ما جئنا نحن إلا لذلك.
فقال القعقاع بن عمرو: إذاً فما الذي تريدون؟ نحقق ونتفق على الإصلاح فإن اتفقنا عليه اصطلحنا.
فقال طلحة والزبير ﵄: لا نريد إلا أن نقتل قتلة عثمان، فإن تركنا قتلهم فقد تركنا القرآن الكريم.
فقال القعقاع بن عمرو: لقد أتيتم أنتم إلى البصرة فقتلتم قتلة عثمان من البصرة، فغضب لهم ستة آلاف فارس, فتركتموهم فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون, وإن حاربتموهم وقعت مفسدة هي أربى من الأولى, فاقتنع طلحة واقتنع الزبير.
فقالت عائشة ﵂: فماذا تقول أنت يا قعقاع؟ فقال القعقاع ﵁: أقول: بأن الدواء لهذا الأمر التسكين, وكونوا مفاتيح خير ولا تضيعونا، فإن ما حدث أمر عظيم, وإن كلمة الناس قد اختلفت في جميع الأمصار، وإن علياً ﵁ وأرضاه معذور في تأخير قتلة عثمان حتى يتمكن منهم ويقدر عليهم.
стр. 10
موقعة الجمل
واقتنع الجميع، واتفق الطرفان على الصلح، واصطف الفريقان للصلح في الصبح الباكر وبات الفريقان بخير ليلة وأسعد ليلة.
بات قتلة عثمان بشر ليلة، -انظروا من أين تأتي الفتن؟ - وعلى رأسهم ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي الذي قال قولة عجيبة: والله إن علياً هو أعلم الناس بكتاب الله من المطالبين بدم عثمان , وغداً يتفق الفريقان على الصلح ويجمع علي الناس عليكم، وإن القوم جميعاً لا يطلبون إلا أنتم, فوالله لئن كان ذلك لنلحقن علياً بـ عثمان , فأجمعوا الأمر وفكروا ما الذي نفعل وما الذي نصنع! فاتفقوا جميعاً على أن ينقضوا في ظلمة الليل البهيم الدامس على فريق علي وعلى فريق طلحة والزبير ليضربوهم وليقاتلوهم ليظن كل فريق من الفريقين في ظلمة الليل أن أمر الصلح الذي كان بالأمس إنما هو خدعة, وأن كل فريق من الفريقين قد غدر بالآخر, ونشب القتال كفوران ماء يغلي بدون أسباب منطقية إطلاقاً، ونشبت موقعة الجمل الضارية التي صرخ فيها علي بن أبي طالب وهو يقول: [والله لوددت أني قد مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة] .
وانتهت المعركة سريعاً كما بدأت سريعاً وذهب علي بنفسه إلى أم المؤمنين عائشة ليطمئن عليها, فقال لها: السلام عليك يا أماه! كيف حالك؟ فقالت: بخير.
فقال علي: غفر الله لك, وأمدها بالمراكب والمتاع وسير معها محمد بن أبي بكر ﵁ إلى مكة ثم إلى المدينة.
стр. 11
موقعة صفين بين علي ومعاوية
رجع علي بن أبي طالب إلى الكوفة لتبدأ فتنة أخرى حالكة في لقاء علي ﵁ مع معاوية؛ يوم أن صمم علي على أن يذهب بنفسه إلى الشام وشاور وأرسل رسالة إلى معاوية يطلب فيها البيعة, فقد بايع علياً كل الناس وكل الولاة إلا معاوية ﵁.
فجمع معاوية رءوس الناس في الشام وعرض عليهم رسالة علي ﵁، فقالوا جميعاً: لا, لا نبايع علياً إلا إذا قتل قتلة عثمان، أو سلمهم إلينا لنقتلهم, وخرج علي بنفسه واستعد أهل الشام ونشبت فتنة القتال مرة أخرى وإنا لله وإنا إليه راجعون.
! ودارت الحرب الطاحنة -سبحان الله! - ولما رأى أهل الشام أن الحرب ضروس رفعوا المصاحف على أسنة السيوف والرماح, وقالوا: نحكم بيننا كتاب الله، وقبل الفريقان تحكيم كتاب الله جل وعلا, قبل أهل العراق مع علي وقبل أهل الشام مع معاوية بعدما رُفع كتاب الله جل وعلا بينهما، واختار الفريقان حكمين, اختار علي: أبا موسى الأشعري، واختار معاوية: عمرو، ولقد قال الناس ما قالوا في مسألة التحكيم، وشبهوها بلعبة سياسية حقيرة قذرة لا تتم إلا في مؤتمر من مؤتمرات الكذب والبهتان، وقالوا في أبي موسى وفي عمرو كلاماً لا ينبغي على الإطلاق أن يقال في أشراف الناس فضلاً عن أصحاب رسول الله ﷺ , ولا يخلو كتاب من كتب التاريخ من هذه الأكذوبة الكبيرة، قالوا: لقد اتفق عمرو وأبو موسى على خلع علي ومعاوية , وهل كان معاوية خليفة أو ادعى الخلافة ليخلعه أبو موسى أو عمرو؟ كلا.
انظروا إلى مغالطات التاريخ, وإنما الذي حدث أن قالوا: بأن أبا موسى وعمرواً قالا: نخلع علياً ونخلع معاوية ونترك الأمر شورى للمسلمين, هذا صحيح وهذا صدق وحق، ولكن البهتان يأتي, قالوا: فلما اتفقا على ذلك واجتمعا في الموعد المضروب بينهما, قال عمرو: تكلم يا أبا موسى , فقام أبو موسى فقال: لقد اتفقت أنا وصاحبي على أن نخلع علياً ومعاوية، وعلى أن يترك الأمر شورى للمسلمين ليختاروا من يشاءون, فلما انتهى أبو موسى من بيانه, قام عمرو بن العاص وقال: لقد خلع صاحبي علياً ومعاوية، أما أنا فإني أخلع علياً وأثبت معاوية , ما هذا.
؟! هذا يليق بمؤتمرات الكذب والبهتان, يليق بألاعيب السياسة.
أما مع هؤلاء الأطهار الأبرار؛ فلا وألف لا, ولدينا من الأدلة الصحيحة من روايات الأئمة الثقات الأثبات ما ينفي ذلك الكذب والبهتان عن هؤلاء الأطهار الأبرار والأخيار الأعلام, واقرءوا ما رواه الإمام العلم الثبت الدارقطني بسنده الصحيح أن حضير بن المنذر ﵁ وأرضاه أرسله معاوية بن أبي سفيان إلى عمرو ﵁ ليتحقق مما حدث, فذهب حضير بن المنذر ولقي عمرواً , فقال: يا عمرو ما الذي صنعتماه أنت وأبو موسى؟ -أتدرون ماذا قال عمرو؟ قال: أنتركه ونذهب إلى هذا الغدر والكذب الذي لا يليق بأصحاب رسول الله ﷺ فقال عمرو: ماذا ترى يا أبا موسى فقال أبو موسى ﵁ وأرضاه: أرى أن نخلع علياً ومعاوية وأن يبقى هذا الأمر في النفر الذي توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض, فقال عمرو: فما تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال أبو موسى الأشعري ﵁: أنتما إن طلب منكما، إن يستعن بكما ففيكما المعونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما, وانتهى الأمر.
أما هذه الأكاذيب والافتراءات فلا دخل لها إطلاقاً ولا وجود لها في عالم هؤلاء الأطهار، ليس معنى ذلك -أو لا يفهم من كلامي- أنني أقول: إن العصمة للصحابة! كلا, بل إننا على يقين أن منهم من قد زل باجتهاده! وهو اجتهاد مأجور عليه حتى وإن أخطأ؛ لأنه لا ينشد إلا الحق كما قال الأئمة الأعلام كشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد وجميع أئمة أهل السنة والجماعة ﵏ جميعاً: إن كل فريق منهما قد اجتهد وهو مأجور على اجتهاده حتى وإن أخطأ، مع أننا نقول بيقين جازم مطلق بأن أولى الطائفتين بالحق كان علياً ﵁ وأرضاه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
стр. 12
مروق فرقة الخوارج
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: وهنا -أيها الأحبة- مرقت فرقة الضلال من بين جيش علي ﵁ وأرضاه؛ هؤلاء الذين قبلوا التحكيم في أول الأمر, بل وهم الذين أصروا على علي أن يذعن لكتاب الله، وهل عارض أو عاند، علي الذي تربى في أحضان الكتاب وبين آياته؟ هل أنكر حدود الله وضيع كتاب الله؟! خرجت هذه الفرقة فرقة الضلال، الخوارج الذين اعترضوا على علي وخرجوا عليه، وحكموا عليه بالكفر, قالوا: تحكم في كتاب الله بشراً -سبحان الله! - من أصحابك؟ إن الحكم إلا لله, وكفروا علياً بهذه المقولة حتى قال علي قولته الخالدة: [كلمة حق يراد بها باطل] .
وانطلقوا يعيثون في الأرض تقتيلاً وفساداً, هذه الفرقة التي قال عنها الحبيب الصادق المصدوق ﷺ في أحاديث بلغت حد التواتر: (يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية) .
وفي حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: (يقتل هذه الفرقة أولى الطائفتين بالحق) , فشهد النبي للطائفتين, لطائفة علي ولطائفة معاوية بأنهما على الحق، ولكن هناك فرقة هي أولى بالحق من فرقة، وهي فرقة علي ﵁ وأرضاه, وهذا هو ما يدين الله به أهل السنة والجماعة بأن الطائفتين على الحق، وأولى الطائفتين بالحق طائفة علي، وكلاهما مجتهد مأجور إلا أن اجتهاد علي ضعف اجتهاد معاوية ومن معه ﵃ جميعاً وأرضاهم.
стр. 13
مقتل علي بن أبي طالب على يد الخوارج
أيها الأحباب: اتفق الخوارج على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، ونجح عبد الرحمن بن ملجم في مهمته الحقيرة الخطيرة، وطعن علياً ﵁ بسيف مسموم سمه شهراً كاملاً, طعنه وهو في الكوفة يخرج ليمشي في الشوارع والطرقات ليوقظ الناس بنفسه -وهو أمير المؤمنين- لصلاة الفجر, فطعنه المجرم الذي طعنه وهو يقول: يا علي! أتريد أن تحكم في كتاب الله أصحابك؟ إن الحكم إلا لله.
وظل يردد هذا الوقح قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] أسمعتم إلى هذا الهراء وإلى هذا الكذب؟ باسم الدين يقتل علي؟! باسم الدين يقتل عثمان؟! باسم الدين يقتل الحسن والحسين؟! إنه الكذب والزهد الكاذب, والورع المغلوط المقلوب, يقرأ قول الله وهو يقتل علياً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] .
وقتل علي ﵁ ونام على فراش الموت وهو يردد: لا إله إلا الله, وظل يرددها مرات كثيرة حتى لقي الله جل وعلا ولسانه غظ طري بكلمة التوحيد.
стр. 14
اجتماع الأمة على معاوية
ولما مات علي ذهب الناس إلى الحسن ليبايعوه، فبايعوا الحسن بن علي ﵁ وأرضاه، إلا أن الحسن تعالى على كل هذه الدماء والأشلاء، وحقن دماء المسلمين، وحقق ما قاله من قبل الصادق المصدوق ﷺ ، فتنازل الحسن عن الأمر لـ معاوية بن أبي سفيان ﵃ جميعاً وحقن الحسن الدماء، وانتقل الملك إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه، ليحقق الحسن دليلاً من دلائل النبوة الخالدة كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري، أن النبي ﷺ صعد يوماً على المنبر وأجلس إلى جانبه الحسن بن علي ثم نظر النبي إلى الناس ونظر إلى الحسن وقال: (أيها الناس! إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) , بأبي هو وأمي ﷺ .
وأصلح الحسن بين فئتين عظيمتين من المسلمين, بل وحكم الله جل وعلا للفئتين بالإيمان إلا من مرق من مارقة فرق الضلال والباطل من الخوارج والشيعة وقتلة عثمان وغيرهم؛ فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فلم يخرجهم بالقتال والحرب من دائرة الإيمان, بل ولا من دائرة الأخوة- اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩] , ويحكم الله لهم جميعاً بالأخوة فيقول جلا وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠] .
أحبتي في الله: أختم هذا اللقاء الساخن بهذه العبارة حتى لا تنسى وأقول: هذه فتنة عظيمة سلمت منها أيدينا فلتسلم منها ألسنتنا, وحذار أن نكون من الخائضين، وأن نكون من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله يوم القيامة أمام رب العالمين.
أسأل الله جل وعلا أن يتجاوز عنا وعنهم بمنه وكرمه، وأن يغفر لنا ولهم وأن يجزيهم عنا خير الجزاء.
اللهم ارض عن أبي بكر وعثمان وعمر وعلي , اللهم ارض عنهم يا رب العالمين, وتجاوز عنا وعنهم بكرمك وأنت على كل شيء قدير.
اللهم اجمعنا بهم في دار كرامتك ومستقر رحمتك، مع إمام الهدى ومصباح الدجى وإمام النبيين وخاتم المرسلين محمد ﵊.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين, وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين.
اللهم اجمع شملهم.
اللهم وحد صفهم, وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم بقدرتك يا أرحم الراحمين.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وما كان من توفيق في هذا اللقاء فمن الله جل وعلا وحده, وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان, والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 15
خالد بن الوليد
لقد شرف الله منزلة الجهاد والمجاهدين، وجعل الجهاد ذروة سنام الإسلام وعز هذه الأمة، ويوم أن ضيعت الأمة الجهاد ضاع شرفها، وضاعت هويتها، وأصبحت الأمة ذليلة كسيرة مهيضة الجناح، وحتماً لن يعود للأمة مجدها وهويتها إلا إذا رفعت لواء الجهاد في سبيل الله، وسارت على ما سار عليه الأبطال المجاهدون وإن من خير من ترسم خطاه في هذا الشأن ذلك البطل الأشم الذي كسر شوكة الأكاسرة وقصم ظهور القياصرة إنه سيف الله المسلول على أعدائه خالد بن الوليد.
стр. 16
الجهاد ذروة سنام الإسلام
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله: مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، تلك السلسلة الكريمة المباركة التي نقدمها في هذه الأيام لأبناء الصحوة الإسلامية خاصة، وللمسلمين عامة، للعبرة والعظة من ناحية، ولتقديم القدوة الصالحة الطيبة لتربية الأجيال عليها من ناحية أخرى، لا سيما بعد فترة التغريب الطويلة التي مسخت الهوية، وشوهت الفكر والتاريخ، وزعزعت الانتماء.
أحبتي في الله: رسالة رقيقة مؤثرة من ساحة الوغى، وميدان البطولة والشرف والجهاد، تلك الرسالة التي أرسل بها الإمام المجاهد العلم: عبد الله بن المبارك إلى أخيه التقي الزاهد الورع عابد الحرمين: الفضيل بن عياض يذكره فيها بشرف الجهاد في سبيل الله فيقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطلٍ فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يُكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميتٍ لا يكذب
ذلكم هو شرف الجهاد أيها الأحباب الذي أمر الله جل وعلا به الأمة أمراً صريحاً صحيحاً واضحاً؛ لتعيش الأمة عزيزة، ولتلقى ربها سعيدة حميدة، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٠-١٣] ذلكم هو شرف الجهاد الذي جعله الحبيب المصطفى ﷺ ذروة سنام الإسلام، كما في حديث معاذ بن جبل الذي رواه الترمذي وقال: حسنٌ صحيح، وفيه أن النبي ﷺ قال لـ معاذ: (يا معاذ! ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، فقال ﷺ : رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) ذلكم هو الجهاد الذي ضمن الله به السعادة والسيادة والريادة والقيادة لهذه الأمة.
ويوم أن ضيعت الأمة الجهاد ضاع شرفها، وضاعت هويتها، وأصبحت الأمة ذليلةً كسيرةً، مهيضة الجناح، مبعثرة كالغنم الشاتية في الليلة الممطرة.
وحتماً لن تعود للأمة هويتها إلا إذا عادت إلى الجهاد ورفعت لواءه في سبيل الله، ومن ثم حرص أعداء ديننا على أن يحولوا بين الأمة والجهاد، وعلى ألا تربى الأجيال المسلمة على الجهاد وسير الأبطال المجاهدين والقادة الفاتحين.
стр. 17
سيرة خالد بن الوليد ﵁
نقضي هذه الدقائق المعدودة مع قائد المجاهدين، وسيف من سيوف رب العالمين، وأستاذ فن الحروب والميادين، الفاتك بالمسلمين يوم أحد، والفاتك بأعداء الإسلام بقية الأيام، إنه فارس الإسلام والمسلمين، وسيف من سيوف رب العالمين، وترياق وساوس الشياطين من الكفار والمنافقين، والبطل القوي العنيد، والفارس القوي الرشيد.
إنه: خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
علم من أعلام الجهاد في سبيل الله، وعالم وحده في فن القيادة وإدارة الحروب، أحب المسلمون سيفه، وخافه أعداء الإسلام، وأقبل قادة الدنيا في كل زمان ومكان إلى عصر نابليون ينهلون من مورد خالد الخالد في فن القيادة، وإدارة الحروب، وقواعد القتال.
خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه الذي تحول في عالم الحرب ودنيا الميادين إلى أسطورة، وما زالت الأبحاث والدراسات إلى عصرنا هذا تنهل من مورد قيادة خالد، وفن إدارته للحروب والقتال، فمن هو خالد؟ وما الذي نعرفه نحن المسلمين عن خالد؟ والله لا نعرف عنه إلا القليل، في الوقت الذي نجد فيه كثيراً من المسلمون يعرفون الكثير والكثير عن نابليون، ولينين واستالين، وبسمر وغيرهم وغيرهم من هؤلاء الأقزام.
فمن هو خالد بن الوليد أيها الأحباب؟
стр. 18
نشأة خالد بن الوليد ﵁
نشأ خالد بن الوليد في بيئة غنية ثرية مترفة، فأبوه هو: الوليد بن المغيرة الذي كان أغنى الناس في زمانه، وكان من كبريائه في جوده أنه كان ينهى عن أن توقد نارٌ في منى غير ناره لإطعام الحجيج، الوليد بن المغيرة الذي تحدث الله عنه وعن ثرائه وغناه في سورة المدثر فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ [المدثر:١١-١٦] ذلكم هو الوليد بن المغيرة، وتلك هي البيئة التي نشأ فيها خالد بن الوليد ﵁.
ومع هذا الغنى، وهذا الثراء نشأ خالد بن الوليد نشأةً خشنة، مروض نفسه على الغلظة، والقساوة، والخشونة، وحياة البداوة، لماذا؟ لأنه نشأ من صغره يحب الفروسية والقتال، وترك خالد هذا الثراء والمال والغنى، إلا أنه ورث الكره الشديد للإسلام من أبيه، فهو قائد الميمنة، وصاحب الحملة الشرسة في غزوة أحد التي شتت شمل المسلمين، وبعثرت صفوفهم، حتى جرح النبي ﷺ ، بل وأشيع في الميدان أن رسول الله قد قتل، بعد المباغتة السريعة لـ خالد بن الوليد الذي طوق من خلالها الرماة على الجبل، بعدما خالفوا أمر رسول الله ﷺ .
وخالد بن الوليد هو الذي تولى قيادة الخيل في غزوة الخندق، ووكلت له مع كتيبة من الفرسان يركبون الخيول في هذه المعركة مهمةً عسيرة خطيرة ألا وهي: قتل النبي ﷺ ، إلا أن الله نصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وتصدى خالد بعد ذلك في مائتي فارس إلى النبي ﷺ وأصحابه وهو في طريقه إلى مكة في عام الحديبية، ولما رآه النبي ﷺ اضطر أن يصلي بأصحابه يومها صلاة الخوف.
ولما اصطلح النبي مع مكة وعاد في عمرة القضاء لم يقبل خالد أن يرى النبي ﷺ وأصحابه يطوفون ببيت الله الحرام، فترك خالد مكة وخرج حتى لا يرى هذا المشهد بعينيه.
стр. 19
إسلام خالد بن الوليد
تأتي كراهية خالد بن الوليد بعد كراهية أبيه للإسلام مباشرة، إلا أنه مع هذا كان يعيش صراعاً داخلياً رهيباً بين بيئته بموروثاتها الجاهلية، وبين هذا النداء الذي يصرخ في أعماقه على أنه الحق، ويقول له: إن الإسلام هو دين الله، وأن محمداً هو رسول الله، وأن الذي تركع وتسجد له يا خالد إنما هي حجارة لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.
وسرعان ما انتهى هذا الصراع الذي طال حقاً، وشرح الله صدر خالد، وقذف في قلبه حب الإسلام، وعلى الفور ينطلق خالد بن الوليد من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ ليبدأ حياةً جديدة من تلك اللحظة الباهرة الرائعة التي خشع فيها قلبه، وسكنت فيها جوارحه، وامتدت يده لتبايع الحبيب ﷺ ، وليشهد بين يدي رسول الله شهادة الحق والصدق وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
ويبتسم الحبيب ﷺ ، ويمد يده ليصافح خالد بن الوليد بوجه طلقٍ وهو يقول: (الحمد لله الذي هداك يا خالد، فلقد كنت أرى لك عقلاً، ورجوت ألا يسلمك إلا لخير) انظروا إلى شهادة النبي ﵊: (فلقد كنت أرى لك عقلاً، ورجوت ألا يسلمك إلا لخير) .
стр. 20
مشاركة خالد بن الوليد في غزوة مؤتة وفتح مكة
بعد شهرين أو ثلاثة فقط ينطلق خالد بن الوليد جندياً في صفوف كتائب التوحيد والإيمان، مع هذا الجيش الذي ذهب لمناطحة الصخور الصماء على حدود الشام في غزوة مؤتة، تلك الغزوة التي خرج النبي ﷺ بنفسه يختار لها القادة، فقال كما ورد في صحيح البخاري في كتاب المغازي من حديث عبد الله بن عمر قال: (أمَّر رسول الله ﷺ على غزوة مؤتة زيد بن حارثة، ثم قال ﵊: إن قتل زيد فـ جعفر بن أبي طالب، ثم قال ﵊: إن قتل جعفر فـ عبد الله بن رواحة) وانطلق الجيش الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل، ولما وصل الجيش إلى حدود الشام أذهلتهم المفاجئة الكبرى، فلقد رأوا الروم قد أعدوا لهم وجهزوا جيشاً جراراً يزيد على مائة ألف مقاتل، وهنا تردد المسلمون في القتال! كيف يدخلون هذه المعركة التي لا يمكن على الإطلاق أن نرى فيها ذرة من ذرات التكافؤ العددي والعُددي، وتردد الناس في القتال، مائة ألف إلى ثلاثة آلاف! وهنا قام الشهيد الشاعر صاحب السرير الذهبي: عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه ووقف في صفوف الجيش منادياً بأعلى صوته وهو يقول: [يا قوم! إن التي تخشون للتي خرجتم تطلبون، إنها الشهادة في سبيل الله، ووالله ما نقاتل عدونا بكثرةٍ ولا عدد، وإنما نقاتل عدونا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله ، فانطلقوا، فإنها إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة] .
وانطلق الناس للقتال، انطلق ثلاثة آلاف لقتال مائة ألف مقاتل، وتولى القيادة زيد بن حارثة وقاتل حتى قتل وسقط اللواء، فانقض إليه سريعاً جعفر بن أبي طالب وقاتل حتى سقط اللواء وسقط بعده طيار الشهداء، فانقض على اللواء عبد الله بن رواحة ورفع اللواء وقاتل حتى قتل وسقط اللواء، ودب الرعب والذعر في قلوب المسلمين، لا سيما بعد قتل القادة الثلاثة الذين حددهم واختارهم رسول الله ﷺ ، وهنا انقض بسرعة الضوء ثابت بن أقرم ﵁ على اللواء ليرفع اللواء خفاقاً عالياً، وأسرع ثابت بن أقرم ليبحث عن قائد الساعة وعن بطل الميدان عن أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁، وذهب إليه ثابت وقال: [خذ اللواء يا خالد، فقال خالد -المؤدب المهذب- لا -وأبى أن يتقدم، هؤلاء الذين فيهم السابقون من المهاجرين والأنصار- وقال خالد المهذب لـ ثابت بن أقرم: أنت أولى به مني يا ثابت فأنت من السابقين الأولين، ممن شهدوا بدراً، لست أحق بهذا اللواء منك، فقال ثابت بن أقرم: خذ اللواء يا خالد والله أنت أدرى بالقتال مني، وما أخذت اللواء من على الأرض إلا لك يا أبا سليمان] .
ونادى ثابت بن أقرم في المسلمين بأعلى صوته وقال: [أيها المسلمون! هل ترضون إمرة خالد؟ قالوا: اللهم نعم] واعتلى العبقري جواده بعدما قد تحدد مصير المعركة بكل المقاييس، ودب الذعر والرعب، ومات قواد المعركة الثلاثة، وإن شئت فقل: لقد انتهت المعركة، واعتلى العبقري جواده، ودفع الراية عن يمينه كأنما يقرع بها أبواباً مغلقة قد آن لها أن تفتح بإذن الله على يد هذا البطل المغوار.
ونظر العبقري نظرةً سريعة إلى أرض الميدان بعينين كعيني الصقر، وعاد تنظيم الصفوف، وثبت خالد في هذا اليوم ثبوت الجبال الرواسي، حتى خيم الليل بظلامه، وهنا ظهرت عبقرية خالد، وظهر دهاؤه وبلاؤه وقتاله الذي قال عن نفسه: [والله لقد اندكت وتحطمت في يدي تسعة سيوف في يوم مؤتة] والحديث رواه البخاري، تسعة سيوف تحطمت في يد سيف الله، وأسد الله خالد بن الوليد ﵁.
نظر خالد بن الوليد وفي ظلام الليل وفي سرعة البرق والضوء وعدل صفوف الجيش، فجعل الميمنة مكان الميسرة، وجعل الميسرة مكان الميمنة، وجعل الساقة في المقدمة وأخر المقدمة إلى الساقة، وكلف طائفة من الجنود أن يتأخروا خلف الجيش، وعند مطلع الصباح أمرهم أن يثيروا غباراً، وأن يحدثوا صوتاً وصياحاً وجلبةً وضوضاء.
وفي الصباح الباكر بعدما بزغ الفجر، وجدت كتائب الروم وجوهاً غير الوجوه التي كانت تحاربها بالأمس، ورأت أعلاماً جديدة، ونظرت فوجدت غباراً، وسمعت صيحةً وصوتاً وجلبةً وضجيجاً، فظن الروم أن مدداً جديداً قد أقبل إلى جيوش المسلمين فدب الرعب في قلوبهم، وبدءوا في الانسحاب المذهل المروع، واستطاع خالد بذكائه وعبقريته أن يفتح ثغرة فسيحة في قلب هذا الجيش العرمرم الكبير الرهيب، وانسحب بجيشه انسحاباً آمناً دون أن يصيب الجيش بأي أذى.
وبلغت البشارة إلى رسول الله ﷺ ممن يعلم السر وأخفى، فلقد وقف الحبيب في المدينة المنورة يقص على المسلمين خبر غزوة مؤتة قبل أن يبلغه الخبر، فلقد أخبره علام الغيوب ﷻ كما ورد في صحيح البخاري من حديث أنس: (وقف النبي ﷺ ينعي للناس قادة غزوة مؤتة وعيناه تذرفان بأبي هو وأمي ﷺ ، فقال ﵊: لقد أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان ثم قال: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم) وانظروا إلى هذه العبارة النبوية، سمى النبي انتصار خالد فتحاً، وأي نصر؟ وأي فتح؟ ولما خرج المسلمون يقولون لهم: يا فرار قال لهم النبي ﵊: (لا تقولوا هذا ولكنهم الكرار وليسوا فراراً) سمى النبي انتصار خالد فتحاً (حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله) ذلكم هو الوسام الذي عاد خالد إلى المدينة ليعلقه النبي على صدره، والله إنه وسامٌ لا تقوم له الدنيا، ومن يومها أحبتي سمي خالد بن الوليد بسيف الله المسلول.
ولم تمض إلا أشهراً معدودات حتى تقدم النبي في جيشه الكبير الجرار لفتح مكة، وولى النبي خالد بن الوليد وجعله قائداً للميمنة، وها هو خالد يدخل إلى مكة المكرمة قائداً من قواد جيش التوحيد، بعد أن كان بالأمس القريب قائداً من قواد جيش الشرك.
стр. 21
مشاركة خالد بن الوليد في حروب الردة
ومات الحبيب ﷺ ، ويتولى الصديق خلافة المسلمين، وتهب أعاصير الردة الغادرة الماكرة، ويجيش الصديق الجيوش، ويدفع الصديق الألوية للأمراء والقادة، ومن بين هؤلاء الأمراء والقادة جميعاً يتجه الصديق العبقري الذكي إلى قائد الساعة، وبطل الميدان، إلى سيف الله خالد ويقول له الصديق: (يا خالد! لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين) والحديث رواه أحمد، وقال الإمام الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وينطلق خالد بن الوليد ليشهد جميع معارك الردة من أولها إلى آخرها، وكانت أخطر معركة في هذه المعارك هي: معركة اليمامة بقيام الدعي الكذاب مسيلمة، الذي نجح في أن يجيش جيوشاً جرارة حتى هزم عكرمة بن أبي جهل هزيمةً منكرة، وأصدر الصديق ﵁ الأوامر إلى قائده المظفر خالد بن الوليد أن ينطلق مسرعاً لقتال مسيلمة.
ويتحرك خالد بن الوليد بجيشه ليلتقي مع أخويه عكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة، ويبدأ القتال الذي ليس لضراوته في عالم الحروب نظير، ويسقط الشهداء من المسلمين تباعاً بسرعة مذهلة كصقور حديقة طوحت بها عصيفة عاصفة عنيدة، ويعتلي العبقري بجواده ربوةً عالية وينظر بعينين كالصقر إلى أرض الميدان والمعركة، ثم يعود خالد ليصرخ بأعلى صوته في جنوده ويقول: [امتازوا اليوم لنرى بلاء كل حي ليتعرف من أين تأتي الهزيمة] ودب الحماس، ودبت الغيرة في قلوب الرجال، وصرخ خالد بأعلى صوته في الميدان، ونقل إخلاصه وحماسه إلى قلوب جنوده وإخوانه كما تنقل الكهرباء، وفي دقائق معدودة تحول اتجاه المعركة، وسقط الدعي الكذاب مسيلمة، وفر جنوده وسقط جنوده بالمئات بل بالألوف كذبابٍ قتل أنفاس الحياة فيه نفثات مبيدٍ صاعق.
وانتهت المعركة انتهت أكبر معركة في تاريخ الخلفاء انتهت موقعة اليمامة بنصر مؤزر من الله جل وعلا على يد القائد المظفر والبطل الفاتح خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
стр. 22
قتال خالد بن الوليد للفرس في موقعة القادسية
أيها الأحباب! انتهت حروب الردة في لمحات سريعة، وأصدر الخليفة العظيم المبارك ﵁ وأرضاه أوامره إلى قائده العظيم المبارك أن يترك أرض الجزيرة العربية بعد انتهاء حروب الردة لينتقل إلى بلاد العراق.
إلى بلاد العراق؟! لماذا؟! لحرب أعظم امبراطورية في بلا الشرق، وللقضاء على امبراطورية فارس، وينطلق خالد مسرعاً ملبياً أوامر خليفة رسول الله ﷺ في أوائل العام الثاني عشر للهجرة، ويبدأ خالد أعماله الميمونة المباركة في العراق بهذه الكتب التي أرسل بها إلى كسرى، وإلى ولاته وأمرائه في بلاد العراق، واسمعوا إلى هذه الرسالة، وإلى هذا الكتاب الذي أرسل به خالد ﵁ وأرضاه: قال خالد: بسم الله الرحمن الرحيم "من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس، سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فالحمد لله الذي فضح دمكم، وسلب ملككم، ووهن كيدكم، من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم له ما لنا وعليه ما علينا، فإن جاءكم كتابي هذا فإني أخيركم بين ثلاثة: إما الإسلام، وإما أن تدفعوا الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وإما الحرب، فوالله الذي لا إله غيره لقد جئتكم بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة".
الله أكبر ودب الرعب في قلوب أهل فارس، فلقد نُصر خالد بن الوليد بالرعب، وبالإجمال أقول: إن خالد بن الوليد دخل في خمس عشرة موقعة مع الفرس ومع أوليائهم، ولم يهزم بإذن الله في موقعة واحدة قط، وكانت أخطر معاركه مع أهل الفرس هي: موقعة ذات السلاسل بقيادة هرمز، وفيها قيد الفرس أنفسهم بالسلاسل، حتى يضمنوا ألا يفروا من الميدان أمام ضربات خالد بن الوليد، وانتهت معارك الفرس، ودك خالد بن الوليد عرش الإمبراطورية الفارسية في عامٍ واحد، فعل خالد بن الوليد ما عجز الرومان أن يفعلوه في أجيالٍ متتابعة.
وانتهت المعارك في بلاد العراق، وبقي على موسم الحج أسبوعان، فنظر خالد فوجد نفسه فارغاً من القتال، ولكنه حتماً لا يكون فارغاً من طاعة الله ، وفي عزمة خالدية جريئة لا يقوى عليها إلا خالد، صمم خالد في سرية تامة أن ينال شرف أداء فريضة الحج لأول مرة بعدما منَّ الله عليه بهذه الانتصارات المروعة والرائعة، وفي سرعة البرق، وفي لمحة خاطفة، ولم يبق على موسم الحج إلا أسبوعين، ينطلق خالد بن الوليد من أقصى العراق إلى أقصى الحجاز ويؤدي فريضة الحج دون أن يشعر به أحد من الأعداء، ودون أن يشعر به أحدٌ من المسلمين في جيشه إلا من المقربين من قواده، بل حتى لم يعلم به خليفة رسول الله أبو بكر الذي كان أميراً للحج في هذا الموسم، ويرجع خالد مرةً أخرى إلى موقعه، ولما علم الصديق بذلك عاتبه عتاباً رقيقاً وأمره ألا يعود لمثلها، يقول المؤرخون: تلك عزمة خالدية وثقة مفرطة لا يقوى عليها إلا خالد.
стр. 23
قتال خالد بن الوليد ضد الروم في موقعة اليرموك
وكان الصديق ﵁ بعدما انتهت معارك فارس قد جيش الجيوش إلى بلاد الشام للقضاء على أعظم امبراطورية في الغرب، إلا وهي امبراطورية الروم، وقد اختار الصديق لهذه الجيوش قادةً عظاماً، اختار أبا عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وجعل الصديق القيادة العامة لجيوش الشام في يد أبي عبيدة ﵁، ولما وصلت الجيوش إلى بلاد الشام، وسمع هرقل امبراطور الروم بهذه الجيوش قال قولته المشهورة: والله لأشفين أبا بكر ألا يورد خيله إلى أرضنا مرة أخرى، وجيش هذا الرجل جيشاً لا مثيل له، جيش جيشاً يزيد على مائتين وأربعين ألف مقاتل، ولما رأى قادة الجيوش المسلمة هذا الجمع الرهيب، أرسلوا إلى خليفة رسول الله إلى أبي بكر يخبروه بالصورة الجديدة والموقف الجديد، أتدرون ماذا قال الصديق ﵁؟ قال: والله لأشفين وساوس الروم بـ خالد بن الوليد، وأصدر الصديق الأوامر إلى قائده المظفر أن ينتقل من العراق من أقصى المشرق فوراً إلى بلاد الشام إلى أقصى المغرب فوراً، وفي أربعة أيام يا عباد الله من طريقٍ وعرٍ مذهل! استطاع خالد بن الوليد أن يكون على جبهة الشام، وأرسل الصديق في ذلك رسالةً إلى قائده البطل إلى خالد بن الوليد، وكانت تحتوي على كلماتٍ عذبة رقيقة، ومما كان في هذه الرسالة أن الصديق قال له: هنيئاً لك أبا سليمان النية والحظوة، لا يدخلنك عجبٌ فتخسر وتُخذل، وإياك أن تمن بعملٍ، فإن الله هو صاحب المن وهو ولي الجزاء، وأمره أن ينطلق مسرعاً إلى إخوانه من القادة في بلاد الشام، وأن يتولي خالد القيادة العامة على أبي عبيدة وإخوانه من القادة، وأرسل الصديق رسالة مماثلةً إلى قائد الجيوش في الشام إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك أما بعد: فلقد أمرت خالد قيادة الجيوش في بلاد الشام، فلا تخالفه يا أبا عبيدة، واسمع له وأطع، وإني لم أبعثه عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وإن كنت عندي أحب إلي منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام.
ولما وصلت الرسالة إلى خالد وكلف فيها من خليفة رسول بالقيادة العامة انظروا إلى الأدب والإخلاص، أرسل خالد بن الوليد رسالة إلى الفور إلى قائد الجيوش في الشام، إلى أخيه أمين هذه الأمة: أبي عبيدة بن الجراح وقال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك أما بعد: فلقد جاءني كتاب خليفة رسول الله ﷺ ، يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام والقيام على جندها والتولي لأمرها، ووالله ما طلبت ذلك يا أبا عبيدة وما أردته، فأنت على حالك التي كنت عليها قبل ذلك لا نخالفك يا أبا عبيدة ونسمع لك ونطيع، فأنت سيد المسلمين، ولا يمكن أن ننسى فضلك ولا نستغني عن أمرك.
بالله ما أورعه! بالله ما أتقاه! بالله ما أنقاه! بالله ما أخلصه! هذه هي القلوب التي تجردت لله، التي لا تبحث عن الزعامة، ولا تريد الصدارة، ولا تريد القيادة، ولو كان على حساب دين الله جل وعلا، لا فرق عند خالد الذي رباه سيد النبيين محمد أن يكون جندياً مطيعاً بعد أن كان قائداً مطاعاً، أو أن يكون قائداً مطاعاً بعد أن كان جندياً مطيعاً، طالما أن راية التوحيد ستظل خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء في عنان السماء.
ووصل خالد بن الوليد إلى إخوانه، والتقت الجيوش المسلمة، وقبل بدء القتال وقف سيف الله يخطب هذه الخطبة العصماء، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه لإخوانه من القادة والجند: إن هذا يومٌ من أيام الله، لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، وإن هذا اليوم له ما بعده، فإن رددناهم اليوم لا نزال نردهم بعد اليوم، وإن هزمونا اليوم لن نفلح بعدها أبداً، -ثم قال-: فتعالوا بنا نتعاور -أي: نتبادل القيادة- فليكن أحدنا اليوم قائداً، وليكن بعد اليوم أحدنا قائداً -وهكذا ثم نظر إليهم خالد - وقال: وأطلب منكم أن تتركوا لي الإمارة في اليوم الأول، وتنازل القادة بمنتهى الحب والرضا للقيادة لأخيهم سيف الله المسلول وفارس الإسلام والمسلمين لـ خالد بن الوليد ﵁، وعاد البطل ينظم صفوف الجيش بطريقته الخالدية التي لا نظير لها في عالم الميادين، وفي عالم القيادة وفن الحروب، ونظم البطل صفوف جيشه، ورسم المسلمون في هذه الموقعة موقعة اليرموك صوراً من البطولة والفداء تبهر القلوب وتأخذ الألباب، فهذا رجلٌ جنديٌ في الصفوف يقترب من أبي عبيدة بن الجراح وينادي عليه في هذه الضجة وفي هذا الضجيج تحت رنين السيوف، ووقع الرماح وصهيل الخيول: يا أبا عبيدة! ويلتفت إليه أبو عبيدة: ماذا تريد؟ فيقول له هذا المسلم النقي: لقد عزمت على الشهادة فهل لك من حاجة أبلغها لرسول الله حين ألقاه، فقال أبو عبيدة: نعم، إذا لقيت رسول الله ﷺ فقل له: يا رسول الله! لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً -في وسط هذه المعمعة- لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً.
وينادي عكرمة بن أبي جهل ﵁ ويقول لنفسه: والله لطالما قاتلت رسول الله قبل أن يشرح الله صدري للإسلام، وهأنا اليوم أفر من الميدان أمام أعداء الله، فينادي بأعلى صوته: يا أصحاب محمد! من يبايع اليوم على الموت؟ ويبايعه كوكبة من الأبرار الأطهار الأخيار، ويدخلون في صفوف المعركة لا يبحثون عن النصر إنما يبحثون عن الشهادة، إنهم أبناء محمد بن عبد الله، إنهم تلاميذ المصطفى ﷺ الذين عرفوا حقيقة الدنيا، وشرف الجهاد في سبيل الله، وبهذه القلوب، وبهؤلاء الرجال أعز الله دينه، وأعلى الله راية توحيده، وأعز الله رسوله ﷺ ، ولن تكون العزة ولا النصرة إلا بهذه القلوب، وإلا على هذه الأيدي الطاهرة، وإلا بهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار الأخيار.
وانتهت المعركة أيها الأحباب: وفي وسط هذه الانتصارات المذهلة، وإذ بـ الصديق ﵁ يودع الدنيا آمناً راضياً مطمئناً ليلقى حبيبه المصطفى ﷺ بعدما أدى الأمانة التي كلف بها، وهنا يتولى عمر الفاروق ﵁ لنرى مرة أخرى، وانتصاراً أعظم من جميع الانتصارات، مع عمر بن الخطاب ﵁، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 24
حياة خالد الحربية بعد إسلامه
من هذه الساعة -أيها الأحباب- سنرى فارس قريش، وصاحب أعنة الخيل فيها، سنرى داهية العرب كافة في دنيا الكر والفر على الإطلاق، يستقبل عالماً جديداً مع رسول الله ﷺ ، ومع أصحابه من المسلمين في المدينة المنورة.
стр. 25
خالد بن الوليد في غزوة مؤتة
بعد شهرين أو ثلاثة فقط ينطلق خالد بن الوليد جندياً في صفوف كتائب التوحيد والإيمان، مع هذا الجيش الذي ذهب لمناطحة الصخور الصماء على حدود الشام في غزوة مؤتة، تلك الغزوة التي خرج النبي ﷺ بنفسه ليختار لها القادة، فقال كما ورد في صحيح البخاري في كتاب المغازي من حديث عبد الله بن عمر قال: (أمَّر رسول الله ﷺ على غزوة مؤتة زيد بن حارثة، ثم قال ﵊: إن قتل زيد فـ جعفر بن أبي طالب، ثم قال ﵊: إن قتل جعفر فـ عبد الله بن رواحة) وانطلق الجيش الذي لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل.
ولما وصل الجيش إلى حدود الشام أذهلتهم المفاجئة الكبرى، فلقد رأوا الروم قد أعدوا لهم وجهزوا جيشاً جراراً يزيد على مائة ألف مقاتل، وهنا تردد المسلمون في القتال! كيف يدخلون هذه المعركة التي لا يمكن على الإطلاق أن نرى فيها ذرة من ذرات التكافؤ العددي والعُددي، وتردد الناس في القتال، مائة ألف إلى ثلاثة آلاف! وهنا قام الشهيد الشاعر صاحب السرير الذهبي: عبد الله بن رواحة ﵁ وأرضاه ووقف في صفوف الجيش منادياً بأعلى صوته وهو يقول: [يا قوم! إن التي تخشون للتي خرجتم تطلبون، إنها الشهادة في سبيل الله، ووالله ما نقاتل عدونا بكثرةٍ ولا عدد، وإنما نقاتل عدونا بهذا الدين الذي أكرمنا به الله ، فانطلقوا.
فإنها إحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة] .
وانطلق الناس للقتال، انطلق ثلاثة آلاف لقتال مائة ألف مقاتل، وتولى القيادة زيد بن حارثة وقاتل حتى قتل وسقط اللواء، فانقض إليه سريعاً جعفر بن أبي طالب وقاتل حتى سقط اللواء وسقط بعده طيار الشهداء، فانقض على اللواء عبد الله بن رواحة ورفع اللواء وقاتل حتى قتل وسقط اللواء، ودب الرعب والذعر في قلوب المسلمين، لا سيما بعد قتل القادة الثلاثة الذين حددهم واختارهم رسول الله ﷺ ، وهنا انقض بسرعة الضوء ثابت بن أقرم ﵁ على اللواء ليرفع اللواء خفاقاً عالياً، وأسرع ثابت بن أقرم ليبحث عن قائد الساعة وبطل الميدان عن أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁، وذهب إليه ثابت وقال: خذ اللواء يا خالد، فقال خالد المؤدب المهذب: لا.
وأبى أن يتقدم، هؤلاء الذين فيهم السابقون من المهاجرين والأنصار، وقال خالد المهذب لـ ثابت بن أقرم: [أنت أولى به مني يا ثابت فأنت من السابقين الأولين، ممن شهدوا بدراً، لست أحق بهذا اللواء منك، فقال ثابت بن أقرم: خذ اللواء يا خالد والله أنت أدرى بالقتال مني، وما أخذت اللواء من على الأرض إلا لك يا أبا سليمان] .
ونادى ثابت بن أقرم في المسلمين بأعلى صوته وقال: [أيها المسلمون! هل ترضون إمرة خالد؟ قالوا: اللهم نعم] واعتلى العبقري جواده بعد أن تحدد مصير المعركة بكل المقاييس، ودب الذعر والرعب، ومات قواد المعركة الثلاثة، وإن شئت فقل: لقد انتهت المعركة، واعتلى العبقري جواده، ودفع الراية عن يمينه كأنما يقرع بها أبواباً مغلقة قد آن لها أن تفتح بإذن الله على يد هذا البطل المغوار.
ونظر العبقري نظرةً سريعة إلى أرض الميدان بعينين كعيني الصقر، وأعاد تنظيم الصفوف، وثبت خالد في هذا اليوم ثبوت الجبال الرواسي، حتى خيم الليل بظلامه، وهنا ظهرت عبقرية خالد، وظهر دهاؤه وبلاؤه وقتاله الذي قال عن نفسه: [والله لقد اندكت في يدي تسعة سيوف في يوم مؤتة] والحديث رواه البخاري، تسعة سيوف تحطمت في يد سيف الله، وأسد الله خالد بن الوليد ﵁.
نظر خالد بن الوليد وفي ظلام الليل وفي سرعة البرق والضوء وعدل صفوف الجيش، فجعل الميمنة مكان الميسرة، وجعل الميسرة مكان الميمنة، وجعل الساقة في المقدمة وأخر المقدمة إلى الساقة، وكلف طائفة من الجنود أن يتأخروا خلف الجيش، وعند مطلع الصباح أمرهم أن يثيروا غباراً، وأن يحدثوا صوتاً وصياحاً وجلبةً وضوضاء.
وفي الصباح الباكر بعدما بزغ الفجر، وجدت كتائب الروم وجوهاً غير الوجوه التي كانت تحاربها بالأمس، ورأت أعلاماً جديدة، ونظرت فوجدت غباراً، وسمعت صيحةً وصوتاً وجلبةً وضجيجاً، فظن الروم أن مدداً جديداً قد أقبل إلى جيوش المسلمين، فدب الرعب في قلوبهم، وبدءوا في الانسحاب المذهل المروع، واستطاع خالد بذكائه وعبقريته أن يفتح ثغرة فسيحة في قلب هذا الجيش العرمرم الكبير الرهيب، وانسحب بجيشه انسحاباً آمناً دون أن يصاب الجيش بأي أذى.
وبلغت البشارة إلى رسول الله ﷺ ممن يعلم السر وأخفى، فلقد وقف الحبيب في المدينة المنورة يقص على المسلمين خبر غزوة مؤتة قبل أن يبلغه الخبر، فلقد أخبره علام الغيوب ﷻ كما ورد في صحيح البخاري من حديث أنس: (وقف النبي ﷺ ينعي للناس قادة غزوة مؤتة وعيناه تذرفان بأبي هو وأمي ﷺ ، فقال ﵊: لقد أخذ الراية زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان ثم قال: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم) وانظروا إلى هذه العبارة النبوية، سمى النبي انتصار خالد فتحاً، وأي نصر؟ وأي فتح؟ ولما خرج المسلمون يقولون لهم: يا فرار قال لهم النبي ﵊: (لا تقولوا هذا ولكنهم الكرار وليسوا الفرار) سمى النبي انتصار خالد فتحاً (حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله) ذلكم هو الوسام الذي عاد خالد إلى المدينة ليعلقه النبي على صدره، والله إنه وسامٌ لا تقوم له الدنيا، ومن يومها أحبتي سمي خالد بن الوليد بسيف الله المسلول.
ولم تمض إلا أشهراً معدودات حتى تقدم النبي في جيشه الكبير الجرار لفتح مكة، وولى النبي خالد بن الوليد وجعله قائداً للميمنة، وها هو خالد يدخل إلى مكة المكرمة قائداً من قواد جيش التوحيد، بعد أن كان بالأمس القريب قائداً من قواد جيش الشرك.
стр. 26
خالد بن الوليد في حروب الردة
مات الحبيب ﷺ ، وتولى الصديق خلافة المسلمين، وتهب أعاصير الردة الغادرة الماكرة، ويجيش الصديق الجيوش، ويدفع الألوية للأمراء والقادة، ومن بين هؤلاء الأمراء والقادة جميعاً يتجه الصديق العبقري الذكي إلى قائد الساعة، وبطل الميدان، إلى سيف الله خالد ويقول له الصديق: (يا خالد! لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد، سيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين) والحديث رواه أحمد، وقال الإمام الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.
وينطلق خالد بن الوليد ليشهد جميع معارك الردة من أولها إلى آخرها، وكانت أخطر معركة في هذه المعارك هي: معركة اليمامة بقيام الدعي الكذاب مسيلمة، الذي نجح في أن يجيش جيوشاً جرارة حتى هزم عكرمة بن أبي جهل هزيمةً منكرة، وأصدر الصديق ﵁ الأوامر إلى قائده المظفر خالد بن الوليد أن ينطلق مسرعاً لقتال مسيلمة.
ويتحرك خالد بن الوليد بجيشه ليلتقي مع أخويه عكرمة بن أبي جهل، وشرحبيل بن حسنة، ويبدأ القتال الذي ليس لضراوته في عالم الحروب نظير، ويسقط الشهداء من المسلمين تباعاً بسرعة مذهلة كصقور حديقة طوحت بها عاصفة عنيدة، ويعتلي العبقري بجواده ربوةً عالية وينظر بعينين كالصقر إلى أرض الميدان والمعركة، ثم يعود خالد ليصرخ بأعلى صوته في جنوده ويقول: [امتازوا اليوم لنرى بلاء كل حي لنعرف من أين تأتي الهزيمة] ودب الحماس، ودبت الغيرة في قلوب الرجال، وصرخ خالد بأعلى صوته في الميدان، ونقل إخلاصه وحماسه إلى قلوب جنوده وإخوانه كما تنقل الكهرباء، وفي دقائق معدودة تحول اتجاه المعركة، وسقطوا الدعي الكذاب مسيلمة، وفر جنوده وسقط جنوده بالمئات بل بالألوف كذبابٍ قتل أنفاس الحياة فيه نفثات مبيدٍ صاعق.
وانتهت المعركة انتهت أكبر معركة في تاريخ الخلفاء انتهت موقعة اليمامة بنصر مؤزر من الله جل وعلا على يد القائد المظفر والبطل الفاتح خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه.
стр. 27
خالد بن الوليد في موقعة القادسية
أيها الأحباب! انتهت حروب الردة في لمحات سريعة، وأصدر الخليفة العظيم المبارك ﵁ وأرضاه أوامره إلى قائده العظيم المبارك أن يترك أرض الجزيرة العربية بعد انتهاء حروب الردة لينتقل إلى بلاد العراق.
ولماذا بلاد العراق؟! لحرب أعظم امبراطورية في بلا الشرق، وللقضاء على امبراطورية فارس.
وينطلق خالد مسرعاً ملبياً أوامر خليفة رسول الله ﷺ في أوائل العام الثاني عشر للهجرة، ويبدأ خالد أعماله الميمونة المباركة في العراق بهذه الكتب التي أرسل بها إلى كسرى، وإلى ولاته وأمرائه في بلاد العراق، واسمعوا إلى هذه الرسالة، وإلى هذا الكتاب الذي أرسل به خالد ﵁ وأرضاه: قال خالد: [بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس، سلام على من اتبع الهدى أما بعد: فالحمد لله الذي فضح دمكم، وسلب ملككم، ووهن كيدكم، من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم له ما لنا وعليه ما علينا، فإن جاءكم كتابي هذا فإني أخيركم بين ثلاثة: إما الإسلام، وإما أن تدفعوا الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وإما الحرب، فوالله الذي لا إله غيره لقد جئتكم بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة] .
الله أكبر ودب الرعب في قلوب أهل فارس، فلقد نُصر خالد بن الوليد بالرعب، وبالإجمال أقول: إن خالد بن الوليد دخل في خمس عشرة موقعة مع الفرس وأوليائهم، ولم يهزم بإذن الله في موقعة واحدة قط، وكانت أخطر معاركه مع أهل الفرس هي: موقعة ذات السلاسل بقيادة هرمز، وفيها قيد الفرس أنفسهم بالسلاسل، حتى يضمنوا ألا يفروا من الميدان أمام ضربات خالد بن الوليد، وانتهت معارك الفرس، ودك خالد بن الوليد عرش الامبراطورية الفارسية في عامٍ واحد، فعل خالد بن الوليد ما عجز الرومان أن يفعلوه في أجيالٍ متتابعة.
وانتهت المعارك في بلاد العراق، وبقي على موسم الحج أسبوعان، فنظر خالد فوجد نفسه فارغاً من القتال، ولكنه حتماً لا يكون فارغاً من طاعة الله ، وفي عزمة خالدية جريئة لا يقوى عليها إلا خالد، صمم خالد في سرية تامة أن ينال شرف أداء فريضة الحج لأول مرة بعدما منَّ الله عليه بهذه الانتصارات المروعة والرائعة، وفي سرعة البرق، ولمحة خاطفة، ينطلق خالد بن الوليد من أقصى العراق إلى أقصى الحجاز ويؤدي فريضة الحج دون أن يشعر به أحد من الأعداء، ودون أن يشعر به أحدٌ من المسلمين في جيشه إلا المقربون من قواده، بل حتى لم يعلم به خليفة رسول الله أبو بكر الذي كان أميراً للحج في هذا الموسم، ويرجع خالد مرةً أخرى إلى موقعه، ولما علم الصديق بذلك عاتبه عتاباً رقيقاً وأمره ألا يعود لمثلها، يقول المؤرخون: تلك عزمة خالدية، وثقة مفرطة لا يقوى عليها إلا خالد.
стр. 28
خالد بن الوليد في موقعة اليرموك
كان الصديق ﵁ بعدما انتهت معارك فارس قد جيش الجيوش إلى بلاد الشام للقضاء على أعظم امبراطورية في الغرب، ألا وهي امبراطورية الروم، وقد اختار الصديق لهذه الجيوش قادةً عظاماً، اختار أبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وجعل الصديق القيادة العامة لجيوش الشام في يد أبي عبيدة ﵁، ولما وصلت الجيوش إلى بلاد الشام، وسمع هرقل امبراطور الروم بهذه الجيوش قال قولته المشهورة: والله لأشفين أبا بكر ألا يورد خيله إلى أرضنا مرة أخرى، وجيش هذا الرجل جيشاً لا مثيل له، جيش جيشاً يزيد على مائتين وأربعين ألف مقاتل، ولما رأى قادة الجيوش المسلمة هذا الجمع الرهيب، أرسلوا إلى أبي بكر يخبروه بالصورة الجديدة والموقف الجديد، أتدرون ماذا قال الصديق ﵁؟ قال: والله لأشفين وساوس الروم بـ خالد بن الوليد، وأصدر الصديق الأوامر إلى قائده المظفر أن ينتقل من العراق من أقصى المشرق فوراً إلى بلاد الشام إلى أقصى المغرب فوراً، وفي أربعة أيام يا عباد الله من طريقٍ وعرٍ مذهل! استطاع خالد بن الوليد أن يكون على جبهة الشام، وأرسل الصديق في ذلك رسالةً إلى قائده البطل خالد بن الوليد، وكانت تحتوي على كلماتٍ عذبة رقيقة، ومما كان في هذه الرسالة أن الصديق قال له: هنيئاً لك أبا سليمان النية والحظوة، لا يدخلنك عجبٌ فتخسر وتُخذل، وإياك أن تمنُّ بعملٍ، فإن الله هو صاحب المنِّ وهو ولي الجزاء، وأمره أن ينطلق مسرعاً إلى إخوانه من القادة في بلاد الشام، وأن يتولي خالد القيادة العامة على أبي عبيدة وإخوانه من القادة، وأرسل الصديق رسالة مماثلةً إلى قائد الجيوش في الشام إلى أبي عبيدة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم [من أبي بكر إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك أما بعد: فلقد أمرت خالد قيادة الجيوش في بلاد الشام، فلا تخالفه يا أبا عبيدة، واسمع له وأطع، وإني لم أبعثه عليك إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وإن كنت عندي أحب إلي منه، أراد الله بنا وبك خيراً والسلام] .
ولما وصلت الرسالة إلى خالد وكلف فيها من خليفة رسول الله بالقيادة العامة، انظروا إلى الأدب والإخلاص، أرسل خالد بن الوليد رسالة إلى الفور إلى قائد الجيوش في الشام، إلى أخيه أمين هذه الأمة: أبي عبيدة بن الجراح وقال فيها: [بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك أما بعد: فلقد جاءني كتاب خليفة رسول الله ﷺ ، يأمرني فيه بالسير إلى بلاد الشام والقيام على جندها والتولي لأمرها، ووالله ما طلبت ذلك يا أبا عبيدة وما أردته، فأنت على حالك التي كنت عليها قبل ذلك لا نخالفك يا أبا عبيدة ونسمع لك ونطيع، فأنت سيد المسلمين، ولا يمكن أن ننسى فضلك ولا نستغني عن أمرك] .
بالله ما أورعه! بالله ما أتقاه! بالله ما أنقاه! بالله ما أخلصه! هذه هي القلوب التي تجردت لله، التي لا تبحث عن الزعامة، ولا تريد الصدارة، ولا القيادة، ولو كان على حساب دين الله جل وعلا، لا فرق عند خالد الذي رباه سيد النبيين محمد أن يكون جندياً مطيعاً بعد أن كان قائداً مطاعاً، أو أن يكون قائداً مطاعاً بعد أن كان جندياً مطيعاً، طالما أن راية التوحيد ستظل خفاقة عالية تعانق كوكب الجوزاء في عنان السماء.
ووصل خالد بن الوليد إلى إخوانه، والتقت الجيوش المسلمة، وقبل بدء القتال وقف سيف الله يخطب هذه الخطبة العصماء، وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه لإخوانه من القادة والجند: [إن هذا يومٌ من أيام الله، لا ينبغي فيه البغي ولا الفخر، وإن هذا اليوم له ما بعده، فإن رددناهم اليوم لا نزال نردهم بعد اليوم، وإن هزمونا اليوم لن نفلح بعدها أبداً -ثم قال-: فتعالوا بنا نتعاور -أي: نتبادل القيادة- فليكن أحدنا اليوم قائداً، وليكن بعد اليوم أحدنا قائداً -ثم نظر إليهم خالد - وقال: وأطلب منكم أن تتركوا لي الإمارة في اليوم الأول] .
وتنازل القادة بمنتهى الحب والرضا للقيادة لأخيهم سيف الله المسلول وفارس الإسلام والمسلمين لـ خالد بن الوليد ﵁، وعاد البطل ينظم صفوف الجيش بطريقته الخالدية التي لا نظير لها في عالم الميادين، وفي عالم القيادة وفن الحروب، ونظم البطل صفوف جيشه، ورسم المسلمون في هذه الموقعة موقعة اليرموك صوراً من البطولة والفداء تبهر القلوب وتأخذ الألباب، فهذا رجلٌ جنديٌ في الصفوف يقترب من أبي عبيدة بن الجراح وينادي عليه في هذه الضجة وفي هذا الضجيج تحت رنين السيوف، ووقع الرماح وصهيل الخيول: [يا أبا عبيدة! ويلتفت إليه أبو عبيدة: ماذا تريد؟ فيقول له هذا المسلم النقي: لقد عزمت على الشهادة فهل لك من حاجة أبلغها لرسول الله حين ألقاه، فقال أبو عبيدة: نعم.
إذا لقيت رسول الله ﷺ فقل له: يا رسول الله! لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً -في وسط هذه المعمعة- لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً] .
وينادي عكرمة بن أبي جهل ﵁ ويقول لنفسه: [والله لطالما قاتلت رسول الله قبل أن يشرح الله صدري للإسلام، وهأنا اليوم أفر من الميدان أمام أعداء الله، فينادي بأعلى صوته: يا أصحاب محمد! من يبايع اليوم على الموت؟] ويبايعه كوكبة من الأبرار الأطهار الأخيار، ويدخلون في صفوف المعركة لا يبحثون عن النصر إنما يبحثون عن الشهادة، إنهم أبناء محمد بن عبد الله، إنهم تلاميذ المصطفى ﷺ الذين عرفوا حقيقة الدنيا، وشرف الجهاد في سبيل الله، وبهذه القلوب، وبهؤلاء الرجال أعز الله دينه، وأعلى الله راية توحيده، وأعز الله رسوله ﷺ ، ولن تكون العزة ولا النصرة إلا بهذه القلوب، وعلى هذه الأيدي الطاهرة، وبهؤلاء الرجال الأطهار الأبرار الأخيار.
وانتهت المعركة أيها الأحباب: وفي وسط هذه الانتصارات المذهلة، وإذ بـ الصديق ﵁ يودع الدنيا آمناً راضياً مطمئناً ليلقى حبيبه المصطفى ﷺ بعدما أدى الأمانة التي كلف بها، وهنا يتولى عمر الفاروق ﵁ لنرى مرة أخرى انتصاراً أعظم من جميع الانتصارات، مع عمر بن الخطاب ﵁.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 29
تنحية خالد من قيادة الجيوش في عهد عمر بن الخطاب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! تولى عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة بعد أبي بكر ﵁، وإذ بـ عمر يرسل على الفور كتاباً يهنئ فيه المسلمين بهذا النصر على أرض الميدان، وينعي إليهم وفاة أبى بكر ﵁، ويخبرهم بخلافته، ويأمر أبا عبيدة بن الجراح أن يتولى القيادة من جديد وأن ينحي خالداً ﵁.
وقيل: إن الرسالة وصلت إلى خالد فأخفاها خالد بن الوليد حتى انتهت المعركة، وبعد انتهاء المعركة ذهب إلى أبي عبيدة ليؤدي إليه تحية الجندي إلى قائده.
وقيل: بأن الذي أخفى الرسالة أبو عبيدة حتى تنتهي المعركة، وبعد المعركة أخبر خالد بن الوليد؛ لنرى انتصاراً هو من وجهة نظري أعظم انتصارٍ لـ خالد بن الوليد مع كل هذه الانتصارات المذهلة التي حققها، ويتنازل خالد بمنتهى الإخلاص والحب عن القيادة التي سطر روعتها وانتصاراتها وعظمتها بيديه، يتنازل لأخيه الأمين أبي عبيدة بن الجراح، فليست العبرة من هو القائد، ولكن القضية أن تظل راية التوحيد خفاقةً عالية، سواء رفعها أبو عبيدة أو خالد أو عمرو أو شرحبيل، المهم أن تظل الراية عالية.
ألا فلنتعلم هذه الدروس يا قادة الجماعات الإسلامية، ويا أبناء الصحوة، ألا فلنعِ هذا الدرس درس التجرد لله جل وعلا، درس الصفاء والإخلاص والنقاء، فإنهم لا يبحثون عن زعامة، ولا يريدون صدارة، ولا يريدون قيادة، المهم أن يظل في الميدان يعمل خالصاً لله، سواء كان قائداً مطاعاً أو جندياً مطيعاً، ووالله لن تكون النصرة إلا بهذه القلوب المتجردة، إلا إذا صفت قلوبنا وتجردت أعمالنا لله جل وعلا.
وهكذا -أيها الأحباب- يرجع خالد بن الوليد بعد تنحيته عن القيادة بأمر عمر.
وأود أن أبين أمراً -وإن كنت قد أطلت- شحنت به كتب التاريخ المزورة، وقد أسيء الظن بـ عمر ﵁، فنرى في كتب التاريخ من يقول: إن عمر قد عزل خالداً ﵄ لضغينة في نفس عمر على خالد، أو لحقد قديمٍ بين عمر وخالد، أو لمنافسة خالد لـ عمر، وهذا كله كذب وافتراء وباطل، وشتان أن تكون هذه القلوب الصافية المتجردة بهذا الظن وبهذا الغبش، ويكفي أن نعلم أن رسول الله ﷺ قد قال في حق عمر: (لقد أجرى الله الحق على لسانه وقلبه) ووالله لقد كان عمر صريحاً واضحاً كالسيف الصارم البتار حينما عزل خالداً ﵁، وأعلن ذلك على الملأ بقوله: [أيها الناس: إني لم أعزل خالداً عن سخطٍ ولا عن خيانة، ولكني رأيت الناس قد فتنوا به، ووكلوا إليه، فخشيت أن يوكلوا إليه، فأردت أن أعلمهم أن الصانع هو الله جل وعلا] ليس النصر من عند خالد، انظروا إلى قلب عمر الذي تجرد وأزهر فيه مصباح التوحيد: [فأردت أن أعلمهم أن الصانع هو الله] ليس النصر من عند خالد ولا بيد خالد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] .
هذه عبقرية عمر الفاروق، وهذا صدق عمر، وهذا توحيد عمر الذي رأى الناس يذهبون إلى الشجرة التي أخذ تحتها بيعة الرضوان، ورأى الناس يذهبون إليها ويتمسحون بها، فخشي عمر بن الخطاب أن يصل الأمر إلى حد الشرك فاجتثها من جذورها، ولما سئل عن ذلك قال: [خشيت أن يتكل الناس عليها وينسون الله جل وعلا] ذلكم هو عمر الفاروق ﵁ وأرضاه.
стр. 30
وفاة خالد بن الوليد
وهكذا أيها الأحباب: ينام سيف الله المسلول على فراش الموت بعد كل هذه المعارك والمشاهد والمواقع والغزوات، ينام على فراش موته في بيته وداره، وتنسكب الدموع غزيرةً على وجنتيه وهو يتلوى ويتألم بعد كل هذه المواقع والغزوات يا خالد تنام على فراش موتك في دارك وفي بيتك، فيبكي خالد بن الوليد ﵁ ويقول: [لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع شبرٍ إلا وفيه ضربةٌ بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء] .
إيهٍ يا بطل، إيهٍ يا بطل الأبطال، إيه يا فجر كل ليل، هأنت ذا قد أتممت مسراك، هأنت ذا قد أتممت كفاحك، هأنت ذا قد أتممت روعتك، هأنت ذا قد أتممت جهادك، فلذكراك المجد يا أبا سليمان، ولسيرتك الخلد يا خالد، ودعنا نردد مع فاروق الأمة عمر الذي نعاك ودموعه تنسكب على وجنتيه غزيرة، نعاك بهذه الكلمات الطيبات الباهرات وهو يقول: [رحم الله أبا سليمان ما عند الله خيرٌ له مما كان فيه، لقد عاش حميداً، ولقي الله سعيداً] رضي الله عن خالد، وصلى الله وسلم وبارك على أستاذه ومعلمه.
وأدعو الله جل وعلا أن يجمعنا بهم في دار كرامته ومستقر رحمته، وأن يقيض لأمة التوحيد قائداً ربانياً يقيمها بكتاب الله وبدين رسول الله ﷺ ، ويقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو على كل شيء قدير.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجميعين.
стр. 31
معاذ بن جبل
إن الحديث عن القدوة أمر بالغ الأهمية، خاصة ونحن نعيش في زمان قلت فيه القدوة، لذا كان حديث الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن الصحابي الجليل: معاذ بن جبل ﵁، أعلم الأمة بالحلال والحرام، والذي أسلم وهو في الثامنة عشرة من عمره وتوفي في الثالثة والثلاثين من عمره، إلا أنه خلال هذه الفترة القصيرة استطاع أن يسطر أمجاده المشرقة على صفحات التاريخ البيضاء، حيث أفنى حياته في الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله، حتى أتاه اليقين من ربه.
стр. 32
أهمية الحديث عن القدوات
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره، ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لأمره، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وعبد ربه حتى لبى داعيه، وجاهد في سبيل ربه حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه، يمشي على شوك الأسى، يخطو على جمر الكيد والعنت، يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل، وقوم المعوج، وأمنَّ الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الخير والحق والإيمان والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا دائماً أبداً في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته إنه ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله: مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى.
أيها الأحبة: لئن كانت شمس النبوة قد أشرقت على أرض الجزيرة، فبددت ظلام شركها، وجعلت ليلها كنهارها، فإن الصحابة كانوا النجوم التي تعلقت بتلك الشمس، ودارت في فلكها، واقتبست من نورها، فإذا بالإسلام يتحول إلى واقع منظور، وإلى مجتمع متحرك، وإن تلك النجوم لا تزال تتألق وتشرق وتنشر نورها على الدنيا، وإن من أعظم واجباتنا أن نتتبع أخبارهم، وأن ننشر على الدنيا عبير سيرتهم العطرة، وأن نقدمهم للبشرية كلها قدوة ومُثلاً عليا؛ خاصةً وأننا نعيش زماناً قلت فيه القدوة من ناحية، واعتزت فيه الأمم والدول برجالها وقاداتها من ناحية أخرى، مع أنه لو وضع هؤلاء إلى جوار عظمائنا ورجالنا لكانوا بمثابة الشمعة التي جاءت لتضيء في حضرة الشمس في رابعة النهار، هذا إن أحسنا الظن بهم -أي بهؤلاء الذين تفخر بهم أممهم ودولهم- إذ أن البشرية اليوم تعظم وتكرم بناءً على المبادئ التي ارتضتها لنفسها، وقد اختلت عندها القيم واضطربت عندها الموازين، فقدم التافهون والفارغون والساقطون ليكونوا القدوة والمثال، وشتان شتان بين نور السها وشمس الضحى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨] نعم أيها الأحبة.
وإننا اليوم على موعد مع كوكب من كواكب المجموعة النبوية، أجل أقولها بملء فمي إننا اليوم على موعد مع كوكب من كواكب المجموعة النبوية الكريمة المباركة، نقدمه اليوم قدوة ومثلاً أعلى لشباب الصحوة الإسلامية بصفة خاصة ولجميع المسلمين بل والله لجميع البشرية كلها بصفة عامة، فأعيروني القلوب والأسماع لنعيش مع هذا البطل، لنعيش مع هذا الشاب.
стр. 33
إسلام معاذ بن جبل
إنه شاب صغير من شباب الصحابة ﵃، شاب أسلم في الثامنة عشرة من عمره، وتوفي في الثالثة والثلاثين من عمره، يا سبحان الله! فمتى استطاع أن يخط على جبين الزمن هذا المجد، ومتى استطاع أن يسطر على صفحات التاريخ هذا الخلود، وهذه السيرة العطرة العبقة.
أقول: شاب أسلم في الثامنة عشرة من عمره وتوفي في الثالثة والثلاثين من عمره، أعيروني القلوب والأسماع لنعيش مع هذا البطل، لنعيش مع هذا الشاب التقي النقي الحيي الكريم.
ففي ليلة من ليالي مكة، الليل دامس، والصمت مخيم، والظلام شامل، والسكون يضفي على الخيام في منى هيبة وإجلالاً ووقاراً، وإذ بكوكبة مضيئة من الأنصار ﵃، يتسللون بين خيام منى تسلل القطا، يتلفتون وكأنهم قد سرقوا الإيمان سرقة، إلى أين أيها الأخيار الأطهار؟ إلى العقبة.
لماذا؟ لمقابلة النبي ﷺ .
من أجل ماذا؟ من أجل البيعة.
ويلتقي هذا الصحب الكريم بالنبي ﷺ ، ويقولون له: على ما نبايعك يا رسول الله؟ فيقول الحبيب ﷺ كما ورد في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري الذي رواه البيهقي وابن إسحاق بسند صحيح، فيقول ﵊: (تبايعوني على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، وعلى أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم وأزواجكم ولكم الجنة) فيقول البراء بن معرور ﵁ كما في حديث كعب بن مالك وهو حديث صحيح، يقول البراء ﵁: [والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أسرنا، فبايعنا يا رسول الله فإنا والله أهل الحرب وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر] ويقطع القول أبو الهيثم بن التيهان ﵁ وأرضاه، فيقول للحبيب ﷺ : [يا رسول الله! إن بيننا وبين القوم -أي: اليهود حبالاً- وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن أظهرك الله جل وعلا أن ترجع إلى قومك وتدعنا] .
فقال النبي ﷺ : (بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أسالم من سالمتم وأحارب من حاربتم) فقال البراء بن معرور: [ابسط يدك يا رسول الله نبايعك] وبسط الحبيب يده الكريمة، يمينه المباركة، وامتزجت القلوب والأيدي في مهرجان حب وولاء لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً، ومن بين هذه الأيدي الكريمة تمتد يد صغيرة وضيئة لشاب كريم المحيا، براق الثنايا، يبهر الأبصار بهدوئه وسمته، فإذا ما تكلم ازدادت الأبصار انبهاراً وتقديراً وإجلالاً واحتراماً.
هذه اليد الكريمة المباركة تمتد من وسط هذه الأيدي الكريمة لتبايع النبي ﷺ بيعة العقبة الثانية، أتدرون يد من هذه؟ إنها يد مقدام العلماء، إنها يد إمام الحكماء، إنها يد سيد الدعاة الأتقياء، إنها يد القارئ القانت، إنها يد المحب الثابت، إنها يد السهل السري، إنها يد السمح السخي، إنها يد معاذ بن جبل، وما أدراك ما معاذ؟! إنه الشاب الذي نقدمه اليوم لشباب الصحوة قدوة، إنه الكوكب الذي نقدمه اليوم للبشرية مثلاً أعلى، الذي أسلم في الثامنة عشرة من عمره، وتوفي في الثالثة والثلاثين من عمره، وبالرغم من ذلك أقول: إنه خط هذا المجد على جبين الزمان، كان غرة في جبين الإسلام، وكان تاجاً بين الصحب الكرام، وكان شامة وعلامة، وكان شعلة من شعل الهداية، وكان داعية من دعاة الحق، إذا تكلم كأنما يخرج من فيه لؤلؤاً ونوراً.
стр. 34
ثناء النبي ﷺ والصحابة على معاذ
إنه معاذ بن جبل الذي لو وقفنا مع تاريخه لتحسرنا على حياتنا، وبكينا دماً بدل الدمع خجلاً وحياءً على ما قدمناه لديننا، وقد مضى بنا قطار العمر إلى مسافات وأعوام ابن الثلاثين من عمره، بل ابن العشرين من عمره.
قصة حياة عجيبة، قصة كفاح رهيبة في هذه السنوات القصار الطوال، معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه، ذلكم الرجل الذي قال عنه فاروق الأمة عمر ﵁، والأثر رواه الحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي، بل وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح، يقول عمر ﵁، وبالله عليكم اسمعوا هذه القولة، وخذوا هذه الشهادة من عمر وما أدراكم ما عمر؟! يقول عمر بن الخطاب ﵁: [من أراد الفقه فليأتِ معاذ بن جبل] .
ابن العشرين! ابن الثلاثين! من أراد الفقه فليذهب إليه من أراد الفقه فليأتِ معاذ بن جبل.
وخذوا قولة ابن مسعود الخالدة، وروى بعضها الإمام البخاري تعليقاً [قرأ ابن مسعود ﵁ يوماً: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾ [النحل:١٢٠] ثم قال ابن مسعود ﵁: إن معاذ بن جبل كان أمة قانتاً لله، كان يعلِّم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ورسوله] إن معاذاً ابن الثلاثين كان أمة، ابن العشرين كان أمة، كان يعلم الناس الخير، وكان مطيعاً لله ورسوله ﷺ .
بل وما هذه الشهادات والأوسمة إلى جوار الأوسمة التي علقها الحبيب ﷺ بيديه الكريمتين المباركتين على صدر ذلكم الشاب.
اسمعوا ماذا قال رسول الله ﷺ ، يقول في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: (خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود -فبدأ به- وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة) خذوا القرآن من معاذ، من هذا الشاب الصغير الكبير العظيم، خذوا القرآن من معاذ بن جبل.
بل ويذكر النبي ﷺ معاذاً يوماً مع الصحابيين الجليلين الكبيرين العظيمين أبي بكر وعمر ﵄، والحديث رواه الترمذي وحسنه، ورواه ابن حبان وصححه من حديث أبي هريرة ﵁، يقول ﷺ : (نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر بن الخطاب، نعم الرجل معاذ بن جبل) .
مع أبي بكر وعمر! (نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر بن الخطاب، نعم الرجل معاذ بن جبل) إنه حقاً رجل.
بل وخذوا هذا الوسام العجيب، وهذه الشهادة الكبيرة من رسول الله ﷺ ، والحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن سعد في الطبقات، وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث عبد الله بن عمر ﵄، يقول ﷺ : (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر بن الخطاب، وأصدقهم حياءً عثمان بن عفان، وأقضاهم -أي: وأعلمهم بالقضاء- علي بن أبي طالب، وأفرضهم -أي: وأعلمهم بالفرائض- زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) .
أعلم الأمة بشهادة رسول الله ﷺ : (وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ﵁.
أعلم الأمة بالحلال والحرام ابن العشرين ابن الثلاثين! ولم لا وقد رباه محمد بن عبد الله؟ ولم لا وقد تخرج في مدرسة الإسلام بين الصحب الكرام ﵃ وأرضاهم؟ بارك الله لهم في أعمارهم وأوقاتهم وأستاذهم ومعلمهم ونبيهم، فكانوا للناس سادة، وللجيوش قادة، وللأفاضل مثلاً عليا، فيظل التاريخ يقف أمام سيرتهم وقفة إعزاز وإجلال وإكبار.
стр. 35
مكانة معاذ في قلب النبي ﷺ
ولقد كانت لـ معاذ بن جبل مكانة خاصة في قلب أستاذه ومعلمه ﷺ ، اسمعوا -أيها الأحبة- إلى هذا الوسام الذي وقفت أمامه مذهولاً مذعوراً مندهشاً! لقد أخذ النبي ﷺ معاذاً من يده يوماً ثم التفت إليه وقال: (يا معاذ! والله إني لأحبك) ما هذا؟! والله إن الحلق ليجف، وإن القلب ليرتعد، وإن الكلمات لتتوارى خجلاً وحياءً أمام القسم العظيم الجليل الكريم الكبير (يا معاذ! والله إني لأحبك) من الذي يقول؟ إنه محمد ﷺ الذي تفانى أصحابه في حبه، بل وتقربوا إلى الله بحبه حباً لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً، ولم لا وقد أحب محمداً ﷺ كل شيء حتى الحجارة؟ ولكن هذا ليس بعجب ولكن العجب العجاب أن يقول إمام الهدى، ومصباح الدجى، وإمام النبيين، وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ لشاب صغير من تلاميذه، ولابن عظيم من أبنائه، يقول: (يا معاذ! والله إني لأحبك.
فيقول معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! والله وأنا لأحبك يا رسول الله.
فيقول الحبيب ﷺ : فإني أوصيك ألا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) والحديث رواه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم وهو حديث صحيح.
فلا تنسَ أن تقول دبر كل صلاة: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) بل لقد بلغت منزلة معاذ عند رسول الله ﷺ أعظم وأكرم من هذا، يا سبحان الله! نعم.
فلقد كان الحبيب ﷺ يردف معاذاً خلفه على ظهر دابة واحدة، يركب النبي ﷺ هو ومعاذ ركوبة واحدة، معاذ يركب خلف رسول الله ﷺ ويكلمه، وينصحه النبي ﷺ وحده، نعم.
وكان معاذ يعرف هذه الكرامة حق قدرها، ويجل هذه المنقبة ويعطيها مكانتها، فيقول معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: (بينما أنا رديف النبي ﷺ يوماً ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال النبي: يا معاذ! فقلت: لبيك رسول الله وسعديك.
فسار النبي ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله وسعديك.
فسار النبي ساعة، ثم قال: يا معاذ! قلت: لبيك رسول الله وسعديك.
فقال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
فقال ﷺ : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.
ثم سار النبي ﷺ ساعة، وقال: يا معاذ! أتدري ما حق العباد على الله إن هم فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: ألا يعذبهم -وفي رواية- ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً.
فقال معاذ: أفلا أبشر الناس يا رسول الله! قال: لا تبشرهم فيتكلوا) .
فحق الله علينا أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، وألا نصرف جزئية من العبادة لأحد غير الله جل وعلا، لأن الذي يستحق جميع أنواع العبادة هو الله ﷻ ، لا توحيد إلا له، ولا إذعان إلا له، ولا انقياد ولا ذبح ولا نذر إلا له، ولا حلف إلا به، ولا طواف إلا ببيته؛ لأنه وحده هو الذي يستحق أن يعبد.
اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن الرجاء إلا فيك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] فإن عبدنا الله جل وعلا حق عبادته، ولم نصرف صغيرة ولا كبيرة من العبادة إلا له جل وعلا؛ أخذ الله الحق على نفسه وليس لأحد حق على الله، بل إن الحق أخذه الله على ذاته ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن حققوا التوحيد وماتوا عليه.
واسمعوا إلى هذا الحوار الكريم بين معاذ بن جبل وأستاذه ومعلمه، هذا الحوار الذي رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة وغيرهم وهو حديث صحيح، يقول معاذ بن جبل لرسول الله ﷺ يوماً: [يا رسول الله! أخبرني عن عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار] أسمعتم إلى هذه الأمنية وإلى هذا الهدف، هذا هو الهدف الذي عاشوا من أجله، وتلك هي الأمنية التي بذلوا من أجلها [يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار] فقال النبي ﵊: (لقد سألت عن عظيم!) ألا تريدون أن تتعلموا الطريقة أيها الأحبة؟ خذوا الجواب من رسول الله ﷺ ، يقول النبي ﷺ : (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه) ما هو الطريق يا رسول الله للجنة وللبعد عن النار؟ فقال ﷺ : (تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ولكن الحبيب ﷺ ، أكاد أحس بأنه يرى أُنساً في حديثه مع معاذ فيقول النبي ﷺ : (يا معاذ! ألا أدلك على أبواب الخير؟ فقال: بلى يا رسول الله.
فقال ﷺ : الصوم جنة -أي: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا النبي قول الله جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦-١٧] ثم قال النبي ﷺ : يا معاذ! ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: بلى يا رسول الله.
قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله.
ثم قال النبي ﷺ : يا معاذ! ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ النبي ﷺ بلسان نفسه وقال: كُفّ عليك هذا.
فقال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) .
ياله من حوار كريم! يا لها من مدرسة! ويا لهم من تلاميذ! أسمعت -أيها الحبيب- إلى هذا الحوار المبارك الذي علمنا الكثير والكثير؟! ولو توقفنا عند كلماته لاحتجنا بلا مبالغة إلى عشر جمع، بل والله إلى أكثر، حوار بين أستاذ وتلميذ، بين أستاذ الإنسانية ومعلم البشرية محمد بن عبد الله ﷺ ، وبين تلميذ شرب من هذا النبع الصافي الكريم، ودار في فلك شمس النبوة المشرقة التي لا تغيب إلى يوم القيامة.
стр. 36
معاذ بن جبل وقيامه بواجب الدعوة والجهاد
لما جاءت رسل ملوك اليمن في أوائل العام العاشر، بعد عودة النبي ﷺ من غزوة تبوك، وطلبوا من رسول الله أن يرسل معهم من يعلمهم دينهم، ومن يفقههم في إسلامهم، وهنا وقعت عين النبي ﷺ على الداعية العظيم، على القارئ القانت، والمحب الثابت، على الفقيه العلم، على الشاب ابن العشرين أو ابن الثلاثين، على معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه، يرسله النبي ﷺ أميراً للدعاة في اليمن ليدعو إلى الله جل وعلا.
стр. 37
معاذ بن جبل والدعوة إلى الله
يخرج النبي ﷺ بنفسه مع معاذ بن جبل، ويمشي النبي ﷺ بجانب راحلته، ومعاذ راكب ويوصيه ويبذل له الوصايا التي تتناثر من فيه كحبات اللؤلؤ، بأبي هو وأمي ﷺ ، ليرسم له الطريق، ويحدد له المنهج للدعوة الصحيحة التي ينبغي أن يسير على منوالها كل داعية صدوق، والحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما فيقول له: (يا معاذ! إنك تأتي قوماً أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله جل وعلا قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .
ويمضي البطل، ويمضي الفقيه الشاب بهذه الوصايا الغالية في قلبه وفؤاده وعقله وبين جوانحه ليسير عليها ولا يحيد عنها قيد أنملة، لأنها وصايا وتعاليم أستاذه ومعلمه ﷺ ، ويودع النبي ﷺ وداعاً مؤثراً لماذا؟ لأن النبي ﷺ مشى طويلاً مع معاذ وكأني والله أحس أن النبي ﷺ إنما أراد أن يملأ عينه من معاذ، فطال النبي ﷺ في مشيه مع معاذ، وأخيراً نظر إليه وقال: (يا معاذ! عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري) وانفجرت الدمعات وانحدرت على وجنتي معاذ كحبات لؤلؤ، بكى ﵁، يخبره أستاذه وحبيبه بأنه قد لا تكتحل عينه بعد اليوم برسول الله ﷺ ، ويبكي معاذ بل ويبكي بكاءً طويلاً، ويأمره النبي ﷺ أن يكف عن البكاء، وإيه والله بأبي هو وأمي، انطلق معاذ بن جبل وما عاد إلى المدينة إلا بعد أن مات الحبيب ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .
стр. 38
معاذ بن جبل والجهاد في سبيل الله
ويرجع معاذ بن جبل إلى المدينة لأول مرة حتى لا يرى فيها أستاذه ومعلمه وحبيبه، يمر على قبر أستاذه ومعلمه ووالله إني لأحس بحالة معاذ حينئذٍ يوم دخل المدينة أول مرة يوم دخل المدينة ليقف أمام قبر النبي ﷺ ، بعد أن تركه بالأمس القريب يكلمه ويحدثه، وينظر معاذ إلى خليفة رسول الله ﷺ ، إلى أبي بكر ﵁ ويستأذنه ألا يقيم في المدينة، وأن يرجع على الفور إلى بلاد الشام ليجاهد في سبيل الله، لعل الله أن يرزقه الشهادة.
ونتوقف مع معاذ عند هذا القدر، لنكمل ما بقي من كلمات قليلات بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة: ويأذن الصديق ﵁ لـ معاذ أن يخرج للجهاد في سبيل الله في الشام، وينطلق معاذ بن جبل ليجاهد تحت إمرة أبي عبيدة ﵁ وأرضاه، وقدر الله لـ أبي عبيدة أن يموت بالوباء والطاعون، ويأمر عمر بن الخطاب بعد موت أبي بكر أن يتولى القيادة العامة لجند الشام معاذ بن جبل، ويتولى معاذ القيادة العامة لجند الشام ولكن قدر الله جل وعلا شيئاً آخر فلم يمض غير قليل حتى ابتلي معاذ نفسه بهذا الوباء وذلكم الطاعون.
стр. 39
وفاة معاذ بن جبل
نام معاذ بن جبل ذلكم الشاب الوضيء الكريم المحيا، البراق الثنايا، الفقيه العلم، نام على فراش الموت في الثالثة والثلاثين من عمره، وينظر إلى أصحابه من حوله ويقول: [انظروا هل أصبحنا؟ فيخرجون ويقولون: كلا.
فيسألهم مرة أخرى: انظروا هل أصبحنا؟ فيرجعون ويقولون: نعم.
لقد أصبحنا، فيقول معاذ بن جبل [أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار] .
يا سبحان الله! معاذ الشاب الذي نشأ في الإسلام، شاب نشأ في عبادة الله، وعلى طاعة الله، أسلم يا أحبتي في الثامنة عشرة، وهاهو الآن يسلم الروح إلى خالقها جل وعلا في الثالثة والثلاثين، حياته كلها شرف، كلها فخر، كلها عزة، كلها طاعة، ينام على فراش الموت، ويقول: [أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار] .
ثم جعل يقول: [مرحباً بالموت مرحباً، زائر جاء بعد غيبة، وحبيب جاء على فاقة، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك ولكني اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنني لم أحب الدنيا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر] .
وفاضت روحه الطاهرة ليلقى الأحبة محمداً وصحبه، رضي الله عن معاذ، وصلى الله على أستاذه ومعلمه، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم معهم في دار كرامته، ومستقر رحمته إنه ولي ذلك ومولاه.
أيها الأحبة في الله: هذه قدوتنا، وهذه مثلنا في وقت قدم فيه التافهون والفارغون والساقطون ليكونوا القدوة والمثل، أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن ينهلون من هذا النبع الصافي الكريم، وممن يسيرون ويقتفون أثر هؤلاء الأطهار الأخيار الأبرار، وأن يرزق الأمة -وهو على كل شيء قدير- بأمثال هؤلاء، عسى أن يتقبل الله منا هذا الدعاء.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أقر أعيننا بنصرة دينك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه، برحمتك يا أرحم الراحمين! وارزقهم اللهم البطانة الصالحة الناصحة الخيرة، أنت ولي ذلك والقادر عليه، وأنت على كل شيء قدير.
أحبتي في الله: أكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا ونبينا محمد ﷺ ، فإن الله جل وعلا قد أمرنا بذلك في محكم تنزيله فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهوٍ أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 40
الإمام الشافعي
الإمام الشافعي علم من أعلام الأمة وآية في الحفظ والفهم والزهد، فقد حفظ كتاب الله تعالى وعمره سبع سنوات، ثم تعلم العربية الفصيحة من قبيلة هذيل.
ثم حفظ موطأ مالك وجد واجتهد، وتنقل وارتحل في طلب العلم حتى حصّل الشيء الكثير.
следующие страницы →