Полный текст (1 901 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عبر من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
آخا النبي ﷺ بين أهل مكة من المهاجرين والأنصار في المدينة، هذا هو العامل الثاني: عقيدة ومؤاخاة، أخوة في الله، آخا بين حمزة القرشي، وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، ومعاذ الأنصاري، وبلال الحبشي، وأنشد الجميع الأنشودة العذبة الحلوة:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
ويجسد لنا عبد الرحمن بن عوف هذه المؤاخاة التي لم ولن تعرف البشرية لها مثيلاً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يجسد لنا عبد الرحمن هذه المؤاخاة تجسيداً بليغاً، والحديث في الصحيحين، يقول عبد الرحمن: [آخا رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فقال لي سعد -وكان من أكثر الأنصار مالاً: يا عبد الرحمن! أنا أكثر الأنصار مالاً، وسأقسم مالي بيني وبينك شطرين، وعندي امرأتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها].
أسألكم بالله أن تتدبروا في هذا الكلام، فأرجو ألا يمر على آذاننا هكذا، العربي عنده غيرة، وشهامة، ورجولة! فلو قال: سأقسم مالي بيني وبينك شطرين لكان الأمر هيناً، لكن انظر إلى الثانية وما أعجبها وأجملها: [وعندي امرأتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها].
فقال عبد الرحمن بن عوف: [بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن أين السوق؟] فدله على سوق بني قينقاع فذهب عبد الرحمن فباع واشترى، ثم منَّ الله عليه بالربح، فدخل على النبي ﷺ يوماً وعليه أثر صفرة، أي عليه أثر الطيب فقال له النبي: (مهيم) أي: ما لي أشم عليك رائحة الطيب يا عبد الرحمن؟ فقال: [تزوجت امرأةً من الأنصار يا رسول الله! قال: (وما سقت لها) قال: سقت إليها مقدار نواة من ذهب] محل الشاهد ما قاله سعد بن الربيع وما قاله عبد الرحمن؟ فقد يئن الآن كثيرٌ من الإخوة ويقولون: رحم الله زمان سعد بن الربيع، أين من يعطي الآن عطاء سعد؟ وأنا أقول: وأين من يتعفف الآن عفة عبد الرحمن؟ لقد انطلق رجلٌ إلى أحد السلف وقال له: أين من ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية، فقال له: ذهبوا مع من لا يسألون الناس إلحافاً.
إن سألت أين من يعطي عطاء سعد؟ سأجيبك: وأين من يتعفف عفة عبد الرحمن بن عوف؟ انظروا إلى هذه الصورة من المؤاخاة، فصدقوني لست مبالغاً إن قلت: لقد حل المهاجرون في قلوب الأنصار وعيونهم قبل أن يحلوا في بيوتهم ودورهم، واستحقوا من الله هذا الثناء الخالد: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
стр. 37
معنى الأخوة في الله وحقها
إن معنى الأخوة في الله لا نظير له في جميع الشرائع الوضعية على وجه الأرض؛ لأنه لا ينبني على أواصر العرق واللون والدم والوطن، وإنما ينبني على الأواصر الإيمانية، والروابط العقدية التي لا تنفصم عراها ولا تزول، فالمؤمنون جميعاً إخوة مهما اختلفت ألوان بشرتهم، ومهما اختلفت أرضهم وديارهم وأوطانهم، يربطهم جميعاً رباط الإيمان والإسلام، كأنهم روحٌ واحد حل في أجسامٍ متفرقة، أو كأنهم أغصانٌ متشابكة انبثقوا من دوحة واحدة، هكذا ينبغي أن يكون المؤمنون.
فإن وجدت إيماناً بلا أخوة صادقة فاعلم بأنه إيمانٌ ناقص، وإن وجدت أخوة بلا إيمان فاعلم أنه التقاء مصالح، وتبادل منافع، وليست أخوة إيمانية، إذ أن الأخوة ثمرة حتمية للإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠].
يوم أن ضاع هذا المعنى العظيم، وأصبح المؤمن ينظر إلى أخيه الذي جاءه من بلدٍ مسلمٍ آخر نظرة الغرابة والغربة، لما ضاع المعنى الحقيقي للأخوة أصبح المسلم يرى أخاه المسلم ويرى أخته المسلمة تذبح هنا وهنالك فينظر ويهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه، وربَّما يرى على شاشات التلفاز المسلم يُذبح في الصومال، أو فلسطين، أو العراق، أو كشمير، أو طاجكستان، أو الفلبين، أو أي مكان، وهو ينظر بعينه وسرعان ما يهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه لا من بعيدٍ ولا من قريب.
لماذا؟ لأن الأخوة في الله أصبحت باهته باردة لا تتعدى مجرد الكلمات، لا تتعدى مجرد لغة الشجب والاستنكار فحسب، حتى الشعور فقد مات، إلا من رحم ربك جل وعلا، صحيحٌ ربما تنسي المصائب المصائب، لكن لا ينبغي أن تفقد حتى مشاعر الأخوة تجاه إخوانك وأخواتك هنا وهنالك، لا بد أن يحمل كل واحد منا همَّ هذا الدين، وهمَّ هذه العقيد، وهمَّ هذه الأمة، إن الهموم بقدر الهمم.
فمن الناس من يحمل هم الطين، ومنهم من يحمل هم الدين، ومن الناس من يحمل هموم أسرته، ومنهم من يحمل هموم أمته، ومنهم من لا هم له سوى أن يجمع المال ولو كان من الحرام، ومنهم من لا هم له سوى أن يستمتع بامرأة حسناء في الحلال أو في الحرام، ولو نظرنا إلى أحوال همومنا وهِممنا وعرضناها على هموم وهمم السلف، لبكينا دماً بدل الدمع! فها هو عبد الله بن عمر رضوان الله عليه يجتمع في بيت الله الحرام هو وعروة بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان فيقول لهم مصعب بن الزبير: [تمنوا فنحن في بيت الله، تمنوا على الله جل وعلا، فقالوا: ابدأ أنت يا مصعب ما دمت قد طلبت ذلك، فقال مصعب بن الزبير: أما أنا فأتمنى ولاية العراق، وأن أتزوج سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة بن عبيد الله، فنال ما تمنى وتلك همته وهذا همه.
فقال عبد الملك بن مروان: أما أنا فأتمنى الخلافة، فنال ما تمنى.
فقال عروة بن الزبير: أما أنا فأتمنى أن أكون فقيهاً، وأن يحمل الناس عني حديث رسول الله، وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى الجنة] إن الهموم بقدر الهمم.
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ وتأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتعظمُ في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائمُ
ولله در المتنبي إذ يقول:
وإذا النفوس كانت كباراً تعبت في مرادها الأجسامُ
فلما ضاع المعنى الحقيقي للأخوة أصبحنا نرى المسلمين والمسلمات يُذبحون في الشرق والغرب ذبح الخراف ولا تتحرك حتى مشاعرنا، تبلدت المشاعر وبردت إلا من رحم ربك، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن رحم.
من أجل ذلك أقول: ينبغي أن نتعرف -أيها الأحبة- على حقوق الأخوة، وهذا هو عنصرنا الثاني بإيجازٍ شديد من عناصر المحاضرة، وإلا فإن كل عنصرٍ من هذه العناصر يحتاج إلى محاضرة مستقلة.
стр. 38
حقوق الأخوة
وبداية أسجل لكم أني لا أتكلم في حقوق الأخوة من منطلق الشعور بالأهلية، لا والله! بل يتردد في أذني قول القائل:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليلُ
وقد ينطلق المرء للحديث في موضوعٍ من منطلق الشعور بالمسئولية لا من منطلق الشعور بالأهلية، وهذا ما تؤصله القاعدة الأصولية: من عدم الماء تيمم بالتراب، والله أسأل أن يستر عليَّ وعليكم في الدنيا والآخر.
стр. 39
الحق الأول: الحب في الله والبغض في الله
لن تتذوق طعم الأخوة إلا بهذا، أصبح الولاء الآن على غير هذا الأصل، وأصبح البراء على غير هذه الغاية؛ الحب في الله والبغض في الله، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان).
والحب في الله شيءٌ غالٍ، وأمرٌ عظيم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ يقول: (ينادي ربنا جل وعلا يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) لو عرفت هول الموقف؛ لاستشعرت حلاوة هذا الكلام النبوي، لو تصورت أن الشمس فوق رأسك، وأنك غارقٌ في عرقك، وأن جهنم قد جُرَّت إلى أرض المحشر، وقد أُتي بها لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملكٍ يجرونها -والحديث في صحيح مسلم - لو تصورت أن الله قد غضب في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، لاستشعرت قول النبي ﷺ : (ينادي الحق: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) حديثٌ عجيب جميل، وجزاءٌ عظيم للحب في الله، بل لن تتذوق طعم الإيمان إلا بالحب في الله والبغض في الله، كما في الصحيحين من حديث أنس: (ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف به في النار).
بل وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -أيضاً- أن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً زار أخاً له في قرية فأرصد الله له على مدرجته -أي: على طريقه- ملكاً، فقال له الملك: أين تريد؟ قال: لأزور أخاً لي في هذه القرية، فقال له الملك: هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ -أي: تريد زيادتها- قال: لا.
غير أني أحببته في الله، فقال له الملك: فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه) من أنت لتنال حب الله جل وعلا بالحب في الله والبغض في الله.
بل في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي ومالك في الموطأ بسندٍ حسن صحيح، أن أبا إدريس الخولاني ﵀ قال: دخلت مسجد دمشق وإذا بفتى براق الثنايا، والناس من حوله يسألونه ويصدرون عن رأيه، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا معاذ بن جبل ﵁، يقول: فلما كان من الغد هجَّرت إلى المسجد -أي: بكرت- فرأيت معاذاً قد سبقني بالتهجير ووجدته قائماً يصلي، فانتظرت حتى قضى صلاته، ثم أتيته من قبل وجهه فسلمت عليه وقلت له: إني أحبك في الله، يقول: فأخذني بحبوة ردائي -جبذني بحبوة ردائي- وقال: آللهِ، فقال: أبو إدريس: آللهِ، قال معاذ: آلله تحبني في الله، قال أبو إدريس: آلله، قال: آلله -ثلاثاً- قال أبو إدريس: آلله، فقال له معاذ: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ).
ومن السنة -أخي الحبيب- إن أحببت أحد إخوانك أن تبين له حبك، فهذا مما يدعم أواصر الأخوة بينك وبين أخيك، كما في الحديث الذي رواه أبو داود بسندٍ صحيح، من حديث المقدام بن معد كرب أن النبي ﷺ قال: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره).
وفي سنن أبي داود بسندٍ صحيح من حديث أنس أن رجلاً مر على مجلس النبي، فقال رجل للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إني أحب هذا فقال له النبي: أأعلمته، قال: لا.
قال ﷺ : فأعلمه، فانطلق الرجل خلف أخيه، وقال: إني أحبك في الله، قال: أحبك الله الذي أحببتني له).
وامتثالاً لهذا الحديث النبوي فأنا أشهد الله أني أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله أن يجمعنا مع المتحابين بجلاله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأبشر حبيبي في الله فإن المرء يحشر يوم القيامة مع من أحب.
- حدد من تحب؟ ففي الصحيحين من حديث أنس أن رجلاً جاء للنبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير عمل ولا صلاة غير أني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﵊: المرء مع من أحب) يقول أنس: [فما فرحنا بشيء كفرحنا بقول النبي ﷺ : (المرء مع من أحب)].
يقول عبد الله بن عمر رضوان الله عليه: [والله لو صمت النهار لا أفطر، وقمت الليل لا أرقد، وأنفقت مالي في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حبٌ لأهل طاعة الله، وبغضٌ لأهل معصية الله، ما نفعني ذلك كله].
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: [لو قام رجلٌ يعبد الله بين الركن والمقام سبعين سنة لحشر يوم القيامة مع من يحب] ولاء وبراء، لا يصح لك دينٌ إلا بالولاء والبراء، بالحب في الله والبغض في الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
قال حذيفة بن اليمان: [فليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يدري لقوله تعالى: ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ))].
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان
وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان
إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان
فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان
...
لو صدقت الله حين زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر
وواليت أهل الحق سراً وجهرةً ولما تعاديهم وللكفر تنصر
فما كل من قد قال ما قلتَ مسلماً ولكن بأشراطٍ هنالك تذكر
مباينة الكفار في كل موطنٍ بذا جاءنا النص الصحيح المقرر
وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذلك وتجهر
فهذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنتَ تشعر
стр. 40
الحق الثاني: التورع في القول وحسن الظن بالإخوة
سبحان ربي العظيم! قد لا يتورع الأخ عن أكل لحم أخيه، في الوقت الذي ترى عنده تورعاً باهتاً ربما عن أكل الحلال، إن الكلمة خطيرة يا إخوة، والله يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] من: التبعيضية، والنبي ﷺ يقول كما في الصحيحين عن أبي هريرة: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً فيرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم).
فالكلمة خطيرة، فمن حق أخيك عليك أن تتورع عنه في القول، وأن تحسن الظن به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] والرسول ﷺ يقول: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث).
من حقي عليك ومن حقك عليَّ أن أحسن في حقك القول، وألا آكل لحمك وأنهش عرضك بعد أن تفارقني، ربما يجلس الأخ مع أخيه في مجلسٍ واحد، وبمجرد أن يعطي الأخ لأخيه ظهره يطعنه بكلمات، والكلمة شديدة، ربما تكون الكلمة أخطر من السيف.
فبالكلمة قد تهدم البيوت، وتتحطم الأسر، بل وتثار المشاكل بين الدول والأمم بكلمة، سواء كانت الكلمة مقروءة، أو مكتوبة، أو مسموعة، أو مرئية، أو مرسومة.
إن ترك الألسنة تلقي التهم جزافاً دون بينةٍ أو دليل يترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقول ما شاء في أي وقتٍ شاء، ثم يمضي آمناً مطمئناً، فتصبح الجماعة وتمسي وإذا أعراضها مجرحة وسمعتها ملوثة، وإذا كل فردٍ فيها متهم أو مهدد بالاتهام، وهذه حالةٌ من القلق والشك والريبة لا تطاق بحالٍ من الأحوال، ولذلك روى النسائي بسندٍ صحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان -أي تذل له وتخضع- وتقول له: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا) وفي رواية الطبراني في الأوسط بسندٍ صححه الألباني بمجموع طرقه في صحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: (الربا اثنان وسبعون باباً، أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربا الربا استطالة الرجل في عرض أخيه).
انظروا إلى خطر الكلمة، فالكلمة خطيرة أيها الأحبة، فمن حق الأخ على أخيه أن يتورع عنه في القول، فبكل أسف قد يتورع المسلم عن أكل الحلال فيسأل هذا الشيء مستورد أم محلي؟ ورعٌ جميلٌ محمود، لا أقلل من شأنه أبداً، لكن الذي أقلل من شأنه أن ترى هذا التورع في هذا الجانب، الذي ربما يكون فيه الطعام حلالاً، ولا ترى عشر معشار هذا التورع عن أكل لحم الإخوة من المسلمين والمسلمات، فمن حق الأخ على أخيه التورع في القول.
وتزداد الكارثة والمأساة حينما يؤكل لحم العلماء أئمة الهدى مصابيح الدجى، والشموع التي تحترق لتضيء للأمة طريق نبيها، فقد ترى شبلاً صغيراً من أشبالنا لم يتربَّ إلا على التصنيف، لم يتربَّ على القرآن ابتداءً ولا على السنة، فخرج متأسداً متنمراً لبعض المسائل العلمية التي حفظها، فيتأسد على العلماء، وينتهك لحم وأعراض العلماء، فتسمع من يسيء إلى أئمة المسلمين في هذا الزمان، ولله در الحافظ ابن عساكر إذ يقول: "اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلني الله وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، اعلم بأن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب".
стр. 41
الحق الثالث: التناصح
روى مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة -انظروا إلى هذه البلاغة النبوية- قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
يا أخي! أنا لست ملكاً ولا نبياً، أنا بشر وكل بني آدم خطَّاء، فمن حقي عليك إن أخطأتُ أنا أن تنصحني، وأن تقترب مني وأن تبذل لي النصيحة، لا أن تظل بعيداً عني لتصدر الأحكام عليَّ بالتكفير أو التفسيق أو التبديع، وإنما ادن مني واقترب، وابذل الحق الذي عليك لي، وانصحني بشروط النصيحة وآدابها، بتواضع، بحكمة، برحمة، بأدب، بخلق.
وأرجو من شبابنا وطلابنا أن يفرقوا بين مقام الدعوة ومقام الجهاد، فمقام الدعوة -أيها الأحبة- من الألف إلى الياء، ولو كانت الدعوة لأكثر أهل الأرض.
مقام الدعوة: الحكمة والرحمة واللين والتواضع، هذه آداب النصيحة، قال الله لإمام الدعاة وسيد الأنبياء محمد ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ما هي الحكمة؟ قال ابن القيم: الحكمة هي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي، وأركانها: العلم والحلم والأناة، وآفاتها وأضدادها ومعاول هدمها: الجهل والطيش والعجلة.
بحكمة ورحمة قال الله لسيد الدعاة: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] يا أخي! انصحني برحمة، لا تكن غليظاً ولا شديداً عليَّ، أسمع أحد إخواننا ينصح مسلماً وهو بعد أن سمع الأذان، وإذا بالأخ يريد أن ينصح أخاه بالصلاة فيقول له: صلي يا حمار، فسمعت الكلمة واقتربت منه، قلت: يا أخي! إن الله لم يفرض الصلاة على الحمير، ففطن.
إذاً: هذه ليست دعوة، وليست نصيحة، انصح أخاك برحمة، أشعر من تنصحه أنك رحيمٌ به حليمٌ تخشى عليه، وهذا من حقه عليك.
يأتي شابٌ للنبي ﵊ والحديث في مسند أحمد بسندٍ جيد، ويستأذن رسول الله -والله ما استأذنه للخروج إلى الجهاد ولا البذل ولا الخروج إلى الدعوة- وإنما جاء ليستأذن النبي في الزنا: (أتأذن لي يا رسول الله! في الزنا؟ فقال الصحابة: مه مه! فقال له: ادن -اقترب- وبلغة نبوية رحيمة، يقول له المصطفى المعلم والمربي والأسوة والقدوة: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك، قال: وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لأختك؟ أتحبه لعمتك؟ أتحبه لخالتك؟ لا والله يا رسول الله! جعلني الله فداك، قال: وكذلك الناس) ومع ذلك رفع النبي يده ووضعها على صدر هذا الشاب ودعا له، الذي جاء يطلب الزنا دعا له النبي ﷺ فقال: (اللهم اشرح صدره، واغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه) فانطلق الشاب ولا يوجد شيءٌ على الأرض أبغض إليه من الزنا، والأدلة النبوية العملية على الرحمة كثيرة.
ثم اللين: كن ليناً بمن تنصحه، هل رأيتم يا إخوة طبيباً فتح عيادته الخاصة للمرضى، حتى إذا دخل عليه مريض طرده؛ لأنه مريض؟ هو ما فتحها إلا للمرضى، فأنتم يا من منَّ الله عليكم بالسنة، والعقيدة الصافية، والفهم الراقي، أنتم أطباء لمرضى القلوب، والنفوس، ولمن انحرفوا عن الحق والمنهج، افتحوا قلوبكم وصدوركم إلى إخوانكم قبل أن تفتحوا مساجدكم وبيوتكم ومجالسكم، وابذلوا لهم النصيحة بهذه الضوابط والشروط، إن الله يأمر موسى وهارون أن يذهبا إلى فرعون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٣ - ٤٤] قرأ سيدنا قتادة هذه الآية وقال: يا رب! تأمر موسى وهارون أن يقولا لفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] أن يقولا له قولاً ليناً؟ فإن كان هذا هو حلمك بفرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فكيف حلمك بعبدٍ قال: ((سبحان ربي الأعلى))؟ وأنا أقول: إن الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، والحديث في صحيح مسلم، مرت بغيٌ من بغايا بني اسرائيل على كلبٍ يلهث الثرى من العطش، فعادت إلى بئر ماء فملأت خفها بالماء وقدمته للكلب فشرب، يقول النبي: (فغفر الله لها بذلك).
أقول: إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا؟ النصيحة والتناصح، بأدب وتواضع وحكمة ورحمة ولين، إن وجدت أخاك على خطأ ادن منه واقترب، وقل له: أخي! أحبك والله في الله، قال الله كذا، وقال رسول الله ﷺ كذا.
стр. 42
الحق الرابع: التناصر
وهذا من الحقوق الكبيرة التي ضاعت من حقوق الأخوة، روى البخاري أن النبي ﷺ قال: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! عرفنا كيف ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: أن تكفه عن الظلم فذاك نصره) إن وجدت أخاً من إخوانك مظلوماً، وكنت قادراً على نصرته انصره، وإن وجدت أخاً من إخوانك ظالماً انصره بكفه عن الظلم، ولو ضاع هذا الحق غرقت سفينة المجتمع، واستشرت المنكرات.
كما قال النبي ﷺ ، والحديث في صحيح البخاري من حديث النعمان: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعاً، ولو أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً).
فيجب على الأخ أن يأخذ على يد أخيه، وأن ينصره إن كان ظالماً أو مظلوماً لتنجوا سفينة المجتمع، وإلا لهلكت السفينة، وهلك الصالحون مع الطالحين، فلا تظن أن الذين سينجون هم الصالحون فحسب! لا.
أو أن الذي سيهلك هم الطالحون فحسب؟ لا.
روى البخاري ومسلم من حديث زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً، وفي لفظ: قام من نومه يوماً من عندها فزعاً وهو يقول: (لا إله إلا الله! ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق النبي ﷺ بإصبعيه بالسبابة والإبهام- فقالت زينب: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال المصطفى ﷺ : نعم.
إذا كثر الخبث).
стр. 43
الحق الخامس: الستر والتغافر
روى أحمد في مسنده بسند صحيح من حديث أبي برزة الأسلمي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (يا معشر من آمن بلسانه ولمَّا يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف رحله).
أسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة.
والناس صنفان، صنفٌ مشهورٌ بالصلاح وبالتقى، لكنه زل، فليس ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، فمن حقه على إخوانه أن يستروا عليه.
وصنفٌ مشهورٌ بالفسق مجاهرٌ به، فهذا لا غيبة له، إن ذكر لم يتذكر، وإن نصح لم ينتصح.
الستر والتغافر وإن زل أخوك وأخطأ في حقك وأتاك فلا ينبغي أن تتعنت في حقه وأن تتفرعن عليه، وأن تقول: لا.
لا أعفو عنك، ولا أقبل عذرك، إنما ينبغي أن يغفر الأخ لأخيه، فالستر والتغافر من أجل وأرقى الصفات التي تدعم أواصر الأخوة بين الإخوة في الله.
стр. 44
الحق السادس: الإعانة على قضاء الحوائج
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من فرج عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) فإن منَّ الله عليك بمنصب أو بوجاهة وأتاك أخوك لتشفع له فاشفع له، وإن طلب منك عوناً فأعنه، وإن أراد مصلحةً وكنت قادراً فيسرها له، ومن استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه، وأرجو في المقابل إن ذهب أخٌ إلى أخيه وطلب منه مصلحة ولم يقدر الله لهذا الأخ أن يعين أخاه فيها فينبغي أن يعذره.
أتمنى أن لو قدم الأخ لأخيه طلباً للتوظيف مثلاً، أو معونةٍ مادية أو لأي مصلحة، وقال له: أخي في الله! هذه حاجتي إليك، فإن قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله وعذرتك، فإن الأمور كلها تجري بمقادير الله، ما أجمل هذا الفهم! وما أرقى هذا الظن!
стр. 45
الطريق إلى الأخوة
ما الطريق إلى الأخوة؟ الطريق الأول: العودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين، فأنا أقول لكم -أيها الأحبة- إننا لن نعيد الأخوة والعقيدة بالمحاضرات الرنانة، ولا بالمجلدات ولا بالأشرطة فحسب، إن المنهج النظري الإسلامي المنير العظيم، سيظل محبوساً بين المجلدات وعبر الأشرطة، ما لم يتحول هذا المنهج في حياتنا إلى منهج حياة، وإلى واقعٍ عملي.
وأنا أقول: لقد استطاع النبي ﷺ أن يقيم للإسلام العظيم دولةً من فتاتٍ متناثر، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء، أقام دولةً أذلت الأكاسرة، وأهانت القياصرة، أقام دولة حولت الصحابة من رعاة للغنم إلى قادة للأمم -وتدبر معي- وذلك يوم أن نجح المصطفى ﷺ في طبع عشرات الآلاف من النسخ من المنهج التربوي الإسلامي العظيم، ولكنه ﷺ لم يطبعها بالحبر على صحائف الأوراق، وإنما طبعها على صحائف قلوب أصحابه بمدادٍ من التقى والنور.
فانطلق الصحابة ليحولوا هذا المنهج على أرض الواقع إلى منهج حياة، وواقعٍ يتألق سمواً وروعةً وعظمةً وجلالاً، وإن أعظم خدمة نقدمها اليوم لديننا -أيها الأحبة- أن نشهد للإسلام شهادة عملية على أرض الواقع، كلٌ في موطن إنتاجه وموطن عطائه، فنحن لا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على المنابر، وإنما نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة لدين الله كلٌ في موقع إنتاجه وعطائه، بحسب ما منَّ الله به عليه من قدرات وطاقات.
ثم السبيل الثاني أن نتحرك بين الناس، بعد أن نحول أخلاق هذا الدين في حياتنا إلى واقع أن نتحرك بين الناس لدعوتهم إلى هذا الدين العظيم، وإلى أخلاق هذا الدين العظيم.
وأسأل الله العظيم الحليم الكريم جل وعلا أن يردنا إلى هذه المعاني رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إليه، وأن يرد إلى الأمة عزها ومجدها وكرامتها، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يوحد بين صفوفنا، وأن يشف صدور قوم مؤمنين، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال.
وأسأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، أن ينصر الإسلام والمجاهدين في كل مكان، وأن يقر أعيننا بنصرة الإسلام، وأن يجعل هذا البلد الكريم سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 46
الإسلام وسعادة البشرية
البشرية كلها في هذه الحياة تبحث عن السعادة، فما من أحد من الناس كافرهم ومسلمهم، ذكرهم وأنثاهم، صغيرهم وكبيرهم، إلا ويبحث عنها.
فمن الناس من يبحث عنها في غنى مال، ومنهم من يبحث عنها في وجاهة ورئاسة، ومنهم من يظنها في الحياة المادية الرغدة والسفريات والنزه.
والحقيقة أن السعادة هي في الإيمان والاستقامة على شرع الله، والرضا بقضاء الله تعالى.
стр. 47
الناس جميعاً يبحثون عن السعادة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار، ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء، وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في الجنة إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله؛ الإسلام وسعادة البشرية، هذا هو عنوان لقائنا معكم في هذا اليوم الكريم المبارك، وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا سريعاً، فسوف أركز الحديث معكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: الناس جميعاً يبحثون عن السعادة.
ثانياً: الإسلام وسعادة البشرية.
ثالثاً: السعادة الحقيقية وأسبابها.
فأعرني قلبك وسمعك -أيها الحبيب المبارك- وأسأل الله جل وعلا بدايةً أن يجعلني وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
أيها الأحبة الكرام: الناس جميعاً يبحثون عن السعادة، غايةٌ يتفق فيها الخلق، الكافر والمؤمن، هذا وإن كان الكافر يبحث عن سعادة الدنيا فحسب؛ فإن المؤمن يبحث عن سعادة الدنيا والآخرة، لكنك لو سألت أي إنسان على ظهر هذه الأرض: لمَ فعلت كذا؟ ولمَ قلت كذا؟ ولمَ سافرت إلى البلد الفلاني؟ لأجابك على الفور بقوله: أبحث عن السعادة، سواء قالها بحروفها أم بمعناها.
إن البحث عن السعادة غاية يتفق فيها الخلق جميعاً، لكن ليس كل باحث عن السعادة يدرك طريقها، فكم من أناس يريدون أن ينقبوا عن الماء وسط النيران، وعن السعادة وسط الركام، فليس كل باحث عن السعادة يدرك طريقها، فهناك من الناس من يظن أن السعادة الحقيقية في جمع المال، وبداية فأنا لا أريد البتة أن أقلل من شأن المال أبداً، إذ أني أعلم يقيناً أن المال عصب هذه الحياة، وأعلم أن أموال المسلمين في بنوك الشرق والغرب هي التي تحرك الآن -بلا منازع- دفة السياسة العالمية، فأنا لا أقلل من شأن المال، بل ما أكرم المال إذا ما حركته أيدي الصالحين والشرفاء! ما أعظمه من نعمة إذا ما عرف الإنسان الغاية من وجود هذا المال، ونظر إلى المال فعلم علم اليقين أن المال ظل زائل وعارية مسترجعة، فقال: هكذا وهكذا يبذل هذا المال لمرضاة الله ، وتذكر دائماً قول القائل:
النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها
هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن
ما أخذ شيئاً معه، فما أكرم المال إذا ما عرف الإنسان الغاية من وجوده، وعلم علم اليقين أن المال ظل زائل وعارية مسترجعة، فاستغل هذه النعمة في وجوده وحياته لمرضاة الرب جل وعلا، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، وفيه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر -وذكر النبي ﷺ أول هؤلاء- فقال: ومنهم رجل أو عبد آتاه الله مالاً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل) أي: عند الله جل وعلا، فما أكرم المال إذا ما عرف الإنسان الغاية منه، واستغله في حياته ووجوده في طاعة الله.
لكنني أقول بملء فمي أيها الخيار الكرام: ليس كل صاحب مال سعيداً، بل قد يكون المال سبباً من أسباب السعادة، وقد يكون المال سبباً من أسباب الشقاء في الدنيا والآخرة، وها هو القرآن بين أيدينا نقرؤه في الليل والنهار، لكنه يحتاج إلى تدبر وتفكر، لقد ذكر الله جل وعلا لنا مثلاً في كتابه، يبين لنا فيه أن المال ما كان ولن يكون هو السبب الأوحد للسعادة، إنها قصة رجل آتاه الله من الأموال ما عجز العصبة من أولي القوة أن يحملوا مفاتيح خزائنه، إنها قصة قارون، الذي نظر إليه قطاع عريض من الناس وقالوا على لسان رجل واحد: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] فماذا كانت النتيجة يوم أن ذكر بفضل الله جل وعلا فما تذكر وما تدبر، وإنما قال قولة خبيثة يرددها الناس في كل زمان ومكان وإن اختلفت الألفاظ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] إنه فن الإدارة، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
وهناك من الأحبة من يحلو له أن نذكره بمثل من الواقع المعاصر، وها هي قصة عجيبة -أيها الإخوة- لعل البعض منكم قد تابع فصولها العجيبة، ألا وهي قصة: كرستينا أونتس، ابنة الملياردير أونتس، الذي يملك المليارات والجزر والأساطيل والأموال الضخمة، ولما توفي هذا الرجل ورثت هذه البنت مع زوجة أبيها هذه التركة الضخمة، ونظر العالم كله إلى هذه الفتاة الصغيرة على أنها قد حصلت السعادة من كل أطرافها، بل ودخلت قصر السعادة من أبوابه ونوافذه، فما هي الحقيقة؟ تزوجت هذه الفتاة برجل أمريكي عاشت معه فترة قصيرة ثم طلقها أو طلقته، ثم تزوجت بعد ذلك برجل يوناني عاشت معه فترة قصيرة ثم طلقها أو طلقته، ثم تزوجت للمرة الثالثة برجل شيوعي، فتعجب الناس! كيف تلتقي قمة الرأسمالية بـ الشيوعية والنظريتان لا مجال للالتقاء بينهما البتة؟! وفي مؤتمر صحفي اقترب منها أحد الصحفيين وقال: كيف قبلت الزواج من رجل شيوعي؟ فقالت بالحرف الواحد: أبحث عن السعادة، ثم عاشت معه فترة قصيرة وطلقها أو طلقته، وتزوجت للمرة الرابعة برجل فرنسي، وفي عرس زواجها أو حفل زواجها اقتربت منها صحفية وقالت: هل أنتِ أغنى امرأة في العالم؟ فردت: نعم، أنا أغنى امرأة، ولكني أشقى امرأة.
هذا هو المال ما حصل لها السعادة، فكم من أصحاب الأموال لا يشعرون بلذة السعادة، ولا يشعرون بطعمها، فليس كل صاحب مال سعيداً، فقد يكون المال سبباً من أسباب السعادة إذا اتقى الإنسان ربه وعرف الغاية من هذا المال، وأنفقه في مرضاة الكبير المتعال، وعلم يقيناً أن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وقد يكون المال سبباً من أسباب الشقاء في الدنيا بل والآخرة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل السعادة.
وهناك من الناس -أيها الخيار الكرام- من يعتقد أن السعادة الحقيقية في منصبٍ يجلس عليه أو يجلس فيه، وقد يكون المنصب سبباً من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، إذا نظر صاحب المنصب إلى المنصب على أنه أمانة، فاتقى فيه ربه جل وعلا، وتدبر دوماً قول النبي ﷺ لـ أبي ذر يوم أن انطلق ليطلب منه المسئولية والأمانة فضرب النبي ﷺ على كتف أبي ذر وقال: (يا أبا ذر! إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) والحديث رواه مسلم، فمن نظر إلى المنصب على أنه أمانة، وراقب الله جل وعلا بالليل والنهار، سعد بمنصبه في الدنيا بل والآخرة.
ورضي الله عن عمر بن الخطاب الذي نظر إليه عثمان بن عفان يوماً من الأيام، في وقت تكاد حرارة الشمس أن تذيب الحديد والصخور والحجارة، وينظر عثمان من شرفة من شرفات بيته، فرأى رجلاً في وقتٍ شديد الحر يجري في الصحراء فقال: [من هذا الرجل الذي خرج في هذا الوقت القائظ؟! فاقترب منه فإذا به أمير المؤمنين، إنه عمر، وينادي عثمان: يا أمير المؤمنين! ما الذي أخرجك في هذا الوقت الشديد الحر؟ فقال عمر -الذي عرف قدر هذه الأمانة-: بعير من إبل الصدقة قد ندّ يا عثمان، وأخشى عليه الضياع، وأخشى أن أسأل عنه بين يدي الله يوم القيامة، فقال عثمان: فتعال إلى الظل وإلى الماء البارد، وكلف أحد عمالك بالبحث عن هذا البعير، فنظر إليه عمر الفاروق ﵁، وقال: عد إلى ظلك ومائك البارد، يا عثمان! أأنت ستحمل عني وزري أمام الله يوم القيامة، فقال عثمان قولته الخالدة: والله لقد أتعبت كل من جاء بعدك يا عمر].
إنها الأمانة أيها الأحبة! فلو نظر الإنسان إلى وظيفته وإن صغرت على أنها أمانة؛ فيسر للناس مصالحهم، وذلل العقبات، ويسر الأسباب، وفتح للناس الأبواب، وفك ضيق المعسر، واستغل هذا المنصب لمرضاة
стр. 48
السعادة في الإسلام الحق
كنت في زيارة قبل أربعة أشهر لمركز من المراكز الإسلامية في لوس أنجلوس، بولاية كليفورنيا، ودخل علينا في المركز أمريكيٌ يريد أن يُسلِم لله جل وعلا، فسألناه: ما سبب إسلامك؟ وكان من المنطقي كما اعتدنا أن يقول: قرأت عن الإسلام كثيراً وكثيراً، فعلمت يقيناً أن الإسلام هو دين الحق، ولكن الرجل ذكر سبباً غريباً -أيها الأحباب الكرام- فماذا قال؟ قال: أنا رجل أملك من الأموال الكثير والكثير، وعندي من الشركات الكثير، ولكني ما ذقت طعم السعادة أبداً، يقول: ففكر أكثر من مرة في أن ينتحر، وأن يتخلص من هذه الحياة، يقول: وعندي في إحدى شركاتي موظف مسلم، ما من مرة دخلت عليه إلا ورأيت البسمة على وجهه، والسعادة في نفسه وقلبه، فتعجبت له، واقتربت منه، وقلت له: يا هذا! ما من مرة دخلت عليك إلا ورأيتك سعيداً مبتسماً، وأنا صاحب هذه الشركة ما ذقت طعم السعادة، فقال له هذا الموظف التقي النقي: لأنني مسلم، قال: وهل المسلمون يشعرون بالسعادة؟ قال له: نعم.
وإن ابتلاهم الله ؛ لأن النبي قد علمنا في حديث رواه مسلم من حديث صهيب: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) فقال الأمريكي: فهل لو دخلت في إسلامك الذي أنت فيه سأشعر بالسعادة؟ قال: نعم، قال: دلني على الإسلام، فجاء به إلى المركز الإسلامي ليعلن إسلامه، فاغتسل الرجل ووقف في وسط المركز، ووالله -يا إخوة- بمجرد ما نطق لسانه بالشهادتين حتى بكى بكاءً (هستيرياً) طويلاً فتركناه، فلما هدأت نفسه واستقرت جوارحه، اقتربنا منه وسألناه: لماذا بكيت هذا البكاء الطويل؟ فقال بالحرف الواحد ترجمة لقوله: أشعر الآن بسعادة في قلبي ما ذقت طعمها قبل اليوم، ألم يقل ربك: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ألم يقل ربك: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] إن السعادة الحقيقية واللذة الحقيقية هي أن يردد لسانك: لا إله إلا الله، ترددها بقلب يعرف حقيقة هذه الكلمات وحقيقة الإيمان، بجوارح لا تحس باللذة ولا بالخشوع إلا في طاعة الملك الرحمن جل وعلا.
أيها الأحبة الكرام: إن السعادة الحقيقية في الإسلام، والله لا سعادة إلا في الإسلام وبالإسلام، وأن تعيش للإسلام وعلى الإسلام وبالإسلام، الإسلام الذي حقق السعادة للعالم يوم أن حقق المسلمون الإسلام على أرض الواقع إلى منهج حياة، يوم أن حول المسلمون الإسلام إلى منهج حياة، حقق الإسلام السعادة لا للمسلمين الذين طبقوه، بل لليهود والنصارى الذين عاشوا في كنف الإسلام وتحت مظلة الحكم الإسلامي، اقرءوا التاريخ يا أيها الخيار الكرام.
الإسلام دين الأمن والأمان، دين العدل والرحمة، هذا يهودي يقف أمام القاضي شريح إلى جوار أمير المؤمنين علي، فيقول القاضي شريح: ما القضية؟ فيقول علي بن أبي طالب: الدرع الذي مع هذا اليهودي درعي، ولم أبع ولم أهب.
فيقول شريح لليهودي: ما ردك على كلام أمير المؤمنين؟ فيقول اليهودي: الدرع درعي، وليس أمير المؤمنين عندي بكاذب.
فيقول القاضي لـ علي: هل من بينة يا أمير المؤمنين! فإن البينة على المدعي واليمين على من أنكر؟ فيقول علي: لا.
جزاك الله خيراً يا شريح، ليس عندي من بينة.
فيقضي شريح بالدرع لليهودي، وهو درع أمير المؤمنين علي، فيأخذ اليهودي الدرع وينصرف، ويفكر في هذه العظمة ويقول: ما هذا؟ أنا مع أمير المؤمنين أمام قاضي المسلمين، ويقضي القاضي بالدرع لي وهو درع أمير المؤمنين، والله إنها لأخلاق الأنبياء، ويرجع اليهودي أمام علي وأمام القاضي، ويقول: يا أمير المؤمنين! الدرع درعك سقطت من بعيرك فأخذتها، وإني الآن أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، فيقول علي: أما وقد أسلمت، فالدرع هدية مني لك.
وهذا قبطي من أهل مصر يسبق ابن حاكم مصر محمد بن عمرو بن العاص، فلما سبق القبطي ولد حاكم مصر نزل محمد بن عمرو وضرب القبطي، وهو يقول: خذها وأنا ابن الأكرمين، كيف تسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ وكان هذا القبطي يحمل -بلغة العصر- حساً سياسياً عجيباً، فانصرف إلى المدينة المنورة، إلى الأسد القابع هنالك في عرينه، إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: [ما القصة؟ فأخبره، فقال: اجلس، وكتب كتاباً لـ عمرو بن العاص يقول فيه: إن انتهيت من قراءة كتابي هذا فاركب إليَّ مع ولدك محمد والسلام].
وجاء عمرو بن العاص، ومن خلفه ولده محمد، فقال عمر: [أين القبطي؟].
قال: هأنذا يا أمير المؤمنين.
فأعطى عمر القبطي الدِرة -بكسر الدال لا بضمها- وقال له: [اضرب ابن الأكرمين] فضرب القبطي ابن حاكم مصر أمام عمر، ثم قال عمر: [أدر الدرة على صلعة عمرو، فوالله ما تجرأ عليك ولده إلا لسلطان أبيه].
فقال القبطي: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين، لقد ضربت من ضربني.
فقال عمر بن الخطاب: [والله لو ضربت عمراً ما حلت بينك وبين ذلك] ثم التفت عمر إلى عمرو ليقول قولته الخالدة: [يا عمرو! متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً].
هذا هو الإسلام -أيها الأحبة- الذي حقق الأمان لا للمسلمين الذين طبقوه فقط، بل لليهود والنصارى الذين عاشوا في كنفه.
ومن الظلم الآن أن نحكم على الإسلام من خلال واقع المسلمين، فإن الإسلام مظلوم بسبب المسلمين الذين ابتعدوا عنه كثيراً كثيراً ولا حول ولا قوة إلا بالله! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 49
السعادة الحقيقية وأسبابها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 50
الإيمان بالله والعمل الصالح
أيها الأحبة الكرام: أما السعادة الحقيقية في الدنيا فهي أولاً: في الإيمان بالله جل وعلا والعمل الصالح، قال جل في علاه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] الإيمان بالله والعمل الصالح سبب من أسباب الحياة الطيبة، أي: من أسباب الحياة السعيدة، الإيمان بالله ليس كلمة تقال باللسان، ولكنه قول باللسان وتصديق بالجنان -أي: بالقلب- وعمل بالجوارح والأركان.
стр. 51
الاستقامة على أمر الله
ثانياً: الاستقامة على منهج الله ﵎ من أسباب السعادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١ - ٣٢].
стр. 52
الإيمان بالقضاء والقدر
ثالثاً: من أسباب السعادة في هذه الحياة الدنيا: الإيمان بالقضاء والقدر، فالمؤمن مطمئن منشرح الصدر، يعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، فهو مرتاح القلب منشرح الصدر على الدوام، والإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان بالله ، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
стр. 53
الإحسان إلى الناس
رابعاً: من أسباب السعادة في الدنيا: الإحسان إلى الناس: (من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) فإن أحسنت إلى الناس شعرت بلذة في قلبك، وسعادة في صدرك.
ومن أروع ما سمعت أني ألقيت هذه الخطبة تماماً في مصر في مدينة المنصورة، وبعد الانتهاء من الخطبة اقترب مني أستاذ جامعي عندنا، وقال لي: والله إني منذ سنتين وأنا أسافر إلى لندن لأتعالج أو لأبذل لنفسي العلاج؛ لأني أعاني من مرض في القلب، أسأل الله أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين.
يقول: جلست في يوم من الأيام مع صاحبٍ لي إلى جوار رجل يعمل جزاراً، ونظرت فرأيت امرأة كبيرة فقيرة إلى جوار هذا الجزار الذي يبيع اللحم، تنقب عن قطعة لحم على الأرض أو على عظمة صغيرة، فشد انتباهي هذا المشهد، وناديت على المرأة وقلت لها: سبحان الله! ماذا تصنعين تبحثين عن قطع اللحم النيئ المرمي على الأرض؟ فقالت: والله إن أبنائي في شوق لقطعةٍ من اللحم، وما ذاقوا اللحم منذ ستة أشهر -تدبروا في هذه الكلمات أيها المسلمون- يقول: فبكيت، وقمت على الفور، وقلت لهذا الجزار: يا أخي! هذه المرأة ستأتيك في كل أسبوع فأعطها من اللحم ما تريد، وأنا أحاسبك على كل ما تأخذه عاماً بعام، فقالت المرأة: أحتاج إلى كيلو واحد فقط، فقال هذا الرجل: كلا.
بل أعطها اثنين، فسعدت المرأة وبكت، ورفعت رأسها إلى السماء، وتضرعت بالدعاء لهذا الثري الكريم الشهم، وأخرج الرجل من حافظة نقوده مبلغاً من المال ليكفي هذه المرأة عاماً بكامله، وعادت المرأة إلى بيتها سعيدة، وسعد الأبناء بهذا اللحم الوفير.
وعاد الرجل إلى بيته، دخل ووجهه يتلألأ، يشعر بشيء غريب في جسده كله، فقالت له زوجته: ما شاء الله! أراك نشيطاً، وقالت له ابنته الملتزمة: ما الذي غير وجهك يا أبي؟! فقص عليها القصة فبكت الأم وبكت البنت، وقالت البنت: أسأل الله -يا أبي! - أن يسعدك بشفاء مرضك كما أسعدت هذه المرأة الفقيرة وأولادها، يقول: بعد أيام قليلة أشعر بتحول كامل في بدني كله.
يقول: وبالرغم من ذلك أصر الأحبة أن أسافر إلى لندن لأجري الجراحة.
فلما ذهب إلى هنالك، ونام بين يدي طبيبه الخاص، صرخ طبيبه وقال: عند أي الأطباء في مصر قد أجريت جراحتك؟ قال: لقد تاجرت مع الله فأغناني الله وشفاني.
أيها الأحبة: إن التجارة مع الله تجارة رابحة، أحسن إلى الناس لتشعر بالسعادة في قلبك وفي بيتك وبين أولادك، فمن فرج عن مؤمن من المؤمنين -وما أكثر الكرب-: (من فرج عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).
هذه أسباب السعادة في الدنيا التي ستوصلك إلى السعادة الحقيقية في الآخرة، ألا وهي في التمتع بجنة الله، والنظر إلى وجه الله جل وعلا، قال النبي ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك، فيقول الله جل وعلا: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟! فيقول أهل الجنة: وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) وفي صحيح مسلم من حديث صهيب: (فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا).
﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨].
اللهم أسعدنا بطاعتك في الدنيا والآخرة، اللهم لا تجعل لأحدٍ ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً بيننا إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا.
اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، واشف اللهم صدور قومٍ مؤمنين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل هذا البلد المبارك سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم هذا البلد من الأمن والأمان وسائر بلاد المسلمين، اللهم احفظ هذا البلد بالتوحيد للموحدين وسائر بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
أيها الأحبة الكرام: هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهوٍ أو زللٍ أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه، وأقم الصلاة.
стр. 54
تفسير سورة يوسف
إن القصة أسلوب من أساليب الدعوة إلى الله، ولها أثرها الكبير في نفوس الناس؛ لذلك ذكر الله في كتابه الكريم عدداً كبيراً من قصص السابقين من الأنبياء وغيرهم من الأمم الغابرة.
ومن تلك القصص قصة يوسف ﵇، والتي تكلم عنها الشيخ في هذا الدرس؛ مبيناً الابتلاءات التي ابتلى الله بها يوسف ﵇، والتي تجاوزها بفضل الله عليه، وبيقينه بربه، ومن تلك الابتلاءات ما حصل له مع امرأة العزيز، فأنجاه الله تعالى من ذلك؛ لأنه التجأ إليه، وكان من المخلصين ثم بين الشيخ خطورة الخلوة بين الرجل والمرأة، ذاكراً مشهداً يبين ذلك، مع ذكر بعض صور الخلوة.
стр. 55
وقفات مع بعض الابتلاءات التي وقع فيها يوسف ﵇
الحمد لله رب العالمين، الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله -أيها الأحبة- وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنا دائماً وأبداً في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيءٍ قدير.
أحبتي في الله: كان من المنتظر في هذه الليلة أن نواصل حديثنا عن مشاهد يوم القيامة، ولكن تلبيةً لرغبة شيخنا الحبيب أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المحيسني حفظه الله، فإن لقاءنا في هذه الليلة الكريمة المباركة مع سورةٍ كريمةٍ مباركة، مع سورة يوسف.
وسورة يوسف سورةٌ مكيةٌ باتفاق العلماء، ونزلت على المصطفى ﷺ في فترةٍ من أحرج فترات الدعوة، فلقد نزلت سورة يوسف على النبي ﷺ في مكة -شرفها الله- بعد موت أبي طالب وخديجة ﵂، وأنتم تعلمون جميعاً دور أبي طالب ودور خديجة في نصرة الإسلام، والوقوف إلى جوار النبي ﵊، علماً بأن أبا طالب كان على الشرك وعلى دين قومه حينئذٍ، ومات على ذلك نزلت سورة يوسف في هذه الظروف الحرجة، والنبي ﷺ يتعرض لأشد أصناف العذاب والبلاء والاضطهاد من أهل مكة، وهنا أنزل الله جل وعلا عليه سورة يوسف ليقص عليه ربه جل وعلا قصة أخٍ كريمٍ تعرض لجميع أصناف المحن والفتن والابتلاءات؛ ليثبت الله بهذه القصص قلب حبيبه المصطفى ﷺ .
وأود أن أشير إشارةً سريعةً إلى أن هناك فرقاً شاسعاً بين القَصَصِ والقِصَصْ.
فإن القَصَصَ: بالفتح هو كلام الحق جل وعلا، لأن هذا هو القصص الحق.
أما القِصص: فهي من نسج خيال الكتاب والأدباء، التي يختلط فيها الحق بالباطل والحلال بالحرام والفضيلة مع الرذيلة.
نزلت قصة يوسف ليثبت الله بها فؤاد حبيبه المصطفى ﷺ : ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢] ليقص ربه جل وعلا عليه قصة أخيه الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم؛ إنه يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.
ويقص الله فيها على حبيبه المصطفى صوراً من الفتن والمحن والابتلاءات التي تعرض لها يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وعدوا معي -أيها الأحباب- هذه الفتن التي تعرض لها نبيٌ من أنبياء الله جل وعلا: أولاً: محنة كيد الإخوة وحقدهم عليه.
ثانياً: محنة الجب وفراق أهله وأحبابه.
ثالثاً: محنة الرق وبيعه كسلعةٍ تتداول بين الأيدي بأبخس الأثمان.
رابعاً: محنة الشهوة والفتنة والإغراء وكيد النسوة وعلى رأسهن امرأة العزيز.
خامساً: محنة السجن بعد العيش الرغيد الرافه في قصر العزيز.
سادساً: محنة الملك والرخاء والسلطان، بعد ما صار قوت الناس وخبزهم بين يديه يتحكم فيه كيف شاء.
سابعاً: محنة لقائه بإخوته بعد قدرته عليهم.
ومع كل هذا اجتاز يوسف ﵇ هذه المحن كلها بقوةٍ واقتدارٍ وجدارة، وخرج يوسف منها خالصاً متجرداً بدينه وإيمانه لم يخدش قط.
ومع كل هذا، ومع هذا الانتصار المدوي لا يتمنى يوسف بعد هذا إلا أن يتوفاه الله مسلماً، وأن يلحقه الله جل وعلا بالصالحين ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١].
стр. 56
أدلة براءة يوسف ﵇
أيها الأحبة: ولو توقفنا مع كل هذه المحن والفتن -والله- لاحتجنا إلى شهرين كاملين، نحتاج رمضانين بدون أي مبالغة، لذا فسوف أختار أشد وأقسى أنواع هذه الفتن التي تعرض لها يوسف ﵇ لنعيش معها في هذه الليلة المباركة، وأظنكم جميعاً تشاركونني الآن أن أشد أنواع هذه المحن والفتن والابتلاءات التي تعرض لها يوسف فتنة كيد النساء، وعلى رأسهنّ فتنة امرأة العزيز، فتعالوا معي لنعيش هذه الدقائق المعدودات مع هذه الفتنة الحالكة التي يتعرض لها الشباب قديماً وحديثاً، وهي من أشد الفتن بنص حديث رسول الله ﷺ : (ما تركت فتنةً أشد على أمتي من النساء، وإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) فأعيروني القلوب والأسماع، وكذلك أدعو الله أن يكنّ أخواتنا كذلك، ونسأل الله بهذه اللحظات وبهذه الكلمات أن يأجرنا إنه ولي ذلك ومولاه.
قبل أن نبدأ الحديث عن فتنة يوسف، تعالوا بنا لأسوق لحضراتكم الأدلة الناصعة على براءة يوسف ﵇.
стр. 57
أن يوسف من المخلَصين فلا سلطان للشيطان عليه
الدليل الأول: تعلمون أن إبليس عليه لعنة الله أقسم بعزة الله جل وعلا أنه سيبذل كل ما يملك لإغواء بني آدم وإضلالهم عن طريق ربهم جل وعلا، إلا أن الشيطان قد استثنى صنفاً من بني آدم ثبت أنه عاجزٌ عن إغوائه وإضلاله، فقال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣].
المخلَصين: بفتح اللام، وهذه الصفة هي التي شهد الله جل وعلا بها ليوسف ﵇، فحينما شهد الله ليوسف بأنه من عباده المخلَصين، وإبليس قد استثنى المخلَصين من الإغواء والإضلال؛ دل ذلك على أن إبليس ما كان له سلطانٌ على يوسف ﵇، قال ربنا جل وعلا: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] والشيطان قال: لا أقدر على المخلصين.
هذا هو الدليل الأول.
стр. 58
شهادة شاهد من أهل امرأة العزيز
الدليل الثاني: شهادة شاهدٍ من أهل امرأة العزيز ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف:٢٦]، وجاء باحتمال صدقها أولاً لتكون الحجة عليها بعد ذلك أقوى وأبلغ ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف:٢٦] لأنها تمنعه وتحول بينها وبينه فحتماً سيمزق القميص من القبل: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٢٦ - ٢٧] لأنه حينئذٍ سيجري بين يديها، وهي أمام ضعفها البشري وشهوتها العارمة الجامحة ستضطر إلى أن تجذبه من قميصه من الخلف، فيتمزق القميص بين يديها، فالتفت إلى القميص من الأمام وإذا به سليم معافى، لم يمسسه سوء، ثم وجد أن القميص مزق من الخلف ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٢٧ - ٢٩] ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف:٢٩] استر هذا الأمر، لا تتحدث به ولا تتكلم، وأنتِ استغفري لذنبكِ إنكِ كنت من الخاطئين، هكذا فقط!
стр. 59
شهادة امرأة العزيز على نفسها
الدليل الثالث على براءة يوسف: شهادة امرأة العزيز على نفسها! ماذا قالت؟ ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥١ - ٥٣].
стр. 60
فتنة امرأة العزيز وكيد النساء
وتبدأ القصة -أيها الأحبة- بقول الله جل وعلا: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] اسمعوا إلى أول كلمة نطق بها شابٌ في عنفوان شبابه، وفي عنفوان مراهقته وفتوته وشهوته، أول كلمةٍ نطق بها هذا التقي النقي: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] أي إنه سيدي العزيز الذي تقبلني وأكرمني وأحسن معاملتي وتربيتي، وذلك يوم أن قال لامرأته أول الأمر: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [يوسف:٢١] وأكرم العزيز مثواه وأكرم تربيته، فقال يوسف هذا الكريم الذي قدر هذا الكرم: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣].
стр. 61
وجود المؤهلات والمغريات للوقوع بها
ولكن المرأة بعد المراودة المكشوفة، وبعد هذه الألفاظ العارية عن كل ذرة حياء، وهي امرأة العزيز! صاحبة الجاه والجمال! صاحبة المال والسلطان! وهو عبدها وخادمها الذي يخدمها في البيت! ومع ذلك مالت إليه وهو خادمها، وهذا يؤكد لنا حقيقةً سنخلص إليها؛ ألا وهي خطورة الخلوة بين الرجل والمرأة مهما كان تقى المرأة ومهما كان إيمان الرجل، إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميلٌ عميقٌ في تكوين النفس البشرية، لا ينفك عنها ألبتة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لا يمكن على الإطلاق أن يخلو رجل بامرأة إلا وتتجلى دوافع النفس البشرية وفطرتها حتماً لا محالة في ذلك، أما هؤلاء الذين يكذبون على أنفسهم ويضللون أبناء أمتهم، ويقولون بالدعوة إلى الاختلاط بين الجنسين، بحجة أن الرجل إذا اختلط بالمرأة خف عنده الكلف الجنسي، ونظر إلى الأمر بعد ذلك على أنه أمرٌ عادي!! ويأبى الله إلا أن يظهر الحق ويزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، والواقع يؤكد صدق ذلك، وإن كنا لسنا في حاجةٍ إلى واقعٍ ليؤكد كلام الله وكلام رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله لا يقول إلا عن ربه.
مراودة مكشوفة: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] وفي بعض القراءات: (هِئْتُ لَكَ) هيأت المرأة نفسها وزينت نفسها وتجملت وتعطرت، وأعدت الفراش، ونادت عبدها وخادمها، وقد أغلقت الأبواب باباً تلو الباب، ولا يوجد في هذا البيت إلا هي وهو ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] وبعد هذه المراودة المكشوفة تصر المرأة على شهوتها التي وصلت إلى عنفوانها، وقد تناست الأخلاق والدين والقيم والإيمان والأعراض، المرأة حينما تضعف أمام شهوتها تنسى كل شيء، إلا من رحم الله جل وعلا ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣].
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف:٢٤] أي: إلى هذا العمل، همَّ فِعْلٍ، وهذا هو رأي جمهور المفسرين، وهمَّ بها هم نفسٍ، فهو بشر، وإن أعظم مرحلةٍ وفترةٍ تتجلى فيها عظمة يوسف ﵇ أن يدعى إلى هذا الأمر وأن يذكر بالله جل وعلا، فيتذكر فيعرض عن الفاحشة، إنها له وليست عليه: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] لسنا في حاجةٍ إلى أن نلهث وراء الإسرائيليات والأساطير التي ذكرت في هذه السورة بصفةٍ خاصة، لا يهمنا أن نتعرف على طبيعة هذا البرهان، المهم أن نعرف أن الله جل وعلا ذكره فتذكر، تذكر جلال الله، وتذكر نبوة والده يعقوب، وأنه من بيت نبوة، ابن طاهرٍ نقيٍ عفيف.
стр. 62
عفة يوسف ﵇
(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف:٢٤ - ٢٥] انظروا إلى هذه الآية ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف:٢٥] جرى يوسف من بين يديها وجرت المرأة خلفه، وفي الآية الأولى قال: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف:٢٣] وفي هذه الآية يقول: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ [يوسف:٢٥] وهذا دليل على أن يوسف قد قصد الباب الذي يستطيع أن يخلص منه وأن ينجو منه، ولكن المرأة أمام ضعفها وضعف شهوتها ما تركته، وإنما جرت خلفه وأمسكته من قميصه من الدبر؛ ليلتفت إليها وهي في كامل زينتها وأنوثتها وجمالها وطيبها وعطرها، إلا أن الله جل وعلا قد منَّ على يوسف حينما رأى يوسف ورأت المرأة سيدها -أي العزيز - وشاهداً معه، وبرَّأ الشاهد يوسف ﵇، بعد كيد المرأة المتقن المصحوب بالحب والحرص على يوسف.
﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] لا تريد له الموت، وإنما تريد أن يبقى يوسف أمام عينها لا يموت، ففي السجن قد تستطيع أن تصل إليه وأن تراه ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] أما الموت فلا، ولا تستحي المرأة بعد ذلك أن تعلن هذا الأمر علانيةً بتبجحٍ عجيبٍ ووعيدٍ غريب، أمام المجتمع النسوي الذي اجتمع في بيت امرأة العزيز، متعجباً كيف لامرأة العزيز وهي من هي في الشرف والحسب والنسب والجمال والمال والسلطان، أن تنظر إلى خادمها وعبدها وفتاها الذي هو في بيتها؟! وأعدت المرأة لهن المتكأ كما تعلمون، وجملت وزينت يوسف ﵇، وأمرته أن يخرج عليهن ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] وهذا يدلنا على قدر الجمال الذي منَّ الله جل وعلا به على يوسف، ما هذا بشراً! إن هذا إلا ملكٌ كريم! وهنا أعلنت المرأة عن رغبتها بمنتهى الصراحة ومنتهى العلانية فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢].
стр. 63
لجوء يوسف ﵇ إلى ربه جل وعلا
اعترف يوسف بضعف بشريته، ما نظر إلى عصمة الله له، ما استعلى ولا تعالى وإنما عرف ضعفه وعجزه البشري فلجأ إلى الله جل وعلا يطلب منه العصمة ويطلب منه المدد، فقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] انظروا الدعوة لم تعد ليوسف فردية من امرأة العزيز وإنما أصبحت الدعوة جماعية، رغبة ملحة جماعية من جميع النسوة اللاتي حضرن ورأينَ يوسف ﵇ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف:٣٣ - ٣٤] الذي يسمع ويعلم صدق نيته، وصدق تضرعه ولجوئه إلى الله جل وعلا، ليعصمه من هذه الفتنة الصماء البكماء العمياء.
стр. 64
تحريم الشارع الخلوة بين الرجل والمرأة
وهنا -أيها الأحباب- أقول لكم: هذه هي خطورة الخلوة بين الرجل والمرأة، فوالله ما خلا رجلٌ بامرأةٍ قط إلا كان الشيطان ثالثهما في هذه الخلوة، يجمل المرأة للرجل ويزين الرجل للمرأة، فترى المرأة الرجل الأجنبي جميلاً ولو كان قبيحاً، ويرى الرجل المرأة الأجنبية جميلةً ولو كانت ذميمة، ولذا نهى النبي ﷺ وحرم الخلوة بين الرجل والمرأة أياً كان هذا الرجل وأياً كانت هذه المرأة، فقال في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم).
أيها الحبيب! هذا تحذيرٌ لك بينٌ من رسول الله، الذي لا ينطق عن الهوى: (لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم) لماذا يا رسول الله؟ لأنها لو خلت بهذا الرجل بغير محرم فحتماً سيشاركهما الشيطان في هذه الخلوة، كما ورد في الحديث الذي رواه أحمد والحاكم والترمذي بسندٍ حسنٍ صحيح من حديث عامر بن ربيعة، أن النبي ﷺ قال: (ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان).
حتى ورد في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ يوماً وقال: (يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة -خرجت للطاعة لحج بيت الله الحرام- وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ -أتدرون ماذا قال له الحبيب ﷺ ؟ - قال: ارجع -اترك الجهاد واترك الغزوة وارجع- فحج مع امرأتك) وحذر النبي ﷺ تحذيراً صريحاً واضحاً بيناً من الدخول على المرأة الأجنبية في غياب زوجها أو أحد محارمها، حذر النبي ﷺ من ذلك فقال كما روى البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إياكم والدخول على النساء؟! فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله! أفرأيت الحمو؟ فقال ﷺ : الحمو الموت) وزاد مسلم في روايته: قال الليث: (الحمو أخو الزوجِ أو أقارب الزوج).
يدخل على زوجة أخيه في غياب الزوج! هذا كلام المصطفى ﷺ ؛ حتى لا نتهم بالتطرف، ويقال: كيف لا يدخل أخي على زوجتي في غيبتي! لا يدخل، ولست أَدرى بالمرأة وطبيعتها من خالقها جل وعلا، ولا ممن لا ينطق عن الهوى.
ووالله ما وقعت المصائب التي تعمي الأعين وتصم الآذان وتخلع القلوب إلا يوم أن أعرضنا عن منهج الله، وعن شرع رسول الله ﷺ ، الرسول يحذرك ألا يدخل أخوك على زوجتك في غيبتك: (الحمو الموت) لأنه يدخل على مرأى ومسمعٍ من الناس، من هذا؟ إنه عم الأولاد، إنه أخو الزوج فليدخل في أي وقتٍ شاء، بدون أدنى حرج، وبدون قيود وشروط، لماذا؟ دخل لينظر إلى أبناء أخيه، هذا واردٌ لا شك فيه، ولا ننكره، أما أن يدخل في غياب الزوج، ولو كان الزوج أخاه، فلا يجوز ألبتة، ولو خلا أخو الزوج بزوجة أخيه فإنما هي خلوةٌ محرمةٌ في دين الله جل وعلا، والزوج آثم والمرأة آثمة، حتى ولو لم تقع المصيبة والفاحشة.
واعلموا أن الشيطان له خطوات، لذا لم يحذرنا الله جل وعلا من الشيطان دفعةً واحدة، وإنما قال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] انتبهوا أيها الأخيار! ولا تتبعوا خطوات الشيطان، الشيطان له خطوةٌ تلو خطوة، لن يأتي من أول الأمر ليزين زوجة الأخ لأخيه، أو أقارب الزوجة أو غير ذلك، وإنما هي خطوات.
стр. 65
مشهد يبين خطورة خلوة الرجل بزوجة أخيه
ولعلي أذكركم بما طالعتنا به الجرائد ومنكم من قرأ هذا الخبر: طالعنا الجرائد يومياً وهذا كثير، وهذه ثمرة حنظلٍ مرة؛ لبعد الناس عن منهج الله ومخالفتهم لمنهج رسول الله ﷺ ، تطالعنا الجرائد كل يومٍ بمآسي يشيب لها الولدان، ومن بين هذه المآسي: أن رجلاً ترك زوجته وسافر، وترك لها في البيت كل ألوان الفساد؛ من تلفاز وفيديو وتركها وانصرف، والمرأة مرأة! ودخل أخو الزوج لينظر أحوال أولاد أخيه، وهذا لا عيب فيه، أما في غياب الزوج فكل العيب فيه، ودخل الرجل وكانت المرأة قد أعدت لبناتها غرفةً خاصة، وفي هذه الغرفة وضع التلفاز مع الفيديو، ومرت الأيام وتابع الشيطان خطواته، ولعب الشيطان على حبائله، وذات مرة وقعت هؤلاء البنات أمام فتنة شريطٍ جنسي، وأخذن الشريط، وفي غيبةٍ من مراقبة الأم دخلت البنات غرفتهن ووضعن الشريط وشاهدنه المرةً تلو المرة، وفي ليلةٍ من الليالي وضعت البنات شريط الفيديو الجنسي القذر، ونسينه وخرجن إلى مدرستهن، وفي هذا اليوم عاد عمهن لينظر ما أمرهن، ودخل الرجل إلى بيت أخيه في غياب أخيه، فاستقبلته الزوجة وفتحت له الدار إنها عادة، ولا حرج في ذلك، والأمر عادي، ولا تضيقوا علينا -أيها المشايخ- لا تكونوا متطرفين، إن الأمر ليس فيه شيءٌ أكثر من أن ينظر الرجل إلى أحوال أولاد أخيه ويخرج، نحن لا ننكر هذا إطلاقاً، ولكن الشيطان له خطوات، وربما وقع هذا وربما حفظ الله هذا.
ودخل الرجل إلى غرفة بنات أخيه وجلس، وبدلاً من أن يجلس هكذا فارغاً امتدت يده ليقضي الوقت حتى ترجع البنات، وفتح الفيديو على هذا الشريط الجنسي القذر، ولم يعد الرجل قادراً على أن يغلق، فوالله إنها لمشاهد تحول النُسّاك العُبّاد إلى فساقٍ فجار إلا من رحم الله جل وعلا، وامتدت يد الرجل وفتح الجهاز، وشخص بصره وسمطت أنفاسه أمام مشهدٍ مرعب، وجلس الرجل ضعيفاً مستسلماً، وكانت زوجة أخيه تعد له كوباً من الشاي وهي لا تعلم عن الأمر شيئاً، ودخلت فشد نظرها هذا المشهد المرعب لأول مرة، ووقفت المرأة شاخصةً ببصرها إلى هذا، وأمام شهوتها العارمة الجامحة تضعف المرأة أمام هذا المشهد، ويضعف أخو زوجها، ويقوم الرجل أمام ضعف المرأة ويزني بزوجة أخيه.
الأدهى من ذلك أن الأمر بعد ذلك أصبح معتاداً، وكان الرجل يذهب إلى زوجة أخيه مراراً وتكراراً ليقضي معها الفاحشة والعياذ بالله! إنها ثمرة حنظلٍ مرة؛ لأننا أعرضنا عن منهج الله، وأعرضنا عن شرع رسول الله ﷺ ، إن الذي يحذرنا هو خالق البشر: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
فالله الله في نسائكم أيها الأخيار! الله الله في حرماتكم أيها الأطهار! فإن الذي يحذرنا من الخلوة هو من لا ينطق عن الهوى، وهاهي امرأة العزيز وهي من هي! وها هو يوسف وهو من هو! تعرضهم الخلوة إلى الوقوع في الفاحشة لولا ستر الله جل وعلا، وفضل الله ورحمته جل وعلا بيوسف ﵇.
стр. 66
صور الخلوة المحرمة
أيها الأحبة: وقبل أن أُنهي أود أن أحذر وأن أذكر ببعض صور الخلوة المحرمة منها: أولاً: خلوة الرجل بخادمته في البيت.
ثانياً: خلوة المرأة بخادمها في البيت.
ثالثاً: خلوة الخطيب بمخطوبته، بحجة أن الرجل قد خطب المرأة، لا يصح أن يخلو الخطيب بمخطوبته، ينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما، فإذا ما أعجبته وأعجبها يفصل بينهما ولا يجلسان في خلوةٍ أبداً حتى يعقد عليها لتصبح زوجته.
ومن صور الخلوة المحرمة: خلوة السائق بالمرأة في السيارة، ولا يعلم طبيعة الحديث الذي يدور بينهما إلا من يعلم السر وأخفى.
ومن صور الخلوة المحرمة: أن يخلو الطبيب بالمريضة بدون محرم، هذه خلوةٌ محرمةٌ شرعاً، لا يجوز لك أن تدع زوجتك أو ابنتك أو أختك أو أمك عند الطبيب بدون محرم، وإنما يجب عليك أن تدخل معها حتى لا تقع الخلوة المحرمة.
هذه بعض صور الخلوة المحرمة -أيها الأحباب- وأختم بهذا المشهد الذي أسوقه للأخوات الفضليات المسلمات القانتات الحافظات.
стр. 67
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
للتقوى منزلة عظيمة، ولذلك فقد أمر الله بها الأولين والآخرين، وأمر بها الأنبياء والمرسلين، وهي الميزان الحقيقي الذي يخفض ويرفع في الإسلام، فمن استكمل شروطها، وأدى أركانها، كان حقاً على الله أن يسعده في الدنيا والآخرة.
وأما التفاخر بالأحساب، والتعاظم بالأنساب فإن ذلك من عبية الجاهلية، لا يرفع الإسلام لذلك راية، ولا يحقق لمن قام به غاية.
стр. 68
جميع الناس مأمورون بالتقوى
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فمع اللقاء الحادي عشر، وما زلنا نعيش في رحاب سورة الحجرات، وما زلنا نعيش مع هذه القواعد التشريعية العظيمة، التي وضعها العليم الخبير جل وعلا؛ لصيانة المجتمع الإسلامي من: التمزق، والتشتت، والتفكك، والضغائن، والأحقاد.
ونحن اليوم على موعد مع قاعدة تشريعية جديدة، نبني من خلالها المجتمع المسلم، نحن اليوم مع مبدأ كريم، ألا وهو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فبعد هذه النداءات المتكررة في سورة الحجرات للمؤمنين، يأتي النداء العام للإنسانية كلها، على اختلاف أجناسها وألوانها وألسنتها، يأتي هذا النداء بهذا المطلع المهيب.
(يا أيها الناس) يا أيها المختلطون أجناساً وألواناً وألسنة! يا أيها المتفرقون شعوباً وقبائل! يا أيها الناس من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! يا أيها الناس! إن أصلكم واحد فلا تختلفوا، ولا تفتخروا على بعضكم بعضاً، ولا يتعال بعضكم على بعض، إن ربكم واحد، وإن أصلكم واحد، وهو: آدم ﵇.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، ولقد ذكر الإمام ابن الجوزي في زاد المسير، في سبب نزول هذه الآية: أن النبي ﷺ يوم فتح مكة أمر بلال ﵁ أن يصعد على ظهر الكعبة ويؤذن، فلما صعد بلال ﵁ ليرفع الأذان على ظهر الكعبة، في البلد الذي طرد منه النبي ﷺ ، وشاء الله جل وعلا أن يعود إليه رسوله ﵊؛ لينشر فيه أنوار التوحيد والإيمان.
فقام بلال ﵁ ليرفع الأذان على ظهر الكعبة، فقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً؟! فنزل قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣].
وله شاهد عند الإمام السيوطي في الدر المنثور، وعزى هذا الحديث إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن أبي مليكة: (أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناً)، فنزلت هذه الآية؛ لتربي القلوب، وتهذب الضمائر والأخلاق، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
стр. 69
التقوى ميزان التفاضل في الإسلام
لا مجال في الإسلام لهذه الرايات الزائفة، ولا مجال في الإسلام لهذه العصبيات الجاهلية العفنة المنتنة، لا مجال في الإسلام لعصبية العرق، ولا لعصبية الأرض، ولا لعصبية الوطن، ولا لعصبية الجنس، ولا لعصبية اللون، ولا لعصبية اللغة، وهذا الأساس كان القرآن قد وضعه قاعدة لبناء المجتمع الإسلامي من قبل مئات السنين، قبل أن تتغنى الدول الديمقراطية بهذا المبدأ، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
إن كل هذه الرايات لا مجال لها أن ترفرف في سماء الإسلام، كل هذه الموازين إلى زوال، وكل هذه القيم إلى فناء، إن الميزان الحقيقي الذي يخفض ويرفع، إنما هو ميزان التقوى، (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، هذا هو الميزان، وهذا هو المقياس الذي يخفض ويرفع، عند رب الناس جل وعلا.
وفي الحديث: (أن النبي ﷺ خطب الناس يوم فتح مكة، فقال: يا أيها الناس! إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله.
وفاجر شقي هين على الله.
ثم قال ﷺ : إنكم لآدم، وإن الله خلق آدم من تراب، ثم تلى النبي ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]).
فلا فخر بالأنساب، ولا فخر بالجاه، ولا فخر بالسلطان، وهذا الحديث رواه الإمام الترمذي بسند حسن من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه أيضاً الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمر وقال: حديث غريب.
وفي الحديث الآخر عن جابر بن عبد الله أنه قال: (خطبنا رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق، فقال: أيها الناس! أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود، إلا بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣])، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح.
لا ميزان في الإسلام إلا للتقوى، ولا لواء يرفع في دين الله إلا لواء التقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وهذا اللواء الذي رفعه محمد ﷺ ساوى بين بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وحمزة القرشي، ومعاذ الأنصاري، فلا تفاضل إلا بالتقوى، ولذلك فخر وتفاخر بهذا النسب سلمان الفارسي ﵁ فقال: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فلقد رفع الإسلام سلمان فارس ولقد وضع الكفر الشريف أبا لهب.
стр. 70
انقطاع العلائق والأنساب يوم القيامة
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم القيامة، أمر الله منادياً يقول هذا المنادي: إني قد جعلت لكم نسباً، وجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم أضع نسبكم، وأرفع نسبي، أين المتقون؟) والحديث رواه البيهقي، ورواه الإمام ابن المنذر، والحاكم وصححه، نقلاً عن الإمام السيوطي في الدر المنثور.
قلت: وله شاهد من حديث أبي هريرة الطويل في فضل العلم الذي رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن حبان وصححه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين: البخاري ومسلم، وفيه قول النبي ﷺ (من أبطأ به عمله، لم يسرع به نسبه).
وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠١]، ينقطع كل نسب إلا نسب التقوى، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٤]، إلى آخر الآيات.
نعم، إن الميزان الحقيقي الذي يرفع ويخفض هو: ميزان التقوى، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣].
стр. 71
أصناف الخلق
قال علماؤنا: لقد خلق الله الخلق على أربعة أصناف: خلق الله آدم من غير أب ومن غير أم.
وخلق الله حواء من أب دون أم.
وخلق الله عيسى من أم دون أب.
وخلق الله سائر الناس من الأب ومن الأم.
وهذا دليل على كمال قدرة الله جل وعلا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، ورحم الله من قال: الناس من جهة الأصل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشابهة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء وإن يكن لهم من أصلهم حسب يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أجلاء فقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، وهكذا تذوب جميع الفوارق، وتسقط جميع هذه الرايات المنتنة، التي قال عنها النبي ﷺ : (دعوها فإنها منتنة) هذه العصبيات الجاهلية الممقوتة، التي نجح أعداء ديننا في بذرها في قلوب كثير من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا راية في الإسلام إلا للتقوى، ولا ميزان في الإسلام يخفض ويرفع إلا للتقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
ولما سئل النبي ﷺ -كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري -: (يا رسول الله! أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم) إلى آخر الحديث.
стр. 72
تعريف التقوى وأركانها
فما هي التقوى؟! الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى وقت طويل جداً، ولكنني سأوجز الجواب عن هذا السؤال الهام؛ لأني قد أفردت خطبة كاملة قبل ذلك للحديث عن التقوى، وهذا من باب: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]؛ فما هي التقوى أيها الأحباب؟ التقوى هي: وصية الله جل وعلا لجميع خلقه، ووصية النبي ﷺ لجميع أمته، وهي الوصية التي ما زال يتوارثها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم جميعاً، وقد عرفها أحد السلف فقال -نقلاً عن الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم- التقوى: هي أن تعمل بنور من الله، في طاعة الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً وموقوفاً -وقال الحافظ بن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم: الموقوف أصح- أنه قال في قول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، قال عبد الله بن مسعود ﵁: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
إذاً: فأركان التقوى هي: أن يطاع فلا يعصى.
وأن يذكر فلا ينسى.
وأن يشكر فلا يكفر.
стр. 73
أول أركان التقوى: طاعة بلا معصية
الركن الأول: طاعة بلا معصية، والمعصية سبب لسخط الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، ولها آثار خطيرة على العبد -عافانا الله وإياكم منها- ذكرها وأسهب في تفصيلها الإمام ابن القيم في كتابه القيم الداء والدواء، أو بعنوان آخر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، حتى لا يلتبس الأمر على بعض الإخوة.
إن للمعصية آثاراً خطيرة، وهي سبب لسخط الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، والمعصية لها ظلمة في القلب، وأذكر نفسي وإخواني من طلبة العلم، بأن المعصية سبب رئيس من أسباب حرمان العلم، قال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأوصاني بأن العلم نور ونور الله لا يهداه عاصي ومن آثارها الخطيرة: أن صاحب المعصية يحس للمعصية بظلمة وبوحشة في قلبه، لا يعلمها إلا الله، كما قال الحسن ﵀: أبى الله إلا أن يذل من عصاه، ورحم الله ابن عباس حينما قال: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للمعصية سوداً في الوجه، وظلمة في القلب، وضيقاً في الرزق، ووهناً في البدن، وبغضاً في قلوب الخلق.
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذلك التقوى واصنع كماش على أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى إياك أن تحتقر معصية، فإن المؤمن ينظر إلى معصيته، على أنها كبيرة من الكبائر، ولو كانت من الصغائر، ولكن المنافق ينظر إلى عظم المعصية، كأنها ذبابة وقعت على أنفه فذبها عنه فطارت، لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت! إن خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: عليَّ رقيب فعليك أن تطيع الله جل وعلا، وأن تراقب الله في سرك وعلنك، ولقد أمسك أعرابي بأعرابية في الصحراء، وأراد أن يفعل بها الفاحشة، فقالت له الأعرابية: هل نام الناس في الخيام؟ فذهب الأعرابي فرحاً مسروراً بمعصية زائلة وبلذة فانية، وبمعصية تعرضه لسخط الله جل وعلا، وعاد إليها -وقد تملكه السرور- وهو يقول: أبشري لقد نام الناس جميعاً، ولا ترانا إلا الكواكب، فقالت له هذه المرأة النقية: وأين مكوكبها؟! ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت، وإن خلوت بنفسك فلابد أن تعلم أن الله جل وعلا يسمع ويرى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٦] ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
إن خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت، ولكن قل: عليَّ رقيب
стр. 74
ثاني أركان التقوى: أن يذكر فلا ينسى
الركن الثاني: (أن يذكر فلا ينسى)، والله إنه لشرف أن تذكر الله فيذكرك مولاك: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، والله لو ذكرت عند ملك من ملوك الأرض، أو عند حاكم من حكام الأرض، وذكرت بالخير لسعدت بذلك سعادة غامرة، فكيف إذا قيل لك: لقد ذكرك ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض؟! ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم) أي: ذكرت في الملأ الأعلى يا عبد الله! ذكر الله حصن حصين، يتحصن به الذاكر من شياطين الإنس والجن، إن مثل الذاكر لله جل وعلا، كمثل: رجل خرج العدو في أثره سراعاً، فأتى إلى حصن حصين، فاحتمى بهذا الحصن من عدوه، كذلك الذاكر لله جل وعلا، يحتمي بذكر الرحمن من الشيطان.
فلا تغفل عن ذكر الله، وليكن لسانك دائماً رطباً بذكر الله، وإن ذكرت الله جل وعلا فأنت في كنفه ورعايته، والحديث عن الذكر طويل، إلا أن أفضل الذكر كما قال النبي ﷺ هو: (لا إله إلا الله) كلمة التوحيد والإيمان، (أفضل الذكر لا إله إلا الله).
стр. 75
ثالث أركان التقوى: أن يشكر فلا يكفر
الركن الثالث: (وأن يشكر فلا يكفر)، وكم من نعم لله جل وعلا علينا وهي بحاجة إلى شكر، ولابد أن نفرق بين معنى الشكر والحمد، فإن معنى الشكر أعم من معنى الحمد: فإن الحمد يقترن باللسان والقلب، ولكن الشكر لابد له من أركان، لابد له من شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح والأركان، كما قال صاحب فتح المجيد ﵀: إن الشكر أعم من الحمد قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣].
ولقد وعد الله بالزيادة على الشكر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
والشكر -كما قال الإمام ابن القيم - هو: الحافظ وهو الجالب: هو الحافظ للنعم، وهو الجالب للنعم، أو لفضل الله جل وعلا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، والشكر لابد أن يكون بالقلب واللسان والأركان، فإن منّ الله عليك بنعمة المال وأردت أن تشكر الكبير المتعال، فشكرك لا يكون بالثناء فقط، وإنما يكون بالثناء على الله والإنفاق في سبيل الله.
وإن منّ الله عليك بنعمة الصحة، فلا ينبغي أن تقتصر على أن تحمد الله فقط، بل ينبغي أن تستغل هذه النعمة في طاعة الله جل وعلا، لذا فإن الشكر يدور على ثلاثة أركان: الركن الأول: هو الاعتراف بنعمة الله جل وعلا.
والركن الثاني: هو الثناء على الله جل وعلا.
والركن الثالث: هو أن تستغل نعم الله في طاعة الله .
فلا تستغل نعم الله في معصية الله؛ لأن الذي من عليك بالنعم قادر على أن يسلب منك هذه النعم، ولا شك أن أفضل نعمة أمتن الله بها علينا هي نعمة التوحيد.
ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا نعمة، لو ظللنا الليل والنهار نشكر الكبير المتعال عليها ما وفيناه حقها أبداً، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، أما أنت فلقد أمتن الله عليك بالتوحيد، من غير إرادة منك، ومن غير حول منك ولا قوة، وذلك فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فهذه هي أركان التقوى بإيجاز شديد، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
فالتقوى: أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
следующие страницы →