← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الدعوة إلى الله مسئولية الجميع أيها الشباب: إنني أحملكم المسئولية جميعاً أمام الله، ليست الدعوة مسئولية الدعاة فحسب، ولكن كل مسلمٍ ومسلمة مسئولٌ مسئولية كاملة عن دين الله، فهيا -أيها الشباب- تحركوا من الآن، أيها الشاب صحح دينك، صحح اعتقادك، افهم إسلامك فهماً كاملاً شاملاً، وحول الإسلام في حياتك إلى واقع، وإلى منهج حياة، ثم انطلق على بركة الله، بقدر ما منَّ الله به عليك من علم وصدقٍ وإخلاص، لدعوة الناس إلى دين الحق بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، فإن الله جل وعلا يقول لحبيبه المصطفى ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. أيها الحبيب: كن من حواري وأنصار رسول الله، ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (ما من نبيٍ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا وكان له في أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف -أسأل الله ألا نكون منهم- يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يُؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). أيها الحبيب الكريم: خذ أمر رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) والحديث رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر. يا طالب العلم: فرق بين طلب العلم وبين الدعوة إلى الله، فإن طلب العلم لا ينتهي البتة، كما قال أحمد بن حنبل: مع المحبرة إلى المقبرة. لكن الدعوة إلى الله واجب كل مسلمٍ ومسلمة، فلتتحرك أيها الحبيب للدعوة إلى الله، ولدين الله، بكلمتك الطيبة، وبدعوتك الصادقة، وبسلوكك وأخلاقك لنظهر للدنيا كلها حقيقة إسلامنا، فإننا الآن نعيش زماناً أصبح يُحكمُ فيه على الإسلامِ من خلال مكانة المسلمين المنحطة. فنسأل الله جل وعلا أن يشرفنا وإياكم بأن نكون من حواري وأنصار رسول الله، وأن نتحرك للدعوة إلى الله، ولدين الله، ونحن على يقين جازم أن الأجل لا يقربه جبن جبانٍ ولا حرص حريص، وأن الرزق بيد الله جل وعلا، وبأن الأمر كله لله، فكن على يقينٍ بالله وثقةٍ بالله، واعلم بأن الملك كله لله، والأمر كله لله، وأسكن في قلبك الطمأنينة التي لا يجب على الإطلاق أن تشيبها شائبة شكٍ، أو أن تعصف بها رياح قنوط وأن الإسلام قادمٌ، وأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 1052

أبناؤنا بين البر والعقوق لقد كثر عقوق الوالدين في زمننا، وأسباب ذلك كثيرة، منها: إهمال الوالدين تربية أبنائهما التربية الصحيحة. ومنها: عدم اختيار الأم الصالحة عند الزواج. ومنها: دور الإعلام في فساد الأخلاق. ومنها: تقصير المدرسة في تعليم الأبناء الفضائل ومحاسن الصفات، بالإضافة إلى دور الشارع في فساد الأخلاق الحسنة. فعلى الأبناء أن يعوا خطورة العقوق في الدنيا والآخرة، وكذلك على الآباء والإعلام والمدرسة أن يقوموا بدورهم في تربية الأبناء.

стр. 1053

حقاً إنها مأساة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! أبناؤنا بين البر والعقوق، هذا هو عنوان لقائنا هذا، وسوف أركز الحديث تحت هذا العنوان المهم في العناصر الآتية: أولاً: حقاً إنها مأساة. ثانياً: خطر العقوق. ثالثاً: فضل البر. رابعاً: حقوق تقابلها واجبات. وأخيراً: إنها مسئولية المجتمع. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن نكون من الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب. أحبتي في الله! لا شك أن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى حب ورعاية الأولاد، بل وإلى التضحية للأولاد بكل شيء، حتى بالذات، فكما تمتص النبتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، وكما يمتص الفرخ كل غذاء فى البيضة فإذا هي قشرة هشة؛ فكذلك يمتص الأولاد كل رحيق وعافية واهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية، ومع كل ذلك فهما سعيدان، ولكن من الأولاد من ينسى هذا الحب والعطاء والحنان، ويندفع في جحود وعصيان ونكران؛ ليسيء إلى الوالدين بلا أدنى شفقة أو رحمة أو إحسان، وتتوارى كل كلمات اللغة على خجل واستحياء، بل وبكاء، حينما تكتمل فصول المأساة، ويبلغ العقوق الأسود منتهاه، حينما يقتل الولد أمه أو أباه! فعلى مقربة منا في إحدى القرى المجاورة حدثت جريمة مروعة؛ هي التي دفعتني للحديث عن هذا الموضوع: في أسرة فقيرة تتكون من عشرة أبناء، يقضى الوالد المسكين ليله ونهاره ليوفر لأبنائه العيشة الطيبة الكريمة، وبالفعل وفق الله الوالد في ذلك توفيقاً عظيماً، فقد استطاع أن يلحق أولاده جميعاً بالكليات والجامعات، ومن بين هؤلاء الأبناء ابن عاق؛ فبدلاً من أن يساعد أباه في نفقات هذه الأسرة الكبيرة ذهب يثقل ظهر والده بالنفقات؛ ليضيعها على (البانجو) والمخدرات والفتيات، فقال له والده المسكين: أي بني! أنا لا أقدر على نفقاتك ومصروفاتك، دعني لأواصل المسيرة مع إخوانك وأخواتك، وأنت قد وصلت إلى كلية العلوم فاشتغل أنت، وشق طريقك في الحياة، ولكن هذا الولد الذي تمرد على التقاليد والقيم وعلى سلطان البيت، بل وعلى سلطان الأسرة، بل وعلى سلطان الدين؛ قام هذا الولد العاق ليفكر بتفكير شيطاني خبيث؛ إنه يفكر كيف يقتل أباه، ولكن كيف قتل الولد أباه؟! إنه طالب في كلية العلوم، فقام يستغل دراسته وعلومه استغلالاً شيطانياً خبيثاً، حيث أعد مادة كيمائية بطريقة علمية معينة، وأخذ منها كمية كبيرة، وعاد إلى البيت، وانتظر حتى نام أبوه، فسكب المادة الكيميائية على أبيه وهو نائم، فأذابت المادة لحم جسده حتى بدت العظام! الله أكبر!! لا إله إلا الله!! لا إله إلا الله!! والله! إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع وإن الكلمات لتتوارى على خجل وحياء وبكاء أمام هذه المأساة المروعة بكل المقاييس. قد يأتي الآن والد كريم من آبائنا أو أخ عزيز يجلس معنا ويقول: إنه الفقر، قاتل الله الفقر!! والجواب مع تقديري لكل آبائي وأحبابي: لا، لم يكن الفقر سبباً ليقتل الولد أباه، وإذا أردت الدليل فخذ الحادثة الثانية المروعة التى طالعتنا بها جريدة الأهرام: كان في محافظة الإسماعيلية أسرة غنية ثرية؛ وصل الوالدان فيها إلى مكانة اجتماعية مرموقة، فالأم في هذه الأسرة دكتورة مهندسة، وليس بعد ذلك درجة، جلست هذه الأم المثقفة لتناقش ابنها الذي أنهى دراسته الجامعية في أمر خطيبته التي أراد أن يتزوج بها، وأبت الأم على ولدها أن يرتبط بهذه الفتاة، فاحتج الولد على أمه وقال: كيف ذلك وهذا اختياري، وهذه رغبتي، وهذه حريتي؟! وما كان من هذا المجرم العاق إلا أن أسرع إلى المطبخ ليرجع بسكين كبيرة، ثم ينقض بالسكين على أمه بطعنات قاتلة حتى فارقت الحياة، ما هذا؟! ما هذا؟! والله! إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع، وإن الكلمات لتتوارى على خجل واستحياء، بل وبكاء أمام هذه الصور البشعة من صور العقوق للآباء والأمهات، وقد حذر الله جل وعلا من العقوق في أدنى صوره، وأقل أشكاله وألوانه، فقال جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] رب ارحمهما كما ربيانا صغاراً؛ برحمتك يا أرحم الراحمين!

стр. 1054

خطر العقوق أيها المسلمون! أيها الأبناء! يا أبناء الجامعات! أيها الأحباب الأعزاء! اعلموا بأن العقوق كبيرةٌ تلي كبيرة الشرك بالله. العقوق من أكبر الكبائر، ففي الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: (ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان المصطفى متكئاً فجلس ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فمازال النبي يكررها حتى قلنا: ليته سكت) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه -لا أن يقتل الرجل والديه- فقال الصحابة: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟! -الصحابة في مجتمع الطهر استغربوا أن يشتم الرجل والديه- فقال المصطفى ﷺ : نعم، يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه) إن شتمت أبا رجل شتم أباك، فتكون قد شتمت أنت أباك، وإن شتمت أمه شتم الرجل أمك، فتكون قد شتمت أمك؛ فالعقوق من أكبر الكبائر والعياذ بالله! أيها الأبناء! العقوق سبب للحرمان من الجنة وسبب للطرد من رحمة الله الذي وسعت رحمته كل شيء، ففي الحديث الذي رواه النسائي والبزار بسند جيد، وحسنه الألباني، ورواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة) وتدبروا -أيها الأبناء! وتدبروا أيها الآباء! - هذا الحديث العظيم؛ فإن هؤلاء قد خابوا والله! وخسروا؛ لأنهم طردوا من رحمة الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة والديوث) والمرأة المترجلة أي: المرأة المتشبهة بالرجال، وكم من امرأة تنتسب إلى الإسلام تتشبه في زيها، وفي مشيتها، وفي كلامها، وفي طريقة معاملتها بالرجال! بل وهي تشعر بلذة حين تتشبه بالرجال، والديوث هو: الذي يقر الزنا والفسق في أهله والعياذ بالله! وقال ﷺ : (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان). أيها الأبناء! أخاطبكم بكل قلبي وكياني، أيها الأبناء! يا من منَّ الله عليكم الآن بنعمة الأمهات والآباء! وأنتم لا تدركون قدر هذه النعمة، ولن تشعروا بها إلا إذا فقدتم الوالدين، أسأل الله أن يبارك في أعمار آبائنا وفي أعمار أمهاتنا، وأن يختم لنا ولهم بصالح العمل؛ إنه على كل شيء قدير. أيها الأبناء! عقوق الوالدين لا ينفع معه أي عمل، فإن صليت أو اجتهدت وأنت عاق لوالديك فلن ينفع مع العقوق عمل، ففي الحديث الذي رواه الإمام الطبراني وابن أبي عاصم في كتاب السنة -وحَسَّنَ الحديث الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة- من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً -أي: لا فرضاً ولا نفلاً ولا عملاً-: العاق لوالديه، والمنان، والمكذب بالقدر). أيها الأحباء! أيها الأعزاء! أختم بهذه الكلمات؛ لأعرج على بقية عناصر الموضوع، فأقول: إن العقوق دين لابد من قضائه في الدنيا قبل الآخرة، فكما تدين تدان، فإن بذلت البر لوالديك سَخَّرَ الله أبناءك لبرك، وإن عققت والديك سَلَّط الله أبناءك لعقوقك، وستجني ثمرة العقوق في الدنيا قبل الآخرة، ففي الحديث الذي رواه الطبراني والبخاري في التاريخ وصححه الألباني من حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اثنان يعجلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين). أي: الظلم، فمهما كنت قادراً قوياً واستخدمت وجاهتك أو منصبك أو مالك في ظلم العباد؛ فاعلم بأن الله سيسلط عليك من يظلمك. لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم عقوق الوالدين يعجل الله لك بسببه عقوق أبنائك في الدنيا، وتدبر معي والدي الكريم وأخي الحبيب: هذا ابن عاق يعيش معه والده في بيته، فكبر الوالد، وانحنى ظهره، وسال لعابه، واختلت أعصابه؛ فاشمأزت زوجة الابن من والد زوجها -وكم من أبناء يرضون الزوجات على حساب طاعة الآباء والأمهات، فاتق الله! وإياك أن تقدم امرأتك على أمك أو أبيك، فالمرأة لها حقوق، والأم لها حقوق، والأب له حقوق، فإياك وأن تقدم حق الزوجة على حق أبيك أو على حق أمك، فالحق الأول للأمهات، والحق الثاني للآباء، فلما اشمأزت هذه الزوجة من والد زوجها بدأت تعلم الأبناء هذا الشعور من جدهم، فأراد الولد أن يطرد أباه من البيت، فَرَقَّ طفلٌ صغير في البيت لجده، فقال لأبيه: لماذا تطرد جدنا من بيتنا يا أبت؟! فقال: حتى لا تتأففون منه، فبكى الطفل لجده، وقال: حسناً يا أبت! سوف نصنع بك ذلك غداً إن شاء الله!! إنه دَين والله! لابد من قضائه. وهذا ابن آخر يقوم ويصفع والده على وجهه، فيبكي الوالد ويرتفع بكاؤه، فيتألم الناس لبكاء هذا الشيخ الكبير، وينقض مجموعة من الناس على هذا الابن العاق ليضربوه، فيشير إليهم الوالد ويقول لهم: دعوه، ثم بكى وقال: والله! إني منذ عشرين سنة وفي نفس هذا المكان صفعت أبي على وجهه!! فالعقوق دَين لابد من قضائه. وهذا ابن ثالث يجر أباه من رجليه ليطرده خارج بيته، وما أن وصل الولد بأبيه حتى الباب، وإذا بالوالد يبكي ويقول لولده: كفى يا بني! كفى يا بني! إلى الباب فقط، إلى الباب فقط، فقال: لا، بل إلى الشارع، قال: والله! ما جررت أبي من رجليه إلا إلى الباب فقط!! فكما تدين تدان. أيها الأخ الحبيب! اذهب اليوم إلى أبيك فقبل رجله، وارجع اليوم إلى أمك فقبل رجليها؛ فثمَّ الجنة. العقوق خطره عظيم، وما أشقاها والله! من حياة! إنها حياة العقوق، وما أطيبها وأروحها وأسعدها وألذها من حياة! ألا وهى حياة البر، وهذا عنصرنا الثالث.

стр. 1055

فضل البر أيها الحبيب الكريم! يكفي أن تعلم أن الله جل وعلا قد قرن بر الوالدين والإحسان إلى الوالدين بتوحيده، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣]. قال ابن عباس: (ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لا يقبل الله واحدة بدون قرينتها: أما الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد:٣٣] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه. وأما الثانية: فهي قول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فمن أقام الصلاة وضيع الزكاة فلن يقبل منه. وأما الثالثة: فهي قول الله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه). قوله: (أن اشكر لي ولوالديك) ما أروحها والله! من حياة! إنها حياة البر، فإذا كنت باراً ستشعر بلذة، وبانشراح صدر، وستشعر بسعادة في كل الخطى، وسيوسع الله عليك رزقك، بل سيبارك الله لك في عمرك، كل هذا في بر الوالدين.

стр. 1056

البر سبب لدخول الجنة تدبر معي كلام النبي ﷺ : روى مسلم من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه -أسلوب نبوي بياني بلاغي عجيب! أي: ذل وهان وتعرض للخيبة والخذلان- قيل: من يا رسول الله؟! - أي: من هذا الذي تعرض للخيبة والذلة والمهانة -فقال المصطفى ﷺ : من أدرك والديه الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة). فإياك وأن تضيع هذا الخير يا من منَّ الله عليك به الآن!

стр. 1057

بر الوالدين من أعظم القربات إلى رب الأرض والسماوات اسمع -حبيبي في الله- لكلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله ومن والاه، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ وقلت: يا رسول الله! أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ فقال: الصلاة في وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله). فقدم النبي ﷺ بر الوالدين على الجهاد. وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو: (أن رجلاً جاء إلى المصطفى ﷺ ليستأذنه في الجهاد، فقال له الحبيب ﷺ : أحي والداك؟ قال: نعم. قال له المصطفى ﷺ : ففيهما فجاهد). وفي رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! جئت أبايعك على الهجرة والجهاد، فقال له المصطفى ﷺ : هل من والديك أحدٌ حي؟ فقال الرجل: نعم، كلاهما يا رسول الله! فقال المصطفى ﷺ : تبتغى الأجر من الله؟ قال: نعم، قال المصطفى ﷺ : فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما).

стр. 1058

بر الوالدين سبب لتفريج الكربات في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار، فسقطت صخرة من أعلى الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً -أي: وكنت لا أقدم عليهما في الشراب أهلي، لا زوجتي ولا أولادي، ولا أقدم عليهما مالي أي: خدمي ورقيقي- فنأى بي طلب الشجر يوماً -كان يعمل حطاباً، فانطلق ليجمع الحطب فتأخر على الوالدين حتى ناما- فعدت إليهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أوقظهما، فحملت قدح اللبن على يدي، وانتظرت استيقاظهما حتى برق الفجر). فبر الوالدين يفرج الهم، ويكشف الغم، ويزيل الكرب، بإذن الله جل وعلا.

стр. 1059

تقديم الأم على الأب في البر أيها الأحبة الكرام! اعلموا أنه لابد أن نعي أن بر الأم مقدم على بر الأب، ففي الصحيحين من حديث أبى هريرة ﵁ (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! مَنْ أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك). وتدبر معى! هذا الحديث الرقيق الرقراق الذي رواه البيهقي وابن ماجة، وحسنه شيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة من حديث معاوية بن جاهمة: (أنه ﵁ جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أردت أن أغزو -أي: في سبيل الله- وقد جئت أستشيرك، فبماذا تشير علي؟ فقال له المصطفى ﷺ : ألك أم؟ قال: نعم. فقال المصطفى ﷺ : الزم رجلها فثمَّ الجنة، الزم رجلها فثمَّ الجنة).

стр. 1060

صور من بر الوالدين بعد موتهما قد يتحسر الآن كثير من آبائنا وأحبابنا ممن حرموا من نعمة الوالدين، لكن جاء في حديث في سنده علي بن عبيد الساعدي لم يوثقه إلا ابن حبان وبقية رجال السند ثقات: (أن رجلاً من بني سلمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! هل بقي عليَّ من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ فقال له المصطفى ﷺ : نعم، الصلاة عليهما -أي: الدعاء لهما، والترحم عليهما- والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما). فادع لوالديك، واستغفر الله لوالديك، وتصدق لوالديك، وحج لوالديك، وأنفق لوالديك، وتضرع إلى الله في صلواتك بالدعاء لوالديك أن يرحمهما كما ربياك وأنت صغير، فالبر -يا إخوة- لا ينقطع، أما أنت يا من منّ الله عليك بالوالدين، وقد ضيعت وفرطت وقصرت؛ فتب اليوم، ولا تضيع هذا الباب من أبواب الجنة، فلقد كان السلف رضوان الله عليهم إذا ماتت أم أحدهم بكى وقال: ولم لا أبكي؛ وقد أغلق اليوم عليَّ باب من أبواب الجنة؟! أيها الموحدون! أيها الأبناء! أيها الآباء! لا تضيعوا هذا الحق، فما أسعدها -والله- من حياة، ألا وهي حياة البر للوالدين. أسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياكم جميعاً على هذه النعمة وعلى هذا الفضل؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1061

حقوق الأبناء على الآباء كما أن للوالدين حقوقاً على الأبناء فإن للأبناء حقوقاً على الوالدين، فكم من آباء، وكم من أمهات قد ضيعوا الأبناء! فالتربية منذ أول لحظات الحياة للأبناء مسئولية كاملة على الوالدين، بل وقبل أن يأتي الولد للحياة، فالوالد مسئول عن هذا الابن الذى لم يأت بعد، كيف ذلك؟! باختيار أمه التى يجب أن تربيه بعد ذلك على الصلاح والفضائل. يا إخوة! أسألكم بالله أن تتدبروا معي هذه الكلمات التي سأطرحها عليكم: ماذا تقولون لو قلت لكم الآن: إن أباً قد عاد اليوم إلى داره فأخرج ورقة وكتب عليها استقالة من تربية أبنائه؟! حتماً سيتهم هذا الوالد بالجنون. وماذا تقولون لو أن أمّاً عادت اليوم من عملها إلى بيتها، فسحبت ورقة وكتبت عليها استقالة من تربية الأبناء؟! حتماً ستتهم هذه المرأة بالجنون، بل وقد يفكر زوجها المسكين في طلاقها. فماذا تقولون لو قلت لكم: إن نظرة صادقة إلى الواقع الذي نحياه تبين أن استقالات تربوية جماعية قد حدثت في كثير من بيوت المسلمين؟ نعم لقد استقال كثير من الآباء تربوياً، واستقالت كثير من الأمهات تربوياً، فالولد ينظر إلى الوالد بأنه تسبب في تعكير حياته؛ لأنه لم يجد أبوة الأب بمعناها الواسع، لم يجد أبوة التربية، ولم يجد أبوة النصح، ولم يجد أبوة الرجولة، ولم يجد أبوة الخبرة، ولم يجد أبوة التوجيه، ولم يجد أبوة الحنان، ولم يجد أبوة العطف، ولم يجد أبوة الشفقة والإحسان. فالوالد المسكين يظن أن دوره يتمثل في أن يكون وزيراً للمالية والنفقات، يدخل البيت فيقول: ماذا يحتاج الأولاد؟ وتقول الأم: يحتاج الأولاد كذا وكذا، فيخرج المال ثم ينصرف هائماً على وجهه للتجارات وللسفر وللترحال، بل وإذا عاد إلى بيته في آخر النهار ووجد عنده قليلاً من الوقت قتله قتلاً بالجلوس أمام المسلسلات والأفلام، ولا يفكر أن يخلو في أوقات قليلة بأولاده وزوجته. وأنا لا أقول لك: فَرِّغ كل وقتك لولدك؛ لأنني أعلم ظروف الحياة، وأعلم الحالة الاقتصادية الطاحنة التي ترهق ظهور الآباء. لكن أقول لك: والله! إن جلوس الأب بين أبنائه وهو صامت لا يتكلم فيه من عمق التربية ما فيه، فما بالكم لو تكلم فَذَكَّر بجنةٍ، وحَذَّرَ من نارٍ، وحل مشكلة، ووجه نصيحة، وأشعر أولاده بأنه يشعر بهم وبأحاسيسهم، وسأل عن صديق الولد، وسأل عن صاحبة البنت، ونقب في حقيبة ابنته، ونقب في حقيبة ولده، ونظر إلى قصة شعر ولده، ونظر إلى البنطلون الجنز الممزق من ركبتيه الذي يلبسه ولده، فنقب عن هذه الأمور، وبذل النصيحة بحنان وبرحمة، وبأبوة حانية؟! هذه هي الأبوة في أجل معانيها، فإن الأبناء ينظرون إلى من تسبب في وجودهم، ولكنهم لا يجدون أبوة الأب بمعناها الواسع الشامل. والله -يا أخوة- لقد جاءني في الأسبوع الماضي شاب تزين اللحية وجهة، وهذا الشاب كاد أن يبكي فقلت له: مالك؟ قال: إن أبي يقسم عليَّ بالله إن ذهبت إلى المسجد فسوف يطردني من البيت!! ثم يشكو الآباء بعد ذلك من العقوق!! أيها الوالد! أنت مسئول أن تربي نبتتك من أول لحظة. مشى الطاووس يوماً باختيالٍ فقلد شكل مشيته بنوه فقال علام تختالون فقالوا لقد بدأت ونحن مقلدوه فخالف سيرك المعوج واعدل فإنا إن عدلت معدلوه وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوَّده أبوه أما تدري أبانا كل قرع يجاري بالخطى من أدبوه فإن ربيت ولدك -أيها الوالد الكريم- على الفضائل والأخلاق والصلاح منذ أول لحظة من لحظات حياته، ومنذ ترعرعه في بيتك؛ شب حتماً على هذه الأخلاق. وقد يقول لي والد: إنني قد أربي ولدي في البيت، وسيخرج إلى الشارع ليعود وقد طُمِس بناؤه الجميل، الذي اجتهدت في تزيينه وتجميله في البيت، فأقول له: أبشر واطمئن، فما دام الأصل سليماً والجوهر نقياً فسرعان ما يزول هذا الغبش الذي تأثر به ظاهر ولدك، وسرعان ما يعود إلى أخلاقه وجوهره التقي النقي الذي اجتهدت في تأصيله في بيتك على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه. أيها الوالد الحبيب! ابنك أمانة، ابنتك أمانة، فاجتهد ولا تضيع ولدك؛ فسوف تسأل عنه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل في أهل بيته راع ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته). واسمع -أيها الوالد الكريم- إلى هذا التهديد والوعيد، ففي الصحيحين من حديث معقل بن يسار أن النبي المختار ﵌ قال: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة). وتزداد المأساه -يا مسلمون- إذا انضم إلى استقالة الآباء استقالة الأمهات، فالأم هي الحضن التربوي الطاهر، والأم هي المدرسة الأولى للتربية، فماذا تقولون لو أغلقت المدرسة الأولى للتربية، ألا وهي مدرسة الأم، وانشغلت الأم بالمسلسلات وبالأفلام، وانشغلت الأم بالتجوال في الأسواق وبالجري وراء أحدث الموضات والموديلات، وانشغلت عن أولادها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؟! تزداد المأساة إذا استقالت الأم تربوياً، بالإضافة إلى استقالة الآباء تربوياً، فيا إخوة: ليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاه في هم الحياة ذليلا إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت أو أباً مشغولا فليس اليتيم من مات أبواه وتركاه في الحياة ذليلاً، إن اليتم الحقيقي هو اليتم التربوي، إن اليتيم هو الذي ترى له أماً تخلت عنه، أو أباً مشغولاً عنه، فماذا تقولون لو علمتم أن من الآباء من يمنع ولده من إعفاء لحيته، أو يمنع ولده من الذهاب إلى المسجد، أو يمنع ولده من الذهاب إلى مجالس العلم؟! وأسأل الله أن يجعلني من المنصفين، أنا لا أريد بعدما أصلت للوالدين من حقوق أن أقلل من شأنهما عند الأبناء، وإنما أود أن أقول لإخواني وأبنائي: قد يأمرك الوالد بذلك من منطلق الخوف عليك، وهذا هو الواقع، فالولد قرة عين أبيه، والولد ثمرة فؤاد أبيه، فإن أمر الوالد ولده بذلك فليعلم بأن المصيبة أكبر، وبأنه سيزداد خوفه بصورة أكبر، فإذا منع الولد من أن يعرف طريق المساجد، وإذا حال بين الولد وبين طريق السنة، وبين طريق الالتزام؛ فسوف يبكي الوالد دماً بدل الدمع إذا رأى ولده يحقن نفسه بحقنة مخدرات، أو يشم البانجو، أو يمشى مع فتاة في الحرام ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ لذا أذكر آبائي الكرام بأن يفتحوا الباب على مصراعيه لأبنائهم؛ ليسلكوا طريق الالتزام، وليسلكوا طريق سنة النبي ﵊، وليعلموا يقيناً بأن السعادة كل السعادة، وبأن الالتزام والهداية والتفوق في أمور الدنيا والآخرة لا يكون أبداً إلا إذا عرف الولد طريق الله جل وعلا، وراقب الله في سره وعلنه، فقد ينجح الوالد في مراقبة أبنائه في ساعة من ليل أو ساعة من نهار، ولكنه لا ينجح في أن يراقب أولاده طيلة الليل وطيلة النهار، فدرب ورب ولدك على أن يراقب العزيز الغفار، ورب ولدك على القرآن والسنة. وقد يقول لي والد كريم من آبائنا الطيبين: فماذا سيكون جوابك إذا سألتك وقلت: إن الوالد نفسه يحتاج إلى أن يتعلم هو القرآن والسنة؟ و الجواب حياك الله، ثم حياك الله أنت وأولادك جميعاً في المساجد؛ لتجلسوا بين أيدي العلماء المتحققين بالعلم الشرعي، لتتعلم أيها الوالد الكريم مع ولدك كتاب الله وسنة رسول الله ﵌. أيها الآباء الكرام! إن للوالدين حقوقاً على الأبناء، وإن للأبناء حقوقاً على الوالدين، وإن من الآباء من يقع في عقوق ولده قبل أن يعقه ولده. جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: (يا أمير المؤمنين! أشكو إليك عقوق ولدي، فقال: ائتني به، فجاء الولد إلى عمر ﵁، فقال عمر: لمَ تعق أباك؟ فقال الولد: يا أمير المؤمنين! ما هو حقي على والدي؟ فقال عمر: حقك عليه أن يحسن اختيار أمك، وأن يحسن اختيار اسمك، وأن يعلمك القرآن. فقال الولد: والله ما فعل أبي شيئاً من ذلك، فالتفت عمر إلى الوالد وقال: انطلق؛ لقد عققت ولدك قبل أن يعقك). نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الصادقين، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال، وأسأل الله أن يشفينا، وأن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، وأن يتقبل منا صالح الأعمال. وأخيراً: إنها مسئولية الجميع، أرجئ الحديث عن هذا العنصر إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1062

تربية الأبناء مسئولية الجميع الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفي أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! إنها مسئولية الجميع، يجب أن نعلم أن المسئولية تقع على كواهلنا جميعاً، فعلى الأسرة مسئولية، وعلى الإعلام مسئولية، وعلى المدرسة مسئولية، وعلى الشارع مسئولية، وعلى مناهج التعليم مسئولية، فالمسئولية تقع على كواهل الجميع.

стр. 1063

مسئولية الشارع في تربية الأبناء وعلى الشارع دوره في التربية، فلو خرج الأبناء إلى الشوارع بأخلاق البيوت الطيبة لتغير الحال. إذاً: المسئولية مشتركة على الجميع، ولا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك. أسأل الله أن يقر أعيننا وإياكم بصلاح أبنائنا وستر بناتنا. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً. اللهم استر نساءنا، اللهم استر نساءنا، واحفظ بناتنا، واحفظ بناتنا، واهد شبابنا، واهد شبابنا، وأصلح أولادنا، واجعلهم قرة عين لنا. اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا كما ربيانا صغاراً، اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا كما ربيانا صغاراً، اللهم من كان من آبائنا وأمهاتنا بين يديك فتغمده برحمتك، اللهم من كان من آبائنا وأمهاتنا بين يديك فتغمده برحمتك، ومن كان منهما حياً فأحيه على طاعتك، وتوفه على ملتك وعلى سنة نبيك برحمتك يا أرحم الراحمين! رب ارحمهما كما ربيانا صغاراً، رب ارحمهما كما ربيانا صغاراً. اللهم ارزق أولادنا البر للوالدين، اللهم ارزق أولادنا البر للوالدين، اللهم جنب أولادنا العقوق للوالدين، اللهم جنب أولادنا عقوق الوالدين، اللهم ارزق أبناءنا البر يا رب العالمين! اللهم ارزق أبناءنا البر يا أرحم الراحمين، واحفظ أبناءنا وبناتنا من العقوق يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا، اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا؛ إنك أنت التواب الرحيم. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم عليك باليهود وأعوانهم يا رب العالمين! اللهم املأ قلوب وبيوت اليهود ناراً، اللهم دمر بيوتهم قبل أن يدمروا الأقصى، وحرق بيوتهم قبل أن يحرقوا الأقصى، وأرنا في اليهود يوماً كيوم عاد وثمود بقدرتك يا رب العالمين! اللهم اجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والوباء والفتن والبلاء برحمتك يا رب الأرض والسماء وجميع بلاد المسلمين؛ إنك على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1064

مسئولية المدرسة في تربية الأبناء وعلى المدارس دور في تربية الأبناء، وإني والله أستحي أن أقول هذا الكلام: لقد أخبرني مدير إحدى مدارس البنات -ولن أسمي المكان- أخبرني بكلام يخلع القلب، وهي مدرسة ثانوية للبنات، وأنا أستحي والله! أن أقول: المدارس، فقد أصبح الولد الآن لا يحترم مدرسة، لماذا؟ لأن البركة في مدرسة المشاغبين حيث لا بركة! علموا الأولاد كيف يتطاولون على الأساتذة والمدرسين، كان الطالب قديماً يهاب أستاذه إن رآه أو إن سمع صوته من بعد، ولكن الولد أصبح الآن يتطاول على أستاذه وعلى مدرسه، فالمدرسة لها دور، لابد أن تعود المدرسة لدورها الريادي في التربية قبل أن تعلم أبناءنا العلوم، ومن جميل ما قاله محمد إقبال ﵀: إن العلوم الحديثة تحسن أن تعلم أبناءنا المعاني والمعارف، ولكنها لا تحسن أن تعلم عيونهم الدموع، ولا قلوبهم الخشوع!

стр. 1065

مسئولية الإعلام في تربية الأبناء أيها الوالد الكريم! أيتها الأم الفاضلة! تبدأ المسئولية في تربية الأبناء من عندكما من البيت فاجتهدا، ثم على أهل الإعلام أن يتقوا الله؛ فإنني أدين لله بأن الإعلام يتحمل المسئولية الكبرى في إفساد أخلاق أبنائنا وبناتنا، أعلنها لله. إن الإعلام الذي لا يرقب في المؤمنين إلاً ولا ذمة، والذي يعكف في المسلسلات والأفلام على وتر الجنس، وعلى وتر الدعارة، وعلى وتر أفلام الإجرام، وعلى وتر التحرر؛ جعل الولد ينظر إلى أبيه المحافظ صاحب الأخلاق نظرة احتقار وازدراء وسخرية، ويقول الولد لوالده: هكذا نرى في المسلسلات والأفلام، وهذه موضة قديمة، فأنت لا تعيش عصرك، وأنت لا تعيش زمانك، وأنتم لا زلتم تعيشون في مجاهل القرون الماضية! إنه العزف بصورة واضحة على نغمة التحرر، مما جعل أبناءنا يتحررون من كل شيء، فرفض الأولاد سلطة الأسرة، ورفض الأولاد سلطة الوالدين، بل ورفض الأولاد أخيراً سلطة الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله! فعلى الإعلام وعلى القائمين على الإعلام أن يتقوا الله، وقد يقول لي الآن قائل: الآن أنت تخاطب الآباء، فلماذا لا تخاطب الإعلام؟ فأقول: أنا أعي ما أقول؛ فإن من بيننا في هذا الجمع الكريم من يحتل مكانة، ومن يحتل كرسياً ومنصباً، وهؤلاء جميعاً هم أبناؤنا، فإن استطعت أن تخاطب مسئولاً بكلمة طيبة وبكلمة رقيقة أن يتقوا الله في أبنائنا وبناتنا فافعل، وإلا فأنت مضيع للأمانة، أسأل الله أن يجعلنا جميعاً أهلاً لهذه الأمانة.

стр. 1066

مسئولية الأسرة في تربية الأبناء تبدأ المسئولية من البيت ومن الأسرة، ولكن قد يتألم بعض الأحبة ويقول: نسيت أن تذكرنا بأنه إذا كان الوالد والأم في البيت من الصالحين، واجتهد الوالدان في تربية الأبناء تربية ترضي الرب سبحانه، ولكن مع ذلك خرج من بين هؤلاء الأبناء ابن عاق انحرف عن الطريق، فما ذنبهما؟ الجواب هذا لا يقدح في أصل القاعدة، فإنني أرى بيتاً في بيوت المسلمين، يشرف على التربية فيه نبي كريم من أنبياء الله، وهو نبي الله نوح ﵇، ومع ذلك لم يخرج ابنه في هذا البيت عاقاً، وإنما خرج كافراً بالله والعياذ بالله! وألمح بيتاً آخر يقوم على أمر التربية فيه فرعون مصر، أكثر أهل الأرض فساداً، ومع ذلك يخرج من هذا البيت موسى كليم الله جل وعلا. فابذل ما استطعت واجتهد، وضع النتائج بعد ذلك إلى الله الذي يعلم كل شيء، والذي يعلم الحكمة لكل شيء، إنه عليم حكيم.

стр. 1067

الأخوة في الله الأخوة في الله من الواجبات الضرورية خاصة في زمننا هذا؛ وذلك لقلتها -إن لم نقل: لانعدامها- حتى بين أبناء الدعوة الواحدة. وقد حث الرسول ﷺ على الأخوة في سنته، وبين الطريق الموصل إليها، وإن للأخوة حقوقاً يجب معرفتها والعمل بها.

стр. 1068

حقيقة الأخوة في الله إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدَّى الأمانةَ، وبَلَّغَ الرسالةَ، ونَصَحَ للأمة؛ فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الفضلاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً. وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى ﷺ في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! إننا على موعد مع محاضرة عامة هامة ومهمة، وهي بعنوان: الأخوة في الله، وسوف ينتظم حديثنا تحت هذا العنوان في العناصر التالية: أولاً: حقيقة الأخوة في الله. ثانياً: حقوق الأخوة. ثالثاً: الطريق إلى الأخوة. فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب. أحبتي في الله! لقد أصبحت الأمة الآن كما ترون غثاءً من النفايات البشرية، وتعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متمزقة متناثرة متصارعة متحاربة، تفصل بينها حدود جغرافية مصطنعة، ونعرات قومية جاهلية بغيضة، وترفرف على سماء الأمة رايات القومية والوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، وتدور بالأمة الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه! لقد تمزق شمل الأمة، وتشتت صفها، وطمع في الأمة الضعيف قبل القوي، والذليل قبل العزيز، والقاصي قبل الداني، وأصبحت الأمة قصعة مستباحة لأحقر وأخزى وأذل أمم الأرض من إخوان القردة والخنازير. والسبب الرئيسي: أن العالم الآن لا يحترم إلا الأقوياء، والأمة أصبحت ضعيفة؛ لأن الفرقة سبب من أسباب الضعف والخذلان والضياع، والقوة ثمرة طبيعية من ثمار الألفة والوحدة والمحبة، فما ضعفت الأمة بهذه الصورة المهينة إلا يوم أن غاب عنها أصل وحدتها وقوتها وألفتها وحبها، ألا وهو: الأخوة في الله بالمعنى الذي جاء به رسول الله ﷺ ، إذ إن الأخوة في الله لا يمكن أبداً أن تتحقق إلا على عقيدة التوحيد بصفائها وشمولها، ومحال أن تتحقق أخوة بمعناها الحقيقي إلا على عقيدة صافية بشمولها وكمالها، كما حولت هذه الأخوة الجماعة المسلمة الأولى من رعاة للغنم إلى سادة وقادة لجميع الدول والأمم، يوم أن تحولت هذه الأخوة التي بنيت على العقيدة بشمولها وكمالها إلى واقع عملي ومنهج حياة، وقد تجلى هذا الواقع المشرق يوم أن آخى النبي ﷺ ابتداءً بين الموحدين في مكة، وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل الإخاء، فقد آخى النبي ﷺ بين أهل التوحيد في مكة وبين الذين اختلفت ألوانهم وأوطانهم وألسنتهم وأشكالهم، آخى بين حمزة القرشي، وسلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وأبي ذر الغفاري، وكان هؤلاء على اختلاف ألوانهم وأوطانهم -بعد أن آخى بينهم رسول الله- يهتفون بهذه الأنشودة العذبة الحلوة: أبي الإسلام لا أبَ لي سِوَاهُ إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ وبعد أن تصافحت القلوب مع القلوب، وامتزجت الأرواح بالأرواح، ذهبوا يرددون جميعاً قول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:١٠]. ثم آخى النبي ﷺ بين أهل المدينة من الأوس والخزرج بعد حروب بينهم دامية طويلة، وبعد صراع مرير دمر الأخضر واليابس!! ثم آخى رسول الله بين أهل مكة من المهاجرين وبين أهل المدينة من الأنصار، في مهرجان حُبٍّ لم ولن تعرف البشرية له مثيلاً في مهرجان حب تصافحت فيه القلوب في مهرجان حب امتزجت فيه الأرواح! وتأمل هذا المشهد الرائع الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد لأخيه عبد الرحمن الذي جاء إلى المدينة من مكة مهاجراً: يا عبد الرحمن! إنني أكثر الأنصار مالاً، وسأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي زوجتان فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجتها، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك! بل دلني على السوق، فدله سعد بن الربيع على سوق بني قينقاع، فانطلق عبد الرحمن بن عوف ليتاجر ويبيع ويشتري، فما لبث أن عاد ومعه فضل من أقط وسمن، ثم جاء النبي ﷺ يوماً وعليه صفرة، فقال له المصطفى: مهيم؟ -أي: ما الذي بك يا عبد الرحمن؟! - فقال عبد الرحمن: تزوجت امرأة من الأنصار يا رسول الله! فقال المصطفى: فما سقت إليها؟ -أي: من صداق- فقال عبد الرحمن: سقت لها مقدار نواة من ذهب، فقال له المصطفى: أولم ولو بشاة). وقد يتحسر الآن كل الإخوة على زمن سعد بن الربيع ويقولون: أين سعد بن الربيع الذي يشاطر أخاه في ماله، بل وفي زوجتيه؟ و الجواب ضاع زمن سعد بن الربيع وذهب يوم أن ذهب عبد الرحمن بن عوف. فلئن سألت: من الذي يعطي الآن عطاء سعد؟ فسأجيبك وأقول: وأين من يتعفف الآن عفة عبد الرحمن بن عوف؟!! لقد ذهب رجل إلى أحد السلف فقال: أين الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً؟ فقال له: ذهبوا مع من لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. فلا تسل: أين سعد؟ بل سل قبلها: أين عبد الرحمن؟ وأين أهل العفة؟ وأين أهل الحياء؟ وأين أهل الفضل؟ وهذا مشهد من مشاهد الإخاء، والله! لولا أن الحديث في أعلى درجات الصحة لقلت: إن هذا المشهد من مشاهد الرؤى الحالمة الوديعة الرقراقة الرقيقة! هذه هي الأخوة الصادقة، هذه هي حقيقتها، تلكم الأخوة التي لا يمكن أبداً على الإطلاق أن تدانيها أخوة بنيت على أواصر الوطن أو العرق أو النسب أو الدم أو اللون؛ لأن الأخوة في الله لا تنبني إلا على أواصر العقيدة، وأواصر الإيمان، وأواصر الحب في الله، تلكم الأواصر التي لا تنفك عراها أبداً. والأخوة في الله نعمة من الله وفيض منه، يغدقها الله على المؤمنين الصادقين. والأخوة في الله شراب طهور يسقيه الله المؤمنين الأصفياء الأتقياء؛ ولذا فإن الأخوة في الله قرينة الإيمان، فلا تنفك الأخوة عن الإيمان، ولا ينفك الإيمان عن الأخوة، فإن وجدت أخوة من غير إيمان فاعلم بأنها التقاء مصالح وتبادل منافع، وإن رأيت إيماناً بدون أخوة صادقة فاعلم بأنه إيمان ناقص، يحتاج صاحبه إلى دواء وإلى علاج؛ ولذا جمع الله بين الإيمان والأخوة في آية جامعة فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]. فالمؤمنون جميعاً كأنهم روح واحد حل في أجسام متعددة، كأنهم أغصان متشابكة تنبثق كلها من دوحة واحدة، أين هذه المعاني الآن؟!! لو تحدثت الآن عن مشهد كهذا الذي ذكرت، ربما استغرب بعض أهل الإسلام هذه الكلمات، وظنوها من الخيالات والأوهام؛ لأن حقيقة الأخوة قد ضاعت الآن بين المسلمين، وإن واقع المسلمين اليوم ليؤكد الآن تأكيداً جازماً لا لبس فيه انعدام حقيقة الأخوة، فلم تعد الأخوة إلا مجرد كلمات جوفاء باهتة باردة، فأنت تنظر إلى المسلم الآن ينظر إلى إخوانه هنا وهناك يذبحون ذبح الخراف، وتقطع أثدية نسائهم، وتنتهك أعراضهن، بل ويطردون من أرضهم وديارهم وبلادهم، ومع ذلك ينظر المسلم إلى هؤلاء الإخوة فيضحك بملء فيه، ويأكل ملء بطنه، وينام ملء عينه، ويهز كتفيه ويمضي وكأن الأمر لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد!! الأخوة الموصولة بحبل الله نعمة امتن بها ربنا جل وعلا على المسلمين الأوائل، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣]. فالأخوة في الله نعمة امتن الله بها على المسلمين، فمستحيل أن تجد قانوناً وضعياً على ظهر الأرض يؤلف بين القلوب، قال عزوجل: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]، ومحال أن ترى قانوناً وضعياً بشرياً يؤلف بين قلوب أهله وأصحابه، فهذه نعمة لا يمنحها الله إلا لأهل الإيمان، فإن رأيت محبة بين غير أهل الإيمان فاعلم بأن قلوب هؤلاء متناثرة متشتتة، كما قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، أما التقاء القلوب بصدق وصفاء فلا يكون إلا لمن ملأ الله قلوبهم بالإيمان.

стр. 1069

حقوق الأخوة أشهد الله أنني كنت أعد هذه المحاضرة وأنا أشعر بخجل؛ لتقصيري ابتداء في حق الأخوة، ويتردد الآن في أذني قول الشاعر: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس والطبيب عليل فأنا لا أتكلم عن الأخوة وحقوقها من منطلق شعوري أنا بالأهلية، وإنما من منطلق شعوري بالمسئولية، وهذا ما تؤصله القاعدة الأصولية: (من عدم الماء تيمم بالتراب)، والله أسأل أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يجبر كسرنا، وأن يفرج همنا، وألا يجعل حظنا من ديننا قولنا، وأن يحسن نياتنا وأعمالنا، إنه على كل شيء قدير. أرجو أن تهتموا جيداً بهذه المحاضرة، فما أحوج الأمة بصفة عامة، وما أحوج الإخوة الذين يعملون الآن للإسلام بصفة خاصة لمثل هذه المحاضرة في هذه الأيام؛ إن الأمة الآن متشرذمة متهالكة مشتتة ممزقة، ولن تقوم لها قائمة ولن يكون لها كيان إلا إذا اتحد صفها، والتقى شملها، وتجمع أبناؤها، ولن يجمع هذا الشتات المتناثر إلا الأخوة الصادقة في الله، أسأل الله أن يجعلنا من الصادقين.

стр. 1070

من حقوق الأخوة قضاء حوائج الدنيا على قدر الاستطاعة الحق الرابع: من حق الأخ على أخيه إن استطاع أن يعينه في أمر من أمور الدنيا ألا يبخل عليه، ويجب على الأخ أن يحسن الظن بأخيه إن طلب منه أمراً من أمور الدنيا، وعجز عن أن يساعده فيه، فلا يتهمه أنه فرط وضيع؛ لأن هذه هي حياة الأُخوة، فقد أكلفك بأمر وأنت تتمنى من كل قلبك أن تقضيه لي، ذهبت إلى موطن عملك ومنصبك فعجزت عن أن تؤدي لي هذه الخدمة، فهل أبغضك وأهجرك؟! لا، فليس هذا هو حسن الظن بالإخوة، فالتمس لأخيك الأعذار، والنبي ﷺ يقول -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه). فيا أخي المسئول! يا من منّ الله عليك بمنصب! ويا من منّ الله عليك بمال! ويا من منّ الله عليك بوجاهة أو جاه، إن استطعت أن تنفع إخوانك فافعل ولا تبخل. وبالمقابل يجب على الإخوة ألا يكلفوا إخوانهم ما لا يطيقون، فإن كلفوهم فعجزوا فليعذروهم، وما أجمل أن يقول الأخ لأخيه: أخي في الله! أسأل الله أن يجعلك مفتاح خير، وهذه حاجتي إليك، فإن قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن لم تقضها حمدت الله وعذرتك؛ هذه هي الأخوة! فعليك أن تعين إخوانك على حوائجهم الدنيوية على قدر استطاعتك؛ فإن الله جل وعلا يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وأنا لا أظن البتة أن مسلماً يستطيع أن ينفع إخوانه يسمع هذا الحديث الواحد فقط ويتخلى بعد ذلك عن أن ينفعهم ولو بكلمة طيبة، ولو بشفاعة مخلصة؛ فإن المحروم من حرمه الله من هذا الفضل، أسأل الله ألا يحرمنا وإياكم من فضله.

стр. 1071

من حقوق الأخوة النصيحة بضوابطها وشروطها الحق الخامس من حقوق الأخوة: التناصح، فالمؤمنون نصحة، والمنافقون والمجرمون غششة. في صحيح مسلم من حديث أبي رقية تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). لكن أتمنى من الله أن يعي إخواني الضوابط الشرعية للنصيحة. قال الشافعي: (من نصح أخاه بين الناس فقد شانه، ومن نصح أخاه فيما بينه وبينه فقد ستره وزانه). فقد يأتي أخ لينصحك فتشم من رائحته الحقد والغل، ولا تشعر أبداً بحب. وأما الناصح الصادق فهو رقيق القلب مخلص، نقي السريرة؛ يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإن رأى أخاه في عيب أو على معصية أو خطأ دنا منه، وتمنى أن لو ستره بجوارحه لا بملابسه، ثم قال له: حبيبي في الله! هذه نصيحتي لك يكللها الحب والصدق والإخلاص والغيرة، فأنا لا أحب أن يظهر خطؤك للآخرين، وليبين له النصيحة بأدب ورحمة وتواضع؛ أما أن يأتي أخ لينصحك أو أن يرسل إليك رسالة بحجة أنها نصيحة، فترى التوبيخ والتقريع وسوء الأدب، فهذا المسكين يظن نفسه أنه ناصح أمين، وهو خبيث القلب لم ينصح، بل كتب ليؤذي أخاه، أو تكلم ليؤذي أخاه، بل ليتهم أخاه، بل -والله! - إنه قد يسطر بعض التهم دون بينة أو دليل، ويزعم أنه نصح فلاناً من الناس، وهو كذاب؛ فالنصيحة لها آداب، ولها ضوابط، ولها شروط، فلتشعر أخاك وأنت تنصحه بحبك وبتواضعك وبخفضك لجناح الذل له. قال : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]، جلس رجل في مجلس عبد الله بن المبارك الإمام المجاهد التقي العابد الورع، فاغتاب أحد المسلمين، فقال له عبد الله بن المبارك: (يا أخي! هل غزوت الروم؟! قال: لا. قال: هل غزوت فارس؟! قال: لا. فقال عبد الله بن المبارك: سلم منك الروم، وسلم منك الفرس، ولم يسلم منك أخوك!!) يا لها من مصيبة، ويا له من عار، نجلس ونتفنن ونتحذلق في تصيد أخطاء بعضنا البعض، ويجلس الأخ منتفخاً منتشياً يتكلم عن أخيه وكأنه يتكلم عن مشرك، وكأنه لا يتكلم عن أخ يربط بينه وبينه رباط الإسلام ورباط الحب في الله، بل يتمنى أن لو ذبح أخاه ونشر لحمه بين الناس، فأين الأخوة؟! والله! إن القلب ليتمزق، وهذا الذي أحكي عنه موجود بين الإخوة الذين يعملون على الساحة للإسلام، فما ظنكم بما يحدث بين بقية المسلمين؟! والله! إننا لا نستحق تمكيناً، والله! إننا لا نستحق نصراً، والله! إننا لا نستحق رفعة ولا عزة؛ إن لله سنناً ربانية في الكون، لا تحابي هذه السنن أحداً من الخلق بحال مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة. اليهود في العالم كله يشعر بعضهم ببعض، ويأتي أصحاب الأموال من قلب نيويورك ليقيموا المستوطنات لإخوانهم في القدس، ويذهب بعض أثرياء العرب إلى الشرق والغرب لينفق على عاهرة في ليلة ما يزيد على عشرة آلاف دولار! إن لله سنناً ربانية في الكون، لا تحابي هذه السنن أحداً من الخلق بحال، مهما ادعى لنفسه من مقومات المحاباة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]. فمن الحقوق التي يجب علينا أن نعيدها في حياتنا إلى واقع عملي بضوابطها الشرعية: التناصح، فعليك أن تنصح أخاك بأدب وتواضع وحكمة ورحمة! وأشدد عليكم يا طلاب العلم! إذا كانت النصيحة لشيخ من شيوخكم أو لعالم من علمائكم فإياك أن تنسى قدرك، وإياك أن تغض الطرف عن فضل شيخك، فليس هذا من الأدب، ووالله! لا بركة في علمك ولا فيما تعلمت إن كنت ممن يسيء الأدب لمن علمك عن الله وعن رسول الله. كنت أجلس ذات يوم مع شيخي الفاضل محمد بن حسين بن يعقوب، وكان يرد على سؤال لطالب من طلابنا، وكان السؤال بسوء أدب، وكأن الشيخ ما علَّم هذا السائل شيئاً عن الله ولا عن رسول الله. فإنه لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل، فاعرف قدر شيوخك، وعلى كل أن يعرف قدر نفسه. من حق الدين وحق الأخوة أن تنصح أخاك، لكن بضوابط النصيحة وشروطها، وإن لم تكن عالماً بضوابط النصيحة الشرعية فاسأل عنها، وتعلمها قبل أن تبذل النصيحة لأحد إخوانك؛ حتى لا تريد أن تنصحه فتقع في فضيحته، أسأل الله أن يستر علي وعليكم في الدنيا والآخرة.

стр. 1072

من حقوق الأخوة التناصر الحق السادس من حقوق الأخوة: التناصر. يقول ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! عرفنا كيف ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: أن تكفه عن الظلم، فذاك نصره) فانصر أخاك في كل الأحوال، فإن كان ظالماً فخذ بيده وكفه عن الظلم، وإن كان مظلوماً -وأنت تملك أن تنصره- فانصره ولو بكلمة، وإن عجزت فبقلبك. إن استطعت أن تنصر أخاك بيدك فانصره بيدك، وإن عجزت عن نصرته باليد فانصره بلسانك، وإن عجزت عن ذلك فبقلبك، وذلك أضعف الإيمان. فهذه مسلمة استغاثت في أقصى بلاد الروم ونادت وقالت: وا إسلاماه! وا معتصماه! فنصرها المعتصم وقال: لبيك لبيك أختاه! فأين التناصر الآن بين هذه (الملايين المملينة)؟! آخر إحصائية لتعداد المسلمين في العالم مليار ومائتان وخمسون مليون مسلم، إحصائية ستة وتسعين وتسعمائة وألف للميلاد، وقد كنا نقول: المسلمون مليار مسلم، لكن إحصائية سنة ستة وتسعين تبين أن عدد المسلمين في العالم بلغ ملياراً ومائتين وخمسين مليون مسلم، إحصائية كبيرة، وعدد ضخم، ومع ذلك يصرخ المسلم هنا، وينتهك عرض الأخت هنالك، وينادي الجميع، ولكن من يجيب؟! أين المعتصم؟! فالتناصر من حقوق الأخوة، من حقوق الأخوة أن تنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، تنصر أخاك ظالماً بكفه عن الظلم، وتنصر أخاك مظلوماً بعونه وإعانته إن كنت تقدر على ذلك، إما بيدك، فإن عجزت فبلسانك، فإن عجزت فبقلبك، وذلك أضعف الإيمان.

стр. 1073

من حقوق الأخوة الستر الحق السابع: الستر. وهو من أعظم حقوق الأخ على أخيه، فمن حق الأخ على أخيه أن يستر عليه، فالأخ ليس ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، فإن زل الأخ في هفوة فهو بشر، فاستر عليه قال علماؤنا باتفاق: الناس صنفان: صنف اشتهر بين الناس بالصلاح والبعد عن المعاصي، فهذا إن زل ووقع وسقط في هفوة من الهفوات لبشريته؛ وجب على المسلمين أن يستروا عليه؛ لأنه رجل مشهور بالصلاح والدين والأخلاق والعلم والفضل، وهو بشر ليس بملك ولا نبي، ولقد مضى زمن العصمة بموت المعصوم المصطفى ﷺ ، فإن زل أخوك فاستر عليه، ولا تتبع عوراته. ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي برزة أنه ﷺ قال: (يا معشر من آمن بلسانه ولما يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبع عوراتهم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه في جوف بيته). اللهم استرنا ولا تفضحنا. يأتي الأخ يتكلم على أحد إخوانه، وكأنه مبرأٌ من كل ذنب، وكأنه مبرأ من كل عيب، ونسي المسكين أن بيته من الزجاج وهو يقذف الناس بالطوب والحجارة، فكل يتذكر ضعفه ونقصه وعيبه، قال : ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء:٩٤]، فإن رأيت أخاً من إخوانك من أهل الفضل والصلاح قد زل فاستر عليه، بل يجب عليك ذلك، أما إن كان الرجل -والعياذ بالله! - ممن يبارز الله بالمعاصي وممن يجهر ويتباهى بالمعصية، فهذا هو الفاسق الفاجر الذي لا غيبة له. في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أن تذكر أخاك بما يكره. قال: فإن كان في أخي ما أقول؟ قال المصطفى ﷺ : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، والبهتان هو: الظلم العظيم، فهذه هي أخلاق نبينا، وهذه هي سنة نبينا، ومع ذلك كأن بيننا وبين هذه السنة العظيمة بعد المشرقين. إذاً: إن زل أخوك وجاء ليعتذر إليك فاقبل عذره، ولا تتعنت، فهذه أمراض منتشرة الآن. فإن زل الأخ في حق أخيه زلة فقد تراه ينسى كل أعمال هذا الأخ المسكين؛ لمجرد أنه زل زلة، ولا يريد أن يتغاضى معه أبداً، مع أن الله سبحانه يعاملنا يوم القيامة بالحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته نجا، فالله يعامل العباد يوم القيامة بالحسنات والسيئات، ونحن لا نريد أن نعامل إخواننا بهذا! قد نرى الأخ من إخواننا قد بذل وأعطى فإذا زل زلة هل تقوم فتنسف كل أعماله نسفاً؟ أنا أتكلم الآن عن إخواننا من أهل السنة والجماعة، عن إخواننا الذين معنا على المنهج، عن إخواننا الذين يدينون معنا دين الحق، فأنا لا أقصد أبداً سمك لبن تمر هندي، لا أريدها وحدة تجمع شتاتاً متناقضاً على غير حق واتباع وهدى، كلا! بل أنا أتكلم الآن عن إخوة لنا معنا على الطريق، يدينون لله بدين الحق، ومع ذلك إن زل هذا الأخ زلة نسف جهاده، وأصبح الحال كما قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه.

стр. 1074

من حقوق الأخوة التورع في القول الحق الثالث: من حق أخيك عليك -إن لم تستطع أن تنفعه بمالك- أن تكف عنه لسانك، وهذا التورع في القول أضعف الإيمان، فإن ترك الألسنة تُلقي التهم جزافاً دون بينة أو دليل يترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقول ما شاء في أي وقت شاء، فتصبح الجماعة وتمسي وأعراضها منتهكة، وسمعتها ملوثة، وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام، وهذه حالة من القلق والشك والريبة لا يمكن أن تطاق بحال من الأحوال، فكيف يعيش مسلم في هذه البيئة؟! يخرج وهو متهم أو خائف من أن يتهم؛ لأنه يرى إخوانه يراقبونه ويرصدونه، وهم له على كل كلمة وعلى كل سلوك بالمرصاد! فمن كان كذلك فهو يعيش في حالة قلق واضطراب. فتورع في القول عن إخوانك، فإن اللسان من أخطر جوارح هذا الجسم، قال الله جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. وقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. وقال الله جل وعلا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٣ - ٢٥]. فتورع عن إخوانك، وأمسك عليك لسانك، وتورع عن العلماء، وتورع عن الخوض في أعراض كواكب الأمة ومصابيح الدجى وأئمة الهدى، تورع عن الخوض في أعراض الشيوخ، وعن الخوض في أعراض الإخوة والأخوات، واتق الله، فوالله! ما من كلمة إلا وهي مسطرة عليك في كتاب عند ربي، لا يضل ربي ولا ينسى. في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). وفي الصحيحين من حديث أبي موسى: (أنه قال: يا رسول الله! أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده). وفي الصحيحين من حديث أبى هريرة -واللفظ للبخاري - أنه ﷺ قال: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم) والعياذ بالله! وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والحاكم وأحمد، وصححه الألباني من حديث ابن عمر أن النبي ﵌ قال:: (الربا اثنان وسبعون باباً: أدناها مثل إتيان الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عِرْضِ أخيه). فاستطالتك في عرض أخيك أبشع من الربا، بل أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه. وأختم هذه الطائفة النبوية الكريمة بهذا الحديث الذي يكاد يخلع القلب، والحديث رواه الطبراني، وقال عنه شيخنا الألباني في السلسلة الصحيحة: حديث صحيح بمجموع طرقه، وهو قوله ﵌: (من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال، قيل: ما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، حتى يخرج مما قال وليس بخارج). ووالله! لو كنا نحمل في قلوبنا ذرة إيمان، ونسمع حديثاً من هذه الأحاديث؛ لألجم الإنسان منا لسانه بألف لجام قبل أن يتكلم بكلمة، ولكنه لا أقول: إنه ضعف إيمان، بل إنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1075

من حقوق الأخوة طهارة القلب من الغل والحقد والحسد الحق الثاني من حق الأخ على أخيه: ألا يحمل الأخ على أخيه غلاً في صدره ولا حقداً ولا حسداً؛ لأن المؤمن سليم الصدر، طاهر النفس، زكي النفس، تقي القلب، نقي القلب. المؤمن ينام على فراشه من الليل وهو يشهد الله في عليائه أنه لا يحمل ذرة غل أو حقد أو حسد على مسلم على وجه الأرض، والنبي ﷺ يقول -كما في الصحيحين من حديث أنس -: (لا تباغضوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تحاسدوا، وكونوا -عباد الله- إخواناً). فالحقد والحسد من أخطر أمراض القلوب والعياذ بالله! فقد يرى الأخ أخاه في نعمة فيحقد عليه ويحسده، ونسي هذا الجاهل أنه ابتداءً لم يرض عن الله الذي قسم الأرزاق، فمن الذي وهب؟ إنه الله، ومن الذي أعطى هذا العلم، وأعطى هذا المال، وأعطى هذه الزوجة الصالحة، وأعطى هذا الولد الطيب، وأعطى هذا الحلم، وأعطى هذا الفضل؟ إنها أرزاق قسمها الرزاق، فالذي يحسد إخوانه هو في حقيقة الأمر معترض على الله ﷻ ، فليتق الله، وليتب إلى الله، وليعد إلى الله سبحانه، وليسأل الله الذي وهب هذا أن يعطيه من فضله وعظيم عطائه، كما أعطى إخوانه من عظيم فضله وواسع عطائه. والحسد من خصال اليهود، فكل منا ينقب الليلة في قلبه، ابحث في قلبك يا من تستمع إلي الآن! ويا من تستمع إلي بعد ذلك عبر شريط الكاسيت! فأنا لا أخاطبكم أنتم فقط، بل أخاطب ملايين الأمة ممن يسمعون هذا الشريط، فكل ينقب في قلبه، هل خلا قلبك من الحقد؟ وهل طهر قلبك من الغل؟ وهل طهر قلبك من الحسد؟ هل رددت هذا الدعاء مع هؤلاء الصادقين: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]؟ فردد هذا الدعاء مع هؤلاء بصفاء، وصدق، وعمل، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:٩ - ١٠]. فلماذا الحقد والحسد، وصاحب الفضل هو الله، والذي يقسم الأرزاق بعدله هو الله؟ هل تشك في عدل الله؟ سل الله الذي أعطى إخوانك أن يعطيك من فضله، وهو الواسع العليم. روى أحمد في مسنده بسند جيد من حديث أنس قال: (كنا جلوساً عند النبي ﷺ فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فخرج علينا رجل تقطر لحيته من أثر الوضوء، وقد أخذ نعليه بشماله، فدخل فصلى وسلم على النبي ﷺ وانصرف، وفي اليوم التالي قال النبي ﷺ : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فدخل الرجل نفسه، وفي اليوم الثالث قال النبي كذلك، فانطلق وراءه عبد الله بن عمرو ﵁، وقال: يا أخي! لقد تلاحيت مع أبي -أي: تشاجرت مع أبي- وأقسمت ألا أبيت في داره ثلاث ليال، فإن رأيت أن أبيت هذه الليالي معك فعلت، قال: نعم أفعل -فبات عبد الله بن عمرو معه؛ ليراقب هذا الرجل في عمله فيقتدي به؛ ليكون من أهل الجنة، كما قال الله : ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] فهم كانوا يتسابقون في الخيرات لا في كشف العورات، ولا في هتك العورات. قال:- فكان عبد الله بن عمرو يراقب الرجل، فلم ير كثير عمل، ولم ير الرجل يقوم من الليل، إلا أنه إذا استيقظ من نومه ذكر الله ونام، حتى إذا حان وقت صلاة الفجر قام فصلى الفجر -يحافظ على الصلاة في بيت الله خلف رسول الله- ولا يتكلم إلا بخير، فلما انقضت الليالي قال له ابن عمرو: يا أخي! والله! ما تلاحيت مع أبي، ولكن رسول الله قال كذا وكذا، وأنا أتيت لكذا وكذا فلم أر شيئاً، فقال الرجل: هو ما رأيت، فلما انصرف نادى عليه وقال: هو ما رأيت إلا أنني أبيت ولا أحمل لأحد من المسلمين في قلبي غشاً ولا حقداً ولا حسداً، فقال عبد الله بن عمرو: هذه هي التي بلغت بك) إنها سلامة الصدر للمسلمين؛ ولذا -يا أخي- أنا بشر وأنت بشر، فلا تعكر صفاء قلبي لإخواني بكلمات من عندك، ولا تعكر حب أخيك لأخ من إخوانه بنميمة خبيثة بحجة أنك تنصحه! الرسول ﷺ -وهو صاحب أسلم صدر على وجه الأرض، وصاحب أطهر قلب- كان يأمر أصحابه ألا يخبروه بشيء عن أصحابه؛ حتى يخرج إليهم وهو يحمل للجميع صدراً سليماً، وقلباً طاهراً نقياً، إنها أخلاقيات لا توجد الآن إلا بين القلة القليلة من الموحدين الذين عرفوا قدر الأخوة الصادقة في الله.

стр. 1076

من حقوق الأخوة الحب في الله والبغض في الله الحق الأول من حقوق الأخوة في الله: الحب في الله والبغض في الله. محال أن تتحقق أخوة صادقة من غير حب في الله وبغض في الله، فالحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، كما في الحديث الذي رواه أبو داود والضياء المقدسي، وصححه الشيخ الألباني من حديث أبي أمامة أنه ﷺ قال: (من أحبَّ لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان) فهل تحبني لله؟ وهل أنا أحبك لله؟ وهل تحب أخاك لله؟ وهل تبغض أخاك لله؟ وهل تعطي أخاك لله؟ وهل تمنع فلاناً لله؟ سل نفسك الآن بصدق؛ فإن عقد الولاء والبراء الآن ليس لله إلا من رحم الله، وإنما من أجل رايات ومسميات وجماعات، فأنا أحب أخاً ينتمي لجماعتي، ويجلس معي بين يدي شيخي الذي أتتلمذ على يديه، وأتلقى العلم عنه، أما هذا الأخ الصادق المتبع المخلص الناصح الأمين فأنا أبغضه، فهو لا يفهم ولا يعي ولا يدرك عن الواقع شيئاً، وهو رجل جهول، ولا حديث له إلا في الحيض، ولا يتكلم إلا في النفاس، ولا يجيد الحديث إلا في الرقائق، ولا يحسن القول إلا فيما يبكي الناس، فأنا أبغضه؛ لأنه لا ينتمي إلى جماعتي!! هذه مصيبة تحطم القلب. فهذا نتنياهو يصفع الأمة بالنعال على الأقفية، ولا زال إخواننا الذين يعملون للدين، والذين يرفعون راية الإسلام، يوالون ويعادون على مسميات ما تعبدنا الله بها، وما أنزل الله بها من سلطان!! فهل تحب لله؟ وهل تبغض لله؟ وهل تعطي لله؟ وهل تمنع لله؟ ولماذا أتيت؟ ولماذا لم تأت؟ ولماذا تكلمت؟ ولماذا صمت؟ ولماذا أعطيت؟ ولماذا منعت؟ ولماذا ابتسمت؟ ولماذا غضبت؟ ولماذا أحببت؟ ولماذا واليت؟ ولماذا عاديت؟ سل نفسك الآن أيها المسلم! هل عملك لله؟ واصدق الله، فلو خادعت الخلق فلن تخادع الذي يعلم منك السر وأخفى، فمن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. وتدبروا هذه الطائفة النبوية الشريفة من الأحاديث الصحيحة: في الصحيحين من حديث أنس، أنه ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار) أولها: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، فإذا كانت هذه فيك تذوقت حلاوة الإيمان؛ فإن للإيمان طعماً وحلاوة. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وأرجو ألا تسمع هذا الحديث وتجعله كلاماً عابراً، فإن هذا يكاد أن يمزق القلب، فإني أرى بعض الإخوة يستمعون، وكأن الكلام لا يصل إلى القلوب البتة! يقول ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، فهل فكرت في هذه العبارة النبوية؟! يوم القيامة ستدنو الشمس من الرءوس، فلا عمارات ولا أشجار ولا بيوت ولا مكيفات، فالشمس فوق الرءوس، والرءوس تلتهب من حرارتها، والزحام يكاد وحده أن يخطف الأنفاس، والبشرية كلها من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه الساعة واقفة في أرض واحدة، وجهنم تزفر وتزمجر، (قد أتي بها لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) كما روى مسلم من حديث ابن مسعود، وفي ظل هذه المشاهد التي تخلع القلب ينادي الله جل وعلا على سبعة أصناف من البشرية في أرض المحشر؛ ليظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهؤلاء هم: (إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه -من منا يعجز عن هذه؟ - ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه -أي: اجتمعا على الحب في الله، وتفرقا على الحب في الله- ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال -أي: للزنا- فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). اللهم ارزقنا عيناً دامعة، وقلباً خاشعاً، وعملاً متقبلاً يا رب العالمين! والشاهد هنا قوله: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن رجلاً زار أخاً له في قرية، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى الملك قال له الملك: أين تريد؟ قال له: إلى أخ لي في هذه القرية، فقال له الملك: فهل لك من نعمة تربها عليه -أي: تبتغي زيادتها- قال: لا؛ غير أني أحببته في الله، فقال له الملك: فإني رسول الله إليك أخبرك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه)، وأرجو ألا تمر أخي المسلم! على هذه الكلمات النبوية مرور الكرام، بل قف عليها متأملاً متدبراً، فمن أنت ليخبرك الملك بأن الله قد أحبك كما أحببت أخاك فيه؟! وفي الحديث الذي رواه أبو داود في سننه، والحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين، ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ورواه مالك في الموطأ بسند صحيح، أن أبا إدريس الخولاني ﵀ قال: (أتيت مسجد دمشق فإذا فتىً براق الثنايا، والناس من حوله، وإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه -أي: أنه شاب صغير في حلقة من الناس فيهم الكبار والصغار، ولكنهم إذا اختلفوا في شيء سألوا هذا الشاب المبارك، فإذا ما أفتاهم أخذوا بقوله وفتواه- فقال أبو إدريس: من هذا؟ فقالوا: إنه معاذ بن جبل ﵁، قال أبو إدريس: فلما كان من الغد هجّرت إلى المسجد -أي: بكرت إلى المسجد- فوجدت معاذاً قد هجر وسبقني، ووجدته يصلي، فانتظرت حتى قضى صلاته، فجئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله! إني لأحبك، فقال معاذ: آلله؟ فقال أبو إدريس: آلله. فقال معاذ: آلله؟ فقال أبو إدريس: آلله. قال أبو إدريس: فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال لي: أبشر؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في). وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! قالوا: بلى، يا رسول الله! قال: أفشوا السلام بينكم) فسلم على أخيك بصدق وحرارة، ولا تسلم سلاماً باهتاً بارداً، ووجهك في الاتجاه الآخر، خذ على يد أخيك بحب، فإنك قد ترى الأخ يأخذ بيد أخيه بطرف أصابعه، ويلوي عنقه إلى ناحية أخرى، ولا تشعر بحرارة اللقاء، ولا بإخلاص المصافحة، ولا تشعر بأن القلب قد صافح القلب، ولا تحس بأن الروح قد سلمت وامتزجت بالروح، والنبي ﷺ يقول -كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، قال الخطابي: فالخيِّر يحن إلى الأخيار، والشرير يحن إلى الأشرار، وهذا هو معنى: (ما تعارف من الأرواح ائتلف، وما تناكر من الأرواح اختلف) ولذا لا يحب المؤمن إلا من هو على شاكلته من أهل الإيمان، ولا يبغض المؤمن إلا منافق خبيث القلب، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] أي: محبة في قلوب عباده المؤمنين، اللهم اجعل المحبة والود لنا في قلوب عبادك المؤمنين برحمتك يا أرحم الراحمين! وهذه -أخي الحبيب- لا ينالها مؤمن على ظهر الأرض إلا بإذن الله، يعني: لا يضع الله محبتك في قلوب المؤمنين الصادقين إلا إذا أحبك ابتداءً، في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل فقال: يا جبريل! إنى أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض -اللهم اجعلنا من هؤلاء الصادقين، برحمتك يا أرحم الراحمين! وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، وينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض) اللهم سلم سلم يا أرحم الراحمين! اللهم عاملنا بفضلك ورحمتك، واستر ذنوبنا وعيوبنا بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين! إذاً: أيها الأحبة الكرام! الخيِّر لا يميل إلا إلى الأخيار، ولذا لو سافر إنسان حتى إلى بلاد الكفر وكان مؤمناً صادقاً فإن أول ما سيسأل عنه: المسجد أو المركز الإسلامي في هذه الولاية، وسرعان ما يسرع إليه فتلتقي روحه بأرواح إخوانه، أما الخبيث الذي ذهب للفسق والعربدة فإنه بمجرد أن يصل فسيسأل عن الخمارة، وعن أماكن الدعارة، اللهم استرنا ولا تفضحنا، فالخيِّر يحن إلى الأخيار، والخبيث يحن إلى الخبثاء الأشرار. وهناك أحاديث كثيرة في الحب في الله، ولا زلنا مع الحق الأول فقط من حقوق الأخوة الصادقة في الله جل وعلا، لكن أرجو أن ينتبه الإخوة إلى أن المرء لن يحشر يوم القيامة إلا مع من أحب، ففتش عن قلبك الآن، فهل أنت تحب الممثلين والممثلات؟ فإن كنت كذلك فستحشر معهم، وهل تحب الساقطين والساقطات، واللاعبين واللاعبات؟ إن كنت كذلك فستحشر معهم، أم هل أنت تحب الأطهار والأخيار والأبرار ابتداءً بنبيك المختار وصحابته الأبرار؟ إن كنت كذلك فستحشر معهم، في الصحيحين من حديث

стр. 1077

الطريق إلى الأخوة أعتقد اعتقاداً جازماً أن الطريق إلى الأخوة قد وضح في ثنايا المحاضرة، لكنني أجمل هذا الطريق في خطوتين اثنتين لا ثالثة لهما: الخطوة الأولى: العودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين، قال الشاعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا فعلينا أن نعود إلى هذه الأخلاقيات التي ذكرتها في ثنايا المحاضرة، حتى تعود لنا الأخوة الصادقة الحقيقية، فتلتئم الصفوف، وتضمد الجراح، وتلتقي الأمة على قلب رجل واحد. أما وحال الأمة على هذه الحالة فوالله! لا وحدة، ولا ألفة، ولا نصرة، ولا عزة، ولا تمكين، فهذه سنن ثابتة لله في كونه، فتجب العودة الصادقة إلى أخلاق هذا الدين، وإن شئت فقل: العودة الصادقة إلى أخلاق سيد النبيين، فلقد لخصت عائشة أخلاق النبي ﷺ في كلمات قليلة فقالت: (كان خلقه القرآن) لقد كان محمد ﷺ قرآناً متحركاً في دنيا الناس، رأى الناس صدقه ونبله وعفته وشرفه وحياءه وكرمه وبطولته وشجاعته ورجولته وسخاءه وعبادته وخشوعه وزهده وورعه وتقواه؛ فعلم الناس يقيناً أن هذا المنهج ما أنزله الله إلا ليتحول في دنياهم إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة؛ فصدقوا هذا المنهج الرباني، وتحولوا بهذا المنهج من رعاة للغنم إلى ساسة وقادة لجميع الأمم. أيها الأحبة! قد يكون من اليسير جداً تقديم منهج نظري في التربية والأخلاق، بل إن المنهج موجود بالفعل، ومسطر في بطون الكتب والمجلدات، ولكن هذا المنهج لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به إن لم يتحول في حياة الأمة مرة أخرى إلى واقع عملي، وإلى منهج حياة، فإن البون شاسع بين منهجنا المنير، وواقعنا المرير. الخطوة الثانية: وجوب دعوة المسلمين إلى أخلاق الدين بحكمة. بعد أن نحول هذه الأخلاق في حياتنا إلى واقع، يجب علينا بعد ذلك أن نتحرك لدعوة المسلمين إلى هذه الأخلاق بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، والكلمة الرقيقة الرقراقة، وبالرفق والحلم، فهذا هو مقام دعوة الناس إلى الله في كل زمان ومكان، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. أسأل الله جل وعلا أن يربط بين قلوبنا برباط الحب في الله، اللهم املأ قلوبنا بحبك وحب نبيك وحب من أحبك، اللهم املأ قلوبنا بحب أوليائك، اللهم املأ قلوبنا ببغض أعدائك، اللهم املأ قلوبنا بحب أوليائك، واملأ قلوبنا ببغض أعدائك، اللهم املأ قلوبنا بحب أوليائك، واملأ قلوبنا ببغض أعدائك. اللهم ألف بين قلوبنا، ووحد صفوفنا، واجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم شتت صف عدونا، اللهم شتت صف عدونا، اللهم شتت صف عدونا. اللهم اربط بين قلوبنا برباط الأخوة فيك، اللهم اربط بين قلوبنا برباط الأخوة فيك، اللهم اربط بين قلوبنا برباط الأخوة فيك؛ إنك ولي ذلك والقادر عليه. وأرجو رجاءً من أحبابي وإخواني أن يهتموا بهذه المحاضرة، وليعاهد الله كل أخ يقدر على أن يشتري من هذه المحاضرة بالذات خمسة أشرطة، ويوزعها ابتغاء وجه الله بين إخوانه، وأتمنى لو دخل هذا الكلام كل بيوت المسلمين، وأتمنى من الله أن يسعد قلوبنا بتحويل هذه الكلمات الربانية والنبوية إلى واقع يتألق روعة وجلالاً، إنه على كل شيء قدير، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1078

الاستنساخ قضية الاستنساخ قنبلة علمية أذهلت العالم كله، فزعزعت عقيدة مرضى القلوب، وضعاف النفوس، وكان لابد من إجلاء حقيقة هذه القضية، وذلك ببيان ثلاثة عناصر: الأول: أن العلم يدعو للإيمان، وأن نور الوحي لا يطمس نور العقل. الثاني: هل علماء الجيولوجية خلقوا نعجة؟ الثالث: أن ما تراه من عجيب الصنعة هو من خلق الله، فهو الذي أوجد من العدم، وهو الذي أحسن كل شيء خلقه.

стр. 1079

خطورة قضية الاستنساخ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الكرام الأعزاء! وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا الصباح الكريم المبارك على طاعته، أن يجمعنا مع حضراتكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! قنبلة علمية أذهلت العالم كله في الأيام الماضية!! بل وأصابت العالم كله بالدوار، وانطلق العلمانيون للصيد في الماء العكر، وخرجوا علينا بكلمات خبيثة عبرت تعبيراً صادقاً عما يدور في صدورهم، وخلجات نفوسهم. أيها الأحبة الكرام! هذه القنبلة العلمية التي أصابت العالم بالدوار، وأصابت العلمانيين بالشجون، وانطلقوا من خلالها ليدمروا بقية باقية من عقيدة باهتة مشوشة في قلوب مريضة لا يخلو منها زمان ولا مكان، هذه القضية هي: قضية الاستنساخ. إن القضية تمس العقيدة بطريق مباشر، وتمس قدرة الله وجلال الله وعظمة الله في نفوس المؤمنين؛ لذا رأيت من واجبي في هذا الجمع المهيب، وفي هذا اليوم الحبيب: أن أجلي الحق في هذه القضية الخطيرة، وفي هذه المسألة التي هزت القلوب المريضة والنفوس الضعيفة؛ لأنني أعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا ينبغي أن يكون العلماء والدعاة بموضوعاتهم في واد من الأودية، وأن يكون العالم بصفة عامة، وأن تكون الأمة بصفة خاصة في واد آخر، ومن هذا المنطلق كان لقاؤنا في الجمعة الماضية بحول الله وتوفيقه عن الطريق إلى القدس، أسأل الله أن يحرره من دنس اليهود، وأن يرده إلى الأمة رداً جميلاً، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وإن لقاءنا مع حضراتكم عن قضية الساعة التي زلزلت العقيدة في قلوب مريضة، ونفوس خبيثة ألا وهي قضية (الاستنساخ). أيها الأحبة! واجب عليكم جميعاً ألا ينصرف من بين يدي أحد إلا إذا أنهيت هذا الموضوع الخطير؛ فإنه يجب عليك أن تقف اليوم على أبعاده، هذا لزام على كل مسلم في هذه اللحظة، فإن لم تصبّر نفسك ساعة لله؛ لتتعرف على قضية خلخلت العقيدة في قلوب عباد الله، فمتى ستبذل وقتك لدين الله جل وعلا؟! وسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية: أولاً: العلم يدعو إلى الإيمان. ثانياً: هل خلقوا نعجة بالفعل؟! ثالثاً: هذا خلق الله. وأخيراً: يا أيها الإنسان ما غرك!! فأعيروني القلوب والأسماع جيداً والله أسأل أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال.

стр. 1080

العلم يدعو إلى الإيمان أولاً: العلم يدعو إلى الإيمان: إن نور الوحي لا يطمسُ نور العقل أبداً، بل يباركه ويزكيه ويقويه، شريطة أن يذعن العقل مع الكون كله لله رب العالمين، وإنه لواجب علينا أن نحترم العقل والإدراك البشري، بالقدر الذي أراده الله له من التكريم في مجاله الذي يبدع ويحسن فيه، حتى لا نمضي بالعقل البشري والإدراك البشري بعيداً عن مجاله وحدود قدراته وإبداعه، وحتى لا نمضي في التيه والضلال بلا دليل أو برهان. أيها الأحبة الكرام! ما كان الإسلام أبداً ولن يكون ضداً للعلم، وكيف ذلك والإسلام هو الذي دعا للعلم منذ لحظاته الأولى؟! يوم أن تنزلت الآيات على قلب النبي الأمي الذي علم المتعلمين! قال الله جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] فعلم الله علم محيط كامل، فالله ﷻ يعلم ما كان وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، ولكن الله جل وعلا قدر منذ الأزل وشاء منذ الأزل أن يعلم الإنسان شيئاً من علمه سبحانه في الوقت الذي يشاؤه الله، وبالقدر الذي يريده الله، قال جل في علاه: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. فالإنسان لا علم له بأي شيء في هذا الكون إلا بالقدر الذي أراده الله، وفي الوقت الذي يريده الله، وإلا فإن ما اكتشفه الإنسان كان موجوداً مخبوءاً في الكون منذ الأزل، وما اكتشفه الإنسان إلا يوم أن أراد الله، ويوم أن أذن الله للإنسان أن يكتشفه، قال ﷻ : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٣]، فكل علم يعلمه الإنسان اليوم إنما ورثه الله جل وعلا لهذا الإنسان من خلال أبيه آدم الذي علمه الله أسماء وعلوم كل شيء، وظل هذا العلم مخبوءاً في هذا الكون، فإذا شاء الله في وقت من الأوقات أن يكتشفه الإنسان اكتشفه في الوقت الذي يشاء الله، وبالقدر الذي يريده الله جل وعلا، إلا أن الإنسان الذي أسكرته نشوة العلم، وأعماه غرور العلم، جاء في هذا القرن متبجحاً بعلمه، مستعلياً على الله باكتشافاته، مع أنه إلى الآن لا يعلم حقيقة نفسه!! لا يعلم حقيقة مشاعره!! لا يعلم حقيقة عقله!! لا يعلم حقيقة روحه!! ومع ذلك فإنه يتبجح ويستعلي على الله بما شاء الله وأراده الله له أن يكتشفه! ومن هنا فإن العلماء ينقسمون تجاه الآيات الكونية والعلمية إلى قسمين: القسم الأول: فريق من العلماء إذا ما كشف آية من آيات الله، وكشف اكتشافاً علمياً في كون الله، يتبجح ويزداد عناداً وإلحاداً وكبراً وطغياناً وكفراً، وهؤلاء عند الله بعلومهم أضل من البهائم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. القسم الثاني: فريق إذا ما اكتشف آية لله في كونه، ووقف على قانون علمي أو اكتشاف علمي، ازداد إجلالاً لله، وازداد خشوعاً لله، وفي هذا الصنف يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. أيها الأحبة الكرام! العلم يدعو إلى الإيمان بالله جل وعلا، وأختم هذا العنصر الهام بكلمات دقيقة لعالم الطبيعة والفيلسوف الأمريكي (ماريت ستانلي) إذ يقول: إن العلوم التي يصل إليها الإنسان تبدأ بالاحتمالات، وتنتهي كذلك بالاحتمالات، وإن أي نتيجة يصل إليها الإنسان من خلال نظرية علمية ليست نهائية، وإنما هي اجتهادية؛ ولذلك فإن العالم إذا ما وصل إلى نظرية أو قانون يقول: هذا هو آخر ما وصل إليه العلم، ولكنه يترك الباب مفتوحاً لما يستجد من نظريات ومن علوم. هذه الكلمات الدقيقة تبين حقيقة ما وصل إليه العلم في العصر الحديث في أي مجال من المجالات، فوسيلة الإنسان لأي نظرية علمية هي التجربة والقياس، وهذه التجربة والقياس -باتفاق أهل العلم- لا يمكن أبداً أن توصل الإنسان إلى نتيجة حتمية يقينية نهائية، وإنما توصله إلى نتيجة ظنية، وهذا هو ما أثاره كثير من العلماء على قضية الاستنساخ، وهذا هو عنصرنا الثاني: هل خلقوا نعجة بالفعل؟!

стр. 1081

هل خلقوا نعجة بالفعل ؟ اصطاد العلمانيون في الماء العكر، وخرجوا علينا بكلمات خبيثة، خرج علينا من يقول: انتهت أسطورة الأمومة!!! وخرج علينا من يقول: لم تعد هناك حاجة لدور ملُحٍّ للرجل!!! وخرج علينا من يقول: لقد آن الأوان للعذراء التي لم تتزوج أن تختار طفلاً بالصفات الوراثية التي تشاء! دون الزواج بأي رجل على وجه الأرض!!! وخرج علينا من العلمانيين من يقول: لقد أحدثت النعجة (دوللي) انقلاباً في كل الموازين والمقاييس!!! اسمع! انقلاباً في كل المقاييس والموازين البيولوجية والأخلاقية والدينية، منذ أن خرجت إلى النور في يوليو الماضي، فجعلت الإنسان في حَيْص بَيْص، هكذا يقول: فجعلت الإنسان في حيص بيص؛ وذلك لسبب واحد وهو: أنها ولدت بدون أب!! ونسي العالم المجنون المخدوع أن الله خلق عيسى بدون أب! وخلق آدم بدون أم وأب! وصار العالم والعلمانيون يطبلون ويزمرون: انتهى عالم الشرع والدين، وليس هناك مجال للخطباء الذين يصرخون على المنابر أن يتكلموا بعد اليوم، لماذا؟! لقد خلق العلماء نعجة!! كذب وخداع، فما الذي حدث؟ ركزوا معي جيداً لتقفوا على حقيقة ما حدث، وليمتلئ قلبك الآن بعظمة الملك، وجلال الملك، وقدرة الملك ﷻ . كل ما حدث أنهم أخذوا خلية -وركز معي جيداً، فلن أسمح لك أن تنصرف إلا بعد أن تسمع الموضوع بكاملة وإلا فوالله لا عذر لك إن اختل الإيمان في قلبك من كلام العلمانيين -وهذه الخلية الحية أخذوها من ثدي نعجة- ومنطقة الثدي تسمى: (( active area)) أي: منطقة نشطة، وهذه الخلية الحيوانية تحتوى على اثنين وخمسين كروموسوماً، والكروموسوم: هو الذي يحمل الصفات الوراثية كلها، وهذه الخلية لا يمكن على الإطلاق أن تتكون إلا إذا التقى الحيوان المنوي بالبويضة، فإذا خصبت البويضة بالحيوان المنوي وتجمعت الكروموسومات من الحيوان المنوي ومن البويضة تكونت الخلية، والحيوان المنوي يحتوي على ستة وعشرين كروموسوماً في الشواذ، والنواة في البويضة تحتوي على ستة وعشرين كروموسوماً، فإذا ما اجتمع هذا العدد في الحيوان المنوي مع هذا العدد في نواة البويضة وخصبت البويضة، تكونت الخلية التي تحتوي على (٥٢) كروموسوماً، هذا في الحيوان. أما الخلية في الإنسان: فإنها تتكون من ستة وأربعين كروموسوماً، (٢٣) كروموسوماً في الحيوان المنوي للرجل، و (٢٣) كروموسوماً في بويضة المرأة، فإذا لقح الحيوان المنوي البويضة تجمعت كل هذه الأعداد من الكروموسومات التي تحمل كل الصفات الوراثية في الحيوان أو في الإنسان، ماذا صنع هذا الفريق العلمي في أسكتلندا؟ أخذوا خلية من نعجة تتكون من (٥٢) كروموسوماً، ثم في المرحلة الثانية: أخذوا بويضة من نعجة ثانية، وهذه البويضة لم تخصب بحيوان منويّ أي أنها: تحتوي على (٢٦) كروموسوماً فقط، واستطاعوا بإبرة دقيقة تصنع بالكمبيوتر أن يأخذوا حمض الـ: ( DN الجواب ) الذي يحمل كروموسومات هذه البويضة، فأصبحت البويضة بسائلها فقط دون حمض الـ: ( DN الجواب ) أي: بدون الكروموسومات، ووضعوا الخلية الأولى التي جاءوا بها من النعجة الأولى إلى جوار البويضة التي حصلوا عليها من النعجة الثانية، وعن طريق الحث الكهربائي اندمجت الخلية في هذه البويضة، وبعد ستة أيام نقلوا البويضة التي وضعوا بداخلها الخلية -التي تحتوي على جميع الصفات- إلى النعجة الثالثة، وبدأ الحمل يسير في رحم النعجة الثالثة حتى وضعت النعجة نعجة تشابه النعجة الأم، أي: التي أخذوا منها الخلية الأولى. هذا هو كل ما حدث في الاستنساخ.

стр. 1082

الرد على من يظن أن البشر خلقوا نعجة أقول بعد هذا البيان: هل يدعي عاقل يحترم نفسه ويحترم عقله أنهم خلقوا نعجة؟!! إن الخلق إيجاد من عدم، وليس تركيب مكونات هي أصلاً من خلق الملك. وأنا أتحدى أمام هذا الجمع أن يخلق علماء الهندسة الوراثية حيواناً منوياً واحداً، أو أن يخلقوا بويضة، أو أن يخلقوا خلية. لماذا ذهبتم إلى الخلية -التي هي أصلاً من خلق الملك- فأخذتموها وأجريتم عليها التجارب؟!! لماذا لم توفروا على أنفسكم هذا الجهد الهائل، وهذه المليارات الطائلة، وتخلقوا خلية من أول الأمر تحمل الصفات الوراثية التي تريدونها؟!! فالخلية خلق مَنْ؟! والحيوان المنوي خلق مَنْ؟! والبويضة خلق مَنْ؟! ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام:٩٥]، وأنا أتحدى علماء الهندسة الوراثية على وجه الأرض وأقول لهم: أيهما أيسر: أن نستنسخ إنساناً جديداً أم أن نبقي حياة إنسان يعيش بيننا؟! الجواب أن نبقي حياة إنسان يعيش بيننا، فلا نحتاج إلى نواة ولا إلى خلية ولا إلى تجارب ولا إلى سنوات ولا إلى مليارات. نتحدى الدنيا وعلماء الهندسة الوراثية في أمريكا وبريطانيا وأسكتلندا وإيطاليا والصين وفى كل الأرض نتحداهم أن يخلدوا (بيل كلينتون) أو (جون ميجور) أو (نتنياهو)، نتحدى العالم كله. ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥]. اسمع أيها الموحد لربك؛ ليمتلئ قلبك إيماناً بالله، اسمع لقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ هل تصدقون الله؟! هذا كلام ربنا، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤].

стр. 1083

هذا خلق الله ثالثاً: هذا خلق الله. أيها الإنسان المغرور! يا من أنفقت المليارات! وتحديت رب الأرض والسماوات، انظر لخلق الله، يلتقي الرجل بالمرأة ويستمتع ويتلذذ كل منهما، ويلقي الرجل نطفته، وهذه النطفة تحتوي على مئات الملايين من الحيوانات المنوية، تنطلق هي بدورها لتبحث عن البويضة، وتخرج البويضة كأنها عروس في كامل زينتها عليها تاج مشع، نعم عليها تاج مشع! وهذا مفهوم علمي وليس مفهوماً أدبياً، عليها تاج مشع لعلها تجذب إليها حيواناً منوياً واحداً، فتهلك كل هذه الملايين من الحيوانات، ولم تكتشف هذه القضية العلمية إلا في القرن العشرين، في الوقت الذي أخبر عنها المصطفى منذ مئات السنين، اسمع لحبيبك محمد -والحديث في صحيح مسلم - قال ﷺ : (ما من كل الماء يكون الولد) بل تهلك كل الحيوانات، ويبقى حيوان منوي واحد: (ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء)، فيصل هذا الحيوان المنوي الواحد إلى جدار البويضة، فتخرج له سائلاً لزجاً لعله يتعلق بجدارها! ويفرز هو الآخر سائلاً لعله أن يذيب هذا الشعاع الملتف حول البويضة، ثم يخترق الحيوان المنوي جدار البويضة، فإذا ما أخصبت البويضة بأمر الملك تكون ما يسمى بالنطفة الأمشاج، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، تتكون هذه النطفة الأمشاج، ثم تبدأ الخلية في الانشطار إلى خليتين، والخليتان إلى أربع، وهكذا حتى تتكون في صورة تشبه الدودة، فتتعلق هذه الدودة بجدار الرحم، فتتحول إلى المرحلة التالية ألا وهي مرحلة العلقة، وسميت بالعلقة لتعلقها بجدار الرحم، وتبدأ هذه العلقة بالتمايز إلى طبقتين: طبقة خارجية وظيفتها أن تأكل الرحم؛ لتحصل على الدماء لتغذي الجنين، أما الطبقة الداخلية في العلقة فوظيفتها: تخليق الجنين وإنشاؤه في الرحم. وبعد مرحلة العلقة تتحول هذه العلقة إلى مضغة، وسميت مضغة؛ لأن العلماء اكتشفوا على ظهرها أشباه أثر أسنان وكأنها قد مضغت، وهذه المضغة بعد مرحلة تكون عظاماً، ثم يكسوا الله جل وعلا العظام باللحم، ثم ينشئ الله الإنسان خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤]. أيها المسلمون! أئله مع الله؟! هذا خلق الله جل وعلا، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقد قفت على كلمة لعالم فرنسي شهير كبير تابع نمو الجنين في رحم الأم: نطفة ثم علقة ثم مضغة، وفجأة -في الوقت الذي شاء الله أن يرسل الملك فينفخ فيه الروح- تحرك هذا الجنين لما نفخت فيه الروح، فصرخ العالم الذي كان يتابع النمو ساعة بساعة وقال: (هنا الله)! توقف كل العلم البشري، من أين جاءت الحياة إلى هذا الجنين؟! لماذا تحرك؟! ما الذي حدث؟! إنها الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، وفي الصحيحين من حديث أنس أنه ﷺ قال: (وَكَّلَ الله بالرحم ملكاً فيقول الملك: أي رب! نطفة. أي رب! علقة، أي رب! مضغة. أي رب! أذكر أم أنثى؟ أي رب! ما رزقه؟ ما أجله؟ أي رب! أشقي أم سعيد؟ فيكتب الملك ما شاء الله) وفي رواية: (فيقضي ربك ما شاء). أئله مع الله؟! العلم الحديث يقول: إنه يعلم الآن الجنين أهو ذكر أم أنثى! وأنا أقول لهم: نعم، لا ننكر عليكم أن تعلموا أن الجنين في بطن أمه ذكر أم أنثى، ولكن متى علمتم ذلك؟ لقد علمتم ذلك في مرحلة معينة من مراحل النمو، ولكننا نقول: إن الله جل وعلا قد علم أن فلاناً من الناس سيلتقي بفلانة، ويتزوج بها في الليلة الفلانية، ويقدر الله بينهما الإنجاب، ويعلم الله هل سيكون المولود ذكراً أم أنثى، ويعلم الله أيكون هذا المولود شقياً أم سعيداً، ويعلم الله أجله، ويعلم الله رزقه، ويعلم الله بأيِّ أرض يموت. اسألوا أهل العلم وقولوا لهم: أأنتم أعلم أم الله؟! قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعُوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك قل للصحيح مات لا من علة من يا صحيح بالمنايا دهاك بل وسل البصير كان يحذر حفرةً فهوىَ بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاك وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فسله من ذا بالسموم حشاك واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاك واسأل بطون النحل كيف تقاطرت شهداً وقل للشهد من حلاك بل سائل اللبن المصفى من بين فر ث ودم من ذا الذي صفاك وإذا رأيت الحي يخرج من ثنا يا ميت فاسأله من أحياك وإذا رأيت النبت في الصحراء ير بو وحده فاسأله من أرباك وإذا رأيت النخل مشقوق النوى فاسأله من يا نخل شق نواك وإذا رأيت البدر يسري ناشراً أنواره فاسأله من أسراك وإذا رأيت النار شب لهيبها فاسأل لهيب النار من أوراك وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم السحاب فسله من أرساك لله في الآفاق آيات لعـ ل أقلها هو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك والكون مشحون بأسرار إذا حاولت تفسيراً لها أعياك أئله مع الله؟! سل الواحة الخضراء والماء جاريا وهذه الصحاري والجبال الرواسيا سل الروض مزداناً سل الزهر والندى سل الليل والإصباح والطير شاديا سل هذه الأنسام والأرض والسما سل كل شيء تسمع التوحيد لله ساريا ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا فمن غير ربى يرجع الصبح ثانيا أئله مع الله؟! انظر لتلك الشجرة ذات الغصون النضرة كيف نمت من حبة وكيف صارت شجرة ابحث وقل من ذا الذي يخرج مها الثمرة ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة ذو حكمة بالغة وقدرة مقتدرة

стр. 1084

يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]. ؟!! اعرف قدر ربك لتعرف قدر نفسك اعرف عظمة ربك لتعرف عجز نفسك اعرف جلال ربك لتعرف ضعف نفسك. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]. اللهم املأ قلوبنا إيماناً، اللهم املأ قلوبنا إيماناً، اللهم املأ قلوبنا إيماناً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم لا تدع لأحد من هذا الجمع المهيب ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين! اللهم حرر الأقصى من دنس اليهود، اللهم حرر الأقصى من دنس اليهود، اللهم حرر الأقصى من دنس اليهود، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود، اللهم عليك باليهود وأتباع اليهود، اللهم دمر كل من كاد دينك، اللهم دمر كل من كاد دينك، اللهم أعل بفضلك كلمة التوحيد والإيمان، واجعل مصر واحة للأمن والأمان برحمتك يا رب العالمين! هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وجزاكم الله خيراً، وكل عام وأنتم بخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1085

الأمن والأمان يعيش العالم اليوم صراعاً نفسياً، ورعباً يجتاح الأعماق ويقضي على الطمأنينة والرخاء، رغم ما حققه من التقدم في عالم الماديات، وما وفره من وسائل حماية الأمن والاستقرار، والسبب في ذلك هو البعد عن منهج الله الذي لو رجع الناس إليه لسكب الله في نفوسهم السكينة، ولملأ قلوبهم طمأنينة، ومن قرأ تاريخ المسلمين وجد ذلك واقعاً.

стр. 1086

فقدان الأمن والأمان في عصرنا الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وأسأل الله جل وعلا أن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1087

تحول وسائل الأمن الحديثة إلى وسائل رعب أحبتي في الله! إن العالم اليوم محروم من الأمن والأمان، رغم هذه الوسائل الأمنية المذهلة التي وصل إليها العلم الحديث، ورغم هذه الاختراعات والابتكارات المذهلة التي يكتشف ويخترع منها كل يوم الجديد والجديد، ورغم هذا التخطيط الهائل المبني على الأسس العلمية والنفسية لمحاربة الجريمة. بالرغم من هذا كله فإن العالم بأسره لا زال محروماً من الأمن والأمان، وإن الملايين من البشر في عالمنا اليوم يعيشون في حالة من الرعب والفزع والذعر والخوف والقلق، بل وينتظرون الموت في كل لحظة من لحظات حياتهم، لما يرونه بأم أعينهم من إبادة للجنس البشري، ولما يرونه بأم أعينهم من رخص شديد للدم البشري! بل لقد تحولت هذه الوسائل الأمنية نفسها من رءوس نووية وطائرات وصواريخ وقنابل وبنادق وغيرها، هذه هي الوسائل الأمنية التي اخترعها وابتكرها العالم لحمايته ولأمنه ولاستتباب استقراره، تحولت هذه الوسائل الأمنية نفسها إلى مصادر رعب وفزع وهلاك وخوف واضطراب، وتعالت الأصوات، وصرخ المفكرون والأدباء والسياسيون هنا وهناك لنزع هذه الرءوس ولتقليص هذه الوسائل، وبالرغم من هذا كله لا زالت الملايين من البشر في عالمنا اليوم تعيش حالة من القلق والفزع والخوف والاضطراب، وأصبحت الدنيا في أعين هؤلاء الضعفاء البائسين المشردين مظلمة على الرغم من كثرة الأضواء من حولهم، وأصبحت الدنيا في أعينهم ضيقة على الرغم من كثرة الميادين والحدائق واتساع الصحراء بعدما طردوا من ديارهم وأموالهم وأوطانهم! وهكذا حرم العالم اليوم من الأمن والأمان على كثرة هيئاته ومنظماته وقوانينه ومواثيقه، حرم بعد هذا كله من نعمة الأمن والأمان، بل ووالله لا أكون مغالياً إن قلت: لقد أصبح الإنسان في عالمنا اليوم يفعل بأخيه الإنسان ما تخجل الوحوش أن تأتيه في عالم الغابات.

стр. 1088

الحرمان من الرخاء الاقتصادي وأصبح العالم اليوم أيضاً محروماً من الرخاء الاقتصادي بعد أن حرم من الأمن والأمان، على الرغم من كثرة الأسواق والأموال والبنوك والتجارات. وعلى الرغم من اختراع أحدث الوسائل في كل مجالات الاقتصاد إلا أن العالم اليوم محروم من الرخاء الاقتصادي، ولا زالت الملايين من البشر في عالمنا المنكوب تبحث عن لقمة الخبز فلا تجدها! ولا زالت الملايين من البشر تبذل ماء وجهها للحصول على ثوب تستر به عوراتها، ولا زالت الملايين من البشر تبحث وتبذل نفسها للحصول على المسكن، ومنهم من يموت جوعاً، ومنهم من يموت عطشاً، ومنهم من يموت برداً، ومنهم من يسكن الجبال ويعيش بين المخاطر محروماً من الرخاء والسعة.

стр. 1089

عدم الاستقرار النفسي والطمأنينة والعالم اليوم أيضاً محروم من الطمأنينة النفسية والسعادة القلبية وانشراح الصدر. بعد الأمن والأمان وبعد السعة والرخاء حرم أيضاً من الطمأنينة النفسية والسعادة القلبية وانشراح الصدر، والنفس إن لم تتوفر لها الطمأنينة النفسية والسعادة القلبية وانشراح الصدر، لا تستلذ بعيش وإن كان صاحبها غنياً، ولا تهنأ بثوب وإن كان فاخراً ولا تهنأ بمركب ولو كان فارهاً، هذه فطرة الله جل وعلا التي فطر الناس عليها. حرم العالم اليوم من الطمأنينة النفسية والسعادة القلبية وانشراح الصدر، ولا تظن أن هذا المال والمتاع، وأن هذه الشهرة وأن هذا الجاه وهذه المناصب، لا تظن أن هذا كله يعيد للنفس طمأنينتها، أو يعيد للقلب انشراحه، أو يعيد للإنسان السعادة وهذا وإن كان جزءاً قليلاً من أجزاء السعادة، إلا أن راحة القلب وانشراح الصدر وطمأنينة النفس لا تتحقق بمثل هذا، وإنما لا بد لها من دواء آخر.

стр. 1090

أسباب الشقاء وحياة الضنك في العالم والحرمان الأمني والاقتصادي والنفسي الذي يعيشه العالم اليوم وصفه الله جل وعلا في القرآن الكريم بكلمتين اثنتين، ألا وهما: المعيشة الضنك، ووصفه من لا ينطق عن الهوى ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم في المستدرك وابن ماجة في السنن وصحح الحديث شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث عبد الله بن عمر، أنه ﷺ قال: (يا معشر المهاجرين! خمس خصال إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم).
следующие страницы →