← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7702

سلسلة إيمانيات

محمد حسان

Полный текст (114 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة إيمانية - أخلاق النبي ﷺ نبينا محمد ﷺ آية من آيات الله، وعجيبة من عجائب الكون، فهو نبي الرحمة، والنعمة المهداة إلى الأمة، صاحب الخلق الفاضل الرفيع، وقد شهد الله تعالى له بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، فحري بنا أن نتعرف على أخلاقه ﷺ لنقتدي بها في جميع شئون حياتنا.

стр. 2

بيان حسن خلق النبي ﷺ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة والأخوات، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذه اللحظات الطيبة على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أيها الأحبة! قد يكون من اليسير جداً أن تنجذب إلى زهرة وحيدة فريدة وسط صحراء مقفرة، لكن ماذا أنت صانع لو وقفت في بستان ماتعٍ مليءٍ بالزهور والرياحين التي تعددت ألوانها، وتنوعت أشكالها، وشدك عبيرها، فأنت تنتقل من زهرة إلى زهرة؛ لتقف في غاية المتعة واللذة والسعادة والسرور؟! ذلكم البستان الماتع هو بستان أخلاق الحبيب ﷺ ، فها نحن ننتقل من خلق إلى خلق، وتتصور وأنت تتحدث عن خلق واحدٍ من أخلاق الحبيب ﷺ أن هذا الخلق هو الأبرز. فإذا ما أنهيت الحديث على قدر ما منّ الله به عليك من علم وفضل، وانتقلت من هذا الخلق للحديث عن خلق آخر؛ وجدت نفسك في بستان ماتع آخر، وهكذا.

стр. 3

هدي النبي ﷺ في الرفق بالحيوان الرسول ﷺ آية من آيات الله جل وعلا، وعجيبة من عجائب الكون، ولا ينبغي على الإطلاق أن نجهل أو نتجاهل هذا التاريخ المشرق المضيء؛ لأننا نعيش الآن زماناً قد انحرفت فيه الموازين، وتغيرت فيه الحقائق وتبدلت. فنسمع الآن من يزعم أن الغرب هو أول من أصَّل وأسس جمعيات الرفق بالحيوان، ونحن لا ننكر أن الغرب يفعل ذلك الآن، لكن لا يجوز البتة أن يدعي أحد أن الغرب أسبق منا في هذا الأمر، فإن أول من أصَّل وأسس الرفق بالحيوان هو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، محمد ﷺ . تدبروا جميعاً هذه الكلمات النبوية الرقراقة، روى مسلم من حديث شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) . إلى هذا الحد! (إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) ليس من الرحمة أبداً أن تأتي بشاةٍ لتذبحها على مرأى ومسمع من مجموعةٍ أخرى من الأغنام، فهذا ليس من الرحمة، ونرى هذا المشهد في كل عيد من أعياد الأضحى في الشوارع والطرقات. ترى الرجل من إخواننا يقدم الشاة ليذبحها على مرأى ومسمعٍ من بقية الأغنام، والرسول ﷺ يقول: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) وأود أن أنبه بأنكم إذا وجدتم مخالفةً؛ فلا ينبغي أن ننسب المخالفة لمنهج النبي ﷺ ، ولا لدينه، وإنما المخالفة تنسب لنا؛ لأننا نحن الذين انحرفنا عن منهج رسول الله وعن خلق رسول الله ﷺ .

стр. 4

بغي تدخل الجنة في كلب سقته الحبيب ﷺ أخبرنا أن بغياً -زانية من زواني بني إسرائيل- دخلت الجنة في كلب، وأن امرأة دخلت النار في هرة والحديثان في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (بينما بغي من بغايا بني إسرائيل تمشي، فمرت على بئر ماء فشربت، وبينما هي كذلك مر بها كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فعادت إلى بئر الماء؛ فملأت موقها، -أي: خفها- ماءً، فسقت الكلب فغفر الله لها) كلب عطشان، وهي امرأة زانية، لكنها رحمته فغفر الله لها. يقول المصطفى الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صاحب الخلق العظيم: (فغفر الله لها) الله أكبر! ديننا هو دين الرحمة، والرحمة في ديننا ليست بالإنسان فحسب، بل حتى بالحيوان بالكلاب بالقطط بالعصافير؛ قارن هذه بالقسوة، والغلظة، والفظاظة التي نراها الآن في زماننا، وفي عالمنا المادي الوحشي القاسي، قارن بين هذه المعاني الرقراقة؛ تشعر أننا نعيش في زمانٍ آخر، وفي عالم آخر. أنت ترى الآن عالماً دمغ بالقسوة، عالم قاسٍ، عالم منّ الله عليه بهذه التكنولوجيا، وبهذا العلم، وبهذه المخترعات؛ ليحولها هذا العالم إلى وسائل إبادة للجنس البشري، فما من يوم يمر علينا إلا وترى الدماء تسفك، وترى الأشلاء تمزق في كل مكان على وجه الأرض، عالم مجنونٌ بالفعل؛ يصنع القنبلة، والصاروخ، والطائرة؛ ليدمر المصانع ليحرق المزارع ليهلك الحرث والنسل. يبيد الجنس البشري، ثم بعد ذلك تراه يدعو أهل الفضل وأهل الخير هنا وهنالك لجمع التبرعات؛ لإعادة التشييد والتعمير، عالم غريب عجيب!! النبي ﷺ يخبرنا أن زانية من زواني بني إسرائيل دخلت الجنة لأنها رحمت كلباً؛ فغفر الله لها بذلك. أقول: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا؟ أعيدها مرة ثانية وثالثة: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا؟ كيف يكون فضل الله عليك أيها الطبيب إن رحمت مريضاً؟ كيف يكون فضل الله عليكِ أيتها الطبيبة والممرضة إن رحمت مريضاً أو مريضة؟ كيف يكون فضل الله عليك إن رحمت فقيراً، أو أرملةً، أو يتيماً، أو مسكيناً، أو طفلاً؟ هذه رحمة الله بالبغي التي رحمت كلباً، فكيف تكون رحمةُ الله جل وعلا لمن رحم مسلماً، مؤمناً، موحداً، فقيراً، مستضعفاً، يتيماً؟ انظر إلى فضل الله، حبذا لو أطلنا النفَس مع هذه المعاني الرقراقة؛ لتفيء أمتنا والعالم إلى هذه اللمحات واللمسات الرقيقة المحمدية النبوية.

стр. 5

امرأة دخلت النار في هرة في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (دخلت امرأة النار في هرة) ، أي: في قطة. انظر! بغي تدخل الجنة في كلب، وامرأة تدخل النار في قطة، لماذا؟ قال ﷺ : (حبستها -أي: حبست القطة- فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) ، حبستها، فلم تقدم لها الطعام والشراب، ولم تطلقها لتأكل من رزق الله في أرض الله جل وعلا؛ فدخلت النار. فالأمر في غاية الخطورة. فو الله ما صلى المصلون، وما وحد الموحدون، وما زكى المزكون، وما حج الحاجُّون، وما خاف الخائفون، وما قام القائمون، وما ابتعد عن الحرام المبتعدون؛ إلا من أجل أن يفوزوا بالجنة، ومن أجل أن ينجيهم الله من النار، فتختزل هذه القضية العظيمة بهذه البساطة والسهولة في الرحمة. بغيٌ ترحم كلباً؛ فيدخلها الله الجنة، ويغفر لها الذنب، وامرأة تقسو على قطة وتعذبها حتى الموت، وتحرمها من الطعام والشراب، فتدخل النار، ثم بعد ذلك يدعي من يدعي أنه أول من أصَّل وأسس قضية الرفق بالحيوان! كلا، كلا، نحن لا ننكر أنهم يفعلون ذلك، لكن ينبغي أن تعلم أمتنا، وينبغي أن يعلم العالم كله أن محمداً ﷺ أخبرنا أن بغياً دخلت الجنة في كلبٍ، وأن امرأةً دخلت النار في هرة.

стр. 6

هدي النبي ﷺ في معاملة مخالفيه مداخلة: ذكرت أن هذا العالم عالم مجنون، تسفك فيه الدماء، وغرور القوة مسيطر تماماً على العالم كله، والأعداء يحاربون بكل ما هو محرم في كل مجال، يقتلون الأطفال، والنساء، والشيوخ، ويهدمون البيوت، ويحرقون الأشجار، فنريد أن نعرف خلق الرسول ﷺ في هذا؟! الشيخ: ما شاء الله، هذه لمحةٌ جميلة، وأتمنى أن العالم كله يقرأ التاريخ من جديد؛ فما زالت صفحات التاريخ مفتوحة، واسمح لي أن أستهل الجواب على سؤالك الجميل بقولةٍ لهذا المفكر الشهير بستاف لفن حينما قال: ما عرف العالم في التاريخ القديم والحديث ديناً سمحاً كالإسلام، وما عرف العالم في التاريخ القديم والحديث فاتحين متسامحين كالمسلمين، هذه حقيقة. مع أن رؤية الدم تثير الدم، وتحرك الشهوة للانتقام، لكن مع كل ذلك انظر إلى أخلاق النبي ﷺ ، وإلى أخلاق الدين حتى مع الأعداء. وأنا أود أن أقول: حينما نتحدث الآن عن خلق الحبيب ﷺ مع أعدائه؛ فنحن لا نريد بذلك أن نتحدث حديثاً ذهنياً بارداً باهتاً، وإنما نود أن نذكر العالم بصفةٍ عامة، وأمتنا المسلمة بصفةٍ خاصة، بأنه لا قيمة لهذه الأخلاق إلا إذا تحولت في حياتنا من جديد إلى واقع عملي، ومنهج حياة، وإلا فسيظل هذا المنهج المشرق حبراً على الورق. النبي ﷺ استطاع أن يقيم للإسلام دولة، واستطاع أن يربي جيلاً قرآنياً فريداً لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً، وذلك يوم أن نجح بطبع عشرات الآلاف من النسخ من المنهج التربوي الإسلامي الخلقي، لكنه ﷺ لم يطبعها بالحبر على صحائف الورق، وإنما طبعها على صحائف قلوب أصحابه بمداد من التقى والهدى والنور؛ فحولوا هذه الأخلاق النبوية العظيمة في حياتهم إلى واقع عملي ومنهج حياة.

стр. 7

حرص النبي ﵊ على هداية قومه انظر إلى النبي ﷺ في أحرج الأوقات، وفي أشد الأزمات، عن عائشة رضوان الله عليها- والحديث رواه البخاري ومسلم أنها قالت: (يارسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟!) ، ويوم أحد كان يوماً عظيماً، نزف فيه دم النبي ﷺ من جسده، وشج وجهه، وكسرت رباعيته، وتعرض النبي ﷺ للموت الحقيقي، بل لقد انتشر بالفعل في الميدان خبر قتل النبي ﷺ ، حتى ألقى بعض الصحابة السلاح وقالوا: وماذا نصنع بالحياة بعد موت رسول الله ﷺ ؟ فقام أنس بن النضر ﵁ -وحديثه في الصحيحين- فقال لهم: (قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ ، ونزل في هذه المعركة قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] . فالسيدة عائشة قالت له: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك ما لقيت يا عائشة، وكان أشد ما لقيت يوم عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال) ، وهو رجل من أشراف أهل الطائف، فحينما خرج الحبيب ﷺ من مكة إلى الطائف، ولم يخرج ليطلب مالاً، ولا ليطلب دنيا ولا جاهاً، ولا وجاهة، ولا شهرةً، ولا منصباً، وإنما ليخرجهم من ظلام الشرك والوثنية إلى أنوار التوحيد والإيمان برب البرية جل وعلا. تصور معي أنه ﷺ مشى من مكة إلى الطائف على قدميه أكثر من سبعين كيلو، لا توجد سيارة، ولا دابة، بل مشى على قدميه المتعبتين الداميتين، وتحت حرارة شمسٍ محرقة يعلمها كل من سافر إلى مكة للحج والعمرة، شمس انعكست أشعتها على الرمال؛ فكادت الأشعة المنعكسة أن تحرق الأبصار. طريق غير ممهدة، لم يركب حماراً، ولا بغلاً، ولا جواداً، ولا ناقة، ومع ذلك لما وصل إلى الطائف سلط الأشرافُ السفهاءَ والصبيان على رسول الله ﷺ ، ففعلوا به ما لا يتصور البتة أن يفعله إنسان صاحب مروءة بإنسان غريب؛ رموه بالحجارة، سبوه، شتموه، وعاد النبي ﷺ حزيناً كئيباً، قال النبي ﷺ : (فلما لم يجبني إلى ما أردت -أي: ابن عبد ياليل بن عبد كلال، وهو شريف الطائف- عدت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب) ، وقرن الثعالب مكان يبعد عن الطائف حوالي خمسة كيلو. أريد منك أخي أن تتصور، فكان من الهم الذي يحطم فؤاده، ومن الألم الذي يفتت كبده؛ لا يعرف أين هو، عاد وهو مهموم على وجهه دعوة مطاردة أصحابٌ مشردون في الحبشة، وصاحب الدعوة ﷺ يُضرب، ويُسب، ويُشتم، ويُرمى بالحجارة. أريد منك أن تتصور الحالة النفسية التي كان يعيشها النبي ﵊ في هذه اللحظات، يقول: (فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فإذ بسحابة قد أظلتني) -هذه هي التي شدت انتباهه، وهي التي أخرجته من الهموم والآلام والأحزان-: (فنظرت فرأيت جبريل ﵇ -والحديث في الصحيحين- فنادى جبريل على النبي الجليل ﷺ وقال: يا رسول الله! إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وإن الله تعالى قد أرسل إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت -بالله عليك افترض أي بشر في هذا الموقف؛ دماؤه تنزف مطرود مهان سبوه شتموه تصور كيف يكون الرد! - وإذ بملك الجبال ينادي عليّ: السلام عليك يا رسول الله! لقد أرسلني الله إليك لتأمرني بما شئت فيهم، لو أمرتني أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت) . ما هما الأخشبان؟ الأخشبان: جبلان عظيمان، يقال للأول: أبو قبيس، ويقال للجبل للثاني: الأحمر، ووالله الذي لا إله غيره لو كان الحبيب ﷺ ممن ينتقمون لأنفسهم وذواتهم وأشخاصهم، ولو كان الحبيب ممن خرج لذاته أو لمجد شخصي أو لانتفاع دنيوي حقيرٍ زائل؛ لأمر النبي ملك الجبال أن يحطم هذه الرءوس الصلدة، والجماجم العنيدة، ولسالت دماء من الطائف ليراها أهل مكة بمكة، لكن اسمع ماذا قال صاحب الخلق الرفيع؟ اسمع ماذا قال الرحمة المهداة لملك الجبال؟ قال النبي ﷺ : (بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) لم يبعث لعاناً ولا فحاشاً، وإنما كما قال هو عن نفسه ﷺ : (إنما بعثت رحمة) ، وكما قال ربه ﷻ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ، وكما قال ابن عباس: هو رحمة للفاجر والبار؛ فمن آمن به فقد تمت له النعمة، ومن كفر به أمن من العذاب في الدنيا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] .

стр. 8

نبي الرحمة يطلق ثمامة من أجمل ما ثبت في هذا الباب: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : (بعث خيلاً قبل نجد -بعث سرية من أصحابه- فجاءت هذه السرية برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وكان من أعدى أعداء النبي ﷺ ، وكان يتفنن في إيذائه، ويتفنن في تأليب القوم على النبي وعلى الإسلام، فلما أسره أصحاب النبي ﵊ انطلقوا به إلى المسجد النبوي، فربطوه في سارية من سواري المسجد حتى يخرج رسول الله ﷺ ، فدخل النبي ﵊ المسجد، فوجد ثمامة بن أثال مربوطاً في عمود من أعمدة المسجد النبوي؛ فاقترب الحبيب المصطفى من عدوه برحمة وود، وقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي خير يا محمد؛ إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال؛ فسل تعطَ من المال ما شئت) ، وهذا رد فيه قوة. الرسول ﵊ قال له: (ماذا عندك يا ثمامة؟) قال: عندي خير: (إن تقتل تقتل ذا دم) يعني: إن قتلتني اعلم بأنك ستقتل رجلاً له قوة وقبيلة وعشيرة، ولن تدع دمه يضيع هدراً على الإطلاق، (وإن تنعم تنعم على شاكر) يعني: إن أحسنت إليّ وأنعمت علي، وأطلقت سراحي فلن أنسى لك هذا الجميل أبداً ما حييت. (سل تعطَ من المال ما شئت) أي: إن كنت تريد مالاً فسل تعط، فتركه الحبيب ﷺ ، ولم يأمر بقتله، وهو عدوه!. وفي غير رواية الصحيحين: (أمر النبي الصحابة أن يحسنوا إليه) ؛ لكن لحكمة نبوية أبقى النبي ثمامة في المسجد؛ ليطلع بنفسه على حال النبي مع أصحابه، وليسمع القرآن غضاً طرياً من فم رسول الله ﷺ ، ويعايش الإسلام؛ لأن المسجد كان بيئةً حيةً للدين كله: (فدخل عليه في اليوم الثاني فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دمٍ، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد مالاً؛ فسل تعطَ من المال ما شئت. فتركه النبي ﷺ ، ثم دخل عليه في اليوم الثالث وقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال؛ فسل تعطَ من المال ما شئت؛ فقال صاحب الخلق الكريم: أطلقوا ثمامة) . أطلقوه، لا نريد مالاً ولا شكوراً ولا ثناءً. إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإذا أنت أكرمت اللئيم تمردا ثمامة سيد أهل اليمامة، سيد قومه، رجل عربي أصيل، لما أطلق النبي سراحه؛ انطلق إلى بستان نخل قريب من المسجد النبوي فيه بئر، فاغتسل ثم عاد مرة أخرى إلى المسجد النبوي، فوقف بين يدي الحبيب صلوات الله وسلامه عليه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. اسمع وأصغ للحوار الجميل الذي دار بين ثمامة وبين النبي ﵊، نظر ثمامة إلى النبي فقال له: (والله ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغض إلي من وجهك -مصارحة شديدة- فأصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي ﷺ ، والله ما كان دين على وجه الأرض أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك الآن أحب الدين كله إلي، والله ما كان على وجه الأرض بلدٌ أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك الآن أحب البلاد كلها إليّ. يا رسول الله! لقد أخذتني خيلك وأنا في طريقي إلى العمرة) . ذهب يعتمر على شركه، وكانوا يلبون، ويحجون، ويعتمرون، ويقولون: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) ، سبحان الله قال له: (لقد أخذتني خيلك وأنا في طريقي إلى العمرة، فبماذا تأمرني؟) فبشره رسول الله ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: (فبشره) أي: بالجنة، أو بمحو السيئات؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، ولأن التوبة تجب ما قبلها؛ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر. وفي رواية مسلم: (أنه أول ما وصل إلى مكة لبى، وجهر بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) . ففزع القوم! من هذا الذي يتحدانا ويعلن التوحيد بهذه الصورة؟! أول من جهر بالتلبية في مكة هو ثمامة بن أثال. فتساءلوا: من الذي لبى بمكة معلناً للتوحيد برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم؟ اقترب منه المشركون وقالوا: أصبأت -يعني: أكفرت؟ - قال: لا، بل تبعت محمداً ﷺ على دينه، ثم قال: والله لا تصل إليكم بعد اليوم حبة حنطة -يعني: حبة قمح- إلا أن يأذن فيها رسول الله. وانظر إلى هذا الرجل حين أسلم؛ بدأ يُسخِّر كل طاقاته، وقدراته، وإمكاناته لدين ربه جل وعلا، يوم أن خلع على عتبة الإيمان رداء الشرك والكفر؛ وظَّف كل ما يملك لدين الله ، ففرض حصاراً اقتصادياً -على سبيل التحقيق لا على سبيل المجاز- على مكة وأهلها. وفي رواية ابن إسحاق: (حتى اشتدت المجاعة بهم بالفعل) ؛ لأن القمح كان يصل إليهم من اليمامة، وهو سيد أهل اليمامة؛ فمنع كل حبة قمح تصل إلى مكة وأهلها، إلا بعد أن يأذن رسول الله. يقول ابن هشام في روايته: (حتى أكل أهل مكة العلهز) ما هو العلهز؟ العلهز صوف يشوى، ويضاف إليه بعض الأشياء، يؤكل في وقت المجاعات حين لا يوجد شيء، فذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا: إنك تدعو إلى صلة الرحم، وتأمر بصلة الرحم، وأنت قد قطعت أرحامنا حينما أمرت ثمامة بن أثال؛ فاؤمر ثمامة بن أثال ألا يحول بيننا وبين الميرة؛ فأرسل النبي ﷺ إلى ثمامة بن أثال وقال: خلِّ بينهم وبين الميرة. انظر كيف حول إحسان النبي ﷺ البغض الكامن الدفين في قلب ثمامة إلى حب مشرق، فبالإحسان تأسر القلوب، وبالرفق وباللين تحول البغض إلى حب، وتحول الكراهية إلى قرب. فالعنف يهدم ولا يبني، والشدة إذا استخدمت في غير موضعها تفسد ولا تصلح، والنبي ﷺ يقول: (ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) . انظر إلى إحسانه وأخلاقه الكريمة مع ثمامة، ما قال: اذبحوه، اقتلوه، اصلبوه، عذبوه، فهو هو، وإنما أمر الصحابة رضوان الله عليهم أن يحسنوا إليه؛ وتأثر هذا الرجل بالإحسان، وهذا هو شأن أهل الكرم في كل زمان.

стр. 9

نبي الرحمة مع وهب بن عمير روى ابن إسحاق بسند جيد -وإن كان بعض أهل العلم قد ضعف السند من باب الأمانة العلمية- (أن عمير بن وهب جلس مع صفوان بن أمية بعد غزوة بدر في حجر إسماعيل في بيت الله الحرام، فتذاكرا ما كان في بدر، وتذكرا هزيمتهم المنكرة في بدر، فقال عمير لـ صفوان: والله لولا دين علي، وعيال عندي أخشى عليهم الضيعة بعدي؛ لركبت إلى محمد لأقتله؛ وكان ابن وهب بن عمير أسيراً في المدينة بعد غزوة بدر، فالتقطها صفوان وقال: دينك علي، وعيالك عيالي، أواسيهم بمالي، ولا أمنع شيئاً عنهم، واركب إلى محمد فاقتله، فقال له: فاكتم هذا الخبر، ولا تخبر به أحداً، وتعاهدا على ذلك، وعاد عمير بن وهب إلى بيته؛ فشحذ سيفه، وأغرقه في السم، وانطلق إلى المدينة ليقتل رسول الله ﷺ ، ولما وصل إلى باب المسجد النبوي أناخ راحلته، وشد سيفه، وانطلق، فرآه عمر بن الخطاب ﵁، وهو صاحب الفراسة وصاحب الفطنة والذكاء، فقال عمر ﵁: هذا عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر؛ فلببه عمر بثيابه -خنقه-، وجره بثيابه حتى أوقفه بين يدي النبي ﷺ ، وظل عمر ممسكاً بمجامع ثوبه حتى قال النبي لـ عمر: أرسله يا عمر -اتركه- فوقف عمير بن وهب بين يدي الحبيب ﷺ ؛ فقال له النبي: ما الذي جاء بك يا عمير؟ قال: ولدي أسير عندكم، وجئت إليكم لتحسنوا إلي في فدائه، فقال له النبي: فما بال السيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف؛ وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر؟ فقال له النبي ﷺ : اصدقني يا عمير ما الذي جاء بك؟ قال: ما جئت إلا لهذا، فقال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: بل جلست مع صفوان في حجر إسماعيل، وذكرتما بدراً، وقلت لـ صفوان: لولا دين علي، وعيالٌ أخشى عليهم الضيعة بعدي؛ لركبت إلى محمد لأقتله. فقال لك صفوان: دينك علي، وعيالك عيالي، أواسيهم بمالي، ولا أمنع شيئاً عنهم، واركب إلى محمدٍ فاقتله، وتعاهدتما على الكتمان، فشحذت سيفك، وأغرقته في السم، وأتيت إلى هنا لتقتلني، لكن الله حائل بينك وبين ذلك، فقال: أشهد أنك رسول الله، والله لا يعلم بهذا الخبر أحد إلا أنا وصفوان؛ فأحمد الله الذي ساقني هذا المساق، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال النبي ﷺ : خذوا أخاكم وعلموه القرآن ... ) .

стр. 10

ضرورة جعل أخلاقه ﷺ منهج حياة مشاهد السيرة مشاهد رقراقة، وأنا لا أسوقها لمجرد الاستمتاع السلبي؛ لأنه يؤلمني جداً أن كثيراً من أحبابنا وإخواننا حينما يستمعون إلى مثل هذه النماذج الفريدة من أخلاق الحبيب يقول: يا سلام، كان يا مكان، على عهد النبي ﵊. قد استمعنا إلى قصة عنترة بن شداد أو إلى قصة الزير سالم أو إلى قصة أبي زيد الهلالي، وكأننا لسنا ملزمين بأن نحول هذه الأخلاق الراقية الرائعة في حياتنا إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة. حبر من أحبار اليهود، أي: عالم من علمائهم اسمه زيد بن سعنة، روى قوله الطبراني بسند رجاله ثقات، ذكر هذا الرجل أنهم يعرفون أخلاق النبي ﷺ في التوراة، ويعرفون صفته؛ لأن التوراة بشرت برسول الله وذكرت صفة رسول الله ﷺ ، كما قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦] ، وكذا ذكر عبد الله بن سلام، حبر اليهود الأعظم، الذي أسلم حينما وصل النبي من مكة إلى المدينة مهاجراً، يقول عبد الله بن سلام: (فلما نظرت إلى وجه النبي عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب) ، وسأل النبي ﵊ أسئلة غيبية -والحديث في الصحيحين- قال: (إن أجبتني عنها؛ عرفت أنك نبي؛ لأنه لا يعرف الجواب عنها إلا نبي، قال: سل! قال: ما هو أول طعام لأهل الجنة؟ وما هي أول علامات الساعة؟ ومتى ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ -يعني: متى يكون المولود ذكراً، ومتى يكون المولود أنثى؟ - فقال النبي ﷺ لـ عبد الله بن سلام: لقد أخبرني بالجواب جبريل آنفاً، أما أول طعام لأهل الجنة: فزيادة كبد الحوت، وأما أول علامات الساعة فنار تخرج من المشرق؛ لتطرد الناس إلى محشرهم، ثم ذكر متى ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه) ؛ وهذه المعلومة الأخيرة لم يعرفها العلم الحديث إلا في السنوات الماضية، وقد أخبر بها النبي ﷺ قبل مئات السنين ﵊، وصدق ربي إذ يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣-٥] ، قال في الحديث: (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة كان ذكراً بإذن الله، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل كانت أنثى بإذن الله) ، وفي لفظٍ: (إذا علا ماء الرجل ماء المرأة؛ أذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل؛ آنثا بإذن الله) . قال عبد الله بن سلام: (والله إني لأقر لمحمدٍ بالنبوة أكثر مما أقر لابني بالبنوة) ، عبارة عالية جداً: (والله إني لأقر لمحمد بالنبوة أكثر مما أقر لابني بالبنوة) ؛ لأن الذي شهد بنبوة محمد ﷺ هو الله جل وعلا، وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] ، لا أحد.

стр. 11

النبي ﵊ يسبق حلمه غضبه زيد بن سعنة كان حبراً مثل عبد الله بن سلام، عرف أوصاف النبي ﵊ فقال: (والله ما من شيء من علامات النبوة إلا وقد رأيته في محمد ﷺ ، إلا أنني لم أعرف من العلامات علامتين: الأولى: يسبق حلمه جهله، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً) يعني: حلمه أسبق، ولو جهل عليه ازداد بهذه الجهالة حلماً. قال: (فخرج رسول الله ﷺ يوماً من الحجرات، ومعه علي بن أبي طالب، فاستوقفه رجل، فقال: يا رسول الله! إن قومي من بني فلان في قرية كذا قد دخلوا الإسلام، وقد وقع بهم شدة، وكنت قد وعدتهم إن دخلوا في الإسلام أن يأتيهم رزقهم رغداً، وأخشى اليوم أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا في الإسلام طمعاً، فإن رأيت أن تغيثهم بشيء من المال فعلت، وجزاك الله خيراً، فالتفت النبي ﵊ إلى علي وكأنه يريد أن يسأله عن مال، فقال علي: والله ما بقي منه شيء يا رسول الله. قال زيد بن سعنة: فانطلقت إلى النبي ﷺ فقلت: يا محمد! بعني تمراً معلوماً في حائط بني فلان إلى أجلٍ معلوم، فقال له النبي ﷺ : لا تسم حائط بني فلان، قال: قبلت، قال: فأعطيت النبي ثمانين مثقالاً من ذهب، فدفعها كلها إلى هذا الرجل، وقال: أغث به قومك، وانطلق. قال: فخرج النبي ﷺ يوماً يصلي على جنازة، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فجلس إلى جوار جدار في المدينة من شدة الحر، قال زيد بن سعنة: فانطلقت إليه وأنا مغضب، وأخذت النبي من مجامع ثوبه، وقلت له: أدِ ما عليك من حق يا محمد، فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا مطلاً يعني: في سداد الحق، تصور هذا المشهد وسط الصحابة! فانقض عمر رضوان الله عليه، وقال: يا عدو الله! تقول هذا لرسول الله، وتفعل به ما أرى؟! والله لولا أني أخشى غضبه لضربت رأسك بسيفي هذا، فماذا قال النبي ﵊؟ قال: يا عمر! والله لقد كان من الواجب عليك أن تأمرني بأداء الحق، وأن تأمره بحسن الطلب، خذه يا عمر فأعطه حقه، وزده عشرين صاعاً من تمرٍ جزاء ما روعته، فأخذه عمر رضوان الله عليه فأعطاه حقه وزاده عشرين صاعاً من تمر؛ فقال له زيد بن سعنة: ما هذه الزيادة؟ قال: أمرني رسول الله أن أدفعها لك جزاء ما روعتك، قال له: ألا تعرفني يا عمر؟ قال: لا أعرفك، قال: أنا زيد بن سعنة، قال: حبر اليهود؟ قال: نعم، قال: وما الذي حملك أن تفعل برسول الله ما فعلت، وأن تقول له ما قلت؟ قال: يا عمر لقد نظرت في علامات النبوة؛ فوجدت كل العلامات فيه، لكنني أردت أن أختبر فيه هاتين العلامتين: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهالة عليه إلا حلماً، وهأنذا قد جربتهما اليوم فيه؛ فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنه رسول الله ﷺ ، وتصدق بشطر ماله للفقراء والمساكين، وجاهد مع النبي ﷺ ، وشهد معه معظم الغزوات، وقتل شهيداً مقبلاً غير مدبر في غزوة تبوك) .

стр. 12

أعظم خدمة للإسلام هي العمل بأخلاق النبي ﵊ مداخلة: في هذا الوقت نرى صراع الإسلام والغرب، وعرفنا أخلاق الرسول ﷺ ، ولكن ما أكثر الذين هجروا خلق الرسول ﷺ ، وهجروا الغاية التي من أجلها بعث، فيجب علينا إذا كنا نريد أن نقول للعالم شيئاً، وننشر الإسلام، ونظهر صورة الإسلام على حقيقتها؛ أن نتمثل أخلاق الرسول ﷺ قبل أن ننشرها. الشيخ: أنا دائماً أقول لإخواني: إن أعظم خدمةٍ نقدمها اليوم للإسلام؛ هي أن نشهد للإسلام على أرض الواقع شهادة عمليةً بأخلاقنا وسلوكنا، بعدما شهدنا له جميعاً بألسنتنا شهادة قولية، فيجب علينا -أيها الأفاضل- أن نرجع إلى خلق الحبيب ﷺ ؛ لنحوله في حياتنا إلى واقع عملي، ومنهج حياة. فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا والحمد لله رب العالمين.

стр. 13

سلسلة إيمانية - أسلوب النبي في الدعوة لقد اجتمع في النبي ﷺ أعظم الصفات الخَلقية والخُلقية التي لم يؤتها الله عبداً من عباده غيره، وجماع أخلاق النبي ﷺ هو القرآن الذي أنزله الله عليه، وجميع الناس وخاصة العلماء والدعاة إلى الله بحاجة إلى أن يستقوا من رحيق خلقه ﷺ في تعامله مع الناس وحكمته في الدعوة إلى الله، فإن منهجه في الدعوة هو المنهج الذي يجب اتباعه وعدم مخالفته.

стр. 14

صفة النبي الخَلقية والخُلقية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته أيها الإخوة الكرام، وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله الذي جمعني بكم جميعاً في هذه اللحظات الطيبة على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة، وإمام النبيين، وسيد المرسلين، في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. لقد أحسن الله لنبينا ﷺ الخَلْق والخُلُق، بل وأكمل له المحاسن خَلْقاً وخُلُقاً. فلقد كان النبي ﷺ -كما ذكرت قبل ذلك- عجيبة من عجائب الكون، وآية من آيات الله ﵎، كان أحسن الناس وجهاً، وكان إذا سر وسعد استنار وجهه كأنه فلقة قمر! بل كان ﷺ إذا غضب يحمر وجهه، حتى تشعر وكأنك قد فقأت في وجهه حب الرمان، ﷺ . كان أبيض مليحاً كأنما صيغ من فضه، كانت لحية الحبيب ﷺ تملأ صدره، كان كث اللحية، وكان واسع الصدر عظيم المنكبين، وكان ﷺ إذا تكلم كأن النور يخرج من بين ثناياه ﷺ . يقول علي رضوان الله عليه، وهو الذي تربى في حجره: (والله لم أر قبله ولا بعده أحسن منه) ، ﵊، وانظر إلى ما يقول سيدنا البراء بن عازب، والحديث في الصحيحين: (ما رأيت من ذي لمة -اللمة: بكسر اللام وتشديد الميم، هو الشعر الذي يجاوز شحمة الأذنين- في حُلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ ، ويقول أبو هريرة رضوان الله عليه -والحديث في مسند أحمد وسنن الترمذي بسند صحيح -: (والله ما رأيت أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه) أتمنى أن نعيش في هذه اللحظات مع النبي ﵊، وفي لفظ: (إذا نظرت إلى رسول الله ﷺ قلت: إن الشمس طالعة) ، الله! وانظر إلى التعبير الجميل، والوصف البديع الذي يصف به سيدنا أنس خادم سيدنا رسول الله ﷺ ، يصفه وصف محب لحبيبه، والحديث في الصحيحين، ماذا قال؟ قال: (خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين -أي: أنه كان مع النبي ﵊ ليلاً ونهار، إلا في الأوقات الخاصة به ﵊ فما قال لي: أف قط، وما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ وما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله، وما شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله) ، بأبي هو وأمي وروحي!

стр. 15

كان عرق النبي ﷺ أطيب من المسك نعم كان عرق الحبيب ﷺ أطيب من المسك، روى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده وغيرهم: (عن أم سليم رضوان الله عليها أن النبي ﵊ كان عندها في وقت الظهيرة يوماً، وكان الجو شديد الحر، فعرق رسول الله ﵊؛ فجاءت أم سليم ﵂ بقارورة (زجاجة) ، لتسلت العرق في هذه الزجاجة، فاستيقظ النبي ﵊، وقال: ما تصنعين يا أم سليم؟! قالت: عرقك أطيب طيبنا يا رسول الله!) . وتعال انظر إلى أم معبد رضوان الله عليها، التي شرفت وكرمت بأن دخل الحبيب ﷺ خيمتها يوم الهجرة، وهي لا تعرف رسول الله ﵊، ودخل الخيمة، وكانت لا تملك شيئاً إلا الشاة التي كانت لا تحمل لبناً؛ لأنه لم ينز عليها الفحل بعد، ولما سألها الصديق رضوان الله عليه هل من طعام أو شراب؟ قالت: والله! لا أملك إلا هذه الشاة التي لم يسر اللبن في ضرعها بعد، ومسح النبي ﷺ على ظهر هذه الشاة، وسال اللبن، وتحرك الضرع بهذا اللبن الغزير الوفير؛ فتعجبت هذه المرأة من هذه البركات التي حلت عليها وعلى خيمتها!! من هذه الإشراقات والأنوار الربانية التي حلت بدخول سيد البشرية في خيمتها!! فلما انصرف النبي ﵊ ورجع زوجها؛ وجد أن الأمر فيه شيء، وأن الوضع متغير. يا أخي! لو دخل مصعب بن عمير رضوان الله عليه شارعاً من الشوارع وطريقاً من الطرقات، كان أهل الطريق يعرفون أن مصعبا قد دخله لطيبه وريحه، فما ظنك بطيب الطيب ﷺ !! ونحن قد قلنا: إن عرقه أطيب من الطيب ﵊، فلما عاد زوج أم معبد سألها، فقصت عليه، قال: لعله الرجل الذي خرج في مكة -وهو لا يعرفه- صفيه لي يا أم معبد! وانظر إلى المرأة العربية البدوية، تصف الحبيب ﷺ وصفاً عجيباً، فتقول ببساطة: (رجل ظاهر الوضاءة، مليح الوجه، حسن الخلق، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم علاه البهاء ﵊ أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً) تعبير عجيب؛ غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً! قال الشاعر: أغر عليه للنبوة خاتم من نور يلوح ويشهدُ وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمدُ ﷺ . لا أريد أن أطيل النفس في وصف رسول الله ﷺ ؛ فنحتاج إلى لقاءات ولقاءات.

стр. 16

رحمة النبي ﷺ مداخلة: نحن مشتاقون في الحقيقة إلى الكلام عن النبي ﷺ ، وهذا الزمان قد أصبح العالم فيه مادياً وقاسياً وظالماً، ونحن محتاجون إلى الرحمة، فكلنا محتاجون إليها، فليتك تكلمنا عن رحمة الرسول ﷺ !! الشيخ: صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. لقد كان النبي ﵊ رحمة لكل العالمين، وليس كما يفهم البعض من أنه ﷺ كان رحمة للمسلمين فحسب، كلّا، هو رحمة للمسلمين ولغير المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ؛ قال ابن عباس ﵄: (رسول الله ﷺ رحمة للفاجر والبار) ، ما هذا؟ رحمة للبار؟ نعم. مقبول، لكن النبي ﵊ رحمة للفجار للكفار؟! لماذا؟ لأنه بمجرد أن بعثه ربه ﵎، وعده بألا يعذب القوم ما دام رسول الله فيهم، قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] . فمن آمن به ﵎ فقد اكتملت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر به رحم في الدنيا، ونجا من عذاب الدنيا، وبعد ذلك يعاقبه أو يحاسبه ربه بما شاء وكيف شاء في الآخرة. ومن ثم كان الحبيب ﷺ رحمة للعالمين: للفجار للكفار للأبرار الموحدين والمؤمنين المصدقين به ﷺ . فرسول الله ﷺ بعثه ربه رحمة، ولذلك قال سيدنا النبي ﷺ : (إنما أنا رحمة مهداة ... ) الحديث، وإن كان قد روي مرسلاً، إلا أن الحاكم قد رواه موصولاً بسند صحيح، وأقر الحاكم الذهبي وغيره. وفي صحيح مسلم: (قالوا للنبي ﵊: ادع الله على المشركين! فقال: إني لم أبعث لعاناً، إنما بعثت رحمة مهداة) ، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. انظر إلى رحمته بالأمة ﵊: النبي ﵊ جلس يوماً فقرأ قول الله ﵎ في سورة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦] ، انظر إلى كلام سيدنا الخليل، هذا كلام إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، يقول: (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) ، يعني: الأصنام والآلهة المكذوبة المدعاة، (فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني) لم يقل: فانتقم منه فأهلكه، بل قال: (فإنك غفور رحيم) . (فلما قرأ النبي ﷺ هذه الآية في حق خليل الله إبراهيم، وقرأ قول الله في عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] ، بكى، فقال الله لجبريل ﵇: يا جبريل! انزل إلى محمد ﷺ فسله: ما الذي يبكيك؟ فنزل جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ وسأله: ما الذي يبكيك؟! فقال الحبيب ﷺ : أمتي! أمتي! يا جبريل، أمتي! أمتي! يا جبريل، فصعد جبريل إلى الملك الجليل، فقال: يبكي على أمته -وهو أعلم ﷻ فقال الله ﵎ لجبريل: انزل وقل لمحمد ﷺ : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) . فوالله ما كرمت هذه الأمة إلَّا لكرامة الله للمصطفى. قال الشاعر: ومما زادني فخراً وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا (انزل إلى محمد ﷺ فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك) ولذلك روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة) ، أي: كل نبي له دعوة، وعده الله ﵎ أن يستجيبها، (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته إلا أنا، فإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئاً) .

стр. 17

صفة النبي ﷺ في الكتب السماوية السابقة لقي عطاء بن يسار -كما في صحيح مسلم- عبد الله بن عمرو ﵄ فقال له: (أخبرني بصفة رسول الله ﷺ في التوراة) ؛ لأن عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بشر بنبينا محمداً ﷺ ، وكذلك نبي الله موسى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦] . فـ عبد الله بن عمرو رضوان الله عليه يصف رسول الله ﷺ بنفس صفته التي وردت في التوراة: كتاب موسى، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فقال عطاء بن يسار: (صف لي رسول الله بصفته التي وصف بها في التوراة، فقال عبد الله بن عمرو: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، فيقول: لا إله إلا الله، حتى يفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً) .

стр. 18

كان خلقه القرآن كان النبي ﷺ قرآناً متحركاً في دنيا الناس كما قالت الفقيهة الحَصان الرزان الصديقة بنت الصديق عائشة رضوان الله عليها وهي تصف الحبيب ﷺ هذا الوصف البليغ العجيب حين قالت: (كان خلقه القرآن) . نعم، لقد كان الحبيب قرآناً متحركاً بين الناس، وهذا هو السر الحقيقي الذي جعل القلوب تتعلق به، وتشتاق إليه، وتهفو إليه، وتحن إليه، بل وتحترمه مع أنها قلوب أعدائه، فقلوب الأعداء أجلته وأحبته وأكرمته، لماذا؟ لأنه كان قرآناً متحركاً بين الناس، كان إذا أمر فهو أول من يأتمر، وكان إذا نهى فهو أول من ينتهي، وكان إذا حد فهو أول من يقف عند حدود الله ﵎. لما أمر بالعبادة قام متعبداً خاشعاً خاضعاً بين يدي الله حتى تورمت قدماه، فلما سئل عن ذلك قال: (أفلا أكون عبداً شكوراً؟!) . ولما أمر بالبذل؛ أنفق كل ما يملك، حتى جاءه رجل ليسأله الصدقة؛ فأعطاه الحبيب غنماً بين جبلين، فعاد هذا الرجل إلى قومه ليقول: (يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) . أمرهم بالجهاد وبذل النفس؛ فكان في مقدمة الصفوف، لا يجبن ولا يتأخر، بل كان إذا اشتد الوطيس وحميت المعارك، وفر الشجعان، وصمتت الألسنة الطويلة، وخطبت السيوف والرماح على منابر الرقاب؛ قام الحبيب ينادي بأعلى صوته ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) ﷺ . من هنا تعلقت به القلوب؛ لأنه كان قرآناً متحركاً في دنيا الناس.

стр. 19

أسلوب النبي ﷺ في الدعوة مداخلة: طيب، كلنا نرى الناس هذا الوقت فيهم بعض القسوة، والدعوة لهذا فن وخلق وأسلوب، فليتك تكلمنا عن الرسول ﷺ وخلقه في الدعوة. الشيخ: ما شاء الله، جميل، أود في البداية أن أقول: ليس كل من ينشغل بالدعوة إلى الله يتصف بمثل ما تفضلت به، ولكنني أتفق مع حضرتك تماماً في أن بعض إخواننا ممن يتحركون لدين الله ولدعوة الله لا يعرفون شيئاً عن خلق صاحب الدعوة ﷺ ، في كيفية وفن الدعوة إلى الله ﵎. نعم أخي الحبيب، وجزاك الله خيراً؛ لأننا في أمس الحاجة الآن إلى أن يتربى شبابنا، وإلى أن يتعلم دعاتنا من سيد الدعاة، وإمام التقاة، وسيد النبيين والمرسلين ﷺ . أيها الأفاضل! إننا لا نتعامل في دنيا البشر مع ملائكة بررة، ولا مع شياطين مردة، ولا مع أحجار صلدة، إنما نتعامل مع بشر، وفيهم الخير والشر فيهم الحلال والحرام فيهم الحق والباطل فيهم الإقدام والإحجام فيهم الطاعة والمعصية. فيجب علينا أن نعلم يقيناً أن لهذه النفوس البشرية مفاتيح محددة، يجب علينا أن نمسك بها؛ حتى نستطيع أن نسبر أعماق هذه النفوس البشرية؛ لنصل إليها من أقصر طريق، وأفضل وأقصر طريق لنصل من خلاله إلى قلوب الناس هو طريق محمد ﷺ ؛ لأنه ينطلق من منطلقات ثابتة حددها له ربه ﵎، إن المنهج الدعوي منهج توقيفي، ليس برغبتك ولا برغبتي، منهج الدعوة إلى الله منهج توقيفي له ضوابط، وله أصول. صحيح قد تختلف وسيلة الدعوة من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان؛ قد تختلف من دعوة إلى الله بالأشرطة بالكتيبات بأي وسيلة من الوسائل، لكن المنهج توقيفي، لا يجوز لأي داعية -أياً كان- أن يختار لنفسه المنهج الذي يريد.

стр. 20

قصة: صلِّ يا حمار ! والله الذي لا إله غيره، لقد رأيت -وأنا في طريقي إلى مسجد من المساجد- رجلين التقى كل منهما بالآخر، ويبدو أن أحدهما كان على سفر، فتعانقا وتصافحا في ساحة المسجد، في المكان الذي يتوضأ فيه الناس. فقد دخل الرجلان بيت الله للصلاة، وبعد ذلك وقفا وتكلما: كيف الحال؟ وأنت فعلت ماذا وطال الوقوف، وإذ بأحد الإخوة أراد أن يذكر الرجلين بالدخول إلى المسجد حينما سمع المؤذن يقيم الصلاة، فوجدت هذا الرجل، ودخلت بقدر الله في هذا التوقيت، وإذ بهذا الأخ يقول للرجلين: صلّ يا حمار أنت وهو؛ فاقتربت منه، وأسكته آخذاً بكتفه وقلت له: لن يصليا، قال: كيف يا شيخ؟ قلت: لن يصليا يا أخي، قال: كيف لن يصليا؟ قلت له: هل فرض ربنا الصلاة على الحمير؟! الحمير لا تصلي؛ فاستحيا، قال: معذرة، قلت: اعتذر لهما يا أخي، لا تعتذر لي!! هذه ليست طريقة دعوة إطلاقاً، نحن بذلك نخسر! أهل الباطل يتفننون في جذب القلوب إلى باطلهم، فيجب على أهل الحق أن يوصلوا الحق الذي معهم إلى القلوب بالحق بالحكمة بالرحمة بالتواضع بالأدب؛ هذه أخلاق سيد الدعاة ﷺ . الزم هذا المفتاح تدخل به إلى البشرية! مداخلة: معناه أن النفس البشرية مختلفة. الشيخ: نعم، مختلفة، وهل تعرف ما المفتاح؟ حكمة، رحمة، تواضع، أدب، لا ينبغي على الإطلاق أن أخاطبك ولسان حالي يقول: أنا التقي وأنت الشقي، أنا الطائع وأنت المذنب، أنا المطيع وأنت العاصي، أنا العالم وأنت الجاهل! لا، ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] ، تذكر: إن كنت عالماً فمن الذي علمك؟ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] .

стр. 21

قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد هيا بنا نرجع لصاحب المنهج، لخلق الحبيب ﷺ في الدعوة إلى الله ﵎، بالله عليك ماذا نفعل الآن لو دخل علينا رجل مسجدنا الذي نصلي فيه، وعلى مرأى ومسمع من الحضور قام هذا الرجل في جانب من جوانب المسجد، وتبوَّل -أعزكم الله-؟!! مداخلة: سنقوم عليه كلنا. الشيخ: أنا أتصور أنه لن يخرج من المسجد إلا محمولاً على نقَّالة، بل والله يا أخي أنا لا أبالغ إن قلت لك: لو فعل هذه الفعلة طفل لضرب! لكن انظر إلى خلق الحبيب انظر إلى المنهج الدعوي، رجل أعرابي ليس له في (الأتيكيت) ولا يفهم في هذه المسائل، أراد أن يبول، وهو في المسجد النبوي، ولاحظ: أن المسجد ما كان خالياً، فسيدنا النبي موجود فيه وجالس مع أصحابه. فقام هذا الأعرابي في طائفة -جانب من جوانب- المسجد، ووقف ليتبول، فقال الصحابة: مه! مه! ماذا تفعل؟ فيرد عليهم صاحب الخلق، والرحمة المهداة، الذي قال الله في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، يقول لهم: (دعوه لا تزرموه) يا ألله (لا تزرموه) يعني: لا تقطعوا عليه بولته، دعوه يكمل تبوله، الله أكبر! وتبول الرجل، ورسول الله جالس، وإذ بصاحب الخلق الكريم ينادي عليه بعدما انتهى: تعال، لكن هل شتمه، نهره، ضربه، جرح مشاعره؟ لا والله: فهل استهزأ به، سخر منه، تهكم عليه؟ لا والله! فانظر ماذا قال ﷺ . قال: (إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا) ، اسمعوا كيف الأدب؟! كيف التواضع والرحمة والحكمة والخلق؟ (إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا، إنما جعلت للصلاة، ولذكر الله، ولقراءة القرآن) . وأمر النبي صحابياً من أصحابه، فأتى بدلو من الماء وصبه النبي ﷺ على الموضع الذي تبول فيه هذا الأعرابي؛ فأزال النجاسة بالماء الطاهر، وانتهت القضية. أريد من حضرتك أن تتصور حجم الأذى والضرر لو أن النبي ﷺ ترك الصحابة يوقفون هذا الأعرابي، فلو تركهم لفزع الأعرابي وقام؛ ونجس جلَّ المسجد، ولربما تعرض لشيء من الضرر والأذى، لكنه ﷺ بحلمه ورفقه وأدبه وحكمته ورحمته وتواضعه قال: (لا تزرموه) ؛ فتركز البول في موطن واحد، فكان من اليسير أن يطهر هذا المكان. وهذا في رواية صحيح البخاري، والحديث في الصحيحين، وجاءت رواية أخرى في كتاب الأدب في صحيح البخاري، أن هذا الأعرابي تأثر بأخلاق النبي ﵊، وبهذا الحلم والرفق، فأول ما دخل الصلاة خلف رسول الله ﷺ قام يدعو الله ، فقال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً) . تأثر بأخلاق النبي ﵊ فقال: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً) . طيب! فهل تركه رسول الله؟ لا، علمه درساً آخر وبأدب -يعلمه ثانية وثالثة- فماذا قال له ﵊؟ (لقد تحجرت واسعاً!) أنت تضيق ما وسعه ربنا، لماذا؟ ربنا يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، لماذا تضيق رحمة الله ؟! لماذا تقصر الرحمة على النبي ﷺ وعليك؟! (لقد تحجرت واسعاً) أي: ضيقت ما وسع الله ﵎. انظر إلى هذا الخلق! هذه دروس عظيمة نستطيع أن نخرج بها من هذا الحديث الواحد!!

стр. 22

قصة الذي تكلم أثناء الصلاة روى مسلم في صحيحه أن رجلاً من الصحابة يقال له: معاوية بن الحكم السلمي رضوان الله عليه، هذا الصحابي دخل الصلاة يوماً خلف رسول الله ﷺ ، وكان هذا الصحابي لم يعلم بعد أن حكم الكلام في الصلاة قد نسخ؛ لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة في أول الأمر، ولم يعلم هذا الصحابي بحكم النسخ، وليس في ذلك من حرج ولا إثم، فبعض الصحابة رضوان الله عليهم كان لا يبلغه الدليل في المسألة أو في كثير من المسائل. فلما دخل هذا الصحابي الجليل معاوية بن الحكم السلمي الصلاة، وعطس رجل من القوم في الصلاة، فقال له معاوية: يرحمك الله وهو يصلي، ولم يردوا عليه؛ لأنهم تعلموا أن قضية الكلام بغير ما ثبت عن النبي في الصلاة قد نسخ. فماذا قال سيدنا معاوية قال: (فرماني القوم بأبصارهم) نظروا إليه وهو يصلي، فقال: (واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ؟!) ، أي: لماذا تنظرون إليَّ هكذا؟! قال: (فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني -يعني: يريدون أن يسكتوني- قال: فسكت) -انظر ماذا يقول- يقول: (فلما قضى النبي ﷺ صلاته، فبأبي هو وأمي، والله ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن منه ﷺ ، والله ما كهرني -يعني: لم ينهرني- ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) ، انتهت القضية وانتهت المشكلة! فأتمنى من أحبابنا وإخواننا ممن شرفهم الله جل وعلا بالسير على طريق النبي ﷺ أن يتحركوا لدعوة الناس، نعم. تحرك؛ لأنه لا يصلح أن نجلس في مساجدنا وفي مكاتبنا وبيوتنا، ونصدر الأحكام على الناس بالتكفير والتفسيق والتبديع والتضليل، فهذا لن يغير من الواقع شيئاً.

стр. 23

أصول المنهج الدعوي لكن يجب علينا أن نتحرك كما تحرك سيد الدعاة، وإمام النبيين وسيد المرسلين، يجب علينا أن نتحرك بين الناس لنبدد جهلهم، ولنحول الشرك إلى توحيد، والمعصية إلى طاعة، والجهل إلى علم، والفجور إلى تقوى، والشر إلى الخير، والباطل إلى الحق، والحرام إلى حلال، ولكن بالحكمة والرحمة.

стр. 24

الرحمة انظر ماذا يقول رب العزة لسيدنا محمد ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] . (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) أي: هذه رحمة أودعها الله قلبك، (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) لو كان معي حق وكلمتك بقسوة فستقول لي: لا أريدك يا أخي، ولا أريد الحق الذي معك، فرب العزة يقول لسيدنا النبي: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، نعم، لانفضوا من حولك ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩] .

стр. 25

الحكمة فهذه هي الأصول الدعوية للمنهج، وقال الله لسيد الدعاة ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ، فلو سألنا سائل: ما هي هذه الحكمة، فالحكمة يدعيها كل أحد؟ فنقول: يقول ابن القيم ﵀ في تعريفها: الحكمة هي: قول ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي. وفي لفظ: فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي- على الوجه الذي ينبغي) ، وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] ، فالحكمة: هي فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، وأركانها: العلم والحلم والأناة -عدم العجلة- وآفاتها وأضدادها ومعاول هدمها: الطيش والعجلة والجهل. فالحكمة نعمة، ومن أعظم عطاءات الله لمن تحرك في الدعوة إلى الله، فيجب أن نتحلى بها، فرب العزة يقول لسيد الدعاة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ، (ادع) فعل أمر، متى تشتد، متى تلين، متى ترفع صوتك، متى تخفض صوتك، متى يعبس وجهك، متى تبتسم، لا بد أن تعطي لكل موقف ما يحتاج إليه، وهذا كله لا يتأتي إلا بالعلم، والعودة إلى منهج سيد الدعاة ﷺ للتعرف عليه، لا من أجل الثقافة الذهنية الباردة، ولا من أجل الاستمتاع السالب، فكثير من أحبابنا وأخواتنا الآن عندما يستمعون لخلق النبي العظيم ﵊ يقول: ياسلام! ياسلام؟ وبعد ذلك نخرج. كان يا ما كان على عهد النبي ﵊، كأننا نحكي قصة أبي زيد الهلالي مثلاً، لهذا يجب علينا أن نحوله في حياتنا إلى واقع إلى منهج إلى عمل.

стр. 26

الموعظة والجدال بالتي هي أحسن كل من سار على طريق الدعوة إلى الله يجب عليه أن يتحلى بخلق سيد الدعاة، فرب العزة يأمر سيدنا رسول الله ﷺ بقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ، ياسلام! هي الموعظة في ذاتها بليغة، فهي تعظ وتذكر، لكن ليست أي موعظة، لابد أن تكون حسنة. طيب عندما نتعرض لموقف في الجدال فلا بد أن تجادل بالتي هي أحسن: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] . ويأمر الله جل وعلا نبيين كريمين عظيمين، ألا وهما: نبي الله موسى، ونبي الله هارون على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، رب العزة يأمر موسى وهارون أن يذهبا إلى أكبر أهل الأرض في زمانه إلى فرعون، لماذا؟ للدعوة. عجيب! لدعوة فرعون؟! وهو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، وهو الذي يقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ، فهذا لا يحتاج إلى حكمة ولا يحتاج إلى لين، هذا يحتاج إلى عنف ويحتاج إلى قسوة، هذا أكفر الناس في الأرض، ولكن تنبه! فأنت في مقام دعوة، وأريد أن أقول لإخواننا وأحبابنا وشبابنا: لا بد أن نفرق بين مقام الدعوة ومقام الجهاد؛ لأن الخلط بينهما خطر. مقام الدعوة ولو كانت لمشرك كافر يجب أن تكون بالحكمة واللين، أما مقام الجهاد فهو القوة والرجولة والغلظة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:٧٣] ، لكن الدعوة ولو كانت لفرعون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] ، انظر إلى الأمر (اذهبا) . ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لينًا﴾ سبحان الله! قولاً ليناً لفرعون! ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣-٤٦] ، جل وعلا. سيدنا قتادة رضوان الله عليه لما قرأ هذه الآية الكريمة قال: (سبحانك ربي ما أحلمك! تأمر موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً ليناً، إن كان هذا هو حلمك بفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ، فكيف يكون حلمك بعبد قال: سبحان ربي الأعلى!) انظر إلى الفهم! هذه رحمة النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، وهذا خلقه وهذا منهجه، فما أحوجنا أن نرجع إليه وأن نفيء إليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله أجمعين.

стр. 27

سلسلة إيمانية - النبي وتكريم المرأة لم يراع دين أو نظام كرامة المرأة مثل الإسلام، فقد أعزها بعد أن كانت ذليلة، وأكرمها بعد أن كانت مهانة، ونعق الغرب -كما هي عادته- في ديار الإسلام بتحرير المرأة، وهو في الحقيقة يريد سلخها من الدين والقيم والعفة، حتى تنساق وراء شهواتهم وما يريدون، فهم في الحقيقية لا يريدون لها الخير ولا السلامة، إنما يريدون لها أن تكون دمية بأيديهم يقلبونها كما يريدون.

стр. 28

تكريم المرأة في الإسلام الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ . وبعد: فحيا الله إخواني وأخواتي، وأسأل الله الذي جمعني بكم على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته؛ إنه وليُّ ذلك ومولاه. أيها الأحباب! إننا نشهد اليوم هجوماً شرساً من أعداء الله على الإسلام، لا على الفرعيات والجزئيات، بل على الثوابت والأصول والكليات، ويعلنون حرباً شرسة على المرأة بدعوى أن الإسلام قد ظلمها، وهم يدعونها الآن إلى التحرر من ضوابط وقيود الإسلام، فالزوج سجان قاتل -هكذا يزعمون- والأمومة تكاثر حيواني، والبيت سجن مؤبد، والإسلام قيد حركة المرأة إلى آخر هذه الدعاوى. ومن خلال هذا المنطلق فأنت ترى الآن حرباً على الإسلام؛ لأنه ظلم المرأة، ومن ثمَّ ترى دعوات بعد دعوات؛ لتتحرر المرأة ولتتفلت من هذه الضوابط، ومن هذا الدين بالكلية، فأرجو من أختي المسلمة الفاضلة أن ترجع سريعاً إلى التاريخ- وما زالت صفحات التاريخ مفتوحة-؛ لتقرأ سريعاً تاريخ المرأة عند اليهود، وتاريخ المرأة عند الهنود والإغريق، والرومان، بل لتقرأ تاريخ المرأة في الجاهلية عند العرب أصحاب الشهامة والرجولة قبل الإسلام، وستعلم يقيناً أن المرأة كانت مهانة، بل وستعلم أن العرب -أصحاب المروءة كان بعضهم يقتلها ويدفنها وهي حية خشية الفقر والعار، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨-٩] .

стр. 29

أدلة تكريم المرأة لقد جاء النبي ﷺ ليرفع قدر المرأة، وليعلي شأنها، وليجعلها في مكانتها التي تليق بها، فهي درة مصونة، ولؤلؤة مكنونة، بل جعلها صنو الرجل، فقال ﵊: (إنما النساء شقائق الرجال) ، بل وستعجب أن الله ﵎ قد خص النساء بسورة كاملة من كبار سور القرآن سماها باسم النساء، بل وفي أعظم المحافل التي وقفها رسول الله ﷺ على عرفات في هذا اليوم العظيم المهيب الكريم يتكلم النبي ﵊ عن حرمة الدماء، ويتكلم عن حرمة المال والعرض، وفي هذا اليوم وفي هذا الموقف المهيب الجليل، ولم ينس أبداً أن يبين قدر المرأة ومكانتها، كما في مسلم من حديث جابر بن عبد الله -وهو حديث طويل- وفيه قال ﷺ : (اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) . بل ولم يكتف النبي ﷺ بتكريم المرأة في هذا السن، بل كرّمها بنتاً صغيرة، وكرمها زوجة، وكرمها أماً؛ وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي أو صحبتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك) ، فقدم النبي ﷺ حق الأم على حق الوالد، وكرمها ﷺ ثلاثاً، بل ولم يكتف النبي بتكريم المرأة أماً، وإنما كرمها زوجة فقال: (اتقوا الله في النساء) ، وقال: (استوصوا بالنساء خيراً) ، وقال: (إنما النساء شقائق الرجال) ، وقال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) . ولم يكتف الحبيب ﷺ بتكريم المرأة زوجة، وإنما كرمها بنتاً صغيرة، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي امرأة ومعها ابنتان لها تسألني الصدقة، فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة -ومع ذلك لم تبخل بهذه التمرة الواحدة على السائلة وابنتيها- فأعطيتها التمرة، فقسمت الأم التمرة بين ابنتيها، ولم تأكل منها شيئاً -فتأثرت عائشة رضوان الله عليها بهذا المشهد الحنون الرقراق- فلما خرجت المرأة مع ابنتيها ودخل النبي ﷺ على عائشة! قصت عليه ما رأت، فقال: يا عائشة! من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار) . وقد يقول أحدنا: لماذا قال النبي: (من ابتلي) ؟ يقول علماء الأصول: خرجت هذه اللفظة النبوية مخرج الغالب؛ لأن غالب الناس في ذاك الزمان كانوا يعتبرون البنات ابتلاءً، فخرجت اللفظة النبوية مخرج الغالب، ولذا قال: (من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له ستراً من النار) ، وفي رواية مسلم وسنن الترمذي من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ قال: (من عال جاريتين حتى تبلغا -أي: من ربى ابنتين حتى تبلغا، ولا شك أن التربية التي يبلغ بها صاحبها هذه الدرجة تكون على منهج المصطفى ﷺ كنت أنا وهو في الجنة كهاتين، وأشار النبي ﷺ بالسبابة والوسطى) . فانظر أيها الفاضل! يا من تتألم لأن الله رزقك بالبنات، انظر إلى هذه الدرجة وإلى هذه المكانة، فأنت رفيق النبي ﷺ في الجنة كالسبابة والوسطى إن أحسنت تربية ابنتيك، فما ظنك لو رزق الله أحد أحبابنا وإخواننا بثلاث بنات أو بأربع أو بخمس وأحسن تربيتهن على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله، وعلى الفضيلة والعفة والحياء والمروءة والشرف؟! إذاً: فهو رفيق النبي ﷺ في الجنة.

стр. 30

هوان المرأة في بلاد الغرب وهنا وقفة مع الغرب الذي يدعي الآن أنه كرم المرأة، فانظر إلى المرأة في بلاد الغرب- وأنا أخاطب كل منصف وكل منصفة- وسترى المرأة في بلاد الغرب مهانة، يتسلى ويستمتع بها وهي جميلة حسناء، ثم ترمى بعد ذلك في دور العجائز والمسنين. ولقد رأيت ذلك بعيني عندما كنت في زيارة للمجر، ودعاني الإخوة لإلقاء خطبة الجمعة في قاعة استأجروها بالمال في (بودباست) ، وأنا في الطريق إلى القاعة قبل الجمعة بساعات رأيت امرأة مجرية تجاوزت السبعين من عمرها تلاعب كلبها، ولم يلفت نظري مثل هذا؛ لأن هذا أمر متكرر! لكن الذي لفت نظري أنني دخلت وخطبت الجمعة، وألقيت درساً، وتناولت الغداء مع إخواني، وأجبت على أسئلتهم، ومكثت ما يزيد على خمس ساعات، فلما خرجت رأيت نفس المرأة جالسة تلاعب كلبها، فتعجبت وقلت للأخ المترجم معي: أريد أن أتحدث مع هذه المرأة قليلاً، وقلت له: اسألها منذ متى وهي تلاعب كلبها؟ قالت: منذ سبع ساعات. قلت: اسألها أليست عندها أسرة؟ فضحكت، وقالت: لقد تركني أولادي منذ سنوات طويلة، وأنت تعلم أن الابن والبنت بعد سن السادسة عشرة في هذه الأسر يخرج، وقالت: تركني أولادي منذ سنوات طويلة، ومات زوجي. قلت: اسألها: لماذا تعيش؟ قالت: من أجل أن ألاعب الكلب! انظر إلى الغاية! من أجل أن تلاعب الكلب وأن تستمتع بجمال الطبيعة، فقلت: اسألها: أين أولادها؟ قالت: خرجوا، قلت: ألا يأتي الأولاد لزيارتك؟ قالت: يأتون في كل عام مرة، فيما يسمونه احتفالات عيد الميلاد. قلت: فهل أتى أولادك إليك في هذا العام؟ قالت: لا، انشغلوا بأعمالهم واتصلوا عليَّ بالتلفون. قلت: صلى الله على محمد وعلى آله الذي بين لنا أن المرأة ما كرمت إلا في دينه، وما رفع قدرها إلا في الإسلام. وقد تتصور أخت فاضلة أن الله فرض عليها الحجاب للتشكيك في أخلاقها، أو أن الله حرم عليها الخلوة بالرجال الأجانب؛ لأننا لا نثق في عفتها، وهذا فهم مقلوب. وأنا أسأل وأقول: لو أنك امتلكت أيها الفاضلة جوهرة ولؤلؤة، ففي أيِّ مكان ستضعين هذه الجوهرة واللؤلؤة؟ لا شك أن الأخت الفاضلة عن آمن أماكن البيت، وربما تلف هذه الجوهرة واللؤلؤة بقطعة من الحرير، ويليها قطعة من الحرير، وتضع هذه اللؤلؤة بعد ذلك في آمن الأماكن في البيت. وأقول: أنتِ عندنا أغلى من اللؤلؤة، وأنت عندنا أغلى من الجواهر. يا درة حفظت بالأمس غالية واليوم يبغونها للهو واللعب يا حرة قد أرادوا جعلها أمة غربية العقل غريبة النسب هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهب وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطى حمالة الحطب فلا تبالي بما يلقون من شبه وعندك الشرع إن تدعيه يستجب هما سبيلان يا أختاه ما لهما من ثالث فاكسبي خيراً أو اكتسبي سبيل ربك والقرآن منهجه نور من الله لم يحجب ولم يغب وكنت في إحدى الزيارات في ألمانيا، فجاءت أخت ألمانية لتعلن إسلامها، فقلت: قبل أن تعلني الشهادة أيتها الفاضلة! أود أن أسألك: ما سبب إسلامك، وحالنا -نحن المسلمين- لا يسر عدواً ولا حبيباً؟ فردت عليَّ هذه الأخت رداً عجيباً جداً، فقالت: يا أخي! أنا أسلمت؛ لأن الإسلام دين العفة. فقلت: أنا أعلم أن الإسلام دين العفة، لكن ماذا تقصدين أيتها الأخت الفاضلة بأن الإسلام دين العفة؟ فقصت عليَّ أمراً عجيباً، قالت: إنها كانت في جولة في هولندا، ورأت جمعاً كبيراً جداً من الناس في ميدان عام، وسمعت ضوضاء وجلبة وصياحاً فاقتربت فرأيت في هذا الحلقة الضخمة رجلاً يزني بامرأة على مرأى ومسمع من الجميع. قالت: فاتصلت بالتلفون مباشرة على صديقة ألمانية مسلمة، وقلت لها: هل في الإسلام يفعل الرجل بالمرأة هذه الفعلة الشنعاء بهذه الصورة؟ فقالت: بل لا يجوز للزوج أن يأتي زوجته أمام ولده أو أمام ابنته، فكيف أمام الناس؟! قالت: فعلمت أن الإسلام هو دين العفة. وفي أمريكا شرح الله صدر أخت أمريكية كنيتها أنا بـ أم عمر، ويسر الله لها أن تزوجت أخاً مسلماً، وبعد سبعة أيام أصرت هذه الأخت الفاضلة أن أذهب إلى البيت لأتناول الغداء معها ومع زوجها، وجلست هذه الفاضلة لتسألني وأنا أجيب، فقلت لها: يا أم عمر! أود أن أتعرف -الآن- على مشاعرك نحو الإسلام. فقالت لي: والله! يا شيخ! أود الآن أن أصرخ بأعلى صوتي؛ لأسمع كل امرأة أمريكية أنني أخيراً وجدت ديناً يحفظ للمرأة كرامتها. فلا ينبغي أيتها الأخوات! أن نغالط أنفسنا، ويجب على الأخت الفاضلة أن ترجع إلى التاريخ لتعلم يقيناً أنها ما كرمت ولا شرفت إلا في دين النبي محمد ﷺ ، وأنا أقترح أن نفرد حلقة كاملة لنتكلم عن حق المرأة في الإسلام.

стр. 31

تربية الأولاد في الإسلام لقد كان النبي ﷺ رحمة متجسدة في الناس لاسيما مع الأطفال، وأتمنى أن ينتبه إخواني وأخواتي في البيوت لأخلاق المربي الأول وأستاذ البشرية الأعظم سيدنا رسول الله ﷺ ، وكيف كان يتعامل مع الأطفال؟ وكيف كان يرحم الطفل؟ وكيف كان يربي الطفل؟ وهذا أمر مهم؛ لأننا الآن بكل أسف إذا أردنا الآن أن نربي أطفالنا وأولادنا نبحث عن كتب تربية غربية لا تتفق مع عقيدتنا ولا مع أخلاقنا، بل تصطدم اصطداماً مباشراً مع الدين والقرآن وخلق النبي ﵊. ونحن لا نمنع على الإطلاق أن نربي أولادنا على كل ما هو جديد في عالم العلوم والتكنولوجيا، بل نحن نشجع أيَّ شيء يربي أولادنا على التقدم العلمي ما دام هذا لا يصطدم اصطداماً مباشراً أو غير مباشر مع عقيدتنا وقيمنا وديننا وأخلاقنا، بل إن أمتنا هي أمة العلم، ويجب على أولادنا وإخواننا أن يعلموا علم اليقين أنه في الوقت الذي كان فيه المسلمون ينطلقون انطلاقاً في الجانب العلمي كانت أوروبا ما زالت تعيش في الظلام، واقرءوا تاريخ الأندلس لتعلموا ذلك، لكن في الوقت الذي قفز فيه الأوروبيون بحضارتهم على هذه الأصول والجذور، تخلف المسلمون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فأنا لا أنكر على الإطلاق أن نربي أولادنا على كل ما هو حديث في عالم التكنولوجيا وفي عالم التقدم والعلوم؛ بشرط ألا يصطدم ذلك مع قيمنا وأخلاقنا وديننا، لكنني أقول: الذي يؤلم القلب أننا قد نبحث في كتب التربية التي تصطدم مع عقيدتنا وأخلاقنا؛ لنربي على هذه الكتب أولادنا وأطفالنا، مع أن الأصل أن الله قد رزقنا بمنهج تربوي كامل متكامل، كيف لا، والمربي الأول والأعظم محمد ﷺ كان خلقه القرآن؟! وكان تعامل النبي ﷺ مع الأطفال في غاية الود والرحمة والرقة، وكانت وسيلة العقوبة آخر وسيلة يستعملها النبي ﷺ . وأذكر لكم قصة وهي: أن رجلاً من الأفاضل اشترى أنتريهاً جديداً، وكان فاتح اللون، ولما وصل إلى البيت وضع (الأنتريك) في الصالة، وهو في غاية السعادة به والفرح، وذهب إلى عمله، وعاد في نفس اليوم فوجد (الأنتريك) قد تحول إلى كاريكاتير؛ لأن ولده البالغ من العمر أربع سنوات أمسك القلم الجاف -وهو لا يعي ولا يدرك- وحول (الأنتريك) إلى ألوان؛ بقي أربع ساعات يرسم رسومات وأشكال، ولما رأى الرجل المشهد ظل يصرخ ويصرخ، وقبل أن يعاقب الطفل عاقب أمه، ثم عاقب الطفل فضربه ضرباً شديداً، وليته اكتفى، وإنما ربط يد الطفل في رجل كرسي، ويده الأخرى في رجل الكرسي الأخرى بقسوة شديدة، وظل الطفل يصرخ ويصرخ، وأمه لا تجرؤ أن تقترب منه؛ لأنه أغلظ لها القول، وظل جالساً في غضب شديد حتى انقطع صراخ الطفل تماماً، فظنوا أنه نام! فأقبلت الأم فرأت عجباً!! رأت أن يد الطفل قد تحولت إلى اللون الأزرق الداكن، وقد أغمي على الطفل، فصرخت، فجاء المسكين أبوه يجري، وفك يده وحمله على كتفه، وأسرع به إلى أقرب مستشفى، وهنالك في المستشفى قرر الأطباء بتر الكفين!! وأنا أتمنى أن تتصوروا العذاب والألم والضنك الذي عاش فيه هذا الوالد وعاشت فيه هذه الأم بعد أن خرج الطفل بلا كفين. إن هذا خلل في المنهج التربوي، وقد يأتيك مثلاً أحد إخوانك ومعه طفل أو طفلة، وتسأله: كم عمرك يا بني؟! قد يقول: عشر سنوات. فتقول: ما شاء الله، كم تحفظ من القرآن؟ فيقول: الحمد لله؛ أحفظ عشرين جزءاً، فتنظر إلى ولدك وتقول: تسمع يا خايب! أنت وأبوك، انظر هذا يحفظ عشرين جزءاً، وأنت لا تحفظ إلا جزءاً وبمجرد ما ينصرف هذا الأخ الصديق وولده تضرب ولدك ضرباً مبرحاً، وتريد أن تختزل تقصيرك أنت في حق ولدك في سنوات مضت في دقيقة واحدة أو في ساعة واحدة! وهذا خلل في المنهج التربوي، فلماذا لا نرجع إلى المربي ﷺ ؛ لننظر كيف ربى الأطفال؟ وكيف تعامل مع الأطفال؟ فالطفل يحتاج إلى الرحمة والحنان والود، ولا حرج على الإطلاق أن تستخدم وسيلة التأديب، لكن اجعل هذه الوسيلة آخر وسيلة من وسائل التربية وبرحمة، ويكون العقاب متفقاً مع الجرم والخطأ.

стр. 32

معاملة النبي ﷺ للأطفال روى الإمام مسلم في صحيحه-: (أن رسول الله ﷺ كان عنده رجل اسمه الأقرع بن حابس ﵁، وكان شديداً -يعني: مجبولاً على الشدة والقسوة، فرأى الأقرع بن حابس النبي ﵊ يقبل الحسن والحسين، فقال: تقبلون أولادكم؟ والله إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت أحداً منهم، فغضب النبي ﵊، وقال: وما أملك لك إن نزعت الرحمة من قلبك؟!) . إذاً: الانطلاقة الأولى: الرحمة، فعليك أن تنطلق من الرحمة، وتؤدب برحمة. وهذا الحسن بن علي وهو ابن فاطمة رضوان الله عليهم امتدت يده إلى تمرة من تمر الصدقة وهو طفل، وأراد أن يضعها في فمه، فأخذها النبي ﷺ من يده وقال (كخ كخ، ألا تعلم أننا لا نأكل من الصدقة؟) ، ولم يضرب يده، بل أخذها برحمة عجيبة. وهذا جابر بن سمرة وهو طفل صغير -والحديث في صحيح مسلم - يقول: (صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الغداة -كان يصلي مع النبي في المسجد صلاة الصبح- فخرج النبي بعد الصلاة من المسجد فقابله الصبيان، فجعل النبي ﵊ يمسح خد كل واحد منهم واحداً واحداً، قال: ومسح النبي ﷺ على خدي، فشممت ليديه ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار) فلم ينس أن النبي ﷺ مسح على خده. جاءني رجل من الأفاضل وقال لي: أنا عندي طفل عمره عشر سنوات، يحفظ سورة يوسف والرعد وإبراهيم من شريط لك، وأنا أحبه، قلت: الحمد لله. قال: لكنني سأحضره لأول مرة إلى المسجد في الجمعة المقبلة، قلت: مرحباً به، وهذا أمر عادي. قال: لا، ليس عادياً. قلت له: لماذا؟ قال: هذه اللعبة هدية، أرجو منك أن تضعها في منبر المسجد، وإذا أحضرت ولدي في الأسبوع المقبل في صلاة الجمعة، سأقدمه لك فسلم عليه، وادع له، وقدم له هذه الهدية على أنها منك؛ ليزداد تعلقه بك وبالدين وبالمسجد -انظر إلى هذا الفهم الراقي- وبالدعوة وبالدعاة وبالعلماء. وهكذا إذا سلم الطفل على الشيخ أو على رجل من أهل العلم سيرجع إلى البيت وهو يقول: سلمت على الشيخ يا أمي وأمه تقول له: ما شاء الله، وهو فرحان سعيد، فلذلك الصحابي لم ينس أن النبي ﷺ مسح على خده، وكذلك لم ينس رائحة يد النبي ﵊. وروى مسلم في صحيحه: أن عمر بن أبي سلمة -وهو ممن تربى في حجر النبي ﷺ قال: (كنت غلاماً في حجر النبي ﷺ ، فكانت يدي تطيش في الصحفة -الإناء الذي يوضع فيه الطعام- فقال لي: يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فما أحوجنا الآن إلى أن نرجع إلى درة تاج الجنس البشري، وإلى أعظم مرب عرفته الأرض، وإلى أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية ورسولها ونبيها ﷺ ؛ لنتعلم من هذا المربي الأعظم كيف نتعامل مع أولادنا، لا سيما ونحن نعيش الآن زماناً قد اختلط فيه الحابل بالنابل.

стр. 33

معاملة النبي ﵊ للفقراء كان النبي ﷺ خلقه القرآن، بل كان قرآناً متحركاً بين الناس في دنيا الواقع، وهذا هو السر الذي جعل القلوب تنجذب إليه ﷺ وتتعلق به وقد كان ﷺ يكرم اليتامي والفقراء غاية التكريم، فقد أخبر أن كافل اليتيم في منزلته في الجنة، كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد ﵁: أن النبي ﷺ قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى) . بل جاء في الحديث الذي رواه أبو يعلى بسند حسن، قال ﷺ : (أنا أول من يفتح باب الجنة) ، فأرى امرأة تبادرني -تسابقه تريد أن تدخل مع النبي ﵇ الجنة -فأقول: ويحك! من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي) . انظر إلى مكانة هذه المرأة التي مات زوجها؛ فتفرغت لتربية الأولاد على الفضيلة والشرف والعفة، وأبت أن تتزوج لتتفرغ لتربية أولادها. وهذا أبو سفيان وهو السيد الشريف العظيم الكريم، ورد في صحيح مسلم: أنه مر يوماً على بعض أصحاب النبي ﷺ من الفقراء -كـ صهيب وعمار رضوان الله عليهم جميعاً -وكان يجلس معهم في ذلك الوقت أبو بكر رضوان الله عليه- فلما رأى الصحابة رضوان الله عليهم أبا سفيان قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها؛ فغضب أبو بكر ﵁، والتفت إلى الصحابة وقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ وغضب وترك المجلس وانصرف إلى رسول الله ﷺ فقص عليه ما قال الصحابة وما قاله. فقال الرسول لـ أبي بكر ﵁؛ (يا أبا بكر! لعلك أغضبتهم؟ -يعني: بلالاً وعماراً وصهيباً - فوالله! لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ، فانطلق يجري إليهم وقال: إخوتاه! أوغضبتم مني؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي! انظر إلى مكانة هؤلاء الفقراء، وهم الذين عوتب فيهم سيدنا رسول الله ﷺ ، ونزل عليه قول الله جل وعلا حينما أراد أن يفرغ نفسه لدعوة السادة من أهل الشرك، وأن يخصهم بمجلس بعيداً عن صهيب وعمار وبلال، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] ، عوتب في هؤلاء بهذه الكلمات الشديدة (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ! هذه الكلمة تقال لسيدنا رسول الله، ويأتي الأمر واضحاً: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] ، وأعلنها بكل قوة وصراحة: ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ، فالله جل وعلا غني عن كل خلقه، فعوتب الحبيب ﷺ مع أنه أراد بذلك دعوة هؤلاء السادة، وهو يعلم يقيناً أن قلوبهم لو ذاقت حلاوة الإيمان لعادوا بأنفسهم إلى هؤلاء الفضلاء الشرفاء، لكن الله جل وعلا عاتب نبيه ﷺ في ذلك، فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] ، فلقد كرم النبي ﷺ اليتيم تكريماً عظيماً وعامل الفقراء بتواضع جم. وقال ربنا جل وعلا لنبينا: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١-١١] ، فما أحوجنا إلى هذه الرحمة! وما أحوجنا إلى التواضع. قال ﷺ : (إن الله تعالى قد أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يبغي أحد على أحد، وحتى لا يفخر أحد على أحد) ، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦-٧] . فيجب عليك -أيها الحبيب- يا من منّ الله عليك بالعلم! ويا من منّ الله عليك بالمال! ويا من منّ الله عليك بالجاه والسلطان! أن تتواضع لربك جل وعلا، وأن تتواضع لخلق الله وعباد الله، فلقد زكى ومدح ربنا المؤمنين وأصحاب سيد المرسلين بأنهم رحماء بينهم.

стр. 34

معاملة النبي ﵊ للعصاة أود أن أذكر أحبابي وإخواني بأن النبي ﷺ كان في غاية الرحمة مع المذنبين والعصاة، وأنا أسأل: لو أن طبيباً فتح عيادة خاصة، وأنفق عليها وأعدها وهيأها، وفي أول يوم بدأت فيه العيادة في العمل دخل إليها المرضى، فهل يمكن لهذا الطبيب أن يطرد هؤلاء؛ لأنهم أتوه وهم مرضى وهو لم يفتح عيادته إلا للمرضى؟! فالرجل العاصي والمذنب مريض يحتاج إلى صدر حنون، ويحتاج إلى قلب واسع ليذكِّره بالله تعالى، فنحن نبغض المعاصي ونبغص الذنوب، لكن يجب علينا أن نفتح قلوبنا للمذنبين والعصاة؛ لنذكرهم بالله، ولنأخذ بأيديهم إلى طريق رسول الله ﷺ . ثم مَن مِن البشر لم يذنب؟ ومَن مِن الخلق لم يخطئ؟ لقد انتهى زمن العصمة بموت الحبيب ﷺ ، وفي الحديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) ، والله جل وعلا وهو الرحيم الكريم خالق الخلق يفرح إذا عاد عبده إليه بالتوبة والأوبة، فلماذا ننظر إلى العصاة هذه النظرة؟ ولماذا نحكم عليهم ونتعجل بتكفيرهم وتفسيقهم وتبديعهم؟ حتى إن بعضهم يقول: فلان في جهنم، وفلان في الدرك الأسفل من النار، وأقول: يا أخي! أنت ما جلست على باب جهنم ولا على باب الجنة؛ لتدخل من أردت وتمنع من شئت، وإنما هذا الأمر لله وحده، ولا يستطيع أحد ألبتة أن يحكم لأحد بجنة أو أن يحكم لأحد بنار. ونحن نبغض المعصية يقيناً، لكن يجب علينا أن نفتح طريق الأمل وباب التوبة الذي فتحه ربنا وفتحه نبينا ﷺ للمذنبين والعصاة من أمثالي. فهذا صحابي ارتكب كبيرة الزنا -وهي أكبر كبيرة بعد الشرك والقتل- فجاء إلى النبي ﷺ -والحديث في صحيح مسلم، واسم هذا الرجل ماعز بن مالك - فقال: يا رسول الله! طهرني، يا رسول الله! طهرني، فأعرض عنه النبي ﷺ ولم يقل: أغلقوا الأبواب. اقبضوا عليه امسكوه، لم يقل شيئاً من ذلك، وهو المشرع ﷺ ، وذهب الرجل إليه معترفاً، والاعتراف سيد الأدلة. اسمع ماذا قال الحبيب الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والرءوف الرحيم بالمؤمنين: (ويحك! ارجع استغفر الله، وتب إليه) فيرجع ماعز بن مالك، لكن قلبه يتحرك فيه الإيمان، فيحرك القلب الجوارح، فيرجع ماعز بن مالك إلى النبي ويقول: يا رسول الله! طهرني للمرة الثانية؛ فيرد عليه الحبيب ﷺ : (ويحك! ارجع استغفر الله، وتب إليه) فيرجع ماعز بن مالك، لكن الإيمان في قلبه يحركه، وحبه لله وخوفه من الله يحركه؛ فيأتي ويقول للنبي ﷺ : يا رسول الله! طهرني -للمرة الثالثة- فيقول له النبي ﷺ : (ويحك! ارجع استغفر الله، وتب إليه، فيقول له: يا رسول الله! طهرني وأخبره بأنه زنى) ومع كل ذلك يقول النبي ﷺ : (هل شرب خمراً؟) ، أي: هل شرب خمراً فلعبت الخمر برأسه، فلا يعي ما يقول؟ (فقام أحد الصحابة فاستنكهه -أي: شم نكهة ورائحة فمه- فقال: لا يا رسول الله! لم يشرب الخمر، فقال النبي ﵊: أبه جنون؟ قالوا: لا يا رسول الله! لا نعرف عنه جنوناً؛ فأمر به النبي ﷺ حينئذ فرجم، ثم بعد ثلاثة أيام يقول ﷺ -بأبي هو وأمي- للصحابة رضوان الله عليهم: استغفروا لأخيكم ماعز بن مالك) ، ولم يخرجه من دائرة الأخوة، ويأمر الصحابة أن يستغفروا له، وقال ﷺ : (لقد تاب إلى الله توبة لو قسمت بين سبعين رجلاً لوسعتهم، أو لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم) مع أنه ارتكب جريمة الزنا؛ لكنه جاء تائباً مقبلاً إلى الله. إذاً: لا نكفر أحداً بالكبائر فهذا من فعل الخوارج، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب أو بكبيرة؛ لأن الله جل وعلا يغفر كل الذنوب ما دام العبد يوحد علام الغيوب، اقرأ معي قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وقال جل وعلا في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨-٧٠] ، فالله جل وعلا يبدل الذنوب والسيئات حسنات، فلماذا نتعامل مع الناس بهذه القسوة؟ وسبحان الله! لماذا عند ما أرى إنساناً وقع في معصية أفرح أنه وقع في المعصية؟!! لماذا أعامله بهذه الغلظة والقسوة؟! ولو أنك تحمل في قلبك شيئاً من الرحمة ونظرت إلى هذا الرجل على المعصية؛ لبكت عينك، وارتجف قلبك لأمرين: الأول: أن الله جل وعلا قد سترك، وحفظك، ووفقك، ولم يدعك تقع في هذه المعصية، فالفضل فضله، والستر ستره. الأمر الثاني: أنك تخشى على أخيك وعلى نفسك، تخشى على أخيك إن خُتم له، وهو على هذه المعصية أن يكون من أهل النار والعياذ بالله! وتخشى أيضاً على نفسك أن يختم لك بغير الطاعة. فالإنسان سائر إلى الله بين أمرين: بين مطالعة المنة، ومطالعة فضل الله وستره وحلمه عليه، وبين مطالعة عيب النفس، فكل ما أنا فيه من خير إنما هو محض فضل الله، وكل ما أنا فيه من شر إنما هو من النفس الأمارة بالسوء، فالنفس مجبولة على السوء: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣] ، فإذا نظرت إلى هذا فتذكر ما كنت فيه أنت، وتذكر ستر الله عليك، وحلم وفضله عليك، واقترب من أخيك العاصي فذكّره بالله وذكره برسول الله برحمة وأدب وتواضع وحب لله وخوف من مكر الله جل وعلا؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وتصور معي هذا الشاب الذي تجري دماء الشهوة في عروقه -والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسند جيد- يأتي إلى الرسول الرءوف الرحيم ﷺ ويقول له: (يا رسول الله! ائذن لي في الزنا -يا سبحان الله! يستأذن النبي أن يأذن له في الزنا- فقال الصحابة: مه مه؟ -أي: ماذا تقول؟ - فقال له النبي ﵊: ادن، فاقترب من رسول الله ﷺ -وبلغه الأبوة الحانية، والأبوة الرحيمة الرءوفة- قال له الحبيب ﷺ : أترضاه لأمك؟ -أي: أترضى الزنا لأمك؟ -قال: لا، والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم. أترضاه لأختك؟ قال: لا، والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: وكذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم. أترضاه لعمتك؟ أترضاه لخالتك؟ والشاب يقول: لا. والله يا رسول الله! جعلني الله فداك. والمعلم ﷺ يقول: وكذلك الناس لا يرضونه لخالاتهم وعماتهم ويمد الحبيب ﷺ يده المباركة الشريفة؛ ليضعها على صدر هذا الشاب وهو يتضرع إلى الله جل وعلا بالدعاء لهذا الشاب فيقول: اللهم اغفر ذنبه، واشرح صدره، وحصن فرجه، فيخرج هذا الشاب -من المدرسة المحمدية المباركة- ولا يوجد على وجه الأرض شيء أبغض إليه من الزنا) . إذاً: كان النبي ﵊ يفتح الباب للعصاة والمذنبين من أمثالي. فلو نظر كل واحد إلى نفسه لعلم يقيناً أن بيته من الزجاج، وما منا أحد وإلا فيه عيب، بل عيوب وذنوب، وسبحان علام الغيوب! الذي يرى عباده على الذنوب ويسترهم، فلا ينبغي على الإطلاق أن نحمل قلوباً في صدورنا قاسية. يا أخي! قد أزل أنا في لحظة وأنا بشر، ولست نبياً مرسلاً، ولا ملكاً مقرباً، فإن زل العبد فلبشريته وضعفه، وإن كان من أهل الصلاح وجب على المسلمين أن يستروا عليه، وأن يذكروه بالله ﵎، أما الفاجر الذي يجاهر بمعصيته، ويفرح ويفتخر بها، ويختال بها، وإن ذكر بالله لا يتذكر فلا حرج أن تبكته بما فيه؛ كي يحذره الناس، هذا هو التأصيل العلمي، لكن إن وجدت رجلاً من إخوانك على معصية فذكره بالله، وكذلك إن وجدتِ أختاً من أخواتكِ على معصية فذكريها بالله ﵎، وذكريها بالحجاب، وذكريها بالصلاة، بحكمة ورحمة وأدب وتواضع، كما علمنا نبينا وحبيبنا رسول الله ﵌. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 35

سلسلة إيمانية - حق الزوج لقد أمر الله المرأة بطاعة زوجها، وحرم عليها عصيانه ومخالفة أمره، وأوجب له عليها حقوقاً من أعظمها: حسن الخلق، وطيب العشرة، ولقد قرن الشارع الحكيم طاعة المرأة لزوجها بالصلاة والصيام وإحصان الفرج، ورتب على ذلك الجزاء العظيم وهو دخول الجنة، أما العقوبة العظيمة فهي غضب الرب سبحانه عند عصيانه ومخالفة أمره، فعلى المرأة أن تدرك واجبها تجاه زوجها وأن تقوم به خير قيام.

стр. 36

حقوق الزوج على زوجته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله أن يجمعنا في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. بالفعل لقد وفينا حق الزوجة في اللقاء الماضي، وبدأنا به تأدباً منا بأمر نبينا ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً) ، ونحن اليوم على موعد مع حق الزوج، ويجب على كل زوجة مسلمة أن تفتح قلبها قبل أن تفتح أذنها؛ لتتعرف على حق زوجها عليها إن كانت تريد رضوان الله عليها في الدنيا والآخرة، فسفينة الحياة الزوجية التي تخوض بحر الحياة بسكينة وهدوء، يقودها حتماً زوج صالح، وتقف وراءه وإلى جنبه في آن واحد زوجة صالحة عاقلة، بل دعني أؤكد أن السكن والاستقرار والأمن النفسي وراحة البال؛ وراءه زوجة صالحة عاقلة وفية، عرفت حق الله ، وعرفت حق النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك عرفت حق زوجها.

стр. 37

حسن الخلق والعشرة الطيبة إن أول وأعظم حق للزوج على زوجته: أن تكون الزوجة حسنة الخلق والعشرة مع زوجها، فحسن الخلق من الزوجة بلسم يداوي كل الجراح، ودواء لكل داء يصيب الحياة الزوجية من آن لآخر. من حسن العشرة الكلمة الطيبة إلجام اللسان عن الكلمة البذيئة الكف عن الجدال والمراء والمناقشة الصاخبة بصوت مرتفع الكف عن العناد الكف عن تكسير طلبات وأوامر الزوج بسبب وبدون سبب. هذا من حسن العشرة، وإلا فما قيمة جمال المرأة، وما قيمة شهادتها العلمية، وما قيمة نسبها، إن كانت لا تحسن المعاملة الطيبة مع الزوج إن كانت لا تحسن الخلق الحسن مع الزوج، والنبي ﷺ يعلمنا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما من حديث أبي الدرداء، قال ﷺ : (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) . وكذلك المؤمنة، فكل حكم للرجل هو في نفس الوقت حكم للمرأة المسلمة، ما لم يأتِ دليل خاص يبين أن هذا الحكم للرجل وحده أو للمرأة وحدها. وفي الحديث الذي رواه أبو داود وابن حبان وغيرهما بسند صحيح، من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) . فأول حق للزوج على زوجته: أن تعامله معاملة كريمة، وأن تحسن عشرته، والتخاطب معه، وأن تحسن الرد عليه، فقد تعكر الزوجة صفو البيت، ولا يجد الزوج في بيته سكينة ولا سكناً ولا راحة ولا هدوءاً؛ لأن الزوجة تعكر عليه صفو هذا البيت بردودها بسوء خلقها بلسانها، فاللسان خطير، بل ربما تتقدم الزوجة لتعتذر -كما سأبين إن شاء الله تعالى- للزوج، فتعتذر بأسلوب منفر، يستشعر فيه الزوج الكبرياء والخيلاء، وأنها لا تريد أن تتنازل أبداً، وتتعامل معه كأنها تتعامل مع شخص غريب، أو أنها تتعامل مع ند أو نظير أو مثيل أو شبيه لها، وهذا لا يجوز أبداً. إذاً: أول حق للزوج على زوجته: أن تعامله معاملة كريمة طيبة، وأن تكون حسنة الخلق حسنة العشرة.

стр. 38

الرضا والقناعة مقدم البرنامج: نحن في عصر كثرت فيه الملهيات من تلفاز ودش وغيرها من مظاهر الحياة الصاخبة، وكثرت مطالب الزوجات بتوفير هذه الأشياء وغيرها، والزوج يلاقي من المرأة ضغوطاً بسبب ذلك، فما الحل؟! الشيخ: الرضا كنز ثمين، ولن تشعر الزوجة بالسعادة ولا بالراحة مع زوجها إن كان فقيراً أو متواضعاً في جماله أو ماله أو وجاهته أو جاهه أو علمه، لن تشعر الزوجة بالسعادة ولا بالطمأنينة إلا بالرضا، فالرضا كنز ثمين، وهذا من حق الزوج على زوجته، فالأيام دول، فكم من زوج كان غنياً فأصبح فقيراً؟! وكم من زوج كان قوياً فأصبح ضعيفاً؟! وكم من زوج كان صحيحاً فأصبح مريضاً؟! إن الزوجة الصالحة تعلم يقيناً أن كل شيء بقدر، وتتضرع إلى الله أن يرزقها الرضا، وترضى بما قسم الله لها، فإن النبي ﷺ يقول -كما في الحديث الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر -: (قد أفلح من رزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه) . أيها الأحبة: القناعة والرضا كنز لا يفنى، فلا تنظر الزوجة إلى من منّ الله عليهم من أموال وعمارات ووجاهات، فهذه أرزاق قسمها الله بين خلقه وعباده، بحكمته وعدله ؛ لذلك يأمرنا النبي ﷺ حتى لا نشعر بشيء من الهم والحزن. يأمرنا أن ننظر في أمر الدنيا إلى من هو أسفل منا، ويأمرنا أن ننظر في أمر الدين إلى من هو أعلى منا، فقال ﷺ ، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (انظروا إلى من هو أسفل منكم في أمر الدنيا، وانظروا إلى من هو أعلى منكم في أمر الدين؛ فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله . فالزوجة الصالحة عليها بالرضا لتشعر بالسعادة، فالرضا يذهب الهموم والأحزان والآلام، بل ويوسع العيش إن كان العيش ضيقاً، ويوسع البيت إن كان البيت ضيقاً. وأنا لا أقصد المعنى المادي، وإنما أقصد المعنى المعنوي، فالسعة والضيق لا تكون في المكان، وإنما تكون في الصدور، فإذا شعرت الزوجة بالرضا وبالطمأنينة، ورضيت بما قسم الله لها، عاشت وزوجها في سعادة، وشعر الزوج هو الآخر بسعادة غامرة مع زوجة راضية رضية، تقبل أي شيء، ولا تدفعه دفعاً إلى الحرام من أجل أن يأتي لها بكل ما تحتاج إليه من رغبات ولو هذه الرغبات خارجة على قدراته وطاقاته. كم من زوجة تدفع زوجها إلى الحرام من أجل أن يوفر لها المال ليأتي لها بكماليات قد لا تحتاج إليها؟! وكم من زوجة تحول بين زوجها وبين الحرام برضاها وقناعتها وبغضها للحرام! وتقول له: يا أبا فلان! اتق الله فينا، لا تدخل علينا الحرام أبداً، فإن الحرام يدخل إلى الحلال ليبعثره، ولو كان قليلاً. وترضى الزوجة بما قسم الله ؛ فتعيش سعيدة آمنة مطمئنة، ويعيش الزوج هو الآخر في غاية السعادة والرضا مع هذه الزوجة، التي تذوقت طعم الرضا وحلاوته فالرضا يوسع العيش إن كان ضيقاً. انظري أيتها الزوجة إلى من حرمت من الزوج إلى من حرم من الأولاد، إلى من حرم من البيت، إلى من حرم من الصحة والعافية، فما دام الله قد رزقك زوجاً، وقد رزقك بيتاً يؤويك، وقد رزقك أولاداً؛ فاحمدي الله على هذه النعم التي حرم منها كثير من الناس، قال الله : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] . فالزوج يعيش سعيداً غاية السعادة، وتستطيع الزوجة أن تفتح قلب الزوج، بل تستطيع أن تملك قلب الزوج إن أشعرته بأنها راضية بما قسم الله . إن الرضا بقضاء الله وقدره من أعظم نعم الله على الزوج والزوجة على السواء، وأصول الرضا أن يقول العبد للرب سبحانه: يا رب! إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.

стр. 39

الوفاء مع الزوج مقدم البرنامج: الرسول ﷺ أخبرنا أن أكثر أهل النار النساء؛ وذلك بأنهن يكفرن العشير، فما معنى يكفرن العشير؟ الشيخ: إنه عكس الوفاء، ما أحلى الوفاء، وما أجملها وأروعها من كلمة، وهذا هو الحق الثالث للزوج المسلم على زوجته المسلمة، أن تكون زوجته وفية، فقد يصير الزوج الغني فقيراً، وقد يصير الزوج القوي ضعيفاً، وقد يصير الزوج الصحيح مريضاً، ويذهب مرضه وتذهب همومه وأحزانه وآلامه إذا وجد زوجة وفية تقف إلى جواره، لا تنسى ما كانت تعيش فيه معه من نعيم، فتشعره بأن الأيام دول، وتبين له أن الدنيا إلى زوال، وكما أنعم الله علينا فإنه يختبرنا، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] ، ويقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] . تذكّره بأن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة ما دام أن ربنا قد منّ عليها بنعمة الدين ونعمة الإيمان، ونعمة الأولاد، وما دام الله قد منّ عليها بقلب حي شاكر، وبلسان ذاكر، وما دام الله قد رزقها الرضا، ورزقها زوجاً ما بخل عليها يوماً مما أعطاه الله كل هذه المعاني تحول ألم الزوج العضوي والنفسي إلى راحة، يشعر أنه في هذا البيت في واحة غنَّاء، يستشعر قيمة الوفاء وعظمته إذ رأى في هذه الهموم والأحزان زوجته وفية له، ولا تتنكر لفضله ولعطائه، ولم تنسَ قوته يوم كان قوياً، ولم تنسَ غناه يوم كان غنياً، ولم تنسَ رجولته وفحولته وإن حبسه المرض الآن، لم تنسَ كل هذا، فترد الزوجة بهذا الوفاء لزوجها كل معنى جميل، وتذكره بكل المعاني الجميلة، فيستشعر الزوج أصالة هذه الزوجة. إن مما يحطم أي زوج ويقصم ظهره إذا كان كريماً مع امرأته سخياً في كل شيء، في كل لون من ألوان الحياة، إن تبدلت به الأيام وتحول الغنى إلى فقر، والقوة إلى ضعف، والصحة إلى مرض فإذا بامرأته هي الأخرى قد تحولت مع هذا التحول الخطير فتكون القاصمة. قد لا يتأثر الزوج بكل ما سبق بقدر ما يتأثر إذا تغيرت زوجته هي الأخرى فتنسى كل صور الإحسان! انظر إلى هذه الصورة التي تناقض تماماً صورة الوفاء، فلا يشعر الزوج بشيء من الأمان، ويفقد الثقة في كل شيء؛ لأنه لم يجد هذا الوفاء وهذه الثقة في أقرب الناس إليه فيمن منحها كل ما يملك، من حب ووفاء وعطاء وسخاء ورجولة وبذل، فتتنكر له وتنسى كل شيء. انظر بهذه النظرة لحديث رسول الله ﷺ كما في الصحيحين من حديث زينب قالت: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا: يا رسول الله، يكفرن بالله؟ قال: بل يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان) . أود من أحبابنا الذين ينظرون إلى الأحاديث النبوية نظرة عقلية متجردة، أن ينظروا إلى هذا الحديث من هذا المنظور، وأود أن لو خاطب كل واحد منهم نفسه بهذا الخطاب الذي ذكرت، ماذا يقول لو أعطى امرأته كل ما يملك ولم يبخل عليها بشيء، وفي لحظة من اللحظات لما تداولت به الأيام، وتحول غناه إلى فقر، وقوته إلى ضعف، ورأى امرأته هي الأخرى تتنكر له، وتنسى كل صور الإحسان التي بذلها إليها قبل ذلك؟! أرجو أن ينظر إلى حديث رسول الله ﷺ بهذا المنظور؛ حتى لا يرد أحد حديث رسول الله ﷺ بمجرد النظرة العقلية المجردة، (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان) ، فالمرأة التي تكفر العشير وتكفر الإحسان امرأة لم تذق طعم الوفاء، ولم تعرف شيئاً عن الوفاء، وإن لم تتب إلى الله فهذا مصيرها الذي أخبر عنه سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. لماذا يكفرن العشير ويكفرن الإحسان؟ قال: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) ؛ إنه اللؤم إنه خلق قبيح ذميم، يقصم ظهر أي زوج لكن إذا رأى الزوج زوجته وفية كريمة، صاحبة أصل كريم؛ فإنها تذهب آلامه وأحزانه، وتضمد جراحه. نسأل الله أن يرزقنا جميعاً الوفاء.

стр. 40

صور من طاعة الزوجة لزوجها وضوابطها مقدم البرنامج: هناك أزواج كثيرون يفهمون أن طاعة الزوجة طاعة مطلقة في كل ما يطلبه الزوج، حتى ولو كانت الطاعة في معصية الله ، فهل الزوجة لها حق في أن ترفض هذه الطاعة المطلقة؟ الشيخ: طاعة الزوجة لزوجها واجب عليها، وهو حق مطلق للزوج ما دام لم يأمرها الزوج بمعصية الله جل وعلا، لكن الحياة الزوجية تنبني على المودة والرحمة، فيجب على الزوج بالمقابل إذا أمر زوجته أن يأمرها بأسلوب مؤدب، وبالخلق الذي تعلمناه من رسول الله ﷺ ، وأنا أقول: شتان بين زوج يطلب من زوجته ما يريد بأسلوب يجبر به الزوجة أن تفعل له ما يريد بنفس راضية، وبين زوج آخر يصدر الأوامر لامرأته، وكأنه يسوق أمامه أمة من الإماء؛ فلا تقبل الزوجة، فينطلق الزوج ليشكو زوجته بعد ذلك. أقول: إن طاعة الزوج واجبة على الزوجة، وحق للزوج على زوجته ما لم يأمرها بمعصية الله، وأود أن أهمس في آذان أحبابنا من الرجال والأزواج وأقول: الزوج العاقل هو الذي يعلم الوقت الذي يأمر فيه زوجته فتطيعه. اختر الوقت فهذه مسألة في غاية الأهمية، فلا تأتِ في وقت ترى فيه الزوجة غاضبة ومنفعلة ثم تصدر لها الأوامر، افعلي كذا وكذا وكذا وإلا فأنت طالق، فهذا أسلوب لا يمكن على الإطلاق أن يضمن للحياة الزوجية السعادة والأمن والهدوء والاستقرار، بل ربما ينفعل الزوج على امرأته لأتفه الأسباب. وأود أن أحذر بأن أخطر ما يحدث في كثير من بيوت المسلمين: أن يشهر الزوج سيف الطلاق لأي خطأ، ولأي تقصير من الزوجة. إذاً: يجب على الزوجة أن تطيع زوجها ما لم يأمرها بمعصية الله ، والنبي ﷺ يقول كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبان والطبراني وغيرهما، من حديث أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها؛ قيل لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت) . ودعنا نكرر الحديث مرة ثانية لجلاله وجماله، فلتستمعي أيتها الزوجة الفاضلة لسيدنا رسول الله ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها) حافظي على الصلاة، ولا تضيعي الصلاة لأي سبب، ولو كان لإعداد الطعام لزوجك، فحق الله مقدم على حق الزوج، ولا ينبغي أن تعتذر الزوجة بتأخير الصلاة بدعوى أنها تعد الطعام للزوج وللأولاد، لا، بل تقدم حق الله . (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها) ما لم يكن عندها عذر شرعي معلوم. (وحصنت فرجها) حفظت نفسها من الوقوع -والعياذ بالله- فيما يغضب الله جل وعلا. (وأطاعت زوجها) أي: في غير معصية الله. (قيل لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت) .
следующие страницы →