Полный текст (114 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حقيقة محبة النبي ﵊
مداخلة: قد يقول قائل: في ذلك الزمان كان الرسول ﷺ موجوداً بين أظهرهم، ونحن الآن الرسول ﷺ غير موجود فينا فلابد أن نحول حبنا للرسول ﷺ كأنه بيننا، ولكن ما الأسباب؟ الشيخ: الحب مختلف؛ الحب ليس كلمةً تقال لإنسانٍ فقط، ولكن الحب حقيقةٌ كبيرةٌ ذات تكاليف، وأمانةٌ عظيمةٌ ذات أعباء، كلنا يزعم أنه يحب النبي ﵊، لكن هل من الممكن أن نقف وقفة صادقة، ويسأل كل واحد منا نفسهُ هذا السؤال: أنا أحب النبي ﵊ بصدق أم مجرد كلام؟! مثال: يستيقظ طفل عمره أربع سنوات، أو خمس سنوات، ويصرخ الساعة الثالثة في الليل، فتوقظك امرأتك، وتقول: يافلان، يافلان! استيقظ؛ الولد يموت، الولد في النزع الأخير! فتستيقظ من نومك في غاية الفزع، وتستجيب استجابةً سريعةً فوريةً دون تعقل أو تدبر لأمر ولدك ولرقة زوجتك؛ فتحمل طفلك على صدرك، وتنطلق مسرعاً إلى أقرب طبيب؛ فيكتب لك دواء؛ فتذهب إلى أقرب صيدلية؛ لتحضر الدواء لولدك، وترجع بالولد مرةً أخرى إلى بيتك؛ بعد ساعةٍ واحدةٍ من هذا التوقيت؛ ينادي عليك المؤذن بأمر رسول الله ﷺ : حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النوم، قم لصلاة الفجر؛ فهل تكون استجابتك لنداء ولدك كاستجابتك لنداء نبيك؟ أتمنى من الجميع أن يسأل نفسه هذا السؤال؛ انظر إلى الاستجابة الأولى كيف كانت للولد سريعة جداً! بدون تفكير، ليس فيها طلب تقديم الدليل، أو اقنعني، والمنطق والفلسفة، استجابة عاطفية لأمر الولد، وهذه رحمة تؤجر عليها، أنا لا أنكرها عليك، لكنني أقول لهذا المحب الذي يقول: إنني أحب رسول الله، وقد غطى أذنيه حتى لا يسمع قول المؤذن بأمر رسول الله: الصلاة خير من النوم، لا يريد أن يسمعها؛ يخشى أن يسمعها وهو مفرط ومضيع لأمر النبي ﷺ ، في الوقت الذي يدعي فيه أنه يحب رسول الله.
من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء وقد ذكرنا قصة طالب علم نجيبٍ نبيل؛ سمع أن أستاذه يرى رسول الله ﷺ في الرؤيا؛ فذهب إليه، وقال: يا سيدي! لقد علمت أنك ترى رسول الله في رؤياك، قال: ماذا تريد يا غلام؟! قال: يا سيدي! أريد أن أراه، أريد أن أرى حبيبي رسول الله، هذه أمنيتي في الدنيا، أن أراه بعيني؛ قال: احضر هذه الليلة لتتعشى معي، وبعد العشاء سوف أعلمك كيف ترى حبيبك رسول الله ﷺ ؛ فلبى التلميذ نداء أستاذه، وخرج في غاية السعادة والفرح؛ لأنه سيتعلم كيف يرى النبي ﵊.
فلما ذهب التلميذ لأستاذه، وأحضر الأستاذ لتلميذه العشاء؛ أكثر الأستاذ في العشاء من الملح، والموالح، ومنع الماء تماماً عن التلميذ، وكلما ألحَّ التلميذ في طلب الماء، قال الأستاذ: لا يوجد ماء، قال: أنا عطشان يا أستاذي، قال: لا، لا يوجد ماء.
وهو يريد أن يربيه ويعلمه، قال: حسناً علمني! قد أكلت وامتلأت، قال: نم الآن، وإذا استيقظنا إن شاء الله تعالى لصلاة الفجر علمتك كيف ترى حبيبك رسول الله ﷺ ؛ فنام التلميذ في غاية السعادة والفرح وهو يريد أن يرى النبي ﵊، لكنه في الوقت ذاته نام وهو يتلوى من شدة العطش.
فلما استيقظ قال له الأستاذ: يا بني! قبل أن أعلمك؛ هل رأيت الليلة شيئاً في نومك؟ قال: نعم يا سيدي، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت الأمطار تمطر، والأنهار تجري، والبحار تسير بين يدي؛ لأنه نام وهو عطشان؛ فقال له أستاذه المربي: نعم يا بني، صدقت نيتك؛ فصدقت رؤيتك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله ﷺ .
الحب ليس كلمةً ترددها الألسنة دخاناً يسير في الهواء؛ ما أيسر الادعاء! وما أسهل الزعم! وما أسهل التغني بحب الحبيب ﷺ ، انظر الحب الصادق في الحديث الذي رواه الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي وغيرهم بسندٍ حسن من حديث عائشة ﵂: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال للنبي: يا رسول الله! أنا لا أصبر عن رؤيتك، إن ذكرتك أخرج من بيتي حتى أنظر إليك) ؛ إن ذكرتك في بيتي لا أطيق الصبر، مثلاً صلى خلف النبي ﷺ صلاة الظهر، أو صلاة العصر، ومن ثم يذهب إلى بيته؛ فيذكر حبيبه ﷺ ؛ يقول: فما أطيق أن أصبر؛ فيخرج ليرى رسول الله ﷺ ، يقول: (يا رسول الله! إذا ذكرتك لا أصبر حتى أخرج لأنظر إليك، وقد ذكرت اليوم موتك، وعلمت أنك إذا مت رفعت في الجنة مع النبيين، وأنا إذا مت ودخلت الجنة خشيت ألا أراك) درجة النبي ﷺ أعلى بكثيرٍ من درجته؛ فكيف يصبر على عدم رؤيته في الجنة؟! انظر فيما يفكر فيه هؤلاء المحبون! ولم يجب عنه رسول الله حتى نزل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ [النساء:٦٩-٧٠] .
الله يعلم الصادق في حبه من المدعي، فالحب للنبي ﷺ ليس كلمة، بل امتثالاً لأمره، واجتناباً لنهيه، ووقوفاً عند حده الذي حده عن الله ﵎، ولو وقفت مع حب الصحابة رضوان الله عليهم للنبي ﷺ لرأيت العجب العجاب: امرأة من بني دينار تعلمنا الحب للنبي ﷺ ، وحديثها حسن بشواهده الكثيرة: (لما سمعت أن النبي ﷺ قد قتل في غزوة أحد؛ خرجت هذه المرأة من المدينة إلى أحد تجري على الرمال الملتهبة، فقابلها الرجال يحملون أباها قد قتل، فنظرت إليه، وقالت: ماذا فعل رسول الله؟! وتركت أباها وجرت، ثم علمت أن زوجها قد قتل؛ فنظرت إلى زوجها، وقالت: ماذا فعل رسول الله؟ وتركت زوجها وجرت، فقابلوها بابنها قد قتل في أحد؛ فنظرت إلى ابنها ثمرة الفؤاد، ونظرت إليه، وجرت وهي تقول: ماذا صنع رسول الله؟ فقالوا لها: والله إنه بخير، وما هدأ لها بال، وما قر لها قرار حتى وقع نظرها على حبيبها المصطفى ﷺ ؛ فنظرت إليه وقالت: كل مصيبةٍ بعدك هينةٌ يا رسول الله) ، كل مصيبة بعدك هينة، مات الزوج، مات الابن، مات الأب، لكنها تسأل عن رسول الله ﷺ !!
стр. 72
عروة بن مسعود الثقفي يصف حب الصحابة للنبي ﷺ
عروة بن مسعود -والحق ما شهدت به الأعداءُ- لما أتى النبي ﷺ في الحديبية، ورأى النبي بين أصحابه، ورأى حب الصحابة له؛ تعجب! - والحديث في الصحيحين- وعاد عروة بن مسعود إلى قومه من المشركين فقال: (يا قوم! والله لقد وفدت على الملوك والرؤساء، وفدت على كسرى، وقيصر، والنجاشي، ووالله ما رأيت أحداً يعظمه أصحابه كما رأيت أصحاب محمدٍ يعظمون محمداً ﷺ اسمع ماذا يقول:- والله ما تنخم محمدٌ نخامة إلا وقعت في كف رجلٍ منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده) .
يخرج علينا هؤلاء الماديون الجفاة، فيقولون: ما هذا؟ نخامة يدلك بها وجهه وجلده؟! وهؤلاء أنفسهم يعلمون أن العشاق يفعلون بعشيقاتهم في الحرام ما يستحي اللسان عن ذكره الآن.
فمن ذاق عرف؛ من ذاق طعم الحب لله ورسوله عرف أنه لا يستحسن هذا إلا من ذاق قلبه حلاوة الحب الصادق لله ولرسوله.
يقول عروة: (والله ما تنخم محمدٌ نخامة إلا وقعت في كف رجلٍ منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده، ولا توضأ حتى كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا تكلم خفضوا الصوت عنده، ولا يحد أحدهم الطرف إليه إجلالاً له) .
هذه شهادة عدو كان على الشرك في ذلك الوقت شهد للصحابة الصحابة رضوان الله عليهم بالمحبة لنبينا ﷺ ، فما أحوجنا إلى أن نحب نبينا! لكنني أقول: شتان شتان بين حب دائم مبني على الاتباع، وبين حب مبني على الغلو والابتداع؛ فينبغي أن ننسب ما لله لله، وأن ننسب ما لرسول الله لرسول الله، وألا نخلط بين حق الله وحق رسوله بدعوى الحب؛ فالحب: امتثالٌ لأمره، واجتنابٌ لنهيه، ووقوفٌ عند حدوده، وتصديقٌ لخبره وبلاغ لدعوته ورسالته، وذبٌ عن سنته، وصلاة عليه إلخ، هذا هو الحب الصادق.
أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الحب الصادق للنبي ﷺ ، وأن نكون ممن قال النبي فيهم حينما جاءه الأعرابي وقال: (يا رسول الله متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل، غير أني أحب الله ورسوله؛ فقال النبي ﷺ : المرء مع من أحب، قال أنس: والله ما فرحنا بشيء كفرحنا بقول النبي: المرء مع من أحب، ثم قال أنس: والله إني لأحب رسول الله، وأبا بكر، وعمر، وأرجو من الله أن يحشرني معهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم) .
ونحن نقول: اللهم إنا نشهدك أننا نحب رسولنا، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وجميع أصحاب الحبيب النبي ﷺ ، ونسألك ياربنا برحمتك أن تحشرنا معهم بحبنا لهم وإن قصرت أعمالنا، إنك على كل شيءٍ قدير.
стр. 73
كيفية محبة النبي ﷺ ووسائلها في هذا العصر
النبي ﷺ قد يبين لنا مكانة وقدر أول هذه الأمة، وأن هناك فرقاً كبيراً بين من عاش معه ﵊، وتعلق به، وبين من أحبه وتعلق به، ودافع عن سنته في زماننا هذا؛ لأننا نعيش زماناً ابتعدنا فيه كثيراً عن زمن الحبيب رسول الله ﷺ ؛ فبين لنا نبينا ﵊ أننا إخوانه، وأحبابه، قال النبي ﷺ يوماً: (شوقاً لإخواني؛ فقالوا: أولسنا بإخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يؤمنون بي، ولم يروني) .
وفي رواية في الصحيح قالوا: (فكيف تعرف أمتك يا رسول الله يوم القيامة وأنت على الحوض؟ - مع هذه الأمم الكثيرة- فقال ﵊: تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء) .
فلا شك أن المحب الصادق للنبي ﷺ المدافع عن سنته، المبلغ لدعوته، مكانته عند الله عظيمة، ومكانته عند النبي كبيرة، ومن أجل هذا أقول لأحبابي وإخواني: امش على الأثر، النبي مشى برجله اليمنى؛ ضع رجلك اليمنى، يمشي برجله اليسرى ضع رجلك اليسرى، وامش على آثار أقدام النبي؛ لترى آخر هذا الطريق الحبيب المصطفى ينتظرك على الحوض إن شاء الله تعالى.
مداخلة: كيف نبلغ هذا الحب في مثل هذا العصر؟ النبي ﷺ له دعوة، وله دين، ويجب على كل مسلم صادقٍ يفخر بهذا الانتساب، وبهذا الشرف، وأن يعلم يقيناً أن من حق النبي ﷺ عليه أن يرفع الراية، ويبلغ الدعوة، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] .
(قل هذه سبيلي) أي: قل: يا محمد ﷺ (هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة) ، لست أنا وحدي، (أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا يكون الرجل من أتباع النبي ﷺ حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة.
قال ﵊ -كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو:- (بلغوا عني ولو آية) ، أنت تحفظ كم آية، وأنا أحفظ كم آية، وإخواني وأخواتي! الكل يحفظ من القرآن، ويحفظ عن رسول الله ﷺ ؛ لكننا أصبنا الآن بسلبيةٍ قاتلة؛ أنا مالي؟ أنا سأعمل ماذا؟! وهل أنا سأغير النظام؟! أمشي بجانب الحائط، ويكفيني أن أربي العيال.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد والآخر يقول: أنا رجل مذنب، وأنا رجل عاص؛ أنا لست عالماً.
هناك فرقٌ كبير بين طلب العلم، وبين الدعوة لله جل وعلا والبلاغ عن الله ورسوله، فطلب العلم لا ينتهي؛ كما قال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة، سأظل أطلب العلم حتى ألقى الله جل وعلا، لكن الدعوة والبلاغ عن رسول الله يجب على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب قدرته واستطاعته، إن لم تستطع بلسانك؛ فبلسان غيرك من أهل العلم؛ بالشريط، بالكتاب، بالكتيب، بالدعوة لحضور محاضرة من المحاضرات لعالم من البلغاء، بزيارة مع أهلك لهذه الأسرة لتبلغها عن الله وعن رسول الله، بالحديث في الدين والتذكرة مع زميلك في العمل، مع جارك في السيارة، مع جارك في البيت، مع جارك في الوظيفة.
المهم أن تحمل في قلبك هم الدعوة والبلاغ، وأن تعلم يقيناً أنه لن تنال شرف الانتساب للنبي ﷺ إلا إذا رفعت الراية التي عاش النبي ﷺ طوال عمره رافعاً لها، ألا وهي راية الدعوة، والبلاغ عن الله جل وعلا.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١-٢] ، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [النحل:٨٢] ، وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد:٧] ، وأمره الله بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢١-٢٢] ، أي: إلا أن أبلغ دين الله ورسالة الله ﵎.
في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب؛ يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف - نعوذ بالله أن نكون منهم- يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .
فما من نبي إلا وله أصحاب وحواريون، فهل نحن من أنصار رسول الله؟ لن نكون كذلك إلا بالبلاغ؛ إلا بالدعوة، كلنا يتفنن ويخطط لمستقبل أولاده، لكن من منا نام وهو يحمل هم الدعوة إلى الله؟ من منا نام والدعوة إلى الله هي همه بالليل والنهار؟ من صارت الدعوة فكره في النوم واليقظة، وشغله في السر والعلانية؟ لماذا لا يخطط كل مسلم لدين الله، ولدعوة الله كما يخطط لتجارته، وكما يخطط لمستقبل أولاده ومستقبل نفسه؟! لن ننال شرف هذا الانتساب إلا بالدعوة إلى الله على منهج رسول الله، بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الرقراقة الرقيقة الطيبة المهذبة، وقد وضحنا ذلك عندما تحدثنا عن خلق رسول الله ﷺ .
إذاً: نحن مأمورون بالبلاغ عن رسول الله ولو بآية: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) .
فأنت مأمورٌ بالبلاغ عن رسول الله، وأنا مأمور بالبلاغ عن رسول الله، بشرط أن يكون المبلغ عن الله، وعن رسول الله على علم بما يبلغه، ليس بالضرورة أن تكون عالماً في كل الجزئيات والجوانب، لكن إن بلغت عن رسول الله لابد أن تتحرى الأمانة، وأن تتحرى الصدق؛ لتعلم أنك صادق في كل ما تنقله عن النبي ﷺ .
وخذ هذا الأجر العظيم أيها المبلغ عن الله ورسوله! ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) .
ربما تقول لي: يا شيخ! أنا أحب أن أتحرك للدعوة؛ لكنني أحس بالتقصير، ذنوبي كثيرة، والمعاصي تلجمني، أقول: من من البشر على وجه الأرض لم يخطئ؟ لقد انتهى زمن العصمة يوم مات المصطفى ﷺ ، ولا ينبغي أن تحتج بالمعصية على عدم البلاغ، بل اعلم أن تحركك للدعوة ولدين الله من أعظم أسباب بعدك عن المعصية، عندما تذكر أحد زملائك بصلاة الفجر، وتقول له: صل الفجر! صل الفجر! صلاة الفجر نعمة! وأنت مقصر في صلاة الفجر؛ ستأتي اللحظة حتماً التي تشعر فيها بالخجل من الله، وبالتقصير أمام نفسك؛ لترى نفسك تبادر لصلاة الفجر، وليس معنى أنك مقصر في أمر ألا تأمر غيرك به، هذا فهم مغلوط.
تصور أن رجلاً مثلاً يزني والعياذ بالله! هل يجوز له أن يأمر غيره بالزنا؟ لا يجوز، وهل يحرم عليه أن يحذر غيره من الزنا؟! لا يحرم عليه، بل يؤجر على ذلك؛ فهناك فهم مغلوطٌ لمثل هذه الأمور.
أبو محجن الثقفي كان فارساً مغواراً، كان قائداً في ميادين القتال؛ لكنه كان يضعف جداً أمام الخمر، سبحان ربي! يضعف أمام الخمر! وفي البخاري وغيره أن رجلاً كان كثيراً ما يؤتى به ليقام عليه الحد من شرب الخمر، فقام الصحابة ليقيموا عليه حد الله بين أظهرهم، فسبه أحد الصحابة؛ فماذا قال النبي ﵊؟ قال: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، فو الله إني لأعلم أنه يحب الله ورسوله) ، لكن لضعفه البشري قد يزل، وقد يضعف أمام معصية.
فـ أبو محجن الثقفي كان يضعف أمام الخمر تماماً، ومع ذلك لم يفهم أن وقوعه في هذه الكبيرة، وفي هذه المعصية تمنحه إجازةً مفتوحةً حتى لا يعمل لدين الله ﵎؛ لكنه لما سمع النداء: يا خيل الله اركبي! حي على الجهاد! إلى موقعة القادسية مع سعد بن أبي وقاص خرج لينال شرف الصف الأول، ولكن في صفوف القتال على الساحة شعر بالضعف أمام الخمر مرةً أخرى؛ فوقع فيها، وشرب الخمر هنالك؛ فأتي به إلى قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص ﵁ ليقيم عليه الحد؛ لكن الحدود لا تقام في أرض العدو؛ فأمر سعد بن أبي وقاص بحبسه حتى تنتهي المعركة، ويعود إلى أرضه، فقيد، ووضع في السجن، وبدأت المعركة، وسمع أبو محجن الفارس المغوار صوت الخيول، ووقع السيوف، وضرب السهام والرماح؛ فبكى، وأراد أن يقوم ليشارك المسلمين، فهو ما جاء إلا لهذا الشرف؛ لكن القيد في رجليه قال له: لا، أنت محكوم عليك بعدم المشاركة؛ لأنك رجل مدمنٌ للخمر؛ فبكى أبو محجن، وعاود التجربة، وعاود مرةً ومرة، وفي بعض أيام القادسية رأته زوجة سعد بن أبي وقاص ﵁؛ فرقت له؛ فاقتربت منه وسألته؛ فقال: أسألك بالله يا سلمى فكي قيدي وأعطيني فرس وسلاح سعد -فإن سعداً ﵁ كان قد ابتلي بمرضٍ شديدٍ أقعده في بعض أيام القادسية؛ فكان ينام على بطنه، وهو يخطط، ويصدر الأوامر في هذه الحالة، ولا يستطيع أن يستوي على ظهر فرسه البلقاء -فقال لها: أسألك بالله أعطيني فرس سعد (البلقاء) ، وسلاح سعد، وأعاهد الله إن نجاني الله أن أرجع إلى سجني لأضع القيد في رجلي بيدي، وإن قتلت فالحمد لله؛ ف
стр. 74
علاقة القرآن بالسنة
مداخلة: بعض الناس لا يقبل السنة إلا إذا كانت موجودة في القرآن فمن الناس من يهجر السنن ويتركها بحجة أنها ليست في القرآن الكريم؟ الشيخ: هذا خطر عظيم، لقد ظهرت جماعة تسمي نفسها بالقرآنيين، والقرآنيون جماعة ظهرت في بلاد الهند تزعم أنه لا حاجة في السنة، ويكفينا القرآن؛ فهؤلاء لا هم أخذوا بالقرآن، ولا هم أخذوا بالسنة؛ لماذا؟ لأن من ضيع السنة فقد ضيع القرآن.
وينبغي أن نعلم يقيناً أيها الأفاضل -من إخوةٍ وأخوات- أن القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن؛ أكررها وهي قولة العلم الإمام الأوزاعي ﵀ قال: القرآن أحوج إلى السنة من حاجة السنة إلى القرآن.
والقرآن لا يمكن على الإطلاق أن يفهم إلا من خلال سنة الحبيب ﷺ .
وفي الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك بسند صححه الذهبي وغيره أن النبي ﷺ قال: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) ، لن يفارق القرآن السنة، ولن تفارق السنة القرآن؛ حتى يرد القرآن والسنة على النبي ﷺ في حوضه الشريف، والقرآن نفسه يأمر باتباع السنة، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] ، الذي يقوله الرسول ﵊ إما سنة قولية، أو سنة فعلية، أو سنة تقريرية؛ فالقرآن يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] ، والقرآن يقول: ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ، والقرآن يقول: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦] ، والقرآن يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٩٢] أي: احذروا أن تحيدوا عن طريق رسول الله ﵎ أو تقعوا في معصيته، والله ﵎ في آيات كثيرةٍ جداً يأمر باتباع نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] .
стр. 75
أحوال القرآن مع السنة
انظر إلى التفصيل البديع لـ ابن القيم ﵀ حيث يقول: السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة موافقةً للقرآن من كل وجه.
يعني: يأتي القرآن فيأمر بالتوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، فهذه وردت كثيراً في القرآن، الله ﵎ يأمر عباده بعبادته، ويأمر عباده بالصلاة، ويأمر عباده بالتوحيد في آيات كثيرة جداً: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] ، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢-١٦٣] إلى آخر الآيات.
ويأمر بالصلاة: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) ، ويأمر بالزكاة: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، ويأمر بالحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، ويأمر بالصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] فتأتي السنة هي الأخرى لتأمر بمثل ما أمر به القرآن، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله -دعوة للتوحيد- وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) .
الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحةً لما أجمله القرآن.
رب العزة أمرنا في القرآن بالصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، افتح لي المصحف من أول سورة الفاتحة إلى سورة الناس؛ وأخرج لي آية من القرآن الكريم تقول: إن صلاة الظهر أربع ركعات؛ هات لي آية في القرآن، مستحيل! هات لي آية في القرآن تحدد لي أركان الصلاة! اقرأ علي آيةً في القرآن تبين لي أسباب بطلان الصلاة، أو تبين سنن الصلاة، أو أحكام الصلاة تبين ذلك، مستحيل! إذاً: أين نجد هذا الكلام؟! في سنة النبي ﷺ ، كان يصلي الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ويعلم الصحابة رضوان الله عليهم؛ ثم يأمرهم ويقول: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
القرآن قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، لكن متى أصلي؟ وكيف أصلي؟ يأتي النبي ﵊ ليوضح ما أجمله القرآن، هذا هو الوجه الثاني: أن تأتي السنة مفسرةً موضحةً مبينةً لما أجمله القرآن الكريم.
يقول ربنا ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ، كيف نحج؟ متى نقف على عرفات؟ وما هي حدود عرفات؟ وما الفرق بين وادي عرفة ووادي عرنة؟ وكيف نرمي الجمرات؟ ومن أين نأخذ الجمرات؟ كل هذا لا تجد له ذكراً في القرآن، إنما جاء الأمر مجملاً: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] .
فيأتي الحبيب المحبوب ﷺ ليفصل، ويفسر، ويوضح ما أجمله القرآن في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] ؛ فيحج أمام الصحابة، ويعلم الصحابة رضوان الله عليهم مناسك الحج والعمرة؛ ثم يلتفت إليهم ويقول: (خذوا عني مناسككم) .
هذا هو الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحةً لما أجمله القرآن، وعلى ذلك أمثلة كثيرة جداً في القرآن كله، وكما ذكرت لا يستطيع أحد مهما كان عقله أن يزعم أنه يفهم القرآن بعيداً عن سنة النبي ﵊.
يعني: مثل هؤلاء اجعله يغلق كل كتب السنة، ويقرأ القرآن وحده، ويفهمني من القرآن كيفية الصلاة، وكيفية الزكاة، مستحيل حتى يرجع إلى سنة النبي ﷺ ؛ ليقف على تفصيل هذه الأوامر القرآنية المجملة.
الوجه الثالث -وهو من أخطر أوجه السنة مع القرآن-: أن تكون السنة موجبةً أو محرمةً لما سكت عنه القرآن.
إذاً: السنة مصدر تشريع مستقل تماماً، اسمع إلى النبي ﵊ ماذا يقول؟ روى أبو داود، والترمذي وغيرهما بسند صحيح من حديث المقداد بن معد يكرب ﵁ أنه ﷺ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه -يعني: القرآن والسنة، وليس الكتاب فقط، انظر إلى التعبير النبوي- ألا يوشك رجلٌ شبعان متكئ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن -يعني: يكفينا القرآن- فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه -يعني: في القرآن فقط- وما وجدتم فيه من حرام فحرموه -اسمع لسيدنا النبي ﷺ ماذا يقول-: ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي) أخرج لي هذا من القرآن، لا تجدها في القرآن، هذا تشريع جديد، النبي ﷺ يحرم: (ولا كل ذي نابٍ من السباع، ولا لقطة المعاهد) وفي لفظ: (إلا لمن عرفها) وفي لفظٍ: (فإن ما حرم الله كما حرم رسوله ﷺ .
فالنبي ﷺ مشرع، فالسنة هنا تحل وتحرم.
ومن هنا يتضح لنا أيها الفاضل: أن القرآن أحوج إلى السنة كما رأيت؛ لأنه لا يمكن لعاقلٍ على وجه الأرض أن يفهم القرآن إلا إذا رجع لسنة النبي ﵊؛ فلا ينبغي أن نحقر السنة أو نقلل من شأن السنة، بل إذا نظرت إلى أصحاب النبي ﷺ لرأيت العجب العجاب في اتباعهم للسنة وحرصهم عليها.
أذكر نقاطاً سريعة جداً، يقول الصديق رضوان الله عليه: (إنما أنا متبع ولست مبتدعاً) ، ويقول عمر بن الخطاب وهو يقبل الحجر الأسود: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) اتباع للسنة.
ويقول علي بن أبي طالب: لو كان الأمر -أمر الدين- بالعقل؛ لكان المسح على باطن الخف أولى من المسح على أعلاه -لأن باطن الخف هو الذي يقع في الأرض- لكني رأيت النبي ﷺ يمسح على أعلاه، فهم يمسحون على أعلاه.
كان النبي ﷺ على المنبر يقول: اسمعوا اجلسوا أنصتوا، وعبد الله بن مسعود لم يدخل المسجد بعد، فجلس عبد الله بن مسعود خارج المسجد؛ لأنه سمع قول النبي: (اجلسوا) وهو ما دخل المكان الذي بلغه أمر النبي ﷺ ، فجلس، وقد ثبت مثل هذا عن غير ابن مسعود ﵁.
هكذا ينبغي أن نكون مع سنة الحبيب ﷺ ، وأسأل الله أن يردنا إلى السنة رداً جميلاً، آمين يا رب العالمين.
стр. 76
من حقوق النبي ﷺ الصلاة عليه
من حقوق النبي ﵊ علينا أن نصلي ونسلم عليه، فالنبي ﵊ يقول: (من صلى علي صلاةً؛ صلى الله عليه بها عشراً) وهذا من حقوقه علينا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ، فنحن مأمورون بالصلاة على الحبيب، وهذا من أعظم حقوق النبي ﷺ علينا، وأنت الرابح؛ يقول الحبيب: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً) ، والحديث رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو.
ومن الأحاديث الجميلة ما رواه الإمام أحمد والإمام أبو داود وغيرهما أن النبي ﷺ قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، وإن صلاتكم معروضة علي فيه؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه، قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! يعني: بليت- فقال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) .
فيجب علينا أن نجعل ورداً يومياً للصلاة والسلام على الحبيب ﷺ ، وألا نغفل عن أن نسأل الله الوسيلة لنبيه ﷺ ، ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: قال ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً؛ ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ، وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي) .
مداخلة: بعد ما سمعنا حق الرسول ﷺ علينا، فعلينا أن نتبع الرسول ﷺ ، ونأتمر بأمره، وننتهي عن نهيه، ونحب الرسول ﷺ أشد من حبنا لأنفسنا، وأولادنا، وأموالنا، وإذا كانت نفسي تأمرني بشيء، والرسول ﷺ يأمرني بشيء آخر، فعلي أن أقدم ما أمر به النبي ﷺ على ما تهواه نفسي.
الشيخ: نعم، وأظن أننا بذلك قد وفينا إن شاء الله تعالى الحديث في حق النبي ﷺ ، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا جميعاً حبه، وأن يرزقنا اتباعه، وأن يحشرنا في زمرته وتحت لوائه، وأن يسقينا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها، وأن نستمتع بالنظر إلى وجه الله في الجنة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، آمين آمين!
стр. 77
سلسلة إيمانية - فضل القرآن
أنزل الله كتابه الكريم على نبيه محمد ﷺ معجزة للبشرية، وآية لهم، فتحدى الله به أفصح العرب أن يأتوا بمثله، وأخبر أنهم لن يستطيعوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، ثم حفظه الله من التحريف والتغيير والتبديل؛ ليكون مهيمناً على جميع الكتب والأديان السماوية، فحفظه الله في صدور الرجال من صحابة رسول الله، حتى دونوه في الصحف، ونشروه للأمة، وقد تعبدنا الله تعالى بتلاوته وضاعف على ذلك الأجر، فمن أخذه فقد وفق للحق والهداية، وكان شفيعاً له يوم القيامة بإذن الله.
стр. 78
بيان فصاحة القرآن وإعجازه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء وأيتها الأخوات الفاضلات! وأسأل الله الذي جمعني مع حضراتكم جميعاً في هذه اللحظات الكريمة الطيبة على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى ﷺ ، في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أخي الحبيب! إن موضوع هذا اللقاء موضوع جليل؛ لأننا سنتحدث فيه عن كلام ربنا الجليل، فالقرآن الكريم هو كلام الله ، فهو الحجة البالغة، والدلالة الدامغة، والعصمة الراقية، والنعمة الباقية، وهو شفاء الصدور، وهو الحكم العدل إذا ما اشتبهت الأمور.
أولاً: مصدرية القرآن الكريم دليل على إعجازه، بمعنى: أنك إذا علمت أن القرآن من عند الله؛ فاعلم يقيناً أنه كلام معجز؛ لأنه كلام الله ﷻ ، وهذا معنى أن مصدرية القرآن دليل على إعجازه، والله جعل هذا القرآن أعظم معجزات نبينا الكريم ﷺ ، مع كثرة ما أجرى الله لنبينا ﷺ من معجزات، إلا أنني أود أن أؤكد للمسلمين والمسلمات بأن أعظم وأكرم وأخلد وأبقى معجزة لنبينا ﷺ : هي القرآن الكريم.
فأنت تعلم أن الله قد بعث المصطفى ﷺ في بيئة اشتهر أهلها بالبلاغة والبيان، فجعل النبي ﷺ يخاطب قومه بلغتهم؛ فأنزل الله ﵎ عليه هذا القرآن المعجز ليتحدى الله به البشرية كلها، لا في عصر النبي ﷺ فحسب، وإنما في كل العصور، بل وستعجب إذا قلت لك بأن التحدي ما زال قائماً إلى هذه اللحظة، بل إلى يوم القيامة ونحن في القرن الحادي والعشرين ما زال ربنا ﵎ يتحدى بهذا القرآن الكريم البشرية كلها.
стр. 79
القرآن الكريم ومعجزة التحدي
стр. 80
مراحل تحدي الله للمشركين أن يأتوا بمثل القرآن
لما نزل القرآن على قلب النبي ﷺ في بيئة البلاغة والبيان؛ اتهموا النبي ﷺ بأنه جاء به من عنده، وأنه من نظمه وكلامه، وقالوا: هذا كلام عادي؛ فتحداهم ربنا أن يأتوا بقرآن مثله، فقال سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] أي: ولو ناصر وظاهر وساند بعضهم بعضاً؛ فلن يتمكنوا أبداً من أن يأتوا بمثل هذا القرآن.
وهو تحداهم ابتداءً بقرآن مثله، فلما كان التحدي عسيراً، وكان الأمر شاقاً جداً خفف الله التحدي، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور فقط، فقال سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] ، من باب الذم على ما يقوله الخصم؛ لإقامة الحجة عليه، أي: أنتم تزعمون أن محمداً ﷺ قد افترى هذا القرآن وأتى به من عند نفسه: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) أي: افتراه المصطفى ﷺ ؛ (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) ، فعجزوا.
فخفف الله التحدي إلى أقل صور التخفيف، فتحداهم أن يأتوا بسورة، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٣-٢٤] و (لن) مستقبلية ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] .
فمصدرية القرآن دليل على إعجازه، ولذلك من أبلغ ما قاله جماهير المفسرين في الأحرف المتقطعة في أوائل السور، كقوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿الم﴾ [البقرة:١] ، وكقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] ، وكقوله تعالى: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١-٢] إلى آخر هذه الأحرف المتقطعة التي استفتح الله بها بعض سور القرآن الكريم؛ إن أعظم ما قيل في معناها -وهو قول جماهير المفسرين- إنها أحرف متقطعة من حروف اللغة العربية التي يتحدث بها أهل البلاغة والبيان في مكة، وإن القرآن مكون من هذه الأحرف، فإن كنتم تزعمون أن محمداً ﷺ قد أتى بهذا القرآن من عند نفسه، فهاهي أحرف القرآن من لغتكم؛ فائتوا بقرآن مثله.
стр. 81
خوف أهل الشرك والكفر من سماع القرآن
إن مصدرية القرآن دليل على إعجازه، بل وستعجب إذا علمت أن المشركين كانوا يخافون على أنفسهم من سماع القرآن؛ لماذا؟ لأن القرآن كان يصدع عناد الكفر والكبر في قلوبهم، وإذا سلم أحدهم عقله وقلبه للقرآن غيَّر القرآن قلبه، ولقد سجل الله وصيتهم لبعضهم البعض في القرآن، فقال الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] ، أي: شوشوا على محمد ﷺ ، ولا تفتحوا آذانكم ولا قلوبكم لهذا القرآن؛ لأنهم إن سمعوه تغيرت القلوب والأبصار والآذان، وتغير كل شيء.
كيف وقد بين لنا ربنا أن هذا القرآن لو أنزله على جبل وعلى حجارة صلدة لخشعت، فكيف تخشع الجبال الصم للقرآن ولا يخشع القلب الذي فطر أساساً على التوحيد؟! كما قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] ، وكما قال نبينا ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، فكل بشر ولد على فطرة التوحيد على فطرة الإسلام.
كانت وصية الكفار لبعضهم البعض: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) ؛ لماذا؟ (لعلكم تغلبون) .
стр. 82
كسر القرآن لعناد الكفر واستكباره
بل واعلم معي أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى قد روى في كتاب التفسير في الصحيح -في باب قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢]- حديثاً مختصراً من حديث ابن عباس ﵄: (سجد النبي ﷺ بسورة النجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن) .
ما القصة؟ إنها قصة عجيبة: سجد النبي وسجد المسلمون وهذا وارد، لكن: والمشركون كيف ذلك؟ هذا حديث له قصة: ففي السنة الخامسة من البعثة، دخل النبي ﷺ بيت الله الحرام، وكان في بيت الله الحرام في هذا الوقت مجموعة كبيرة من سادة المشركين وكبرائهم، وقام النبي ﷺ ليصلي لله جل وعلا، وافتتح النبي صلاته بسورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١-٥] إلى آخر السورة.
وقرأ النبي ﷺ في أواخر سورة النجم آيات تطير لها القلوب: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٩-٦٢] ، وخر النبي ﷺ ساجداً لله، فلم يتمالك أحد من المشركين نفسه؛ فخر ساجداً خلف رسول الله ﷺ .
وهذا هو السر الحقيقي الذي ربما يجهله كثير من أحبابنا وإخواننا، هذا هو السر الذي جعل المسلمين الأوائل الذين هاجروا من مكة إلى الحبشة يعودون مرة أخرى إلى مكة بعد هجرتهم الأولى؛ فإنهم لما وصلهم الخبر بأن المشركين قد سجدوا خلف رسول الله، ظنوا أنهم قد دخلوا في دين الله فرجعوا، لكن المشركين لما رفعوا رءوسهم أنكروا ما فعلوه! وأنكروا ما صنعوه! لكنه القرآن الذي صدع عناد الكفر والكبر في قلوبهم؛ فسجدوا لله ﵎ خلف سيدنا رسول الله ﷺ ، فالقرآن له فصاحته! وله روعته: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ [الحشر:٢١] ، هذا القرآن لو أنزله الله على جبل لخشع وتصدع من خشية الله ، فالقلوب تخشع للقرآن إن أنصتت القلوب إليه، وإن أصغت الآذان إليه.
واعلم أخي الحبيب بأن كل أحد يأخذ من القرآن على بقدر ما أراد الله له أن يأخذ منه، فأنت تأخذ من القرآن، وأنا آخذ من القرآن، والعامل البسيط يأخذ من القرآن، وعالم الذرة يأخذ من القرآن، والكيميائي في معمله يأخذ من القرآن، وكل واحد يأخذ من القرآن على قدر ما فتح الله على العبد، وعلى قدر استقبال العبد لكلام ربه : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] .
أيها الأحبة! كان لا بد من هذه المقدمة قبل أن أبين كيف وصل إلينا القرآن الكريم.
فلما بعث الله نبينا ﷺ ، بدأت آيات القرآن الكريم تتنزل تترا على قلب نبينا الكريم ﷺ ، بعدما خاطبه ربنا على لسان جبريل بقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] ، ثم نزلت الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [المزمل:١-٢] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١-٢] .
فقام سيدنا رسول الله، ووالله لم يذق طعم الراحة حتى لقي سيده ومولاه! وبدأت الآيات تتنزل، فكان ينزل أمين وحي السماء جبريل على أمين أهل الأرض سيدنا رسول الله ﷺ بآيات القرآن الكريم، وكان من حرص النبي ﷺ وشغفه على أن يسمع القرآن، أنه كان يتعجل في القراءة، فأنزل الله : ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦-١٨] ، (فإذا قرأناه) أي: على لسان جبريل.
стр. 83
نزول القرآن ومراحل جمعه
وبدأ القرآن يتنزل ويقرأ النبي ﷺ على أصحابه رضوان الله عليهم ما نزل منه، فلقد نزل القرآن منجماً -أي: مفرقاً- على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، مفرقاً بحسب الأحوال والحوادث، فيحدث الشيء وتنزل النازلة؛ فينزل قرآن يربي هذه القلوب والعقول والضمائر والأخلاق ينزل القرآن مع كل حدث؛ ليعلم الصحابة رضوان الله عليهم أن الله مطلع عليهم، يسمع كلامهم، ويعلم سرهم ونجواهم.
جاءت امرأة تشكو لرسول الله ﷺ زوجها، وهي المجادلة التي أنزل الله في حقها قرآناً، وسميت سورتها بسورة المجادلة، والسيدة عائشة في جانب من جوانب حجرتها، لا تسمع كثيراً من كلام وشكوى المرأة لسيدنا رسول الله ﷺ ، ومع ذلك استمع الله قولها من فوق سبع سماوات، وأنزل الله القرآن على قلب النبي ﷺ ؛ ليعالج هذه المشكلة ولو كانت فردية، فما ظنك إن كانت المشكلة جماعية تعم الأمة بأسرها.
تقول عائشة ﵂: (تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، فلقد جاءت المجادلة تشكو لرسول الله ﷺ ، وأنا في جانب الحجرة لا أسمع كثيراً من كلامها؛ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] ) .
стр. 84
عهد النبي ﷺ
فالقرآن نزل منجماً -أي: مفرقاً بحسب الأحوال والقضايا والحوادث- على قلب النبي ﷺ ، فيقرأ النبي الآيات الكريمة، فتحفظها صدور أصحابه رضوان الله عليهم، فلقد من الله عليهم بصدور واعية، وعقول وقلوب فاهمة حافظة، وهذا من رحمته وحكمته وهذه المرحلة هي مرحلة استيعاب القرآن في الصدور.
ولما كان النبي ﷺ لا يكتب؛ اتخذ من بعض الصحابة كتاباً كـ زيد بن ثابت -الذي سمي بكاتب الرسول، ويا لها من منقبة، وكـ أبي بن كعب، وكـ عبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين.
كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه الآيات يجمع الكتبة، ويقرأ عليهم الآيات الكريمة الجليلة، ويكتبونها على اللخاف -واللخاف: هي الحجارة الرقيقة- والجلود، والرقاع، وجمع القرآن بهذه الصورة المفرقة، لكنه كان محفوظاً في صدور الصحابة رضوان الله عليهم.
وكان يحفظه جمع كبير من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتوفي المصطفى ﷺ والقرآن على الحجارة، والأخشاب، والرقاع، فضلاً عن صدور أصحاب النبي ﷺ رضوان الله عليهم.
стр. 85
جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق
ولما تولى الخلافة من بعده ﷺ -وهي المرحلة الثانية- أبو بكر الصديق ﵁، وقامت جيوش أهل الردة تريد أن تدمر الأخضر واليابس، وجيَّش الصديق رضوان الله عليه لقتال أهل الردة جيوشاً؛ شاء الله في أخطر هذه المعارك على الإطلاق، ألا وهي معركة اليمامة في العام الثاني عشر من هجرة النبي ﷺ ، التي كانت بين المسلمين وبين الكذاب مسيلمة؛ أن يقتل في معركة اليمامة عدد كبير جداً من القراء، أي: ممن كانوا يحفظون كتاب الله .
وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فزعاً إلى أبي بكر ﵁ فقال: (يا خليفة رسول الله! أدرك كتاب الله ، اجمع القرآن؛ فلقد قتل جمع كبير من القراء، وأخشى أن يضيع القرآن) ، فتردد الصديق؛ لأن الصديق رضوان الله عليه كان أشد الناس اتباعاً للنبي ﷺ ، وقال: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟! كيف أجمع القرآن في صحف واحدة؟ عمر بن الخطاب ذلكم الرجل الملهم، الذي آتاه الله بصيرة، بل هو الذي وافق الله في كثير من آيات القرآن.
ونزل القرآن موافقاً لقول عمر لا لرأيه، بل لقوله بتمامه، فمثلاً: قال عمر بن الخطاب يوماً: يا رسول الله! فلنتخذ من مقام إبراهيم مصلى؛ فنزل قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] .
والشاهد أنه حتى بنفس الكلمات التي يقولها عمر رضوان الله عليه تتنزل آيات القرآن الكريم، فأشار عمر بن الخطاب على أبي بكر ﵁ فقال: يا خليفة رسول الله! اجمع القرآن.
لكنه تردد قال الصديق: فظل عمر بن الخطاب ﵁ يراجعني حتى شرح الله صدري لما شرح له صدر عمر.
والحديث في صحيح البخاري.
فأرسل أبو بكر ﵁ إلى كاتب سيدنا رسول الله ﷺ ، ألا وهو زيد بن ثابت ﵁.
اسمع ماذا قال الصديق لـ زيد، قال: (يا زيد! إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك) ، انظر إلى هذا التعبير: (إنك رجل شاب) هو شاب، لكنه قدم صفة الرجولة، ليعلم شبابنا أن أصحاب النبي ﷺ كانوا من الشباب، والصديق حينما أسلم كان في الثامنة والثلاثين من عمره؛ لأن الرسول أوحي إليه في الأربعين، أما عمر بن الخطاب والأرقم بن أبي الأرقم وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وغيرهم فقد كانوا في ريعان الشباب، لكنهم كانوا رجالاً.
فـ الصديق يقول لـ زيد: (يا زيد (إنك رجل) ؛ هذه واحدة، (شاب عاقل لا نتهمك) ، أي: أنت عندنا عدل ثقة، (فتتبع القرآن فاجمعه) .
وانظر إلى هذا الرجل الذي يعرف قدر المسئولية وثقل الأمانة، قال زيد رضوان الله عليه: (والله لو كلفوني نقل جبل لكان أيسر علي مما كلفوني به من جمع القرآن) أمانة ثقيلة لا يعرف قدرها إلا الرجال، ولكن: على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام وبدأ زيد بن ثابت رضوان الله عليه في جمع القرآن الكريم من العسب -جمع عسيب، وهو جريد النخل- واللخاف وصدور الرجال، ومن المواضع التي وجدت عليها آيات القرآن الكريم في عهد نبينا ﷺ ، وجمع القرآن الكريم كله في صحف، وهذه هي المرحلة الثانية.
ثم انتقلت الصحف إلى أبي بكر ﵁، إلى أن توفي الصديق، فانتقلت الصحف إلى بيت الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، وظلت الصحف في بيت عمر، ثم توفي عمر ﵁، فانتقلت الصحف بهيئتها وحالتها إلى بيت حفصة زوج سيدنا رسول الله ﷺ ، ابنة سيدنا عمر ﵄.
стр. 86
جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان
فلما تولى الخلافة بعد عمر ﵁ سيدنا عثمان بن عفان رضوان الله عليه، وامتدت الغزوات والفتوحات في أرمينيا وأذربيجان، وبدأت راية التوحيد ترفرف على كثير من الأرض، وعاد حذيفة بن اليمان ﵁، أمين السر النبوي، ذلكم الرجل الذي أطلعه سيدنا رسول الله ﷺ على أسماء المنافقين، حتى ذهب إليه يوماً عمر بن الخطاب وقال: (أنشدك الله يا حذيفة! هل سماني رسول الله في المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي بعدك أحداً) .
فـ حذيفة رضوان الله عليه حضر هذه الغزوات، فعاد -والحديث في صحيح البخاري وغيره- إلى عثمان بن عفان ﵁ وهو يقول: (أدرك الأمة يا أمير المؤمنين قبل أن تختلف في كتابها كما اختلفت الأمم من قبلها! قال عثمان: وما ذاك؟ قال: غزوت أرمينيا وأذربيجان، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، فيأتون بما لم يسمعه أهل العراق، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، فيأتون بما لم يسمعه أهل الشام، فكفر بعضهم بعضاً) .
وكان من رحمة الله سبحانه للأمة أن أنزل القرآن على قلب النبي ﷺ على سبعة أحرف، وقد قال النبي ﷺ : (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) ، فكان الرجل يقرأ بقراءة عبد الله بن مسعود، فيسمع صحابي آخر قرأ بقراءة أبي بن كعب، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَثبتوا) ، والقراءتان صحيحتان، وكلاهما من قراءة النبي ﷺ من باب التخفيف والتيسير -كما قال جمهور المفسرين من أهل العلم.
فاختلف الصحابة القراء؛ فجاء حذيفة رضوان الله عليه إلى عثمان فقال: (أدرك الأمة يا أمير المؤمنين) ، فشرح الله صدر عثمان ﵁ لما قاله حذيفة، فجمع القرآن الكريم.
أرسل الخليفة الثالث لـ حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف، فأرسلت الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر ﵁، وانتقلت منه إلى عمر ثم إلى حفصة، ونادى زيد بن ثابت مرة أخرى، ونادى الكتاب الذين اختارهم سيدنا رسول الله ﷺ ، وأمرهم أن يتتبعوا القرآن، وأن يجمعوه، ثم قال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنه قد نزل بلسانهم.
واستقرت الصورة الأخيرة للقرآن على لسان قريش.
أي: على اللسان الذي نزل به القرآن الكريم على سيدنا رسول الله ﷺ ؛ لأنه نزل بلغة قريش، وجمع عثمان رضوان الله عليه القرآن كله في مصحف واحد، وهذا هو الذي يسمى بالمصحف الإمام، ونسخ منه مجموعة من المصاحف، وأرسل إلى كل مصر -أي: إلى كل أفق من الآفاق، وبلد من البلدان الضخمة- بمصحف، وظل هذا القرآن موجوداً بين أيدينا إلى هذه اللحظة، لم تحذف منه آية، ولم تتغير فيه كلمة، ولم يتبدل فيه حرف؛ مصداقاً لقول ربنا ﷻ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ؛ وما تولى الله حفظه لا يضيعه أحد!
стр. 87
فضل القرآن على غيره من الكلام
أن جمع القرآن بدأ من عهد سيدنا فضيلة الشيخ! قلت: إن كل إنسان يستطيع أن يأخذ من القرآن، سواءً الكيميائي والعالم والمهندس وغيرهم، لكن الحقيقة اليوم أنا نرى القرآن بقي موجوداً في السيارة ليتبرك به وعلى الرفوف إلا من رحم ربي.
الشيخ: هذا هو الذي ينبغي أن نتحدث عنه في هذا اللقاء، فنحن نتحدث عن حق القرآن علينا، وكما تفضلت وافتتحت اللقاء الكريم، بأن فضل القرآن على كل كلام كفضل الله على كل الخلق والبشر.
فهذه العبارة تبين لنا أن القرآن الكريم لا حد لفضله، ولو اجتمع علماء الأمة، ومن الله عليهم بلغة البيان، وفصاحة الأسلوب، وعظمة التبيان، فلن يستطيعوا أن يعبروا عن فضل القرآن، كيف وقد ذكرت بأن فضله كفضل الله على كل خلقه.
من الذي يستطيع أن يحد هذا الفضل أو أن يعرف مقداره؟ لا أحد، إلا من أنزل القرآن ، ولكن أستطيع أن أقرب لكم، وذلك من كلام نبينا وحبيبنا ﷺ لأولئك الأفاضل من المسلمين والمسلمات؛ ليعلم كل مسلم ومسلمة فضل القرآن، وحتى لا يهجر أحدنا كتاب الله سبحانه.
стр. 88
الحث على الإكثار من قراءة القرآن
وقبل ذلك أقول: إن كثيراً من المسلمين أو إن بعض المسلمين والمسلمات ربما لا يفتح كتاب الله إلا في رمضان.
مداخلة: قد يقول: أنا ختمت في رمضان خمس مرات ست مرات، وهذا يكفيني!! الشيخ: وهذا شيء جميل وعظيم وجليل، لكن الذي يقلق القلب أنه ربما بعد هذا الجهد المبارك يغلق كتاب الله ، ويضع المصحف في القطيفة الفخمة الضخمة، ويظل هذا الكتاب مغلقاً إلى أن يأتي رمضان.
стр. 89
أهمية أن يجعل الإنسان لنفسه ورداً يومياً من القرآن
يجب على كل مسلم ومسلمة أن يجعل له ورداً يومياً مع كتاب الله ؛ ليمتع بصره وعقله وقلبه بكتاب الله ﷻ .
يقول نبينا ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، أما إني لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، تصور عندما تقول: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] ؛ (ألف، لام ميم) ، تكسب ثلاثين حسنة بموعود الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
ربما يتألم أحد آبائنا الأفاضل الآن وهو يستمع إلينا ويشاهدنا، وربما تبكي -والله- عينه ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! أنا لا أحفظ شيئاً من القرآن الكريم، لا أحفظ إلا الفاتحة، ولا أحفظ إلا سورة الإخلاص، وأذكره وأقول: معك شيء عظيم، كرر السورة، فلو قرأت سورة الإخلاص ثلاث مرات، كأنما قرأت القرآن كله، كما قال نبينا ﷺ .
كرر السورة في أي وقت ترى نفسك قادراً على أن تردد كلام الله ولا تتردد، فإن أعظم كلام تقرؤه ويتحرك به لسانك، ويتحرك له جنانك، وتدمع له عينك، ويخشع له جسدك، وتقشعر له جوارحك؛ هو كلام الحق : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ﴾ [الإسراء:٩] ، فيجب عليك أن تقرأ كتاب الله وأنت متطلع إلى هذا الفضل العظيم، والأجر الوفير الجميل الجسيم الكبير، (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها) .
انظر ماذا يقول سيدنا النبي ﷺ ؟ يقول: (ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ، ويقول ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة ﵁: (اقرءوا القرآن -أمر نبوي- فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) ، اللهم شفع القرآن فينا يا رب!
стр. 90
فضيلة القرآن والتنافس فيه
وقال ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب! منعته الطعام والشراب؛ فشفعني فيه، ويقول القرآن: يا رب! منعته النوم بالليل؛ فشفعني فيه، قال ﷺ : فيشفعان) أي: يشفع الله الصيام والقرآن للصائم القائم بالقرآن الكريم.
وتدبر معي هذا الحديث الجميل الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين) ، والحسد هنا بمعنى الغبطة، والغبطة معناها: أن تتمنى أن ينعم الله على العبد الذي تطلعت إلى النعمة معه، وأنت في الوقت ذاته تتضرع إلى الله أن يمن عليك بمثل ما من به على أخيك، لكن الحسد: أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك، فشتان بين الحسد والغبطة! فسيدنا رسول الله ﷺ يقول: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ، ربما يفهم الحديث بعض أحبابنا فهماً قاصراً، فيقول: هل تريد منا يا أخي -بنص حديث رسول الله ﷺ الذي ذكرت الآن- أن نعكف على القرآن آناء الليل والنهار، وأن نترك أعمالنا وأشغالنا وتجاراتنا إلى آخره؟ فأقول: لا.
ليس هذا هو المراد، وإنما المراد أن يداوم المسلم على قراءة القرآن بقدر ما يستطيع، وأن يكثر من قراءة القرآن بقدر ما يستطيع، بل تستطيع أنت أن تقرأ القرآن حتى وأنت في بعض أشغالك وأعمالك، إن لم يكن العمل يحتاج إلى صفاء ذهن وتركيز عقل؛ فهناك من الأعمال ما تستطيع أن تبدأها على الأقل بآيات من كتاب الله ، فإن وجدت نفسك فارغاً من عمل لنفسك أو للمسلمين؛ فلا بأس أن تردد ما تحفظه أنت من كتاب الله ، فالهدف أن يكثر المسلم من قراءة القرآن، وأن يداوم النظر في كتاب الله على قدر ما يستطيع، من باب قوله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] .
وفي الصحيحين أيضاً من حديث عثمان بن عفان ﵁، يقول النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، ومن جميل ما قاله سيدنا ورسولنا ﷺ كما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره بسند صحيح، وكذلك الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أن النبي ﷺ قال: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق -في درجات الجنة- ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها) ، انظر إلى هذه الدرجة العظيمة، وهذا الفضل العظيم الذي يناله قارئ القرآن.
стр. 91
فضل الذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق
ربما يسأل الآن كثير من أخواتنا الفضليات وإخواننا الفضلاء أيضاً ويقولون: فماذا نصنع ونحن لا نقرأ القرآن إلا بمشقة وعسر؟ ربما تقول أم من أمهاتنا الآن: أنا لا أقرأ الآية إلا بعذاب، وربما يقول والد من آبائنا الفضلاء: أنا لا أحسن أن أقرأ القراءة بيسر وسهولة وطلاقة.
وهؤلاء الفضلاء أبشرهم ببشرى سيدنا رسول الله ﷺ ، فقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة -يعني: من الملائكة- والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق؛ له أجران) ، فلا تتخل أيها الفاضل! ولا تتخلي أيتها الفاضلة عن قراءة كتاب الله .
стр. 92
هجر القرآن الكريم وأنواعه
مداخلة: كنت أقرأ القرآن فاستوقفتني آية تبين أن الرسول ﷺ يشكونا لله يوم القيامة وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] فما معنى هجر القرآن في الآية؟ الشيخ: هجر القرآن أنواع: هجر السماع، وهجر التلاوة، وهجر العمل بالقرآن، وهجر التداوي بالقرآن.
هجر السماع: قال الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] .
هجر التلاوة: وقد ذكرت فضل تلاوة كتاب الله .
هجر العمل: وهذا أخطر أنواع الهجر، ودعني أؤكد لك ولإخواني جميعاً أن هذه الأمة قد تحولت من رعاة للإبل والغنم، إلى سادة وقادة للدول والأمم يوم أن عملت بكتاب الله ، وامتثلت أمره، واجتنبت نهيه، ووقفت عند حده، وقالت للقرآن الكريم: سمعنا وأطعنا، وقالت لله سبحانه في كل أوامره ونواهيه وحدوده في القرآن: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] .
قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] .
فهجر العمل بالقرآن هو أخطر أنواع الهجر، قال جل وعلا: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١-٣] .
لم ينزل الله القرآن ليتلى على الأموات في القبور، أو ليوضع في علب القطيفة الفخمة والضخمة، أو ليوضع في البراويز الذهبية والفضية ليحلي النساء بهذه البراويز صدورهن، أو ليوضع في البراويز الضخمة لنحلي بهذه البراويز الجدران والحوائط، كلا، إنما أنزل الله القرآن ليقيم به الأمة، وليحيي به القلوب والعقول والضمائر والأخلاق.
ما أنزل الله القرآن على النبي ﷺ لتشقى أمته بهذا القرآن أو بأوامره أو بنواهيه أو بتكاليفه، بل ما أنزل الله عليه القرآن إلا لتسعد به البشرية كلها، والأمة الإسلامية خاصة؛ لأنه كلام الله الذي ارتضاه منهاجاً ودستوراً لا للأمة المسلمة، بل للبشرية جمعاء: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإسراء:٩-١٠] .
فهذا القرآن ما أنزله الله إلا لنقيمه وتمثيل أوامره ونجتنب نواهيه ونقف عند حدوده، ونحن في غاية الحب لله والرضا عنه، قال جل في علاه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] .
فيجب على هذه الأمة أن تعلم أنه لا سعادة لها ولا كرامة إلا إذا عادت إلى هذا القرآن الكريم فهو دستورها ومنهج ربها ؛ تعود إليه لتطبقه آية آية، وحكماً حكماً، وتكليفاً تكليفاً، وكلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، وهي تردد في غاية الحب لله والرضا عن الله قولة الصادقين السابقين الأولين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] .
يجب علي أن أطبق القرآن على نفسي وعلى بيتي، ويجب عليك أن تطبق القرآن على نفسك وعلى بيتك، وهذا واجب كل مسلم ومسلمة، فهذا القرآن لم ينزله الله للاستمتاع السالب، أو للثقافة الذهنية الباردة الباهتة، وإنما لنحوله في حياتنا إلى واقع عملي ومنهج حياة يتألق في دنيا الناس سمواً وروعة وعظمة وجلالاً، وحركة وعملاً وبناءً.
فيجب على كل مسلم في ميدانه أن يمتثل لقرآن ربه: الطبيب في عيادته المهندس في ورشته الزوجة في بيتها الجندي في موقعه العامل في مصنعه الفلاح في حقله.
ما دمنا قد أسلمنا لله، فيجب أن نسلم عقولنا وقلوبنا لمنهج ربنا ﵎، وأن نجعل منهج السمع والطاعة لله سبحانه، ولسيدنا رسول الله.
قال البشير النذير ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁: (يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة، وسورة آل عمران، كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو غيابتان، أو حزقان أو فرقان من طير صواف؛ تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة) .
انظر الوعيد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام في حديث آخر رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، يقول ﷺ : (إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، فيقال له: كذبت! بل قاتلت ليقال هو شهيد، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) ، لم يقاتل لله سبحانه، وإنما قاتل للشهرة وللأضواء والعدسات ولتقول الدنيا كلها: إنه جريء إنه بطل، والله وحده هو الذي يعلم السر وأخفى.
(ورجل آتاه الله القرآن وعلمه العلم، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت! بل تعلمت وعلمت ليقال هو عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل آتاه الله من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال: ما تركت سبيلاً تحب أن ينفق فيها إلا وأنفقت فيها لك، قال: كذبت! بل أنفقت ليقال هو جواد، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) .
فيجب علينا -أيها الإخوة والأخوات- أن نعلم أن الله ما أنزل القرآن لنضعه في علبة وقطيفة فخمة ضخمة، أو في البراويز، أو لنقرأه على الأموات، وإنما أنزل الله القرآن لنحوله في حياتنا إلى واقع عملي ومنهج حياة، ولا سعادة لنا ولا كرامة في الدنيا والآخرة إلا إذا عدنا مرة أخرى إلى القرآن، كما ما عاد إلى القرآن أصحاب نبينا ﵊، فحولوه في حياتهم إلى منهج حياة، فتحولوا بهذا القرآن الذي عمروا به الكون من رعاة للإبل والغنم، إلى سادة وقادة للدول والأمم.
أسال الله أن يردنا إلى القرآن رداً جميلاً.
وأختم كلامي بقول الرسول ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 93
سلسلة إيمانية - من هو النبي ؟
لقد أرسل الله إلينا محمداً ﷺ عليه وسلم رسولاً نبياً، وأوجب علينا طاعته واتباعه، ومحبته وتقديمه على النفس والزوجة والأولاد والمال والعشيرة، وتصديقه في كل ما أخبر من الغيبيات التي وقعت والتي لم تقع؛ لأنه مؤيد بالوحي، ومخبر عن الله سبحانه، فلا يمكن أن يكذب على الله جل وعلا، وهذه كلها من الحقوق الواجبة علينا تجاه نبينا محمد ﷺ .
стр. 94
حقوق النبي ﷺ علينا
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة والأخوات! وأسأل الله جل وعلا الذي جمعني بكم على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ودار المقامة؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لقد آن لنا أن نتعرف جميعاً على حقه ﷺ علينا، لاسيما وكلنا يعلن أنه يحب الحبيب رسول الله ﷺ ومن يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء فتعالوا بنا لنتعرف على حق النبي ﷺ علينا، وهذا من أوجب الواجبات، فبعد أن تعرفنا على ربنا، وتعرفنا على حق الله ﵎ علينا، وتعرفنا على نبينا ﷺ ، وعرفنا قدره عند ربه، وعرفنا قدره كما بينت لنا السنة آن لنا أن نعرف حقه علينا.
وأول حق يجب على كل من آمن بالله ﵎ أن يؤديه بعد الإيمان بالله جل وعلا أن يؤمن برسول الله ﷺ ، فلا يصح لك دين، ولا يصح لك إيمان إلا إن وحدت الله وآمنت بالصادق رسول الله ﷺ ، فهذا أول ركن من أركان الإسلام، أول ركن أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) ، فأول حق للحبيب علينا أن نؤمن به، فرسولنا ﷺ هو الإمام الأعظم الذي إن وجد في أي عصر من العصور أو في أي زمان من الأزمنة وجب على كل أحد أن يؤمن به وأن يتبعه، ولو كان في الأرض معه نبي من إخوانه من النبيين والمرسلين.
стр. 95
من كذب برسول فقد كذب جميع الرسل
تدبر معي قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١] ، فهناك عهد وميثاق أخذه الله على كل الأنبياء والرسل، إن بعث الله فيهم محمداً ﷺ أن يؤمنوا به وأن ينصروه وأن يتبعوه، فلا يصح لأحد دين إلا إن وحد الله وآمن بأنبياء الله ورسله وآمن بالنبي محمد ﷺ .
وتدبر معي القرآن الكريم، فمن المعلوم أنه ما أرسل الله إلى قوم نوح إلا نوحاً، وما كذب قوم نوح إلا نوحاً ﵇، لكن تدبر القرآن؛ فربنا يعبر عن هذه القضية بهذه الكلمات الجميلة، فيقول ﵎: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] ، كيف هذا وهو مرسل واحد وهو نوح، تدبر القرآن، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] .
ومن المعلوم أن قوم لوط ما كذبوا إلا لوطاً، لكن ماذا يقول رب العزة؟ قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٦٠] .
ومن المعلوم أن عاداً ما كذبوا إلا هوداً ﵇، لكن ماذا قال ربنا؟ ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] .
ومن المعلوم أن ثمود ما كذبوا إلا صالحاً ﵇، ومع ذلك قال الله : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١] كيف هذا؟! ما هذا التعبير البديع؟! لأن من كذب نبياً واحداً من أنبياء الله فقد كذب أنبياء الله جميعاً، ومن كفر بنبي واحد من أنبياء الله جل وعلا فقد كفر بجميع إخوانه من النبيين والمرسلين، من أجل ذلك قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥] ، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٦٠] ، ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣] ، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١] .
وتدبر معي هذه الآية الجميلة من آيات سورة النساء، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:١٥٠-١٥١] .
انظر إلى حكم الله في هؤلاء: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء:١٥١] ، فمن آمن بالله جل وعلا وكفر بنبي واحد من أنبياء الله فقد كفر بالله وبجميع النبيين والمرسلين، فمن آمن بالله ﵎ وجب عليه أن يؤمن بالله ورسله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] لا ينبغي لنا أبداً أن نفرق بين أنبياء الله ورسله في أصل الإيمان.
وقد تسألني وتقول: أنا أفهم أن الله قد فضل بعض الأنبياء على بعض، فهذه القضية أخرى، لكنني أتحدث عن عدم التفرقة بين أنبياء الله ورسله في أصل الإيمان، فلا ينبغي لك، ولا يصح لي ولا لك ولا لأي أحد من إخواننا دين إلا إن آمن بالله جل وعلا، وآمن بنبي الله نوح، وآمن بنبي الله إبراهيم، وآمن بنبي الله موسى، وآمن بنبي الله عيسى، وآمن بنبي الله محمد، وآمن بجميع أنبياء الله ورسله، من قصهم الله علينا ومن لم يقصص ربنا ﵎ علينا.
قال النبي ﷺ -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) .
стр. 96
وجوب الإيمان بالنبي ﷺ من كل أهل الأرض
فمعنى الكلام أن كل الذين على الأرض الآن، والذين عرفوا سنة الرسول ﷺ ومنهج الرسول ﷺ عليهم أن يؤمنوا به.
فكل من وجد على الأرض بعد بعثة النبي محمد ﷺ يجب عليه أن يؤمن بالله ﵎، وأن يؤمن بنبيه، سواء أكان هذا النبي هو نبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، أم نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وأن يؤمن مع هذين النبيين الكريمين بنبي الله محمد ﷺ ، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف:٦] ، فلا بد من الإيمان بالله والإيمان بجميع رسل الله، لا نفرق بين أحد من رسله في أصل الإيمان، قال ﷺ -كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) ، وفي لفظ: (أدخله الله الجنة من أي أبوابها الثمانية شاء) ، وفي رواية عتبان بن مالك في الصحيحين -أيضاً- قال ﷺ : (فإن الله حرم على النار من قال: (لا إله إلا الله) يبتغي بها وجه الله تعالى) .
إذاً فأول حق لنبينا وحبيبنا ﷺ أن نؤمن به، فأنت أمامك حد الإسلام وشرط الإيمان، قال ربنا جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] ، فأول حق لنبينا ﷺ أن نؤمن به كما آمنا بربنا ﵎، فالإيمان برسول الله تابع للإيمان بالله جل وعلا.
стр. 97
من حقوق النبي ﷺ علينا اتباعه
وكل أحد من الناس يقول: أنا أحب الله، فالمرتشي يقول: أنا أحب الله.
والحرامي يقول: أنا أحب الله.
والعاصي يقول: أنا أحب الله.
فهل صدقوا في حبهم؟! لقد قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ، فالله ﵎ يحب أهل الاتباع للنبي ﷺ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) اتبعوا من؟ اتبعوا النبي ﷺ : ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] الآية، فمن حق النبي ﷺ علينا أن نطيعه فيما أمر، وأن ننتهي عن كل ما نهى عنه النبي ﷺ وزجر.
وتدبر معي قول الله ﵎ وهو يبين هذين الحقين العظيمين للرسول ﷺ في آية واحدة جامعة، فيأمر الله ويقول: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) أمر، وهذا حجة على من ينكر سنة النبي ﵊ ويقول: نحن يجب علينا أن نكتفي بالقرآن، ها هو القرآن يأمر الجميع أن يرجع إلى النبي ﷺ وإلى امتثال أمره: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] أمر من الله ، فالرسول ﵊ له أمر وله نهي، وأمر الله أهل الإسلام وأهل الإيمان أن يمتثلوا أمر النبي ﷺ ، وأن يجتنبوا نهيه، وأن يقفوا عند الحدود التي حدها -بأبي هو وأمي ﷺ فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] .
فطاعة النبي ﷺ طاعة لربه العلي، ومعصية النبي ﷺ معصية لله، واقرأ معي قول الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) هكذا، من يطع الرسول فقد أطاع الله، آية حاسمة: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠] ، وقال جل وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢] ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢] (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) أي: احذروا أن لا تطيعوا أمره، واحذروا أن تخالفوه.
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) فوظيفته ﷺ أن يبلغ، وأن يؤدي ما عليه لله ﵎ من حق الدعوة والإنذار والبلاغ.
ويقول ربنا وتعالى في آية جميلة يلخص فيها ثمرة الطاعة لحبيبه ﷺ : ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦] ، وقال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١] .
ومن أرق ما ثبت من الأحاديث الصحيحة ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) ، فهل يوجد أناس يكرهون دخول الجنة؟ نعم بنص الحديث: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) ، والذي لا يريد أن يدخل هو حر، (قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟!) من الذي يكره أن يدخل الجنة؟! فقال ﷺ : (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) ، فمسألة الزعم بأننا نحب رب العزة ونحب النبي ﵊ دون أن نمتثل أمر النبي، ودون أن نجتنب نهي النبي إنما هو زعم يحتاج إلى قدم وساق، ويحتاج إلى أدلة على أرض الواقع.
وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله -وهذا حديث جميل- (أن ملائكة جاءت إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم -أي: بعض الملائكة-: إنه نائم.
وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان) ، وهذه من خصائص سيدنا رسول الله ﷺ ، فقد كان إذا نام تنام عينه ولا ينام قلبه.
(جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم.
وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان.
فقال بعضهم: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً.
قالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة -وليمة- وبعث داعية -أي: بعث داعية يدعو الناس ليدخلوا الدار وليأكلوا من المأدبة- فمن أجاب الداعية دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعية لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة.
فقال بعض الملائكة: أولوها له يفقهها -أي: وضحوا له الرؤية هذه وفسروا له هذا المثل- فقالوا: الدار الجنة، والداعي هو محمد، فمن أجاب الداعية -أي: من أجاب محمداً ﷺ وامتثل أمره وأطاعه واجتنب نهيه وسار على طريقه- دخل الدار -أي: دخل الجنة- وأكل من المؤدبة فاستمتع بنعيمها، ومن لم يجب الداعية -أي: من أعرض عن رسول الله ﷺ وعن منهجه- لم يدخل الدار) لم يدخل الجنة، ولم يستمتع بنعيمها، فمحمد فرق بين الناس أو فرق بين الناس، فمن آمن بالله ورسوله فهذا هو الذي وعده الله بالسعادة والنعيم المقيم في الدنيا والآخرة، ومن كفر بالله وبرسوله ﷺ فهؤلاء -نعوذ بالله من الخذلان- هم أهل الشقاء والضلال في الدنيا والآخرة، حتى وإن اغتر بعض الناس بسعادة وهمية لهؤلاء المجرمين من الكفرة بالدنيا، لا والله، فقد صدق ربي إذ يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣-١٢٧] ، فشعار المؤمن الصادق أن يقول لله ولرسوله القالة الجميلة قالة السابقين الأولين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] .
стр. 98
وجوب السمع والطاعة عند سماع الآيات والأحاديث
المؤمن الصادق لا يتفلسف ولا يتحذلق ولا يأخذ ولا يعطي، إن جاءه الأمر من رسول الله ﷺ امتثل الأمر، وإن جاءه النهي من رسول الله ﷺ اجتنب النهي، وتدبر القرآن -ويا ليتنا نفهم القرآن ونعيش مع القرآن- يقول الله ﵎ في حق المؤمنين: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١-٥٢] ، وهذا هو شعار المؤمن، أن يقول: سمعنا وأطعنا دون نقاش ولا حرج في أن يطلب من أهل العلم أن يفهموه وأن يعلموه، لكن لا يجوز له ألبتة أن ينكر وأن يرد الأمر والنهي بدعوى أنه لا يفهمه، لا.
أنا أقبل الأمر وأقبل النهي، وإن التبس عليّ أمر بعد ذلك سألت أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] ، لكن شعار المؤمن دائماً فوق أي أرض وتحت أي سماء أن يقول لله ورسوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ، وانظر إلى ما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] هذا شعار المؤمن والمؤمنة، فالله جل وعلا له الأمر وله الحكم، والرسول ﷺ له أمر وله حكم، الله ﵎ يقول لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] أمر من الله لنبيه، وأمر الرسول ﷺ به الأمة، فصار الأمر من القرآن والسنة، فيجب على الأخت الفاضلة المؤمنة الصادقة أن تمتثل الأمر وأن تلبس الحجاب امتثالاً لأمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، لكن لا يصح أن تقول لي: أقنعني بالحجاب فهل أنت مقتنعة بالإسلام أم لا؟ إن كنت اقتنعت بالإسلام فهذا أمر ربك، وهذا أمر نبيك ﷺ .
ثم هل تطلبين من طفلك الصغير إذا طلب منك نوعاً من أنواع الطعام أو لوناً من ألوان الشراب، فتقولين: أقنعني أولاً بأن الطعام هذا فيه فائدة لك.
أو: أقنعني أولاً بأن اللبن هذا لن يضرك؟! هذا مستحيل، وإنما تستجيب الأم على الفور لطلب ولدها، فكيف تطلب من نبيها ﷺ وقد علمت أن الأمر صريح في القرآن وصحيح في السنة؟! كيف تطلب بعد ذلك من عالم من العلماء أن يقنعها بكلام ربها أو بكلام الصادق نبيها ﷺ ؟! ولنقرأ الآية مرة أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] .
قال الله جل وعلا في شأن من يسمع ويعرض: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠] انظر إلى تعبير القرآن (زعم) ، وما أيسر الزعم! إنه سهل جداً ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠] لم يكتفوا بأنهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على رسول الله فقط، لا لكنهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل على رسول الله وما أنزله الله قبل ذلك على أنبيائه ورسله، فهو زعم عريض جداً ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦٠-٦١] ، فهذا حكم الله فيمن سمع عن الله أمره، وعن رسول الله أمره ثم صد وأعرض، تقول له: النبي ﵊ حرم كذا.
والنبي ﵊ حرم كذا فيقول: أنا أعرف أنه حرام، لكن أنا أرى أنه لا يمكن أن يتماشى هذا التحريم مع هذا العصر! فهذا الذي يقال، ورب العزة يقول في حقه الآيات التي ذكرتها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١] ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) ، فالذي يسمع ويصد ويعرض عن أمر الله وأمر رسول الله إنما هو منافق -والعياذ بالله- بشهادة رب العالمين الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧] .
стр. 99
من حقوق النبي ﷺ تصديقه فيما أخبر
لقد أصبحنا اليوم في عالم الاكتشاف وعالم المشاهدة، فأي شيء يتكلمون عنه فنحن نصدقه، لكن أول ما نسمع حديثاً عن الرسول ﷺ في غيبيات نجد ضعفاً، فيكذبه أحدنا سواء بلسانه أو بعقله؛ لأنه من الغيبيات وليس شيئاً مشاهداً.
إن من حقوق النبي ﷺ علينا -وهذا حق جليل عظيم كبير- أن نصدقه في كل ما أخبر به، ومن حقك أن تسأل أهل العلم: هل هذا الحديث ثابت عن النبي ﵊ بالضوابط التي يحكم بها علماء الجرح والتعديل على الأحاديث من حيث الصحة والضعف على المتن والسند؟ فمن حق المسلم والمسلمة أن يسأل: هل هذا الكلام فعلاً قاله النبي ﵊ وثبت عنه؟ فإن تبين له بالأدلة أن هذا من كلام النبي ﷺ فليعلم أنه من الواجب عليه أن يصدق خبر النبي الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ما دام خبره متعلقاً بشرع الله جل وعلا وقد ثبتت صحته بالأدلة؛ لأن الذي شهد بصدق محمد هو الله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ؟! قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١-٥] ، فهذه شهادة من رب العزة لنبي صادق، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي، فالقرآن وحي، والسنة وحي، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى.
قال ﷺ : (إلا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) ، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٣-٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] .
ومن أجمل ما قرأت في هذا الباب ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام الحاكم في مستدركه وغيرهما بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه -فكل ما يقوله النبي ﷺ شيئاً يكتبه عبد الله بن عمرو - قال عبد الله بن عمرو: فنهتني قريش، قالوا له: إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا وكل الذي يقوله تكتبه! قال: فأمسكت عن الكتابة -يعني: امتنعت-، ثم ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: اكتب؛ فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق) ، وأشار ﷺ إلى فمه المبارك.
стр. 100
سادات قريش يشهدون للنبي ﷺ بالصدق
وفي آية غريبة عجيبة فريدة في القرآن الكريم يبين لنا ربنا جل وعلا أن نبيه صادق، وأنه لو ادعى شيئاً على الله لم يوحه الله إليه لقطع الله منه الوتين، انظر إلى ما يقول رب العزة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤-٤٧] ، فلا يستطيع أحد أن يحول بين الله وبين ما يريد، فهو الفعال لما يريد في أي وقت يريده على الوجه الذي يريد جل وعلا، فالله هو الذي يشهد لنبينا ﷺ بالصدق في كل ما بلغه عن ربه ﵎، بل ستعجب أشد العجب حين تعلم أن الكفار والمشركين كانوا يعلمون يقيناً ويعترفون اعترافاً صريحاً بصدق النبي ﷺ .
خلا يوماً الأخنس بن شريق مع أبي جهل بن هشام، فـ الأخنس يقول لـ أبي جهل: يا أبا الحكم! نحن لوحدنا لا أحد يسمعنا، أستحلفك بالله: أمحمد صادق أم كاذب؟ وأبي جهل هو أشد أعداء النبي ﵊ عداوة له، فقال أبو جهل للأخنس بن شريف: ويحك يا أخنس! والله إن محمداً لصادق لكنها الدنيا والكبر والرئاسة والزعامة.
فنزل قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] ، فما منعهم إلا الجحود والإنكار والكبر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥-٣٦]-بأبي هو وأمي وروحي- نترك آلهتنا لهذا الشاعر المجنون! يريدون بذلك النبي ﷺ ، فالله جل وعلا هو الذي يشهد لنبيه بالصدق، ويا لها -والله- من شهادة، وأهل الكفر يشهدون للنبي بالصدق.
وهل نسيت أنهم أول من لقبه بالصادق الأمين في مكة قبل البعثة؟ وذلك لما اختلفت قريش في وضع الحجر، فدخل عليهم الصادق الأمين، فاتفق عليه البرلمان الشركي بالإجماع، ولقب بالصادق الأمين قبل البعثة، أفبعد أن بعثه ربه جل وعلا من فوق سبع سماوات صار يكذب بعد ذلك على الله أو على خلقه؟! هذا محال، ولذلك ما وصل الصديق إلى ذروة سنام الصديقية إلا لما اطمأن قلبه إلى صدق النبي ﷺ في كل ما يخبر به عن ربه، كان إذا أخبر عن النبي بشيء يقول: أوقد قال النبي ﷺ ذلك؟ هذه هي القضية، أريد أن أعرف فقط هل النبي قال أم لم يقل؟ فإن أخبر بأن النبي ﷺ قاله قال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق.
قضية محسومة؛ لأنه صادق مفطور على الصدق بأبي وأمي ﷺ ، فلا بد من أن نؤصل لصدق حبيبنا ونبينا بهذا التأصيل الذي شهد بصدقه الله، وشهد الكفار والمشركون في زمانه بصدقه، بل وما أخبر النبي ﷺ عن شيء إلا ووقع بمثل ما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ولم يختلف إخبار النبي ﷺ عن الواقع مرة واحدة، وإلا لطار المشركون والمستشرقون بذلك في الشرق والغرب والشمال والجنوب.
يقول تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] هذه السورة نزلت على النبي ﷺ في أخطر الأوقات، في الوقت الذي أعلن فيه أبو لهب عداءه السافر للنبي ﷺ ودينه، فقال: تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فنزل قول الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] .
جاءت أول لحظة فقام النبي ﷺ فيها ليبلغ عن الله لما نزل قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] ، وارتقى النبي جبل الصفا ونادى على بطون قريش وقال فيهم: لو أني قلت لكم: إن هناك خيلاً وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم فهل كنتم مصدقي؟! قالوا: ما جربنا عليك كذباً قط، قال: فإني رسول الله إليكم، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فنزل قول الله تعالى، وقرأ النبي السورة، فلو لم يكن كلام النبي ﷺ هو الصدق بعينه لاتهم أبو لهب النبي ﷺ بالكذب وقال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذا محمد يتهمني بأنني من أهل النار، وبأنني لست على دينه، وها أنا أشهد أن محمداً رسول الله! ولم يحدث هذا؛ لأن الرسول ﷺ صادق في كل ما يخبر به عن ربه ﵎، فما أخبر بشيء إلا وقع بمثل ما أخبر به في الماضي أو في الحاضر أو في المستقبل.
стр. 101
أمثلة لما وقع مما أخبر به النبي ﷺ
سأضرب بعض الأمثلة في هذا الموضوع، فقد قال ﷺ -كما في صحيح مسلم -: (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده) ، وهذا غيب لم يكن وقع بعد، (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده) ، فهل جاء كسرى بعد كسرى؟ لم يحصل، وقال: (إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده) ، فهل جاء قيصر بعد قيصر؟ لا.
وقال: (والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) جيء بتاج كسرى، وجيء بأموال قيصر إلى أصحاب النبي ﷺ ، وأنفقت كنوزهما في سبيل الله كما أخبر الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) .
وانظر إلى الصنف الثاني، يصفه النبي وصفاً عجيباً، قال: (ونساء كاسيات عاريات) صنف لم يكن موجود أبداً (كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ، وهذا بغير شك إن لم يتبن إلى الله ﵎، فانظر إلى هذا الوصف الدقيق (نساء كاسيات عاريات) إما أن يكون الثوب عارياً، وإما أن يكون الثوب شفافاً، وإما أن يكون ضيقاً يجسد كل فتنة في جسم المرأة، (كاسيات عاريات) انظر إلى هذا الوصف النبوي البليغ! (مائلات مميلات) تتمايل في مشيتها فتميل قلوب الرجال.
(رؤوسهن كأسنمة البخت) والبخت: نوع من أنواع الجمال الخراسانية التي كانت من أغلى ما يمتلكه العربي في أرض الجزيرة العربية والجزء الذي على ظهر الجمل اسمه سنام، سنام البعير، أو سنام الإبل، فإذا كبر البعير وصار لا يحمل يميل سنامه إذا كان فارغاً، فيشبه النبي ﷺ هذا الرأس الفارغ من الدين والإيمان والحياء والخلق بهذا السنام الفارغ، أو أنها ترفع شعرها على رأسها بصورة تشبه السنام المرتفع على ظهر البعير، فهذا وصفٌ ما كان في عهده ﷺ .
فهذا الواقع الذي تحياه أمتنا وصفه النبي ﷺ وصفاً دقيقاً.
وها أنت ترى الآن معي أن الأمة قد تحولت إلى قصعة مستباحة لكل أمم الأرض، وتسابقت كل أمم الأرض لتأخذ ولتنهب من هذه القصعة المستباحة ما تقدر عليه، وانظر إلى ما قال النبي في ذلك، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام أبو داود وغيرهما بسند صحيح من حديث ثوبان ﵁ أنه ﷺ قال: (يوشك-و (يوشك) للقريب- أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: كلا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت) ، فهل هذا واقع؟ إنه واقع بصورة جلية.
وكذلك ما تراه من أخلاق مقلوبة أخبر عنها الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، فتدبر معي هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام الحاكم في مستدركه بسند صحيح، وأقر الحاكم الذهبي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: من الروبيضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه -وفي لفظ صحيح: الرجل السفيه- يتكلم في أمر العامة) ، فانظر إلى هذا الواقع الذي يجسده الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.
إذاً: فما أخبر النبي ﷺ بشيء في الماضي أنه سيقع في الحاضر وفي المستقبل إن شاء الله إلا ووقع وسيقع بمثل ما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ .
وقد ينكر بعض الناس ما قاله النبي ﷺ بدعوى أنه علم أو نظرية علمية، وأريد أن أقول لإخواني وأخواتي بأن العالم الإنجليزي الشهير سيرجف يقول كلاماً معتبراً جداً، يقول: إن كل ما يقدمه العلم الحديث إلى يومنا هذا ما هو إلا مجرد احتمالات.
احتمالات صحيحة في نظريات علمية ظهرت وصارت حقائق لا ننكرها، لكن النظرية من الممكن أن تخرج نظرية أخرى لتهدمها، أو على الأقل لتنقض شيئا منها، أو على الأقل لتزيد ولتضيف إليها ولتخطئ بعضها، فهذا واقع نحياه، لكن العلم الذي هو اليقين المطلق هو كل علم ثابت عن الله وعن الصادق رسول الله ﷺ .
وسأضرب لذلك مثالاً: يقول النبي ﵊ -كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات، أولاهن -أو: إحداهن- بالتراب) -وفي لفظ-: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب) ، فالتراب ما سمعنا عنه من قبل أنه من المنظفات، فما هو الإناء الذي تغسله بالتراب يا أخي؟ هذا كلام يرده العقل تماماً، وربما ترى من أحبابنا وإخواننا من يستحلفنا بالله أن لا نذكر هذا حتى لا نتهم في عقولنا لأننا نعيش العصور الوسطى، فيخرج علينا عالم إنجليزي ما زال حياً يرزق يدعى: أليسن ما استطاع أن يطهر الإناء من كل أنواع هذه الجراثيم، فلما جربنا ما وصلنا عن محمد بن عبد الله ﷺ وغسلنا هذا الإناء مرة بالتراب ما وجدنا أثراً لجرثومة واحدة في هذا الإناء.
стр. 102
سلسلة إيمانية - نهاية العالم
من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله : قيام الساعة، وعلى هذا فكل قول بتحديد موعد قيام الساعة فهو ظن وتخريف، بل كذب لا يجوز تصديقه، إلا أن النبي ﷺ قد أخبرنا بعلاماتها الصغرى والكبرى، فهذه العلامات يجب الإيمان بها، وقد ظهرت كثير من علامات الساعة الصغرى، ولم تبق إلا الكبرى.
стр. 103
تحديد نهاية العالم ظن وتخمين باطل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: المقدم: أعزاءنا المشاهدين والمشاهدات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحداث العالم الآن جعلت أناساً كثيراً يتكلمون عن النهاية، وأن القيامة اقتربت، وظهرت كتب تحدثت عن سنة (٩٩) وأن القيامة ستقوم فيها، وأن أمريكا ستدمر، ولا أدري كيف؟! وهناك أحداث كثيرة وقعت جعلت الناس تتنبأ بأشياء كثيرة! ومعنا فضيلة الشيخ محمد حسان الداعية الإسلامي الكبير، فضيلة الشيخ! ما رأيك في الأحداث الموجودة الآن في العالم؟ حيث نجد أهل الكتاب سواء أهل التوراة أو أهل الإنجيل كلهم يسيرون على (سيناريو) واحد، وأعتقد أن الله كلما أرسل رسولاً كان ينبئ قومه بالأحداث وبالبداية والنهاية، وتجد أيضاً أن الأفلام الأمريكية تتكلم عن حرب (هرمجدون) وأغانيهم كذلك تتكلم عن (صن ريسس) يعني: أنهم ينادون سيدنا عيسى ﵇، وسنجد أن عندهم وجهة نظر معينة؛ لأنهم يعتقدون أن التوراة والإنجيل أشارت إلى أحداث معينة هم يعرفونها، لكننا لا ندري ما هي نظرتهم؟! وكيف يخططون؟! فيا ترى! هل يوجد في السنة وقول الرسول ﷺ إخبار بالأحداث المستقبلية؟ الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة الكرام! أيتها الأخوات الفاضلات! أسأل الله تعالى أن يجنبنا وإياكم الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
هذا الموضوع الذي نود أن نطرحه للنقاش موضوع شائك، وموضوع ساخن في الوقت ذاته، لاسيما ونحن نعيش هذه الأحداث المؤلمة، وهي أحداث عالمية ليست محلية، واسمح لي أن أستهل الجواب على أسئلتك التي طرحتها بهذا التأصيل العلمي المهم؛ لأني أرجو ألا ينسى المسلم وألا تنسى المسلمة هذا التأصيل.
أقول: لا يستطيع عاقل فضلاً عن عالم بالقرآن والسنة أن يقطع بوقت محدد معلوم لنهاية العالم أو لقيام الساعة، فالقول بأن القيامة ستقوم سنة (١٩٩٨) وسنة (٢٠٠٢) وسنة (٢٠١٠) كل هذا ظن وتخمين وقول باطل؛ لأن علم الساعة علم اختص الله ﵎ به نفسه، فلا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا حتى المصطفى ﷺ ، قال الله جل وعلا لحبيبنا ﵊: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٣] ، وقال : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٤٢-٤٦] .
стр. 104
إخبار النبي ﷺ بأمارات الساعة
علم الساعة، وأنها سوف تقوم في اليوم الفلاني، وفي الساعة الفلانية، وفي الدقيقة الفلانية، هذا علمه عند الرب العلي الأعلى ﵎، ومع ذلك فقد أطلع الله نبيه ﷺ على كل أمارات الساعة، وعلى كل علامات الساعة، وعلى كل ما يحدث في الكون من فتن وحروب وملاحم بين يدي الساعة، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] حتى لا يشعر أحد بأن هناك تعارضاً؛ لأنه قال: (إِلَّا بِمَا شَاءَ) وقال الله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] ، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ، وقال جل وعلا في حق نبينا ﷺ وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١-٥] ، ولن نذكر -بإذن الله تعالى- حديثاً إلا وقد صح عن النبي ﷺ ؛ لأن هذا من الغيب الذي لا ينبغي أن نتكلم فيه إلا بدليل من الملك الجليل، أو من البشير النذير الذي يبلغ أمر ربه ﵎، ففي الحديث الطويل الذي رواه مسلم من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن جبريل ﵇ نزل إلى النبي ﷺ وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، ثم سأله عن الساعة، قال جبريل: متى الساعة؟ أمين السماء يسأل أمين أهل الأرض: متى الساعة؟ فقال حبيبنا ﷺ : (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، فقال جبريل: فأخبرني عن أماراتها.
فقال ﷺ : أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ... ) إلى آخره، فذكر في هذا الحديث بعض العلامات، وذكر علامات كثيرة في أحاديث أخرى.
فالشاهد أيها الإخوة والأخوات! أن النبي ﷺ قد أخبرنا عن كل أمارات الساعة، وعن كل ما يحدث في الكون بين يدي الساعة، وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، يعني: إذا أراد أن يحفظ حديثاً لرسول الله ﷺ كتبه، ولا يقيد العلم إلا بالكتابة، قال: فنهتني قريش، فقالوا: إن رسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، قال: فأمسكت عن الكتابة -أي: امتنعت- حتى ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : (اكتب، فوالذي نفسي بيده! ما خرج مني إلا الحق) .
فهيا بنا ندخل على أحداث الواقع التي تعيشها الأمة، فالنبي ﷺ قد تكلم عن شيء من الأحداث التي تحدث الآن، والأحداث التي ستقع بعد ذلك، فهذا سيدنا حذيفة رضوان الله عليه يقول في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: (لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله) ، وأنت الآن تنظر إلى شاشة التلفزيون عبر الأقمار الاصطناعية فترى الحدث يقع في أمريكا في التو واللحظة، بل في أي موقع في العالم، وقد رأينا ذلك بأم أعيننا في زماننا هذا، وكان المشركون يستكثرون أن يري الله نبيه المسجد الأقصى أمام عينيه؛ ليصف للمشركين أبوابه ونوافذه، وها نحن قد رأينا الآن على هذه الشاشة الصغيرة ما يحدث هنالك في التو واللحظة، فنبينا ﷺ يكشف الله له الحجب، ويطلعه الله ﵎ على أحداث الكون، يقول حذيفة: (لقد خطبنا النبي ﷺ خطبة ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله) ، وتدبر أعجب خطبة خطبها رسول الله! إنها أطول خطبة في التاريخ كله! والحديث رواه الإمام مسلم من حديث أبي زيد عمرو بن أخطب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الفجر ثم صعد المنبر؛ فخطبنا حتى حضرت الظهر) تصوروا! النبي ﵊ يقف على المنبر من الفجر إلى الظهر يتكلم عن الأحداث التي كانت والتي ستكون! (فنزل فصلى بنا الظهر، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن وبما سيكون، فأعلمنا أحفظنا) أي: أعلمنا بكلام رسول الله ﷺ ، هو أحفظنا لما ذكره ﵊.
فهذا الواقع الذي تحياه الأمة من تداعي كل أمم الأرض عليها، وحال الهوان والذل التي تحياها الأمة، قد أخبرنا بها نبينا ﷺ ووصفها وصفاً دقيقاً عجيباً، فتدبر معي ما رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام أبو داود في سننه بسند صحيح من حديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها) فهلا تذكرت معي قليلاً طبقاً كنا نقدمه للطيور في بيوتنا في القرى، وتصور مشهد الطيور وهي تتسابق وتتقاتل؛ ليصل كل طائر إلى حبة أرز في هذا الطبق مثلاً، فقد صارت الأمة قصعة مستباحة لكل أمم الأرض، وتسابقت كل أمم الأرض؛ لتنهب من هذه الأمة الممزقة الذليلة المهينة، وتدبر كلامه ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: كلا، ولكنكم يومئذ كثير -الآن الأمة أكثر من مليار وربع- ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا، وكراهية الموت) لا توجد مهابة ولا توجد كرامة ولا توجد قيمة لهذه الأمة الآن، فالنبي ﷺ يجسد الواقع الذي نعيشه اليوم.
стр. 105
إخبار النبي ﷺ عن الرويبضة
وأسوق لك حديثاً آخر يجسد به النبي ﷺ الحال الآن تجسيداً دقيقاً، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: ما الرويبضة يا رسول الله؟! قال: الرجل التافه -وفي لفظ: الرجل السفيه- يتكلم في أمر العامة) فمن يحكم العالم الآن؟ إنه السفاح شارون، وبوش وبوتن، فرسولنا ﷺ يجسد حال وواقع الأمة من مهانة وذل وتبعية.
стр. 106
إخبار النبي ﷺ بالإرهاصات التي تكون بين يدي الساعة
وفي الوقت ذاته أخبر النبي ﷺ عن زوال هذه الغمة -أسأل الله أن يعجل بزوالها- فلا تيأس، ولا تقنط، فقد أخبر الصادق ﷺ عن زوال هذه الغمة وعن كشفها، وأبشر الإخوة والأخوات بأن ذلك -ورب الكعبة- سيكون قريباً إن شاء الله؛ لأن الذي يهيئ الكون كله الآن -ليقع فيه ما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى- هو مالك الملك ومدبر الكون ﵎.
فتدبر معي! النبي ﷺ أخبرنا بأن إرهاصات ما بين يدي النهاية ستبدأ بهدنة بين المسلمين وبين الروم، والروم كما يقول كل أهل التاريخ: هم سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وامتدادهم الآن هم الأوروبيون والأمريكيون، فأخبرنا الصادق أن إرهاصات ما بين يدي الساعة ستبدأ بهدنة بين المسلمين وبين الروم، وأظن أننا الآن نعيش هذه المرحلة، مرحلة الهدنة بين المسلمين وبين الروم من الأوروبيين والأمريكيين، فماذا قال النبي ﵊؟ روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي) أي: موت الحبيب ﷺ ، ولقد مات نبينا ﵊: (ثم فتح بيت المقدس) وقد فتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب ﵁ على يدي أبي عبيدة بن الجراح، وأسأل الله أن يأذن في فتحه من جديد: (ثم مُوتان -بضم الميم- يأخذ فيكم كقعاص أو كعقاص الغنم) يعني: الطاعون، وأنه ينتشر فيكم كما ينتشر الطاعون أو الوباء في الغنم، فيهلكها جماعات، وقد ظهر هذا الطاعون في بلاد الشام في طاعون عمواس، وقتل فيه عدد كثير جداً من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو عبيدة ومعاذ بن جبل وغيرهما: (ثم استفاضة المال بحيث يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً) وها أنت تعطي الرجل الآن مائة جنيه أو مائتين فيظل الرجل ساخطاً إما لعدم القناعة والرضا، وإما لأنها لا تكفي: (ثم فتنة لا تدع بيتاً من بيوت العرب إلا دخلته) يرى كثير من أهل العلم أنها متمثلة في وسائل الإعلام بصورها وأشكالها المختلفة بما فيها من خير وشر.
وانظر إلى العلامة الأخيرة وهي السادسة: (ثم تكون هدنة بينكم وبين الروم، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية) أي: تحت ثمانين راية، وسميت الغاية بالراية؛ لأنها غاية الجيش، فإن سقطت الراية ذهبت الغاية (فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) يعني: جيش مكون -تقريباً- من مليون إلا قليلاً.
وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد في مسنده والطبراني والبزار وابن ماجة وأبو داود وغيرهم أنه ﷺ قال: (ستصالحون الروم صلحاً آمنا) وتدبر معي هذا الحديث! (وستغزون أنتم وهم -أي الروم- عدواً من ورائهم) ولم يقل: من ورائكم أيها المسلمون! (فتسلمون، وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول) المرج الذي فيه التلول مكان أخضر تكثر فيه المياه والخضرة، وسأبين من كلام النبي ﷺ أين هذا المرج، (ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم رجل من الروم فيرفع الصليب ويقول: غلب الصليب، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فعندئذ يغدر الروم ويأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) ، سؤال: يا ترى! من هو هذا العدو الذي سيشارك المسلمون الروم في قتاله؟! هل هو الإرهاب على حد تعبير وسائل الإعلام كلها في الخارج والداخل؟! أو هل هو المعسكر الشرقي: روسيا أو الصين أو اليابان؟ الجواب: الله أعلم بمراد نبيه ﷺ .
стр. 107
معركة هرمجدون من عقائد أهل الكتاب
ثم إن أهل الكتاب يعتقدون اعتقاداً جازماً في هذا اليوم الذي تفضلت بالسؤال عنه، ويعتقدون قدوم هذه المعركة التي تسمى: بمعركة (هرمجدون) ، وكلمة (هرمجدون) كلمة عبرية، مكونة من مقطعين: (هر) و (مجدون) وكلمة (هر) تعني: جبل، و (مجدون) تعني: واد في فلسطين، وقد تكلمت كتب أهل الكتاب كما ذكرت، وتكلم علماؤهم عن هذه المعركة، وهذه اللفظة ليست من كلمات نبينا الصادق ﷺ ، وإنما هي لفظة موجودة عند أهل الكتاب، وهم يؤمنون بها، ويعتقدون هذه المعركة، بل وينتظرونها، ولو رجعت إلى الإصحاح السادس عشر من سفر (الرؤيا) لوجدت الإصحاح يقول: وجمعت جيوش العالم كلها في مكان يسمى (هرمجدون) ! ثم إنك تفضلت وسألت: كيف يفكر هؤلاء الناس؟ يقول الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجن: إن هذا الجيل بالتحديد هو الجيل الذي سيرى (هرمجدون) وليس بالضرورة أن يكون بالتوقيت السنوي المراد، وإنما هذا على حسب قوله.
ويقول: أورل ردتسن صاحب كتاب (دراما نهاية الزمن) وسيمضي كل شيء في بضع سنوات، فستقوم المعركة العالمية الكبرى: معركة (هرمجدون) .
وتقول الكاتبة الأمريكية المشهورة: جيلس هالسن: إننا نؤمن كمسيحيين -هذا على حد تعبيرها- بأن تاريخ الإنسانية سوف ينتهي بمعركة كبيرة تدعى (هرمجدون) وسوف تتوج هذه المعركة بعودة المسيح إلى الأرض مرة أخرى.
ويقول القس الأمريكي الشهير سويجرت الذي كان يناظر الشيخ أحمد ديدات: كنت أستطيع القول بأننا سنحصل على السلام؛ لأن (هرمجدون) مقبلة، وسيخاض غمارها في وادي (مجيدو) أي: في قلب فلسطين، فدعهم يوقعون ما شاءوا من اتفاقيات السلام، إنهم لن يحققوا شيئاً، وهناك أيام سوداء.
وهذا كلام قوي.
ولكن نبينا الصادق ﵊ أخبرنا أننا سنشترك مع الروم في حرب عدو مشترك، الله ﵎ أعلم بهذا العدو المشترك، هل هو الإرهاب؟! أو هل هو المعسكر الشرقي كما ذكرت؟ الله أعلم، لكنه ﷺ أخبرنا أن هناك مرحلة سيغدر فيها الروم، ويجمعون الجيوش الجرارة لاستئصال شأفة الأمة بالكلية، وللقضاء عليها.
стр. 108
خروج المهدي ﵇
أخبرنا الصادق الذي لا ينطق عن الهوى أن أمراً كونياً قدرياً سيحدث بدون تدخل من بشر، إنه أمر قدره الله وقضاه، وسيقع في الكون، كما سينزل عيسى بن مريم، وكما سيخرج الدجال، وكما سيظهر يأجوج ومأجوج، ألا وهو ظهور محمد بن عبد الله المهدي ﵇، ولقد بلغت الأحاديث في شأن المهدي مبلغ التواتر، ولو خرج علينا من ينكر هذه الأحاديث فقد خرج علينا من ينكر وجود الله أصلاً، وخرج علينا من رد أحاديث المهدي، وقد خرج علينا قبل ذلك من رد كثيراً من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله، لكن جمهور أهل السنة من علماء الأمة يقولون: إن الأحاديث في شأن محمد بن عبد الله المهدي قد بلغت مبلغ التواتر، والحديث المتواتر عند جماهير علماء السنة يفيد العلم القطعي، ومن ثم فالعلم به واجب، والعمل به لازم، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد في مسنده وغيره حديث علي ﵁ قال: قال ﷺ : (المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة) يعني: نستيقظ في صبيحة ليلة من الليالي؛ فيفتح أحدنا التلفاز، أو الإذاعة، أو يقرأ في الجرائد والمجلات، فيجد هذا الخبر قد تصدر كل وكالات الأنباء: خبر ظهور محمد بن عبد الله المهدي في بيت الله الحرام، يقول رسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره من حديث حذيفة بن اليمان: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ... ) هذا وعد الصادق ﷺ ، وإن الأمة الآن تعيش مرحلة ملك جبري.
وروى البزار والطبراني وأبو داود وابن حبان بسند صحيح من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لتملأن الأرض جوراً وظلماً، فإذا ملئت الأرض جوراً وظلماً يبعث الله رجلاً مني اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت الأرض جوراً وظلماً، فلا تحبس السماء شيئاً من قطرها، ولا الأرض شيئاً من نباتها، يمكث فيكم سبعاً أو ثمانياً فإن أكثر فتسعاً) .
стр. 109
علامة خروج المهدي ﵇
وإن النبي ﵊ أخبرنا بعلامة نبوية أكيدة إن وقعت علمنا أن هذا الذي خرج في مكة شرفها الله هو المهدي ﵇.
وأما كيف نعرفه؟ فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: (عبث رسول الله ﷺ يوماً في منامه، فقلت: يا رسول الله! رأيتك صنعت شيئاً لم تكن تفعله -أي: إن الحركة هذه على غير عادتك -فجلس النبي ﷺ وقال: العجب أن ناساً من أمتي يؤمون البيت الحرام -يعني: يقصدون البيت الحرام- لرجل من قريش عائذاً بالبيت، -يعني: ملتجئاً بالبيت- حتى إذا كانوا- يعني: الناس الذين خرجوا- ببيداء من الأرض -أي: في صحراء- خسف الله بهم) فهذه هي العلامة النبوية، وهي: الخسف، والسيدة عائشة الفقيهة البليغة تقول: (يا رسول الله! إن الطريق قد يجمع الناس، قال: نعم، فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكاً واحدا، ً ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم) فكل يبعث على نيته التي مات عليها، وفي رواية مسلم من حديث حفصة أم المؤمنين رضي الله عليها أنه ﷺ قال: (يعوذ قوم من أمتي بالبيت -يعني: يلجئون إلى البيت- ليست لهم منعة -مساكين- ولا عدد ولا عدة، فيبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) ، وفي رواية في صحيح مسلم: (فلا يبقى منهم إلا الشهيد -أي: إلا رجل أو رجلان- يدلان على ما حدث بالجيش، وما رآه كل منهما بعينه) .
فهذه العلامة إن حدثت علم كل مسلم على وجه الأرض ممن يصدقون الحبيب ﷺ أن الذي خرج هو محمد بن عبد الله المهدي ﵇، فحينئذ يخرج إلى المهدي كل مسلم قادر على الخروج إليه، ويبايعه كل من وصل إليه على القتال في سبيل الله؛ ليحصل النصر أو الشهادة، وحينئذ يعلن العالم كله الحرب على المهدي والموحدين معه، فيخوض المهدي ﵇ ومعه الموحدون حروباً وينصر الله المهدي؛ فلا تهزم له راية، ولا يهزم في معركة بإذن الله ﵎.
стр. 110
المعارك التي يخوضها المهدي
وأما ما هي هذه المعارك؟ فالنبي ﵊ يصف لنا هذه المعارك كأننا نراها الآن على شاشة التلفاز.
فيقول ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث نافع بن عتبة: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم الدجال فيفتحه الله) وأول جيش يطلع على المهدي يطلع من جزيرة العرب، فينصر الله المهدي عليه، فيخرج إليه الجيش الثاني من فارس، إذا علموا أن الذي خرج ليس هو المهدي الذي ينتظرونه، فينصر الله المهدي والموحدين معه على هذا الجيش؛ ليخوض المهدي المعركة الثالثة وهي أخطر معارك التاريخ على ظهر الأرض! ألا وهي معركة المهدي والموحدين في الأرض مع الروم، والنبي ﷺ يصف المعركة وصفاً عجيباً، ويبين أين ستقع؟ وهكذا اليوم الأول ماذا يكون فيه، واليوم الثاني والثالث؛ لأن أيام المعركة أربعة أيام.
روى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق) والأعماق ودابق: موضعان أو مكانان بين حلب في سوريا وأنطاكيا في تركيا، وانظر الآن إلى القواعد العسكرية في تركيا، وانظر إلى العلاقات المتوترة بين تركيا وسوريا، وانظر إلى العلاقة بين تركيا وبين دولة اليهود الصهاينة! وأيضاً فقد وضعت سوريا في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ووضعت المنظمات الجهادية الإسلامية في فلسطين ضمن قائمة المنظمات الإرهابية! انظر إلى كلام الصادق، واعلم أن الذي يهيئ الكون؛ ليقع فيه ما أخبر به النبي ﷺ هو الله جل وعلا، وهانحن نرى الأحداث تتلاحق بشكل عجيب في السنوات القليلة الماضية!
следующие страницы →