Полный текст (202 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
معاذ بن جبل وقيامه بواجب الدعوة والجهاد
لما جاءت رسل ملوك اليمن في أوائل العام العاشر، بعد عودة النبي ﷺ من غزوة تبوك، وطلبوا من رسول الله أن يرسل معهم من يعلمهم دينهم، ومن يفقههم في إسلامهم، وهنا وقعت عين النبي ﷺ على الداعية العظيم، على القارئ القانت، والمحب الثابت، على الفقيه العلم، على الشاب ابن العشرين أو ابن الثلاثين، على معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه، يرسله النبي ﷺ أميراً للدعاة في اليمن ليدعو إلى الله جل وعلا.
стр. 37
معاذ بن جبل والدعوة إلى الله
يخرج النبي ﷺ بنفسه مع معاذ بن جبل، ويمشي النبي ﷺ بجانب راحلته، ومعاذ راكب ويوصيه ويبذل له الوصايا التي تتناثر من فيه كحبات اللؤلؤ، بأبي هو وأمي ﷺ ، ليرسم له الطريق، ويحدد له المنهج للدعوة الصحيحة التي ينبغي أن يسير على منوالها كل داعية صدوق، والحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما فيقول له: (يا معاذ! إنك تأتي قوماً أهل كتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله جل وعلا قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .
ويمضي البطل، ويمضي الفقيه الشاب بهذه الوصايا الغالية في قلبه وفؤاده وعقله وبين جوانحه ليسير عليها ولا يحيد عنها قيد أنملة، لأنها وصايا وتعاليم أستاذه ومعلمه ﷺ ، ويودع النبي ﷺ وداعاً مؤثراً لماذا؟ لأن النبي ﷺ مشى طويلاً مع معاذ وكأني والله أحس أن النبي ﷺ إنما أراد أن يملأ عينه من معاذ، فطال النبي ﷺ في مشيه مع معاذ، وأخيراً نظر إليه وقال: (يا معاذ! عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري) وانفجرت الدمعات وانحدرت على وجنتي معاذ كحبات لؤلؤ، بكى ﵁، يخبره أستاذه وحبيبه بأنه قد لا تكتحل عينه بعد اليوم برسول الله ﷺ ، ويبكي معاذ بل ويبكي بكاءً طويلاً، ويأمره النبي ﷺ أن يكف عن البكاء، وإيه والله بأبي هو وأمي، انطلق معاذ بن جبل وما عاد إلى المدينة إلا بعد أن مات الحبيب ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .
стр. 38
معاذ بن جبل والجهاد في سبيل الله
ويرجع معاذ بن جبل إلى المدينة لأول مرة حتى لا يرى فيها أستاذه ومعلمه وحبيبه، يمر على قبر أستاذه ومعلمه ووالله إني لأحس بحالة معاذ حينئذٍ يوم دخل المدينة أول مرة يوم دخل المدينة ليقف أمام قبر النبي ﷺ ، بعد أن تركه بالأمس القريب يكلمه ويحدثه، وينظر معاذ إلى خليفة رسول الله ﷺ ، إلى أبي بكر ﵁ ويستأذنه ألا يقيم في المدينة، وأن يرجع على الفور إلى بلاد الشام ليجاهد في سبيل الله، لعل الله أن يرزقه الشهادة.
ونتوقف مع معاذ عند هذا القدر، لنكمل ما بقي من كلمات قليلات بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: أيها الأحبة: ويأذن الصديق ﵁ لـ معاذ أن يخرج للجهاد في سبيل الله في الشام، وينطلق معاذ بن جبل ليجاهد تحت إمرة أبي عبيدة ﵁ وأرضاه، وقدر الله لـ أبي عبيدة أن يموت بالوباء والطاعون، ويأمر عمر بن الخطاب بعد موت أبي بكر أن يتولى القيادة العامة لجند الشام معاذ بن جبل، ويتولى معاذ القيادة العامة لجند الشام ولكن قدر الله جل وعلا شيئاً آخر فلم يمض غير قليل حتى ابتلي معاذ نفسه بهذا الوباء وذلكم الطاعون.
стр. 39
وفاة معاذ بن جبل
نام معاذ بن جبل ذلكم الشاب الوضيء الكريم المحيا، البراق الثنايا، الفقيه العلم، نام على فراش الموت في الثالثة والثلاثين من عمره، وينظر إلى أصحابه من حوله ويقول: [انظروا هل أصبحنا؟ فيخرجون ويقولون: كلا.
فيسألهم مرة أخرى: انظروا هل أصبحنا؟ فيرجعون ويقولون: نعم.
لقد أصبحنا، فيقول معاذ بن جبل [أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار] .
يا سبحان الله! معاذ الشاب الذي نشأ في الإسلام، شاب نشأ في عبادة الله، وعلى طاعة الله، أسلم يا أحبتي في الثامنة عشرة، وهاهو الآن يسلم الروح إلى خالقها جل وعلا في الثالثة والثلاثين، حياته كلها شرف، كلها فخر، كلها عزة، كلها طاعة، ينام على فراش الموت، ويقول: [أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار] .
ثم جعل يقول: [مرحباً بالموت مرحباً، زائر جاء بعد غيبة، وحبيب جاء على فاقة، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك ولكني اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أنني لم أحب الدنيا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر] .
وفاضت روحه الطاهرة ليلقى الأحبة محمداً وصحبه، رضي الله عن معاذ، وصلى الله على أستاذه ومعلمه، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم معهم في دار كرامته، ومستقر رحمته إنه ولي ذلك ومولاه.
أيها الأحبة في الله: هذه قدوتنا، وهذه مثلنا في وقت قدم فيه التافهون والفارغون والساقطون ليكونوا القدوة والمثل، أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن ينهلون من هذا النبع الصافي الكريم، وممن يسيرون ويقتفون أثر هؤلاء الأطهار الأخيار الأبرار، وأن يرزق الأمة -وهو على كل شيء قدير- بأمثال هؤلاء، عسى أن يتقبل الله منا هذا الدعاء.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أقر أعيننا بنصرة دينك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه، برحمتك يا أرحم الراحمين! وارزقهم اللهم البطانة الصالحة الناصحة الخيرة، أنت ولي ذلك والقادر عليه، وأنت على كل شيء قدير.
أحبتي في الله: أكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا ونبينا محمد ﷺ ، فإن الله جل وعلا قد أمرنا بذلك في محكم تنزيله فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهوٍ أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 40
الإمام الشافعي
الإمام الشافعي علم من أعلام الأمة وآية في الحفظ والفهم والزهد، فقد حفظ كتاب الله تعالى وعمره سبع سنوات، ثم تعلم العربية الفصيحة من قبيلة هذيل.
ثم حفظ موطأ مالك وجد واجتهد، وتنقل وارتحل في طلب العلم حتى حصّل الشيء الكثير.
стр. 41
الإمام الشافعي من أئمة علماء المسلمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه نستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أما بعد: أحبتي في الله! فمع اللقاء السادس عشر مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، تلك السلسلة الكريمة التي نقدمها لأبناء الصحوة خاصة وللمسلمين عامة، لنبرز من خلالها القدوة الصالحة الطيبة، ولنبين من خلالها المثل العليا في وقت قلَّت فيه القدوة، بل وقدم فيه الفارغون والتافهون ليكونوا القدوة والمثال، ولنصحح من خلالها -أيضاً- بعض حقائق التاريخ التي شوّهت وحرّفت وبدّلت، لا سيما بعد فترة التغريب الطويلة التي مسخت الهوية وأضعفت الانتماء.
أحبتي في الله! إننا اليوم على موعد مع إمام كبير من الأئمة، وهاهي الأيام تمر، والأشهر تجري وراءها، تسحب معها السنين وتجر خلفها الأعمار، وتطوى حياة جيل بعد جيل، ومن الناس من تفارقنا أجسادهم وأبدانهم، وتبقى سيرتهم حية متحركة فاعلة عاملة، تنشر على الدنيا ربيع علمهم، وعبير فضلهم، وحسن خلقهم، ومع أننا نعيش عصراً حال فيه ضباب المادة، وغيوم المدنية الزائفة عن رؤية صفاء السماء، وما يشرق فيها من شموس وأقمار، وما يلتمع فيها من نجوم وكواكب، أقول: مع هذا كله إلا أن هناك من الأقمار والنجوم ما يبدد نوره ذلك الضباب، وما يخترق نوره تلك الغيوم ليبقى هذا الكوكب وهذا النجم متألقاً مشرقاً ينشر على الدنيا نوره، وينثر على الأرض وعلى الناس ضياءه.
ولم لا وهؤلاء حقاً أقمارٌ ساطعة تستمد نورها دائماً وأبداً من شمس النبوة، تلك الشمس الكريمة التي لا يغيب نورها ولا يخبو ضيائها.
أحبتي في الله! إننا اليوم على موعد مع إمام كبير من هذا الطراز، مع إمام أراني الآن وأنا أقدمه لحضراتكم في هذه الدقائق المعدودات معدداً مناقبه وفضائله ومآثره، أراني الآن كمن يدل على إشراق الصباح بمصباح، أين نور السها من شمس الضحى، ولم لا وقد قال عنه تلميذه الوفي الذكي النجيب إمام أهل السنة الإمام أحمد: كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل ترى لهذين من عوض أو هل ترى لهما من خلف.
إنه فقيه الملة وناصر السنة وسيد أهل زمانه، الذي حاز المراتب العالية، وفاز بالمناقب السامية، فهو العالم بالقرآن وعلومه -انتبهوا فهذه رءوس أقلام لا يتسع الوقت لشرحها مفصلة- العالم بالحديث وأصوله، العالم بالفقه وقواعده، العالم باللغة والأدب والشعر وفرائده، العالم بالأنساب وأيام الناس، بل العالم بالطب في زمانه، العابد الزاهد التقي النقي، القرشي ثم المطلبي محمد بن إدريس الشافعي.
إننا اليوم على موعدٍ مع الإمام الشافعي، ووالله إني لأحس بخجل شديد وأنا أريد اليوم أن أقدم لحضراتكم الشافعي في هذه الدقائق المعدودات المعلومات، فمن هو الشافعي؟ تعالوا بنا سريعاً لنعيش مع حياة هذا العلم.
стр. 42
مولد الشافعي وحياته العلمية
ولد الشافعي سنة مائة وخمسين من الهجرة بمدينة غزة على أصح الأقوال لأهل العلم، ولما بلغ الشافعي سنتين انتقلت به أمه الفقيهة العالمة الحكيمة بعد موت أبيه إلى مكة زادها الله تشريفاً وتعظيماً وإجلالاً وتكريماً.
وفي ظلال الكعبة، وبين ربوع بيت الله الحرام نشأ الإمام الشافعي، وفي سنٍ مبكرة جداً دفعت أم الشافعي الشافعي إلى شيخ من شيوخ الحرم المكي ليحفظه القرآن الكريم، فحفظ الشافعي القرآن كله في السابعة من عمره، ثم انتقل بعد ذلك إلى طلب العلم الشرعي بشغف شديد، وحافظة عجيبة، وذهن وقاد وحاد على يد أول أستاذ له وهو شيخ الحرم المكي حينذاك، الإمام العلم: مسلم بن خالد الزنجي رحمه الله تعالى.
стр. 43
رحلة الشافعي إلى الإمام مالك في المدينة
يقول الشافعي نفسه: ثم انتقلت بعد ذلك من مكة إلى قبيلة هذيل لأتعلم منها اللغة العربية، فلقد كانت قبيلة هذيل أفصح العرب بياناً ولغة وكلاماً، يقول: فرجعت بعد ذلك إلى مكة لأردد الأشعار وأذكر الآداب والأخبار وأيام العرب، فلقيني رجل من الزبيريين من بني عمي فقال لي: يا أبا عبد الله! والله إنه ليعز عليَّ ألا يكون مع هذه البلاغة والفصاحة والذكاء فقه.
يقول الشافعي: فقلت له: فمن من العلماء نقصده لطلب الفقه؟ يقول الشافعي: فقال لي هذا الرجل: تقصد سيد المسلمين مالك بن أنس في مدينة رسول الله ﷺ .
يقول: فوقعت هذه القولة في قلبي -انتبهوا يا طلبة العلم- يقول الشافعي: فذهبت إلى رجل من أهل مكة علمت أنه يحوي عنده موطأ الإمام مالك، يقول: فذهبت إليه واستعرت منه الموطأ وعكفت عليه، فحفظت الموطأ عن ظهر قلب في تسع ليالٍ، حفظ القرآن وعمره سبع سنين، وحفظ موطأ الإمام مالك في تسع ليالٍ لا في تسع سنين، يقول: فلما انتهيت من حفظ الموطأ أخذت رسالة من والي مكة ومن شيخي وذهبت إلى الإمام مالك، وقص الشافعي رحلة طويلة جميلة عذبة لا يتسع الوقت لسردها.
وقال بإيجاز شديد: وصلت إلى الإمام مالك فلما كلمته، وأعجب الإمام مالك بذكائه وفصاحته ولغته وبيانه وإعرابه، قال مالك لهذا: يا غلام! ما اسمك؟ قال: محمد.
فقال: مالك: يا محمد! إني أرى الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية، فإني أرى أنه سيكون لك شأن كبير إن شاء الله .
ثم قال مالك للشافعي: يا فتى إذا كان الغد تجيء ويجيء من يقرأ لك الموطأ.
فقال الشافعي: أنا قارئ، أنا أقرأ إن شاء الله تعالى.
يقول: فلما كان الغد أخذت الموطأ في يدي وجلست بين يدي شيخي مالك، وأخذت أقرأ عليه الموطأ من حفظي، وكلما نظرت إلى مالك وتهيبت مالكاً -وكان مالك قد أعجب ببلاغتي وقراءتي وحسن إعرابي- فكلما أردت أن أنهي القراءة في الموطأ نظر إليَّ مالك وقال: زد يا فتى زد يا فتى زد يا فتى، حتى أنهيت الموطأ كله في أيامٍ يسيرة.
ثم بعد ذلك، لا تظنوا أن الشافعي أخذ عن مالك الموطأ فقط، وإنما أخذ عنه كل ما عنده من حديث رسول الله ﷺ ، لأنني ذكرت آنفاً في اللقاء الماضي -ونحن نتحدث عن مالك - أن الحديث الذي كان يحفظه مالك ليس هو الموطأ فحسب، فأخذ الشافعي الحديث عن الإمام مالك، وأخذ عنه الفقه وفتاوى الصحابة وعمل أهل المدينة رضوان الله عليهم جميعاً.
ولبث الإمام الشافعي في المدينة المنورة ملازماً لشيخه ملازمة الظل لصاحبه حتى توفى الله مالكاً ﵁، ولم يكتفِ الشافعي بعلم مالك، وإنما رحل إلى شيوخ المدينة -وكانت المدينة حينئذٍ تزخر بالأئمة الأعلام والشيوخ الكبار- وأخذ العلم عنهم جميعاً.
стр. 44
رحلة الشافعي إلى اليمن
ولما توفي الإمام مالك رحل الشافعي مرة أخرى إلى بلد الله الحرام إلى مكة المكرمة، وما لبث الشافعي في مكة إلا قليلاً، ثم رحل الشافعي مرة أخرى إلى بلاد اليمن لطلب العلم، -والله ما كانوا يركبون طيارات، ولا سيارات مكيفة، وإنما يركبون الدواب، إما على الحمار أو على الحصان أو على البغلة ويمشون تحت وهج هذه الشمس الخارقة، ينخفضون في وادٍ ويرتفعون على جبل، أما الآن وقد يسرت لنا بفضل الله جل وعلا جميع وسائل وأدوات طلب العلم إلا أننا نرى تكاسلاً رهيباً، وفرقاً شاسعاً، وبوناً كبيراً بيننا وبين هؤلاء الكرام- رحل الشافعي إلى اليمن، وما لبث الشافعي إلا قليلاً حتى انتشر ذكره، وعلا قدره، وظهر فضله على جميع الشيوخ والعلماء وهو الذي ذهب طالباً للعلم حتى قال له شيخه مسلم بن خالد الزنجي حينما عاد من المدينة إلى مكة، قال له: افتِ يا أبا عبد الله، فإنك الآن أهل للفتيا، وهو غلام حدث صغير.
فاق الشافعي أقرانه بل وشيوخه في اليمن، وكان على اليمن والٍ يقال له: حماد البربري، من قبل خليفة المسلمين هارون الرشيد، وكان ظلوماً غشوماً جهولاً يظلم الناس، ولم يصبر الشافعي على هذا، فكثيراً ما كان يندد بظلمه في مجالس علمه، فلما سمع هذا الوالي بذلك، أرسل رسالة إلى خليفة المسلمين هارون الرشيد في بغداد يقول له: إن عندنا رجلاً من ولد شافع المطلبي لا أمر لي معه ولا نهي، فأصدر الخليفة أمراً لهذا الوالي أن يرسله إلى بغداد، وكبل هذا الوالي الشافعي في الحديد والقيود بتهمة الخروج على الدولة -بدعة قديمة حديثة- وذهب به إلى خليفة المسلمين في بغداد التي كانت عاصمة الخلافة حينئذٍ.
فلما دخل الشافعي على هارون، قال الشافعي: مهلاً يا أمير المؤمنين، فأنت الراعي وأنا المرعي، وأنت القادر على كل ما تريد مني، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما تقول في رجلين، أحدهما يراني أخاه، والآخر يراني عبداً له، أيهما أحب إلي؟ قال هارون: الذي يراك أخاه أحب إليك.
فقال الشافعي: فهو أنت يا أمير المؤمنين، فإنكم ولد بني العباس، وإننا إخوتكم من بني المطلب، وأنتم تروننا إخوة لكم وهم يروننا عبيداً لهم، فهل يعقل أن أترك من يقول: إني ابن عمه، وأن أذهب إلى من يقول إني عبد له، فاستوى هارون في مجلسه وعلم أنه أمام عالم فذ، وأمام واعظ كبير.
ونظر إليه هارون وسعِد سعادة غامرة وقال له: عظني، فوعظه الشافعي حتى أبكاه واخضلت لحيته بالبكاء الشديد، وأمر له هارون بعطاء كبير جداً، يقول الشافعي: والله ما ملكت من قبلها ألف دينار، وعاش الشافعي في بغداد معززاً مكرماً يعلم الناس ويفتيهم، وينشر العلم بينهم، ولم يلبث فيها إلا قليلاً حتى عاد مرة أخرى إلى مكة زادها الله تشريفاً وتكريماً.
стр. 45
رجوع الشافعي إلى مكة
كان الشافعي قد وصل إلى مرحلة فريدة في العلم، فجلس الشافعي في مكة يؤصل الأصول، ويقعد القواعد، واتخذ له حلقة في مسجد الله الحرام، جمعت إليه الناس ولفتت إليه الأنظار، وازدحمت حلقة الشافعي ازدحاماً عجيباً، حتى إن الإمام أحمد إمام أهل السنة جاء حاجاً من بغداد من بلاد العراق إلى مكة المكرمة شرفها الله، فترك الإمام أحمد حلقة شيخ الشافعي سفيان بن عيينة، وعكف في حلقة الشافعي، بل ولم يكتفِ الإمام بهذا، إنما ذهب إلى أخيه وصاحب رحلته إسحاق بن راهويه وقال: تعال يا إسحاق أريك رجلاً بـ مكة ما رأت عيناك مثله، يقول إسحاق: فأراني أحمد الشافعي.
وأُعجب الإمام أحمد بذكاء وعلم الشافعي إعجاباً رهيباً، لأنه يسمع أصولاً وقواعد لأول مرة يسمعها وغيره من أهل العلم، فإن أول من أصَّل الأصول وقعد القواعد هو الإمام الشافعي ﵁ وأرضاه، حتى قال أحمد قولته الخالدة الجميلة: لولا الشافعي ما تعلمنا فقه الحديث، وقال: كان الفقه مغلقاً على أهله حتى فتحه الله بـ الشافعي، وقال: ما من أحد مس محبرة ولا قلماً بعد الشافعي إلا وله في عنقه منّة، وقال: والله ما أعلم أحداً أعظم منة وبركة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي.
стр. 46
إجلال العلماء للشافعي وبعض أقوالهم فيه
لما ذهب الشافعي لزيارة الإمام أحمد وهو على فراش المرض -بعدما رحل الشافعي إلى العراق رحلته الثانية مرض أحمد - وكان الشافعي يحبه، كما كان أحمد يحب أستاذه الشافعي، يقول صالح بن الإمام أحمد: وكان أبي عليلاً نائماً في فراشه، فلما دخل عليه الشافعي وجدت أبي قد وثب من فراشه وقام إلى الشافعي وقبله بين عينيه وأجلسه في مكانه وجلس أبي بين قدميه، وجعل أبي يسائله ساعة، فلما قام الشافعي ليركب دابته، قام أبي وأخذ بخطام الدابة يقودها للشافعي، فلما علم يحيى بن معين جاء إلى الإمام أحمد وقال: يا أبا عبد الله! أضطرك الأمر إلى أن تجر خطام بغلة الشافعي؟! -إلى أن تمشي إلى جوار بغلة الشافعي - فقال أحمد: نعم يا أبا زكريا، ولو مشيت أنت من الجانب الآخر لانتفعت كثيراً، والله من أراد الفقه فليلزم الشافعي، حتى جلس الإمام أحمد يوماً في مجلس علمه فقال لطلبته: ما ترون هذا أو عامته -أي: من علمٍ- فإنما هو من الشافعي، ثم قال: والله ما بتُّ منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو الله للشافعي، حتى قال له ولده عبد الله يوماً: يا أبتِ! من هذا الشافعي الذي أراك تكثر الدعاء له؟ فقال الإمام أحمد: يا بني إن الشافعي كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو لهما من عوض.
هذا قول الإمام أحمد -وهو من هو- في أستاذه الشافعي.
وقال فيه أيضاً إمام الجرح والتعديل يحيى بن سعيد القطان: "والله ما رأيت أعقل ولا أفقه من الشافعي " وقال الإمام العلم أبو القاسم عبيد الله بن سلام: والله ما رأيت أفقه ولا أفهم من الشافعي، ولو استطردت مع أقوال الأئمة من أئمة الجرح والتعديل لطال بنا المقام، وكفانا أن نستمع إلى قول أحمد في الشافعي ﵄ بل وعنهم جميعاً.
وهكذا أيها الأحبة! اشتهر ذكر الشافعي وعلا فضله، وسما قدره، وحكم له شيوخه وأساتذته بالفضل، حتى كان الشافعي يجلس في حلقة شيخه سفيان بن عيينة فإذا ما جدت مسألة لـ سفيان نظر سفيان إلى الشافعي وسأله عنها فأجاب الشافعي، فسعد سفيان بإجابة الشافعي وقال قولته التي تكررت كثيراً: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله، والله لا يأتينا منك إلا ما هو خير، هذه شهادة من أستاذه الذي جلس الشافعي في حلقته ليجيب بدله يوماً من الأيام.
стр. 47
رحلة الشافعي إلى مصر
أيها الأحبة! وبعد فترة قليلة رحل الشافعي في سنة مائتين -هذا بإيجاز شديد- إلى مصر، وهذه الفترة تعتبر من أهم الفترات العلمية والفقهية في حياة الإمام الشافعي، حيث أعاد النظر في بعض كتبه كالرسالة، وكتاب الحجة، وألف الشافعي في مصر كتابه الشهير المعروف بكتاب الأم، وهو عبارة عن كتاب ضخم يحوي كتباً كثيرة ألفها الإمام الشافعي في مصر، ولذا إذا قرأتم في كتاب من الكتب قاله الإمام الشافعي في القديم، فاعلموا أن هذا ما قاله الشافعي في بلاد العراق، وإذا قرأتم: قاله الشافعي في الجديد، فاعلموا أن هذا ما قاله الشافعي في مصر، وهذا دأب العالم المخلص المتجرد الذي يدور مع الدليل الصحيح ومع الحق حيث دار، ولا عيب في ذلك -على الإطلاق- على الإمام الشافعي، فقد يدلل بدليل ثم بعد ذلك يتضح له أن هذا الدليل دليل ضعيف، فيعرض عنه، ويأتي بدليل صحيح آخر، وهذا دأب العلماء المخلصين المتجردين لله جل وعلا، الذين يدورون مع الدليل الصحيح حيث دار، ويدورون مع الحق دائماً وأبداً حيث دار.
وانتشر ذكر الشافعي في مصر، وأتاه الناس من كل مكان، بل ومن كل بلد آخر غير مصر، وازدحمت حلقة الشافعي ازدحاماً لا عهد لأهل مصر به من قبل، كان المكان يضيق بطلبة الشافعي، وكان يجلس بين يديه الشيوخ الكبار فضلاً عن طلبة العلم، لأن الله تعالى قد آتاه حجة قوية، وعذوبة لسان، وفصاحةً وبياناً ومنطقاً وبلاغةً.
ومن أجمل ما قرأت في هذا أن تلميذ الشافعي الإمام المزني، ذهب إليه يوماً، يقول المزني: خطر بخاطري مسألة تتعلق بذات الله -انتبهوا إلى حجة الشافعي أيها الأحبة- فقلت: لا يخرج ما في ضميري إلا الشافعي، فذهبت إليه في مجلسه وسألته عنها، فغضب الشافعي ونظر إلي وقال: أبلغك أن الله ﵎ قد أمر بالسؤال عن هذا؟ قال: لا.
قال: أبلغك أن الرسول ﷺ قد أمرك بالسؤال عن هذا؟ قال: لا.
قال: أبلغك أن الصحابة رضوان الله عليهم قد تكلموا في هذا؟ قال: لا.
قال: فكم نجماً في السماء؟ قال: لا أعلم.
قال: فكوكب منها أتعلم جنسه وطلوعه وأفوله ومم خلق؟ قال: لا.
فقال الشافعي: فشيء تراه بعينك من خلق الله لا تعلمه، تتكلف أن تعلم خالقه ﷻ .
ثم قال الشافعي: يا هذا! إذا هجس في خاطرك شيء من هذا فارجع إلى الله ﵎ وارجع إلى قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] ثم قال له الشافعي: فاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك.
انظر لتلك الشجره ذات الغصون النضره
كيف نمت من حبةٍ وكيف صارت شجره
ابحث وقل من ذا الذي يخرج منها الثمره
ذاك هو الله الذي أنعمه منهمره
ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدره
سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذه الصحاري والجبال الرواسيا
سل الزهر مزداناً سل الروض والندى سل الليل والإصباح والطير شاديا
وسل هذه الأنسام والأرض والسما سل كل شيء تسمع التوحيد لله ساريا
ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيا
أإله مع الله؟ لا رب غيره ولا معبود سواه.
قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاكا
بل سائل الأعمى خطا وسط الزحا م بلا اصطدام من يقود خطاكا
بل سائل المبصر يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواكا
وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راعٍ ومرعى ما الذي يرعاكا
وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاكا
بل سائل اللبن المصفى بين فر ث ودم من ذا الذي صفاكا
أإله مع الله.
فاستدل بالمخلوق على الخالق، ولا تتكلف علم ما لم يبلغه عقلك: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٣٣-٤٠] أإله مع الله؟!!! لا رب غيره ولا رب سواه.
الله ربي لا إله سواه هل في الوجود حقيقة إلا هو
الشمس والبدر من أنوار حكمته والبر والبحر فيض من عطاياه
الطير سبحه والوحش مجده والموج كبره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصم قدسه والنحل يهتف حمداً في خلاياه
والناس يعصونه جهراً فيسترهم والعبد ينسى وربي ليس ينساه
أإله مع الله؟!! لا رب غيره ولا معبود سواه.
стр. 48
موت الشافعي ﵀
وفي السنة الرابعة بعد المائتين، أي: في الرابعة والخمسين من عمره نام الشافعي على فراش الموت بعد ما اشتد به المرض، ودخل عليه تلميذه المزني ليقول له: كيف أصبحت؟ فقال الشافعي: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، ووالله لا أدري أتصير روحي إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها، وبكى الشافعي ﵁، ونظر إلى السماء وناجى ربه جل وعلا وقال:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
ما زلت ذا عفوٍ عن العبد لم تزل تجود وتعفو منةً وتكرما
ولقي الشافعي ربه جل وعلا بعد هذه المناجاة الرقيقة التائبة الآيبة إلى الله ، فرحم الله الشافعي رحمة واسعة، وجزاه الله عنا وعن المسلمين والإسلام خير ما جزى صالحاً أو مصلحاً.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 49
من تعصب للشافعي على خلاف السنة فقد خالف الشافعي
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحبة! ها هي قفزات سريعة في سيرة هذا الإمام العلم، لأنه لا يتسع الوقت أبداً لسرد حياة هذا الإمام، والوقوف مع عبادته وتقواه وورعه وزهده، ومع فنونه في علوم القرآن، ومع أصوله التي وضعها لعلوم الفقه، ومع أصوله التي وضعها لعلوم الحديث، لا يتسع المجال أبداً لهذا.
ولكن أقول: الشافعي بشر، يخطئ ويصيب، فكلٌ يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي ﷺ ، ولقد أبى الله جل وعلا أن يلبس ثوب العصمة إلا حبيبه المصطفى، فإلى كل متعصب لمذهب الإمام، وإلى كل متعصب للإمام نفسه، أقول له: اعلم أنك قد خالفت إمامك، وخرجت على قواعد مذهب إمامك يوم أن تعصبت له، وتعصبت للمذهب مع مخالفة للدليل من القرآن والسنة الصحيحة، فإن من أروع ما سطره الإمام الشافعي أقواله الخالدة التي يقول فيها: ما من أحدٍ إلا وتذهب عنه سنة لرسول الله ﷺ ، أي: لا يعلمها، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل ووضح فيه خلاف عن رسول الله ﷺ لقولي فقول رسول الله ﷺ هو قولي، وإني راجع عن قولي في حياتي وبعد مماتي.
وقال ﵁: [إذا صح الحديث فهو مذهبي] وقال ﵁: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط، وقال: لقد ألفت هذه الكتب ولم أقصر فيها، أي: اجتهدت فيها على قدر استطاعتي، ولم أقصر فيها إلا أنه وجب أن يكون فيها من الخطأ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] فما وجدتم في كتبي من قول يخالف قول الله وقول رسول الله ﷺ فاعلموا أني راجع عن قولي في حياتي وبعد مماتي.
ذلكم هو الشافعي الإمام الذي يتبرأ من كل تعصب بغيض أعمى لقوله، مع أنه قد يكون خالف هذا الدليل الصحيح من القرآن والسنة الصحيحة.
فيا أيها الأحبة! يا أبناء الصحوة خاصة! ويا أيها المسلمون عامة! عودٌ حميد إلى المعبود الكريم الحميد، إلى النبعين الصافيين الكريمين إلى القرآن والسنة الصحيحة، فإن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يعرفون بالحق، وكل واحد من الأئمة والشيوخ والعلماء يؤخذ من قوله ويرد عليه، لا تنقادوا لأحد انقياداً أعمى، ولا تسلموا لكل أحد تسليماً كاملاً، فكل بشر على ظهر الأرض يصيب ويخطئ، وقد أبى الله إلا أن يلبس ثوب العصمة أحد إلا حبيبه المصطفى ﷺ ، فكلٌ يؤخذ منه ويرد عليه إلا النبي ﷺ ، فعود إلى النبعين الصافيين الكريمين الذين قال النبي ﷺ فيهما كما ورد في الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ ورواه الإمام الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وأبي هريرة وحسن الحديث شيخنا الألباني في الصحيحة وصحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنتي) وفي لفظ أبي هريرة في مستدرك الحاكم: (وإنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض عليَّ يوم القيامة) .
فيا أيها الأحبة! عودة إلى القرآن والسنة الصحيحة، والأقوال التي توافق السنة الصحيحة لأهل العلم والفضل، أما أن نتعصب لأحد بعينه، ولإمام بشخصه، وأن نأخذ كلامه على أنه تشريع لا يقبل المناقشة، ولا يقبل المداولة، ولا يقبل العرض على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، فهذا انقياد بغيض أعمى وتعصب بغيض ذميم، رده كل إمام من الأئمة المعتبرين، وقد سمعتم قولة الشافعي، وقبلها قولة مالك، وقبلها قولة أبي حنيفة: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرد الأمة إليه رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح حكامنا، ووفق علماءنا، واستر فتياتنا، واستر نساءنا، واستر شبابنا برحمتك يا رب العالمين، اللهم من كان منا على طاعة فزده طاعة على طاعته، وتوفيقاً وتثبيتاً برحمتك يا رب العالمين، ومن كان منا على معصية فخذ بقلبه إليك ورده إليك رداً جميلاً يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا محمد كما أمرنا الله جل وعلا في محكم كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] .
والحمد لله رب العالمين.
стр. 50
زينب بنت جحش
تضمن الدرس سيرة أم المؤمنين زينب بنت جحش، وفضلها، وذكر هجرتها مع أسرتها، وزواجها من زيد بن حارثة ترسيخاً لمبدأ التفاضل بالتقوى لا غير، وطلاقه لها ثم تزويج الله إياها لرسوله ﷺ ؛ وذلك لإبطال قاعدة التبني التي ترسخت في عقول الناس في الجاهلية.
стр. 51
من سيرة أم المؤمنين زينب ﵂
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه القلوب الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته؛ إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله: هذا هو لقاؤنا الثاني عشر وما زلنا بتوفيق الله جل وعلا نطوف مع حضراتكم في بستان سير أصحاب المصطفى ﷺ ، ذلكم البستان الذي لا ينقطع عبيره، ولا ينتهي شذاه، ولا تذبل أزهاره، ولا تموت وروده، ولا يُشبع من رحيقه أبداً.
стр. 52
فضائلها رضي الله تعالى عنها
تعالوا بنا اليوم لنعيش في بيت النبوة مع الصوامة القوامة، مع الخاشعة العابدة، مع الورعة الزاهدة، مع التقية النقية، إنها أطول نساء النبي يداً، أي: أعظم نساء النبي ﷺ صدقةً وإنفاقاً وبراً ورحمةً وإشفاقاً.
إنها أم المساكين وسكن الأرامل واليتامى والمحتاجين، إنها الشريفة الطاهرة التي جمعت الشرف من جميع أطرافه وأسبابه، وحازت الفضل من جميع أبوابه، فزوجها أشرف خلق الله، وأمها عمة رسول الله، وخالها كوكب الأصفياء وسيد الشهداء حمزة، وأخوها هو صاحب أول راية عقدت في الإسلام، وأول من لقب بأمير المؤمنين، إنها الشريفة الطاهرة التي أثنت عليها السيدة عائشة ثناءً عاطراً زكياً فقالت عنها: [هي التي كانت تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ، وما رأيت امرأة خيراً في الدين ولا أتقى لله، ولا أصدق في الحديث، ولا أوصل لرحم، ولا أعظم صدقة منها ﵂ وأرضاها] .
إنها الشريفة الفاضلة التي أثنت عليها عائشة في موضعٍ آخر ووقت آخر، وقالت كما ورد في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وابن سعد في الطبقات وسنده حسنٌ وله شاهدٌ في صحيح مسلم، أثنت عائشة على هذه الشريفة الفاضلة فقالت عنها: (لقد نالت الشرف الذي لا يبلغه شرف في هذه الدنيا، فلقد زوجها الله نبيه ﷺ ونطق به القرآن الكريم، ولقد قال لنا النبي ﵊: أطولكن يداً، أسرعكن لحوقاً بي) فبشرها النبي ﷺ بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة.
أعلمتم من هي؟ إنها التقية النقية الشريفة الطاهرة الفاضلة التي كانت تفخر على جميع زوجات النبي بهذا الفخر، وبهذا الشرف الكبير وتقول لهن: [لقد زوجكن أهلكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات] إنها أُمنا أم المؤمنين: زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها التي زوجها الله جل وعلا نبيه ﷺ من فوق سبع سماوات كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري: [كانت زينب تفخر على زوجات النبي وتقول: لقد زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات] فمن هي زينب بنت جحش؟ وما الذي نعرفه عن أمنا ﵂؟
стр. 53
نسبها ودخول أسرتها في الإسلام
زينب ولدت في مكة قبل البعثة في بيت شرف وحسب ونسب، ولما بدأت نسمات الإسلام تفوح بأريجها العطر في أم القرى، وبدأ أصحاب العقول الزكية النقية يقبلون على هذه الدعوة الجديدة بقلوبٍ متعطشة للتخلص من براثن الجاهلية، كان من أوائل من شرح الله صدورهم للحق أخو زينب؛ عبد الله بن جحش ﵁ وأرضاه.
وما إن أسلم عبد الله بن جحش حتى أعلنت الأسرة كلها إسلامها لله جل وعلا، وأثار المشركين في مكة انتشار الإسلام بسرعة مذهلة، وأقض ضاجعهم في مكة انتقال الإسلام من مكة إلى المدينة المنورة وانتشاره في المدينة بسرعة منقطعة النظير.
وبدأ المشركون في مكة يصبون جام غضبهم على الموحدين في مكة، وتحت وطأة هذا العذاب وهذه الآلام أذن النبي ﷺ للمسلمين أن يهاجروا من مكة إلى المدينة المنورة، وكان من بين هذه الأسر الكريمة التي هاجرت من مكة إلى المدينة أسرة بني جحشٍ ﵃ جميعاً، وعلى رأسهم السيدة زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها.
стр. 54
زينب وإرساء قواعد المجتمع الإسلامي الجديد
ثم بعد ذلك أيها الأحبة! هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وبدأ يرسي قواعد المجتمع الإسلامي، ويحطم ويدك قواعد المجتمع الجاهلي.
стр. 55
(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ميزان عادل
فإن من أهم القواعد التي أرساها النظام الإسلامي الجديد في المدينة قاعدة جليلة عظيمة كبيرة شاقة على هذه النفوس التي عاشت طوال هذه السنوات في الجاهلية ألا وهي: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] .
ومن أهم وأخطر القواعد الجاهلية التي جاء النظام الإسلامي بتحريمها وببطلانها وبدكها من قواعدها قاعدةً خطيرةً سائدة في المجتمع الجاهلي ألا وهي: قاعدة التبني.
قاعدة أرساها الإسلام وقاعدة دكها من أصولها.
أما الأولى فهي: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] .
وأما الثانية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥] .
وشاء الله جل وعلا لإرساء القاعدة الأولى، وإلغاء القاعدة الثانية أن ينتدب لهذه المهمة الصعبة العسيرة الشاقة القدوة الطيبة، والأسوة الحسنة، والمثل الأعلى محمداً ﷺ ، لتحويل هذه الحقائق إلى واقعٍ متحرك، وإلى مجتمع منظور، وراح النبي ﵊ يسقط جميع فوارق وقيم الجاهلية، ويصرخ في الناس بأعلى صوته ويقول: (دعوها فإنها منتنة) .
وراح النبي ﷺ يعلن للناس قيماً جديدةً، وميزاناً عادلاً يتحاكم ويرجع إليه الناس، وينادي فيهم بأعلى صوته ويقول: أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] .
ذلكم هو الميزان العادل الذي لا محاباة فيه لأحد عند الله جل وعلا؛ لا يرفع الشريف عند الله شرفه، ولا ينزل الوضيع عند الله وضاعته، والميزان إنما هو التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] .
стр. 56
زيد بن حارثة وزواجه بزينب
وحتى يحول النبي ﷺ هذه القيم والمثل العليا إلى واقعٍ ملموس، وإلى مجتمعٍ متحرك ذهب النبي ﷺ بنفسه ليطبق على نفسه وعلى آل بيته هذه القواعد الكبيرة، فأخذ النبي ﷺ مولاه وخادمه زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه ليخطب له أشرف امرأة في مكة، ليخطب له ابنة عمته زينب بنت جحش ﵂ وأرضاه.
وانتبهوا أيها الأحبة في الله! أقول: ذهب النبي ﷺ ليحول هذه القواعد والمثل العليا إلى واقع ملموس، وإلى مجتمع متحرك، ذهب ليخطب ابنة عمته زينب بنت جحش ﵂ لخادمه ومولاه زيد بن حارثة ﵁ وأرضاه، والحق أقول: إن زيداً لم يكن عبداً من العبيد، ولم يكن رقيقاً من الرقيق، وإنما زيدٌ من كرام العرب الأفاضل الشرفاء، فما الذي جاء به رقيقاً وعبداً إلى بيت النبي ﷺ ؟ القصة بطولها ذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة وألخصها لكم: إن زيداً خرجت به أمه في يومٍ من الأيام لتزور أهلها، فأغار عليهم قومٌ فأخذوا زيداً وباعوه بعد ذلك في سوق عكاظ، فاشتراه في هذا اليوم حكيم بن حزام وأهداه بعد ذلك إلى عمته خديجة بنت خويلد ﵂ وأرضاها، ولما تزوج النبي خديجة ﵂ ورأى زيداً عندها، أعجب النبي بأدب زيد وفطرته وذكائه.
فلما رأت خديجة ذلك قالت: [هو لك يا رسول الله] وأهدت خديجة زيداً إلى النبي ﷺ فأعتق النبي من يومها زيداً ﵁ وأرضاه، وأحبه النبي ﷺ حباً شديداً.
ولكن أبا زيد كان لا يهدأ في ساعة من ليلٍ أو نهار، وكان يسأل عنه الركبان في كل مكان ومن كل مكان.
ولما سمع أبوه أن ابنه عند محمد بن عبد الله بجوار الحرم في مكة -زادها الله تشريفاً- انطلق أبوه مع أخيه أي: مع عم زيد وأخذا الفداء وانطلقا إلى النبي ﵊، ودخلا على النبي في بيت الله الحرام وقالا للنبي ﵊: يا بن عبد المطلب يا بن سيد قومه! لقد جئناك في ولدٍ لنا عندك فامنن علينا وأحسن إلينا في فدائه، فقال النبي ﵊: ومن؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال النبي ﵊: أو غير ذلك -أي: هل تظنون أني أفعل غير ذلك- بل ادعوه وخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فما أنا بالذي يختار على الذي يختارني فداء فقال أبوه وعمه: لقد زدت على الإنصاف يا بن عبد الله، ودعا النبي زيد بن حارثة ﵁ وخيره النبي ﵊ بعدما قال له: يا زيد أتعرف هؤلاء؟ قال: نعم.
هذا أبي وهذا عمي، فقال له النبي ﵊: إن شئت ذهبت معهما وإن شئت ظللت معي.
أتدرون ماذا قال زيدٌ أيها الأحباب؟ نظر زيد إلى النبي ﵊ وقال: والله ما أنا بالذي يختار عليك أحداً.
إن النبي ﷺ لم يبعث بعد، فما الذي جعل زيداً ﵁ يختار النبي قبل البعثة؟ فما ظنكم به بعد البعثة؟ نظر زيد إلى الحبيب وقال: والله ما أنا بالذي يختار عليك أحداً، ففزع أبوه وعمه، ونظر إليه أبوه وقال: يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهلك؟ فنظر زيدٌ إلى أبيه وعمه وقال: والله لقد رأيت من هذا الرجل شيئاً وما أنا بالذي يفضل عليه أحداً قط.
فبالله عليكم ماذا يفعل الحبيب أمام هذه الأخلاق السامقة؟ ماذا يفعل الحبيب أمام هذا الخلق العالي الغالي الشريف؟ أمام هذا الشاب الذي أصم الجميع بخلقه وفصاحة لسانه وحبه الذي تمكن من قلبه لمحمد بن عبد الله؟ ما كان من صاحب الأخلاق ﷺ إلا أن أخذه من يده وذهب به إلى الناس ووقف في الحجر ينادي على الناس ويقول: أيها الناس! اشهدوا أن زيداً ابني يرثني وأرثه، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فلما رأى أبوه وعمه ذلك انطلقا وقد طابت أنفسهما، فأي شرفٍ وأي فخرٍ أن يلقب زيد من هذا اليوم بـ زيد بن محمد؟ ومن يومها ما دعي زيدٌ إلا بهذا زيدٌ بن محمد، أي شرف وأي فخرٍ لك يا زيد؟ وأحب النبي ﷺ بعد هذا اليوم زيداً حباً شديداً، حتى ورد في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده وابن سعد ورواته ثقات والحاكم في المستدرك وصححه وأقره الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر في الإصابة أن النبي ﷺ قال لـ زيد: (يا زيد أنت مولاي مني وإلي وأحب القوم إلي) .
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ لما ولى النبي أسامة بن زيد بن حارثة إمرة الجيش طعن الناس في إمارته، فقال النبي ﵊: (إن تطعنوا في إمارته فلقد طعنتم في إمارة أبيه زيدٍ من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة، وإنه لمن أحب الناس إلي، وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إلي بعده) هذه مكانة زيد في قلب النبي أيها الأحباب.
أخذ النبي ﷺ زيداً وذهب ليخطب له شريفةً عظيمةً كريمة طاهرة من شريفات مكة، زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها ابنة عمة النبي ﷺ أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، ودخل النبي على زينب، وكلم النبي زينب وحدثها وحدثته وقال لها: (يا زينب لقد جئت اليوم أخطبك لـ زيد بن حارثة قالت: لا.
أنا أيم قومي، وبنت عمتك، وأنا أشرف منه نسباً والله ما أنا بفاعلة، قال لها الرسول ﵊: ولكني قد رضيته لك يا زينب، قالت: ولكني لا أرتضيه لنفسي) قوة عجيبة! ولكني لا أرضاه لنفسي، وظل النبي يحاورها وترد عليه بمنتهى القسوة والشدة والغلظة أنا أشرف منه نسباً يا رسول الله، وما نست زينب أن زيداً ﵁ ما دخل بيت أهلها إلا عبداً وتنظر إليه من هذا المنظار، أنا أشرف منه نسباً وإن رضيته أنت لي زوجاً يا رسول الله فلن أرضاه لنفسي، ووالله لن أفعل ذلك، فنزل قول الله جل وعلا الذي يعلم السر وأخفى، ويسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، إن كل شيء في هذا الكون لا يغيب عن بصر الله ولا عن سمع الله.
نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] الله أكبر! أي بيانٍ هذا؟ وأي إنذار؟ (وما كان لمؤمنٍ) أي: زيد، (ولا مؤمنة) أي: زينب، ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] .
إذا قال الله وقال رسوله ﷺ فيجب على كل مؤمنٍ ومؤمنة أن يقولا لله ورسوله: سمعنا وأطعنا، لا يختار لنفسه بعد اختيار الله، وبعد اختيار رسول الله ﷺ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] واسمع إلى هذا التهديد الرهيب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] فلما قرأ النبي الآيات على زينب ﵂ وأرضاها، وهي صاحبة القلب التقي النقي نظرت إليه ﷺ وقالت: (قد أطعتك يا رسول الله فاصنع ما شئت) .
إنه الاستسلام المطلق لأوامر الله ورسوله، ولا خيار، إنه الإيمان أو لا إيمان؛ إما إذعان لأوامر الله وإذعان لأوامر رسول الله ﷺ وذلك هو الإيمان في أجل وأعلى مراتبه، وإما إعراض عن أوامر الله وإعراض عن رسول الله ﷺ وعدم الطاعة لهما، وهذا هو الكفر بعينه.
(قد أطعتك فاصنع ما شئت يا رسول الله) ، إن هذه العبارة تحتاج منا إلى جمعة كاملة، ذلكم المقوم الكبير مقوم الاستسلام لله جل وعلا الذي به استحقوا أن يكونوا أهلاً لحمل هذه الأمانة بقوة وجدارة واقتدار.
فزوج النبي زيداً زينبَ ﵄، ولكن إذا تنافرت القلوب تنافرت الأبدان، وإن الحياة الزوجية إن خلت من الحب والمودة والرحمة أصبحت كالجسد الميت إن لم يدفن فاح عفنه ونتنه، ودفنه هو: الطلاق، تلبدت سماء هذا الزواج بالغيوم الداكنة السوداء التي زادت يوماً بعد يوم، ولم تنس زينب ﵂ أن زيداً ما دخل إلى بيت أهلها إلا عبداً، وأحس زيد ﵁ استعلاء زينب وترفعها عليه، وزيدٌ العربي الكريم الأبي لا يقبل هذه العزة وهذا الاستعلاء أبداً.
ويذهب زيد إلى حبيبه رسول الله ويشكو إليه عيشته مع زينب، والرسول ﷺ يقول: (أمسك عليك زوجك واتق الله) ويرجع
стр. 57
زواج النبي من زينب وإبطاله لقاعدة التبني
وفي يومٍ من الأيام علم النبي ﷺ أن زيداً حتماً سيطلق زينب لماذا؟ لأن جبريل ﵇ جاءه وأخبره أن زينب ستكون من زوجاته ﵅، وأن الله تعالى سيأمر النبي ﷺ بأن يتزوجها بعد تطليق زيدٍ لها لإلغاء القاعدة الثانية التي ذكرتها، ألا وهي قاعدة التبني.
ولما أخبر النبي بذلك على الرغم من قوته وجرأته وشهامته في مقابلة قومه في مسألة التوحيد والشرك، لما علم النبي ﷺ ذلك أخفى في نفسه ما يعلم يقيناً أن الله سيظهره ويبديه، وخشي ما الذي سيردده الناس من المرجفين والمنافقين، بل وكيف سيستقبل المجتمع الإسلامي هذا التغيير الكبير؟ كيف يقول الناس: إن محمداً قد تزوج امرأة ابنه وكانت امرأة الابن بالتبني محرمة حتى ولو طلقها الابن بعد ذلك، هذا قانون جاهلي، ولكن الله جل وعلا أراد أن يدك هذا القانون، وأن يحرمه ويغيره.
وخاف النبي ﵊ أن يواجه المجتمع بهذا التغيير الجذري العميق، ويرجع إليه زيد، فيقول له: (أمسك عليك زوجك واتق الله) بعدما علم يقيناً أنه سيطلقها وأنها ستكون زوجته بأمر الله جل وعلا لإلغاء التبني الذي حرمه الإسلام، ونزل العتاب الشديد -ولو كان النبي كاتماً شيئاً من الوحي لكتمه- نزل قول الله جل وعلا يعاتب حبيبه المصطفى ﷺ الذي خشي أن يواجه المجتمع بهذا التغيير الجذري وبهذه القاعدة الجديدة الكبيرة، وأخفى في نفسه هذا الأمر وهو يعلم أن الله سيظهره وسيبديه، نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] بأبي هو وأمي ﷺ ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] الأمر والزواج من الله ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [الأحزاب:٣٧] وإذ تقول يا محمد ﷺ للذي أنعم الله عليه، لـ زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعم عليه بالقرب منك وأنعم عليه بتربيتك له في بيتك وعلى مائدتك وبيديك يا رسول الله ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] بالعتق والتربية، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] وهو أن زيداً سيطلق زينب وتتزوجها من بعده ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي شرفٍ هذا الذي أقول؟ أقول: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] هل ذكر اسم زيدٍ في القرآن؟ نعم.
إنه الصحابي الوحيد والرجل الوحيد في أمة المصطفى الذي خلد الله اسمه وذكره في القرآن إلى يوم القيامة.
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] الزواج من الله، تزوج النبي زينب بغير ولي وبغير شاهدٍ وبغير عقد؛ لأن الذي زوجها من فوق سبع سماوات إنما هو الله ﷻ ، فلما نزلت الآيات بعدما طلقت زينب وانقضت عدتها، قام النبي ﵊ فدخل عليها بيتها بغير إذنٍ ولا ولي ولا شاهد، وكانت زينب تفخر بذلك على زوجات النبي وتقول: [لقد زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات] هذا هو معنى الحديث.
يقول أنس بن مالك -والحديث في صحيح مسلم -: [فلما دخل النبي على زينب بنت جحش ذهبت أدخل معه إلى البيت فأرخى النبي بيني وبينه الستر ونزلت آية الحجاب] وهذه بركة أخرى من بركات زينب ﵂.
стр. 58
الرد على افتراءين على النبي ﷺ لأجل زواجه بزينب
زوج الله رسوله ﷺ من فوق سبع سماوات وانتهت القضية، إلا أن المجتمع لم يستقبل هذه القاعدة الجديدة بيسرٍ وسهولة، إنه نظام عميق امتد بجذوره إلى أعماق المجتمع.
لم يستقبل المجتمع الإسلامي هذا الأمر بيسرٍ وسهولة، وانطلق المنافقون والمرجفون يرددون العبارات والكلمات: لقد تزوج محمدٌ حليلة ولده، لقد تزوج محمدٌ زوجة ابنه وترددت الكلمات والإشاعات في المدينة المنورة والنبي ﷺ يتألم، إلا أن الله جل وعلا ما أهمل هذه القاعدة، بل نزل القرآن يؤكدها ويوضحها ويبين للناس أن الأمر سهل ميسور، إن علاقة النبي بـ زيدٍ والمسلمين جميعاً هي علاقة النبي بقومه، وما كان زيد قط ابناً لمحمد بن عبد الله ﷺ إنما هو زيد بن حارثة، ونزل القرآن يوضح هذه الحقائق ويرفع الحرج عن قلب حبيبه ﷺ ، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب:٣٨] إن فرض الله، وإن تشريع الله هو الذي ينبغي أن ينفذ وأن يطبق: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ [الأحزاب:٣٨-٣٩] .
ويبين الله جل وعلا علاقة النبي ﷺ بـ زيد ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب:٤٠] هو الذي يعلم ما يصلح خلقه وهو الذي يعلم ما يفسد خلقه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] .
стр. 59
الافتراء الأول والرد عليه
وهكذا أيها الأحباب: تزوج النبي ﷺ بـ زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها، وتنتقل زينب إلى بيت النبي لتصبح من هذا اليوم أماً من أمهات المؤمنين، وزوجةً لرسول رب العالمين وسيد المرسلين ﷺ .
أي شرفٍ هذا وأي فخرٍ تفتخر وتشرف به زينب أن يزوجها الله ولمن؟ لرسوله ﷺ .
ولكن هناك عقولاً أنهكها التحلل الأخلاقي وراحت تلهث وراء هذه النصوص الواضحة للي أعناقها لياً كبيراً للنيل من أطهر وأشرف رجلٍ عرفته الدنيا محمد بن عبد الله ﷺ ، وسقط في هذه الهوة السحيقة الكبيرة بعض محترفي وصناع الوضع، ووضعوا الأحاديث وروجوا الإشاعات وسجلوا الأكاذيب.
ومما يؤلم القلب أنني وأنا أعد لخطبة زينب ﵂ قرأت كثيراً وكثيراً فوجدت أن كثيراً من أمهات المراجع قد لوثت بهذا الخبر المكذوب الموضوع الذي نقله كثيرٌ منهم لبطون كتبهم بغير تدقيق ولا تمحيص لا للسند ولا للمتن، سأرد الآن بإيجاز على افتراءين وعلى تهمتين.
أما الافتراء الأول: فخلاصته في خبرٍ موضوعٍ مكذوبٍ أن النبي ﷺ -بأبي هو وأمي- ذهب إلى زيدٍ ليزوره في بيته يوماً فهبت ريحٌ فكشفت الستر فرأى النبي زينب بنت جحش فوقعت في قلبه، فانطلق النبي وهو يقول: سبحان الله العظيم! سبحان من يقلب القلوب! هذه خلاصة الخبر المكذوب الموضوع، ومن يومها أراد النبي أن يتزوج زينب ﵂، أي سفه هذا؟ والله إنه لا يقبل هذا الأتقياء فما ظنكم بسيد الأنبياء، والله لا يقبل تقيٌ أن ينظر إلى زوجة أخٍ من إخوانه، وأن يتمنى أن يتزوجها بعده، أو وهي معه في حياته فكيف بسيد الطاهرين محمدٍ ﷺ .
وأنا أعجب! من الذي زوج زينب بـ زيد؟ من الذي ذهب إليها؟ من الذي كلمها؟ من الذي خطبها؟ ألم يرها النبي ﵊ مع أن النساء لم يكن يحتجبن من الرجال قبل نزول آية الحجاب وهي ابنة عمة النبي ﵊ التي تربت معه في بيته وبين أهله، أي سفه هذا؟ هل ما رأى النبي زينب إلا في هذا اليوم الذي تفننوا فيه ونسجوا له إخراجاً سينمائياً حقيراً على غرار هؤلاء الأقزام بأن ريحاً هبت كشفت الستر فرأى النبي زينب فوقعت في قلبه! ما هذا؟ هذا يليق بقصة ينسجها مخرجٌ صاحب عقلٍ عفن.
أما النبي؛ أما سيد الطاهرين؛ أما سيد النبيين محمد بن عبد الله ﷺ فوالذي نفسي بيده ما رأت البشرية أنقى ولا أطهر ولا أخجل ولا أصدق ولا أعف من محمدٍ ﷺ .
стр. 60
الافتراء الثاني والرد عليه
وأما الافتراء الثاني الذي أكل عليه المستشرقون وشربوا قالوا: بأن النبي كان رجلاً شهوانياً لا تحركه إلا الشهوة.
من أمثال الحقراء الأقزام ديرمنجم، مهير، أيرفينبخ، لا منس وغيرهم وغيرهم من أفراخهم الذين تربوا على موائدهم وحجوا إلى قبلتهم، وشربوا من مستنقعهم القذر، وعادوا لينسجوا نسجهم في أن النبي ﷺ كانت لا تحركه إلا الشهوة، والحق أقول لكم: إن كثيراً من الكتاب والأدباء والمفكرين الإسلاميين الذين ردوا على هذه الفرية ردوا رداً بالغ الهزال، لماذا؟ لأنهم انطلقوا في ردودهم من موقع الهزيمة النفسية، وبأنهم في قفص الاتهام مع نبيهم ويجب أن يدافعوا، سبحان الله! ولكن يجب على كل مسلم أن يعي هذا الأمر جيداً.
أولاً: إن ردَّ فليعلم أنه يجب عليه أن يرفع هامة رأسه عالية لتعانق الجوزاء، وأن يمد رقبته خفاقة لتمتد إلى عنان السماء وليعلم أننا إن رددنا، فمن أهل الأرض جميعاً؟ من أهل الكفر؟ ومن أهل النفاق؟ ومن أهل القلوب المريضة لينالوا من أطهر رجلٍ عرفته الدنيا؟ وهل يضر السماء نبح الكلاب؟ وثانياً: إن ردَّ فينبغي أن يعي جيداً أن لا يجعل نفسه ورسوله في موضع اتهام فيجعل من نفسه محامياً يدافع عن الحبيب ﷺ ؛ من أنت ومن أنا؟ ومن أهل الأرض جميعاً لينالوا من أشرف مخلوق عرفته الدنيا؛ من محمدٍ ﷺ ، وإنما نحن لا نرد على هذه الافتراءات إلا لأمرين اثنين.
الأول: لنبين لهؤلاء المستشرقين أنهم يتعمدون الكذب، ويتعمدون التزوير للحقائق، ويتعمدون ليَّ أعناق الحقائق ليّاً.
والأمر الثاني: لنبين للمسلمين الذين انخدعوا بأفكار وآراء هؤلاء المستشرقين الذين تربوا على موائدهم، وفرخوا في أحضانهم، لنبين لهم الحق حتى لا تزل قلوبهم والعياذ بالله.
فأقول في إيجاز: إن الشواهد الواقعية والوقائع التاريخية الملموسة تقول وترفع صوتها بأن الرجل الشهواني الذي لا يتحرك إلا بالشهوة ولا تحركه إلا الشهوة حتماً ينتهي إلى ضياعٍ وإفلاسٍ وخسران، هذه قاعدة واقعية ملموسة فلا يوجد أبداً سياسيٌ أو زعيمٌ أو حاكمٌ أو قائدٌ تحركه الشهوة وتقعده إلا وانتهى حتماً بأمته إلى الذل والعار والهزيمة، واسألوا التاريخ، وليس ذلك منكم ببعيد.
وما وجد أبداً تاجرٌ غنيٌ ثريٌ تحركه الشهوة وتقعده، وتدفعه الشهوة لإرواء غرائزه إلا وانتهى حتماً إلى إفلاس، وهذا أمرٌ يصدقه الواقع.
وما وجد أبداً مفكرٌ ولا أديبٌ يتحرك بالشهوة وتسيطر على فكره وقلمه إلا انتهى فكره حتماً إلى تناقضٍ واضطراب، وهذا أمرٌ تؤكده الروايات التي تقرأ والتي صمت بها الآذان، وعميت بها الأعين في الليل والنهار ولذا فأنا أسأل: هل ذكر التاريخ مرة أن محمداً ﷺ توانى لحظةً من لحظات ليله أو نهاره عن التخطيط والكفاح والجهاد لنشر دين الله؟ ثم إني أقول: متى تزوج النبي؟ تزوج النبي في الخامسة والعشرين من عمره بـ خديجة ﵂ التي كانت في الأربعين من عمرها -اسمع أيها الحبيب- وظل النبي ﷺ مع خديجة ﵂ حتى توفاها الله ، لم يتزوج النبي عليها غيرها أبداً.
أتدرون كم عاشت خديجة مع رسول الله؟ عاشت خديجة مع رسول الله حتى بلغ الخمسين من عمره، وماتت خديجة ﵂ وظل النبي بعدها لا يتزوج أكثر من عامين، وبعدها تزوج امرأةً عجوزاً؛ لأن زوجها قد قتل واستشهد، وكان الرسول ﵊ في الثالثة والخمسين من عمره، أبالله عليكم هذا سؤالٌ لكل من لم يمت الإنصافه في قلبه فيعمى بذلك عقله ويضل قلمه وفكره، رجلٌ في ريعان شبابه يتزوج بامرأة واحدة تكبره بخمسة عشر عاماً، ثم بعد ذلك وهو في الثالثة والخمسين -وسن الخمسين عند جميع الفقهاء هو سن الشيخوخة- بعد أن انقضى شبابه الزاهر الأنور وفي سن الشيخوخة يتزوج بنسائه كلهن من أجل شهوة؟! سؤالٌ نوجهه لكل من لم يمت إنصافه في قلبه؛ فيعمى بذلك عقله ويضل قلمه وفكره؟ أسأل الله جل وعلا أن يجزي عنا نبينا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 61
وفاة أم المؤمنين زينب ﵂
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة: هكذا تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها التي قالت عنها عائشة كما ذكرت وخرجت الحديث آنفاً؛ لقد بلغت زينب الشرف الذي لا يبلغ في هذه الدنيا، فلقد زوجها الله نبيه ﷺ ، وذكر ذلك في القرآن، وسيظل القرآن يتلى إلى يوم القيامة.
وأخبرنا النبي ﷺ : (أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يدا) ، وفي صحيح مسلم تذكر عائشة ﵂ أن النبي لما ذكر لهن ذلك كن يقسن أذرعتهن على الحائط، ولكن النبي كان يقصد شيئاً آخر، كان يقصد بأطولكن يداً أي: بأعظمكن صدقة وإنفاقاً على الفقراء والمساكين، وكانت هي زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها، والتي أخبرنا النبي ﷺ بقوله: (أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً) فبشرها النبي ﷺ بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة.
وفي الثالثة والخمسين من عمرها، وفي السنة العشرين من الهجرة تنام زينب ﵂ على فراش الموت وكأنها كانت قد استعدت للقاء الله، فأعدت كفنها إلى جوارها فنظرت إلى أهلها وقالت: [أعلم أن عمر بن الخطاب سيرسل لي كفناً آخر وهذا كفني قد أعددته، فإن أرسل لي عمر كفناً فتصدقوا بأحدهما] وفاضت روحها لتسعد بعد ذلك سعادةً لا تشقى بعدها أبداً بصحبة نبيها وزوجها الحبيب محمدٍ ﷺ في الجنة ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤-٥٥] رضي الله عن زينب، وشكر الله لها طاعتها لله ولرسوله فأبدلها الله بذلك خيراً في الدنيا والآخرة وزوجها رسول الله ﷺ ، وبأن تكون معه في جناتٍ تجري من تحتها الأنهار في جنات النعيم في الدار الآخرة.
فرضي الله عن زينب، وصلى الله على أستاذها ومعلمها ونبيها، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعنا به في دار كرامته ومستقر رحمته إنه ولي ذلك ومولاه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته.
стр. 62
مصابيح الهدى - أبو بكر الصديق
جميع الأمم تنظر إلى تاريخها نظرة إكبار واعتزاز، وإن أحق الأمم بذلك أمة الإسلام، وكيف لا ورجالها هم الذين سطروا التاريخ بدمائهم، وسادوا الأمم بالعدل والدين والحق، وإن من رجالها وأبطالها أبو بكر الصديق السابق بالخيرات، والمبشر بالجنة، أعلم الصحابة وأفضلهم، قامع الردة وأهلها، جامع القرآن إنه رجل كاد أن يطأ الثريا وأن يعانق الجوزاء، إنه صاحب السيرة العطرة والأيام المشرقة ﵁ وأرضاه.
стр. 63
اعتزاز الأمم بتاريخها
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله! وأسأل الله جل وعلا أن ينضّر هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وأن يزكي هذه الأنفس، وأن يشرح هذه الصدور، وأن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ورحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
أحبتي في الله! إن كل أمة من الأمم تعتز بتاريخها وتفخر ببطولات رجالها وأبنائها، وإن أحق أمم الأرض بذلك الاعتزاز والفخار هي الأمة الإسلامية فهي تستحقه بجدارة واقتدار، بل وبشهادة العزيز الغفار، كما في قوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ، فليست هذه الخيرية لهذه الأمة ذاتية ولا عرقية ولا قومية ولكن خيرية هذه الأمة مستمدة من رسالتها التي من أجلها أخرجت للناس.
الأمة الإسلامية هي الأمة التي أنجبت على طول تاريخها رجالاً وأبطالاً وأطهاراً وأفذاذاً، سيقف التاريخ إلى ما شاء الله جل وعلا أمام سيرتهم وقفة إعزاز وإعظام، وإجلال وإكبار.
ومن الصعب أن نحصر عدد هؤلاء الأبطال وهؤلاء الأطهار، لأنهم عمر الزمن ونبض الحياة، ومن المحال أن نعد أنفاس الزمن وأن نقدر نبض الحياة، وليس من الصعوبة أن نقطف زهرة في وسط صحراء مقفرة، ولكن من الصعب أن نقطف زهرة في وسط حديقة غناء تضم كل أنواع الزهور، وتحوي كل أنواع الرياحين، وتضم كل أصناف العطر والطيب والعبير.
لذا فإني أرجو من الإخوة أن يعذروني إذا لم تضم باقتي التي سأجمعها كل أنواع الورود، وجميع أنواع الرياحين المطلوبة، وكل أنواع العطور المحبوبة والمرغوبة؛ لأنه -كما ذكرت آنفاً- من الصعوبة بمكان أن نقطف زهرة بنوعية معينة ترضى عنها جميع الرغبات في وسط هذه الحديقة الغناء الفيحاء.
وأنا لا أقدم هذه السيرة مع هذه السلسلة الجديدة التي أعلنا عنها في اللقاء الماضي بعنوان: (أئمة الهدى ومصابيح الدجى) لا أقدم هذه السيرة وهذه السلسلة الجديدة لمجرد أنها قصص تحكى على المنبر، ولا لمجرد سرد التاريخ والأحداث والسير، وإنما أقدم هذه السير للعظة والعبرة من ناحية، ولتربية الجيل على سير هؤلاء الأبطال الأطهار من ناحية أخرى خاصة في ظل هذه الأزمة الفكرية التي سيطرت على العقول طيلة هذه السنوات الماضية، والتي سميتها آنفاً في خطب الخواطر: (الدعوة في أزمة الوعي) ، وها هو هذا الجيل المبارك -بفضل الله جل وعلا- ينتقل من أزمة الوعي إلى وعي الأزمة.
стр. 64
فضائل أبي بكر الصديق
أيها الأحبة! تعالوا بنا لنستهل هذه الباقة، ولنبدأ هذه السلسلة، سلسلة أئمة الهدى ومصابيح الدجى بهذا الرجل الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار، فألقى له حب الحب على روض الرضا، واستلقى على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة، وتركه هنالك يغرد لهذا الرجل العظيم بأغلى وأعلى فنون المدح، وهو يتلو في حبه قول ربه ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧-٢١] .
إنه الرجل الذي لم يتلعثم ولم يتردد لحظة من لحظات حياته في إسلامه وإيمانه بالله جل وعلا وبرسوله ﷺ ، إنه الرجل الذي كان شعاره إذا تأزمت الأمور وتشككت الصدور: إن كان محمد ﷺ قد قال ذلك فقد صدق، ولذا فقد استحق هذا الرجل بجدارة أن يسمى صديق هذه الأمة إنه أبو بكر ﵁ وأرضاه! إنه أحب الرجال إلى قلب رسول الله ﷺ ، ففي الحديث الذي رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر) .
إنه أحب الرجال إلى قلب أستاذه ومعلمه محمد ﷺ !! ولم لا يكون أبو بكر أحب الرجال إلى قلب رسول الله ﷺ وهو أول رجل قال للنبي ﷺ : صدقت، يوم أن قال له الناس في مكة: كذبت؟! وهو الرجل الذي قدم ماله وعمره وحياته ونفسه وروحه لله جل وعلا ولأستاذه ونبيه محمد ﷺ حتى قال النبي ﷺ : (ما منكم من أحد كان له عندنا يد إلا كافأناه بها إلا الصديق فإنا لم نستطع مكافأته فتركنا مكافأته لله .
الله أكبر! أي طراز من الناس كان هذا الرجل؟! أي صنف من الناس كان هذا الرجل العظيم العجيب؟! (ما منكم من أحد كان له عندنا يد إلا الصديق فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً من العباد خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن صاحبكم خليل الله) والحديث رواه الترمذي وغيره واللفظ للترمذي والحديث حسن بشواهده.
стр. 65
أبو بكر من أهل الجنة
إن أبا بكر رجل عجيب، رجل عظيم، ووالله لو وقف أهل البلاغة وأهل البيان ليتكلموا عن صديق هذه الأمة، ما زادوا في قدره، ولا رفعوا منزلته ولا مكانته بل ازداد قدرهم، ورفعت منزلتهم، وعلا شأنهم بحديثهم عن الصديق هذا الرجل الذي بشره النبي ﷺ بالجنة وهو يمشي في هذه الدنيا! إنها بشارة عجيبة لو تدبرتها العقول ووعتها القلوب! رجل من خلق الله يبشر بجنة الله من رسول الله وهو في الدنيا! بل ويبشره النبي ﷺ بأنه سينادى عليه يوم القيامة من كل أبواب الجنة، ففي الحديث الذي رواه البخاري من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله يدعى يوم القيامة من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير، فإن كان من أهل الصلاة يدعى من باب الصلاة، وإن كان من أهل الجهاد يدعى من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصدقة يدعى من باب الصدقة، وإن كان من أهل الصيام يدعى من باب الصيام أو باب الريان، فقال أبو بكر الرجل الطموح في الخير العظيم: يا رسول الله! وهل هناك أحد يدعى من هذه الأبواب كلها؟ فقال النبي ﷺ : نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر) ، وفي رواية ابن حبان من حديث ابن عباس قال له النبي ﷺ : (أجل وأنت هو يا أبا بكر) رجل يدعى من أبواب الجنة كلها، أي صنف هذا؟! أي طراز من الناس كان هذا الرجل ﵁ وأرضاه؟!
стр. 66
مسارعة أبي بكر إلى الخيرات
أيها الأحبة! ورد في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ قال يوماً لأصحابه: من منكم اليوم أصبح صائماً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : من منكم اليوم أطعم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : من منكم اليوم اتبع جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : من منكم اليوم عاد مريضاً؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله، فقال الحبيب ﷺ : ما اجتمعت في امرئ إلا دخل الجنة) .
الله أكبر! ماذا أقول عن أبي بكر؟! ومن أي المواطن والمواقف أبدأ؟! أيها الأحبة! لست مؤرخاً ولا قاصاً ولا حاكياً، إنما سنتوقف عند بعض المواقف لنستلهم الدروس والعظات والعبر من ماضينا المشرق لحاضرنا ومستقبلنا الزاهر المجيد، الذي حاول أعداء ديننا مراراً وتكراراً أن يفصلوا بيننا وبين هذا الماضي المجيد، وأن يضعوا السدود بيننا وبينه حتى لا نرفع رءوسنا خفاقة عالية لتناطح كواكب الجوزاء في عنان وكبد السماء.
стр. 67
أبو بكر أعلم الناس
أيها الأحباب! هذا هو تاريخنا، وهؤلاء هم أجدادنا وأبطالنا، هذا هو أبو بكر ﵁، ذلكم الرجل الذي وقف موقفاً عجيباً رهيباً يوم أن قام النبي ﷺ على المنبر في مرضه الأخير قبل الموت وقال -كما ورد في حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري ومسلم -: (أيها الناس! إن عبداً من عباد الله خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله، فبكى الصديق ﵁، وقال: فديناك بآبائنا يا رسول الله! فديناك بأمهاتنا يا رسول الله! فديناك بأنفسنا يا رسول الله!) ، فضج الناس في المسجد عجباً لهذا الشيخ، الرسول ﷺ يخبر عن عبد خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار ما عند الله فما الذي يقوله ويفعله أبو بكر ﵁؟! ولكن الصديق علم أن العبد المخير هو رسول الله ﷺ ، ففداه بنفسه وأبيه وأمه، فداه بماله وبكل شيء.
يقول أبو سعيد: فكان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ .
وفي يوم الإثنين كشف ﵊ الستر من حجرة عائشة ﵂ ونظر إلى المسجد فرآهم وهم يصلون وراء إمامهم الصديق ﵁، وكاد الناس أن يفتنون في الصلاة، وسمع الصديق صوتاً وجلبة -وكان لا يلتفت في الصلاة أبداً- فعلم أن هذا الصوت لا يكون إلا لخروج النبي ﷺ ، فكاد الصديق أن يخلي مكان إمام الأئمة، ولكن الرسول ﷺ أشار إليهم أن اثبتوا، ودخل الحبيب إلى غرفة عائشة وكان ملك الموت في انتظاره، فإن الأجل قد حان، والعمر انتهى كما حدده الله جل وعلا.
стр. 68
ثبات أبي بكر عند موت رسول الله ﷺ
تقول عائشة ﵂ كما في صحيح البخاري: (مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري فرأيته قد رفع أصبعه وهو يقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، تقول: فعلمت أنه يخير، وأنه لا يختارنا) ، وفي رواية أخرى في صحيح البخاري من طريق الزهري عن عروة أنها قالت: (فسمعت النبي ﷺ يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى، تقول: وسقطت يد رسول الله ﷺ فعلمت أنه قد مات) .
فخرجت عائشة تصرخ، فلقيها فاروق هذه الأمة عمر وصرخ عمر: رسول الله ما مات، ورفع السيف وقال: والله لأعلون بسيفي هذا كل من زعم أن رسول الله قد مات، وإنما ذهب إلى لقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران وليرجعن ليقطعن أيدي وأرجل المنافقين، وخرس لسان عثمان وأقعد علي.
هذا حال هؤلاء الأطهار! حال هؤلاء الأخيار الأبرار، فما ظنكم بمن دونهم؟! وثبت الله يومها صديق الأمة وعاد أبو بكر من بيته في السنح ورأى هذه الجموع الملتهبة المتأججة الصارخة الباكية فلم يلتفت إلى شيء، ويمم وجهه صوب غرفة عائشة ودخل على رسول الله ﷺ فرأى حبيبه المصطفى مسجى وقد غطي وجهه الأنور، فجلس على ركبتيه بين يدي أستاذه وحبيبه رسول الله وبكى وقبله بين عينيه، وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله، أما الموتة التي قد كتبها الله عليك فقد ذقتها ولا ألم عليك بعد اليوم، وقال كما في الحديث الذي حسنه شيخنا الألباني في مختصر الشمائل (وانبياه واصفياه واخليلاه) وترك الصديق وأودع قبلة حانية رقيقة على جبين أستاذه وحبيبه وإمامه ونبيه وخرج إلى هذه الجموع المتأججة الملتهبة فقال: على رسلك يا عمر! اسكت يا عمر! أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] .
يقول عمر: فلما سمعتها وعلمت أن رسول الله ﷺ قد مات عقرت -أي: وقع على الأرض- وثبت الله الصديق ﵁ أي ثبات هذا؟! وأي فصاحة وبلاغة هذه؟! من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات.
سبحانك يا من وهبت هذا اليقين وهذا الثبات لهذا الرجل العظيم الكبير!! يقول ابن مسعود: كدنا أن نقوم مقاماً بعد موت رسول الله ﷺ نهلك فيه لولا أن من الله علينا بـ أبي بكر.
نعم فرسول الله قد مات والدعوة أبقى من الداعية، والدين أبقى من صاحبه الذي جاء به للناس لا ليظل معهم عليه، وإنما جاء ليربط الناس بهذه العروة الوثقى، ثم ليمض إلى ربه وهم عليها من غير تبديل ولا تحريف ولا تعطيل.
مضى النبي ﷺ إلى ربه، فلتبق الدعوة وليبق الإسلام وليبق الدين، ويا راية الله رفرفي ويا خيل الله اركبي، ويا أبناء رسول الله قوموا! لما مات رسول الله ﷺ ، وسرت كلمات الصديق في قلوبهم وعروقهم سريان الدماء في العروق وسريان الماء في شقوق الأرض المتعطشة للماء، قاموا وعاد إليهم رشدهم.
стр. 69
موقف أبي بكر في سقيفة بني ساعدة
أيها الأحباب! ما لبث هذا الأمر أن حدث وذهب الأنصار ﵃ إلى سقيفة بني ساعدة؛ ليختاروا خليفة بعد رسول الله ﷺ ، وسمع عمر بن الخطاب الخبر فذهب إلى أبي بكر وأخذه وأخذ أبا عبيدة وأسرعوا ﵃ جميعاً إلى السقيفة إلى إخوانهم من الأنصار.
يقول عمر: وكنت قد زورت -أي: أعددت- مقالة جميلة لأتحدث بها بين يدي هؤلاء، إلا أن الصديق قد استأذن عمر بن الخطاب، وكان الصديق أول من تكلم فأثنى على الأنصار خيراً وأثنى على المهاجرين، وقال هم أحق الناس بالخلافة من بعد رسول الله ﷺ .
وقام الحباب بن المنذر وقال: منا أمير ومنكم أمير وكاد الشيطان -والعياذ بالله- أن يلعب لعبته ولكن أنى لهذه القلوب التي رباها محمد بن عبد الله ﷺ أن تتمزق وأن تتشتت! وبعدها قام الصحابي الجليل المبارك بشير بن سعد أبو الصحابي الجليل النعمان بن بشير ﵄، قام وقال مقالة وقعت كحبات الندى على القلوب، قام بشير بن سعد ﵁ وقال: يا معشر الأنصار! والله لئن كان لنا فضل في جهاد المشركين، وسبق في هذا الدين، فإنه لا ينبغي أن نستطيل بهذا على الناس، وأن نبتغي به عرضاً، فنحن ما أردنا بذلك إلا رضا ربنا وطاعة نبينا ﷺ ، ووالله إن رسول الله من قريش وقومه أحق به، وايم الله لا يراني الله أنازع القوم في هذا الأمر أبداً، فاتقوا الله يا معشر الأنصار ولا تخالفوا المهاجرين ولا تنازعوهم.
فالتقط الصديق هذه الكلمات النيرة الندية الرخية المؤمنة التقية، ورفع يد عمر ويد أبي عبيدة بن الجراح وقال: أيها الناس! هذا عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام، وهذا أبو عبيدة الذي قال عنه النبي ﷺ إنه أمين هذه الأمة، لقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فقال أبو عبيدة وعمر نتقدمك؟ لا والله، والله لا نقدم على هذا الأمر أحداً دونك يا أبا بكر.
إنه التجرد لله جل وعلا! إنه الصفاء والإخلاص! إن جلال هذا الموقف أبلغ من كل مقال، وأبلغ من كل كلام، بل ويصرخ عمر! ويبكي أبو عبيدة! ويقول عمر: والله لئن أقدم فيضرب عنقي في غير إثم أحب إلي أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر ﵁.
ويبكي أبو عبيدة ويقول: أنت أفضل المهاجرين، وأنت ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأنت خليفة رسول الله في الصلاة وهي أعظم ديننا، أيرضاك رسول الله لديننا ولا نرضاك لدنيانا؟! ابسط يدك يا أبا بكر ابسط يدك فبسط الصديق يده، فقام الصحابي الجليل بشير بن سعد وكان أول من بايع كما في أصح الروايات، وبايعه عمر وأبو عبيدة، وازدحم الأنصار ﵃ ليبايعوا خليفة رسول الله ﷺ .
وما أن غربت شمس هذا اليوم إلا وقد غربت بكل جزئية من جزئيات الخلاف، والتأم الصف ورئب الصدع على يد ابن الإسلام المبارك التقي النقي على يد أبي بكر ﵁ وأرضاه، وخمدت نار الفتنة في مهدها، وكان يوماً عظيماً على الإسلام.
أيها الأحباب! لقد من الله على الإسلام في هذا اليوم بـ أبي بكر! حتى ظننت -وأنا أقرأ هذا المشهد من أكثر من مرجع- أن الله جل وعلا قد اختار لهذا اليوم أبا بكر بالذات، وبدأ الصديق ﵁ يعلن سياسته العامة للدولة.
стр. 70
خطبة أبي بكر بعد توليه الخلافة
أيها الأحباب! في اليوم الثاني كما روى ذلك ابن إسحاق بسند صحيح وقف الصديق على المنبر ليعلن سياسة دولته العامة ودستور الإسلام الخالد.
قال: أيها الناس! لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، وما ترك قوم الجهاد إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله؛ فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم.
قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
أي عظمة هذه؟! أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] ، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] .
стр. 71
توفيق الله لأبي بكر في إنفاذ جيش أسامة
وبدأ الصديق ﵁ أول أعماله الكبيرة العظيمة بإنفاذ بعث وجيش أسامة ﵁ وأرضاه.
هذا الجيش الذي كان على حدود المدينة المنورة، وقد أمر النبي ﷺ بإرساله لمناطحة العدو في الحدود الشمالية للدولة الإسلامية، على حدود الروم، ولتأديب قبائل قضاعة التي انحازت إلى الروم في غزوة مؤتة.
أرسل النبي ﷺ إليهم هذا الجيش لتأديبهم واختار لهذا الجيش أسامة الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره! وأمر الصديق بأن ينفذ جيش أسامة، ولم يتجاوز الجيش حدود المدينة المنورة إلا وقد أطلت فتنة برأسها كادت أن تدمر الأخضر واليابس لولا أن من الله على الإسلام -كما قال ابن مسعود - بـ أبي بكر ﵁.
بدأت فتنة أهل الردة والمرتدين، فمنهم من ارتد عن الإسلام بعد موت رسول الله ﷺ وهم لم يدخلوا في الإسلام إلا مداهنة وتقية، فلما مات النبي ﷺ ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة، وقالوا: كنا نؤديها لرسول الله، فلن نؤديها لأحد بعده، فقال الصديق قولته الخالدة: والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
ويومها ذهب الفاروق عمر ليناقش الصديق في هذه الفتوى ويقول: يا خليفة رسول الله! أتقاتل قوماً شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟! ألم يقل النبي ﷺ : من قالها عصم مني دمه وماله؟! ولكن الصديق كان أفهم الصحابة بحديث رسول الله ﷺ ، فقال: ألم يقل النبي ﷺ يا عمر! إلا بحقها والزكاة من حقها؟ والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.
يقول عمر فما لبث أن شرح الله صدري لما رأى أبو بكر ﵁.
ولما أطلت هذه الفتنة برأسها رأى بعض الصحابة وعلى رأسهم عمر وأسامة بن زيد قائد الجيش: أن في إرسال جيش أسامة مخاطرة رهيبة؛ لأن المدينة نفسها مهددة بالغزو من المرتدين، فلابد أن يبقى الجيش لحماية المدينة في هذا الظرف الحرج، ولكن هذا الرجل عجيب يظهر إيمانه ويقينه مرة أخرى ويعلن قولته الخالدة ويقول: والله لو تخطفتني الذئاب لأنفذت بعث أسامة ولست أنا الذي يرد قضاء قضاه رسول الله ﷺ ، فلابد أن ينفذ جيش أسامة.
فلما رأى الصحابة أبا بكر مصراً على رأيه ذهبوا إليه مرة أخرى وعلى رأسهم عمر، وقالوا: إن كان ولابد يا خليفة رسول الله فاجعل على رأس الجيش من هو أسن وأكبر من أسامة فمسك أبو بكر بلحية عمر وقال: ويحك يا ابن الخطاب! أيوليه رسول الله وأعزله أنا؟ والله لا يكون.
وأراد الصديق أن يفض هذا الإشكال فقام بنفسه مع عمر إلى حيث عسكر الجيش الإسلامي بقيادة أسامة وخرج إليهم على حدود المدينة فلقيهم أسامة بن زيد على ظهر فرسه والصديق يمشي على رجليه، فنظر أسامة الذي تربى في مدرسة النبوة وقال: يا خليفة رسول الله! والله إما أن تركب وإما أن أترجل، فقال الصديق والله لن أركب ولن تترجل! وأكثير عليَّ يا أسامة أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله؟! ومشى الصديق على الأرض إلى جوار قائد الجيش أسامة ابن الثمانية عشرة.
مشى خليفة المسلمين خليفة رسول الله إلى جوار أسامة ليبين للناس أنه إمام وأستاذ وقائد الموكب.
إن الإسلام لا ينظر إلى سن ولا نسب ولا إلى شرف، بل إن ميزان الإسلام هو التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] ، ووقف أبو بكر الصديق ﵁ ليزف هذه الوصايا وليبين لهذا الجيش المبارك دستوره الحربي في أعظم دستور عرفه التاريخ، فوالله ما عرف التاريخ دستوراً حربياً أعظم ولا أطهر ولا أشرف مما عرفه التاريخ في حروب الإسلام طيلة القرون الطويلة الماضية، وسوف يظل التاريخ يقف أمام هؤلاء وقفة إجلال وإعظام وإعزاز وإكبار! اسمعوا أيها الأحبة ماذا قال الصديق للجيش؟ حمد الله وأثنى عليه وقال: لا تخونوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا -أي بالجثث-، ولا تقتلوا طفلاً أو شيخاً كبيراً أو امرأة، ولا تحرقوا نخلاً ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرةً ولا بعيراً إلا للطعام، وسوف تمرون على قوم قد تفرغوا للعبادة في صوامعهم فدعوهم على ما هم عليه، ثم قال: اندفعوا باسم الله.
هذا هو الميثاق، وهذا هو دستور الحروب في الإسلام فأين أدعياء الحضارة الذين يتغنون ويرقصون لخدمة الإنسانية في الليل والنهار؟! أين أدعياء الحضارة الذين ساموا الإنسانية سوء العذاب؟! وإن ما يحدث على خشبة المسرح العالمي في جمهورية البوسنة والهرسك لأعظم دليل على أن هؤلاء كذبة فجرة وخونة، لا يعرفون من هذا المضمار إلا هذه الكلمات الجوفاء الكاذبة الرنانة.
أين هم من أبناء الشعب المسلم في البوسنة؟! سفكت دماؤهم، ومزقت أشلاؤهم، واغتصبت نساؤهم، وقتل أطفالهم وحرقت بيوتهم، أين هم من هؤلاء؟! (لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً أو شيخاً كبيراً أو امرأة، ولا تحرقوا نخلاً، ولا تقطعوا شجرة مثمرة) إنه دستور الإسلام! وانطلق الجيش على بركة الله وباسم الله، تحت راية الإسلام، وباسم التوحيد والإيمان، بأوامر هذا الابن المبارك للإسلام، إنه أبو بكر ﵁ وأرضاه!! وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 72
المصالح المترتبة على إنفاذ جيش أسامة
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اقتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فهكذا أنفذ الصديق ﵁ جيش أسامة الذي كان له أثر بليغ في قلوب هؤلاء المرتدين في أطراف الجزيرة العربية الذين قالوا: لو كانت المدينة بهذا الضعف الذي سمعنا ما خرج هذا الجيش الجرار لهذه المعركة الضارية، لمناطحة قوة الروم العاتية، وكانت هذه بركة من بركات أبي بكر ﵁، ووئدت نار فتنة المرتدين ومدعي النبوة وقد ظهر طليحة وظهرت سجاح مسيلمة وكل قد ادعى النبوة بعد موت رسول الله ﷺ .
стр. 73
ومن فضائل أبي بكر جمعه للقرآن
رحماك رحماك يا الله! أي فتن هذه التي تطل على أبي بكر؟! لقد وأد الصديق نار الفتنة في مهدها، ولم تتوقف بركاته عند هذا الحدث، وإنما بعد موقعة اليمامة ذهب إليه عمر وأشار إليه بجمع القرآن كما في حديث زيد بن ثابت الذي رواه البخاري وشرح الله صدره إلى ذلك، فأمر زيد بن ثابت بجمع القرآن.
يقول زيد: والله لو كلفني بنقل جبل لكان أهون علي، أو ما كان أثقل علي مما كلفني به.
وجمع الصديق القرآن لأول مرة، وكانت الصحف في بيته حتى توفي، ثم انتقلت إلى بيت عمر حتى توفي، ثم في بيت حفصة ﵃ جميعاً وأرضاهم.
وهذه بعض المواقف وبعض الدروس، وإلا فلو توقفنا مع الصديق لطالت بنا الوقفة ولطال بنا المقام، ولقد آليت على نفسي ألا أقف في كل لقاء مع كل شخصية من هؤلاء الأئمة وهؤلاء المصابيح إلا جمعة واحدة.
стр. 74
عهد أبي بكر بالخلافة بعده لعمر
أيها الأحباب! ونام الصديق بعد هذا التاريخ الحافل على فراش الموت ليسلم روحه إلى الله جل وعلا، ولكنه أضفى على الأمة وعلى الإسلام بركة أخرى لا يمكن أبداً أن ينتهي اللقاء إلا ونشير إليها إشارة، فلقد استدعى عثمان بن عفان ﵁، وقال: يا عثمان! اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وفي أول عهده بالآخرة داخلاًً فيها: أني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فأطيعوا له واسمعوا، ثم قال: فإن عدل فهذا علمي به وظني فيه، وإن بدل وغير فإن لكل امرئ ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله.
وأمر عثمان أن يخرج ليقرأ الكتاب على المسلمين، فقام المسلمون جميعاً وبايعوا عمر بن الخطاب ﵁، وما فعل ذلك الصديق إلا خشية من أن تحدث فتنة شديدة على الإسلام والمسلمين، ثم استدعى عمر فوصاه وصية جميلة رقيقة لا يتسع المقام والمجال لذكرها، ثم رفع الصديق يده ودعا الله لـ عمر بن الخطاب ﵁ وقال له: اللهم أصلحه وأصلح له الرعية.
وبعد أيام قليلة دخل ملك الموت مرة أخرى؛ لينزع أطهر روح وأشرف روح بعد روح المصطفى ﷺ ، ليقبض أبا بكر ﵁، ولما اشتد به الوجع دخلت عليه الصديقة عائشة ﵂ تقول: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فكشف الصديق الغطاء عن وجهه، وقال: لا تقولي هذا يا ابنتي وإنما قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] رضي الله عن أبي بكر وأرضاه وجمعنا الله جل وعلا به مع أستاذه ونبيه في جنة الله ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
اللهم اجز عنا أبا بكر خير ما جازيت مصلحاً أو صالحاً! اللهم اجز أبا بكر عن الإسلام خير الجزاء! اللهم اجمعنا به في دار كرامتك ومستقر رحمتك! اللهم صل وسلم وبارك على من علمه ورباه وخرجه وأنجبه لهذا الدين! اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه وزوجاته وأتباعه وأطهاره وأخياره الذين اتبعوه بإحسان إلى يوم الدين! اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، وقيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم وفق حكام المسلمين إلى العودة لكتابك، وسنة نبيك ﷺ ، أنت ولي ذلك ومولاه! وأكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا ونبينا محمد، فإن الله جل وعلا قد أمركم بذلك في محكم كتابه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 75
مصابيح الهدى - عمر بن الخطاب
الحديث عن سير الصالحين مما يقوي الإيمان، ويجسد شخصية القدوة التي تكاد أن تكون منعدمة في هذا الزمان، فكيف إذا كان الحديث عن ثاني الخلفاء الراشدين، وفاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب؟! إنه حديث ذو شجون، فهو الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وهم الرجل الملهم المحدث، وهو الذي أعز الله به الإسلام، فهو بحق قمة من قمم الإسلام، وسيرته مدرسة للجيل بأكمله، فرضي الله عنه وأرضاه.
следующие страницы →