Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تارك الصلاة
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وقد وصفها الرسول ﷺ بأنها عمود الدين، ومن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
لذلك عرض الشيخ -حفظه الله- أدلة وجوبها، وكفر تاركها، مبيناً تعرضه للوعيد الشديد من الله على لسان نبيه ﷺ .
وختم حديثه بذكر عظيم فضلها وفضل المواظبين عليها.
стр. 2
جزاء تأخير الصلاة عن وقتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أحبتي في الله! تعالوا بنا لنواصل مسيرتنا المباركة في شرحنا لآيات من كتاب ربنا جل وعلا، ومع اللقاء الثلاثين مازلنا بفضل الله وحوله وصوله ومدده نطوف بحضراتكم في بستان سورة مريم، ولقد انتهينا بفضل الله جل وعلا في اللقاء الماضي من تفسير قول الحق ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم:٥٨].
أيها الأحبة! وبعد أن ذكر الله جل وعلا وتحدث عن هؤلاء الأصفياء من الأنبياء والأتقياء ممن تبعهم بإحسان، ذكر أنه ﵎ خلف من بعدهم خلف سيئ، هذا الخلف قال الله عنه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] مفارقة عجيبة بين هذين الفريقين، فريق إذا ما تليت عليه آيات الرحمن خر ساجداً باكياً لله جل وعلا، وفريق اتبع هواه وجرى وراء شيطانه، فاتبع الشهوات وأضاع الصلوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩].
يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [((فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ)) [مريم:٥٩] أي أخروا الصلاة عن وقتها] وروى الإمام أبو يعلى الموصلي، وابن المنذر، وابن حبان، وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، والحاكم والبيهقي وضعفا رفعه وصححا وقفه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: (سألت رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥] أتدرون ماذا قال الحبيب ﷺ ؟ قال: (يا سعد! هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها)، ولم يقل: هم الذين يضيعون الصلاة، وهم الذين يتركون الصلاة، بل قال: هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
يقول الله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] الله أكبر! هذا جزاء من ضيع مواقيت الصلاة، ولا أقول: من ترك الصلاة بالكلية، بل هذا جزاء من أخر الصلاة عن وقتها فسوف يلقى غياً، وغيٌ كما أخرج البخاري في تأريخه عن عائشة ﵂ أنها قالت: [غيٌ نهر في جهنم] والعياذ بالله.
وروى الإمام ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني في الأوسط، أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] قال عبد الله: الغي نهر أو وادٍ في جهنم من قيح بعيد القعر، خبيث الطعم، يقذف فيه كل من اتبع الشهوات]، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] لا إله إلا الله، هذا جزاء من أخر الصلاة عن وقتها.
стр. 3
حكم تارك الصلاة تكاسلاً
يا عباد الله، أيها المسلمون في كل مكان! أنا لا أخاطب الحاضرين الآن بين يدي في هذا المسجد، وإنما أخاطب المسلمين، وأرسل إليهم بهذه الرسالة، وأبعث إليهم بهذا الشريط في كل مكان من أرض الله: أيها المسلمون! أيها الرجل! أيتها المرأة! أيها المسلم! أيتها المسلمة! أيها الشاب! أيتها الفتاة! يا من ضيعت الصلاة، يا من تركت الصلاة، يا من أخرت الصلاة عن أوقاتها، أعيروني القلوب والأسماع في هذا اللقاء -يا عباد الله- لنستمع اليوم إلى هذا الحكم الذي يخلع القلوب، ويزلزل الأفئدة، وتضطرب إليه الجوارح، ولكن هيهات هيهات، فقد ماتت القلوب إلا من رحم علام الغيوب جل وعلا.
أعيروني القلوب والأسماع لنستمع اليوم إلى حكم تارك الصلاة، فإنه حكم يخلع القلوب ويزلزل الأفئدة، فانتبهوا معي جيداً.
يقول الإمام الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: لا خلاف بين المسلمين على أن من ترك الصلاة ترك جحود وإنكار فقد كفر كفراً يخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وقال ﵀ بعد ذلك: من كان تركه للصلاة تكاسلاً مع اعتقاده بوجوبها، وهذا حال كثير من الناس -والقول للإمام الشوكاني - وهذا هو حال كثير من الناس، فقد اختلف العلماء فيه على قولين: أما القول الأول: وهو قول مالك، والشافعي، أنهم قالوا: بأن من ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاده بوجوبها لا يكفر بل يفسق، فإن تاب إلى الله جل وعلا وإلا قتل بعد ثلاثة أيام حداً بالسيف، تقطع رأسه وتضرب عنقه بالسيف بعد ثلاثة أيام، هذا الرأي الأول.
وأما القول الثاني: والحق مع أصحاب القول الثاني بالدليل الصحيح من الكتاب وسنة رسول الله ﷺ وقول جمهور أهل العلم أنهم قالوا: من ترك الصلاة تكاسلاً وانشغالاً عنها من غير عذر شرعي، فهو كافر كافر كافر، وقد أوجب الإسلام قتله، فهو كافر، وقد دلت الأحاديث الصحيحة على كفره وعلى وجوب قتله.
استمعوا معي -أيها الأحباب- لأسرد إلى حضراتكم الأدلة على ذلك، وأولاً أود أن أذكر الجميع بأني لن أتدخل بكلمة واحدة من تلقاء نفسي، وإنما سأذكر لكم الأدلة الصحيحة الصريحة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله ﷺ ؛ ليعلم كل مسلم، ولتعلم كل مسلمة أن من رد هذا الكلام فهو رادٌ لكلام الله، وراد لكلام محمد بن عبد الله ﷺ .
стр. 4
الأدلة على وجوب قتل تارك الصلاة
سأكتفي بدليلين صحيحين اثنين: الدليل الأول: حديث رواه الإمام البخاري والإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله).
وجه الاستدلال من هذا الحديث كما يقول أستاذنا ابن القيم ﵀: وجه الاستدلال من هذا الحديث المبارك أنه ﷺ أُمر بقتال الناس حتى ينطقوا بالشهادتين، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وأن دماءهم وأموالهم محرمةٌ بعد نطقهم بالشهادتين وإيتاءهم للزكاة وفعلهم للصلاة.
الدليل الثاني: الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: (بعث علي بن أبي طالب ﵁ بذهيبة -أي بقطعة صغيرة من الذهب- وهو في اليمن إلى رسول الله ﷺ فقسمها الرسول ﷺ بين أربعة، فقال رجل من هؤلاء: اتق الله يا رسول الله -وفي رواية: إن هذه قسمة لم يرد بها وجه الله جل وعلا- فقال الرسول ﷺ : ويلك! أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ فقال خالد ﵁: ألا أضرب عنقه يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ : لا لعله أن يكون يصلي).
قالٍ الإمام ابن القيم ﵀ ووجه الاستدلال من هذا الحديث على وجوب قتل تارك الصلاة أن المانع الذي منع رسول الله ﷺ من قتله هو كونه يصلي.
فهذان دليلان صحيحان على وجوب قتل تارك الصلاة، فتعالوا بنا إذاً لنستشهد بالأدلة الصحيحة على كفر تارك الصلاة، وقد تكلمنا عن الأدلة التي تذكر وجوب قتله، وأنا لا أتوقف عند جميع الأدلة وإلا لطال الوقت جداً، ولكنها ومضات سريعة صحيحة بإذن الله جل وعلا لتبين المراد، ونسأل الله أن يجعل في هذا الكلام النفع والبركة لكل مسلم ومسلمة على ظهر هذه الأرض، إنه ولي ذلك ومولاه.
стр. 5
الأدلة على كفر تارك الصلاة
أما الأدلة -أيها الأحبة- على كفر تارك الصلاة من الكتاب والسنة، أقدمها بقول الإمام ابن حزم ﵀: قال الإمام ابن حزم: جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبي بكر وعن غيرهم من الصحابة ﵃ جميعاً أنهم قالوا: [من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد] يقول ابن حزم: ولا نعلم لهؤلاء الصحابة مخالفاً.
من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها، فهو كافر مرتد عن دين الله، هذه صلاة واحدة فما ظنكم بمن ترك الصلاة جملة، ما ظنكم بمن ضيع الصلاة وما صلى لله ركعة.
يقولون: من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، فما ظنكم بمن ضيع الصلاة، وما ظنكم بمن جلس أمام المسلسلات الفاجرة والأفلام الداعرة مضيعاً لفرض الله جل وعلا، وما ظنكم بمن انشغل عن الصلاة بما لا يعد في الدين عذراً شرعياً.
стр. 6
الأدلة من القرآن على كفر تارك الصلاة
من ترك صلاةً واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، والأدلة على ذلك من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﷺ كثيرة؛ فإن كثيراً من الناس لا يأخذون إلا بأدلة الكتاب والسنة، فنقول لهم: أما الأدلة على كفر تارك الصلاة من القرآن الكريم فهي: الدليل الأول من القرآن قول الله ﵎ في سورة القلم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦]، ويقول جل وعلا بعدها في هذه السورة أيضاً: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣] يقول : ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢ - ٤٣].
وجه الدلالة من هذه الآيات والكلام للإمام ابن القيم ﵀ يقول: وجه الدلالة من الآيات: أن الله ﵎ لم يجعل المسلمين كالمجرمين، وهذا لا يليق بحكمه ولا بحكمته ولا بعدله، بل جعل الله المسلمين ضد المجرمين والمجرمين ضد المسلمين، وقال الله ﵎ وهو يحدثنا عن أحوال المجرمين في يوم القيامة، أنه يوم يكشف عن ساق يخر المسلمون الصادقون سجداً لله جل وعلا دليلاً على إيمانهم، وبرهاناً ساطعاً على صدق إسلامهم لربهم جل وعلا، ويأتي الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا بين هذه الصفوف كما كان حالهم من النفاق في الدنيا، يريدون أن يسجدوا مع المسلمين كما سجد المسلمون لربهم جل وعلا، فيأبى الله جل وعلا أن يسجدوا وتبقى ظهورهم رغم أنوفهم قائمة كظهور البقر، لا يستطيعون السجود لله جل وعلا.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: فلا يسجد إلا المسلم، ولا يستطيع السجود غير المسلم، ولو كان هؤلاء من المسلمين لأُذن لهم بالسجود كما أُذن للمسلمين، ومنهم بنص الآية من ترك الصلاة في الدنيا كما قال سبحانه: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣].
الدليل الثاني من القرآن الكريم في سورة المدثر: يقول الله ﵎: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤٠] يتساءلون عن من؟ ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤١ - ٤٢] هذا كلام الله -يا عباد الله- ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٧] هذا قول الله جل وعلا، ووجه الدلالة من هذه الآية، والكلام للإمام ابن القيم ﵀: وجه الدلالة من هذه الآيات أن الله تعالى جعل المسلمين ضد المجرمين، وجعل من المجرمين السالكين في سقر بنص الآية من ترك الصلاة في الدنيا ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٣٩ - ٤٣].
الدليل الثالث من القرآن الكريم من سورة براءة -التوبة-: قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] يقول الإمام ابن القيم ﵀: ربط الله أخوتهم في الدين بإقامتهم للصلاة، فإن لم يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فلا أخوة لهم في دين الله، ولا يكونوا بذلك مع المؤمنين؛ لقول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وأكتفي بهذه الأدلة من القرآن الكريم، وفي هذا الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 7
الأدلة من السنة على كفر تارك الصلاة
أما الأدلة الصحيحة من حديث رسول الله ﷺ على كفر تارك الصلاة فهي كثيرة ووفيرة، فأعيروني القلوب والأسماع يا عباد الله.
أقول بداية: لا ينبغي لمسلم ولا لمسلمة إن سمع قول الله وقول رسوله ﷺ أن يرد قولهما بقول عالم أو رجل أو شيخ، لا والله، لا يجوز ذلك في دين الله أبداً ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] هذا قول الله وهذا قول رسول الله ﷺ .
الدليل الأول على كفر تارك الصلاة من حديث رسول الله ﷺ ما رواه الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه ﷺ قال: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) هل تريدون حديثاً أوضح من هذا الحديث يا من ضيعتم الصلاة؟ وهل تريدون كلاماً أوضح من هذا الكلام؟ الحديث رواه مسلم وبإذن الله لا أذكر حديثاً ضعيفاً أبداً، رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة).
الدليل الثاني: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام أبو داود، والإمام النسائي، والإمام الترمذي وقال: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، من حديث يزيد بن حبيب الأسلمي، أن النبي ﷺ قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
الدليل الثالث: ما رواه هبة الله الطبري، وقال الطبري: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك).
الدليل الرابع: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الطبراني بإسناد جيد وقال: حديث صحيح على شرط الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ذكر الصلاة يوماً فقال (من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف) هذا كلام النبي ﷺ .
وذكر الإمام ابن القيم لطيفة بديعة من لطائف العلم في هذا الحديث فقال: يحشر تارك الصلاة مع هؤلاء؛ لأن تارك الصلاة يشغل عن الصلاة بشيء من هذه الأربعة، إما أن يشغله عن الصلاة ماله، أو ملكه، أو وزارته، أو تجارته، يقول: فمن شغله ماله عن الصلاة فضيعها حشر يوم القيامة مع قارون، ومن شغلته وزارته عن الصلاة فضيعها -وكثير ما هم- حشر مع وزير السوء هامان، ومن شغله ملكه عن الصلاة فضيعها -وكثير ما هم- حشر مع فرعون، ومن شغلته تجارته عن الصلاة فضيعها -وكثير ما هم- حشر مع أبي بن خلف، وهؤلاء العمالقة في الكفر والشرك في الدرك الأسفل من النار كما تعلمون جميعاً.
(من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع فرعون وقارون وهامان وأبي بن خلف) في الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله.
الدليل الخامس: ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث معاذ بن جبل ﵁ أنه ﷺ قال: (من ترك صلاةً مكتوبةً فقد برئت منه ذمة الله).
الدليل السادس: أن ترك الصلاة -يا عباد الله- يحبط جميع الأعمال، حتى الحج -يا حجاج اسمعوا- فتارك الصلاة لا يقبل الله منه حجاً، ولا صوماً، ولا زكاة، ولا صدقة، ولا خيراً، ما الدليل؟ ما رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام الطبراني بإسناد جيد وقال حديث صحيح الإسناد على شرط الإمام مسلم أن النبي ﷺ قال: (أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح-وياله من فلاح- وإن فسدت خاب وخسر).
يقول ابن القيم ﵀: ولو قبل الله تعالى لتارك الصلاة عملاً من أعمال البر والخير ما حكم عليه الرسول بأنه من الخائبين الخاسرين والعياذ بالله، هي عمود الدين بعد توحيد الله جل وعلا، وأول ما تسأل عنه، فإذا صلحت الصلاة صلح سائر الأعمال، وإن فسدت الصلاة والعياذ بالله لا تسأل عن عمل بعدها، وفسد سائر العمل والعياذ بالله.
أكتفي بذلك -أيها الأحباب- من الأدلة الصحيحة الصريحة على كفر تارك الصلاة من حديث رسول الله ﷺ .
стр. 8
حكم صلاة الجماعة
وفي عجالة سريعة أذكر بحكم صلاة الجماعة، ونذكر هواة الصلاة في البيوت والمنازل بحكم صلاة الجماعة، ونقول لهم: يا من تصلون في البيوت والحجرات وتركتم هدي خير البريات، وتركتم الجمع والجماعات: اعلموا بأنكم على خطرٍ عظيم حتى وأنتم تصلون؛ لأن من العلماء من قال بوجوب صلاة الجماعة والحق والدليل معهم، فمنهم من قال بوجوبها، ومنهم من قال بأنها سنة مؤكدة، والحق والدليل مع من قال بوجوب صلاة الجماعة؛ وإليكم بعض الأدلة يا عباد الله.
الدليل الأول من القرآن الكريم على وجوب صلاة الجماعة في بيوت الله جل وعلا: يقول الحق ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] فلو كان المقصود إقامة الصلاة فقط ما قال الله في آخر الآية: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وهو الذي قال في أولها: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فلو كان الأمر يقتصر على الإقامة لقال الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ومعلوم أنه لا توجد كلمة في القرآن الكريم كله بدون هدف وبدون معنى وبدون حكم.
ولو كان المقصود إقامة الصلاة فقط لقال الله كما قال في آيات كثيرة من القرآن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ولكنه قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣].
يقول الشيخ ابن باز: وهذه الآية نص في وجوب صلاة الجماعة.
الدليل الثاني: هو قول الله ﵎ وحكمه على المسلمين، حتى وهم في ساحة القتال وميدان الوغى، يوم أن تصمت الألسنة وتخطب السيوف على منابر الرقاب في مواجهة أعداء الله جل وعلا، لم يسمح الله بترك صلاة الجماعة، أسمعتم دليلاً أعظم من هذا الدليل، حتى في ميدان القتال والخوف من أعداء الله أن ينقضوا على المسلمين، لم يسمح الله جل وعلا أن يصلي المسلمون الصلاة فرادى في ميدان القتال، بل أمر النبي ﷺ أن يصلي بهم في الميدان جماعة، سبحان الله! فقال له ربه جل وعلا: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] وقال بعدها جل وعلا: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] دليل عجيب وصريح في وجوب صلاة الجماعة، حتى في وقت الخوف والقتال، ولو كان الأمر يسيراً -كما قال الإمام ابن القيم ﵀ لأُذن لهؤلاء في ميدان القتال أن يصلوا فرادى، وأن يصلي كل واحد منهم في موقعه، ولكن الله جل وعلا أمر رسوله ﷺ أن يصلي بهم جماعة.
الدليل الثالث: حديثٌ رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (أتى النبي ﷺ رجل أعمى، وقال: يا رسول الله! ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، وسأل الرسول ﷺ أن يرخص له، أي أن يصلي في البيت فقال له الرسول ﷺ : هل تسمع النداء، قال: نعم.
قال ﷺ : فأجب) أجب النداء، أجب منادي الله في بيت الله جل وعلا.
الدليل الرابع: الحديث الذي رواه الإمام البخاري والإمام مسلم أن النبي ﷺ قال -وهذا من حديث أبي هريرة أيضاً-: (إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الخير لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً أن يصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معي، معهم حزم من حطب فآتي على قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار).
أسمعتم يا عباد الله! (أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) هذا حكم صلاة الجماعة.
فيا من تهوون الصلاة في البيوت وتتركون هدي رسول الله ﷺ اعلموا أنكم على خطر عظيم، ولو متم على ذلك لمتم على غير سنة النبي ﷺ كما قال عبد الله بن مسعود في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: (إنها من سنن الهدى، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم) ثم يقول في آخر الحديث: (ولقد رأيتنا ولا يتخلف عن هذه الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين -أي يستند على الرجلين- حتى يقام في الصف) هذه صلاة الجماعة وهذا حكم صلاة الجماعة.
فيا من ضيعتم الصلاة! اتقوا الله جل وعلا، ويا من ضيعتم الصلاة في جماعة! اتقوا الله جل وعلا، فلو متم على ذلك لمتم على غير سنة رسول الله، وعلى غير هدي ابن عبد الله ﷺ .
بقي لنا -أيها الأحباب- أن نذكر في عجالة سريعة بعد جلسة الاستراحة إن شاء الله جل وعلا، فضل الصلاة بصفة عامة، وأسأل الله أن يتقبل منا وإياكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 9
فضل الصلاة وعظيم أجرها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! هذه هي الصلاة وهذه هي عظمة الصلاة، وهذا هو خطرها، وهذا هو حكمها، وهذا هو فضلها، ولقد تكلمنا عن الأدلة التي تقول بوجوب قتل تارك الصلاة، وعن الأدلة التي تقول بكفر تارك الصلاة، وبينا حكم صلاة الجماعة وبقي لنا في عجالة سريعة أن نذكر المسلمين والمسلمات في كل مكان في أرض الله جل وعلا بفضل هذه الصلاة.
اعلموا -يا عباد الله- رحمني الله وإياكم بأن الصلاة هي عماد الدين، فمن تركها فقد ضيع الدين، وهو لما سواها أضيع، كما كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: [إن من ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع، وهي عماد الدين وأس الإسلام] أي أساسه الأول بعد توحيد الله جل وعلا، فقد بني الإسلام على خمس، وأول ركن من أركانه هو التوحيد والركن الثاني هو الصلاة -يا عباد الله- وفضلها عظيم وخطرها جسيم.
وسأكتفي بهذه الأحاديث الثلاثة التي وردت في فضل الصلاة، وكلها صحيحة إن شاء الله، أما الحديث الأول رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل منه كل يوم خمس مرات) أي: لو أن نهراً بباب أحدكم وينزل كل يوم خمس مرات إلى هذا النهر ليغتسل فيه خمس مرات (أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيءٌ؟) أي: هل يبقى بعد ذلك على جسده من الأوساخ والقاذورات شيء (قالوا: لا يبقى من درنه شيء يا رسول الله، فقال ﷺ : فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا) يا لها من كرامة، ويا له من فضل عظيم (فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا).
وفي الحديث الذي رواه الإمام الطبراني بإسناد جيد، ورواته محتج بهم في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه ﷺ قال: (تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها) الله أكبر (تحترقون، تحترقون) أي بالذنوب والمعاصي والشهوات والأهواء (تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا) يا له من فضل! وهذا من فضل الصلاة أيها الأحباب.
وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري والإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (فضل صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ -أي: الفرد- بسبع وعشرين درجة).
فيا عباد الله! أيها المسلم وأيتها المسلمة! الله الله في الصلاة الله الله في الصلاة! فيا تارك الصلاة لقد سمعت وعلمت قول العلماء بكفرك، فتارك الصلاة والله الذي لا إله غيره ملعون، والله لكأني بتارك الصلاة ينادي عليه ثوبه الذي يرتديه على جسده، ولو أنطقه الله لقال له بلسان الحال: يا تارك الصلاة لولا أني مسخر لك لفررت من على جسدك.
والله لكأني بلقمة العيش يرفعها تارك الصلاة إلى فمه، تنادي عليه بلسان الحال وتقول له: يا تارك الصلاة يا عدو الله تأكل رزق الله وأنت مضيع لفروض الله جل وعلا.
والله لكأني بالبيت الذي يؤويه وبالمنزل الذي يعيش فيه، ينادي عليه بلسان الحال إذا ما خرج كل يوم وكل صباح، يقول له: اخرج يا عدو الله، لا صحبك الله في سفرك ولا خلفك الله في أثرك، ولا ردك الله إلى أهلك، ولا إلى أولادك سالماً غانماً.
يا تارك الصلاة، ويا مضيع الصلاة، اعلم بأنك على خطر عظيم، ولو مت على ذلك لمت على الكفر والعياذ بالله، فالله الله يا عباد الله، الله الله في الصلاة، فلقد كانت آخر وصيةٍ لنبيكم ﷺ وهو على فراش الموت، وقد جعل يردد هذه القولة، وهذه الوصية الغالية؛ جعل يقول (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم).
هذه رسالة وهذا شريط أرسل به وأبعث به إلى كل مسلم ومسلمة على ظهر هذه الأرض في أي بلد من بلاد الله جل وعلا، وأذكر نفسي وإياكم بعظمة الصلاة وبخطورة الصلاة، وأسأل الله جل وعلا أن يبارك في هذا الشريط، وأن يجعله نافعاً لكل مسلم ومسلمة، إنه ولي ذلك ومولاه.
وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وباسمه الأعظم الذي إن سئل به أعطى، وإن دعي به أجاب: أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم خذ بنواصينا إليك، اللهم لا تجعل لنا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته.
اللهم خفف الصلاة على قلوبنا يا رب العالمين، اللهم اجعلها قرة أعين لنا يا رب العالمين، اللهم اجعلها قرة أعين لنا يا رب العالمين، اللهم رب أولادنا في ظلال الصلوات، اللهم رب أولادنا في ظلال المساجد، اللهم رب أولادنا في ظلال القرآن، اللهم اجعلنا من المحافظين على الصلوات، اللهم اجعلنا من المحافظين على الصلوات، اللهم لا تجعلنا ممن هم عن صلاتهم ساهون، اللهم اقبلنا وتقبل منا إنك أنت السميع العليم.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم تقبل منا صالح الأعمال، ووفقنا اللهم إلى ما تحبه وترضاه، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أحبتي في الله! هذا وما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، اللهم قد بلغت اللهم فاشهد، اللهم قد بلغت اللهم فاشهد، اللهم قد بلغت اللهم فاشهد!!!
стр. 10
الطريق إلى الله
الطريق إلى الله طريق واحد، وهو طريق النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، وما سواه من الطرق إنما هي طرق ضلال وغواية عن الصراط المستقيم، والناس في هذا الأمر قسمان: أولهم من ضل عن الطريق وعادى شرع الله وأهله، والآخر من اهتدى إلى الطريق وثبت عليه.
стр. 11
الطريق إلى الله هو طريق الرسول والصحابة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]، عالم الغيب والشهادة الذي استوى في علمه ما أسر العبد وما أظهر، الذي يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، حمداً لك يا من اعترف بفضلك وكرمك كل حاضرٍ وباد، حمداً لك يا من اغترف من بحر جودك وكرمك كل رائح وغاد، حمداً لك يا من نطقت بوحدانيتك الكائنات.
فالسماء دائماً وأبداً تقول: سبحان من رفعني بقدرته، وأمسكني بقوته، فهو ركني وعمادي! والأرض تقول: سبحان من وسع كل شيء علماً ومهد مهادي! والبحار تقول: سبحان من بمشيئته أجراني، وأسال عيون مائي لخطَّابي وورَّادي! والعارف به يقول: سبحان من دلني عليه، وجعل إليه مرجعي ومعادي! والمذنب يقول: سبحان من اطلع علي في المعصية ورآني، فلما رآني سترني وغطاني، ولما تبت إليه تاب علي وهداني.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، والصمد الذي لا منازع له، والغني الذي لا حاجة له، جبار السماوات والأرض، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الأنعام:١٠٣].
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، استوى كما أخبر، وعلى الوجه الذي أراد، وبالمعنى الذي قال، استواءً منزهاً عن الحلول والانتقاص، فلا العرش يحمله، ولا الكرسي يسنده، بل العرش وحملته، والكرسي وعظمته، الكل محمول بلطف قدرته، مقهور بجلال قبضته، فالاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه ﵎ كان ولا مكان، وهو على ما كان قبل خلق المكان، لم يتغير عما كان، لا يحويه زمان، ولا يحده مكان، علم ما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
لا إله غيره، ولا رب سواه، من توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجاه، ومن فوض إليه الأمر هداه، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦].
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا ومعلمنا وقدوتنا محمداً رسول الله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليك يا رسول الله صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء، ويا سيد المرسلين، وأشهد لك يا سيدي -ويشهد معي الموحدون- أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشف الله بك الغمة، وعبدت الله حتى لبيت داعيه، وجاهدت في سبيل ربك حتى أجبت مناديه، وعشت طوال أيامك تمشي على شوك الأسى، وتخطو على جمر الكيد والعنت، تلتمس الطريق لهداية الضالين، وإرشاد الحائرين، حتى علمت الجاهل يا سيدي، وقومت المعوج، وأمَّنت الخائف، وطمأنت القلق، ونثرت أضواء الحق والخير والإيمان والتوحيد كما تنثر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليك يا سيدي يا رسول الله، وجزاك الله عنا وعن الإسلام خير ما جازى الله به نبياً عن أمته ورسولاً عن قومه.
يا مصطفى ولأنت ساكن مهجتي روحي فداك وكل ما ملكت يدي
إني وقفت لنصر دينك همتي وسعادتي ألا بغيرك اقتدي
لك معجزات باهرات جمة وأجلها القرآن خير مؤيدي
ما حرفت أو غيرت كلماته شلت يد الجاني وشاه المعتدي
وأنا المحب ومهجتي لا تنثني عن وجدها وغرامها بمحمد
قد لامني فيه الكفور ولو درى نعم الإيمان به لكان مساعدي
يا رب صلِّ على الحبيب محمد واجعله شافعنا بفضلك في غدِ
اللهم صل وسلم عليك يا سيدي يا رسول الله، صلاةً وسلاماً يليقان بمقامك يا أمير الأنبياء! ويا سيد المرسلين! أما بعد: فيا أيها الأحباب! أحباب الحبيب المصطفى محمد ﷺ ! تعالوا بنا لنطوف سوياً في روضة القرآن الكريم، لنتعرف اليوم على الطريق الصحيح، فإن موضوعي اليوم مع حضراتكم بعنوان: الطريق إلى الله ، أين الطريق إلى الله ؟ خاصة وأن كثيراً من الناس اليوم قد التبست عليه الأمور واختلطت، وتشعبت به الأهواء، وكثرت من حوله الفتن، وكثرت بين يديه وأمام عينيه الفرق والجماعات، وهو في حيرة، أين هو؟ بل وأين الطريق؟ إن الطرق أمامه قد تشعبت، وإن الفرق أمامه قد اختلفت وتكاثرت وتباينت، الكل ينتصر لرأيه، والكل ينادي لمنهجه وفكره، حتى وصل الأمر إلى حد التصادم والنزاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فتعالوا بنا لنضع النقط اليوم على الحروف، لنتعرف على الطريق، أين الطريق الذي يوصلنا إلى الله جل وعلا في وسط هذا الركام الهائل من الأفكار والفلسفات والمبادئ؟ يقول صاحب ظلال القرآن -حتى تتعرفوا على الحقيقة- يقول الشيخ سيد قطب ﵀: إن الدنيا كلها بمبادئها وأفكارها وفلسفاتها ومناهجها إن لم تكن مرتبطة بمنشئها الأول، وقدوسها الأجل الأعظم وهو الله جل وعلا، فإنما هي في ضلال وضلال، إن الطريق هاهنا واضح وبين، وإن الطريق هاهنا بين.
الطريق إلى الله -أيها الأحباب- هو طريق واحد لا اعوجاج فيه ولا انحراف، لا اختلاف فيه ولا تباين.
الطريق حدده النبي ﷺ ، وحدد مراسمه من بلغ عن ربه جل وعلا، فقال فيما ذكره الله في القرآن الكريم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]، انتبهوا معي -أيها الأحباب- إلى دقة التعبير القرآني في هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] لو انتبهتم معي للدقة القرآنية لوجدتم أن الله في هذه الآية قد وحد الطريق وأفرده: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ مفرد وطريق واحد، وجمع الله السبل والطرق؛ لأن الطرق المتعددة إنما هي طرق الشيطان والأهواء والضلال، وحد الله الطريق إليه وجمع السبل؛ لأن الطريق إلى الله واحد وواضح: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام:١٥٣] بالإفراد، ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] بالجمع؛ لأن الطرق متعددة ومتنوعة كلها بدع وأهواء وضلالات، لا صدق ولا إخلاص ولا ابتغاء لمرضاة الله فيها، إن الطريق الذي يسلكه ويبتغي فيه القرب من الله إنما هو طريق واحد، إنما هو طريق النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
ولقد ورد في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام أحمد في مسنده، والإمام النسائي في سننه، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ خط خطاً بيده -رسم على الأرض خطاً مستقيماً- ثم قال: هذا صراط الله مستقيماً، وخط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: وهذه سبل جلس على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها) على كل هذه الطرق المتفرقة والمتنوعة شيطان، يدعو الشيطان إلى حزبه وفكره ومنهجه ومبادئه، وصراط الله مستقيم واضح بين.
وهذا مأخوذ من قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]، لو نظرتم في هذه الآية أيضاً لوجدتم أن الله قد جمع الظلمات وأفرد النور، ((اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ))، جمع ظلام وجمع ظلمة، ظلمات البدع، والأهواء، والدنيا، والشياطين، والطواغيت في هذه الأرض؛ لأن الطاغوت له في كل عصر لغة، وله في كل عصر لسان، وله في كل عصر منهج، بل ألف ألف لسان، يتنوع ويتشكل بتشكل العصور والأزمان، والأماكن والأوقات.
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] الله جمع الظلمات ووحد النور؛ لأن مصدر النور واحد هو الله نور السماوات والأرض، أو كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: [ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه]، أو كما قال الله جل وعلا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
إذاً: الظلمات متعددة، والطرق متنوعة، ولكن طريق النور هو طريق الحق وهو طريق واحد، هو طريق النبي ﷺ ، وهو طريق أصحاب النبي ﷺ ، من سلك هذا الطريق فقد سلك الطريق الحق إلى الله الحق، ومن شذ عن هذا الطر
стр. 12
تحذير الله ورسوله للمؤمنين من الفرقة والخلاف
يا أيها الأحباب! إن الطريق إلى الله واحد وواضح ونير، لا لبس، ولا غبش ولا غموض، ولا اعوجاج، ولا انحراف فيه، ولا التفات عنه، ولذلك فإن النبي ﷺ حذر من الفرقة والاختلاف والتباين، وقال في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام أحمد والإمام القرطبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، أن النبي ﷺ قال: (افترق أهل الكتاب على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا فرقة واحدة، ما أنا عليه وأصحابي) إذاً الطريق لا لبس فيه، إن الطريق واضح، فلم هذه الاختلافات والفرقة، ولم هذه الأحقاد، ولم هذا التنازع والتباين؟ أيها الأحباب! يا من صدقتم في حبكم لله! ويا من أخلصتم في دعوتكم لله جل وعلا! ويا من صدقتم في حبكم لرسول الله ﷺ ! لا تتفرقوا ولا تختلفوا ولا تتباينوا، اجتمعوا على قلب رجل واحد، فإن أعداء الإسلام يخططون لنا وللإسلام ليل نهار، ولكننا نحن المسلمين نحن الموحدين نحن المؤمنين نحن الدعاة إلى هذا الدين اختلفنا فيما بيننا، اختلفنا على أمور فرعية لا تسمن ولا تغني من جوع وتركنا الأصول، وكلنا جميعاً موحدون ومؤمنون ومسلمون، لا إله لنا إلا الله، ولا كتاب لنا إلا كتاب الله، ولا زعيم لنا إلا ابن عبد الله ﷺ ، فلم هذه الأحقاد والاختلافات والنزاعات؟ سبحان الله! لا فرق بين أخ سلفي وبين أخيه من جماعة التبليغ، ولا فرق بين هذا وبين أخيه من جماعة الإخوان، ولا فرق بين هذا وبين أخيه من جماعة أنصار السنة، كلنا جميعاً نقول: لا إله إلا الله، كلنا جميعاً نقول: محمد رسول الله ﷺ ، لا منهج لنا إلا القرآن، ولا شرع لنا إلا شرع النبي ﵊، فلم هذه الفرقة أيها الأحباب، وأعداء الإسلام والله لا ينامون ليل نهار؟ ما من لحظة إلا وهم يخططون لهذا الدين، إلا وهم يدبرون لهذا الدين، إلا وهم يخططون لتشويه صورة هذا الإسلام، وأعداء الإسلام كثيرون، وكلكم يعرف من هم أعداء الإسلام، لا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال وصوت الله أكبر يرتفع ليل نهار في كل المساجد، فلا تختلفوا -أيها الأحباب- فإن الطريق إلى الله واضح وبيّن وكله نور!
стр. 13
أقسام الناس في الطريق إلى الله تعالى
إن الناس على الطريق إلى الله قسمان: وهذا التقسيم ليس لي، وإنما هو تقسيم لأستاذنا ومعلمنا الإمام ابن القيم ﵀ جل وعلا وأسكنه فسيح جناته، وطيب الله ثراه، وقدس الله روحه بقدر ما قدم للإسلام ولدين الإسلام وللمسلمين، ماذا يقول الإمام ابن القيم؟ انتبهوا حتى تعرفوا أين أنتم، هل أنت على الطريق أم أنت بعيد عنه، وبالرغم من ذلك فلقد زين الشيطان إليك عملك، وخدعك إبليس عليه لعائن الله، وقال لك: تمسك فإنك على الطريق، ولكن لو دققت في حقيقة أمرك، ولو فتشت في حقيقة سعيك لوجدت سعيك ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤]، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتحرى الدقة أيها الأخ الكريم، وانتبه معي جيداً لتتعرف أين أنت، هل أنت على طريق الله أم أنت بعيد عن الطريق؟
стр. 14
القسم الأول: قسم قد ضل عن طريق الله وأعلن العداء لشرعه
يقول الإمام ابن القيم: الناس قسمان: قسمُ قد ضل الطريق عن الله جل وعلا، بعد وانصرف عن الطريق الحق، ضل الطريق إلى الله ، قسم أعلن العداء لله، وأعلن الحرب على شرع الله رجالاً ونساءً، رجال يقولون: إن في شرع الله التخلف والتأخر، وإن في النقاب الرجوع إلى الوراء: ما هذا التخلف والتأخر والتنطع؟ إن النقاب تخلف، وإن الحجاب تأخر وهكذا، وامرأة أخرى صرخت على صفحات الجرائد، وعبر شاشات التلفاز والإذاعات، تقول: أتريدون أن نرجع إلى عصر الناقة والحصان؟ أتريدون منا أن نرجع إلى الوراء؟ أتريدون منا أن نرجع إلى عهد الأعراب الذين عاشوا في الصحراء؟ إننا في القرن العشرين، إننا في عصر الصاروخ والطائرة والصعود إلى القمر، فلا رجعة ولا عودة إلى الوراء، وعرت عن صدرها وذراعيها، وكشفت عن ساقيها، وكأنها تقول بلسان الحال والمقال: يا رب! غير شرعك ودينك، فإن شرعك لم يعد يتفق مع مدنية القرن العشرين.
هؤلاء الناس ضلوا عن طريق الله، وأعلنوا العداء لله ولشرع رسول الله ﷺ ، وسخروا من الموحدين والمتوضئين! استهزءوا بهم في كل زمان ومكان، ووصفوهم بأنهم إرهابيون، ومتنطعون، ومتشددون، هل من تمسك بكتاب الله إرهابي؟! هل من تمسك بدين محمد ﷺ متشدد ومتنطع؟ هذا الذي وضع المسك بدلاً من رائحة السيجارة والتدخين، والذي وضع المسواك في فمه بدلاً من السيجارة والعياذ بالله، هؤلاء إرهابيون، هؤلاء متنطعون، هؤلاء متشددون؟! أيها الموحدون! أيها المؤمنون! أيها المتمسكون بدين حبيبكم محمد ﷺ ! لا تضلوا عن الطريق، ولا يغرنكم من بعد عن الطريق، مهما كثر عددهم، فإن الحق واضح، ورسول الله كان وحده يدعو إلى الله جل وعلا، فلا تغتروا بكثرة المبتدعين، وكثرة المفتونين، واعلموا أن نبيكم وحبيبكم محمد كان وحده في الميدان يدعو إلى الله وحده، فثبته الله جل وعلا، وثبت معه المخلصون من هذه الأمة، الذين دعوا إلى الله جل وعلا، فنقلهم الله بتمسكهم بكتاب الله وسنة رسول الله من رعاة للغنم إلى قادة وسادة لجميع الأمم.
فهذا الصنف الذي أعلن العداء لله، وهذا الصنف الذي ضل عن طريق الله، وأعلن الحرب على شرع الله، وأعلن العداء للمتوضئين الذين أشرقت وجوههم بأنوار الإيمان والطاعة، الذين سجدوا لله في الليل، وهؤلاء بين الخمور وبين شاشات التلفاز، وأمام أشرطة الفيديو، والمغنيات والقينات والخينات والعياذ بالله.
فيا أيها المتوضئون! اثبتوا، واصبروا، واعلموا أن النصر حليفكم بإذن الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، إن النصر للإسلام والله، وإن النصر لدين الله، لا تخافوا على الدين أبداً، فإن الذي تولى حفظ الدين هو الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، لا نحذركم ولا نخوفكم على الدين، وإنما الحذر علينا نحن المسلمين وأصحاب الدين من هذه الفرقة، ومن هذه الاختلافات؛ لأن الدين محفوظ بعناية الله وقدر الله سبحانه! وقد ذكرت لكم أن مدرساً تربى على الشيوعية والوجودية والإلحاد: دخل ذات يوم على تلامذته في الفصل، وأراد أن ينفث سموم هذه العقيدة العفنة في عقول هؤلاء الصغار، فوقف أمامهم وأشار إليهم وهم صغار العقول، وقال لهم: يا أولاد! هل ترون هذه السبورة! قالوا: نعم.
قال: إذاً السبورة موجودة.
تروني؟ قالوا: نعم.
قال: إذاً أنا موجود.
أترون الدرج الذي أنتم قاعدون عليه؟ قالوا: نعم.
قال: إذاً الدرج موجود.
أنتم ترون ربنا؟ قالوا: لا.
قال: إذاً غير موجود، لا وجود لخالق، إذاً هذا الكون كله من عرشه إلى طرفه لا خالق له.
سبحان الله! يا أعرابي! يا من عشت في الصحراء! يا من لم تدخل إلى جامعة من الجامعات! ويا من لم تدرس في كلية من الكليات! يا من لم ترتحل في جنبات الأرض بحثاً عن علم، أو جرياً وراء فكر، أو فلسفة زائفة، أو منهج خداع.
أيها الأعرابي البسيط! بالله عليك بماذا تعرفت على الله؟ وما الدليل على وجود الله؟ قال لهم: البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟! سبحان الله! هذا الرجل المشرك الملحد الوجودي الشيوعي، يقول لهم: لا وجود للخالق، سبحان الله العظيم! وإذ بالله ﵎ الذي تكفل بحفظ دينه ينطق صبياً وطفلاً صغيراً من هؤلاء الصغار، ينطقه الله ويؤتيه الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩]، فقام تلميذٌ أراد أن يقلد أستاذه.
مشى الطاووس يوماً باختيال فقلد مشيته بنوه
فقال علام تختالون قالوا لقد بدأت ونحن مقلدوه
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
فقام التلميذ مقلداً لأستاذه، ووقف أمام أستاذه ونظر إلى زملائه من التلاميذ، وقال لهم: يا أولاد: أنتم ترون عقل الأستاذ؟ قالوا: لا، قال: إذن عقله غير موجود، مجنون ابن مجنون، هذا حفظ الله لدينه، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، عهد أخذه الله على نفسه، فلا تخافوا على هذا الدين، ولكن الخوف علينا نحن المسلمين إذا ما ضيعناه، وإذا ما فرطنا فيه، وإذا ما ألقينا كتاب الله وشرع رسول الله وراء ظهورنا، هنا يخشى علينا من الضياع والضلال: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل -زبد لا قيمة له ولا نفع فيه- وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
فيا أيها الأحباب! صنفٌ قد ضل عن الطريق وأنتم تعلمونه جيداً، أعلن العداء لله، وأعلن الحرب على شرع الله، وأعلن العداء للدعاة، وصب الإيذاء والعذاب صباً على كل من دعا إلى هذا الدين، هذا الصنف تحركه الشياطين، والأهواء والشهوات، ألم تقرأ قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ [مريم:٨٣]، تدفعهم الشياطين إلى المعاصي دفعاً، وإلى الضلال دفعاً، وإلى جهنم دفعاً، نؤزهم أزاً إلى الضلال والمعاصي والهلاك، هذا هو الصنف الأول؛ بعد عن الله فبعد الله عنه، وويل لمن بعد الله عنه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، هذه هي النتيجة، من أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن أعرض الله عنه فهو في ضلال.
نعيش في هذا الضنك والضيق، نقص في الأموال والثمرات والمياه والكهرباء والاقتصاد لا رخاء اقتصادي، ولا أمن، ولا أمان، لماذا؟ لأننا أعرضنا عن الله، وأعلنا العداء على الله، والحرب على شرع الله جل وعلا، فماذا تنتظرون؟ ماذا تكون النتيجة؟ هذا الضنك والضيق والضلال والبعد، وهذه الأزمات والمشاكل والظلمات التي نعيش فيها، هذه نتيجة حتمية لكل من أعرض عن منهج الله، هذه نتيجة حتمية لكل من شذ وأعلن الحرب على شرع الله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح:١٠] ما هي النتيجة؟ ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١١ - ١٣] ما لكم لا تعبدون الله حق العبادة، ما لكم لا توحدون الله حق التوحيد، ما لكم لا تصطلحون مع الله، ما لكم تعلنون الحرب على شرع الله، وعلى منهج الله، وعلى كتاب الله، النقاب تخلف، وشرع الله تأخر؟ لا إله إلا الله، فهذا الصنف أيها الأحباب ضل عن الطريق، وبعد عن الله فبعد الله وأعرض عنه، فهو يعيش في حسرة، لا أمن ولا أمان ولا رخاء ولا استقرار، وإن نعمة الأمن والأمان، ونعمة الاستقرار والرضا، إنما هي نعمة عظيمة، انتبه ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، نعمة الطمأنينة ونعمة الرضا، لا ينعم بها إلا المؤمن الذي اطمأن قلبه بذكر الله، والذي كان مع الله فكان الله معه.
وكما يقول سيدنا قتادة: من كان مع الله كان الله معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، ومعه الحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، والقوة التي لا تذل.
стр. 15
القسم الثاني: قسم عرف الطريق إلى الله وثبت عليه
الصنف الثاني: صنف عرف الطريق وثبت عليه -أسأل الله أن نكون أنا وأنتم منهم- لأن نعمة الثبات -أيها الأحباب- من أجل النعم، أسأل الله أن يثبتني وإياكم على طريق الله، وأن يتوفاني وإياكم على التوحيد الخالص.
من الناس في الصنف الثاني من عرف الطريق إلى الله وثبت عليه، فهو يجاهد نفسه ويجاهد شيطانه وهواه ودنياه على أن يظل في هذا الطريق، ولكن الكل يختلف عن الآخر، كلنا يختلف في قدر عبادته، وكلنا يختلف في قدر طاعته، هذه فطر الله في خلقه، فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتحاقدوا، واعلموا بأن فطرة الله في خلقه أن يكون هذا التباين والاختلاف، هذا سيد عمله العلم، لا يزال عاكفاً على العلم حتى يسلك من هذا الطريق إلى الله، وهذا سيد عمله الصلاة، وهذا سيد عمله تلاوة القرآن، وهذا سيد عمله قيام الليل، وهذا سيد عمله الصيام، وهذا سيد عمله إغاثة اللهفات، وتفريج الكربات وأنواع الصدقات، وهذا سيد عمله الحج والاعتمار، وهذا سيد عمله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله.
إذاً: فالكل يختلف بقدر ما منَّ الله به عليه من عطاء، كلنا يتباين في مقدار القرب والبعد عن الله، وكلنا يتباين في مقدار القربات والطاعات إلى رب الأرض والسماوات، وهذه فطرة الله في خلقه، وهذه سنة الله في خلقه.
ولذلك فإن الإمام ابن القيم ﵀ يقسم هذا الصنف الثاني إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ قسم ظالم لنفسه، وقسم مقتصد، وقسم سابق بالخيرات بإذن الله، وذلك مأخوذ من قول الله في سورة فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢].
إذاً: الناس يتفاوتون في الطريق إلى الله، ظالم لنفسه، يعصي ويذنب ويرجع ويتوب، هذا هو حاله، (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) إلا أنه لا يصر على المعصية، فهذا في رحمة الله بإذن الله.
الظالم لنفسه؛ فرط كثيراً في الزاد الذي يبلغه، والمقتصد زاده يبلغه إلى الطريق بالكاد، والسابق بالخيرات زاده كثير، وربحه وفير، هؤلاء هم الأبرار والمقربون، وهذه الأصناف جميعاً بإذن الله في رحمة الله جل وعلا، وإن كان العلماء كما ذكر ابن القيم قد اختلفوا في الظالم لنفسه على فرقتين: فهناك طائفة من العلماء قالت: إن الجنة للصنفين الآخرين، للمقتصد والسابق بالخيرات، أم الظالم لنفسه فإن غلبت حسناته سيئاته فهو من أهل الجنة، وإن غلبت سيئاته حسناته فهو من أهل النار، وصنف آخر قال: بأن الظالم لنفسه من الكفار، ولكن الإمام ابن القيم رجح مع طائفة من رجحوا بأن الأصناف الثلاثة في رحمة الله بإذن الله جل وعلا؛ لأن الله تعالى قال في بداية الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢].
إذاً: هؤلاء جميعاً الذين وضعوا أيديهم وأرجلهم على الطريق بإذن الله هم جميعاً في جنة الله وفي رحمته.
ولقد ذكر عبد الله بن مسعود ﵁ في هذه الآية ما ذكر الإمام ابن كثير أنه قال: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، وثلث يحبسون في المحبس يوم القيامة ثم يتجاوز الله عنهم -نسأل الله أن نكون منهم! - وذكر الإمام الطبراني عن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: (((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)) [فاطر:٣٢] فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيدخله الله الجنة برحمته) وفي رواية أخرى للنبي ﷺ في الطبراني أيضاً، قال: (وأما الظالم لنفسه فيحبسه الله ويحاسبه فيظل في كرب وضيق وهم وبلاء، ثم بعد ذلك يتجاوز الله عنه، ويدخله الجنة برحمته).
وهنا أيها الأحباب أتذكر حديثاً للنبي المصطفى ﷺ ، هذا الحديث خرجه الإمام مسلم في صحيحه، وهو مروي عن عبد الله بن مسعود، بشراكم يا أمة الحبيب! بشراكم يا من وضعتم أرجلكم على الطريق! وبشراكم يا من عرفتم طريق الله! يقول النبي ﷺ : (إن آخر رجل من أمتي يدخل الجنة، رجل يمشي على الصراط مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة) وبعدما يتخطى الصراط -فيما معنى الحديث- ويعبر الصراط، وينجيه الله من نار جهنم، يلتفت إليها وينظر إلى حرها ونارها وهو يقول: تبارك الذي نجاني منكِ، ثم يقول: الحمد لله! والله لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين، وهو آخر الناس: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وهو آخر الناس، وقبله بزمان هناك من دخل بدون حساب، وهناك من دخل منذ زمن بعيد، ولكنه لما رأى النار وهول النار، يقول: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين.
وهنا حينما يعبر ويقترب من الجنة، يرفع الله له شجرة من شجر الجنة، شجرة يقول عنها النبي ﷺ : (يمشي في ظلها الراكب خمسمائة سنة) شجر في الجنة غرسها الله بيديه لأوليائه، فيرفع الله له شجرة جميلة عظيمة، وهنا ينادي العبد على الله، ويقول: يا رب! فيقول الله : ماذا تريد؟ فيقول العبد: يا رب! قربني من هذه الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ولقد كانت تسفعه النار، إلا أنه عنده من الأمان، يا رب! ادنني.
قربني من هذه الشجرة استظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله له: عبدي! يا ابن آدم! هل إن أعطيتكها وقربتك إلى هذه الشجرة لتستظل بظلها وتشرب من مائها، هل ستسأل شيئاً من ذلك؟ يقول: لا وعزتك، وماذا أسأل؟! لقد كنت سأقع في النار، وهأنت يا رب بفضلك ورحمتك نجيتني من النار، وهأنذا سأستظل بشجرة من شجر الجنة لا أسألك شيئاً بعدها يا رب.
فيقربه الله منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، وبعد ذلك يرفع الله له شجرة ثانية هي أحسن من الأولى، وبنص الحديث قال النبي ﷺ : (وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه! وبعد فترة يقول له: يا رب! يقول له: نعم، يقول له: يا رب! قربني إلى هذه الشجرة الثانية -هذه جميلة جداً، وأحسن من الأولى بكثير- استظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: يا ابن آدم! ألم تعط العهود والمواثيق؟ يقول: شجرة اشتقت إليها، فيقربه الله ، فيستظل بظلها ويشرب من مائها.
ويمكث فترة، فيرفع الله له شجرة أخرى على باب الجنة، فينظر إليها فيشتاق، فيقول: يا رب! قربني إلى هذه الشجرة، وعزتك لن أسأل شيئاً بعد ذاك، فيقول: يا ابن آدم! ما أغدرك.
ألم تعط العهود والمواثيق على ألا تسأل غير الذي سألت؟ يقول: يا رب! وعزتك لن أسأل بعد ذلك شيئاً، فيقربه الله عز جل).
وهنا إذا ما اقترب إلى الشجرة الثالثة، التي هي على باب الجنة، ماذا يحدث؟ يستمع إلى أصوات أهل الجنة، وينظر إلى هذا النعيم المقيم الجنة، أنتم الآن في مجلس كله نقاء وكله حنان، فأنت في سعة وصدرك يتسع، فما بالك إن منّ الله عليك بمكان في بيتك كله سرور وكله راحة، لا شيء فيه يعكر عليك صفوك، تجلس في سعادة، فما بالك إن كنت في جنة الله جل وعلا، أو كما قال الشيخ الشعراوي بارك الله فيه، يقول حينما ذهب إلى قصر من قصور الضيافة في أمريكا، واستقبل في هذا القصر العجيب، وأخذ الناس من حوله يلتفتون إلى هذا البناء والمعمار والتشييد، فأراد الشيخ أن يلفتهم إيمانياً إلى الله، فقال لهم: أيها الناس! هذا إعداد البشر للبشر، فما بالكم بإعداد رب البشر، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ولذلك لما وصفها علي بن أبي طالب ﵁ قال:
واعمل لدار غد رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
أنهارها لبن مصفى ومن عسل والخمر يجري ريحقاً في مجاريها
والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله جهراً في مغانيها
فمن أراد أن يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها
شجرة في الجنة على باب الجنة، يسمع أصوات أهل الجنة ونعيم أهل الجنة، فيقول: (يا رب! فيقول الله له: لبيك.
ماذا تريد؟ فيقول: يا رب! أدخلني الجنة، فيقول الله : عبدي! فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: ما الذي يرضيك مني؟! عبدي! ألا تحب أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟! وهنا يقول العبد: يا رب! أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟! وهنا ضحك عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: لماذا لا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا له: مم تضحك؟ قال: أضحك لأن النبي ﷺ حينما حدث بهذا الحديث ضحك، فقالوا له: لم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك لضحك رب العزة.
لأن العبد حينما يقول: يا رب، أتهزأ بي وأنت رب العالمين، يضحك الله منه، ويقول له: لا يا عبدي! لا أهزأ بك، ولكني على ما أشاء قادر).
فيا أيها الأحباب! اطمئنوا؛ فإن الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات بإذن الله كلهم في رحمة الله وجنة الله.
إذاً: فلتعلموا أن قصدي من هذا الكلام أن الناس متفاوتون، وأن الناس مختلفون، كلٌ على حسب فهمه، وكل على حسب عقله، وكل على حسب إيمانه، وكل على حسب طاعته، وكل على حسب قربه، فلا تختلفوا، ولا تتهموا هذا ولا ذاك، ولا تتحاقدوا ولا تتنابذوا: ﴿
стр. 16
الحب في الله بين عباده المؤمنين
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحباب! تعالوا بنا لنعاهد الله من اليوم، ونعاهد رسول الله من الساعة أن نتحاب في الله، وأن ننسى المسميات، وأن ننبذ الأحقاد جانباً، وأن يعانق بعضنا بعضاً، وأن نرجع إلى هذا الرباط القوي والمتين، هذا الرباط الذي ضيعناه؛ إنه رباط الحب في الله.
أيها الأحباب! اتركوا الخلافات والمسميات والأفكار على اختلافها، ولكن تعالوا بنا نتحد ونتفق ونجتمع ونعتصم، نضع أيدينا جميعاً في يد كل من يدعو إلى الله جل وعلا أياً كانت جماعته، وأياً كانت طريقته بشرط أنه يدعو من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، طالما هذا هو منهجه وطريقه، فلا تختلفوا ولا تتحاقدوا ولا تتنابذوا، واجتمعوا واعتصموا، هيا بنا نجرب الحب في الله والبغض في الله، فمن أحب لله وأبغض لله، وترك لله، وأعطى لله ومنع لله، فهذا هو الذي قد استكمل الإيمان، كما قال سيد المؤمنين محمد ﷺ .
أيها الأحباب! اعلموا جميعاً أن الناس يختلفون، وأن الناس يتفرقون ويجتمعون، وأن الناس يتفاوتون في العقول والأذهان، ويتقاربون ويتنافرون، فلا يغرنكم الشيطان ولا يبذر بيننا بذور الفتن والأحقاد والأهواء.
والله الذي لا إله غيره، لقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: دخل علينا أبو بكر الصديق يوماً وقد شمر عن ثيابه حتى ظهرت ركبته وهو يجري، فقال أبو بكر: (يا رسول الله! قال: ماذا تريد يا أبا بكر؟ قال: يا رسول الله! لقد كان بيني وبين أخي عمر بن الخطاب شيئاً -أي: شيئاً من الخلاف، وعدم اتحاد الرأي، وعدم الألفة في أمر من الأمور- فندمت على هذا الخلاف، وذهبت إلى عمر بن الخطاب، وسألته أن يغفر لي فأبى) لله درك يا صديق! أبو بكر الصديق يذهب لـ عمر، ويسأله أن يغفر له زلته وخطأه واختلافه معه في الرأي، يقول أبو بكر: فذهبت إليه يا رسول الله، وقلت له: يا عمر! لقد ندمت على ما بيننا، وأسألك أن تغفر لي، فأبى عمر، فحزن النبي ﷺ ، وقال: (يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر) ثلاث مرات، دعاء من النبي ﷺ فندم عمر بن الخطاب وجاء مسرعاً - هذا هو الحب! لا جفاء؛ لأن المؤمن الصادق لا يحقد أبداً، ولا يبغض أخاً له في الله أبداً، ولا يغتاب أخاً له في الله أبداً، هذا هو المؤمن الصادق في إيمانه وفي حبه لله ولرسول الله ﷺ فندم عمر بن الخطاب، وذهب مسرعاً إلى أبي بكر في بيته فلم يجده، فجاء مسرعاً إلى رسول الله فوجد النبي وقد تغير وجهه ولونه، فقال: يا رسول الله! أما كنت قد ظلمت مرتين، سامحني يا رسول الله، فغضب النبي ﷺ وقال: (ويلكم يا عمر! لقد كذبتموني فصدقني أبو بكر، وواساني بنفسه وماله، فهلا تتركوا لي صاحبي؟!).
أبو بكر وعمر الصحابيان العظيمان الجليلان يختلفان، ولكن سرعان ما يعود الود، وترجع الألفة، ويرجع الحب! إن الحب في الله يزيل كل خلاف، إن الحب في الله يزيل كل بغض، إن الحب في الله يزيل كل حقد، فتعالوا بنا نجرب الحب في الله، نجرب التجمع والاعتصام والألفة والوحدة؛ لأن فيها النصر لديننا، والعز لكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ .
فيا أيها الأحباب! يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]، فأتلفوا أيها الأحباب، ولا تتخالفوا وتتفرقوا، واعملوا بأن الطريق إلى الله واضح وبين، هو الكتاب وسنة النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي).
وأختم موضوعي بحديث العرباض بن سارية ﵁ الذي خرجه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، قال ﵁: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، حتى قلنا: كأنها موعظة مودع، فأوصنا يا رسول الله، فقال ﷺ : أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم من بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً -فرق وجماعات ومسميات ومناهج وأفكار ومبادئ وطواغيت! كل يدعو لمنهجه، وكل يدعو لمبدئه، وكل يدعو لفلسفته- فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة).
أسأل الله سبحانه أن ينجيني وإياكم من فتن الشيطان وأهوائه، وأن يثبتني وإياكم على طريق الرحمن، وعلى طريق النبي ﵊.
اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم لا تدع لأحد منا في هذا المقام العظيم وفي هذا الجمع الطيب ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً على أحد منا في الدنيا ولا في الآخرة إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، اللهم ثبتنا على طريق الإيمان، اللهم ثبتنا على طريق الرحمن، اللهم ثبتنا على طريق نبيك ﵊.
стр. 17
الطريق إلى الدار الآخرة
إن الرحلة إلى الدار الآخرة تبدأ بالموت وتنتهي إما إلى الجنة أو إلى النار؛ تلك هي الحقيقة التي تصبغ من يتذكرها بصبغة الذل والعبودية لله، فأول خطوة من خطوات الرحيل إلى الدار الآخرة القبر، وما أدراك ما القبر! فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.
стр. 18
بداية الرحلة إلى الدار الآخرة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ند له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض، فلا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه وأمره، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! لاشك أننا في أمس الحاجة إلى أن نتذكر الآخرة في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، ولاشك أننا في أمس الحاجة إلى أن نتذكر هذه الحقيقة الكبرى، إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً أو كرها العصاة والطائعون، بل والأنبياء والمرسلون.
إنها الحقيقة التي يسقط عندها جبروت المتجبرين، وعناد الملحدين، وطغيان البغاة المتألهين إنها الحقيقة التي تعلن على مدى الزمان والمكان في أذن كل سامع، وعقل كل مفكر، أنه لا ألوهية إلا لله وحده، ولا بقاء إلا للذي تفرد بالعظمة والبقاء والجلال.
إنها الحقيقة التي تصبغ الحقيقة البشرية بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض.
إنها الحقيقة التي أمرنا النبي ﷺ أن نكثر من ذكرها، فقال: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، قيل: وما هادم اللذات يا رسول الله؟ قال: الموت) رواه ابن ماجة والترمذي والنسائي من حديث عمر ﵁.
من أجل ذلك -أحبتي في الله- سوف أبدأ معكم من اليوم سلسلة أحاديث بعنوان: رحلة إلى الآخرة، ولاشك أن هذه الرحلة تبدأ بالموت، وتنتهي إما بالجنة أو النار، جعلنا الله جل وعلا وإياكم من أهل الجنة، وحرم أجسادنا ووجوهنا وإياكم على النار.
стр. 19
على فراش الموت
أما الموت فإنه حق لا مراء ولاشك فيه، قال الله جل وعلا وهو أصدق القائلين: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢]، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] والحق أنك تموت والله حي لا يموت.
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] والحق إما أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] والحق إما أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، ذلك ما كنت تحيد منه إلى الطبيب إذا جاءك المرض وإلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وإلى الشراب إذا أحسست بالظمأ.
ولكن؛ ثم ماذا أيها القوي الفتي، أيها الذكي العبقري، يا أيها الكبير! ويا أيها الصغير! كل باك فسيبكى، وكل ناع فسينعى، وكل مذخور سيفنى، وكل مذكور سينسى، ليس غير الله يبقى من علا فالله أعلى.
أيها الإنسان أيها اللاهي الساهي! يا من غرك مالك! ويا من خدعك جاهك وسلطانك! أيها الإنسان: مهما عظمت دنياك فهي حقيرة، ومهما طالت فهي قصيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.
أيها الإنسان! اعلم أنك راحل إلى الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] لابد أن تلقى الله ؛ فإذا ما اقتربت ساعة الصفر وانتهى أجلك كما حدده الله جل وعلا، وأصبحت في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا وصرت طريح الفراش وحولك أولادك يبكون! والأطباء من حولك يحاولون ولكن انظروا معي أيها الأحباب إليه وإلى حاله وكربه وفزعه انظروا معي إليه وقد نام على فراش الموت ولقد اصفر وجه وشحب لونه وبردت أطرافه وتجعد جلده وبدأ يحس بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه يريد أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا يزحزح إلا لمن يسر الله عليه.
وهو في هذا الفزع والجزع يطير فؤاده، وينخلع قلبه، فإذا أفاق بين صحوات الموت -بين السكرات والكربات- نظر إلى من حوله من الأولاد والأحباب والأطباء، فرآهم مرة ولم يرهم مرة أخرى، رآهم مرة يقتربون منه، ومرة يبتعدون عنه، مرة يسمعهم ومرة لا يسمعهم، فإذا أفاق لحظة أخرى بين الصحوات من سكرات الموت وكرباته نظر إليهم نظرة ثانية؛ نظرة طويلة وكلها رحمة وشفقة، ورجاء وسؤال وكأنه يقول لهم بلسان الحال: يا أولادي! يا أحبابي! يا أصحابي! لا تتركوني وحدي، ولا تخرجوني إلى لحدي، أنا أبوكم، أنا أخوكم، أنا حبيبكم، أنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي عمرت الدور، هل منكم من يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ وهنا -أيها الأحباب- يأتيه صوت الحق من الله جل وعلا، فيقول: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦] سبحان ربي العظيم! من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟ ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٩]، هكذا خرجت روحه إلى خالقها جل وعلا، وصار طريح الفراش لا حراك في جسمه.
أيها الإنسان أين ريحك الطيب؟! أين لسانك الفصيح؟ أين حركتك الدائبة؟ ما أعجزك في هذه اللحظات! من الذي أخرسك وأسكتك؟ إنه الموت، إنها الحقيقة الكبرى التي لا يماري فيها إنسان، ولا يجادل فيها مخلوق على ظهر هذه الأرض.
стр. 20
غسل الميت والصلاة عليه ووضعه في القبر
أيها الإنسان الغافل! يقوم أحب وأقرب الناس لديك إلى من يغسلك، وإلى من يخرجك من بيتك، وصدق من قال:
وقام عني أحب الناس في عجل نحو المغسل يأتيني يغسلني
فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني
وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء ينظفني
وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن
وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني
وأخرجوني من الدنيا فوا أسفا على رحيل بلا زادٍ يبلغني
وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني
صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحداً منهم يلحدني
حمله أحب وأقرب الناس إليه إلى أطباق التراب وأهالوا عليه التراب بأيديهم، وصدق الحبيب ﷺ في حديثه الصحيح الذي أخرجه مسلم، من حديث أنس ﵁، قال ﷺ : (يتبع الميت ثلاثة، يرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله).
هكذا أيها المسكين حملك أحب وأقرب الناس لديك، وهناك في التراب وضعوك، وللحساب عرضوك، ولو ظلوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا عملك ثم رحمة الله الحي الذي لا يموت! هناك وضعوك بين أطباق التراب وضعوك في بيت الوحشة والغربة والدود والضيق وضعوك في بيت الظلمة إلا لمن وسعه وأناره الله عليه.
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم
وضعوك هناك في دارك الحقيقية إلى أن يأمر الحق جل وعلا إسرافيل بالنفخ في الصور، فتخرج الأجساد من القبور حفاة عراة غرلاً للعرض على محكمة الله جل وعلا.
تلكم المحكمة -أيها الأحباب- التي لا تقبل الرشوة ولا تقبل المحسوبية ولا تقبل المحاماة، ولا تقبل الاستئناف للأحكام؛ لأن قاضيها هو الواحد الديان، عنوانها: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]، عنوانها: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، عنوانها: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، هنالك وضعوك وللحساب عرضوك، ولو ظل واحدٌ معك ما نفعك، ولو ظلوا معك جميعاً ما نفعوك!
стр. 21
حياة البرزخ ووصف قبض الروح
ثم تعالوا بنا أيها الأحباب لنلقي نظرة سريعة على حاله في هذه الدار، دار البرزخ؛ لأننا نؤمن إيماناً صادقاً أن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران؛ لأن عذاب القبر هو عذاب البرزخ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]، نقر بذلك بأن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، وأن من مات وعليه حق من العذاب ناله هذا النصيب من العذاب سواء قبر أو لم يقبر، دفن أو لم يدفن، لماذا؟ لأن الله جل وعلا جعل الدور ثلاث، ألا وهي: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل الله لكل دارٍ أحكاماً تخصها، فجعل الله الأحكام في دار الدنيا تسري على الأبدان والأرواح تبعٌ لها، وجعل الله الأحكام في دار البرزخ تسري على الأرواح والأبدان تبع لها، وجعل الله الأحكام في دار القرار تسري على الأبدان والأرواح معاً، ذكر ذلك الإمام ابن القيم في كتاب الروح، والإمام الطحاوي في العقيدة الطحاوية، هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم.
فالإيمان بعذاب القبر ونعيمه أمر واجب، والتصديق به أمر لازم، ولقد تواترت الأخبار من نبينا المختار ﷺ على ثبوت ذلك، وكفانا دليلاً على ذلك حديث البراء بن عازب ﵁ الذي أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والترمذي والنسائي والبيهقي، وأخرجه وصححه الحاكم وابن حبان، قال البراء في معنى ما قال؛ لأن الحديث طويل حتى لا نكون ممن كذب على رسول الله ﷺ ، قال ﵁: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، ولما لم يلحد جلس الرسول ﷺ ، وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير، فرفع الرسول ﷺ رأسه ونظر إلى أصحابه من حوله، وقال: يا إخواني! يا أصحابي! استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من عذاب القبر).
قالها ﷺ مرتين أو ثلاثاً، وكان بيده ﷺ عود ينكت به الأرض، ثم قال ﷺ بعدما أمر أصحابه أن يستعيذوا بالله من عذاب القبر: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكةٌ من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس).
الله أكبر! العبد المؤمن له كرامة عند الله في دنياه، وعند مماته وفي أخراه، وصدق من قال: حق على الله لمن اتقاه أن يحسن الله بدايته، وأن يتولى الله رعايته، وأن يحسن الله نهايته.
(إذا كان العبد المؤمن في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزلت إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، ومعهم كفن من الجنة، وحنوط من الجنة، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه، ويقول: يا أيتها النفس المطمئنة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج روحه تسيل كما يسيل الماء من فيّ السقاء، فإذا ما أخذها لا تدعها الملائكة في يده طرفة عين، فتأخذها وتضعها في أكفان الجنة، وفي حنوط من الجنة، وتنبعث لها رائحة كأطيب نفحة مسك على وجه الأرض.
ثم تصعد بها الملائكة إلى السماء، فإذا مرت بها الملائكة على سماء من السماوات، قالت الملائكة في السماوات: لمن تكون هذه الروح الطيبة؟ فتقول الملائكة التي تشيعها: إنها روح فلان بن فلان، بأطيب أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى إذا ما انتهوا بها إلى السماء السابعة، قال الله جل وعلا: اكتبوا روح عبدي في عليين، ثم أعيدوها إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.
ويأتيه في قبره ملكان فيجلسانه ويسألانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله.
ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام.
ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ .
فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله جل وعلا فآمنت به وصدقت.
فينادي مناد: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، يأتيه من روحها وطيبها).
ثم يقول ﷺ : (ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، فيقول: من أنت؟ لا يأتي وجهك هذا إلا بخير، فيقول: أبشرك فأنا عملك الصالح، وهذا يومك الذي كنت توعد، فينادي العبد على الله جل وعلا ويقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع لأهلي ومالي.
أما العبد الكافر -والعياذ بالله- إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة جاءته ملائكة سود الوجوه معهم مسوح، -ليف من النار والعياذ بالله- فيجلسون عند رأسه، فإذا جاءه ملك الموت قال: يا أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتنتزع روحه كما يُنتزع السفود من الصوف المبلول، -أي: الحديد الصلب- فلا تدعها الملائكة في يده طرفة عين، وتلفها في هذا المسوح من النار، وإذا ما أرادوا أن يصعدوا بها إلى السماء انبعثت لها رائحة كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض، ولا تفتح لها أبواب السماء، ثم قرأ النبي ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، ثم ينادي الحق جل وعلا: اكتبوا روح عبدي في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه أرضاً، وقرأ النبي ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
وتعاد روحه إلى جسده في القبر، ويجلسه الملكان، ويقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري.
ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري.
ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري.
فيقولان: لا دريت ولا تليت.
ثم ينادي منادٍ: أن كذب عبدي، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من سمومها -والعياذ بالله- ويضيق عليه قبره فتختلف أضلاعه -والعياذ بالله- ويأتيه رجل شديد سواد الوجه، نتن الرائحة، فيقول: من أنت؟ لا يأتي وجهك هذا إلا بشر، فيقول: أنا عملك السيئ، وهذا يومك الذي كنت توعد، فيقول العبد: رب لا تقم الساعة).
هكذا أيها الأحباب القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران، فاستعدوا للقاء الله جل وعلا، واستعدوا لهذا اليوم الموعود، الذي ستنقلون فيه من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة النساء والغلمان إلى مقاساة الهوان والديدان، ومن التنعم في الطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 22
أهمية الاستعداد للقبر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله! لاشك أن هذه هي أول خطوة من خطوات الرحيل إلى الآخرة: الموت والقبر، والقبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النيران، وكان عثمان ﵁ إذا ما ذكر الجنة وذكر النار لا يبكي، وإذا ما ذكر القبر بكى، وحينما سئل عثمان ﵁ عن ذلك، قال: [إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن وجد العبد فيه خيراً فما بعد ذلك خيراً منه، وإن وجد فيه شراً -والعياذ بالله- فما بعد ذلك أشر -والعياذ بالله- مما يلاقيه العبد في هذه الدار].
فيا أيها الأحبة في الله! هذه هي أول خطوة، فاستعدوا لهذا اللقاء، واعلموا بأن أقرب غائب ينتظر هو الموت، وصدق من قال:
أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذنب والذم وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب
وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم
فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو
وتنصب إلى اللهو كأن الموت ما عم
كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط
وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم
فزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم
بذا أوصيك يا صاح وقد بحت كمن باح
فطوبى لفتى راح بآداب محمد يأتم
فعودوا إلى الله جل وعلا، وتوبوا إلى الله ، واستعدوا للقاء الله ﵎، واعلموا أحبتي في الله أن الله جل وعلا يفرح بتوبة التائبين، وهو الغني عن العالمين جميعاً، ورد في الحديث الذي رواه الترمذي، أن الرسول ﷺ قال: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا -أي: بقرب ما يملأ الأرض من الخطايا والذنوب- ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة).
أسأل الله جل وعلا أن يغفر لي ولكم ولجميع المسلمين، اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، والاقتداء بشرع نبيك ﷺ ، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين، وانصر اللهم المجاهدين في كل مكان، وثبت أقدامهم يا رحيم يا رحمان، وزلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم يا ديان، إنك ولي ذلك ومولاه.
أحبتي في الله! ما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 23
حادثة الإفك
لقد أنزل الله إلينا كتابه الكريم ليعلمنا ويؤدبنا، فمن الآداب التي حثنا عليها القرآن وأرشدنا إليها: أدب التثبت في نقل الأخبار، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن أهمية مبدأ التثبت، مستشهداً بما وقع في حادثة الإفك، وهدي النبي ﷺ في موقف الجلاس، مبيناً ما يترتب على الخوض في مثل هذه الأمور من تقويض لدعائم المجتمع المسلم.
стр. 24
أهمية مبدأ التثبت والتبين في نقل الأخبار
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فمع اللقاء السابع على التوالي ما زلنا مع سورة الحجرات، مع سورة التربية والأخلاق، وما زلنا نعيش مع هذه الآداب السامية العالية الرفيعة، التي يعلِّم الله جل وعلا بها عباده المؤمنين كيف يعاملون رسول الله ﷺ ، وهاهي الآيات تشير إلى حادثٍ وقع من وفد بني تميم الذي قدم على النبي ﷺ في العام التاسع الذي سمي بعام الوفود، وكان من بين هذا الوفد الأقرع بن حابس الذي جاء ينادي على النبي ﷺ من وراء حجرات زوجاته ﵅ جميعاً، ظل ينادي على الرسول ﷺ وهو يقول: يا محمد! يا محمد! اخرج إلينا.
يا محمد! فلم يجبه النبي ﷺ ، فعاود الأقرع النداء، يا محمد! اخرج إلينا؛ فإن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال النبي ﷺ : (ذاك الله فنزل قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٤ - ٥].
الحديث ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور، وقال: أخرجه أحمد وابن مردويه، وابن جرير، والطبراني بسندٍ صحيح، والترمذي بسندٍ حسن.
إن النبي ﷺ ما احتجب عن أصحابه وعن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه، فكان إزعاجه في هذا الوقت معه ﷺ ، ولكن لحياء النبي ﵊، كان لا يقول لأصحابه ذلك، ولكن الله جل وعلا لا يستحيي من الحق فنزل قول الله ليعلم هؤلاء ومن جاء بعدهم، كيف يكون الأدب مع النبي ﷺ .
وبعد أن وضعت السورة أيها الأحباب المنهج العملي للأدب مع الله ورسوله ﷺ ، تبدأ السورة بوضع منهجٍ متكاملٍ لأسس مجتمعٍ إسلاميٍ كريم، سليم العقيدة، نقي القلب، نظيف المشاعر، مهذب الأخلاق، عف اللسان، عك السريرة، تصان فيه الحرمات، ولا تتبع فيه العورات، ويبدأ هذا المنهج التربوي والأخلاقي الذي وضعه العليم الخبير الذي يقول ربنا جل وعلا في ذلك: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يبدأ هذا المنهج التربوي الأخلاقي بهذه القاعدة التشريعية العظيمة الكبيرة، وبتثبيت هذا المبدأ الكبير الخطير ألا وهو مبدأ التثبت والتبين للأنباء والأخبار، فيقول العزيز الغفار جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
الله أكبر! إنه التشريع من العليم الخبير، يا له من مبدأٍ عظيم، ويا له من مبدأٍ كبير، إنه مبدأ التثبت والتبين من الأنباء والأخبار، لا تتخذ القرارات، ولا الفرمانات إلا بعد التبين والتثبت، فأين المسلمون من هذا المبدأ العظيم الكبير، ضاع هذا المبدأ العظيم، وضاعت هذه القاعدة الكبيرة، فأصبح كل مسئولٍ في مكتبه الوثير، وتحت مكيفه الكبير، أصبح يتخذ القرار دون تبين أو تثبت، ضاعت هذه القاعدة، وضاع هذا المبدأ العظيم الجليل، وأنى لأصحاب الأموال الذين تسربلوا بالريالات والدولارات، أنى لهم أن يحسوا بالفقراء والمحرومين وذوي الحاجات، بذرة قلم تتخذ القرارات التي بها تخرب البيوت، وتبكي العيون، وتشرخ القلوب، وتأتي الآلام فوق الآلام بذرة قلم تتخذ القرارات في المكاتب دون تثبت أو تبين.
стр. 25
الخوض في عرض رسول الله بسبب غياب مبدأ التثبت والتبين
أيها المسلمون يا عباد الله! يا من استقر الإيمان في قلوبكم! ينادي عليكم الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
стр. 26
أثر ضياع مبدأ التثبت على الأمة
يوم أن ضاع هذا المبدأ، وضاعت هذه القاعدة كم من فتنة وقعت بسبب خبر ٍكاذب نقله فاسقٌ فاجر، بوذي أو يهوديٌ أو نصرانيٌ، أصبح البوذي مصدقاً، وأصبح النصراني مصدقاً وأصبح الكافر مصدقاً، أصبح كلام البوذي هو الثقة، وأصبح كلام الكافر هو المصدق في وسط المسلمين وفي مجتمعاتهم وبلادهم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، كم من فتنةٍ وقعت بسبب خبرٍ كاذب نقله فاسقٌ فاجر؟! كم من أطفالٍ شردوا، وكم من حروبٍ اشتعلت بسبب أخبار كاذبة نقلت دون تثبتٍ أو تبينٍ أو تحرٍ، كم من بيوتٍ خربت، وكم من أرزاقٍ تسبب بعض الناس في قطعها بسبب عدم التحري، وعدم التبين والظلم البين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
كم فرق بين الزوجين، كم فرق بين الأبناء والأحباب والوالدين والإخوة بسبب ضياع هذا المبدأ الكبير وغياب هذه القاعدة التشريعية العظيمة ألا وهي: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] كم من الحروب التي مات فيها ملايين البشر بسبب غياب وضياع هذا المبدأ.
يا عباد الله! إنه مبدأ التثبت والتبين والتحري، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ووالله ما وقعت على ظهر الأرض فتنة في تاريخ الأمة الطويل إلا بسبب غياب هذا المبدأ وضياع هذه القاعدة الكبيرة: مبدأ التثبت والتبين؛ ولتتجسد بين عينيك يا عبد الله! خطورة هذا المبدأ العظيم فعليك أن تراجع سورة النور.
стр. 27
سبب حديث الإفك
بسبب غياب هذا المبدأ وهذه القاعدة العظيمة اتهم رسول الله ﷺ ورمي في شرفه وعرضه وأمانته، وفراشه، وزوجه عائشة ﵂ بسبب مقولة كاذبة طيرها رأس النفاق عبد الله بن أُبي بن سلول عليه لعنة الله، طير المنافق هذه العبارة، وهذه القولة الآثمة، وزل في هذه الهاوية السحيقة الخطيرة بعض المسلمين، ونقلوا الخبر الأليم الفظيع وإنا لله وإنا إليه راجعون، زل بعض المسلمين في هذا الخبر والحديث رواه بطوله البخاري ومسلم: كان النبي ﷺ إذا ما خرج لأي غزوةٍ من الغزوات أقرع بين نسائه، ومن وقعت عليها القرعة أخذها النبي ﷺ معه في سفره، وفي إحدى الغزوات وقعت القرعة على أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، وخرجت مع النبي ﷺ وبعد انتهاء الغزوة، وفي طريق العودة إلى المدينة المنورة، وفي الليل تخلفت أم المؤمنين ﵂ لقضاء حاجتها خلف الجيش، وتأخرت ﵂ لعقدها الذي انفرط من صدرها فعادت إليه لتأتي به، وهي الفتاة الصغيرة في السن، وعادت أم المؤمنين فوجدت الجيش وقد رحل، ولم ينتبه ولم يلتفت أحدٌ من الجيش إلى أنها ليست بداخل هودجها الذي كانت تتحشم فيه بعدما نزلت آية الحجاب.
ورحل الجيش وذهبت أم المؤمنين فما رأت أحداً فانتظرت في مكانها وهي تعلم أنهم إذا افتقدوها سيرسلون إليها، وجلست ﵂، وهي الفتاة الصغيرة فغلبها النوم فنامت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ﵁ وأرضاه كلفه النبي ﷺ أن يتأخر خلف الجيش ليأت بالمتاع الساقط لأي فردٍ من أفراد الجيش، ومر صفوان بن المعطل فرأى سواد إنسان فأقبل فرآها أم المؤمنين وكان يعرفها قبل أن تنزل آية الحجاب فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، تقول الصديقة بنت الصديق: فاستيقظت باسترجاعه.
استيقظت بقولته: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلما نظرت إليه غمرت وجهي بجلبابي: أي غطيتُ وجهي بجلبابي، تقول: والله ما كلمني كلمة ولا سمعتُ منه كلمة غير استرجاعه: أي غير قولته: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأناخ صفوان ﵁ راحلته، وأعرض فركبت أم المؤمنين ﵂ وأخذها صفوان يقود لها الراحلة، إنها زوج نبيه ﷺ ، حتى أدرك الجيش في وقت الظهيرة، فلما رأى الهودج ورأى صفوان رأس النفاق عبد الله بن أُبي بن سلول، سأل وقال: من هذه؟ قالوا: عائشة ﵂، فقال رأس النفاق الوقح قولته العفنة الآثمة قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، امرأة نبيكم باتت مع رجلٍ حتى أصبحت ثم جاء يقودها.
يا لها من قولةٍ عفنة آثمةٍ شريرة، وطير المنافق هذه الكلمة وهذه القولة، وتلقتها عصابة النفاق، والكذب والإثم والبغي، وطيروا هذه العبارة وهذه القولة الآثمة الشريرة، وسقط في الهاوية بعض المسلمين، الله أكبر! وماجت المدينة المطهرة المنورة بهذا الخبر شهراً كاملاً.
هاهو رسول الله، رسول الله، يُرمى في عرضه، وفراشه، وأمانته، وزوجته، وفي من؟ في عائشة التي أحبها من كل قلبه، رسول الله ﷺ يُرمى في طهارته وهو الطاهر الذي فاضت طهارته على العالمين، يُرمى في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة الحرمات في أمته، يُرمى في فراشه، وشرفه، وعرضه، بل قُل: يرمى في كل شيء حينما يُرمى في عائشة ﵂ التي أحبها من كل قلبه، يُرمى في قلبه، وحبه، ودينه، ورسالته، وأغلى ما يعتز به أي عربي، وفيما يعتز بها كل نبي.
стр. 28
حال الصديقة بنت الصديق بعد الشائعة
وهاهي الصديقة الطاهرة المطهرة المبرأة من السماء ﵂ ترمى في فراشها وعرضها ترمى في شرفها بسبب غياب مبدأ التبين والتثبت.
نعم يا عباد الله! ترمى في أمانتها وهي التي تربت في العش الطاهر النقي النظيف، وهي الزهرة التي تفتحت في بستان الوحي، وفي حقل القرآن، وعلى يدي رسول الله ﷺ .
وهاهو الصديق ﵁ الرجل النقي النقي القلب والمشاعر يُرمى في شرفه، وعرضه، وابنته وزوج نبيه وخليله الذي أحبه من كل قلبه، وأحبه النبي من كل قلبه، نعم يُرمى الصديق ﵁، في أغلى ما يعتز به أي عربي فضلاً عن أي مسلم، ويقول الصديق قولته المشهورة، بمنتهى الحسرة والألم والمرارة، يقول: [والله ما رمينا بهذا في الجاهلية أفنرضى به في الإسلام!].
يُرمى في شرفه وها هو الصحابي الجليل الطاهر النظيف المجاهد الثقة صفوان بن المعطل السلمي ﵁ يرمى في خيانة نبيه وزوجه التي أحبها من كل قلبه، والله يوم أن يرمى صفوان في ذلك يرمى في دينه كله، وإسلامه كله.
بسبب ضياع هذا المبدأ ماجت المدينة بهذا الخبر الأليم، إنه التثبت والتبين يا عباد الله.
شهراً كاملاً تموج المدينة بهذه المقولة الآثمة، والرسول ﷺ يتألم آلاماً تنوء بحملها الجبال الراسيات، بأبي هو وأمي ﷺ ، يتألم النبي حتى إنه ببشريته وبإنسانيته يرسل إلى أسامة حبّ رسول الله وإلى علي ليسألهما عن عائشة ﵂، إنها بشرية وإنسانية النبي ﷺ ، ولحكمةٍ يعلمها العليم الخبير، يمضي شهرٌ كامل لا تنزل آيةٌ واحدةٌ في هذا الأمر على رسول الله ﷺ ، شهرٌ كاملٌ يا عباد الله! والرسول ﷺ يتألم وعائشة التي عرفت بالخبر مطحنها الألم ودغدغها البكاء بل وفلق البكاء كبدها، تتألم وهي تسأل أمها ببراءة الفتاة التقية النظيفة النقية، أو علمَ رسول الله بذلك؟ فتقول: بلى، أوعلم أبي ذلك؟ فتقول: بلى، أو تحدث الناس بذلك؟ فتقول أمها: بلى، وتنام عائشة ﵂ يدغدغها المرض ويطحنها الألم ويعصرها الخبر الأليم، والفرية الخطيرة.
стр. 29
نزول براءة الصديقة ﵂
عباد الله: وبعد شهرٍ كاملٍ يذهب النبي ﷺ إلى بيت أبي بكر إلى عائشة التي تنام في فراشها تتلوى وتتألم وإلى جوارها الصديق، وإلى جوارها أمها، ﵃ جميعاًَ ويجلس النبي ﷺ ، يجلس محمدٌ الإنسان، يجلس النبي الإنسان، يجلس الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، يجلس إلى جوار عائشة ﵂، ويحمد الله ، ويثني على الله جل وعلا، ويقول: (يا عائشة! لقد بغلني عنك كذا وكذا فإن كنتِ بريئة فسيبرؤك الله ، وإن كنت ألممتِ بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب إلى الله تاب الله عليه -بأبي هو وأمي ﷺ فقالت عائشة ﵂ فنظرت إلى أبيها وقالت: أجب رسول الله فيما يقول، فقال الصديق ﵁: والله ما أجد ما أقوله لرسول الله، فنظرت إلى أمها وقالت: يا أماه! أجيبي عن رسول الله فيما قال: فقالت أمها: والله يا ابنتي ما أجد ما أقول لرسول الله ﷺ ، تقول عائشة فقلتُ: والله لا أجد لكم مثلاً إلا ما قال أبو يوسف: فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون) لك الله يا عائشة! لك الله أيتها الصديقة الطاهرة! نعم يا عائشة: فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون.
قالت عائشة: [فحولتُ وجهي واضطجعت على فراشي وأنا والله أعلم أن الله مبرئي ببراءتي، ولكني ما كنتُ أظن أن الله منزلٌ في حقي قرآناً ووحياً يُتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن ينزل الله جل وعلا فيّ قرآناً يُتلى].
تقول عائشة ﵂: كنتُ أرجو الله أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا في نومه يبرئني الله بها، تقول: فوالله ما خرج أحدٌ من البيت إلا ونزل الوحي على رسول الله ﷺ ونحن ما زلنا في البيت، نزل الوحي على النبي ﵊ تقول: وسري عن رسول الله ﵊، أي زال عنه أثر الوحي وهو يضحك، ويقول لـ عائشة -وكانت أول كلمةٍ قالها-: (أبشري يا عائشة فلقد برأك الله فقالت أمها: [قومي يا عائشة قومي واشكري واحمدي رسول الله، فقالت عائشة: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ] فابتسم النبي ﷺ ، وتلا على عائشة وعلى أبيها وعلى أمها براءتها التي نزلت من العليم الخبير، تلا عليها قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:١١ - ٢٦].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 30
دعوة إلى أصحاب الكراسي للتثبت
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد: فيا أيها الأحباب: من أجل خطورة هذا المبدأ وخطورة هذه القاعدة، يجب على كل مسلمٍ أن يتبين وأن يتثبت قبل أن يتخذ أي قرار، وأخص بالذكر المسئولين عن المسلمين في كل مكان، يجب على كل مسلمٍ أن يتبين وأن يتثبت، ويجب عليه أن يكلف نفسه أن يسمع من المتهم قبل أن يتخذ القرار، وإلا فليست القرارات سهلةً هكذا، فسوف يعرض الجميع أمام محكمةٍ قاضيها الله، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، والله الذي لا إله غيره إن الظلم ظلمات يوم القيامة، فكم من الناس ظلم خلق الله وعباد الله، وذهب إلى فراشه فنام وغط غطيطاً ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد يا رب العالمين.
стр. 31
موقف الجلاس في غزوة تبوك
وفي مقابل هذه الصورة الآثمة صورة الإفك، والظلم، والطغيان والبطش، وعدم التثبت والتحري نرى صورة مشرقةً جميلةً وضيئةً، تَعلَّموا هذه الصورة واطبعوها في قلوبكم وقلوب أبنائكم وبناتكم إنه ذلك الفتى المؤمن، إنه الفتى الذي لم يتجاوز العاشرة إلا قليلاً، إنه عمير بن سعد ﵁، ذلكم الفتى البار الذي أحب رسول الله من كل قلبه، وتمكن الإيمان في كل كيانه وتغلغل في كل جوارحه، عمير بن سعد مات أبوه وتزوجت أمه برجلٍ ثري يقال له: الجلاس بن سويد وأحب عمير الجلاس حباً شديداً، وأحب الجلاس عميراً حباً شديداً لإيمانه وصلاحه وتقواه، وفي العام التاسع في غزوة تبوك أمر النبي ﷺ المسلمين أن يتجهزوا، ويستعدوا لهذه الغزوة البعيدة، في الوقت الذي اشتد فيه الحر وأمرهم بالإنفاق.
ولما كان المال في أيديهم أسرعوا بالإنفاق، ولكن سكن المال في قلوب المسلمين في هذه الأيام فمن أجل هذا المال يظلم، ويبطش ويطغى من أجل الحفاظ على كرسيه الزائل، ومنصبه الفاني الذي يدر عليه الريالات والدولارات، جاء الجميع بكل أموالهم، جاء الصديق بكل ماله، وجاء عمر بنصف ماله، وسابق المسلمون الصادقون في الإنفاق في سبيل الله، وتباطأ المنافقون الخالصون.
وعاد الفتى المؤمن عمير بن سعد إلى زوج أمه الجلاس بن سويد ليقص عليه أخبار البطولة، والبذل والعطاء والإنفاق من أصحاب النبي ﷺ ، ليستثير همته لينفق في سبيل الله، وإذا بـ الجلاس بن سويد يقول قولةً تخرجه من الإسلام دفعةً واحدة، وتدخله في الكفر من أوسع أبوابه، يرد الجلاس بن سويد على الفتى البار المؤمن، ويقول له: [والله إن كان محمدٌ صادقاً فنحن أشر من الحمير].
وذهل الفتى، وسقط في يده، ودارت به الأرض، ونظر إلى الجلاس وقال: [والله ما كان أحدٌ على ظهر الأرض بعد رسول الله أحب إليّ منك، ولقد قلت مقالةً إن أعلنتها فضحتك، وإن أخفيتها عن رسول الله خنتُ نفسي وديني!! -إن أعلنتها فضحتك، وإن أخفيتها أهلكتُ نفسي وخنتُ نفسي وديني- وإني ذاهبٌ إلى رسول الله ﷺ لأخبره فكن على بينةً من أمرك] وانطلق الفتى البار الصادق إلى النبي ﷺ في المسجد وأخبره بما قال الجلاس بن سويد.
هل اتخذ النبي قراراً؟ هل أصدر النبي فرماناً وحكماً مع أن الذي جاءه ثقة وشابٌ موثوقٌ؟ ما أصدر النبي القرار، وما اتخذ النبي الأمر، بل قال اجلس يا عمير؟ وأرسل النبي أحد أصحابه ليأتي بـ جلاس بن سويد، إنه التثبت والتبين.
قال سليمان للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل:٢٧] نحن لا نأخذ بهذه الكلمات المعسولة، وبهذه الكلمات الحلوة، فإن كل أحدٍ يريد أن يثبت لنفسه الحق، ويريد أن يزيح عن نفسه المسئولية، ولكن هيهات هيهات، فإن الكل مسئول أمام من يعلم السر وأخفى، قال النبي ﵊: اجلس يا عمير؟ وأرسل أحد أصحابه فأتى بالـ جلاس بن سويد، فأقبل الجلاس وحيا رسول الله ﷺ وجلس بين يديه، فقال له النبي: (يا جلاس ما مقالةٌ سمعها منكَ عمير بن سعد) وذكر له النبي ﷺ ما قاله عمير فقال الجلاس: [لا والله يا رسول الله ما قلتُ هذا أبداً، وإني أحلف بالله أن عميراً كذب عليك].
ونظر النبي إلى عمير بن سعد، وقد احتقن وجهه بالدم، وتساقطت الدموع على خديه وصدره مدراراً وهو يرفع رأسه إلى السماء يرفع عمير الفتى البار رأسه إلى السماء بعد هذا الموقف الحرج وهو يدعو الله جل وعلا ويقول: اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمتُ به.
واستجاب الله دعوة هذا الفتى، صعدت الدعوة إلى الله فاستجيبت فنزل الوحي على رسول الله ﷺ ، وأخذه ما كان يأخذه! فعلم الصحابة أن الوحي يتنزل فتعلقت الأنظار برسول الله ﷺ وصمتت الألسنة، وهدأت النفوس وسكنت الجوارح، وشخصت الأبصار برسول الله ﷺ والجلاس بدأ يظهر عليه الخوف وبدأ يرتعد، وبدأ يتهلل الفتى البار المؤمن عمير بن سعد ﵁، وسري عن النبي ﷺ وزال عنه أثر الوحي وهو يبتسم ويتلو قول الله جل وعلا: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ [التوبة:٧٤] الله أكبر! وارتعد الجلاس بن سويد، وقال: صدق والله عمير يا رسول الله، وإني لمن الكاذبين، أتوب إلى الله يا رسول الله، أتوب إلى الله يا رسول الله، والتفت النبي إلى الفتى الصادق البار عمير بن سعد وهو يبتسم ومد النبي يده الشريفة إلى أذن عمير بن سعد وأمسكها برفقٍ وقال لـ عمير: (وفت أذنك ما سمعت وصدقك ربك يا عمير).
الله أكبر! إنه الصدق وإنه التثبت والتبين.
وبعد ذلك أيها الأحباب يُذكِّر الله الصحابة والمسلمين جميعاً بالنعمة العظيمة الكريمة ألا وهي: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
اللهم ارزقنا الصدق في أقوالنا، وارزقنا الإخلاص في أعمالنا.
اللهم ارزقنا لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً جزلاً على البلاء صابراً.
اللهم ارزقنا اليقين فيك، اللهم ارزقنا التوكل عليك، اللهم ارزقنا الصبر على بابك، اللهم ارزقنا الاستعانة بك والاستغاثة بك.
اللهم ارزقنا يقيناً يباشر قلوبنا، وإخلاصاً يصدق أعمالنا، وصدقاً يباشر أقوالنا يا رب العالمين.
اللهم اجعلنا من الصادقين، اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، وأعمالنا من الشرك أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم لا تدع لأحدٍ منا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا حاجةً لك فيها رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم تقبل منا واقبلنا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك التواب الرحيم، ووفق ولاة الأمر لما تحبه وترضاه أنت ولي ذلك ومولاه يا رب العالمين، هذا وأكثروا من الصلاة والسلام على نبينا وحبيبنا وسيدنا محمدٍ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا وإن كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهوٍ أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 32
إنما المؤمنون إخوة
إن من أعظم الأسباب التي أعانت على قيام دولة الإسلام هي الأخوة الصادقة في الله ، التي جعلت من المسلمين جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، والأخوة في الله لها حقوق ينبغي أن يعمل بها الأخوة لكي تبقى الأخوة صافية صادقة بين المتحابين في الله ، وبالإضافة إلى ما تحققه الأخوة من مكاسب دنيوية، فإن لمن حققها الأجر العظيم في الآخرة.
стр. 33
حقيقة الأخوة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الكريم جل وعلا الذي جمعني معكم في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: لما رأيت إخواني جزاهم الله خيراً قد وضعوا لمحاضرة الليلة هذا العنوان: (ماذا بعد الموت) تذكرت أنني في هذا المسجد في الزيارة الماضية أفردت محاضرة للرقائق ولأهوال القيامة، فآثرت أن أغير الموضوع في هذه اللحظات، والله أسأل أن يرزقنا وإياكم التوفيق والسداد والرشاد، لذا فإن عنوان محاضرتنا في هذه الليلة: (إنما المؤمنون إخوة).
وكما تعودت دائماً حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا، فسوف ينتظم حديثي معكم تحت هذا العنوان المهم في العناصر المحددة التالية: أولاً: حقيقة الأخوة.
ثانياً: حقوق الأخوة.
ثالثاً: الطريق إلى الأخوة.
فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هدى الله وأولئك هم أولو الألباب.
стр. 34
انهيار بناء الأخوة بين أبناء العقيدة
أولاً: حقيقة الأخوة: أحبتي في الله: لقد أصبحت الأمة الآن غثاء من النفايات البشرية، تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلاتٍ متناثرة بل متصارعة متحاربة، تفصل بينها حدودٌ جغرافية مصطنعة، ونعرات قومية جاهلية، وترفرف على سماء الأمة رايات القومية والوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، إلا ما رحم ربك جل وعلا.
وتدور بالأمة الدوامات السياسية فلا تملك الأمة نفسها عن الدوارن، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تريد أن تدور فيه، ذلت بعد عزة، وجهلت بعد علم، وضعفت بعد قوة، وأصبحت في ذيل القافلة بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب جداً تقود القافلة كلها بجدارةٍ واقتدار.
وأصبحت الأمة الآن تتسول على موائد الفكر العلمي والإنساني، بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب منارةً تهدي الحيارى والتائهين ممن أحرقهم لفح الهاجرة القاتل، وأرهقهم طول المشي في التيه والظلام، بل وأصبحت الأمة الآن تتأرجح في سيرها، بل ولست مبالغاً إن قلت: ولا تعرف طريقها الذي ينبغي أن تسلكه وتسير فيه، بعد أن كانت الأمة بالأمس القريب جداً الدليل الحاذق الأرب في الدروب المتشابكة، والصحراء المهلكة التي لا يهتدي للسير فيها إلا المجربون، لقد أصبحت الأمة الآن قصعة مستباحة لأحقر وأخزى وأذل أمم الأرض، وصدق في الأمة قول الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، بأبي هو وأمي ﷺ ، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث ثوبان: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: كلا.
ولكنكم يومئذٍ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
لقد طمع في الأمة الآن كما ترون جميعاً الذليل قبل العزيز، والقاصي قبل الداني، بل والضعيف قبل القوي، وتجرعت الأمة الآن كئوس الذل والهوان، آهٍ يا مسلمون!
متنا قروناً والمحاق الأعمى يليه محاقُ
أي شيءٍ في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساقُ
نحن لحمٌ للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاقُ
وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراقُ
قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياقُ
واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنيا علينا واسودت الأعماقُ
وإذا الجذر مات في باطن الأرض تموت الأغصان والأوراقُ
آه يا مسلمون، سراييفوا تُباد كوسوفا تباد
القدس تُباد والعالم كله خسة وخيانة ونفاق
كوسوفا من دولة المجد عثمان أبوها والفاتح العملاق
كوسوفا من قلب مكة بالتوحيد يعلو لواؤها الخفاق
تركوها وحولها من كلاب الصرب طوقٌ من خلفه أطواق
قدمتها الصلبان للصرب قرباناً وللصرب كلهم عشاق
ووالله لو فعلنا بالصرب ما فعلوه لرأينا مثل الذي رآه العراق
стр. 35
سبب الذل الضارب جذوره في الأمة
ما هذا الذل؟ ما هذا الهوان؟ الذي تتجرع الأمة الآن كئوسه ألواناً وأشكالاً، ما السبب؟ وأنا ألخص لكم سبب هذا الذل والهوان الذي تحياه الأمة الآن، يتلخص في كلماتٍ دقيقةٍ قليلة بينها ربنا جل وعلا في آياتٍ جامعة من قرآنه فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال:٥٣] وأنا أقرر لكم، بل وأسجل للتاريخ أن الأمة قد غيَّرت وبدلت: في جانب العقيدة غيرت.
في جانب العبادة غيرت.
في جانب التشريع غيرت.
في جانب الأخلاق غيرت.
حتى في الجانب النفسي غيرت.
فأنت ترى العقيدة في الأمة تُذبح شر ذبحة، وأنا لا أعلم أبداً ولا أفهم من قرآنٍ، ولا سنةٍ نبوية، ولا سنة كونية ربانية، لا أفهم ألبتة أن الله ينصر أمة ذبحت عقيدته، وخذلت دينه، كانت العقيدة بالأمس القريب إذا مُسَّ جانبها سمعت الصديق يتوعد، والفاروق يهدد، وخالد بن الوليد يزمجر، ورأت العقيدة المؤمنين الصادقين يبذلون من أجلها الغالي والنفيس.
لكنك ترى الآن العقيدة تذبح شر ذبحة، وفي هذه الأمة -ولست مبالغاً حين أقول ذلك- من يثق في بعض دول الأرض وأمم الأرض أكثر من ثقته في خالق السماء والأرض، اختلت العقيدة في قلوبنا، بل لقد سمعت بأذني على شاشات التلفاز من يقول في احتفالٍ صاخبٍ كبير يقول بالحرف: إننا الليلة نحتفل بمولد سيدي السيد البدوي المهاب، الذي إن دُعي في البر والبحر أجاب، والله جل وعلا يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] أإله مع الله يجيب المضطرين في البر والبحر؟! وقرأت قول القائل: إنه ممن يعتقدون أن للكون أقطاب وأوتاد وأبدال تدبر نظام الكون وتسيِّر شئونه، وسمعت قول القائل:
هبو لي ديناً يجعل العرب أمةً وسيروا بجثماني على دين برهمِ
سلام على كفرٍ يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ
وسمعت قول القائل: إن مصر ستظل فرعونية، ولو وقف الإسلام حجر عثرة في طريق فرعونيتنا لنحينا الإسلام جانباً لتظل مصر فرعونية.
وقرأت قول القائل: لقد عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الغربيين، حتى الالتهابات التي في رئاتهم! والنجاسات التي في أمعائهم! أي عقيدة هذه؟! وفي العبادة: انحرف كثير من أبناء الأمة عن العبادة، فترى من يصرف العبادة لغير الله، ويحلف بغير الله، ويستغيث بغير الله، ويلجأ إلى غير الله، ويطوف بغير بيت الله في مكة شرفها الله، وترى من فهم العبادة فهماً جزئياً قاصراً، فهي لا تتعدى الشعائر التعبدية من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وعمرةٍ وحجٍ فحسب، ونحيت شريعة الله جل وعلا، والله ﵎ يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
هذا هو العامل الأول من عوامل ذل الأمة، فأنا أقول: إن الإسلام عقيدة تنبثق منها شريعة تنظم كل شئون الحياة، ولا يقبل الله من قومٍ شريعتهم إلا إذا صحت عقيدتهم، فالخطوة الأولى على طريق العز هي العقيدة.
وأرجو ألا تستهينوا على الإطلاق بالعقيدة، وحينما أذكر لفظة العقيدة فأنا لا أريد أن نفهم العقيدة فهماً جزئياً قاصراً، وإنما أقصد العقيدة بمفهومها الكامل الشامل الذي جاء به النبي ﷺ وعلمه أصحابه الكرام.
ثم ضاع العامل الثاني من عوامل العز، ألا وهو عامل الأخوة في الله.
فأنا أعتقد اعتقاداً جازماً أن الأخوة في الله هي العامل الثاني الذي أقام النبي بهما للإسلام دولةً في أرض الجزيرة من فتاتٍ متناثر، فإذا هي بناءٌ شامخ لا يطاوله بناء، بماذا؟ بالعقيدة التي ظل النبي ﷺ يربي عليها الصحابة في مكة ثلاثة عشر عاماً.
وأرجو ألا يظن أحد أن النبي قد ترك العقيدة في مكة يوم أن هاجر إلى المدينة كلا.
فإن العقيدة لا يُنتقل منها إلى غيرها، بل ينتقل معها إلى غيرها.
стр. 36
عبر من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
آخا النبي ﷺ بين أهل مكة من المهاجرين والأنصار في المدينة، هذا هو العامل الثاني: عقيدة ومؤاخاة، أخوة في الله، آخا بين حمزة القرشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، ومعاذ الأنصاري، وبلال الحبشي، وأنشد الجميع الأنشودة العذبة الحلوة:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
ويجسد لنا عبد الرحمن بن عوف هذه المؤاخاة التي لم ولن تعرف البشرية لها مثيلاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يجسد لنا عبد الرحمن هذه المؤاخاة تجسيداً بليغاً، والحديث في الصحيحين، يقول عبد الرحمن: [آخا رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال لي سعد -وكان من أكثر الأنصار مالاً: يا عبد الرحمن! أنا أكثر الأنصار مالاً، وسأقسم مالي بيني وبينك شطرين، وعندي امرأتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها].
أسألكم بالله أن تتدبروا في هذا الكلام، فأرجو ألا يمر على آذاننا هكذا، العربي عنده غيرة، وشهامة، ورجولة! فلو قال: سأقسم مالي بيني وبينك شطرين لكان الأمر هيناً، لكن انظر إلى الثانية وما أعجبها وأجملها: [وعندي امرأتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها].
فقال عبد الرحمن بن عوف: [بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن أين السوق؟] فدله على سوق بني قينقاع فذهب عبد الرحمن فباع واشترى، ثم منَّ الله عليه بالربح، فدخل على النبي ﷺ يوماً وعليه أثر صفرة، أي عليه أثر الطيب فقال له النبي: (مهيم) أي: ما لي أشم عليك رائحة الطيب يا عبد الرحمن؟ فقال: [تزوجت امرأةً من الأنصار يا رسول الله! قال: (وما سقت لها) قال: سقت إليها مقدار نواة من ذهب] محل الشاهد ما قاله سعد بن الربيع وما قاله عبد الرحمن؟ فقد يئن الآن كثيرٌ من الإخوة ويقولون: رحم الله زمان سعد بن الربيع، أين من يعطي الآن عطاء سعد؟ وأنا أقول: وأين من يتعفف الآن عفة عبد الرحمن؟ لقد انطلق رجلٌ إلى أحد السلف وقال له: أين من ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية، فقال له: ذهبوا مع من لا يسألون الناس إلحافاً.
إن سألت أين من يعطي عطاء سعد؟ سأجيبك: وأين من يتعفف عفة عبد الرحمن بن عوف؟ انظروا إلى هذه الصورة من المؤاخاة، فصدقوني لست مبالغاً إن قلت: لقد حل المهاجرون في قلوب الأنصار وعيونهم قبل أن يحلوا في بيوتهم ودورهم، واستحقوا من الله هذا الثناء الخالد: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
стр. 37
معنى الأخوة في الله وحقها
إن معنى الأخوة في الله لا نظير له في جميع الشرائع الوضعية على وجه الأرض؛ لأنه لا ينبني على أواصر العرق واللون والدم والوطن، وإنما ينبني على الأواصر الإيمانية، والروابط العقدية التي لا تنفصم عراها ولا تزول، فالمؤمنون جميعاً إخوة مهما اختلفت ألوان بشرتهم، ومهما اختلفت أرضهم وديارهم وأوطانهم، يربطهم جميعاً رباط الإيمان والإسلام، كأنهم روحٌ واحد حل في أجسامٍ متفرقة، أو كأنهم أغصانٌ متشابكة انبثقوا من دوحة واحدة، هكذا ينبغي أن يكون المؤمنون.
فإن وجدت إيماناً بلا أخوة صادقة فاعلم بأنه إيمانٌ ناقص، وإن وجدت أخوة بلا إيمان فاعلم أنه التقاء مصالح، وتبادل منافع، وليست أخوة إيمانية، إذ أن الأخوة ثمرة حتمية للإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
يوم أن ضاع هذا المعنى العظيم، وأصبح المؤمن ينظر إلى أخيه الذي جاءه من بلدٍ مسلمٍ آخر نظرة الغرابة والغربة، لما ضاع المعنى الحقيقي للأخوة أصبح المسلم يرى أخاه المسلم ويرى أخته المسلمة تذبح هنا وهنالك فينظر ويهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه، وربَّما يرى على شاشات التلفاز المسلم يُذبح في الصومال، أو فلسطين، أو العراق، أو كشمير، أو طاجكستان، أو الفلبين، أو أي مكان، وهو ينظر بعينه وسرعان ما يهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه لا من بعيدٍ ولا من قريب.
لماذا؟ لأن الأخوة في الله أصبحت باهته باردة لا تتعدى مجرد الكلمات، لا تتعدى مجرد لغة الشجب والاستنكار فحسب، حتى الشعور فقد مات، إلا من رحم ربك جل وعلا، صحيحٌ ربما تنسي المصائب المصائب، لكن لا ينبغي أن تفقد حتى مشاعر الأخوة تجاه إخوانك وأخواتك هنا وهنالك، لا بد أن يحمل كل واحد منا همَّ هذا الدين، وهمَّ هذه العقيد، وهمَّ هذه الأمة، إن الهموم بقدر الهمم.
فمن الناس من يحمل هم الطين، ومنهم من يحمل هم الدين، ومن الناس من يحمل هموم أسرته، ومنهم من يحمل هموم أمته، ومنهم من لا هم له سوى أن يجمع المال ولو كان من الحرام، ومنهم من لا هم له سوى أن يستمتع بامرأة حسناء في الحلال أو في الحرام، ولو نظرنا إلى أحوال همومنا وهِممنا وعرضناها على هموم وهمم السلف، لبكينا دماً بدل الدمع! فها هو عبد الله بن عمر رضوان الله عليه يجتمع في بيت الله الحرام هو وعروة بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان فيقول لهم مصعب بن الزبير: [تمنوا فنحن في بيت الله، تمنوا على الله جل وعلا، فقالوا: ابدأ أنت يا مصعب ما دمت قد طلبت ذلك، فقال مصعب بن الزبير: أما أنا فأتمنى ولاية العراق، وأن أتزوج سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فنال ما تمنى وتلك همته وهذا همه.
فقال عبد الملك بن مروان: أما أنا فأتمنى الخلافة، فنال ما تمنى.
فقال عروة بن الزبير: أما أنا فأتمنى أن أكون فقيهاً، وأن يحمل الناس عني حديث رسول الله، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى الجنة] إن الهموم بقدر الهمم.
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتعظمُ في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائمُ
ولله در المتنبي إذ يقول:
وإذا النفوس كانت كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ
فلما ضاع المعنى الحقيقي للأخوة أصبحنا نرى المسلمين والمسلمات يُذبحون في الشرق والغرب ذبح الخراف ولا تتحرك حتى مشاعرنا، تبلدت المشاعر وبردت إلا من رحم ربك، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن رحم.
من أجل ذلك أقول: ينبغي أن نتعرف -أيها الأحبة- على حقوق الأخوة، وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجازٍ شديد من عناصر المحاضرة، وإلا فإن كل عنصرٍ من هذه العناصر يحتاج إلى محاضرة مستقلة.
стр. 38
حقوق الأخوة
وبداية أسجل لكم أني لا أتكلم في حقوق الأخوة من منطلق الشعور بالأهلية، لا والله! بل يتردد في أذني قول القائل:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليلُ
وقد ينطلق المرء للحديث في موضوعٍ من منطلق الشعور بالمسئولية لا من منطلق الشعور بالأهلية، وهذا ما تؤصله القاعدة الأصولية: من عدم الماء تيمم بالتراب، والله أسأل أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخر.
стр. 39
الحق الأول: الحب في الله والبغض في الله
لن تتذوق طعم الأخوة إلا بهذا، أصبح الولاء الآن على غير هذا الأصل، وأصبح البراء على غير هذه الغاية؛ الحب في الله والبغض في الله، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان).
والحب في الله شيءٌ غالٍ، وأمرٌ عظيم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ يقول: (ينادي ربنا جل وعلا يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) لو عرفت هول الموقف؛ لاستشعرت حلاوة هذا الكلام النبوي، لو تصورت أن الشمس فوق رأسك، وأنك غارقٌ في عرقك، وأن جهنم قد جُرَّت إلى أرض المحشر، وقد أُتي بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملكٍ يجرونها -والحديث في صحيح مسلم - لو تصورت أن الله قد غضب في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، لاستشعرت قول النبي ﷺ : (ينادي الحق: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) حديثٌ عجيب جميل، وجزاءٌ عظيم للحب في الله، بل لن تتذوق طعم الإيمان إلا بالحب في الله والبغض في الله، كما في الصحيحين من حديث أنس: (ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف به في النار).
بل وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -أيضاً- أن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً زار أخاً له في قرية فأرصد الله له على مدرجته -أي: على طريقه- ملكاً، فقال له الملك: أين تريد؟ قال: لأزور أخاً لي في هذه القرية، فقال له الملك: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ -أي: تريد زيادتها- قال: لا.
غير أني أحببته في الله، فقال له الملك: فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه) من أنت لتنال حب الله جل وعلا بالحب في الله والبغض في الله.
بل في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي ومالك في الموطأ بسندٍ حسن صحيح، أن أبا إدريس الخولاني ﵀ قال: دخلت مسجد دمشق وإذا بفتى براق الثنايا، والناس من حوله يسألونه ويصدرون عن رأيه، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل ﵁، يقول: فلما كان من الغد هجَّرت إلى المسجد -أي: بكرت- فرأيت معاذاً قد سبقني بالتهجير ووجدته قائماً يصلي، فانتظرت حتى قضى صلاته، ثم أتيته من قبل وجهه فسلمت عليه وقلت له: إني أحبك في الله، يقول: فأخذني بحبوة ردائي -جبذني بحبوة ردائي- وقال: آللهِ، فقال: أبو إدريس: آللهِ، قال معاذ: آلله تحبني في الله، قال أبو إدريس: آلله، قال: آلله -ثلاثاً- قال أبو إدريس: آلله، فقال له معاذ: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ).
ومن السنة -أخي الحبيب- إن أحببت أحد إخوانك أن تبين له حبك، فهذا مما يدعم أواصر الأخوة بينك وبين أخيك، كما في الحديث الذي رواه أبو داود بسندٍ صحيح، من حديث المقدام بن معد كرب أن النبي ﷺ قال: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره).
وفي سنن أبي داود بسندٍ صحيح من حديث أنس أن رجلاً مر على مجلس النبي، فقال رجل للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إني أحب هذا فقال له النبي: أأعلمته، قال: لا.
قال ﷺ : فأعلمه، فانطلق الرجل خلف أخيه، وقال: إني أحبك في الله، قال: أحبك الله الذي أحببتني له).
وامتثالاً لهذا الحديث النبوي فأنا أشهد الله أني أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله أن يجمعنا مع المتحابين بجلاله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأبشر حبيبي في الله فإن المرء يحشر يوم القيامة مع من أحب.
- حدد من تحب؟ ففي الصحيحين من حديث أنس أن رجلاً جاء للنبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل ولا صلاة غير أني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﵊: المرء مع من أحب) يقول أنس: [فما فرحنا بشيء كفرحنا بقول النبي ﷺ : (المرء مع من أحب)].
يقول عبد الله بن عمر رضوان الله عليه: [والله لو صمت النهار لا أفطر، وقمت الليل لا أرقد، وأنفقت مالي في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حبٌ لأهل طاعة الله، وبغضٌ لأهل معصية الله، ما نفعني ذلك كله].
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: [لو قام رجلٌ يعبد الله بين الركن والمقام سبعين سنة لحشر يوم القيامة مع من يحب] ولاء وبراء، لا يصح لك دينٌ إلا بالولاء والبراء، بالحب في الله والبغض في الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
قال حذيفة بن اليمان: [فليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري لقوله تعالى: ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ))].
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان
وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان
إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان
فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان
...
لو صدقت الله حين زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر
وواليت أهل الحق سراً وجهرةً ولما تعاديهم وللكفر تنصر
فما كل من قد قال ما قلتَ مسلماً ولكن بأشراطٍ هنالك تذكر
مباينة الكفار في كل موطنٍ بذا جاءنا النص الصحيح المقرر
وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذلك وتجهر
فهذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنتَ تشعر
стр. 40
الحق الثاني: التورع في القول وحسن الظن بالإخوة
سبحان ربي العظيم! قد لا يتورع الأخ عن أكل لحم أخيه، في الوقت الذي ترى عنده تورعاً باهتاً ربما عن أكل الحلال، إن الكلمة خطيرة يا إخوة، والله يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] من: التبعيضية، والنبي ﷺ يقول كما في الصحيحين عن أبي هريرة: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً فيرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم).
فالكلمة خطيرة، فمن حق أخيك عليك أن تتورع عنه في القول، وأن تحسن الظن به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] والرسول ﷺ يقول: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).
من حقي عليك ومن حقك عليَّ أن أحسن في حقك القول، وألا آكل لحمك وأنهش عرضك بعد أن تفارقني، ربما يجلس الأخ مع أخيه في مجلسٍ واحد، وبمجرد أن يعطي الأخ لأخيه ظهره يطعنه بكلمات، والكلمة شديدة، ربما تكون الكلمة أخطر من السيف.
فبالكلمة قد تهدم البيوت، وتتحطم الأسر، بل وتثار المشاكل بين الدول والأمم بكلمة، سواء كانت الكلمة مقروءة، أو مكتوبة، أو مسموعة، أو مرئية، أو مرسومة.
إن ترك الألسنة تلقي التهم جزافاً دون بينةٍ أو دليل يترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقول ما شاء في أي وقتٍ شاء، ثم يمضي آمناً مطمئناً، فتصبح الجماعة وتمسي وإذا أعراضها مجرحة وسمعتها ملوثة، وإذا كل فردٍ فيها متهم أو مهدد بالاتهام، وهذه حالةٌ من القلق والشك والريبة لا تطاق بحالٍ من الأحوال، ولذلك روى النسائي بسندٍ صحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان -أي تذل له وتخضع- وتقول له: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا) وفي رواية الطبراني في الأوسط بسندٍ صححه الألباني بمجموع طرقه في صحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: (الربا اثنان وسبعون باباً، أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عرض أخيه).
انظروا إلى خطر الكلمة، فالكلمة خطيرة أيها الأحبة، فمن حق الأخ على أخيه أن يتورع عنه في القول، فبكل أسف قد يتورع المسلم عن أكل الحلال فيسأل هذا الشيء مستورد أم محلي؟ ورعٌ جميلٌ محمود، لا أقلل من شأنه أبداً، لكن الذي أقلل من شأنه أن ترى هذا التورع في هذا الجانب، الذي ربما يكون فيه الطعام حلالاً، ولا ترى عشر معشار هذا التورع عن أكل لحم الإخوة من المسلمين والمسلمات، فمن حق الأخ على أخيه التورع في القول.
وتزداد الكارثة والمأساة حينما يؤكل لحم العلماء أئمة الهدى مصابيح الدجى، والشموع التي تحترق لتضيء للأمة طريق نبيها، فقد ترى شبلاً صغيراً من أشبالنا لم يتربَّ إلا على التصنيف، لم يتربَّ على القرآن ابتداءً ولا على السنة، فخرج متأسداً متنمراً لبعض المسائل العلمية التي حفظها، فيتأسد على العلماء، وينتهك لحم وأعراض العلماء، فتسمع من يسيء إلى أئمة المسلمين في هذا الزمان، ولله در الحافظ ابن عساكر إذ يقول: "اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني الله وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، اعلم بأن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب".
следующие страницы →