← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 7702

سلسلة إيمانيات

محمد حسان

Полный текст (114 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

حقوق الزوج على زوجته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله أن يجمعنا في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. بالفعل لقد وفينا حق الزوجة في اللقاء الماضي، وبدأنا به تأدباً منا بأمر نبينا ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً) ، ونحن اليوم على موعد مع حق الزوج، ويجب على كل زوجة مسلمة أن تفتح قلبها قبل أن تفتح أذنها؛ لتتعرف على حق زوجها عليها إن كانت تريد رضوان الله عليها في الدنيا والآخرة، فسفينة الحياة الزوجية التي تخوض بحر الحياة بسكينة وهدوء، يقودها حتماً زوج صالح، وتقف وراءه وإلى جنبه في آن واحد زوجة صالحة عاقلة، بل دعني أؤكد أن السكن والاستقرار والأمن النفسي وراحة البال؛ وراءه زوجة صالحة عاقلة وفية، عرفت حق الله ، وعرفت حق النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك عرفت حق زوجها.

стр. 37

حسن الخلق والعشرة الطيبة إن أول وأعظم حق للزوج على زوجته: أن تكون الزوجة حسنة الخلق والعشرة مع زوجها، فحسن الخلق من الزوجة بلسم يداوي كل الجراح، ودواء لكل داء يصيب الحياة الزوجية من آن لآخر. من حسن العشرة الكلمة الطيبة إلجام اللسان عن الكلمة البذيئة الكف عن الجدال والمراء والمناقشة الصاخبة بصوت مرتفع الكف عن العناد الكف عن تكسير طلبات وأوامر الزوج بسبب وبدون سبب. هذا من حسن العشرة، وإلا فما قيمة جمال المرأة، وما قيمة شهادتها العلمية، وما قيمة نسبها، إن كانت لا تحسن المعاملة الطيبة مع الزوج إن كانت لا تحسن الخلق الحسن مع الزوج، والنبي ﷺ يعلمنا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما من حديث أبي الدرداء، قال ﷺ : (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق) . وكذلك المؤمنة، فكل حكم للرجل هو في نفس الوقت حكم للمرأة المسلمة، ما لم يأتِ دليل خاص يبين أن هذا الحكم للرجل وحده أو للمرأة وحدها. وفي الحديث الذي رواه أبو داود وابن حبان وغيرهما بسند صحيح، من حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) . فأول حق للزوج على زوجته: أن تعامله معاملة كريمة، وأن تحسن عشرته، والتخاطب معه، وأن تحسن الرد عليه، فقد تعكر الزوجة صفو البيت، ولا يجد الزوج في بيته سكينة ولا سكناً ولا راحة ولا هدوءاً؛ لأن الزوجة تعكر عليه صفو هذا البيت بردودها بسوء خلقها بلسانها، فاللسان خطير، بل ربما تتقدم الزوجة لتعتذر -كما سأبين إن شاء الله تعالى- للزوج، فتعتذر بأسلوب منفر، يستشعر فيه الزوج الكبرياء والخيلاء، وأنها لا تريد أن تتنازل أبداً، وتتعامل معه كأنها تتعامل مع شخص غريب، أو أنها تتعامل مع ند أو نظير أو مثيل أو شبيه لها، وهذا لا يجوز أبداً. إذاً: أول حق للزوج على زوجته: أن تعامله معاملة كريمة طيبة، وأن تكون حسنة الخلق حسنة العشرة.

стр. 38

الرضا والقناعة مقدم البرنامج: نحن في عصر كثرت فيه الملهيات من تلفاز ودش وغيرها من مظاهر الحياة الصاخبة، وكثرت مطالب الزوجات بتوفير هذه الأشياء وغيرها، والزوج يلاقي من المرأة ضغوطاً بسبب ذلك، فما الحل؟! الشيخ: الرضا كنز ثمين، ولن تشعر الزوجة بالسعادة ولا بالراحة مع زوجها إن كان فقيراً أو متواضعاً في جماله أو ماله أو وجاهته أو جاهه أو علمه، لن تشعر الزوجة بالسعادة ولا بالطمأنينة إلا بالرضا، فالرضا كنز ثمين، وهذا من حق الزوج على زوجته، فالأيام دول، فكم من زوج كان غنياً فأصبح فقيراً؟! وكم من زوج كان قوياً فأصبح ضعيفاً؟! وكم من زوج كان صحيحاً فأصبح مريضاً؟! إن الزوجة الصالحة تعلم يقيناً أن كل شيء بقدر، وتتضرع إلى الله أن يرزقها الرضا، وترضى بما قسم الله لها، فإن النبي ﷺ يقول -كما في الحديث الذي رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر -: (قد أفلح من رزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه) . أيها الأحبة: القناعة والرضا كنز لا يفنى، فلا تنظر الزوجة إلى من منّ الله عليهم من أموال وعمارات ووجاهات، فهذه أرزاق قسمها الله بين خلقه وعباده، بحكمته وعدله ؛ لذلك يأمرنا النبي ﷺ حتى لا نشعر بشيء من الهم والحزن. يأمرنا أن ننظر في أمر الدنيا إلى من هو أسفل منا، ويأمرنا أن ننظر في أمر الدين إلى من هو أعلى منا، فقال ﷺ ، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (انظروا إلى من هو أسفل منكم في أمر الدنيا، وانظروا إلى من هو أعلى منكم في أمر الدين؛ فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله . فالزوجة الصالحة عليها بالرضا لتشعر بالسعادة، فالرضا يذهب الهموم والأحزان والآلام، بل ويوسع العيش إن كان العيش ضيقاً، ويوسع البيت إن كان البيت ضيقاً. وأنا لا أقصد المعنى المادي، وإنما أقصد المعنى المعنوي، فالسعة والضيق لا تكون في المكان، وإنما تكون في الصدور، فإذا شعرت الزوجة بالرضا وبالطمأنينة، ورضيت بما قسم الله لها، عاشت وزوجها في سعادة، وشعر الزوج هو الآخر بسعادة غامرة مع زوجة راضية رضية، تقبل أي شيء، ولا تدفعه دفعاً إلى الحرام من أجل أن يأتي لها بكل ما تحتاج إليه من رغبات ولو هذه الرغبات خارجة على قدراته وطاقاته. كم من زوجة تدفع زوجها إلى الحرام من أجل أن يوفر لها المال ليأتي لها بكماليات قد لا تحتاج إليها؟! وكم من زوجة تحول بين زوجها وبين الحرام برضاها وقناعتها وبغضها للحرام! وتقول له: يا أبا فلان! اتق الله فينا، لا تدخل علينا الحرام أبداً، فإن الحرام يدخل إلى الحلال ليبعثره، ولو كان قليلاً. وترضى الزوجة بما قسم الله ؛ فتعيش سعيدة آمنة مطمئنة، ويعيش الزوج هو الآخر في غاية السعادة والرضا مع هذه الزوجة، التي تذوقت طعم الرضا وحلاوته فالرضا يوسع العيش إن كان ضيقاً. انظري أيتها الزوجة إلى من حرمت من الزوج إلى من حرم من الأولاد، إلى من حرم من البيت، إلى من حرم من الصحة والعافية، فما دام الله قد رزقك زوجاً، وقد رزقك بيتاً يؤويك، وقد رزقك أولاداً؛ فاحمدي الله على هذه النعم التي حرم منها كثير من الناس، قال الله : ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] . فالزوج يعيش سعيداً غاية السعادة، وتستطيع الزوجة أن تفتح قلب الزوج، بل تستطيع أن تملك قلب الزوج إن أشعرته بأنها راضية بما قسم الله . إن الرضا بقضاء الله وقدره من أعظم نعم الله على الزوج والزوجة على السواء، وأصول الرضا أن يقول العبد للرب سبحانه: يا رب! إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت.

стр. 39

الوفاء مع الزوج مقدم البرنامج: الرسول ﷺ أخبرنا أن أكثر أهل النار النساء؛ وذلك بأنهن يكفرن العشير، فما معنى يكفرن العشير؟ الشيخ: إنه عكس الوفاء، ما أحلى الوفاء، وما أجملها وأروعها من كلمة، وهذا هو الحق الثالث للزوج المسلم على زوجته المسلمة، أن تكون زوجته وفية، فقد يصير الزوج الغني فقيراً، وقد يصير الزوج القوي ضعيفاً، وقد يصير الزوج الصحيح مريضاً، ويذهب مرضه وتذهب همومه وأحزانه وآلامه إذا وجد زوجة وفية تقف إلى جواره، لا تنسى ما كانت تعيش فيه معه من نعيم، فتشعره بأن الأيام دول، وتبين له أن الدنيا إلى زوال، وكما أنعم الله علينا فإنه يختبرنا، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] ، ويقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠] . تذكّره بأن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة ما دام أن ربنا قد منّ عليها بنعمة الدين ونعمة الإيمان، ونعمة الأولاد، وما دام الله قد منّ عليها بقلب حي شاكر، وبلسان ذاكر، وما دام الله قد رزقها الرضا، ورزقها زوجاً ما بخل عليها يوماً مما أعطاه الله كل هذه المعاني تحول ألم الزوج العضوي والنفسي إلى راحة، يشعر أنه في هذا البيت في واحة غنَّاء، يستشعر قيمة الوفاء وعظمته إذ رأى في هذه الهموم والأحزان زوجته وفية له، ولا تتنكر لفضله ولعطائه، ولم تنسَ قوته يوم كان قوياً، ولم تنسَ غناه يوم كان غنياً، ولم تنسَ رجولته وفحولته وإن حبسه المرض الآن، لم تنسَ كل هذا، فترد الزوجة بهذا الوفاء لزوجها كل معنى جميل، وتذكره بكل المعاني الجميلة، فيستشعر الزوج أصالة هذه الزوجة. إن مما يحطم أي زوج ويقصم ظهره إذا كان كريماً مع امرأته سخياً في كل شيء، في كل لون من ألوان الحياة، إن تبدلت به الأيام وتحول الغنى إلى فقر، والقوة إلى ضعف، والصحة إلى مرض فإذا بامرأته هي الأخرى قد تحولت مع هذا التحول الخطير فتكون القاصمة. قد لا يتأثر الزوج بكل ما سبق بقدر ما يتأثر إذا تغيرت زوجته هي الأخرى فتنسى كل صور الإحسان! انظر إلى هذه الصورة التي تناقض تماماً صورة الوفاء، فلا يشعر الزوج بشيء من الأمان، ويفقد الثقة في كل شيء؛ لأنه لم يجد هذا الوفاء وهذه الثقة في أقرب الناس إليه فيمن منحها كل ما يملك، من حب ووفاء وعطاء وسخاء ورجولة وبذل، فتتنكر له وتنسى كل شيء. انظر بهذه النظرة لحديث رسول الله ﷺ كما في الصحيحين من حديث زينب قالت: (خطبنا رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا: يا رسول الله، يكفرن بالله؟ قال: بل يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان) . أود من أحبابنا الذين ينظرون إلى الأحاديث النبوية نظرة عقلية متجردة، أن ينظروا إلى هذا الحديث من هذا المنظور، وأود أن لو خاطب كل واحد منهم نفسه بهذا الخطاب الذي ذكرت، ماذا يقول لو أعطى امرأته كل ما يملك ولم يبخل عليها بشيء، وفي لحظة من اللحظات لما تداولت به الأيام، وتحول غناه إلى فقر، وقوته إلى ضعف، ورأى امرأته هي الأخرى تتنكر له، وتنسى كل صور الإحسان التي بذلها إليها قبل ذلك؟! أرجو أن ينظر إلى حديث رسول الله ﷺ بهذا المنظور؛ حتى لا يرد أحد حديث رسول الله ﷺ بمجرد النظرة العقلية المجردة، (يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان) ، فالمرأة التي تكفر العشير وتكفر الإحسان امرأة لم تذق طعم الوفاء، ولم تعرف شيئاً عن الوفاء، وإن لم تتب إلى الله فهذا مصيرها الذي أخبر عنه سيدنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. لماذا يكفرن العشير ويكفرن الإحسان؟ قال: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) ؛ إنه اللؤم إنه خلق قبيح ذميم، يقصم ظهر أي زوج لكن إذا رأى الزوج زوجته وفية كريمة، صاحبة أصل كريم؛ فإنها تذهب آلامه وأحزانه، وتضمد جراحه. نسأل الله أن يرزقنا جميعاً الوفاء.

стр. 40

صور من طاعة الزوجة لزوجها وضوابطها مقدم البرنامج: هناك أزواج كثيرون يفهمون أن طاعة الزوجة طاعة مطلقة في كل ما يطلبه الزوج، حتى ولو كانت الطاعة في معصية الله ، فهل الزوجة لها حق في أن ترفض هذه الطاعة المطلقة؟ الشيخ: طاعة الزوجة لزوجها واجب عليها، وهو حق مطلق للزوج ما دام لم يأمرها الزوج بمعصية الله جل وعلا، لكن الحياة الزوجية تنبني على المودة والرحمة، فيجب على الزوج بالمقابل إذا أمر زوجته أن يأمرها بأسلوب مؤدب، وبالخلق الذي تعلمناه من رسول الله ﷺ ، وأنا أقول: شتان بين زوج يطلب من زوجته ما يريد بأسلوب يجبر به الزوجة أن تفعل له ما يريد بنفس راضية، وبين زوج آخر يصدر الأوامر لامرأته، وكأنه يسوق أمامه أمة من الإماء؛ فلا تقبل الزوجة، فينطلق الزوج ليشكو زوجته بعد ذلك. أقول: إن طاعة الزوج واجبة على الزوجة، وحق للزوج على زوجته ما لم يأمرها بمعصية الله، وأود أن أهمس في آذان أحبابنا من الرجال والأزواج وأقول: الزوج العاقل هو الذي يعلم الوقت الذي يأمر فيه زوجته فتطيعه. اختر الوقت فهذه مسألة في غاية الأهمية، فلا تأتِ في وقت ترى فيه الزوجة غاضبة ومنفعلة ثم تصدر لها الأوامر، افعلي كذا وكذا وكذا وإلا فأنت طالق، فهذا أسلوب لا يمكن على الإطلاق أن يضمن للحياة الزوجية السعادة والأمن والهدوء والاستقرار، بل ربما ينفعل الزوج على امرأته لأتفه الأسباب. وأود أن أحذر بأن أخطر ما يحدث في كثير من بيوت المسلمين: أن يشهر الزوج سيف الطلاق لأي خطأ، ولأي تقصير من الزوجة. إذاً: يجب على الزوجة أن تطيع زوجها ما لم يأمرها بمعصية الله ، والنبي ﷺ يقول كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبان والطبراني وغيرهما، من حديث أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها؛ قيل لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت) . ودعنا نكرر الحديث مرة ثانية لجلاله وجماله، فلتستمعي أيتها الزوجة الفاضلة لسيدنا رسول الله ﷺ : (إذا صلت المرأة خمسها) حافظي على الصلاة، ولا تضيعي الصلاة لأي سبب، ولو كان لإعداد الطعام لزوجك، فحق الله مقدم على حق الزوج، ولا ينبغي أن تعتذر الزوجة بتأخير الصلاة بدعوى أنها تعد الطعام للزوج وللأولاد، لا، بل تقدم حق الله . (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها) ما لم يكن عندها عذر شرعي معلوم. (وحصنت فرجها) حفظت نفسها من الوقوع -والعياذ بالله- فيما يغضب الله جل وعلا. (وأطاعت زوجها) أي: في غير معصية الله. (قيل لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت) .

стр. 41

الطاعة في فراش الزوجية ومن أعظم صور الطاعة التي يجب على الزوجة المسلمة أن تحققها لزوجها: إذا أمرها أن تأتيه لفراش الزوجية أن تطيعه، كم من الرسائل والشكاوى والاتصالات والأسئلة، يشكو فيها كثير من الأزواج امتناع الزوجات عن الفراش، قد تتدلل الزوجة على زوجها بالامتناع، وهذا حرام، وقد تمتنع لتجبر الزوج على أن يفعل لها أمراً تريده، أو على أن يقدم بالطلب الذي طلبته منه، وهذا حرام لا يجوز للزوجة المسلمة أن تفعله، يقول النبي ﷺ : (أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت؛ باتت والذي في السماء غاضب عليها حتى يرضى عنها زوجها) . مقدم البرنامج: حتى لو كانت مريضة أو مرهقة؟ الشيخ: لا، وهذا تنبيه جميل ومداخلة هادفة، وأود أيضاً أن أبينها للزوج، فإن كثيراً من الأزواج قد لا يعذر امرأته لأي سبب، وهذا أيضاً من الظلم، فينبغي على الزوج المسلم أن يكون عادلاً منصفاً، فإذا رأى الزوج امرأته مريضة بالفعل، ولا تتعذر لتدلل أو لأي أمر من الأمور التي ذكرت؛ وإنما تمتنع لأنها لا تستطيع ذلك، فيجب على الزوج أن يعذر امرأته، وأن يعاملها بالرحمة. وقد بينت أن الحياة الزوجية تنبني على الحب والرحمة، فإذا ذبلت وردة الحب فتبقى الرحمة لتظلل سماء البيوت لتستمر الحياة، فيرحم الزوج زوجته وترحم الزوجة زوجها، لكن لا ينبغي للزوج أن يقف لامرأته وقفة شديدة، فليست هذه هي أخلاق الرجال، فضلاً عن أخلاق الأزواج المسلمين الصالحين الذين ينطلقون في حياتهم الزوجية امتثالاً لرب العالمين، ولأمر سيد المرسلين ﷺ . إذاً: من أعظم حقوق الزوج على زوجته: أن تطيع الزوجة المسلمة زوجها في كل ما يطلبه منها ما لم يأمرها بمعصية الله بالضوابط والشروط التي ذكرت بعضها الآن. مقدم البرنامج: قلت: إن على الزوجة أن تطيع الزوج في غير معصية الله، فما حدود هذه الطاعة وضوابطها؟ الشيخ: نعم، يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (لا يحل لامرأة أن تصوم إلا بإذن زوجها) والمراد بالصيام هنا: صيام النفل، وليس صيام الفريضة (ولا يحل لها أن تدخل بيته إلا من يريد) ، لا يحل للزوجة أن تدخل أو أن تأذن في بيته إلا لمن يريد الزوج فقط، فطاعة الزوجة لزوجها مطلقة في غير معصية الله . أي: إذا طلب الزوج من امرأته معصية كأن طلب أن يأتيها في غير ما أمر الله فلترفض، ورفضها ذلك ليس معصية للزوج؛ لأنها طاعة لله ، وإن طلب الزوج من امرأته أن تعري جسدها فلترفض، ورفضها ذلك ليس معصية للزوج بل هو طاعة لله جل وعلا. مقدم البرنامج: حتى لو هددها بالطلاق؟ الشيخ: هذه مسألة ينبغي على الزوجين أن يعرضاها بعينها على رجل من أهل العلم؛ ليقدر المسألة تقديراً دقيقاً، وليوازن موازنة دقيقة بين المفاسد والمصالح، وتكون الفتوى هنا فردية وليست جماعية، فنحن نتكلم بصفة عامة، وأنه لا يجوز أبداً للزوج أن يأمر زوجته بمعصية الله ولو قلَّت، ولو عصت الزوجة زوجها في هذا الأمر الذي هو مخالف لأمر الله ورسوله؛ فليست بذلك عاصية لله ولا عاصية لزوجها، وإنما هي مطيعة لله ورسوله ﷺ .

стр. 42

الاعتذار عند الخطأ ومن صور الطاعة أيضاً: إن غضب الزوج فعلى الزوجة الوفية إن كان الخطأ منها، وكان هذا الخطأ سبباً في غضب الزوج أن تعجل وتبادر بالاعتذار بأسلوب جميل حتى يستشعر منه الزوج الأسف والندم الحقيقي، ولا يستشعر فيه الكبرياء والاستعلاء، أو أنها تريد أن تحصل حصيلة فقط، ولا يعنيها أن يرضى أو لا يرضى، فهذا الفعل منها ربما يغضب الزوج بسببه غضباً يفوق غضبه الأول، فإن كان الخطأ من الزوجة وكان هذا الخطأ سبباً في غضب الزوج؛ فلتبادر الزوجة بتواضع ورفق، فهذا زوجها وأقرب الناس إليها، بل ربما لا تستطيع المرأة أن تتجرد من ثيابها أمام أمها بعد الزواج وأمام أبيها، لكنها تعطي كل شيء وكل ما تملك لزوجها، وهذا هو الذي قال الله فيه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] ، هذا هو الميثاق الغليظ بين الزوج وزوجه، فالعلاقة الزوجية علاقة لا يستطيع عالم مهما أوتي من البلاغة والأدب والفصاحة والبيان أن يصفها؛ لأنها علاقة في غاية السمو في غاية الرقة. إذاً: إن أخطأت الزوجة وأغضبت زوجها، فلتبادر بالاعتذار بأسلوب رقراق جميل، يستشعر منه الزوج فعلاً أن الزوجة حزينة لما بدر منها، أما إذا كان الخطأ من الزوج نفسه، وأنا أتصور أن الزوجة العاقلة المسلمة إن أخطأ الزوج لا تعاتبه في وقت غضبه؛ لأنها ستخسر القضية مرتين، لكن فلتصبر، بمعنى: أن تترك له المكان، وأن تخرج من الغرفة التي دار الحوار فيها واشتد وأخطأ الزوج بهذه الكلمات في حق زوجته، فلتترك المكان ولتنتظر قليلاً، وأنا على يقين أن الزوج إن كان مسلماً منصفاً عاقلاً فإنه بعد قليل جد سيراجع نفسه؛ لأن المؤمن سريع الغضب سريع الرضا، يغضب سريعاً ويرضى سريعاً، فسرعان ما يرجع هذا الزوج المسلم الوفي العاقل إلى زوجته بكلمات رقيقة: سامحيني يا أم فلان. وإن عاد الزوج مغضباً وهي لا تعرف ما السبب، فعلى الزوجة العاقلة أن لا تتعمد وأن لا تلح على زوجها لتعرف سر غضبه، وما الذي حصل؟ لأن هذه الأسئلة ربما تزعجه وتغضبه، بل وربما تكون هذه الأسئلة بهذا الطرح سبباً جديداً من أسباب غضبه وانفعاله على الزوجة مرة أخرى، ولتتعلم الزوجة المسلمة العاقلة من أم المؤمنين خديجة ﵂، يوم أن عاد إليها سيدنا رسول الله ﷺ يرتعد ويرتجف جسده: (زملوني زملوني) ، (دثروني دثروني) ، بعدما عاد من الغار ونزل عليه جبريل بأولى كلمات السماء: (اقرأ) ، فغطته ودثرته، ولم تتكلم حتى استيقظ رسول الله ﷺ من نومه وهدأت نفسه، واستقرت جوارحه، وبدأ يقص هو عليها ما حدث، يقول: (إني خشيت على نفسي يا خديجة، تقول له: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً) . فـ خديجة رمز الوفاء، وسكن سيد الأنبياء، فيجب على كل مسلمة أن تتعلم من هذه القمة الشامخة، ومن زوجات رسول الله ﷺ ، ومن الصالحات في كل زمان وفي كل حين, وأمة النبي ﷺ أمة معطاءة، لا تخلو أبداً من هذا الفضل والخير والنساء الصالحات القانتات المؤمنات. إذا كات الزوجة لا تعرف سر غضب زوجها فلتصبر قليلاً، حتى إذا هدأ فسيبدأ هو بنفسه؛ لأنه في أمس الحاجة إلى من يخاطبه ويحدثه، ويريد أن يتحدث مع نفسه، وأنتِ نفسه إن استشعر الزوج في زوجته العقل وسداد الرأي فإنه يأنس جداً بالحديث إليها، بل ويخرج لها كل ما في جوفه، وكل ما في صدره، ويبثها همومه وأحزانه وأشجانه وآلامه؛ لأنه ينتظر منها الكلمة الوقورة الهادئة الهادفة التي تبدد كثيراً من أحزانه وهمومه وآلامه. تصوري لو أن زوجاً حدث بينه وبين رئيسه في العمل إشكال، وعاد إلى زوجته وهو مهموم، ودخل إلى فراشه، فصمتت واستقبلته بكلمات طيبة وابتسامة حانية، وتركته حتى ينام، ثم استيقظ من نومه فوجدها قد أعدت له طعامه وشرابه الذي يحب أن يشربه، ثم جلست إليه وقد هيأت نفسها بثوبها الحسن وطيبها الجميل، وجلست إلى جواره في لحظات تشعر فيها أنه قد استقر، وقالت له: يا أبا فلان! ما لي أراك مهموماً حزيناً؟ فسيبدأ الزوج في إخراج كل ما عنده. هذه هي حدود الطاعة للزوج. وأسأل الله سبحانه أن يرزق الأزواج والزوجات الطاعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 43

حكم طاعة الزوجة في منع أهلها من دخول بيت زوجها مداخلة: لو أن الزوج -مثلاً- وقع في مشاحنة مع أهل الزوجة، وطلب منها أن لا تدخلهم بيته: هل امتثالها لأمره يكون طاعة؟ الشيخ: يجب على الزوجة في هذه الحالة أن تطيع زوجها، ولو وجد الزوج في زوجته الطاعة في الصورة الودودة المشرقة التي ذكرت؛ فسيتغير حتماً إن شاء الله، ولكن لا يجوز للزوج في هذه الحالة أن يمنع زوجته من أن تذهب إلى أهلها، وإن امتنع هو عن زيارة أهلها، فليس من حقه أن يحول بينها وبين أهلها؛ لأن هذه قطيعة رحم، ولا يقبل الزوج المسلم لنفسه أبداً أن يكون قاطعاً للرحم.

стр. 44

أهمية تجمل الزوجة وتطيبها لزوجها في دوام المحبة والألفة مقدم البرنامج: الأزواج يقولون: إن الزوجة في بداية الزواج كان منظرها جميلاً ورائحتها طيبة ولطيفة، لكن بعد الزواج بفترة لم تعد تهتم بجمالها ولا بنظافتها فما رأيكم في هذا؟ الشيخ: هذا أيضاً من أعظم حقوق الزوج على زوجته، فينبغي أن تكون الزوجة باستمرار متجملة متطيبة؛ فالأنوثة والزينة والطيب من آكد حقوق الزوج على زوجته، وقد ذكرت أن الزوجة قد تقول: زوجي لن يطلقني، فنقول: لا، ولو لم يطلق فإنه قد يهجر البيت، فكم من الأزواج يشكون من هذا، لأن الزوجة تظن أنه بمجرد أنه صار زوجاً فهو لا يحتاج أن تتزين له أو تتطيب أو تتجمل، وبالفعل فإن كثيراً من المسلمات لا تضع الزينة ولا تضع الطيب إلا إذا أرادت أن تخرج، ولا حول ولا قوة وإلا بالله، وإذا ما جلست مع زوجها في البيت لا يراها دوماً إلا بثياب المطبخ، أو بثوب عادي تنبعث منه رائحة الثوم والبصل، فيتألم الزوج، مع أن المرأة قد جبلت أصلاً على حب الزينة، يقول سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] ، جبلت المرأة على حب الزينة والجمال، وهذا أمر فطري، فتصر المرأة أن تعكس هذه الفطرة فلا تتزين لأقرب الناس إليها، الذي يجب عليها أن تتزين له في كل وقت وحين، والرسول ﷺ يقول: (إن الله جميل يحب الجمال) . قد تقول لي زوجة الآن: يا أخي! أنا لا أملك الثياب، ولا أملك الطيب والعطور، أنا امرأة فقيرة، فأقول: يا أختاه! والله ما كانت الزينة والجمال بهذا الثراء، فقد تظهر الزوجة لزوجها بثوب متواضع لا يزيد ثمنه عن عشرين جنيهاً، لكنه جميل، مكوي معطر مطيب يظهر جمالها، تظهر بتسريحة جميلة لشعرها جمال وجهها، تضع أي لون من ألوان الطيب، وتقبل على زوجها برائحة جميلة لفمها ولجسدها ولشعرها ولثوبها؛ فيشعر الزوج دوماً بالانجذاب إليها، لكن إذا نظر الزوج إلى زوجته فرآها لا تعيره اهتماماً، ولا تهتم بالثوب، ولا بالطيب، ولا بتسريحة الشعر؛ فلتثق الزوجة تماماً أنه سيهجر البيت وسيفر منه، وهي تعلم يقيناً أنه سيخرج إلى الشوارع والطرقات؛ ليرى فتناً بكل أشكالها وألوانها، فلا تلومن الزوجة حينئذ إلا نفسها إن وجدت قلب الزوج قد تغير، ولتفتش هي عن الأسباب الحقيقية التي جعلت زوجها يتغير. أسال الله أن يرزق أخواتنا الفهم لهذه الجزئية؛ فإنها من أخطر الأسباب التي تعكر صفو البيوت.

стр. 45

إكرام الزوجة لأهل زوجها سبب في سعادته مقدم البرنامج: في وقتنا الآن تجد أن الصراع قائم بين أم الزوج والزوجة، والزوجة دائماً تشعر أن الأم هي المسيطرة على الزوج، والأم أيضاً تشعر أن ابنها قد امتلكته الزوجة، ويبقى الصراع قائماً، ويصل إلى مرحلة قطع الرحم من الزوج مع أهله، فما الحلول لمثل هذه المشاكل؟ الشيخ: قد بينا أن من حقوق الزوجة على زوجها أن يكرم الزوج أهل الزوجة، وكذلك من حق الزوج على زوجته أن تكرم الزوجة أهل الزوج، ولا ينبغي أبداً للزوجة المسلمة أن تكون فتنة على زوجها، أو أن تكون سبباً في أن يقطع هذا الزوج رحمه، وأن تقول له في كل لحظة من اللحظات: (أمك أمك، أبوك، إخوانك، أهلك) لا ينبغي أبداً للزوجة المسلمة أن تكون كذلك، وفي المقابل لا ينبغي للزوج أن يظلم زوجته لصالح والديه أو لصالح أهله إطلاقا، بل يجب على الزوج أن يعطي كل ذي حق حقه، بعدل وإنصاف، ولتكرم الزوجة أهل الزوج، والنبي ﷺ يقول كما في الحديث الذي رواه الحاكم والبزار بسند حسن، من حديث عائشة قالت: (قلت: يا رسول الله! أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: زوجها) ، وأنا أريد من الزوجة أن تعي وتفهم هذا الحديث. فـ عائشة رضوان الله عليها تريد أن تعرف الحقوق والواجبات، تقول ﵂: (قلت: يا رسول الله! أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: زوجها، قالت: يا رسول الله! وأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه) ، فالزوجة المسلمة لا ينبغي أبداً أن تجعل من نفسها نداً للأم، فبهذا ستفسد الحياة، وسيفسد البيت، وربما تزداد المشكلة إن كان الزوج قد تزوج امرأته في بيت والديه، وهنا تكون المشكلة أكبر، ولكنني أنصح الزوج في هذه الحالة أن يعقد اتفاقاً مع زوجته في غرفتهما، وأن يصير هذا الاتفاق سائداً وأصيلاً بينهما، فيقول: اسمحي لي أيتها الزوجة الحبيبة إن دخلت يوماً واشتكت منك أمي لي أن أرضي أمي بكلمات، وثقي تمام الثقة أن مكانتك في القلب كبيرة، وأن صمتك في هذه اللحظات يزيد من مكانتك وقدرك عندي، ولتكن هذه الكلمات بمثابة اتفاق، ولتعلم الزوجة أن زوجها بهذه الكلمات لا يريد أن يجرح مشاعرها، وإنما يريد أن يرضي أمه، فإذا ما دخل الزوج العاقل الوفي إلى غرفته مع امرأته؛ فليكن بينهما ما يكون بين زوجين حبيبين وفيين، يحرص كل واحد منهما أن يكرم الآخر، وألا يحرجه ويضع كل واحد منهما الآخر في أعلى مكانة، وبهذا الوصف الذي وصفت قبل ذلك لكثير من إخواننا وأخوتنا زالت كثير من المشكلات، أما إن دخل الزوج وسمع كلمات قليلة من أمه في حق زوجته؛ فآذى زوجته أمام أمه بكلمات ظالمة متهورة، بدعوى أنه يريد أن يرضي أمه، ولو على حساب ظلم امرأته؛ فهذا لا يجوز أبداً ولا يليق، وإنما يجب عليه أن يعطي حق والديه وأن يعطي حق زوجته بلا إفراط ولا تفريط، ومن الحق على الزوجة المسلمة الوفية أن تكرم أهل زوجها، كما كان من حقها على زوجها أن يكرم أهلها.

стр. 46

تربية الأبناء مسئولية مشتركة بين الزوجين مقدم البرنامج: هناك خلاف قائم ما بين الزوج والزوجة على تربية الأولاد، فالزوج يتهم الزوجة بعدم تربيتها للأبناء التربية الصحيحة، والزوجة تتهم الزوج بعدم تربية الأبناء التربية الصحيحة، فيظل الخلاف والصراع قائماً فما الحل؟ الشيخ: ذكرت أن تربية الأولاد مسئولية مشتركة تضامنية بين الزوج وزوجته، ومن حقوق الزوج على زوجته: أن تهتم الزوجة هي الأخرى بتربية الأولاد، ولا ينبغي أن تهمل الزوجة تربية الأولاد؛ فهذه أمانة عظيمة ستسأل عنها بين يدي الله، بل دعنى أؤكد لحضرتك ولأخواتنا الفضليات أن الأم هي الأصل، وأن أول من يخط على هذه الجوهرة الغالية -على قلب الطفل- هي أمه، فالطفل قلبه خال من كل نقش، فأول من ينقش فيه الأم، ولا يجوز البتة للأم أن تظن أن أمومتها تتمثل في أنها أنجبت فحسب، وتتخلى بعد ذلك عن مسئولية الأولاد، فتتركهم يجوبون الأسواق بدون حاجة أو ضرورة, أو يخرجون هنا وهناك، وتتركهم يتربون على كثير من الوسائل المختلفة التي لا تضمن لهم أبداً النصح والتوجيه والتربية السليمة الرشيدة، فقد يشعر الولد باليتم مع وجود والديه؛ لأن الوالدين تخليا عنه. ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلّفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا فيجب على الزوجة المسلمة أن تعلم أنها مسئولة مسئولية كبيرة عن الأولاد، وأذكرها بحديث رسول الله ﷺ حيث يقول: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) ، وأذكرها بحديث آخر كما في الصحيحين من حديث معقل بن يسار أنه ﷺ قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة) .

стр. 47

وصية أم لابنتها أرى عقارب الساعة تطاردنا بسرعة مذهلة، وأوشك اللقاء على الانتهاء، لكن اسمحوا لي أن أذكّر بوصية جامعة لأخواتي الفضليات المسلمات، إنها وصية أم عاقلة، إنها وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم إياس بنت عوف الشيباني، قالت هذه الأم العاقلة لابنتها ليلة زفافها، وقدمت لها هذه الوصية الغالية والهدية الثمينة، فقالت لها: أي بنية لو تركت الوصية لفضل أدب لتركت ذلك لك، ولكنها معونة للعاقل، وتنبيه للغافل. أي بنية: اعلمي أنك ستفارقين العش الذي فيه درجت، إلى بيت لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبداً، واحفظي له خصالاً عشراً تكن لك ذخراً: أما الأولى والثانية: فالخضوع له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة. وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواطن عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه؛ فإن تواتر الجوع ملهبة، وإن تنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالرعاية لماله وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التدبير، وفي العيال حسن التقدير، وأما التاسعة والعاشرة: فلا تفرحي إن كان مغتماً، ولا تحزني إن كان فرحاً. ما أحوج النساء إلى مثل هذه الوصية الغالية؛ لتحيا بيوتنا حياة سعيدة. أسأل الله جل وعلا أن يسعد بيوت المسلمين، وأن يملأها رضاً وسعادة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أعتقد أيها الأزواج والزوجات بعد ما علمنا حق الزوج وحق الزوجة، أن حياة البيت ستكون حياة هنيئة سعيدة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 48

سلسلة إيمانية - حق الزوجة الحياة الزوجية مملكة إيمانية كريمة، لا يعرف قدرها كثير من الأزواج، ولأجل ذلك كثرت المشاكل، وكثر الطلاق، وانتشر الفساد في كثير من الأسر المسلمة، ولا علاج لذلك ولا مخرج إلا برجوع الزوجين إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فبهما يسعد الزوجان، ويعرف كل منهما الحق الذي عليه فيؤديه، والحق الذي له فيجده.

стр. 49

حقوق الزوجة على الزوج الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل السعادة في الدارين، وأستهل هذا اللقاء الجليل بهذا الدعاء الكريم المبارك: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] . الحياة الزوجية مملكة إيمانية كريمة، لا يعرف قدر هذه المملكة كثير من الأزواج، فالزوجان معاً في هذه المملكة لهما قدر كبير، ومكانة عظيمة، أما الزوج فبما جعل الله له من قوامة، كما في قوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] ، وأما الزوجة فملكة متوجة كريمة في هذه المملكة الإيمانية، فهي شريكة الحياة، ورفيقة الدرب، وقرة العين، قال الله جل وعلا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] . ولاحظ أن الرعية في هذه المملكة الإيمانية الكريمة هم ثمرة الفؤاد، ولب الكبد، وزهرة الحياة الدنيا، هم الأولاد، قال جل وعلا: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ [الكهف:٤٦] . هذه المملكة الإيمانية إن ظلل سماءها في البيت منهج رب البرية، ومنهج سيد البشرية، وارتوى نباتها بماء الحب والمودة والرحمة الندية، آتت هذه المملكة ثمارها كل صبح وعشية، وإذا ظهر يوماً في أرضها نبتة سوء لمشكلة يومية أو أسرية، فإنها حتماً ستذبل أو ستموت؛ لأنه لا يمكن على الإطلاق أن تنبت مثل هذه النبتة في هذه الأرض التقية النقية الزكية، فالحياة الزوجية حياة جليلة كريمة، الزوج والزوجة فيها ملكان متوجان، وما وقعت هذه المشاكل إلا لما غاب عن هذه الأسر منهج الله، ومنهج سيدنا رسول الله ﷺ ، ولم يعرف كل من الزوجين ما له وما عليه من الحقوق والواجبات. واسمح لي أن نستهل الحديث اليوم في هذا اللقاء عن حق الزوجة وذلك تأدباً منا بأدب سيدنا رسول الله ﷺ الذي أمرنا بقوله: (استوصوا بالنساء خيراً) ، فامتثالاً منا لهذا الأمر النبوي الكريم، نبدأ بالحديث عن حق الزوجة المسلمة.

стр. 50

حسن العشرة وطيب الخلق أعظم حق للزوجة على زوجها: حسن الخلق، وإحسان العشرة. ما قيمة المال عند الزوج، وما قيمة المنصب، وما قيمة الجاه، وما قيمة الشهادة التي حصلها الزوج ما قيمة ما يقدمه الزوج لزوجته من طعام وشراب وثياب، ووجاهة وجاه ومنصب، إن كان سيئ الخلق، بذيء اللسان، كثير السب واللعن والطعن؟! ما قيمة هذا بالنسبة للزوجة؟! لا شيء. ما قيمة أن يقدم الزوج لزوجته كل ما تشتهيه من أمور الدنيا وهو في الوقت ذاته مملوء بالكبر والغرور، لا يعامل زوجته إلا بقسوة وغلظة وفظاظة فلا تسمع منه إلا الكلمة السيئة البذيئة؟! مداخلة: اعتقاداً منه أن هذه رجولة. الشيخ: أبداً، كما سيتضح لإخواننا جميعاً من الأزواج، وكما سنتعرف على خلق أعظم زوج وهو الرسول ﷺ ، فالزوجة تحتقر زوجها الذي يكثر السب واللعن والطعن والكلام البذيء والكلام الفاحش، فمن أعظم المفاتيح التي يفتح بها الزوج قلب زوجته: أن يكون حسن الخلق، ولا قيمة لكل ما يقدمه إن كان سيئ الخلق، ولذلك يقول النبي ﷺ -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة -: (استوصوا بالنساء خيراً) ، أمر من رسول الله لكل زوج: (استوصوا بالنساء خيراً) . بل وتدبر معي أنه في جبل عرفات في هذا اليوم الجليل الأغر المبارك الذي وقف فيه النبي ﷺ ليبين حرمة الأعراض وحرمة الدماء والأموال، ومع ذلك لم ينسَ أن يبين حرمة الزوجة المسلمة ومكانتها فقال ﵊، والحديث حديث طويل رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله، وفيه قال ﵊: (اتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) ، وفي الحديث الذي رواه ابن حبان والحاكم والترمذي وغيرهم بسند صحيح من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) ، (وخياركم خياركم لنسائهم) . أيها الأحبة! مَن مِن الأزواج لا يقدر إذا دخل على زوجته أن يلقي ﵍، فهو أمر لا يكلفه شيئاً على الإطلاق، حتى ولو فعل ذلك امتثالاً منه لأمر ربه وأمر نبيه ﷺ . قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] ، فمن السنة إن دخلت بيتاً -حتى ولو لم تجد فيه أحداً- أن تلقي السلام، فإذا دخل الزوج على أهله فمن السنة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله. وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بسند حسن، أنه ﷺ قال لـ أنس ﵁: (يا بني! إذا دخلت على أهلك فسلم؛ يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك) ، مهما كان حجم المشكلة بين الزوج وزوجه -أي: وزوجته- إذا دخل وقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ حتماً ستبدأ العقدة الأولى من عقد المشاكل في الحل، فإذا خرج مرة ثانية وعاد وألقى السلام ستحل العقدة الثانية، وهكذا. يقول النبي ﵊: (يا أنس! إذا دخلت على أهلك فسلم؛ يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك) . مَن مِن الأزواج لا يقدر على أن يلقى امرأته إذا دخل عليها بوجه طلق؟ روى الإمام مسلم في الصحيح من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال له: (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) وأولى الناس بطلاقة الوجه من الرجل هي امرأته؛ فهي أقرب الناس إليه. وهناك من الأزواج من إذا دخل البيت اكفهر وجهه، ولا بد أن تقوم المرأة، ولا بد أن يستيقظ النائم، ويقف الجالس, وأن تحدث حالة من الطوارئ لمجرد أن الزوج قد دخل؛ بدعوى أن هذه هي الرجولة! كلا، ما كان هكذا نبينا ﷺ ، وهو خير زوج عرفته الدنيا، بل بالعكس، كان رحيماً رقيقاً مؤدباً مهذباً، بل لقد حرم النبي ﷺ على نفسه ما أحل الله له؛ إرضاءً لنسائه. وكان النبي ﷺ إذا دخل على زينب رضوان الله عليها يطيل المكث عندها، فدبت الغيرة في قلب عائشة وحفصة؛ فاتفقتا على رسول الله ﷺ ، وقالتا: إن دخل رسول الله على واحدة منا، فلتبتعد عنه ولتقل: إني أجد منك رائحة مغافير، والمغافير: نبتة كانت تنبت في أرض المدينة لها رائحة ليست طيبة، فدخل النبي ﷺ على حفصة، فابتعدت عنه وقالت: إني أجد منك رائحة مغافير، فقال النبي ﷺ : والله ما أكلت شيئاً، والله ما أكلت إلا العسل عند زينب، ويخرج النبي ﷺ من عند حفصة ليدخل على عائشة رضوان الله عليهن، فابتعدت عنه وقالت: يا رسول الله! ماذا أكلت؟ إني أشم منك رائحة مغافير، يعني: أنها تشم رائحة كريهة! وهو الطيب الذي كان عرقه أطيب من المسك بأبي هو وأمي وروحي ﷺ ، ففي صحيح مسلم ومسند أحمد بسند صحيح: (أن النبي ﷺ قالَ -يعني: نام في وقت القيلولة- عند أم سليم، فاستيقظ النبي ﵊ وأم سليم تسلت عرقه في قارورة -في زجاجة- فقال: ما تصنعين يا أم سليم؟ قالت: عرقك أطيب طيبنا يا رسول الله) . وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: (خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لي: أف قط، وما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟ يقول أنس: ووالله ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله، وما شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من ريح رسول الله) ،ومع ذلك السيدة عائشة تقول له: (إني أجد منك رائحة مغافير، قال: والله ما أكلت شيئاً، والله ما أكلت إلا العسل عند زينب، ثم يقول: والله لا آكل العسل بعد اليوم) ؛ من أجل أن يرضي عائشة وحفصة رضوان الله على الجميع؛ فنزل عليه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ لماذا تحرم ما أحل الله لك؟ ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١] . انظر إلى هذا الخلق! فهناك من الزوجات من تستجدي من زوجها الكلمة الطيبة، وتتسول منه الابتسامة الحانية، في الوقت الذي تراه زوجته مع أهله وأقربائه وأصدقائه وأحبابه لطيفاً ظريفاً، ودودواً، لكنها إذا عاملته أو عاشرته وجدت منه الفظاظة والغلظة والقسوة، فأولى الناس بأن تلقاه أيها الزوج بوجه طلق هي زوجتك وامرأتك. أيها الأحبة! مَن مِن الأزواج لا يستطيع أن يخاطب زوجته بالكلمة الطيبة؟ يا أخي! الكلمة الطيبة صدقة، كما جاء في الصحيحين من قول سيدنا رسول الله ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة) . أخي! تستطيع بكلمة طيبة أن تحرم نفسك على النار بإذن العزيز الغفار، وأولى الناس بهذه الكلمة الطيبة هي رفيقة دربك، وشريكة حياتك، وهي الزوجة المسلمة، فهي أولى الناس بأن تسمعها الكلام الطيب الذي تسمعه لأصحابك وإخوانك وأقاربك وأهلك وأولادك، هي من أولى الناس بأن تسمع الكلمة الطيبة الحنونة الظريفة الرقيقة الرقراقة من الزوج، بل ستعجب إذا علمت أن النبي ﷺ كان يداعب السيدة عائشة، يعني: يخاطبها بالكلمة التي تحبها، يقول لها: يا عائش، فيجب على الزوج المسلم أن يختار أرق الكلمات، وأجمل العبارات التي تسعد قلب امرأته. ودعني أقول: المرأة هي المرأة، وأنا لا أقلل بذلك من قدرها على الإطلاق، وإنما أود أن أؤكد لإخواني من الرجال والأزواج أن المرأة مهما كان قدرها، ومهما كان شأنها؛ فإنها تحب على الدوام أن تسمع الكلمة الطيبة من زوجها، حتى ولو بثنائه على شراب تقدمه طعام تقدمه ثوب ترتديه، تنتظر المرأة من الزوج أن يعلق على فستانها، أن يعلق على تسريحة شعرها، أن يعلق على عطرها، أن يعلق على شرابها، أن يعلق على طعامها؛ فالكلمة الطيبة صدقة، فما ظنك إن كنت ستتصدق بهذه الكلمة على أقرب الناس إليك. أيضاً: الزوج المؤمن الصالح هو الذي لا يخاطب امرأته بكلمات جارحة نابية، وهو الذي لا يتصيد الخطأ الصغير من أجل أن يجعل منه مشكلة ضخمة كبيرة؛ ليعنف ويوبخ ويقرع، وشتان بين زوج صالح ذكي يداعب زوجته ويقول لها: إن النساء رياحين خلقن لنا وكلنا يشتهي شم الرياحين وبين زوج عبوس يقول لامرأته: إن النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين فأعظم حق وأول حق للزوجة على زوجها: أن يكون الزوج حسن الخلق، حسن العشرة.

стр. 51

العون على الطاعة مداخلة: العلاقة الزوجية اليوم عبارة عن صراع، وكل من الزوجين يريد أن يسيطر على الآخر، ويوجد من شباب هذه الأيام من يبحث عن زوجة صالحة ولا يفكر أنه يبحث عن زوجة تعينه على دينه وهو كذلك يعينها على طاعة الله. الشيخ: هذا هو الحق الثاني -بلا نزاع-: وهو أن يكون الزوج عوناً لزوجته على طاعة الله ، فالحياة الزوجية ليست مكاناً للطعام والشراب، والاستمتاع الجسدي فحسب، وإنما ينبغي أن نبحث عن الغاية التي من أجلها أنشئت الأسرة، فنحن بكل أسف نبحث عن الغاية من خلق كل شيء وجد من أجلنا، وننسى أن نبحث عن الغاية التي وجدنا نحن من أجلها. قال الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، فهذه الأسرة المسلمة لبنة عظيمة في صرح الأمة الإسلامية، فينبغي أن تعي الأسرة الغاية التي من أجلها أنشئت، فليست مرتعاً للطعام والشراب والاستمتاع الجسدي فحسب، وإنما يجب أن يكون الزوج عوناً لزوجته على طاعة الله سبحانه، يا حبذا لو أمرها بالإنفاق يا حبذا لو أطلق يدها لتنفق في سبيل الله، ولا حرج على الإطلاق إن أخبرها بأنه قد سامحها لو أنفقت شيئاً من ماله في مرضاة الله سبحانه، حتى ولو كانت النفقة على أهلها إن كانوا يستحقون هذه النفقة يعاونها على قراءة القرآن يأخذ بيدها إلى بيوت الله يستمع معها شريطاً أو يرى معها شيئاً يذكرهما بالله . يا حبذا لو جلس مع امرأته يوماً وجمع أولاده وقال: هيا بنا لنجعل لنا ورداً يومياً مع كتاب الله هيا بنا لنجعل لنا ورداً يومياً مع حديث رسول الله ﷺ ، أو على الأقل لو اجتمع معها ومع أولاده في الأسبوع مرة ليجتمعوا جميعاً على كتاب الله، أو على كلام رسول الله ﷺ ، أو على أي ذكر من الأذكار، حتى ولو خرج بها في الخلاء وفي أماكن المنتزهات أو في أماكن جميلة، وقضى معها وقتاً جميلاً، وبعد ذلك قال: هيا بنا لنجلس مثلاً مع كتاب الله، لنستمع إلى شريط من أشرطة أهل العلم. إلى غير ذلك. ينبغي أن يكون الزوج عوناً لزوجته على طاعة الله ، ففي الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة بسند صحيح أنه ﷺ قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى فأيقظ امرأته -يعني: لتصلي معه- فإن أبت نضح في وجهها الماء) ، الرسول يقول (نضح) وليس أغرقها في الماء! فقد أرسلت إلي الأسبوع الماضي أخت فاضلة رسالة تقسم لي بالله فيها أن زوجها إذا أراد أن يوقظها لصلاة الفجر وتلكأت بعض الشيء لتعبها أو لمرضها، تقسم لي بالله أنه يذهب إلى الثلاجة ليأتي بزجاجة كاملة ويصب الزجاجة كاملة عليها! بدعوى أنه يوقظها لصلاة الفجر! أهذا خلق؟! ليس هذا من خلق النبي ﷺ ، بل إن الزوج بهذا الفعل يكون سبباً رئيساً في أن تبغض هذه الزوجة صلاة الفجر، بل في أن تبغض الصلاة، بل في أن تبغض الدين كله. فينبغي أن يكون الزوج رقيقاً لطيفاً، وأن يحب لزوجته ما يحب لنفسه، ولا يمكن على الإطلاق أن الزوج هذا يقبل أن توقظه امرأته لصلاة الفجر يوماً بنفس الطريقة التي أراد أن يوقظها بها لصلاة الفجر، والله لا يقبل هذا، وربما طلقها في التو واللحظة، وألقى عليها يمين الطلاق، فعلى الزوج المؤمن أن يعامل امرأته برفق وإحسان، وكثيراً ما أنصح إخواننا وأحبابنا ممن مَن الله عليه بالالتزام والهداية وهو يريد أن يحول امرأته في التو واللحظة إلى ما صار عليه مع أنه لم يكن كذلك، أذكرهم بقول الله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] ، وأذكرهم أيضاً بقول الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] . ولا تغفل عن قول الله : ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤] ، فيجب على الزوج أن يكون عوناً لزوجته على طاعة الله، كما يجب أن تكون زوجته هي الأخرى عوناً له على طاعة الله .

стр. 52

الإنفاق وعدم البخل مداخلة: بعض الشباب إذا تقدم للعرس تجده يكثر من الهدايا لزوجته وينفق ببذخ وتبذير حتى بعد الزواج مباشرة، ثم بعد ذلك يبدأ يبخل ويقتر على زوجته في المصروف الضروري. الشيخ: الإنفاق على الزوجة حق من أعظم حقوقها، فلا ينبغي على الإطلاق للزوج بعد الزواج أن يتقاعس عن هذا الحق الذي عليه، فإن النبي ﷺ يقول: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) ، وأود أن أبين لإخواني الأزواج أن الزوجة تبغض من كل قلبها الزوج البخيل، لا سيما إذا علمت أن الله قد وسع عليه وأعطاه من فضله ولو كان صاحب وجاهة، ولو كان صاحب منصب، ولو كان صاحب شهادة مرموقة، ولو كان ممن يقف بين يديه الرجال، فإذا أصيب بمرض البخل فإن زوجته تبغضه غاية البغض. إذاً: الإنفاق بلا إسراف ولا تقتير، وبلا إفراط أو تفريط من آكد حقوق الزوجة على زوجها، يقول الله : (لينفق) واللام هنا لام الأمر ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ ، يعني: من ضيق عليه رزقه ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً﴾ [الطلاق:٧] ، هذه رحمة الله سبحانه، الله لا يكلفك أن تنفق إلا في حدود قدراتك، لكن ليس معنى ذلك أن تبخل على امرأتك أو على أولادك، والنبي ﷺ يبشرنا معاشر الأزواج بأن النفقة على الزوجة مع أنها واجب على الزوج لو احتسبها فهي له عند الله صدقة. بشرى عظيمة نفقتي على زوجتي واجب علي، ومع ذلك لو احتسبت هذه النفقة وصححت النية فأنا مأجور عليها من عند الله جل وعلا. يقول النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي مسعود البدري ﵁: (إذا أنفق الرجل نفقة على أهله يحتسبها فهي له عند الله صدقة) . وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها عند الله أجراً دينار أنفقته على أهلك) . كثير من الأزواج لا يجدد النية في النفقة، فينبغي أن تجدد النية في كل شربة وفي كل طعمة تقدمها لامرأتك وأولادك، فلك بها أجر مع أنها واجب وفرض عليك والنبي ﷺ يقول: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) ، فالنفقة على الزوجة من أعظم وآكد حقوق الزوجة على زوجها.

стр. 53

حق الفراش أيضاً من حقوق الزوجة على زوجها: حق الفراش، وأود أن أؤصل أيضاً لأخواتي الفضليات أننا لا نستحيي من لفظة ذكرها من كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، وهو رسول الله ﷺ ، وما دام أن النبي ﷺ قد ذكرها فنحن نذكرها بدون أدنى حياء أو خجل أو وجل؛ لأن النبي ﷺ كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فحق الفراش من أعظم حقوق الزوجة على الزوج، وكثير من الأزواج يضيع هذا الحق، وأنا أنكر عليه، وإن كان معذوراً بمرض، فأسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين، لكن هذا الزوج الذي يضيع هذا الحق الكبير لامرأته ويذر المرأة كالمعلقة، ولا يفكر في هذا الحق، في الوقت الذي لو أراد أو طلب امرأته للفراش وأبت عليه يغضب أشد الغضب، وهو حق من حقوقه أيضاً بلا شك كما سنبين إن شاء الله تعالى في اللقاء المقبل في حق الزوج على زوجته، لكن من علمائنا من يرى أنه يجب على الزوج أن يأتي زوجته في الفراش في كل طهر مرة، وهذا على أقل تقدير، وذهب إلى ذلك الإمام ابن حزم وفهمه من قوله : ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ^، وهذا أمر صريح في كتاب ربنا: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) فالله جل وعلا يأمر كل زوج بقوله: (فإذا تطهرن) ، يعني: الزوجات (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) ، ومن علمائنا من يرى أنه يجب على الزوج أن يأتي امرأته على أقل تقدير في كل أربعة أشهر مرة إن كان معذوراً، لكن الذي أود أن أؤكده -وهذا ما يعنيني- أن أبين للزوجة وللزوج المسلم أن اللقاء بين الرجل وامرأته في الفراش ما هو إلا خلوة في لحظات كريمة جليلة، يستمتع فيها كل زوج بالآخر في الحلال الطيب، فإذا ظلل بآداب الهدي النبوي الكريم، واستفتح الزوج هذا اللقاء بالاستعاذة، وجدد النية بمعنى: أن يعف نفسه، وأن يعف امرأته، وأن يتضرع إلى الله أن يرزقه الذرية الصالحة، ومهد لهذا اللقاء بالكلمة الندية، والمداعبة اللطيفة الحنونة، كما علمنا رسول الله ﵊، فإذا استحضر كل هذه النوايا صار هذا اللقاء من أعظم الأسباب التي تقوي أواصر المحبة والمودة بين الزوجين، وصار هذا اللقاء سبباً رئيسياً من الأسباب التي تذيب الجليد والبرود الذي ينتاب الحياة الزوجية من آن لآخر حتماً، فشتان بين زوج مسلم ذكي صالح تنتظر زوجته هذه اللحظات التي تخلو فيها بزوجها، وبين زوج آخر تبغض زوجته هذه اللحظات لرائحة فم زوجها الكريهة أو لرائحة عرقه المنفرة، أو لأنها مقبلة على جولة من جولات المصارعة الحرة! نعم. أود أن أؤصل أن اللقاء كله مودة ورحمة، ومتعة في الحلال الطيب، ولو وظف هذا التوظيف لكانت هذه اللحظات من أعظم اللحظات التي تذيب كثيراً من الخلافات والمشكلات والأزمات، التي تحدث من آن لآخر في كل بيوت المسلمين، ونسأل الله أن يستر نساءنا وبناتنا.

стр. 54

التطيب والتجمل مداخلة: ما رأيك في الزوج الذي يتقدم إلى زوجته وهو في ريحة عمله ومع ذلك لو أن الزوجة ما تطيبت وتجملت تكون هناك كارثة؟ الشيخ: هذا أيضاً من حقوق الزوجة على زوجها وهو التطيب والتجمل والتزين، لا في وقت الفراش فقط، بل كما يريد الزوج أن تتزين وتتطيب وتتجمل له امرأته في كل وقت، بل ويغضب جداً وربما يعلن الشكوى، ويقول: إن امرأتي لا تتطيب ولا تتجمل إلا إذا أرادت أن تخرج، وإذا ما جلست معي لا تجلس إلا بثياب المطبخ التي عطرتها رائحة الثوم والبصل، فيجب عليه هو الآخر أن يكون متطيباً متجملاً متزيناً لزوجته. من أين ذلك؟ من كتاب الله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] . وكان ابن عباس ﵄ يقول: (إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي امرأتي) . أمر جميل فهم راق. (إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي امرأتي) ومحال أن يظن الزوج العاقل الألمعي أنها لمجرد أنها زوجة ستقبله على أي حال، فهذا مرفوض مستحيل، بل ستبغض لقاءه، وهذا من أخطر الأسباب التي تجعل كثيراً من الزوجات يمتنعن عن الأزواج، فيجب على الزوج أن يتطيب, وأطيب الطيب الماء، وأن يضع قليلاً من طيبه، من أي عطر إذا أراد أن يقبل على امرأته، وتصور خلق الحبيب ﷺ الذي كان عرقه أطيب من المسك، ومع ذلك كان يكثر من وضع الطيب، ويكثر من استعمال السواك ليغير رائحة فمه، ويكثر من وضع الطيب حتى قال ﵊ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي وغيرهما من حديث أنس قال: (حبب إلي من دنياكم الطيب) . إذاً: كما يحب الزوج أن تتطيب وتتزين له زوجته فمن حقها عليه أن يتزين ويتطيب هو الآخر لها.

стр. 55

الأمانة وعدم إفشاء أسرار البيت مداخلة: ما رأيك في الأزواج الذين عندهم دناءة فتجدهم يقعدون مع أصدقائهم في الشغل فيتكلم أحدهم على أدق التفاصيل مما حصل بينه وبين زوجته؟ الشيخ: نعم، هذا من أخطر ما يفسد العلاقات الزوجية، وكثير من الأزواج لا يشعر بهذا، فمن حقوق الزوجة أيضاًَ على زوجها أن يكون الزوج أميناً على أسرار البيت، ولا يوجد بيت من بيوت المسلمين إلا وتحدث فيه المشاكل، وربما تشتد المشكلة، وما دامت المشكلة داخل حدود البيت فإنها ستحل إن شاء الله تعالى ما دام كل زوج من الزوجين يريد الآخر، لكن إن خرجت المشكلة من البيت حتى وإن كانت المشكلة في بيت أهل الزوج أو في بيت أهل الزوجة فثق تمام الثقة أن المشكلة ستشتعل نارها وربما يستعصي بعد ذلك على كل من الزوجين أن يحل هذه المشكلة، مع أنها كانت في أول الأمر يسيرة لو أنها ظلت داخل جدران بيت الزوجية، وتزداد الخطورة إذا كان الزوج مفشياً لأسرار الفراش، وهذا من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، كما يقول النبي ﷺ والحديث رواه أبو داود وغيره بسند صحيح من حديث أبي سعيد قال: قال ﷺ : (إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته والمرأة تفضي إلى زوجها، ثم يفشي أحدهما سر صاحبه) ، يتصور أنها عنترية، أن يجلس مع أصحابه وزملائه فيقول: لقد فعلت كذا، وفعلت معي زوجتي كذا وكذا! هذه من أقبح صور الخيانة أن يفشي الرجل سر امرأته. ومن أجمل وأرق ما قرأت على الإطلاق: أن رجلاً من سلفنا الصالح حدث بينه وبين امرأته إشكال، وذهب إليه بعض الصالحين فقال له: ما الذي بينكما؟ فقال هذا الزوج الصالح: العاقل لا يهتك ستر بيته، ثم قدر الله وطلقها، فذهبوا إليه وقالوا: ما الذي كان يريبك منها؟ فقال هذا الرجل الصالح: مالي ولامرأة غيري! هذه هي الأخلاق، وهذا هو الدين! إن من أخطر الأمور التي أحذر منها إخواني الرجال أن يحرص الزوج على أن يظل الإشكال داخل حدود بيته، وألا يفشي سر البيت لا سيما سر الفراش، فهذه خيانة للأمانة، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] ، نسأل الله أن يجعلنا من أهل الأمانة.

стр. 56

الإحسان إلى أهل الزوجة مداخلة: توجد ظاهرة عجيبة في هذا العصر في أغلب البيوت، وهي: أن الزوجة تريد أن تفصل الزوج عن أهله، والزوج يريد أن يفصل الزوجة عن أهلها، ويبقى هذا صراع دائم ليس له أول ولا آخر. الشيخ: هذا لأننا لم نعد نعرف الغاية التي من أجلها أقيمت الأسرة المسلمة، وصار كثير من الأزواج يريد أن يضرب حصاراً حديدياً على زوجته، وأن يفصلها فصلاً تاماً من أسرتها. أين صلة الرحم التي من أجلها أقيمت هذه الأسرة، مع عبادة الله كما أصلت في أول اللقاء؟ إن الزوج المسلم يجب عليه أن يعلم أن من حق زوجته عليه أن يكرم أهلها، فإكرام الزوج لزوجته بإكرامه لأهلها، بإكرامه لوالديها، وليعلم الزوج المسلم العاقل يقيناً إن كانت الزوجة أصيلة حتماً ستبالغ هي الأخرى في إكرام أهله، فما منا من زوج إلا وهو يتمنى إذا أقبل إليه والده أو دخلت عليه أمه أو دخل عليه أهله أن تقوم زوجته ولا تقعد، وأن تقدم أطيب ماعندها، وأن تبالغ في الترحيب والتكريم، كذلك يقول النبي ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ، وبالمقابل إذا أقبلت أم الزوجة التي صورها إعلامنا بصورة قبيحة جداً، وأنها إذا أقبلت دخلت النار إلى البيت وإلى غير ذلك من الألفاظ التي صورت أم الزوجة على أنها عدو لدود شرس للزوج! وهذا خلل وخطأ في الطرح، ينبغي أن يفطن إليه القائمون على أمر التربية والتوجيه، فواجب على الزوج المسلم أن يكرم والد زوجته وأن يكرم أم زوجته، وأن يكرم أهلها، وتعجب إذا علمت أن السيدة عائشة ﵂ والحديث في الصحيحين تقول: (والله ما غرت على أحد من زوجات رسول الله ما غرت على خديجة، مع أنني لم أرها قط) . السيدة عائشة لم تر السيدة خديجة، ومع ذلك ما كانت تغار من زوجة من زوجات سيدنا رسول الله ﷺ كغيرتها من خديجة. لماذا؟ من كثرة ما كان النبي ﷺ يذكرها، تقول عائشة: (لقد كان يأمر بذبح الشاة ويقول: أرسلوا منها إلى صديقات خديجة) ، ليس إكرام الأهل المباشرين فحسب، بل وحتى الصديقات. هذه أخلاق النبي ﵊ وهذا مدخل رقيق جداً، ومفتاح لا يعرفه كثير من الأزواج، مفتاح يستطيع أن يفتح به الرجل قلب امرأته، بل سيرى منها بعد ذلك مبالغة كريمة في إكرامها لأهله إذا اجتهد هو في أن يكرم أهلها، وهذا حق للزوجة على الزوج أن يبالغ في إكرام أهلها، وليجدد النية فله بذلك أجر إن شاء الله.

стр. 57

الغيرة على الزوجة مداخلة: ما رأيك فيمن يدخل البيت ويفتح بهدوء، ثم يفتح الأبواب مرة واحدة فجأة، ثم يقول: أنا عندي غيرة؟ الشيخ: هذا جميل! ومن حق الزوج أن يغار على زوجته، بل دعني أؤصل لك أن الزوج الذي لا يغار على زوجته أو يقر الخبث في بيته فإنه رجل ديوث، لا يدخل الجنة إلا إذا شاء الله وتاب عليه كما أخبرنا رسول الله، فنحن لا نتألى على أحد، ولا نستطيع أن نحكم على أحد بجنة أو نحكم على أحد بنار، حاشى لله، لكن اسمع إلى ما يقوله سيدنا رسول الله ﷺ ، يقول النبي ﷺ -كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود وغيره-: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث -أي: الرجل الذي يقر الخبث في أهله ولا يغار على أهله - والمسترجلة من النساء) ، يعني: المرأة التي تتشبه بالرجال في كل شيء، هذا كلام النبي ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى، فمن حق الزوج أن يغار، لكن فليعلم أن الغيرة نوعان: غيرة محمودة، وغيرة مذمومة، كما في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي بسند حسن من حديث جابر بن عتيك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن من الغيرة ما يحبه الله، ومنها ما يبغضه الله) ، فأما الغيرة التي يحبها الله سبحانه فالغيرة في ريبة، الغيرة التي لها أسباب صريحة، ولها أدلة ومستندات واضحة، فهذه غيرة يحبها الله جل وعلا، وأما الغيرة التي لا يحبها الله فالغيرة في غير ريبة، والتي تبنى على الظن والأوهام والشكوك، وهذه الغيرة تخرب البيوت، وتدمر الأسر، وإذا أطلق الزوج لنفسه الخيال والعنان ربما اتهم زوجته بأبشع التهم، فلا بد أن تكون الغيرة منضبطة، بلا إفراط أو تفريط؛ حتى تستمر الحياة وتظل بيوت المسلمين مستورة، أسأل الله أن يسترها، وأن يجعلها دائماً عامرة بالسعادة والإيمان.

стр. 58

الحلم والكرم مداخلة: أغلب الزوجات تقول: إن الزوج خلقه غير جيد، يعني: مجرد كلمة تتكلم يرد الزوج بغضب ورفع صوت، وبالإضافة إلى ذلك يهجرها في الفراش، يعني: يجعل من الشيء الصغير أمراً كبيراً وعظيماً. الشيخ: نعم. من حق الزوجة على زوجها أن يكون الزوج حليماً عفواً كريماً، فالكمال لله وحده، والعصمة لسيدنا رسول الله ﷺ ، وقد انتهى زمنها، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. تذكر معي الآية التي ابتدأنا بها لقاءنا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] . وهناك فرق كبير بين المودة والرحمة، فالمودة: الحب، فإذا ذبلت وردة الحب بين الزوجين بقيت الرحمة؛ لتظلل البيوت وتستمر الحياة، فإن أخطأت الزوجة واعترفت بخطئها فليعف الزوج، ولا يفتخر ولا يتكبر، ولا تنتفخ أوداجه، فهذا ليس من خلق الرجال فضلاً عن أخلاق الأزواج الصالحين المؤمنين الصادقين. ما من بيت -أخي الحبيب- إلا وتحدث فيه المشاكل، لقد وقعت المشاكل في أطهر وأشرف بيت، في بيت سيدنا رسول الله ﷺ ، بل خذ هذا الحديث الذي رواه البخاري من حديث عائشة: أنه حدث بينها وبين رسول الله شيء، وكان النبي ﷺ ألمعياً ذكياً عبقرياً صاحب قلب كبير، كان يعرف متى تكون عائشة راضية عنه، ومتى تكون غاضبة عليه، فيقول لها: (يا عائشة! والله إني لأعرف متى تكونين راضية ومتى تكونين علي غاضبة. تقول: كيف يا رسول الله؟ فيقول: إن كنت عني راضية قلت: ورب محمد. وإن كنت غاضبة قلت: ورب إبراهيم. فقالت عائشة المحبة الفقيهة: أجل، والله لا أهجر إلا اسمك يا رسول الله) ، إنما أنت في القلب، فحدث بينها وبين رسول الله شيء مع أنها أحب زوجات النبي ﷺ إلى قلبه، فقال النبي ﷺ : أترضين أن يكون أبوك حكماً بيننا؟! فقالت: نعم. فيدخل الصديق رضوان الله عليه على رسول الله وعائشة في بيتها، فقال النبي ﷺ : لـ عائشة: تكلمي أو أتكلم أنا. فقالت عائشة: تكلم أنت ولا تقل إلا حقاً! فلم يتحملها الصديق فقام إلى السيدة عائشة فلطمها حتى أدماها، فقامت لتختفي خلف ظهر رسول الله، والرسول يقول لـ أبي بكر: (لا يا أبا بكر! والله ما لهذا دعوناك) ، والله ما أردنا هذا منك! ﷺ وعفا عن عائشة. كثير من إخواننا يظن أنه إن عفا عن امرأته فهو ضعيف مهزوز الشخصية، ولا يعلم أن الحلم من شيم الرجال، والعفو عند المقدرة من شيم الرجال، ولتعلم أن هذه زوجة ضعيفة مسكينة، والنبي ﷺ يقول: (إني أحرج عليكم حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) . من من الأزواج يتحمل أن يقف رسول الله ﷺ خصماً له يوم القيامة؛ لأنه ظلم امرأته؟! سيكون خصمك يوم القيامة رسول الله ﷺ إن ظلمت هذه الضعيفة في بيتك، (فخياركم خياركم لنسائهم) ، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لـ أشج عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله جل وعلا، قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الحلم والأناة) ، قال: أكانا فيَّ قديماً أم حديثاً؟ قال: بل قديماً، فقال هذا الرجل الفقيه: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين أو خلتين يحبهما الله . وليعلم الزوج أن العفو عند المقدرة من شيم الرجال، فمن حق الزوجة إن أخطأت واعتذرت أن يقبل الزوج عذرها ويعفو عنها لتستمر الحياة.

стр. 59

تربية الأبناء واجب مشترك بين الأبوين مداخلة: هل على الزوج الإنفاق فقط لا غير، يعني: يشتغل ويصرف وينفصل عن تربية الأولاد وتبقى الزوجة هي المتحملة لمسئولية التربية؟! الشيخ: هذا حق جليل، ودعنا نختم به لقاءنا الكريم، وما أخرناه لقلة شأنه، وإنما أخرناه ليظل في عقل وقلب كل زوج، فليعلم كل زوج أن مسئولية التربية مسئولية تضامنية مشتركة بين الزوج وزوجته، ولا يجوز أبداً له أن يتخلى عن هذه المسئولية العظيمة بدعوى أنه ممثل فقط لوزارة المالية في البيت، إذا احتاج الأولاد طعاماً شراباً ثياباً وما يحتاجون إليه فهو يبذله، وهو يتصور بذلك أنه قد قدم كل ما عليه تجاه زوجته، لا، فليعلم الزوج المسلم العاقل أن تربية الأولاد مسئولية تضامنية سيسأل عنها مع زوجته بين يدي الله جل وعلا، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أنه ﷺ قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، وفيه: الرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) ، وفي الصحيحين من حديث معقل بن يسار ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) . فمن أعظم حقوق الزوجة: أن تشعر أن زوجها يحمل معها هم الأولاد، فكم تتحطم الزوجة وتتألم حينما يكبر أولادها ويستعصي عليها أن تقود زمامهم، وتزداد المصيبة ويزداد همها إذا رأت الزوج قد انحرف وانصرف بعيداً عن هذه المسئولية الضخمة، وتركها تحمل هذا الحمل الضخم الثقيل، فيجب على كل زوج مسلم أن يعلم أن أولاده أمانة سيسأل عن هذه الأمانة بين يدي الله ﵎، كما ستسأل الزوجة، وأتألم غاية الألم حينما يستقيل كثير من الآباء تربوياً، يستقيل من أبوة التربية ومن أبوة التوجيه، ومن أبوة الحنان، ومن أبوة الموعظة، ومن أبوة النصح، ويظن أن الأبوة فقط هي أنه كان سبباً لهؤلاء الأولاد، وهو لا يتخلف ولا يتأخر عن إحضار طعامهم وملابسهم وشرابهم، متناسياً أن التربية مسئولية تضامنية. إن من أعظم حقوق الزوجة على زوجها: أن يحمل معها هذا الحمل الثقيل، وأن يشاركها هذه الأمانة الضخمة. وأسأل الله أن يملأ بيوت المسلمين سعادة ورحمة وبركة، وأن يبارك في زوجاتنا وفي نسائنا وبناتنا، وأن يصلح شبابنا، وأن يهدي أولادنا. ودعنا نختم بالدعاء الذي استفتحنا به اللقاء: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] . وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 60

سلسلة إيمانية - دلائل صدق النبي ﷺ دلائل صدق النبي ﷺ متعددة، منها: المعجزات التي أتى بها، ومنها -وهو أعظمها- القرآن، ومنها ما أخبر به من حقائق كونية وعلمية جاء العلم الحديث بتصديقها، والواجب علينا أن نصدق النبي ﷺ فيما أخبر، وأن نطيعه فيما أمر، وأن ننتهي عما نهى عنه وزجر، كما كان حال الصحابة مع رسول الله، ولهم في ذلك شأن عجيب.

стр. 61

دلائل النبوة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذه اللحظات الطيبة على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته، ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ما زلنا نتحدث عن حقوق النبي ﷺ علينا، وقلنا: إن من أعظم حقوقه علينا ﷺ أن نصدق قوله؛ لأنه الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، وبينت في اللقاء الماضي أن الذي شهد بصدق نبينا ﷺ هو الله، وشهد الواقع بصدق محمد ﷺ في كل ما أخبر به من الماضي والحاضر والمستقبل، فما من شيء أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى إلا ووقع كما أخبر به دون زيادة أو نقصان. وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند من يرد كلام رسول الله ﷺ بدعوى أن العقل ينكر هذا القول! أو بدعوى أننا نعيش الآن عالماً علمياً متقدماً في جانب التكنولوجيا، فقد لا يصدق الواقع هذا القول! اللهم إلا إذا جاءنا الدليل على صدق كلام النبي ﷺ من الشرق أو من الغرب، فحينئذ ترى الناس يعودوا مرة أخرى لتصديق كلام رسول الله!!

стр. 62

النظريات العلمية تثبت صدق النبي ﵊ روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب أو إحداهن بالتراب) والروايتان صحيحتان، وفي لفظ: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) ، فيأتي من يقول: أي تراب هذا الذي تتكلم عنه في عصر الذرة والإنترنت، وعصر أتوبيس الفضاء ديسكفري، وفي عصر المنظفات تقول: نغسل الإناء بالتراب إذا ولغ فيه الكلب؟! فينكر العقل هذا الكلام النبوي صلى الله على صاحبه، بدعوى أنه لا يمكن على الإطلاق أن نقول ذلك، بل ربما ترى من أحبابنا وإخواننا من يستحلفنا بالله ألا نردد مثل هذه الكلمات؛ حتى لا نتهم بأننا ما زلنا نعيش في العصور الوسطى، وحتى لا نتهم بالتخلف والجمود والرجعية والتأخر إلى آخر هذه التهم المعلبة التي تكال لمن يتحدث عن رسول الله ﷺ بمثل هذه الأحاديث. فيخرج علينا عالم إنجليزي -وما زال هذا العالم حياً يرزق، وهو من أعضاء اللجنة التي تمنح الزمالة البريطانية لمن يحصل على هذه الشهادة- ببحث علمي هائل ويقول: لقد اكتشفنا في مجال علم الطفيليات أن الكلب يفرز مع لعابه كماً هائلاً جداً من الجراثيم والميكروبات، تسبب أكثر من خمسين مرضاً. قال: واكتشفنا في الوقت ذاته أن القطط -التي قال في حقها النبي ﷺ : (هن من الطوافين عليكم والطوفات) ، ولم يشدد فيهن مثلما شدد في شأن الكلاب- لا تفرز في لعابها أيَّ نوع من أنواع الجراثيم، وما ينتج عن القطط من أنواع الأمراض إنما هو بسبب الجلد أو البراز، وليس من اللعاب. قال: فلما طهرنا الإناء الذي ولغ فيه الكلب بكل وأحدث ما وصل إليه العلم الحديث من المطهرات والمنظفات، وجدنا أن كل هذه المنظفات لم تقض على كل الجراثيم التي أفرزها الكلب في لعابه في هذا الإناء. قال: فجربنا ما بلغنا عن محمد بن عبد الله ﷺ وغسلنا هذا الإناء بالتراب مرة، قال: ثم نظرنا بعد ذلك في البحث العلمي وقمنا بالتجربة؛ فلم نجد أثراً لميكروب أو لجرثومة واحدة في هذا الإناء الذي طهرناه بالتراب! فمن الذي علم محمداً ﷺ ذلك؟! أولم يقل ربنا جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] . بل خذ هذا البحث العلمي الآخر، وهو في غاية الروعة والجمال: روى الإمام البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم لينزعه، فإنه يحمل في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً) ، وفي لفظ صحيح: (دواء) . (شفاء ودواء وداء) . فقد اكتشف عالم ألماني يقال له: بريفلد من جامعة هال بألمانيا: أن الذباب حينما يسقط في السائل على أحد جناحين يفرز نوعاً من أنواع الجراثيم والميكروبات، ووجد أيضاً أن الذباب في الوقت ذاته يحمل على بطنه وعلى الجناح الآخر نوعاً من أنواع الفطريات سموه: (أميوزموسكي) ، واكتشفوا أن هذا الفطر يحمل نوعاً من أنواع المواد المضادة للجراثيم والميكروبات التي تفرزها الذبابة حين تلامس السائل بجناحها الأول، بل وستعجب إذا علمت أنهم اكتشفوا أن جرامين اثنين من هذا الفطر يحمي ألفين لتراً من اللبن من الجراثيم! بل اعجب أنهم قالوا: ولا تفرز الذبابة هذه المواد المضادة التي تقضي على هذه الجراثيم والميكروبات إلا إذا غمست كلها في السائل!! فمن الذي علم الصادق الذي لا ينطق عن الهوى هذه الحقيقة العلمية التي لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية، مع أن الحبيب ﷺ قد أخبر بها قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة، فلنعلم يقيناً أنه لا ينطق عن الهوى.

стр. 63

صحيح العقل لا يعارض صريح النقل الذي يؤلم القلب أن الوحي حينما جاءنا ابتداء عن رسول الله أنكرناه بدعوى أن العقل لا يصدق هذا، وبدعوى أن العلم ينكر هذا، وبأننا نعيش عصر الذرة وعصر النووي إلى آخره؛ فلما جاءنا البحث العلمي من إنجلترا ومن ألمانيا يصدق ما أخبر به الصادق النبي ﷺ صدقناه وقبلناه، ولم نعد ننكر هذا، وهذا هو الخطر العظيم. فأنا أناشد أحبابنا وإخواننا ممن يقدمون العقل على صحيح النقل وصريحه أن يعلموا أن للعقل مجالاً، وأن للعقل دوره الذي يجب عليه أن يبدع فيه بشرط ألا يتخطاه، وألا يتجاوزه وإلا وقع في خطر عظيم. المهم أن تسأل: هل أخبر النبي ﷺ بذلك؟ هل هذا ثابت بالدليل القاطع الصحيح عن رسول الله؟ لا حرج عليك أن تسأل مثل هذا، فإن تبين لك بالأدلة المعلومة أن النبي ﷺ قد أخبر بذلك وقد قال ذلك؛ فلا يجوز على الإطلاق أن ترد قول الحبيب بدعوى أن عقلك لا يدرك مثل هذا الطرح، وبدعوى أنك لا تحسن أن تفهمه، لا يجوز ذلك على الإطلاق، فاسأل أهل العلم من المتخصصين في العلم الشرعي وفي العلم الطبي وفي العلم الجيولوجي إن كنت لم تفهمه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] . وأود أيضاً أن أبين لأحبابنا أنه قد يلتبس الأمر على بعض فيقول رجل: يا أخي! أنا لا أقدر أن أشرب السائل الذي وقع فيه الذبابة، فأقول له: لا حرج عليك في ذلك، فأنت بذلك ما كذبت رسول الله، وما أنكرت حديثه، وما رددت قوله؛ لأن النبي ﷺ قد عرض عليه لحم الضب فرده ولم يأكل منه شيئاً، فقالوا: (أحرام هو يا رسول الله؟! قال: لا، غير أني أجدني أعافه) . فلا حرج عليك على الإطلاق ألا تشرب هذا السائل، لكن الحرج -كما ذكرت- أن ترد كلام رسول الله ﷺ بدعوى أن العقل لا يصدق هذا.

стр. 64

حقائق علمية قررها القرآن قبل (١٤٠٠) عام من الذي علم محمداً ﷺ أن القمر كان مشتعلاً مضيئاً ثم انطفأ ومحي ضوءه، وأن هذا النور الذي ينبعث منه الآن إنما هو انعكاس لكوكب آخر ألا وهو الشمس؟ من الذي علم محمداً هذه الحقيقة العلمية الهائلة التي لم تكتشف إلا في هذه الأيام الماضية، قرأ النبي ﷺ على أسماع أهل ذلك الزمان قول الرحيم الرحمن: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢] ، آية الليل هي: القمر، وآية النهار هي: الشمس. ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء:١٢] وهذه حقيقة علمية كبيرة جداً. من الذي علم النبي ﷺ أن الجبال تتغلغل الآن في أعماق الأرض كالأوتاد؟ من الذي أخبر النبي ﷺ بأن الجبل له سن مدبب في الأرض كالوتد؟ هذه الحقيقة العلمية لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية، وأخبر عنها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى من مئات السنين، حينما علم الدنيا كلها قول رب العالمين: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ:٧] ، ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣١] . من الذي علم محمداً ﷺ أن الأعصاب التي توجد في الجلد هي التي تتأثر فقط بالحرارة والبرودة، مع أن هذه الحقيقة لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية؟ من الذي علم المصطفى ذلك حينما أسمع الدنيا كلها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ؟ فهذه الأعصاب التي توجد في الجلد هي فقط التي تتأثر بالبرد وبالحر وبالعذاب وغير ذلك، هذه الحقيقة أخبرنا بها نبينا ﷺ منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة، مع أنها لم تكتشف -كما ذكرت- إلا في السنوات القليلة الماضية. من الذي أخبر محمداً ﷺ وعلمه بأن موج البحر إذا انعكس عليه الضوء، فإن هذا الضوء ينكسر على هذا الموج فيكون خلفه ظلمة حالكة كالسحاب حينما تحجب نور القمر عن الأرض؟ من الذي علم النبي ﷺ هذه الحقيقة العلمية الهائلة يوم أسمع الدنيا قول الله جل وعلا: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ﴾ [النور:٤٠] ؟ انظر إلى التعبير القرآني: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ، هذه الحقائق العلمية المذهلة التي لم تكتشف إلا في السنوات القليلة الماضية، أخبر عنها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فوقع ما أخبر به رسول الله ﷺ .

стр. 65

حقوق النبي الكريم علينا يا من تقدمون العقول على صريح وصحيح المنقول، أذكركم بقول ابن القيم ﵀: لا يستقل العقل دون هداية بالوحي تأصيلاً ولا تفصيلا كالطرف دون النور ليس بمدرك حتى يراه بكرة وأصيلا نور النبوة مثل نور الشمس لعين البصيرة فاتخذه دليلا فإذا النبوة لم ينلك ضياؤها فالعقل لا يهديك قط سبيلا طرق الهدى محدودة إلا على من أم هذا الوحي والتنزيلا فإذا عدلت عن الطريق تعمداً فاعلم بأنك ما أردت وصولا يا طالبا درك الهدى بالعقل دو ن النقل لن تلقى لذاك دليلاً فيجب علينا أن نصدق رسول الله وإن لم تستوعب عقولنا ما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ولنعلم يقيناً أنه ما دام يبلغ عن الله، فكل ما يبلغه عن ربه صدق وحق، وأنه علم اليقين الذي لا مجال للشك فيه على الإطلاق، فمن حق النبي ﷺ أن نصدقه في كل ما أخبر به عن ربه جل وعلا. ومن أعظم حقوق النبي ﷺ علينا: ألا نقدم أقوالنا ولا أفهامنا على قول وفعل الصادق رسول الله ﷺ . وأود أن أبين لإخواني أننا لا نريد بذلك أن نقلل من شأن العقل إطلاقاً، بل إن نور الوحي لا يطمس نور العقل أبداً، بل يباركه ويزكيه ويقويه، بشرط أن يعرف العقل حده، وأن يعرف العقل دوره، وألا يتخطى العقل مجاله، فأنت لا تستطيع أن تقدم فهمك على فهم أستاذك! بل تستحي من ذلك، ولا تجرؤ أن تقدم قولك على قول والدك إن كنت ممن يحترم الوالد، لا يمكن لمرءوس أن يقدم قوله على قول رئيسه؛ فكيف يجرؤ أحدنا أن يقدم قوله على قول درة تاج الجنس البشري كله محمد ﷺ وقد أخبر ربنا ﵎ أنه لا ينطق عن الهوى؟ كيف ندعي حب لله وندعي الحب لسيدنا رسول الله ﷺ ، ثم نقدم أقوالنا على قوله، ونقدم أفهامنا على فهمه، ونقدم أفعالنا على فعله؟! هذا لا يجوز، تدبر معي قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات:١] هذا نداء لأهل الإيمان، وإذا سمعت في القرآن الكريم كله قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك، فهذا النداء إما خير سيأمرك به وإما شر سينهاك عنه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] ، ما معنى هذه الآية؟ قال ابن عباس ﵄: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، اعرض قولك وفعلك على القرآن والسنة، هل قولك موافق لقول الله؟ هل قولك موافق لقول الصادق رسول الله؟ هل فعلك موافق لفعل الصادق رسول الله ﷺ ؟ إن قدمت قولك على قول الله، وقدمت قولك وفعلك على قول وفعل رسول الله؛ فقد خالفت القرآن والسنة! قال مجاهد -وهو إمام من أئمة التفسير- في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ حتى يقضي الله على لسانه، وقد صرنا في هذا الزمان نرى فيه كل أحد يفتي في دين الله! مع أنه في الوقت ذاته لو قلت له: يا فلان! نريد منك أن تجري جراحة لهذا المريض في القلب، يقول: لا، أنا لست طبيباً، بل لو كان طبيباً لقال: أنا طبيب، لكنني لست متخصصاً في جراحة القلب، ولو قيل لآخر: يا فلان! صمم لنا هذا المسجد تصميماً هندسياً وإنشائياً، سيقول لك: لا، أنا لست مهندساً، هذا ليس من تخصصي، لكنك ترى وتسمع كل أحد يتكلم في دين الله بغير دليل وبغير علم. إن كنت تحفظ دليلاً من القرآن والسنة بفهم الصحابة والسلف الصالح فبين الحق بدليله، فالإسلام ليس فيه كهنوتية، فكل من يحسن أن يتكلم عن الله وعن رسول الله بفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم من أصحاب النبي ومن سار على طريقهم فليبين الحق بالدليل من كتاب الله ومن كلام الصادق رسول الله ﷺ ، لكن أن يتقدم كل أحد ليتكلم في دين الله بغير علم وبغير دليل، فهذا لا يليق في دين الله ﵎. جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ﵄ فسأله في مسألة، فقال عبد الله بن عمر: والله إني لا أحسن جواب مسألتك، فقال السائل: أنت ابن عمر وتقول: لا أحسن جواب مسألتك؟! قال: نعم يا أخي! اذهب إلى العلماء فاسألهم، فوالله لا أحسن جواب مسألتك، فانطلق السائل متعجباً، فلما انصرف السائل قبّل عبد الله بن عمر يد نفسه، ثم قال لنفسه: نِعْم ما قال أبو عبد الرحمن، سئل عما لا يدري فقال: لا أدري. وقال الإمام القرطبي في كتابه الماتع الجامع لأحكام القرآن الكريم في تفسير قول رب العالمين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) : أي لا تقدموا قولاً على قول الله، ولا قولاً أو فعلاً على قول وفعل رسول الله، فإن من قدم قوله أو فعله على قول وفعل رسول الله، فإنما قدمه على الله؛ لأن الرسول لا يأمر إلا بما أمر به الله . أولم يقل ربنا ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ؟ أولم يقل ربنا ﵎: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة:٣٨-٤٣] ؟ أولم يقل ربنا جل وعلا في شأنه وحقه ﷺ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧] ؟ فمن حق سيد النبيين ﷺ علينا ألا نقدم فهمنا وعقلنا وقولنا وفعلنا على فهمه وقوله وفعله، بل إن سوء الفهم عن الله جل وعلا وعن رسول الله ﷺ أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام قديماً وحديثاً، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والروافض وسائر طوائف أهل البدع فيما وقعوا فيه إلا سوء الفهم عن الله ورسوله ﷺ ؟ فنسأل الله أن يفهمنا وأن يعلمنا، وأن يردنا إلى سنة نبيه المصطفى رداً جميلاً، إنه على كل شيء قدير.

стр. 66

الأدب مع النبي ﵊ من أعظم حقوق النبي ﵊ علينا أن نتأدب معه بأبي هو وأمي وروحي، وأرجو ألا يظنن أحد أن التأدب مع النبي ﷺ كان في حضرته فقط! بل إن الأدب مع النبي ﷺ في حياته وبعد مماته واجب من أعظم الواجبات، يجب على كل من آمن بالله ورسوله ﷺ أن يتأدب مع الحبيب، تدبر معي واسمح لي أن أكرر بما كنت قد ذكرته لك في لقاء سابق حينما قلت: بأننا لم نر نبياً من الأنبياء إلا وقد ناداه ربنا جل وعلا باسمه المجرد، إلا المصطفى ﷺ ، قال الله: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨] . ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤-١٠٥] . ﴿يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١١-١٢] . ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] . ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] . ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦] . ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ [مريم:٧] . إلا المصطفى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥] ، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة:٤١] ، وينادي عليه بصفته: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١-٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١-٢] . وما ذكر الله اسم النبي مجرداً قط إلا مقترناً بصفة النبوة والرسالة: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] . ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤] . ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٤٠] . فهذا هو خطاب ملك الملوك وجبار السموات والأرض لنبينا وحبيبنا ﷺ ؛ ليعلم الله جل في علاه الصحابة رضوان الله عليهم -بل وأهل الأرض جميعاً- كيف يتأدبون مع الحبيب؟ وكيف ينادونه؟ وكيف يتكلمون في حضرته؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] ، إلى هذا الحد؟ نعم. ثم يقول ربنا بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات:٣] ، وعاب ربنا جل وعلا على أولئك الذين ينادون الحبيب ﷺ من وراء حجراته: يا محمد! يا محمد! اخرج إلينا، اخرج إلينا، عاب الله عليهم ذلك وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٤-٥] . هذه دروس في التربية، دروس من رب العزة إلى الصحابة وإلى البشر جميعاً في التأدب مع رسول الله.

стр. 67

أدب الصحابة مع رسول الله كيف كان الصحابة يتعاملون مع حبيب الله ﷻ ؟ كيف كانوا يتعاملون مع أكرم نفس خلقها ربنا ﵎؟ قال ابن عباس: ما خلق الله نفساً وما برأ نفساً هي أكرم عليه من محمد ﷺ ، من أجل ذلك ترى القرآن يعلم الصحابة كيف يخاطبون رسول الله؟ كيف يتكلمون معه؟ كيف يتأدبون معه؟ كيف يستأذنونه؟ كيف يدخلون بيته؟ كيف يجلسون عنده؟ إن دل هذا فإنما يدل على أن قدر نبينا عند ربنا عظيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات:٢] . ستعجب وسيعجب إخواني إذا علموا أن هذه الآية الكريمة الجليلة قد نزلت في حق الخيرين الجليلين الكبيرين العظيمين أبي بكر وعمر، والدليل ما رواه البخاري عن ابن أبي مليكة قال: (كاد الخيران أن يهلكا) ، لارتفاع أصواتهما في مجلس رسول الله ﷺ ، حينما أقبل على النبي وفد بني تميم في عام الوفود، وكان في حضرة النبي ﷺ أبو بكر وعمر والصحابة رضوان الله عليهم، فأراد الصديق أن يختار النبي ﷺ على وفد بني تميم أميراً، وأراد عمر بن الخطاب أن يختار النبي على وفد بني تميم أميراً آخر. فقال أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ : (يا رسول الله! أمر عليهم القعقاع بن معبد) . وقال عمر رضوان الله عليه: (لا يا رسول الله! بل أمر عليهم الأقرع بن حابس) ، فالتفت الصديق إلى عمر، وقال له: ما أردت إلا خلافي يا عمر! فالتفت عمر إلى الصديق وقال: والله ما أردت خلافك يا أبا بكر! هذا هو الحوار كله دون زيادة أو نقصان، فأنزل الله الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] . قال الصديق رضوان الله عليه بعدما سمعها: (والله لقد آليت على نفسي يا رسول الله! ألا أكلمك بعد اليوم إلا كأخي السرار) أي: كمن يكلم آخر بسر لا يسمعه من بجواره، أما عمر فقد جاء في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ كان لا يكلم عمر بعد ذلك حتى يستفهمه لانخفاض صوت عمر. انظر إلى الأدب! وانظر إلى الإجلال والتوقير من الصحابة رضوان الله عليهم للبشير النذير ﷺ . وهناك صحابي آخر -وحديثه في الصحيحين- اسمه ثابت بن قيس رضوان الله عليه، ظن أن هذه الآية نزلت فيه! وكان ثابت بن قيس لا يسمع إلا بصعوبة، ومن المعلوم أن من يسمع بعسر يرفع صوته، ويخيل إليه أنه لا يسمع الآخرين إلا بنفس ما يريد أن يسمعوه به، فكان يرفع صوته، فحبس نفسه في البيت اختياراً، ففقده رسول الله ﷺ فقال: أين ثابت بن قيس؟ قالوا: يا رسول الله! نأتيك بخبره، وذهب أحد الصحابة إليه فأخبره، فقال: لقد حبط عملي، وحبط جهادي، وهذه الآيات قد نزلت فيّ؛ لأنني أرفع صوتي على رسول الله، فعاد هذا الصحابي الجليل إلى النبي ﷺ ليخبره بما قال ثابت، فقال له النبي: (لا، بل ارجع إليه وقل له: لست منهم) ، وبشره النبي ﷺ بالجنة، (قل له: يقول لك رسول الله: أنت لست منهم، ويبشرك رسول الله بالجنة) . بل ستعجب -أخي الحبيب- إذا علمت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يجيبون على النبي ﷺ بما يعرفون خشية أن يخطئوا! ففي حجة الوداع سأل النبي الصحابة وهم في منى -والحديث رواه البخاري ومسلم - فقال لهم: (أيَّ يوم هذا؟ فقال الصحابة: الله ورسوله أعلم، فقال النبي ﵊: أليس يوم النحر؟ قالوا: بلى أي: نحن نعرف ذلك- لكن خشوا أن يجيبوا فيخطئوا، فقال النبي ﵊: (أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس ذا الحجة؟ قالوا: بلى، قال ﵊: أيُّ بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس البلد الحرام؟ قالوا: بلى، فقال ﷺ : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) ، إنه الأدب الجم من أصحاب رسول الله لرسول الله ﷺ ! روى الإمام البخاري ﵀ عن السائب بن يزيد ﵁ أنه قال: كنت في المسجد -أي: المسجد النبوي- فحصبني رجل بحصاة -يعني رماني بحصاة في المسجد النبوي- قال: فنظرت فرأيت عمر بن الخطاب، فأشار إليّ فذهبت إليه، فقال عمر للسائب بن يزيد: ائتني بهذين الرجلين، وأشار له عمر على رجلين، فذهب السائب بن يزيد وطلب من الرجلين أن يحضرا إلى أمير المؤمنين ﵁، فسألهما عمر بن الخطاب وقال: من أين أنتما؟ قالا: من الطائف، قال: والله لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، أترفعان الصوت في مسجد رسول الله؟! لا ينبغي على الإطلاق أن يظن أحد أن رسول الله بعد موته لا يرد صلاتنا عليه وسلامنا، لا كما سأبين ذلك إن شاء الله تعالى في اللقاء المقبل بإذنه ﷻ ، بل لا ينبغي لأحد أن يرفع الصوت أو أن يسيء الأدب أو أن يجهل في المسجد النبوي بعد موت رسول الله ﷺ ، هذا لا يليق بأحد يحب الله ويحب الصادق رسول الله، فالتأدب مع النبي ﷺ في حياته واجب، والتأدب مع النبي ﷺ بعد مماته واجب، بل ومع سنته: مع قوله، مع فعله، مع أمره، مع نهيه، مع حده. أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا التأدب مع نبينا وحبيبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 68

حب النبي ﵊ دين حب النبي ﷺ دين، بل لا يصح لنا دين إلا بحبه، ومحبة الحبيب ﷺ تابعة لازمة لمحبة الله ﷻ ، تزيد وتنقص في القلب بزيادة ونقصان محبة الله في القلب، فكلما زادت في القلب محبة الله، زادت في القلب محبة سيدنا رسول الله. وإذا نقصت في القلب محبة الله نقصت بالتالي محبة رسول الله ﷺ ، فهي محبة تابعة لازمة لمحبة الله جل جلالة، لا يصح لنا دين إلا إذا أحببنا رسول الله ﷺ ، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] . روى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما -أي: من كل شيء معك: من نفسك، من ولدك، من والديك، من مالك، من جاهك، من شهرتك، من منصبك، من دنياك- وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله -يعني: أحبك لله وتحبني لله- وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) .

стр. 69

سلسلة إيمانية - شفاعة النبي ﷺ للنبي ﷺ علينا حقوق عظيمة يجب امتثالها، ومنها: محبته، واتباعه والاقتداء به، والعمل بسنته والدعوة إليها، ولا يجوز الاستغناء عن سنة النبي ﷺ ، فهي الموضحة للقرآن، المفصلة له، المبينة لمجمله، فيجب العمل بها كما يجب العمل بالقرآن الكريم.

стр. 70

محبة النبي ﷺ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني مع حضراتكم في هذه اللحظات الطيبة على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة، وإمام النبيين، وسيد المرسلين في جنته، ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. مازلنا نتحدث عن حقوق النبي ﷺ علينا جميعاً، وقلت: إن من أعظم الحقوق للنبي ﷺ علينا: أن نحبه، وحبنا للنبي ﷺ دين لا يكتمل إيمان المرء إلا به، ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله -أن يكون الحب في الله، وأن يكون البغض في الله- وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) . بل لا يكتمل إيمان المرء إلا إذا كان حبه للنبي ﷺ أعظم من حبه لوالديه، وولده، بل ولنفسه التي بين جنبيه؛ ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁ أنه ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، وولده، والناس أجمعين) . (لا يؤمن أحدكم) ، أي: لا يكمل إيمانه. وفي صحيح البخاري أن عمر ﵁ قال يوماً للحبيب النبي ﷺ : (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي) . انظر إلى هذه المصداقية العالية، يقول له: أنا أحبك أكثر من كل شيء إلا من نفسي: (لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال له النبي ﷺ : لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك؛ فقال عمر: والذي نفسي بيده لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي يا رسول الله) . أود أن أقف هنا وقفة لطيفة؛ لأبين مفهوم هذا الحديث، عمر رضوان الله عليه يقول: أنا أحبك؛ لكن ليس أكثر من نفسي، ثم بعد قليل، قال له: أنا أحبك أكثر من نفسي! ماذا حصل؟! يقول الإمام الخطابي رحمه الله تعالى في تعليق بديع، وفهم جليل دقيق لهذا الحديث: حب الإنسان لنفسه طبع -يعني: كل واحد جبل على أن يحب نفسه- وحب الإنسان لغيره اختيار بتوسط الأسباب. أي: لا أحبك، ولا تحبني، إلا إذا كانت بيننا أسباب، أعرفك، وتعرفني في التعامل، في الود، في الخلق، أما إذا كنت لا أعرف لك اسماً، ولا رقماً، فكيف أحبك، أو كيف أبغضك؟! قال: حب الإنسان لنفسه طبع، وحب الإنسان لغيره اختيار بتوسط الأسباب -انظر ماذا يقول! - وما طلب النبي ﷺ من عمر حب الطبع؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع عما جبلت عليه، وإنما طلب منه النبي حب الاختيار، فلما نظر عمر في توسط الأسباب -أي: في حب الاختيار- علم أن النبي كان سبب نجاته من النار؛ وحينئذٍ قال: (والله لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي يا رسول الله) .

стр. 71

حقيقة محبة النبي ﵊ مداخلة: قد يقول قائل: في ذلك الزمان كان الرسول ﷺ موجوداً بين أظهرهم، ونحن الآن الرسول ﷺ غير موجود فينا فلابد أن نحول حبنا للرسول ﷺ كأنه بيننا، ولكن ما الأسباب؟ الشيخ: الحب مختلف؛ الحب ليس كلمةً تقال لإنسانٍ فقط، ولكن الحب حقيقةٌ كبيرةٌ ذات تكاليف، وأمانةٌ عظيمةٌ ذات أعباء، كلنا يزعم أنه يحب النبي ﵊، لكن هل من الممكن أن نقف وقفة صادقة، ويسأل كل واحد منا نفسهُ هذا السؤال: أنا أحب النبي ﵊ بصدق أم مجرد كلام؟! مثال: يستيقظ طفل عمره أربع سنوات، أو خمس سنوات، ويصرخ الساعة الثالثة في الليل، فتوقظك امرأتك، وتقول: يافلان، يافلان! استيقظ؛ الولد يموت، الولد في النزع الأخير! فتستيقظ من نومك في غاية الفزع، وتستجيب استجابةً سريعةً فوريةً دون تعقل أو تدبر لأمر ولدك ولرقة زوجتك؛ فتحمل طفلك على صدرك، وتنطلق مسرعاً إلى أقرب طبيب؛ فيكتب لك دواء؛ فتذهب إلى أقرب صيدلية؛ لتحضر الدواء لولدك، وترجع بالولد مرةً أخرى إلى بيتك؛ بعد ساعةٍ واحدةٍ من هذا التوقيت؛ ينادي عليك المؤذن بأمر رسول الله ﷺ : حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النوم، قم لصلاة الفجر؛ فهل تكون استجابتك لنداء ولدك كاستجابتك لنداء نبيك؟ أتمنى من الجميع أن يسأل نفسه هذا السؤال؛ انظر إلى الاستجابة الأولى كيف كانت للولد سريعة جداً! بدون تفكير، ليس فيها طلب تقديم الدليل، أو اقنعني، والمنطق والفلسفة، استجابة عاطفية لأمر الولد، وهذه رحمة تؤجر عليها، أنا لا أنكرها عليك، لكنني أقول لهذا المحب الذي يقول: إنني أحب رسول الله، وقد غطى أذنيه حتى لا يسمع قول المؤذن بأمر رسول الله: الصلاة خير من النوم، لا يريد أن يسمعها؛ يخشى أن يسمعها وهو مفرط ومضيع لأمر النبي ﷺ ، في الوقت الذي يدعي فيه أنه يحب رسول الله. من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء وقد ذكرنا قصة طالب علم نجيبٍ نبيل؛ سمع أن أستاذه يرى رسول الله ﷺ في الرؤيا؛ فذهب إليه، وقال: يا سيدي! لقد علمت أنك ترى رسول الله في رؤياك، قال: ماذا تريد يا غلام؟! قال: يا سيدي! أريد أن أراه، أريد أن أرى حبيبي رسول الله، هذه أمنيتي في الدنيا، أن أراه بعيني؛ قال: احضر هذه الليلة لتتعشى معي، وبعد العشاء سوف أعلمك كيف ترى حبيبك رسول الله ﷺ ؛ فلبى التلميذ نداء أستاذه، وخرج في غاية السعادة والفرح؛ لأنه سيتعلم كيف يرى النبي ﵊. فلما ذهب التلميذ لأستاذه، وأحضر الأستاذ لتلميذه العشاء؛ أكثر الأستاذ في العشاء من الملح، والموالح، ومنع الماء تماماً عن التلميذ، وكلما ألحَّ التلميذ في طلب الماء، قال الأستاذ: لا يوجد ماء، قال: أنا عطشان يا أستاذي، قال: لا، لا يوجد ماء. وهو يريد أن يربيه ويعلمه، قال: حسناً علمني! قد أكلت وامتلأت، قال: نم الآن، وإذا استيقظنا إن شاء الله تعالى لصلاة الفجر علمتك كيف ترى حبيبك رسول الله ﷺ ؛ فنام التلميذ في غاية السعادة والفرح وهو يريد أن يرى النبي ﵊، لكنه في الوقت ذاته نام وهو يتلوى من شدة العطش. فلما استيقظ قال له الأستاذ: يا بني! قبل أن أعلمك؛ هل رأيت الليلة شيئاً في نومك؟ قال: نعم يا سيدي، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت الأمطار تمطر، والأنهار تجري، والبحار تسير بين يدي؛ لأنه نام وهو عطشان؛ فقال له أستاذه المربي: نعم يا بني، صدقت نيتك؛ فصدقت رؤيتك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله ﷺ . الحب ليس كلمةً ترددها الألسنة دخاناً يسير في الهواء؛ ما أيسر الادعاء! وما أسهل الزعم! وما أسهل التغني بحب الحبيب ﷺ ، انظر الحب الصادق في الحديث الذي رواه الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي وغيرهم بسندٍ حسن من حديث عائشة ﵂: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال للنبي: يا رسول الله! أنا لا أصبر عن رؤيتك، إن ذكرتك أخرج من بيتي حتى أنظر إليك) ؛ إن ذكرتك في بيتي لا أطيق الصبر، مثلاً صلى خلف النبي ﷺ صلاة الظهر، أو صلاة العصر، ومن ثم يذهب إلى بيته؛ فيذكر حبيبه ﷺ ؛ يقول: فما أطيق أن أصبر؛ فيخرج ليرى رسول الله ﷺ ، يقول: (يا رسول الله! إذا ذكرتك لا أصبر حتى أخرج لأنظر إليك، وقد ذكرت اليوم موتك، وعلمت أنك إذا مت رفعت في الجنة مع النبيين، وأنا إذا مت ودخلت الجنة خشيت ألا أراك) درجة النبي ﷺ أعلى بكثيرٍ من درجته؛ فكيف يصبر على عدم رؤيته في الجنة؟! انظر فيما يفكر فيه هؤلاء المحبون! ولم يجب عنه رسول الله حتى نزل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩-٧٠] . الله يعلم الصادق في حبه من المدعي، فالحب للنبي ﷺ ليس كلمة، بل امتثالاً لأمره، واجتناباً لنهيه، ووقوفاً عند حده الذي حده عن الله ﵎، ولو وقفت مع حب الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ لرأيت العجب العجاب: امرأة من بني دينار تعلمنا الحب للنبي ﷺ ، وحديثها حسن بشواهده الكثيرة: (لما سمعت أن النبي ﷺ قد قتل في غزوة أحد؛ خرجت هذه المرأة من المدينة إلى أحد تجري على الرمال الملتهبة، فقابلها الرجال يحملون أباها قد قتل، فنظرت إليه، وقالت: ماذا فعل رسول الله؟! وتركت أباها وجرت، ثم علمت أن زوجها قد قتل؛ فنظرت إلى زوجها، وقالت: ماذا فعل رسول الله؟ وتركت زوجها وجرت، فقابلوها بابنها قد قتل في أحد؛ فنظرت إلى ابنها ثمرة الفؤاد، ونظرت إليه، وجرت وهي تقول: ماذا صنع رسول الله؟ فقالوا لها: والله إنه بخير، وما هدأ لها بال، وما قر لها قرار حتى وقع نظرها على حبيبها المصطفى ﷺ ؛ فنظرت إليه وقالت: كل مصيبةٍ بعدك هينةٌ يا رسول الله) ، كل مصيبة بعدك هينة، مات الزوج، مات الابن، مات الأب، لكنها تسأل عن رسول الله ﷺ !!

стр. 72

عروة بن مسعود الثقفي يصف حب الصحابة للنبي ﷺ عروة بن مسعود -والحق ما شهدت به الأعداءُ- لما أتى النبي ﷺ في الحديبية، ورأى النبي بين أصحابه، ورأى حب الصحابة له؛ تعجب! - والحديث في الصحيحين- وعاد عروة بن مسعود إلى قومه من المشركين فقال: (يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك والرؤساء، وفدت على كسرى، وقيصر، والنجاشي، ووالله ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه كما رأيت أصحاب محمدٍ يعظمون محمداً ﷺ اسمع ماذا يقول:- والله ما تنخم محمدٌ نخامة إلا وقعت في كف رجلٍ منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده) . يخرج علينا هؤلاء الماديون الجفاة، فيقولون: ما هذا؟ نخامة يدلك بها وجهه وجلده؟! وهؤلاء أنفسهم يعلمون أن العشاق يفعلون بعشيقاتهم في الحرام ما يستحي اللسان عن ذكره الآن. فمن ذاق عرف؛ من ذاق طعم الحب لله ورسوله عرف أنه لا يستحسن هذا إلا من ذاق قلبه حلاوة الحب الصادق لله ولرسوله. يقول عروة: (والله ما تنخم محمدٌ نخامة إلا وقعت في كف رجلٍ منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده، ولا توضأ حتى كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا الصوت عنده، ولا يحد أحدهم الطرف إليه إجلالاً له) . هذه شهادة عدو كان على الشرك في ذلك الوقت شهد للصحابة الصحابة رضوان الله عليهم بالمحبة لنبينا ﷺ ، فما أحوجنا إلى أن نحب نبينا! لكنني أقول: شتان شتان بين حب دائم مبني على الاتباع، وبين حب مبني على الغلو والابتداع؛ فينبغي أن ننسب ما لله لله، وأن ننسب ما لرسول الله لرسول الله، وألا نخلط بين حق الله وحق رسوله بدعوى الحب؛ فالحب: امتثالٌ لأمره، واجتنابٌ لنهيه، ووقوفٌ عند حدوده، وتصديقٌ لخبره وبلاغ لدعوته ورسالته، وذبٌ عن سنته، وصلاة عليه إلخ، هذا هو الحب الصادق. أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الحب الصادق للنبي ﷺ ، وأن نكون ممن قال النبي فيهم حينما جاءه الأعرابي وقال: (يا رسول الله متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل، غير أني أحب الله ورسوله؛ فقال النبي ﷺ : المرء مع من أحب، قال أنس: والله ما فرحنا بشيء كفرحنا بقول النبي: المرء مع من أحب، ثم قال أنس: والله إني لأحب رسول الله، وأبا بكر، وعمر، وأرجو من الله أن يحشرني معهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم) . ونحن نقول: اللهم إنا نشهدك أننا نحب رسولنا، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وجميع أصحاب الحبيب النبي ﷺ ، ونسألك ياربنا برحمتك أن تحشرنا معهم بحبنا لهم وإن قصرت أعمالنا، إنك على كل شيءٍ قدير.

стр. 73

كيفية محبة النبي ﷺ ووسائلها في هذا العصر النبي ﷺ قد يبين لنا مكانة وقدر أول هذه الأمة، وأن هناك فرقاً كبيراً بين من عاش معه ﵊، وتعلق به، وبين من أحبه وتعلق به، ودافع عن سنته في زماننا هذا؛ لأننا نعيش زماناً ابتعدنا فيه كثيراً عن زمن الحبيب رسول الله ﷺ ؛ فبين لنا نبينا ﵊ أننا إخوانه، وأحبابه، قال النبي ﷺ يوماً: (شوقاً لإخواني؛ فقالوا: أولسنا بإخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يؤمنون بي، ولم يروني) . وفي رواية في الصحيح قالوا: (فكيف تعرف أمتك يا رسول الله يوم القيامة وأنت على الحوض؟ - مع هذه الأمم الكثيرة- فقال ﵊: تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء) . فلا شك أن المحب الصادق للنبي ﷺ المدافع عن سنته، المبلغ لدعوته، مكانته عند الله عظيمة، ومكانته عند النبي كبيرة، ومن أجل هذا أقول لأحبابي وإخواني: امش على الأثر، النبي مشى برجله اليمنى؛ ضع رجلك اليمنى، يمشي برجله اليسرى ضع رجلك اليسرى، وامش على آثار أقدام النبي؛ لترى آخر هذا الطريق الحبيب المصطفى ينتظرك على الحوض إن شاء الله تعالى. مداخلة: كيف نبلغ هذا الحب في مثل هذا العصر؟ النبي ﷺ له دعوة، وله دين، ويجب على كل مسلم صادقٍ يفخر بهذا الانتساب، وبهذا الشرف، وأن يعلم يقيناً أن من حق النبي ﷺ عليه أن يرفع الراية، ويبلغ الدعوة، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] . (قل هذه سبيلي) أي: قل: يا محمد ﷺ (هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة) ، لست أنا وحدي، (أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) . قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا يكون الرجل من أتباع النبي ﷺ حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة. قال ﵊ -كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو:- (بلغوا عني ولو آية) ، أنت تحفظ كم آية، وأنا أحفظ كم آية، وإخواني وأخواتي! الكل يحفظ من القرآن، ويحفظ عن رسول الله ﷺ ؛ لكننا أصبنا الآن بسلبيةٍ قاتلة؛ أنا مالي؟ أنا سأعمل ماذا؟! وهل أنا سأغير النظام؟! أمشي بجانب الحائط، ويكفيني أن أربي العيال. لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد والآخر يقول: أنا رجل مذنب، وأنا رجل عاص؛ أنا لست عالماً. هناك فرقٌ كبير بين طلب العلم، وبين الدعوة لله جل وعلا والبلاغ عن الله ورسوله، فطلب العلم لا ينتهي؛ كما قال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة، سأظل أطلب العلم حتى ألقى الله جل وعلا، لكن الدعوة والبلاغ عن رسول الله يجب على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب قدرته واستطاعته، إن لم تستطع بلسانك؛ فبلسان غيرك من أهل العلم؛ بالشريط، بالكتاب، بالكتيب، بالدعوة لحضور محاضرة من المحاضرات لعالم من البلغاء، بزيارة مع أهلك لهذه الأسرة لتبلغها عن الله وعن رسول الله، بالحديث في الدين والتذكرة مع زميلك في العمل، مع جارك في السيارة، مع جارك في البيت، مع جارك في الوظيفة. المهم أن تحمل في قلبك هم الدعوة والبلاغ، وأن تعلم يقيناً أنه لن تنال شرف الانتساب للنبي ﷺ إلا إذا رفعت الراية التي عاش النبي ﷺ طوال عمره رافعاً لها، ألا وهي راية الدعوة، والبلاغ عن الله جل وعلا. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١-٢] ، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [النحل:٨٢] ، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد:٧] ، وأمره الله بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١-٢٢] ، أي: إلا أن أبلغ دين الله ورسالة الله ﵎. في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب؛ يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف - نعوذ بالله أن نكون منهم- يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) . فما من نبي إلا وله أصحاب وحواريون، فهل نحن من أنصار رسول الله؟ لن نكون كذلك إلا بالبلاغ؛ إلا بالدعوة، كلنا يتفنن ويخطط لمستقبل أولاده، لكن من منا نام وهو يحمل هم الدعوة إلى الله؟ من منا نام والدعوة إلى الله هي همه بالليل والنهار؟ من صارت الدعوة فكره في النوم واليقظة، وشغله في السر والعلانية؟ لماذا لا يخطط كل مسلم لدين الله، ولدعوة الله كما يخطط لتجارته، وكما يخطط لمستقبل أولاده ومستقبل نفسه؟! لن ننال شرف هذا الانتساب إلا بالدعوة إلى الله على منهج رسول الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الرقراقة الرقيقة الطيبة المهذبة، وقد وضحنا ذلك عندما تحدثنا عن خلق رسول الله ﷺ . إذاً: نحن مأمورون بالبلاغ عن رسول الله ولو بآية: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . فأنت مأمورٌ بالبلاغ عن رسول الله، وأنا مأمور بالبلاغ عن رسول الله، بشرط أن يكون المبلغ عن الله، وعن رسول الله على علم بما يبلغه، ليس بالضرورة أن تكون عالماً في كل الجزئيات والجوانب، لكن إن بلغت عن رسول الله لابد أن تتحرى الأمانة، وأن تتحرى الصدق؛ لتعلم أنك صادق في كل ما تنقله عن النبي ﷺ . وخذ هذا الأجر العظيم أيها المبلغ عن الله ورسوله! ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) . ربما تقول لي: يا شيخ! أنا أحب أن أتحرك للدعوة؛ لكنني أحس بالتقصير، ذنوبي كثيرة، والمعاصي تلجمني، أقول: من من البشر على وجه الأرض لم يخطئ؟ لقد انتهى زمن العصمة يوم مات المصطفى ﷺ ، ولا ينبغي أن تحتج بالمعصية على عدم البلاغ، بل اعلم أن تحركك للدعوة ولدين الله من أعظم أسباب بعدك عن المعصية، عندما تذكر أحد زملائك بصلاة الفجر، وتقول له: صل الفجر! صل الفجر! صلاة الفجر نعمة! وأنت مقصر في صلاة الفجر؛ ستأتي اللحظة حتماً التي تشعر فيها بالخجل من الله، وبالتقصير أمام نفسك؛ لترى نفسك تبادر لصلاة الفجر، وليس معنى أنك مقصر في أمر ألا تأمر غيرك به، هذا فهم مغلوط. تصور أن رجلاً مثلاً يزني والعياذ بالله! هل يجوز له أن يأمر غيره بالزنا؟ لا يجوز، وهل يحرم عليه أن يحذر غيره من الزنا؟! لا يحرم عليه، بل يؤجر على ذلك؛ فهناك فهم مغلوطٌ لمثل هذه الأمور. أبو محجن الثقفي كان فارساً مغواراً، كان قائداً في ميادين القتال؛ لكنه كان يضعف جداً أمام الخمر، سبحان ربي! يضعف أمام الخمر! وفي البخاري وغيره أن رجلاً كان كثيراً ما يؤتى به ليقام عليه الحد من شرب الخمر، فقام الصحابة ليقيموا عليه حد الله بين أظهرهم، فسبه أحد الصحابة؛ فماذا قال النبي ﵊؟ قال: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، فو الله إني لأعلم أنه يحب الله ورسوله) ، لكن لضعفه البشري قد يزل، وقد يضعف أمام معصية. فـ أبو محجن الثقفي كان يضعف أمام الخمر تماماً، ومع ذلك لم يفهم أن وقوعه في هذه الكبيرة، وفي هذه المعصية تمنحه إجازةً مفتوحةً حتى لا يعمل لدين الله ﵎؛ لكنه لما سمع النداء: يا خيل الله اركبي! حي على الجهاد! إلى موقعة القادسية مع سعد بن أبي وقاص خرج لينال شرف الصف الأول، ولكن في صفوف القتال على الساحة شعر بالضعف أمام الخمر مرةً أخرى؛ فوقع فيها، وشرب الخمر هنالك؛ فأتي به إلى قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص ﵁ ليقيم عليه الحد؛ لكن الحدود لا تقام في أرض العدو؛ فأمر سعد بن أبي وقاص بحبسه حتى تنتهي المعركة، ويعود إلى أرضه، فقيد، ووضع في السجن، وبدأت المعركة، وسمع أبو محجن الفارس المغوار صوت الخيول، ووقع السيوف، وضرب السهام والرماح؛ فبكى، وأراد أن يقوم ليشارك المسلمين، فهو ما جاء إلا لهذا الشرف؛ لكن القيد في رجليه قال له: لا، أنت محكوم عليك بعدم المشاركة؛ لأنك رجل مدمنٌ للخمر؛ فبكى أبو محجن، وعاود التجربة، وعاود مرةً ومرة، وفي بعض أيام القادسية رأته زوجة سعد بن أبي وقاص ﵁؛ فرقت له؛ فاقتربت منه وسألته؛ فقال: أسألك بالله يا سلمى فكي قيدي وأعطيني فرس وسلاح سعد -فإن سعداً ﵁ كان قد ابتلي بمرضٍ شديدٍ أقعده في بعض أيام القادسية؛ فكان ينام على بطنه، وهو يخطط، ويصدر الأوامر في هذه الحالة، ولا يستطيع أن يستوي على ظهر فرسه البلقاء -فقال لها: أسألك بالله أعطيني فرس سعد (البلقاء) ، وسلاح سعد، وأعاهد الله إن نجاني الله أن أرجع إلى سجني لأضع القيد في رجلي بيدي، وإن قتلت فالحمد لله؛ ف

стр. 74

علاقة القرآن بالسنة مداخلة: بعض الناس لا يقبل السنة إلا إذا كانت موجودة في القرآن فمن الناس من يهجر السنن ويتركها بحجة أنها ليست في القرآن الكريم؟ الشيخ: هذا خطر عظيم، لقد ظهرت جماعة تسمي نفسها بالقرآنيين، والقرآنيون جماعة ظهرت في بلاد الهند تزعم أنه لا حاجة في السنة، ويكفينا القرآن؛ فهؤلاء لا هم أخذوا بالقرآن، ولا هم أخذوا بالسنة؛ لماذا؟ لأن من ضيع السنة فقد ضيع القرآن. وينبغي أن نعلم يقيناً أيها الأفاضل -من إخوةٍ وأخوات- أن القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن؛ أكررها وهي قولة العلم الإمام الأوزاعي ﵀ قال: القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن. والقرآن لا يمكن على الإطلاق أن يفهم إلا من خلال سنة الحبيب ﷺ . وفي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك بسند صححه الذهبي وغيره أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) ، لن يفارق القرآن السنة، ولن تفارق السنة القرآن؛ حتى يرد القرآن والسنة على النبي ﷺ في حوضه الشريف، والقرآن نفسه يأمر باتباع السنة، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] ، الذي يقوله الرسول ﵊ إما سنة قولية، أو سنة فعلية، أو سنة تقريرية؛ فالقرآن يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ، والقرآن يقول: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، والقرآن يقول: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦] ، والقرآن يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٩٢] أي: احذروا أن تحيدوا عن طريق رسول الله ﵎ أو تقعوا في معصيته، والله ﵎ في آيات كثيرةٍ جداً يأمر باتباع نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] .

стр. 75

أحوال القرآن مع السنة انظر إلى التفصيل البديع لـ ابن القيم ﵀ حيث يقول: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة موافقةً للقرآن من كل وجه. يعني: يأتي القرآن فيأمر بالتوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، فهذه وردت كثيراً في القرآن، الله ﵎ يأمر عباده بعبادته، ويأمر عباده بالصلاة، ويأمر عباده بالتوحيد في آيات كثيرة جداً: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] ، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] إلى آخر الآيات. ويأمر بالصلاة: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) ، ويأمر بالزكاة: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، ويأمر بالحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، ويأمر بالصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فتأتي السنة هي الأخرى لتأمر بمثل ما أمر به القرآن، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله -دعوة للتوحيد- وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) . الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحةً لما أجمله القرآن. رب العزة أمرنا في القرآن بالصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، افتح لي المصحف من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس؛ وأخرج لي آية من القرآن الكريم تقول: إن صلاة الظهر أربع ركعات؛ هات لي آية في القرآن، مستحيل! هات لي آية في القرآن تحدد لي أركان الصلاة! اقرأ علي آيةً في القرآن تبين لي أسباب بطلان الصلاة، أو تبين سنن الصلاة، أو أحكام الصلاة تبين ذلك، مستحيل! إذاً: أين نجد هذا الكلام؟! في سنة النبي ﷺ ، كان يصلي الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ويعلم الصحابة رضوان الله عليهم؛ ثم يأمرهم ويقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . القرآن قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، لكن متى أصلي؟ وكيف أصلي؟ يأتي النبي ﵊ ليوضح ما أجمله القرآن، هذا هو الوجه الثاني: أن تأتي السنة مفسرةً موضحةً مبينةً لما أجمله القرآن الكريم. يقول ربنا ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، كيف نحج؟ متى نقف على عرفات؟ وما هي حدود عرفات؟ وما الفرق بين وادي عرفة ووادي عرنة؟ وكيف نرمي الجمرات؟ ومن أين نأخذ الجمرات؟ كل هذا لا تجد له ذكراً في القرآن، إنما جاء الأمر مجملاً: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] . فيأتي الحبيب المحبوب ﷺ ليفصل، ويفسر، ويوضح ما أجمله القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ؛ فيحج أمام الصحابة، ويعلم الصحابة رضوان الله عليهم مناسك الحج والعمرة؛ ثم يلتفت إليهم ويقول: (خذوا عني مناسككم) . هذا هو الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحةً لما أجمله القرآن، وعلى ذلك أمثلة كثيرة جداً في القرآن كله، وكما ذكرت لا يستطيع أحد مهما كان عقله أن يزعم أنه يفهم القرآن بعيداً عن سنة النبي ﵊. يعني: مثل هؤلاء اجعله يغلق كل كتب السنة، ويقرأ القرآن وحده، ويفهمني من القرآن كيفية الصلاة، وكيفية الزكاة، مستحيل حتى يرجع إلى سنة النبي ﷺ ؛ ليقف على تفصيل هذه الأوامر القرآنية المجملة. الوجه الثالث -وهو من أخطر أوجه السنة مع القرآن-: أن تكون السنة موجبةً أو محرمةً لما سكت عنه القرآن. إذاً: السنة مصدر تشريع مستقل تماماً، اسمع إلى النبي ﵊ ماذا يقول؟ روى أبو داود، والترمذي وغيرهما بسند صحيح من حديث المقداد بن معد يكرب ﵁ أنه ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه -يعني: القرآن والسنة، وليس الكتاب فقط، انظر إلى التعبير النبوي- ألا يوشك رجلٌ شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن -يعني: يكفينا القرآن- فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه -يعني: في القرآن فقط- وما وجدتم فيه من حرام فحرموه -اسمع لسيدنا النبي ﷺ ماذا يقول-: ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي) أخرج لي هذا من القرآن، لا تجدها في القرآن، هذا تشريع جديد، النبي ﷺ يحرم: (ولا كل ذي نابٍ من السباع، ولا لقطة المعاهد) وفي لفظ: (إلا لمن عرفها) وفي لفظٍ: (فإن ما حرم الله كما حرم رسوله ﷺ . فالنبي ﷺ مشرع، فالسنة هنا تحل وتحرم. ومن هنا يتضح لنا أيها الفاضل: أن القرآن أحوج إلى السنة كما رأيت؛ لأنه لا يمكن لعاقلٍ على وجه الأرض أن يفهم القرآن إلا إذا رجع لسنة النبي ﵊؛ فلا ينبغي أن نحقر السنة أو نقلل من شأن السنة، بل إذا نظرت إلى أصحاب النبي ﷺ لرأيت العجب العجاب في اتباعهم للسنة وحرصهم عليها. أذكر نقاطاً سريعة جداً، يقول الصديق رضوان الله عليه: (إنما أنا متبع ولست مبتدعاً) ، ويقول عمر بن الخطاب وهو يقبل الحجر الأسود: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) اتباع للسنة. ويقول علي بن أبي طالب: لو كان الأمر -أمر الدين- بالعقل؛ لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه -لأن باطن الخف هو الذي يقع في الأرض- لكني رأيت النبي ﷺ يمسح على أعلاه، فهم يمسحون على أعلاه. كان النبي ﷺ على المنبر يقول: اسمعوا اجلسوا أنصتوا، وعبد الله بن مسعود لم يدخل المسجد بعد، فجلس عبد الله بن مسعود خارج المسجد؛ لأنه سمع قول النبي: (اجلسوا) وهو ما دخل المكان الذي بلغه أمر النبي ﷺ ، فجلس، وقد ثبت مثل هذا عن غير ابن مسعود ﵁. هكذا ينبغي أن نكون مع سنة الحبيب ﷺ ، وأسأل الله أن يردنا إلى السنة رداً جميلاً، آمين يا رب العالمين.
следующие страницы →