Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
قصة عزير ودلالتها على كمال قدرة الله تعالى
قال سبحانه في سورة البقرة في قصة عزير: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] مر عزير على قرية بيت المقدس، بعدما دمرها الله تعالى وأصبحت القرية خاوية على عروشها، فمر ووقف على هذه الأطلال ثانية، وتعجب وقال: هل يحيي هذه الله بعد هذا الموت والدمار والفناء؟! فأماته الله مائة عام كاملة.
أيها الأحبة: أماته الله مائة عام وأحياه مرة أخرى؛ ليبرهن للناس أنه على كل شيء قدير.
وبعد ما أحيا الله عزيراً سأله عن طريق الملك: كم لبثت؟ فنظر -كما يقول الإمام ابن كثير - فوجد أن الشمس ما زالت باقية، فظن عزير أنها شمس نفس اليوم الذي نام فيه، ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة:٢٥٩] والدليل على ذلك -انظر إلى وجه المقارنة الأول الثابت الذي لا يتغير- ﴿انْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩] أي: لم يتغير لونه ولم يتغير طعمه -وانظر إلى الوجه الآخر من وجوه المقارنة- ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ)) [البقرة:٢٥٩] فنظر إلى الحمار فوجده عظاماً بالية، قد تحول إلى رميم، وتراب، فهل يتحول هذا التراب بعد هذه الحالة التي وصل إليها إلى حالة كاملة مرة أخرى من الخلق؟!
стр. 1017
قصة العاص بن وائل مع رسول الله ﷺ
ذهب العاص بن وائل -عليه من الله ما يستحق- إلى النبي ﷺ بعظام بالية، أخذها في يديه ووقف بين يدي النبي ﷺ وفتَّ العظام فحولها إلى رميم وتراب، ثم قال: (يا محمد! أتزعم أن الله يحيي هذه العظام بعد ما صارت رميماً؟ فقال الرسول ﷺ : نعم، يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك جهنم) فأنزل الله قوله تعالى في آخر سورة يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٧٧ - ٨٣].
стр. 1018
افتراء النصارى على الله
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١] قدرة كاملة، ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١] في علم الله جل وعلا: (فحملت) هكذا بفاء الترتيب والتعقيب.
وبداية -أيها الأحبة- أود أن أقول: إننا لو تتبعنا كتب النصارى التي تكلمت عن الحمل لانخلعت القلوب، وارتعدت الأفئدة، فإننا نجد كلاماً يستحي من ذكره في حق الله جل وعلا، فلقد وصفوا الله في هذه الجزئية بأوصاف شنيعة، وبكلمات تنخلع لها القلوب، وأنا لن أتكلم عن هذه الكلمات أبداً؛ لأنه لا يمكن على الإطلاق أن تدنس بيوت الله ، أو حتى الأفواه بمثل هذه الكلمات التافهة الفارغة التي وصفوا الله بها، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد صفوا الله بها في كيفية حمل مريم ﵍.
ولذلك لما سئل أحد قساوستهم الذي شاء الله أن يفضحه بعد ذلك على رءوس الخلائق والأشهاد، لما قيل له: إذا أردت أن تقص على ابنتك قصة مريم، وقصة حملها، وقصة ولادة عيسى، فمن أي الكتب تستطيع أن تقرأها عليها؟ فقال بجرأة متبجحاً: أقرؤها على ابنتي من القرآن.
لأن القرآن -أيها المسلمون- والإسلام قد كرم وشرف مريم أكثر من تشريف النصارى لها.
وقد جلست يوماً إلى أحد كبرائهم، بل إلى كبيرهم، وقد قدر الله هذا اللقاء، وطال المجلس والوقت، وظل يتحدث عن مريم وعيسى وعن توحيدهم المزيف، ويقول لي: إننا لا نختلف معكم في توحيدكم، قلت: كيف ذلك؟ قال: لأنكم تقولون بأن الله : هو الله، وهو الرحمن، وهو الكريم، أسماء متعددة، وكذلك نحن نقول: باسم الأب والابن وروح القدس، هذه مثل تلك، قلت: حاشا لله، تعالى الله عما قلت علواً كبيراً، وطال الحديث أيها الأحباب، وكان حديثاً في حلقة مفرغة؛ وأردت أن أنهي هذا اللقاء في حضور كثير من المسئولين، فقمت ونظرت إلى هذا الكبير وقلت له: أما قرأت هذا الخبر؟ قال: وأي خبر؟ قلت له: خبر عجيب ومرعب ومزلزل، فانتبه وجلس على الكرسي جلسة ما، ونظر إليَّ وأخذ يدقق النظر، ثم صرخ قائلاً: ما هو الخبر؟ فقلت: خبر زواج البابا.
فجلس على الكرسي براحة تنهد وتنفس الصعداء، ونظر إلى المسئول الكبير وقال له: ألم أقل لك بأن هذا الشاب كذاب؟ قلت: ولم هذا الاتهام؟ قال: من أين لك هذا الخبر؟ عليك أن تأتي بالجريدة التي قرأت فيها هذا الخبر، عليك أن تأتي بالدليل، قلت: وإن لم آتِ بالدليل فلماذا لا تصدقني؟ قال: لأن البابا لا يتزوج، هذا قانوننا وهذا ديننا وشرعنا، البابا أسمى من أن يتزوج.
فقلت: سبحان الله! إن كان البابا عندكم أسمى من أن يتزوج، فكيف تزوجون الله بمريم؟ أما تستحون؟ لمَ هذه البجاحة؟ البابا عندكم وفي قانونكم ودينكم المزيف لا يتزوج، أنتم وشأنكم، فإن كان هذا حال عبد حقير ذليل ضعيف تقولون: بأنه أسمى من ذلك، أسمى من أن يحتضن امرأة، أو أن يتزوج امرأة، أو أن يكون مرتبطاً بامرأة في الحلال، وما استحييتم أن تقولوا في قصة حمل مريم كلاماً تنخلع له القلوب وتقشعر له الأبدان، وتزوجوا الله -تعالى الله عن ذلك- بمريم؟! فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.
стр. 1019
كيفية حمل مريم ﵍
أقول: إنهم قالوا كلاماً -أيها الأحبة- تنخلع له القلوب في حمل مريم، ولكننا نحن الموحدين لله لا نقول ما قالته النصارى تعالى الله عن ذلك، وحاشا لله وعياذاً به جل وعلا.
نقول وأقولها بداية: ينبغي على كل موحد لله ألا يبحث على الإطلاق عن كيفية الحمل، الله جل وعلا قال: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٢١] فلا ينبغي أن نتتبع الطريق كما تتبعه النصارى، أو أن نزل كما زلوا؛ بأن نبحث عن كيفية الحمل، فنقول: كيف حملت؟ هل نفخ الله في درعها؟ هل نفث الله في جيبها؟ هل كان النافخ هو الله؟ هل كان النافخ هو جبريل؟ لا ينبغي على الإطلاق أن نبحث وراء كل هذه الأمور أبداً؛ لأن المؤمن يثق بوعد الله جل وعلا، وبكلام الله ، ويصدق كلام رسول الله ﷺ ، قال الله : ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ [مريم:٢٢] كيف؟ لا تسأل، هذا أمر هين أمام قدرة الله الذي خلق آدم من غير أب وأم، أيعجز عن خلق عيسى من أُم دون أب؟! سبحان الله العظيم! ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ [مريم:٢٢] انتهى الأمر بفاء التعقيب والترتيب، وحملت مريم بعيسى ﵇.
فهنا لو تتبعنا الإسرائيليات في كتب التفسير لوجدنا العجب، يقولون: إن مريم حملت بعيسى ووضعته في ساعة واحدة، وهذا أمر أيضاً هين أمام قدرة الله، لا نناقشه، لكن الذي عليه جمهور أهل التفسير: أن مريم ﵍ قد حملت بعيسى حملاً عادياً كأي امرأة -وإن كان الأمر الأول كما قلت: هين أمام قدرة الله جل وعلا- فرد أصحاب الرأي الأول الذين قالوا: بل حملت ووضعت في ساعة واحدة وقالوا: إن الفاء في اللغة العربية تأتي للترتيب والتعقيب، فقال الله : ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣] أي: طلق الولادة، والفاء هنا للترتيب والتعقيب.
ولكننا نرد ونقول: إن فاء الترتيب والتعقيب تأتي وتعقب كل شيء بحسبه، ما الدليل؟ الدليل قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] انظر إلى الفاء التي جاءت هنا في مراحل ثلاث، والحديث الصحيح يخبر بأن بين كل صفتين وبين كل حالتين أربعين يوماً.
إذاً: فاء التعقيب تأتي مع كل شيء بحسبه، وقد ورد في الحديث الصحيح من حديث ابن مسعود الذي رواه البخاري ومسلم أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق- يقول: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك -أربعين يوماً- ثم يكسى باللحم، ويؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
إذاً: قد بين الرسول ﷺ أن بين كل مرحلة وأخرى أربعين يوماً، فتعقيب كل شيء بحسبه.
((فَحَمَلَتْهُ)) [مريم:٢٢] حملت مريم حملاً عادياً، ولذلك لما رأى يوسف النجار -وكان بحدم معها بيت المقدس - معالم الحمل الحقيقية وبوادر الحمل ظهرت عليها، ذهب إليها -كما ذكر الإمام ابن كثير - وقال: يا مريم! إني سائلك عن شيء ولا تعجلي عليَّ فيه، فقالت مريم -وكأنها فهمت ماذا يريد أن يقول يوسف -: يا يوسف! قل ما شئت ولا تقل إلا قولاً حسناً.
فقال يوسف: يا مريم! هل يكون زرع بغير بذر؟ -يعرض لها في الكلام- وهل يكون شجر بغير غيث؟ وهل يكون ولد بغير أب؟ قالت: نعم يا يوسف! قال: كيف ذلك يا مريم؟ قالت: يا يوسف! ألم تعلم أن الله تعالى خلق الزرع يوم خلقه من غير حب ومن غير بذر، وخلق الشجر يوم خلقه من غير غيث، وخلق آدم يوم خلقه من غير أب ولا أم؟ قال: أقول: إن الله على كل شيء قدير، و ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يّس:٨٢].
стр. 1020
ظهور الحمل الولادة
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] لما اتسع بطنها بالحمل، وكادت المدة أن تنتهي، وبدأ الخبر يتسرب إلى بني إسرائيل، واغتم بيت آل عمران غمة شديدة، فقد كانت شائعة مدوية، دوت في أرجاء بني إسرائيل، وما أدراكم من بنو إسرائيل في تزوير وإشاعة الشائعات والفاحشة! امتلأت البيوت بهذا الخبر المزري، وقالوا: ما فعل هذه الفعلة إلا يوسف النجار، فهو معها في خلوة واحدة، وفي مكان واحد.
ولما ضاق صدر مريم ﵍ بهذه الشائعات والكلمات التي تزلزل قلب أي امرأة فضلاً عن العذراء الطاهرة العفيفة الشريفة، خرجت مريم ﵍ ومعها حملها: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] أي: ذهبت إلى مكان بعيد، واختفت عن أعين الناس حتى لا يراها الناس ولا ترى الناس، وفجأة كما يقول الحق جل وعلا: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ [مريم:٢٣] فأجاءها إجاءةً، أجاءها الطلق حتى اضطرها إلى جذع نخلة لتتمسك به، وتعض عليه من شدة الألم ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣] تألمت وهي العذراء التي لا علم لها بمثل هذا الأمر قبل ذلك، ولا يوجد معها امرأة تعينها، وتعلم كل امرأة على وجه هذه الأرض هذه الآلام المضنية، التي تتعرض لها الأنثى أثناء الولادة، فضلاً عن عذراء تلد لأول مرة ولا يوجد معها أنيس ولا جليس.
ولما رأت أن الأمر قد انتهى، وأن المدة قد انتهت، وأن الولد سينزل عن قريب؛ قالت بصوت ضعيف: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] يا ليتني لم أواجه مثل هذا اليوم، وهي تقول ذلك برغم الوعد الكريم الذي وعدها به جبريل ﵇، ولكنها تقول ذلك خوفاً من الناس الذين سيقعون في عرضها حين يتكلمون عنها، وقالت ذلك خوفاً من مواجهة الفضيحة أمام الناس من منظورهم البشري.
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم:٢٣] في هذه الآية دليل شرعي على جواز تمني الموت إذا ما وقع العبد في مصيبة أو فتنة يخشى منها ضياع الدين، ولكن يكره أن يتمنى العبد الموت إذا وقع به ضر أو بلاء من بلاء الدنيا، كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً لي).
стр. 1021
ظهور الآيات ونزول الفرج
ومع هذه الآلام النفسية والبدنية امرأة ضعيفة، وحدها، عذراء طاهرة شريفة عفيفة، وإذ بها تلد الولد، ووسط هذه الآلام ومريم تقول هذه الكلمات التي تنم عن ألم شديد، تأتي المفاجأة الكبرى التي تريح القلب ويطمئن لها الفؤاد، فيناديها عيسى من تحتها، وهذا هو الراجح، قال ابن عباس: [(فناداها مَنْ تحتها) أي: جبريل] وقال مجاهد وقتادة عن سعيد بن جبير وغيرهم وكذلك من أصحاب النبي ﷺ : (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) أي: عيسى.
وهناك القراءة الأخرى: (فناداها مَنْ تحتها) بالله عليك! تخيل طفلاً رضيعاً يناديها من تحتها ويطمئنها ويقول: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦] وأنا الذي سأبرئ ساحتك إن شاء الله .
يا لها من بشارة عجيبة! هذا وعد الله للمتقين أيها الأحباب، وعد قطعه الله جل وعلا على نفسه، حق على الله لمن اتقاه أن يتولى هدايته، ورعايته، ونهايته، حق على الله لمن اتقاه أن يستره فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] طفل رضيع ما زال مولوداً ينادي أمه بهذه الكلمات التي تطمئن القلب والفؤاد: لا تحزني والله معك، لا تحزني ومعك قدرة الله، لا تحزني ومعك رحمة الله، لا تحزني والله جل وعلا معك بقدرته، وبرحمته، وبلطفه، وبإرادته، لا تحزني وانظري إلى آثار رحمة الله ، فلقد فجر الله لها جدولاً من الماء لتشرب منه، وأنبت لها التمر في النخل وكانت النخلة يابسة: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥] وهذا الجدول من الماء من تحت قدميك فاشربي الماء وكلي التمر.
стр. 1022
موقف هاجر عند فراق زوجها إبراهيم ﵉
وهنا أذكر موقف هاجر ﵍، يوم أن ذهب بها الخليل إبراهيم مع ولدها الرضيع إسماعيل، وتركهما إلى جوار بيت الله الحرام، ونظرت هاجر ﵍ إلى هذا المكان المقفر الموحش الذي لا سبب فيه من أسباب الحياة الظاهرة، وقالت له حينما هم بالانصراف: يا إبراهيم! لمن تتركنا في هذا المكان؟ وإبراهيم لا يرد، وأخيراً مع توسلات هاجر ﵍ ينظر إبراهيم إلى السماء، ففهمت هاجر أن الله جل وعلا أمره بذلك، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ فأشار برأسه أن نعم، فقالت: إذاً فلن يضيعنا الله أبداً.
هذا وعد الله لأوليائه ولأحبابه وللأتقياء: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] والرسول ﷺ يوم أن أخذ بكل ما يمكن أن يؤخذ به من الأسباب في يوم الهجرة، ويوم أن انقطعت به الأسباب، وقال الصديق ﵁: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له الرسول: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) ومن كان الله معه فمن ضده؟ ومن عليه؟ ومن يكيده؟ وكما يقول الإمام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: فمن كان الله معه فمعه القوة التي لا تقهر، والفئة التي لا تغلب ولا تهزم، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل.
وكما قال الله جل وعلا لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٦].
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦].
ونعاود الحديث بعد جلسة الاستراحة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1023
التوكل على الله والأخذ بالأسباب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة: انظروا إلى آيات قدرة الله جل وعلا: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] حتى إن كان المنادي هو جبريل كما قال أصحاب الرأي الأول، فإنها أيضاً كرامة، فجَّر الله لها عيناً من الماء، أو نهراً من الماء، وأسقط جل وعلا عليها الرطب، ولكن هنا ملحظ جميل ينبغي أن يتوقف عنده: يقول لها المنادي: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] سبحان الله! يوم أن سألت مريم عن الأسباب قال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] وقبل ذلك كان رزقها يأتيها بدون أسباب، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] ولكنها حينما سألت عن الأسباب، وعن الكيفية، وكيف ذلك، وكيف يكون ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي﴾ [مريم:٢٠] قال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ [مريم:٢٥].
وهنا ملحظ آخر: وهو أنه لا بد من الأخذ بالأسباب، فمن التوكل على الله جل وعلا الأخذ بالأسباب وترك النتائج إلى مسبب الأسباب، أما أن نقول: نحن متوكلون على الله، وندع الأسباب، ولا نأخذ بأسباب القوة، وبأسباب البقاء والقيادة والكرامة في الأرض، ونقول: إننا موحدون ومؤمنون، ولم تأتنا قوة؛ فهذا أمر غير شرعي، بل لا بد من الأخذ بالأسباب، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠]، علينا أن نحرث الأرض ونلقي البذر في الأرض ونتولاه بالعناية والرعاية، ومع ذلك لا نتوكل على الأسباب، ولا نعتمد على الأسباب، وإنما نترك النتائج لمسبب الأسباب جل وعلا.
يقول الإمام الشاطبي في الموافقات: فمن أخذ بالأسباب وتوكل عليها واعتمد عليها، وظن أن الأسباب وحدها ترزق وتنصر فقد أشرك بالله .
خذ بالأسباب كما أمرك الله، ولكن إياك أن تعتقد أن الأسباب وحدها ترزق أو تنصر، وإنما توكل على مسبب الأسباب جل وعلا، خذ بالأسباب واترك النتائج لمسبب الأسباب ﵎ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥].
وفي الحديث الذي رواه أحمد والترمذي بسند حسن، ورواه أبو داود وابن ماجة والحاكم في المستدرك من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦] لا تحزني ولا تقلقي، فإن الذي أجرى لك هذه الكرامات، وأجرى أمام عينيك هذه الآيات البينات الواضحات على كمال قدرته جل وعلا، هو وحده القادر على أن يبرئك.
﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم:٢٦] وهذا كان وارداً في شرعهم، يقول الإمام ابن حجر والإمام ابن قدامة: كان جائزاً في شرعهم.
﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] فاطمأن قلبها، وانشرح صدرها، وقويت على أن تواجه القوم بعد هذه الآيات البينات، وحملت ولدها المبارك، وذهبت به لتواجه القوم ومعها كل هذه الأدلة والبينات، وقبل كل ذلك وبعده معها الله الذي قدر ولا راد لمشيئته ولا راد لقدرته.
أسال الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، وباسمك الأعظم الذي إن دعيت به أعطيت، وإن سئلت به أجبت، نسألك اللهم بعزك أن تنصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أعل بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم اجعل هذا البلد مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين.
اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم وفق ولاة الأمر للعمل بكتابك، والاقتداء بنبيك ﷺ .
اللهم أصلح ذات بين المسلمين، اللهم ألف بين قلوبهم يا رب العالمين، اللهم وحد صفوفهم يا أرحم الراحمين، اللهم قيض لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: ما كان من توفيق فمن الله جل وعلا، وما كان من خطأ أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 1024
بشرى وأمل !
إن آلام المسلمين وجراحهم قد كثرت، حتى أصبح المسلمون يعيشون في ذل وهوان، إلا أن ذلك لا يعني اليأس من التغيير، والرضا بالهزيمة؛ لأن موعود الله قادم لا محالة؛ ولأن المسلمين الصادقين هم أهل النصر وليس المتخاذلين.
ولنا في رسول الله وأصحابه مثل وعبرة في الصبر والصدق والتحمل.
وما يعيشه المسلمون من اضطهاد وحروب لا يعني أن الوضع سلبي على إطلاقه، بل إن له إيجابيات، وإن كانت الكفة لصالح الكفر وفق سنن الله الكونية، إلا أن النصر قريب.
стр. 1025
المسلمون آلام وجراح
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمد عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولا ً عن دعوته ورسالته، وصلَّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، التي سيطول والله شوقنا إليها، وزكَّى الله هذه الأنفس التي انصهرنا معها في بوتقة الحب في الله، وشرح الله هذه الصدور العامرة التي جمعنا وإياها كتاب الله تعالى.
طبتم جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وأيها الإخوة الأحباب الأعزاء وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعني وإياكم في هذا الملتقى المبارك -بدولة قطر المباركة- على طاعته، وأن يجمعني وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله: بشرى وأمل! هذا هو عنوان محاضرتنا مع حضراتكم في هذه الليلة الميمونة المباركة.
بشرى وأمل! وقد يئن كثيرٌ من الأحبة الآن ويقول بلسان الحال، بل وربما بلسان المقال، ويمنعه الحياء أن يعلو وأن يرفع صوته بهذا ويقول: أية بشرى وأي أمل؟ أية بشرى تريد أن تضمد بها جراحنا الليلة؟ وأي أمل تريد أن تطمئن به قلوبنا الليلة؟ أية بشرى وأي أمل وبرك الدماء وأكوام الأشلاء تجسد الفجيعة وتحكي المأساة؟! أية بشرى وأي أمل وقد زال ظل الخلافة، وتمزقت الأمة إلى أجزاء، بل وتفتتت الأجزاء هي الأخرى إلى أجزاء؟! أية بشرى وأي أمل وقد بتر من جسد الأمة القدس الحبيب: أولى القبليتين، ومنتهى مسرى سيد الثقلين؟! أية بشرى وأي أمل وقد اتفق أعداء الإسلام على الرغم من اختلاف عقائدهم، و (أيديولجياتهم) ونظمهم وأفكارهم، ما اتفقوا على شيء بقدر ما اتفقوا على الكيد للإسلام، واستئصال شأفة المسلمين؟! أية بشرى وأي أمل وطلائع البعث الإسلامي الأبية تتعرض الآن لأشد الضربات وأعنف الهجمات؟!
ففي كل بلد على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان
ذبحٌ وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران
يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعوان
هل هذه غيرة أم هذه ضعة للكفر ذكر وللإسلام نسيان
أية بشرى وأي أمل والإبادة الجماعية للمسلمين في كل مكان في البوسنة، والشيشان، وطاجكستان، وتركستان، بورما، وكمبتسيا، وسيرلنكا، والفلبين، والهند، وفلسطين الذبيحة وفي كل مكان؟ أية بشرى وأي أمل وقد ذلت الأمة كلها بعد عزة، وجهلت بعد علم، وضعفت بعد قوة، وأصبحت تتأرجح في سيرها، بل ولا تعرف طريقها، بل وتعرضت الآن للذل والخزي والهوان والعار، وضربت من قِبَل أذل وأخس وأنذل وأحقر أمم الأرض؟! أية بشرى وأي أمل وقد أصبحت الأمة -كما ذكرت- قصعة مستباحة لأذل أمم الأرض، وتحولت إلى غثاء من النفايات البشرية على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية، وتفصل بينها الآن حدودٌ جغرافية، ونعراتٍ قومية مصطنعة، وترفرف على سمائها رايات القومية والوطنية، وتحكمها قوانين الغرب العلمانية، وتدور بها الدوامات السياسية، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران، بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي تدور فيه؟ أهذه هي الأمة التي ذكرها الله في قرآنه بالخيرية وعلل خيريتها بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]؟ وقد بات في الأمة الآن من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، بل ولو رفعت صوتك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأصبحت متهماً تؤخذ بالنواصي والأقدام.
إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتعالي
صحفي يتهمني في إحدى المجلات ويقول: إنك إن جلست معه انهال عليك بسيلٍ من الأدلة من القرآن والسنة! هذه سبة؟! هذه تهمة؟!
إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتعالي
أو قلت قد قال الصحابة والألى تبعاً لهم بالقول والأعمال
أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام الغالي
صدوا عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال
يا أمةً لعبت بدين نبيها كتلاعب الصبيان في الأوحال
حاشا رسول الله يحكم بالهوى تلك إذاً حكومة الضلال
أية بشرى وأي أمل وقد تحولت الأمة الآن إلى هذا الحال، وبات فيها من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؟! أهذه الأمة التي زكاها الله بالوسطية في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] وقد جنحت الآن إلى اليسار أو اليمين، أو إلى الشرق أو الغرب؟ أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالوحدة فقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] وقد تشرذمت وتشتتت وتفتتت إلى أجزاءٍ ودويلات، بل وتفككت الأجزاء الأخرى إلى أجزاءٍ كما ذكرت؟ ما الذي جرى لأمةٍ دستورها القرآن؟ ما الذي حدث لأمةٍ نبيها محمد ﵊؟ ما الذي بدل عزها؟ ما الذي بدل علمها؟ ما الذي أذلها لمن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة من أبناء يهود؟ أية بشرى وأي أمل؟؟!! أبعد هذا كله تريد أن تقدم لنا في هذه الليلة بشرى وأمل بعد أن بدأت أول ما بدأت بالعزف، على وتر الجراح والآلام؟ هل عندك بعد ذلك من بشارات؟ هل عندك بعد ذلك من آمال تريد أن تزفها الليلة إلينا؛ لتضمد الجراح ولتطمئن القلوب؟
стр. 1026
إن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب
أيها الأحبة أيها الأخيار أيها المسلمون يا من تقرءون القرآن في الليل والنهار، أقول لكم: رويداً رويداً! ومهلاً مهلا! فبالرغم من هذا كله، وبالرغم مما ذكرت، أقول لكم بلغةٍ يحدوها الأمل، وبقلبٍ يملؤه اليقين في موعود الله وموعود رسول الله أقول لكم:
لئن عرف التاريخ أوساً وخزرجا فلله أوسٌ قادمون وخزرج
وإنّ كنوز الغيب تخفي طلائعاً حرة رغم المكائد تخرج
إن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم رغم كيد الكائدين، وإن أمة الإسلام قد تمرض، نعم.
بل قد مرضت، وقد تعتريها فترات من الركود بل وربما من الركود الطويل، ولكنها بحمد الله جل وعلا لا تموت ولن تموت.
وإن الذي سيفصل في الأمر عند نهايته ليس ضخامة الباطل، أبداً، وإنما الذي سيفصل في الأمر في نهاية الطريق قوة الحق، ولا شك على الإطلاق أن معنا الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض، ومن أجله خلق الله الجنة والنار، ومن أجله أنزل الله الكتب، ومن أجله أرسل الله الرسل، ومعنا رصيد فطرة الكون، ومعنا رصيد فطرة الإنسان، ومعنا قبل كل ذلك وبعد كل ذلك الملك جل وعلا، ويا لها والله من معية كريمة مباركة لو عرفنا قدرها، قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
وعد الله جل وعلا، ووعد الله لا يتغير ولا يتبدل، فالنصر لهذا الدين سنة ربانية ماضية كما تمضي النجوم والأفلاك والأقمار في مدارها الذي حدده لها الملك جل وعلا.
وهاهو القرآن يؤكد، وهاهو الصادق المصدوق يؤكد، وهاهو التاريخ والواقع يشهدان، فانتبه معي أيها الحبيب:
стр. 1027
جراح النبي قبل النصر والتمكين
كان رسول الله ﷺ وهو وحده في مكة يدعو إلى لا إله إلا الله مع فئة قليلة مستضعفة، ويوم أن صعد على جبل الصفا؛ ليعلن هذه الدعوة بصورة جهرية؛ أرعدت مكة وأبرقت، ودقت طبول الحرب على أشدها على رأس النبي والموحدين معه، وما من مكان تحرك فيه المصطفى في أرض مكة إلا ووجد أرض مكة أرضاً صلبةً صلدة لا تتلقى بذرة التوحيد.
فعُذِّب، ووضعت النجاسة على ظهره، ووضع التراب على رأسه، بل وتقدم إليه المجرم عقبة بن أبي معيط وخنقه خنقاً شديداً، حتى كادت أنفاس الحبيب أن تخرج، وجاء صديق الأمة الأكبر ليدفع عقبة عن رسول الله وهو يقول: [أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم] ولا يجد في أرض مكة الأرض الخصبة التي تتلقى بذرة التوحيد، فيأمر أصحابه المضطهدين المعذبين بالهجرة، وبترك الديار والأوطان إلى أين؟ إلى الحبشة.
لماذا؟ لتغسل شلالاتها دماء وجروح أصحاب النبي ﷺ ، ولأن بـ الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد، بل ويضطر النبي صاحب الدعوة إلى ترك مكة للهجرة إلى أين؟ إلى الخروج إلى الطائف، يمشي على قدميه المتعبتين بلا راحلة، ولا زاد.
والله ما انطلق إلى أهل الطائف يريد مالاً، ولا جاهاً، ولا وجاهة، ولا ثراءً، بل خرج يريد لهم خيري الدنيا والآخرة، ويريد أن يُخرجهم من أوحال الشرك والوثنية إلى أنوار الإيمان والتوحيد برب البرية جل وعلا.
وفعل أهل الطائف بالحبيب ما تعلمون! فعلوا به أسوأ ما يُفعل بالإنسان، بل وذهب إليهم في اليوم الأخير يرجوهم رجاءه الأخير أن اكتموا خبر زيارتي عن أهل مكة حتى لا يشمت بي الأعداء هناك، فأبى أهل الطائف على النبي أن يحققوا له حتى هذا الرجاء الأخير، واضطروا النبي إلى أن يرفع هذه الدعوات وهذه الكلمات الحارة الصادقة، وإن كان الشيخ الألباني قد ضعف إسناد الحديث، إلا أن الحديث رواه الإمام الطبراني وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجاله ثقات إلا ابن اسحاق وهو مدلسٌ ثقة، ووقفت على طريقٍ آخر لهذا الحديث ولله الحمد والمنة رواه ابن اسحاق موصولاً عن محمد بن كعب القرظي، والروايتان تقوي الأولى الأخرى وهكذا فلا بأس على الإطلاق أن أستشهد بهذه الرواية لا أن أستأنس بها.
رفع النبي ﷺ إلى الله أكف الضراعة قائلاً: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني؟! أم إلى عدوٍ ملكته أمري؟! إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن لا ينزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
ويعود المصطفى، وفي الطريق يؤيده الله بهذا النصر الغيبي، وانتبه إلى أولى البشارات: ينادي منادٍ من السماء إنه جبريل يسلم على النبي ﷺ ويقول: يا رسول الله! لقد سمع الله ما قاله قومك لك، وقد أرسل الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فمره بما شئت يا رسول الله، فسلم ملك الجبال على المصطفى -والحديث في الصحيحين - وقال: مرني بما شئت يا رسول الله، لو أمرتني أن أُطبق عليهم الأخشبين لفعلت، والأخشبان: جبلان عظيمان بـ مكة يقال للأول: أبو قبيس، ويقال للثاني: الأحمر.
انتبهوا أيها الأخيار والله الذي لا إله غيره لو كان ممن ينتقم لذاته ولمنصبه ولزعامته وقيادته وصدارته وريادته؛ لأمر النبي ﷺ ملك الجبال فلحطم ملك الجبال أهل الطائف، ولهدم ودمدم هذه الرءوس الصلبة والجماجم العنيدة، ولسالت دماءٍ غزيرة ليرى أهل مكة بـ مكة دماء أهل الطائف في مكة.
ولكن ماذا قال نهر الرحمة، وينبوع الحنان؟ قال: (بل إني أرجو الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله جل وعلا).
стр. 1028
تمكينه تعالى لرسوله بعد الابتلاء
يصبر الحبيب، ويضطر لترك بلده إلى المدينة، وفي مدة لا تساوي من حساب الزمن شيئاً على الإطلاق، بل ولا تساوي في بناء الدول شيئاً على الإطلاق، يرجع المصطفى مع عشرة آلاف موحدٍ لله جل وعلا ليفتح مكة؛ وليأمر النبي بلالاً ﵁ ليصعد على سطح الكعبة، ليرفع الأذان لأول مرة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتتهلل حجارة الكعبة فرحاً لهذا التوحيد، ولهذا الثوب الجديد الذي كساها إياه إمام الموحدين، وقدوة المحققين محمد ﷺ .
ويحطم النبي الأصنام، ويردد قول الله جل وعلا: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١].
من كان يظن في أول الأمر عندما وقف النبي على جبل الصفا لدعوة قومه؛ أن تمر هذه الرحلة بهذه السرعة؛ ليرجع النبي ﷺ إلى مكة فاتحاً؟ إنه وعد الله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]؟
стр. 1029
صبر أبو بكر حتى كان التمكين
من كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد موت المصطفى ﷺ ، وظهرت فتنة الردة بصورة تكاد أن تلتهم الأخضر واليابس، من كان يظن في هذا اليوم العصيب الذي جسده عروة بن الزبير رضوان الله عليه وقال: [كان المسلمون كالغنم المبعثرة في الليلة الشاتية الممطرة؛ لفقد نبيهم ولقلة عددهم وكثرة عدوهم].
انظر إلى هذا الواقع، وإلى هذا الحال، مات النبي فارتد كثيرٌ من العرب، وظهرت فتنة الردة، وفتنة من يدعي النبوة بعد النبي ﷺ ، بل ذهب أحد المسلمين لـ أبي بكر ﵁ ليقول له: يا خليفة رسول الله! الزم بيتك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، فماذا قال الرجل الذي يزن في ميزان الرجال أمة؟ ماذا قال الصديق الذي قيضه الله للأمة يوم الردة كما قيض الله للأمة أحمد بن حنبل يوم المحنة؟ أبو بكر الذي يكاد القلب يهتز حياءً ووجلاً من هذا الرجل؛ لأن التاريخ قد ظلمه، فكم من المسلمين الآن لا يعرف عن أبي بكر الكثير! بل ولست مبالغاً إن قلت: والله لا يعرف كثيرٌ من المسلمين عن أبي بكر إلا القليل، بل ومنهم من لا يعرف عن هذا العملاق شيئاً.
إنه صديق الأمة الذي لخص الإمام ابن القيم حياته تلخيصاً بديعاً فقال وتدبر معي كلامه؛ فلا يتسع الوقت لأقف معك وقفة موجزة مع أبي بكر، فخذ هذا الوصف الدقيق من ابن القيم رحمه الله تعالى، يقول في حق أبي بكر ﵁: هذا هو أبو بكر الذي عاين طائر الفاقة يحوم حول حب الإيثار؛ فألقى له الصديق حب الحُب على روض الرضا، واستلقى على فراش الفقر آمناً مطمئناً، فرفع الطائر الحب إلى حوصلة المضاعفة وتركه هنالك، ثم علا الطائر على أفنان شجرة الصدق يغرد للصديق بأغلى وأعلى فنون المدح وهو يتلو في قول الصديق قول ربه جل وعلا: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١].
قيض الله للإسلام وللأمة أبا بكر فقال قولته الخالدة: [والله لو منعوني عقال بعيرٍ كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه بالسيوف] وأمر بإرسال وبإنفاذ بعث أسامة.
قالوا: يا خليفة رسول الله! لقد ظهرت فتنة الردة، وظهر مدعو النبوة، ولا داعي الآن لأن ترسل هذا الجيش، ولا بد أن يبقى هذا الجيش في المدينة ليؤمنها، فقال الصديق قولته الخالدة: [والله لأنفذن بعث أسامة وإن تخطفتني الذئاب]، وفي لفظ: [وإن جرت الكلاب بين أرجل أمهات المؤمنين لأنفذن بعث أسامة، كيف يبرم رسول الله عقداً ولا أبرمه أنا].
وسار جيش أسامة الذي كان فتحاً عظيماً من الله على أبي بكر ﵁، حيث أن المرتدين خارج جزيرة العرب قد نظروا إلى هذا الأمر نظرة عجيبة، وقالوا: لولا أن أبا بكر يملك من القوة ومن الجيوش في المدينة ما يستطيع أن يدفع بها الشر عن المدينة ما أرسل بعث أسامة.
انظر إلى الفتح والتأييد والمدد من الله جل وعلا! وانطلق الجيش، وانتهت فتنة الردة، وقيض الله للأمة خالد بن الوليد ﵁، وانتهت حروب الردة، وقتل من ادعى النبوة، وخرج الإسلام من هذه الفتنة قوياً شديداً، وفي أول الأمر ظن كثير من الناس أنه لن تقوم للإسلام قائمة.
стр. 1030
جراح أعقبها النصر والتمكين
ومن كان يظن أن تقوم للإسلام قائمة بعد الحروب الصليبية المتكررة، بعد سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وهدم المساجد والبيوت، حتى قيض الله للأمة صلاح الدين -أسأل الله أن يرزق الأمة بـ صلاح الدين - فهزم الصليبيين الحاقدين في معركة حطين، وخرج الإسلام قوياً بعد الحروب الصليبية؟ من كان يظن أن تبقى للإسلام قائمة بعد حروب المغول والتتار، وبعد الهجمة الشرسة التي روعت البلاد والعباد، حتى جسَّد الإمام ابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى هذه المأساة المروعة، فقال: "لقد انصرفت عدة سنين عن تسجيل هذه الحادثة، فأنا أقدم قدماً وأؤخر أخرى؛ فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب بيديه نعي الإسلام والمسلمين، فليتني لم أولد قبل هذا اليوم وكنت نسياً منسيا".
حتى قيض الله للأمة البطل الفاتح قطز، فحرر البلاد والعباد، وخرج الإسلام من هذه الأزمة الطاحنة قوياً شديداً صلباً؟ ومن كان يظن أن تبقى في وقتنا المعاصر امرأة بوسنية واحدة، أو رجلٌ بوسني واحد، أو طفلٌ بوسني واحد، لقد قرر جميع الخبراء العسكريين مع بداية حرب البوسنة منذ ثلاث سنوات تقريباً أن الحرب لن تستمر أكثر من أسبوع، وسيفني الجيش الصربي شعب البوسنة، ووالله لو علم الصرب أن هذه الحرب ستعيد الإسلام من جديد إلى هذه الأرض، وسترد كثيراً من البوسنيين إلى الإسلام، والله ما أطلق الصرب على البوسنيين رصاصة واحدة.
انظروا إلى المحن! ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] إنه التمحيص: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
انتهت الآن الحرب البوسنية وإن كانت في الواقع والحقيقة لم تنته بعد -أسأل الله أن يضمد الجراح، وأن يسكن الآلام- وبقي البوسنيون، بل وعاد الكثير من البوسنيين إلى الإسلام، بل ورفع اسم الإسلام في هذه المنطقة ودب الرعب في قلوب هؤلاء، مع أن المسلمين في قمة الضعف والذل والهوان.
من كان يظن أن تستمر الحرب في الشيشان إلى يومنا هذا؟ لأنه بكل أسف حينما يتناول كثيراً من دعاتنا كثير من هذه القضايا، يطرح دائماً وأبداً جانب السلبيات فحسب، ولو نظرنا إلى هذا النصر العظيم في مقابل قوة أهل الباطل، وحجم أهل الباطل، وما يملكون من عتاد وسلاح، لكان ما يحققه المسلمون من نصرٍ زهيدٍ -في أعيننا ونظرنا- لكان هذا النصر نصراً عظيما بالمقارنة إلى حجم وقوة أعداء الدين.
فينبغي ألا ننظر بمنظار قاتم على طول الخط، ولا مانع من أن نشخص الداء، ولكن ينبغي أن نصف الدواء، ولا مانع من أن نبين المرض، لكن لا يمنع على الإطلاق في الوقت ذاته أن نقول بأن هناك بوادر للشفاء، وللأمل، وللخير، فهذه الفتن ما ضرت الإسلام قط، بل هذه الفتن في صالح الإسلام، كيف ذلك؟! إنه التمحيص، حتى لا يثبت على الصف ولا يحمل هذه الراية إلا الرجال الأطهار الذين هم أهل لأن يكونوا من حواري وأنصار رسول الله ﷺ ، أما الذين يحملون الدعوة ويتاجرون بها في سوق الشهوات؛ تشترى منهم أو لا تُشترى؛ فهؤلاء لا يصلحون ابتداءً أن يكونوا أصحاب رسالة، فإذا ما هبت عاصفة أو فتنة سرعان ما تبعثر هؤلاء كما تتفرق الفئران، وهذه من رحمة الرحيم الرحمن؛ ليبقى على الصف من صفت نفسه، وخلصت سيرته، وطهر الله قلبه؛ ليرفع راية لا إله إلا الله كيف لا وأنت ستمضي على طريق محمد بن عبد الله.
فإن الطريق ليس هيناً لينا، وليس مفروشاً بالورود ولا بالرياحين، وهأنذا ألخص لك الطريق أيها الحبيب المبارك في كلماتٍ حتى لا تُنسى، وأقول لك: إن سلكت طريق الدعوة إلى الله ورأيت أن الطريق ممهدة، وأنها مفروشة بالورود والزهور والرياحين؛ فاعلم علم اليقين أنك قد ضللت الطريق، وابتعدت عن طريق محمد ونوح وموسى وعيسى وكل الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه.
الطريق بينٌ واضح، فتن ومحن وابتلاءات للتمحيص والتمييز، ليثبت على الصف الخالصون المخلصون، أسأل الله أن يشرفنا وإياكم أن نكون منهم إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الأحبة: من كان يظن أن تبقى الحرب الشيشانية إلى يومنا هذا، والشيشان شعبٌ صغير أعزل، يحارب القوة الثانية في العالم كله؟ بل ومن كان يظن أن الأفغان يخرجون الدب الروسي الغبي الوقح بعد هذه السنوات الطوال؟ ولكن بكل أسف! رأينا ما رأينا يوم أن دبت الفرقة والخلاف بين القلوب والصفوف؛ فسقط على كابول من الصواريخ والقنابل ما لم يسقط عليها طيلة الحرب مع الروس، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! وهذه أيضاً سنةٌ ربانية فمحالٌ أن يتنزل النصر مع الخلاف، ومحالٌ أن تتنزل السكينة مع التشرذم والتهارش، ولا يختلف اثنان ممن يعملون الآن على الساحة الإسلامية في أن العقبة الكئود الأولى في طريق العمل الإسلامي هي: عقبة التشرذم والتهارج والاختلاف والبعد عن المنهج: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] أي: تذهب قوتكم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].
من كان يظن أيها الأحبة أن تستمر الحرب إلى الآن، بل ويكبد المجاهدون الشيشان الروس الخسائر الفادحة؟
стр. 1031
بشائر النصر
أيها الأخيار الكرام: إنه وعد الله، ولا بد أن يبقى هذا الإسلام، ولا بد في النهاية أن ينتصر الإسلام، ووالله إننا لا نخاف على الإسلام، بل نخاف على المسلمين إن تخلوا عن الإسلام، أما الإسلام في ذاته كدين وكمنهج فإنه قادم كقدوم الليل والنهار.
وخذوا معي بعض الأدلة القرآنية والنبوية على هذه الحقائق.
стр. 1032
كتابة النصر لمن قاتل في سبيل الله
وأستهل هذه البشريات والآمال بآية من كتاب الكبير المتعال، يقول الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠] وقد تحقق وعد الله في عهد نبيه، ونصر الله القلة الضعيفة المستضعفة يوم أن نصرت دين الله ، ووعد الله محفوظ، ووعد الله قائم لكل من ينصر دين الله أن ينصره الله جل وعلا.
ما علينا إلا أن ننصر دين الله، ولكن بماذا؟ بما منَّ الله به علينا من قوة، فلم يأمرنا الله أن نعد الإعداد الذي يخرج عن طوقنا واستطاعتنا أبداً.
بل ما أمرك الله إلا بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] وأمرك الله بالتقوى بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] فابذل ما استطعت من الإعداد لتنصر بهذا الإعداد دين الله، واترك النصرة بعد ذلك لمن وعد بالنصرة كل من نصر دينه جل وعلا.
ما علينا إلا أن ننصر الدين على قدر استطاعتنا، وإلا فإن العلمانيين الآن يريدون أن يوقعوا بالإسلاميين، ويقولون لهم: ماذا تملكون وماذا بأيديكم، وأنا لا أقلل أبداً على الإطلاق من شأن القوة المادية، فإن هذه (دروشة) لأنه بكل أسف أمتنا الآن فيها من هم (دراويش) لا يجيدون إلا الكلام، شأنها في ذلك شأن جحا، هل تعرفون جحا الذي صنع يوماً ساقية على النهر لتأخذ الماء من النهر ولترد نفس الماء إلى نفس النهر، فقالوا: عجباً لك يا جحا! تصنع ساقية على النهر لتأخذ الماء من النهر ولترد نفس الماء إلى نفس النهر؟! فقال جحا: يكفيني نعيرها، منشورات بيانات صاخبة خطب رنانة.
هذا لن يعيد الإسلام إلى الأرض، وإن كان هذا نوع من أنواع العمل؛ لكننا لن نعيد الإسلام مرة أخرى إلا إذا حولنا الإسلام إلى منهج حياة، إلى واقع يتألق سمواً وروعة وجلالاً؛ فإن العالم الغربي الآن يحكم على الإسلام من خلال واقع المسلمين المر الأليم.
فيجب علينا أن نبذل قدر استطاعتنا، وليس معنى ذلك أنني أقلل من شأن القوة المادية في مواجهة أعداء الإسلام أبداً، وإنما أقول: نعد على قدر المستطاع وعلى قدر الطاقة؛ فالأمة تحتاج إلى تنظيم جهود، ووالله إن الأمة مليئة بالطاقات وبالخيرات.
ولعلكم تذكرون سلاحاً واحداً استخدمته هذه الأمة، لا لمدة أسابيع ولا لمدة شهور بل لمدة أيام؛ فوقف الشرق الملحد والغرب الكافر يوم أن استخدم المسلمون سلاح البترول في حرب أكتوبر.
الأمة مليئة بالطاقات المادية والعددية، وتعجبني الآن كلمة لـ جمال الدين الأفغاني، مع تحفظي على كلماتٍ كثيرة للقائل، إلا أننا نقول بأننا نقبل الحق على لسان أي أحد، ونرد الباطل على لسان أي أحد، يقول هذا الرجل للهنود يوم أن احتلهم الإنجليز: (لو أن ملايينكم ذباب يطن في آذان الإنجليز لخرقتم آذانهم).
أمةً تملك طاقة عددية هائلة جبارة، وتملك طاقة مادية جبارة هائلة، ولكن الأمة تحتاج إلى التقاء الصفوف، وإلى تجميع الطاقات، وتنظيم الجهود، وكلمة واحدة، ونظام الصف ماذا أعني بنظام الصف؟ أمتنا أمة النظام، وبكل أسف! تذهب إلى بلاد الغرب فترى نظام الصف موجوداً في أقل الأمور، ففي المطعم ترى نظام الصف، وفي المطار ترى نظام الصف، وفي الركوب على الباص ترى نظام الصف، فإذا ما أتيت إلى هذه الأمة رأيت نظام القطيع -الذي يقوى على الآخر يدوسه- وتردد الأمة بلسان الحال قول الشاعر الجاهلي القديم:
ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطينا
نظام القطيع في كل شيء، مع أن الأمة صاحبة نظام الصف، يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] ليس صفاً معوجاً ولا مختلاً، وإنما كأنه البنيان المرصوص الذي رصت لبناته بمنتهى الدقة والإحكام، والبراعة والجمال في آن واحد، بل وقال المصطفى في الصلاة: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) يا سبحان الله! ما علاقة تسوية الصف بالقلب؟! انظر إلى هذا الحديث، فالأمة تحتاج إلى تنظيم وتجميع للطاقات، وكلٌ مسئول على قدر استطاعته.
ابذل ما استطعت، واتصل بالمسئولين بمنتهى الأدب والحكمة والرقة والبلاغة، واتصل بمن تظن أنه يبذل شيئاً لدين الله، لتلتقي الجهود، ولتلتقي كل هذه الطاقات، وسترون والله العجب العجاب، ولكن ليبدأ كل واحدٍ منا بنفسه؛ لأننا بكل أسف نعلق الأخطاء دوماً على الآخرين، وقد حذرنا الله من هذا الداء فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
إذاً: من هذه البشارة أخلص إلى أنه من نصر دين الله على قدر استطاعته، وعلى قدر ما مكنه الله من قوة ومن طاقة سينصره الله ، وهل تستطيع قوةٌ على ظهر هذه الأرض أن تحارب ملك الملوك؟!! يا إخوة: ترون الآن سيولاً تجرف بيوتاً ومدناً، وترون زلازل وبراكين تدمر حضارات، وتزلزل وتبيد مطارات: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٣١].
سبحان الله! تعجبني عبارة هذا العربي في أرض الجزيرة في القديم يوم أن خوفوه من الإنجليز، وقالوا: هؤلاء يملكون طائرات، قال: ما معنى طائرات؟ لا يعرف معنى الطائرات، قالوا: هذه طائرات تطير في السماء تنزل وتسقط النار، لا يستوعب هذا المشهد، ولا يعرف معنى الطائرة لكن انظروا إلى التوحيد الذي استقر في قلبه، وإلى اليقين الذي افتقدته الأمة الآن، قال قولةً عجيبة: الطائرة أعلى أم ربنا أعلى؟! قالوا: لا، ربنا أعلى، قال: إذاً فلا تخف، سبحان الله! إنها الفطرة التي تفتقدها الأمة الآن، بل والله إن من أبناء الأمة الآن من يشك في رزق الرزاق، ونسمع على أعلى مستوى من يقول: "كنت أعتمد على الشرق والآن أنا أعتمد على الغرب، فإن لم أعتمد على الغرب فعلى من أعتمد؟!! " على الله الذي وعد برزق كل دابة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] وربك يرزق الكفار؛ فهل ينسى أن يرزق من وحدوا العزيز الغفار؟ هذا محال.
стр. 1033
استخلاف الله للمسلمين في الأرض
خذوا البشارة الثانية: يقول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥] هذه شروط الاستخلاف يا إخوة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥].
ووالله لقد حقق الله وعده، وتحقق وعد الله لرسوله وأصحابه والموحدين معه، واستخلفهم الله في الأرض، فأذلوا الأكاسرة، وأهانوا القياصرة هذا هو الإسلام وهذه هي العبودية لله، من رعاة للغنم في أرض الجزيرة إلى سادة وقادة لجميع الأمم.
وجيء بتاج كسرى إلى عمر بن الخطاب في مدينة رسول الله، فقال عمر قولته الجميلة: [والله إن قوماً أدوا هذه الأمانة كاملةً غير منقوصة، والله إنهم لأمناء؛ فقال له علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين! عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا].
جيء بتاج كسرى إلى عمر ﵁؛ لأنهم حققوا شروط الاستخلاف، صرفوا العبادة لله جل وعلا، وحققوا العبودية لله سبحانه، واستكملوا الشروط فكانت: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور:٥٥].
وشروط الاستخلاف والتمكين لا زالت في أيدينا؛ لأن وعد الله لكل فئة تحقق شروط الاستخلاف والتمكين بصرف العبادة كاملة إلى الله، وبتحقيق العبودية خالصة إلى الله جل وعلا، أن يمكن الله جل وعلا لهذه الطائفة التي ستكون حينئذٍ جديرة بالاستخلاف والتمكين.
стр. 1034
صدود الكفار بأموالهم هو حسرة عليهم
ويشرق علينا نور البشارة الثالثة من سورة الأنفال، ويا لها والله من بشارة! يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] هل تصدقون الله رب العالمين؟! إنه كلام الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] لتتم هنالك إن شاء الله تعالى حسرتهم الكبرى.
أيها الأحبة: كم من أموالٍ أنفقت لتنصير المسلمين؟ وكم من أموال أنفقت للقضاء على طلائع الصحوة؟ وكم من أموال أنفقت لتقويض صرح الأسرة المسلمة، ببث الأفلام الداعرة والمسلسلات الفاجرة؟ وكم من أموال أنفقت على أندية الروتر العالمية؟ وكم من أموال أنفقت على أندية الماسونية العالمية؟ وكم من أموال أنفقت بالجملة لإخراج المسلمين عن إسلامهم؟ ولكن ما هي النتيجة؟ النتيجة بموعود الله ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وعلى أرض الواقع جسدت هذه المعاني العظيمة وثيقة للتنصير الكنسي التي صدرت عبر مائة وخمسين صفحة، وأجريت خلال خمس سنوات، ونشرتها لأول مرة جريدة " نيويورك تايمز إنترناشيونال " في عددها الصادر في شهر يناير لعام (١٩٩١م) وفي هذه الوثيقة يصرخ بابا الفاتيكان جنبلي الثاني، وينادي على المسحيين -على حد تعبيره وإلا فهم النصارى- ويأمرهم بالوقوف صفاً واحداً أمام الزحف الإسلامي الهائل في بلاد أوروبا على الرغم من أنك لو فتشت لوجدت الجهود المبذولة لدين الله لا تساوي شيئاً على الإطلاق، ولكنه دين الفطرة.
ولا أدري هل تابع أحدكم هذا الخبر أم لا؟ فقد نشرته جريدة بريد الإسلام التي تتابع أخبار الإسلام والمسلمين في بلاد الغرب، نشرت خبراً عجيباً في حديقة (الهايفبارك في بريطانيا وفي إنجلترا) هذه الحديقة تضم كل المآسي.
وجاء بعض الشباب المسلم العاقل الواعي، الذي تحتاج الأمة إليه الآن، وينظر إلى الأمور كلها نظرة واعية دقيقة، ليعيش العصر بالقرآن والسنة، فقالوا: لماذا لا نتخذ ركناً في هذه الحديقة لندعو هذه الجموع إلى الإسلام؟ لماذا لا نعرف هؤلاء بالإسلام؟ وبكل أسف حضرت مؤتمراً في " دتريت " ودعي إلى هذا المؤتمر رئيس تحرير جريدة " نيويورك تايمز إنترناشيونال "، وقال هذا الرجل كلمةً حتى وإن كانت خبيثة آلمت قلبي وقلب كل مسلم حين ذاك، يوم أن قال: أيها المسلمون! أنتم تعلمون أن صورة الإسلام مشوهة في الشرق وفي الغرب بصفة خاصة، لكن هل بذلتم الجهود لتظهروا الصورة الحقيقية لإسلامكم؟ عار وشنار على مليار مسلم، تبذل الأموال الطائلة في أمورٍ تافهة، ولا تُبذل لتبني هذه القضية عبر هذه الوسائل الإعلامية العالمية؛ لنبين صورة الإسلام المشرقة التي شوهت ولوثت ومسخت، على أن الإسلام دين العدل والرحمة، والأمن والأمان.
وما يوصم به الإسلام الآن من رعب وإرهاب وتطرف؛ فإن الإسلام بريء منه كبراءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب.
أيها الأحبة الكرام: هذه الأموال الطائلة التي تنفق وبالرغم من ذلك ينتصر دين الله ويمتد، فوقف هؤلاء الإخوة في هذه الحديقة وأرادوا أن يبينوا للناس الإسلام، فقام قسيس ليرد على هذا الأخ المبارك البريطاني المسلم، ولما ضعفت حجته لجأ إلى الأسلوب الآخر المعروف، ألا وهو السب والشتم والتسفيه، فسب هذا القسيس رب العزة والنبي محمداً ﷺ .
سبحان الله! هذا نصرٌ غيبي يرسله الله من آن إلى آخر ليطمئن القلوب القلقة، فيقول الخبر: يصاب هذا القسيس بدورانٍ شديد ويسقط على الفور مغشياً عليه، فلما اقتربوا منه وجدوه قد هلك، وقد فارق الحياة، فاقترب رئيس الشرطة الذي كان مكلفاً بحراسة هذا الجمع من هذا الأخ المبارك، وقال له: أربك قويٌ بهذه الصورة؟! فقال له: ولكن اعلم أن الذي قدّر هذا قد يُقدِّر أن يقول غير هذا أكثر مما قال هذا، ولا يفعل به بمثل ما فعل بهذا، حتى لا نعتمد على مثل هذه الأمور: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٢].
لا بد من أن يبذل المسلمون سبل النصر: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
وأختم البشائر القرآنية بهذه البشارة في سورة الصف، يقول جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩] لا بد من إظهار الدين، هل يضر السماء نبح الكلاب؟! وهل تستطيع جميع الأفواه وإن اجتمعت أن تطفئ نور الله في السماء؟ وهل تستطيع الطحالب الحقيرة أن توقف سير البواخر العملاقة على سطح الماء؟ لا والله أبداً: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] وعد الله .
стр. 1035
بشائر نبوية بالفتح
وخذوا بعض البشائر السريعة من كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، والحديث رواه أحمد، والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي من حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر -أي: هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيزٍ أو بذل ذليل، عزاًَ يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).
وفي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، والطبراني في الأوسط، والبزار بسند حسن، وقال الهيثمي: رجاله ثقات من حديث حذيفة بن اليمان ﵁، أن النبي ﷺ قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة؛ فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عضوضاً؛ فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً؛ فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) ونحن الآن نعيش مرحلة الحكم الجبري، والمرحلة القادمة بموعود رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).
وفي الحديث الذي رواه أحمد، والحاكم بسندٍ جيد، من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فقال له رجل: يا رسول الله! أي المدينتين تفتح أولاً، أقسطنطينة أم رومية -أي روما -؟ فقال المصطفى الصادق المصدوق: مدينة هرقل تفتح أولاً) أي: تفتح القسطنطينة أولاً، هل تعلم متى فتحت القسطنطينة، فتحت بعد هذه البشارة النبوية بثمانية قرون، ويبقى الشطر الثاني في الحديث وعدٌ لا يتخلف إن شاء الله جل وعلا.
وأختم البشائر النبوية بهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر يهود).
بل ستعجب أن النبي قد حدد أرض المعركة كما في رواية البزار، وقال الهيثمي في المجمع: ورجالها رجال الصحيح، أن النبي ﷺ قال: (أنتم شرقي نهر الأردن وهم غربيه) ولم تكن هناك يومها دولة تسمى بـ الأردن، ولكنه كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، والواقع والتاريخ يشهدان بأن الإسلام قادم، وبأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين.
стр. 1036
انتشار الإسلام في الغرب
إن أصواتاً مرتفعة الآن تصرخ في الغرب وتنادي وتحذر من قدوم الإسلام، يقول المفكر الشهير اسبنجلز: "إن للحضارات دورات فلكية، فهي تغرب هنا لتشرق هناك، وإن حضارة أوشكت على الشروق في أروع صورة، ألا وهي حضارة الإسلام، الذي يملك وحده أقوى قوة روحانية عالمية نقية".
فلا تغتروا بما عند الشرق أو الغرب، فإن الغرب الآن ينهار من الداخل، وتعجبني عبارة سيد قطب ﵀ وغفر له إذ يقول: "إن أحشاء الغرب تتمخض الآن بمولود جديد يسمى الإسلام" إنها الفطرة، فطرة الله جل وعلا، ما من واحدٍ من هؤلاء عرف الإسلام وحقيقة الإسلام إلا وشرح الله صدره له.
لكن يبقى أن نبذل نحن لهؤلاء، وأن نقدم نحن لهم الإسلام الجميل بصورته المشرقة التي علمنا إياها رسول الله ﵌.
الغرب هذه البالونة الضخمة التي تعبد الآن في الأرض من دون الله من قِبل كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام، لا بد أن نعرف حقيقتها أيها الأحبة:
قالوا لنا فالغرب فيه صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا
لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا
الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا
الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يدٌ أبدى لها السكينا
الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا
الغرب يحمل خنجراً ورصاصةً فعلام يحمل قومنا الزيتونا
كفرٌ وإسلامٌ فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا
أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا
وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا
وألوم فينا نخوةً لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا
أيها الأحبة: إن أطباء الغرب وعلماء الغرب يقفون الآن في دهشة وحيرة أمام حالات الانتحار الجماعية، أمام الحالات المتزايدة للمصابين بالحالات النفسية والعصبية؛ لأن هؤلاء قد أعطوا البدن كل ما يشتهيه، وبقيت الروح في أعماق البدن تصرخ وتبحث عن دواءٍ، وتبحث عن غذاء، ولا يعلم دواء وغذاء الروح إلا خالق الروح: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥].
ونرى في الأفق كوكبة مضيئة، إنه أعظم حدثٍ في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا من الآمال العظيمة، والبشارات الكبيرة أن نرى شباباً في ريعان الصبا، ونرى فتياتٍ في عمر الورود، ما من يومٍ يمر إلا وتلتحق جموع بالصحوة الراشدة، أسأل الله أن تكون كذلك.
نرى الآن في مصر والجزائر وغيرها، نرى بدون مبالغة عشرات الألوف من الإخوة الشباب، والأخوات الملتزمات وسط هذه الفتن، ووسط هذه الضربات، يحرص الجميع على حضور المحاضرات، وعلى حضور خطب الجمعة، لا في المساجد بل في الشوارع، وتحت حرارة الشمس المحرقة، يصلون على الأرض وعلى التراب.
فأينما توجهت يا عبد الله وجدت خشوعاً ورجوعاً جديداً إلى الله، ووجدت شباباً يبكي ويتضرع وقد ولى ظهره لـ واشنطن وبنكوك ولندن وباريس ومدريد، ووجه وجهه من جديد لـ مكة زادها الله تشريفاً وتكريماً، ولى وجهه صوب بيت الله الحرام، وأعطى ظهره لعواصم الكفر على ظهر الأرض، ويصرخ بأعلى صوته، ودموع الخشوع والبكاء والندم تتلألأ على وجهه الأنور الأزهر، وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، نريد كتاب الله، نريد سنة رسول الله ﵌.
إنها الصحوة المباركة، إنه الأمل الذي أقلق العالم كله الآن في النصف الثاني من القرن العشرين.
صبح تنفس بالضياء وأشرقا والصحوة الكبرى تهز البيرقا
وشبيبة الإسلام هذا فيلق في ساحة الأمجاد يتبع فيلقا
وقوافل الإيمان تتخذ المدى درباً وتصنع للمحيط الزورقا
ما أمر هذي الصحوة الكبرى سوى وعد من الله الجليل تحققا
هي نخلة طاب الثرى فنما لها جذعٌ قويٌ في التراب وأعذقا
هي في رياض قلوبنا زيتونة في جذعها غصن الكرامة أورقا
فجرٌ تدفق من سيحبس نوره أرني يداً سدت علينا المشرقا
يا نهر صحوتنا رأيتك صافياً وعلى الضفاف رأيت أزهار التقى
قالوا تطرف جيلنا لما سمى قدراً وأعطى للطهارة موثقا
ورموه بالإرهاب حين أبى الخنا ومضى على ضرب الكرامة وارتقى
أوكان إرهاباً جهاد نبينا أم كان حقاً بالكتاب مصدقا
أتطرفٌ إيماننا بالله في عصرٍ تطرف بالهوى وتزندقا
إن التطرف أن نذم محمداً والمقتدين به ونمدح عفلقا
إن التطرف أن نرى من قومنا من صانع الكفر اللئيم وأطرقا
إن التطرف أن نبادل كافراً حباً ونمنحه الولاء محققا
إن التطرف وصمة في وجه من جعل البوسنة رماداً محرقا
شتان بين النهر يعذب ماؤه والبحر بالملح الأجاج تمزقا
يا جيل صحوتنا أعيذك أن أرى في الصف من بعد الإخاء تمزقا
لك في كتاب الله فجرٌ صادقٌ فاتبع هداه ودعك ممن فرقا
لك في رسولك أسوةٌ فهو الذي بالصدق والخلق الرفيع تخلقا
يا جيل صحوتنا ستبقى شامخاً ولسوف تبقى باتباعك أسمقا
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1037
الأسئلة
стр. 1038
حكم تعدد الجماعات الإسلامية
السؤال
نظراً لوجود الجماعات في عصر النبي ﷺ وتعددها، فهذا من الأنصار وهذا من المهاجرين، وهذا من أهل الصفة، وهؤلاء أهل البيعة، ومع اختلاف الجماعات في أيامنا هذه وبعد الشق بينها وبين الجماعات الأولى التي كانت في أيام النبي ﷺ ، ما هو المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه الجماعات الإسلامية في هذا العصر؟
الجواب
أيها الأحبة: أركز المنهج في نقاط محددة فأقول: تعلموا الإسلام بشموله وكماله، وافهموا الإسلام فهماً صحيحاً كما أراده لنا رسول الله ﷺ أن نفهمه، ثم حولوا هذا الإسلام الذي فهمتموه بشموله وكماله في حياتكم وبيوتكم إلى منهج حياة، وإلى واقع، ثم تحركوا بهذا الإسلام بشموله وكماله إلى الدنيا كلها، وارفعوا عن العوام جهلهم، واربطوهم بالإسلام وبينوا لهم حقيقة الدين، فلقد آن دورك أيها الموحد وأيها العملاق الحنون؛ فقم بعد فهمك للإسلام بشموله، واعمل به في بيتك وبين إخوانك وبين أهلك وأحبابك، وقم بعد ذلك وضم العالم كله إن استطعت إلى صدرك، وأسمعه خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا.
قم ودثر العالم كله ببردتك ذات العبق المحمدي، قم واسق الدنيا كأس الفطرة لتروى بعد ظمأ، ولتحيا بعد موت، ولتهدى بعد ضلال، فمعك الحق والنور، اعرف هذا الحق، وحول هذا الحق في حياتك إلى منهج، وتحرك بهذا المنهج بعد ذلك إلى الآخرين.
ابذل على قدر استطاعتك لدين الله، وعلى قدر ما منَّ الله به عليك من طاقات.
يا إخوة! ذكرت أننا لا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على المنصات أو على المنابر، بل إننا نحتاج أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة لدين الله كل من موقع إنتاجه، وموطن عطائه ومسئوليته، نريد الآن الكوادر الإسلامية المتخصصة التي تكون قادرة على تسيير شئون الحياة كلها من منظور الإسلام.
أريد الطبيب المسلم الذي يجسد الإسلام في موطن عمله، والمهندس المسلم الذي يحول الإسلام إلى واقع على أرض عطائه وإنتاجه، وكذا أريد المدرس المسلم، والمرأة المسلمة، أريد الكوادر الإسلامية المتخصصة التي تخدم دين الله في كل مكان، وهناك الدعاة لهم دورهم ولهم وظيفتهم، أما أن نعتقد أنا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة وخطباء ووعاظ، فلا.
كان هناك خالد بن الوليد اذهب يا خالد وادع الناس في اليمن، لا.
لا يقدر، ليست وظيفته هذه، بل اذهب أنت يا معاذ على اليمن، وأنت يا خالد أمْسِك السيف، فأنت سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه حسناً وأبي بن كعب؟ لا.
أتركه في القرآن يعلم الأمة القرآن، وعبد الله بن مسعود؟ علم القرآن، وحذيفة؟ احفظ أحاديث الفتن، وتعرف على الشر، وزيد تعلم الفروض والفرائض كل له دوره.
وهذا هو الذي أظهر لنا عظمة أصحاب النبي، لأن النبي ﷺ قد اختار الرجل المناسب فوضعه في المكان الذي يتناسب مع قدراته وكفاءاته وعطاءاته؛ فبذل كل واحد في الموطن الذي يناسبه أقصى ما عنده من طاقة لدين الله ، فبرع وأبدع وأفاد واستفاد.
تدبروا معي هذه الرسالة المباركة التي يرسل بها أبو بكر الصديق ﵁ إلى أبي عبيدة بن الجراح على جبهة الشام، والجيوش على جبهة الشام بدأت تتخلخل، فأمر خالد بن الوليد أن يذهب بسرعة إلى أبي عبيدة بن الجراح، وأن يتولى القيادة العامة على جبهة الشام، وخالد بن الوليد سيف الله، ترياق الوساوس والشياطين، ويكتب رسالة، وانتبه لهذه الرسالة الجميلة الرقيقة، يقول أبو بكر الصديق: [بسم الله الرحمن الرحيم من خليفة رسول الله إلى أخيه أبي عبيدة بن الجراح، سلام الله عليك وبعد، فإني قد وليت خالد بن الوليد قيادة الجبهة في بلاد الشام، فاسمع له وأطع، ووالله ما وليته القيادة إلا لأني ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك، وأنت عندي خير منه].
هنا التجرد، هنا العمل للدين بحق، وبصدق، وبرجولة، خالد رجل الساعة اذهب يا خالد فـ أبو عبيدة أمين الأمة تأخر الآن.
المكان لـ خالد، إذاً: يبرز خالد.
ونأتي لتعلم القرآن فنقول: لا.
تأخر يا خالد، وتقدم أنت يا بن مسعود كفاءات قدرات فليس كل الأمة نريد أن نحولها إلى وعاظ على المنصات، لا.
فمن يصنع؟ ومن يتاجر؟ ومن يرزع؟ ومن يبدع؟ نريد كل الطاقات التي في الأمة أن تتفجر على هذا الأساس.
أنا أقول: وجود الجماعات التي في الساحة من أكبر النعم لو كان الاختلاف بينها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، لو كان الخلاف الموجود الآن بين الجماعات التي تعمل للإسلام اختلاف تنوع، أي: هذه تجيد التنظيم، وهذه جماعة تجيد الحركة والتحرك لتبليغ الدعوة، وهذه جماعة تجيد التمحيص والتحقيق للروايات والتصفية والتربية، وهذه جماعة تجيد تحريك روح الجهاد في قلوب الأمة، وأنا أقف وأبدأ من حيث انتهى إخواني، وأبني من حيث بنى الآخرون لتتظافر الجهود، لا آتي وأهدم ما بنيت أنت.
إذاً: الخلاف هنا اختلاف تنوع يثري العمل الإسلامي، ويثري الحركة كلها، وحينئذٍ ليس هناك مشكلة في المسميات، ولا مشاحة في الاصطلاح؛ لأن المسميات هذه كانت موجودة على عهد النبي ﷺ ، كان هناك المهاجرون والأنصار، وأهل الصفة، وأهل بيعة الرضوان، لكن متى أنكر النبي أن توجد هذه المسميات؟ عندما تحولت إلى نعرات كما هو الواقع حينما تحولت إلى نعرة فقال: (دعوها فإنها منتنة) مجرد مسميات، والكل يعمل تحت لواء: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج:٧٨].
إذاً: التنوع إثراء للحركة كلها، ولكن الواقع يقول غير هذا؛ فالاختلاف الآن اختلاف تضاد، أنا الذي أقعد على المنصة، وأنت تتأخر ومن أنت لتقول ومن أنت ليرجع إليك؟ إنه مرض في القلب.
مرضان خطيران يا إخوة: الجهل والهوى، الهوى ملك ظلوم غشوم يصم الآذان عن سماع الحق، ويعمي الأبصار عن رؤية الدليل، فشيخي الذي أتلقى العلم على يديه هو الأوسع علماً، والأبلغ حجة، والأقوى بياناً، والأعظم دليلاً، والأسطع برهاناً، وجماعتي هي جماعة المسلمين، وما عداها من الجماعات فليست من جماعة المسلمين، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] ما شاء الله!! هذا هو الاستشهاد بالأدلة؟!! لا يليق هذا أبداًَ، فلو كان الاختلاف الآن اختلاف تنوع لأثرى هذا العمل كل على قدر استطاعته لخدمة الحركة الإسلامية، فنريد أن تتضافر الطاقات والجهود، ولو أن كل مسلم حمل هم الدين في قلبه، وفكر وهو نائم في الدين، وفي الدعوة: أعمل ماذا؟ وكيف أفكر؟ وكيف أخطط؟ وكيف أستغل المال؟ وكيف أستغل الزوجة؟ وكيف أستغل الولد؟ وكيف أستغل الكرسي؟ وكيف أستغل الوظيفة؟ وكيف أستغل كل طاقة منَّ الله بها علي في دين الله لتلتقي الجهود وتتضافر في وقت استغلت فيه كل الطاقات للباطل وللكفر.
إذاً: كلنا نفهم الإسلام بكماله وشموله، فلنعمل نحن بالإسلام؛ لأن مسألة أننا: إن شاء الله نكون (كنيفاً ملئ علماً) دون أن نحول هذا العلم إلى واقع، ليس له حاجة أبداً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢].
نحن لا نطلب العلم على أساس أن طلب العلم غاية يا إخوة، لا.
نحن نقول: إن طلب العلم وسيلة لغاية: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ليس مسألة أننا نأتي بالشباب احفظ كذا واحفظ كذا واحفظ كذا، وفي النهاية لا نجد شيئاً على أرض الواقع أخلاق بعيدة عن العلم الذي تعلمه، ومعاملات سيئة إلا من رحم ربك، ليس هذا هو الهدف، وليست هذه هي الغاية.
يقول علي: [يا حملة العلم! اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيأتي أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يقعدون حلقاً، يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن تركه وجلس إلى غيره، أولئك لا ترفع أعمالهم إلى الله ].
القضية ليست قضية تحصيل وهي الغاية، بل إنها وسيلة لغاية، لا خير في علم لم يورثك الخشية، ولا بركة في علم لم يقربك إلى الله، ولا نفع في علم لم يملء قلبك ذلاً ورهبة لله، إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا، وكم من مذكر بالله وهو ناسٍ لله، وكم من مخوف من الله وهو جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله وهو بعيد عن الله، وكم من تالٍ لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله.
إذاً: نعلم ونتعلم ونفهم ونعمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣] ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
أسأل الله ﵎ أن يرزقني وإياكم الصدق.
ثم بعد ذلك نحول هذا العمل إلى دعوة، فأنا أدعو بلساني، وأنت تدعو بمالك، وهذا يدعو من خلال وظيفته، وهذا يدعو بأولاده، وهذا يدعو بكتاب، وهذا يدعو بشريط، وهذا يدعو بهدية، وهذا يدعو بزيارة، وهذا يدعو بحضور محاضرة، وهذا يدعو بلصق إعلان.
الطاقات موجودة لكن نريد العمل، هذا دورك أيها المسلم ودور الأخت المسلمة، فقد آن الأوان لتبذل كل الجهود، ولتجيش الأمة كل الطاقات.
ثم بعد ذلك أيها الأحبة أقول: لا تتعجلوا لا تتعجلوا، من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، أتأتي
стр. 1039
مضمون الدعوة السلفية
السؤال
هل من دعوة للشباب إلى الدعوة السلفية؟
الجواب
السلفية ليست جماعة، وليست حزباً ضيقاً، وفي الوقت ذاته ليست دروشة، السلفية تُظلم كثيراً ممن يظنون أنهم سلفيون، كلام أقوله بمنتهى الصراحة والوضوح وبعلو الصوت، السلفية تيار نوراني ممتد على رأسه المصطفى، ومن خلفه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ وأبي وأصحابه، ومن خلف هؤلاء التابعون، ومن خلف هؤلاء تابعو التابعين، ويتبع هؤلاء كل من سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم القيامة.
ومن ثم ومن هذا المنطلق فـ السلفية ليست حكراً على أحد، وليست من حق أحد دون أحد، إنما كل مسلم يقرأ القرآن، ويقرأ سنة النبي ﷺ ، ويبحث عن فهم القرآن والسنة بفهم أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، والأوزاعي، والثوري، فهؤلاء هم سلف الأمة، من الذي ينكر هذا ويرد هذا؟ من الذي يقول: أنا لا أريد أن أفهم القرآن بفهم ابن مسعود الذي قال: [ما من آية من كتاب الله نزلت إلا وأنا أعلم أين نزلت، ومتى نزلت، وفيما نزلت، ولو أعلم أن أحداً من أهل الأرض أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطايا لركبت إليه] من يكره بعد هذا ألا يفهم القرآن بفهم هذا العملاق القرآني؟ هذا عبد الله بن مسعود، من من إخواننا في الإخوان يكره هذا؟ ومن في التبليغ يكره هذا؟ أو في الجماعة الإسلامية يكره هذا؟ أو في السلفيين يكره هذا؟ في أي فصيلة من الفصائل من يقول بغير هذا؟ ونحن لا نريد بهذا أن نقطع الطريق ونقول: حده إلى الصحابي، لا.
أبداً، الخير ممتد إلى قيام الساعة: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي نصر الله وهم ظاهرون على الناس) أبواب الاجتهاد ما أغلقت ولن تغلق إلى قيام الساعة، ويبقى علماء على الخط والطريق، فكل من اقتفى أثر الصحابة والتابعين ومن سار على دربهم فهو منتسب إلى السلف، وكل من عاش مع السلف ولم يقتفِ أثرهم، ولم يسر على دربهم فلا ينتسب لا من قريب ولا من بعيد إلى السلف.
فكم من أناس عاشوا معهم وليسوا منهم، وكم من أناس لم يعيشوا معهم وهم منهم، لابد أن نفهم هذا الفهم أيها الأخيار الكرام حتى لا تثور من آن إلى آخر مثل هذه النعرات، جماعتنا جماعة المسلمين، بل: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج:٧٨].
وأنا أوالي كل مسلم على ظهر الأرض يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، على قدر قربه وبعده من منهج الله جل وعلا، نريد أن نفهم هذا الفهم لتلتقي الصفوف وتلتقي القلوب.
أما: أنا سلفي وأنت إخواني، أو أنا إخواني وأنت سلفي، بمجرد أني لا أنتمي إلى جماعتك وأنت لا تنتمي إلى جماعتي فلن ألقي عليك السلام، ولا أعترف لك ألبتة بأي مساحة أرضية ألتقي فيها معك أو تلتقي فيها معي، فهذا ظلم مزق الشمل وشتت الصف.
أنا أحب كل مسلم على ظهر الأرض يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله على قدر قربه أو بعده من المنهج، محال أن يكون ولائي لرجل تقي نقي من أهل السنة والجماعة يعمل لله كحبي لرجل مسلم بسيط متكاسل، يصلي فرضاً ويدع فروضاً، لا.
أنا أحب هذا لإسلامه لكن محال أن أسوي بين هذا وذاك، فولائي لكل مسلم يوحد الله ويؤمن برسول الله على قدر قربه أو بعده من منهج الله جل وعلا، هذا هو الإنصاف، بل ولو زل مسلم بكبيرة لا أكفره، ولا أخرجه من الملة، بل لقد أقيمت الحدود على أصحاب رسول الله منهم من زنى، ومنهم من شرب الخمر، بل ويوم أن سب صحابي هذا الشارب للخمر ما قَبِل الرسول، وقال: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم) وفي لفظ قال: (والله ما أعلم إلا أنه يحب الله ورسوله) وهو شارب للخمر!! لأنه ما خرج بكبيرته من الدين ولا من الملة أبداً.
يوالى على قدر طاعته، ويعادى على قدر معصيته، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الشرك والمشركين، هذه مفاهيم لابد أن ترسخ وتستقر في القلوب والأذهان.
أيها الأحبة: في هذه المرحلة الحرجة لابد أن تلتقي الصفوف والقلوب على كتاب الله وعلى سنة رسول الله، إذ أننا نلتقي على أصول كبيرة جداً وكثيرة جداً، وهذا الخلاف في أمور فرعية، أو حتى يا أخي لو خالفتك في أمر عقدي -وأنا أعي ما أقول جيداً- ولا أقول في أمر منهجي، فمن سيصحح لي خطئي إن ابتعدت أنت وانصرفت عني؟! أنا على خطأ عقدي، تعال اقترب مني، حقي عليك النصيحة، لا تصعد على منبرك اليوم الثاني وتقول: فلان الفلاني عنده خطأ في العقيدة، وعنده خلل وعنده وعنده حسناً تعال، هل جربت هذا؟! هل اقتربت مني وذبت معي في بوتقة الحب في الله، ووجهت إليَّ النصيحة بحكمة ورحمة وتواضع؟ هل أشعرتني أنك مخلص في نصحك لي؟ هل أشعرتني أن قلبك يحترق على خطئي العقدي؟ والله الذي لا إله غيره لو أشعرتني بذلك لذلل الله قلبي للحق الذي أجراه هو على لسانك، جربوا هذا يا إخوة، وهذا الكلام كله معروف واضح لا يحتاج إلى توضيح، وكله منصب في دائرة إخواننا في أهل السنة والجماعة، إنما ليس المراد بهذا إطلاقاً أنني أريدها وحدة كما ذكرت تجمع شتاتاً متناقضاً متناثراً على غير حق واتباع وهدى؛ لا! فإن تضميد الجراح على ما فيها من عفن وقذر ونتن لن يزيد الجراح إلا سقماً، لكن نخرج العفن والنتن وبعد ذلك نضمد الجراح، هذا هو الذي يبقي الوحدة والصف متميزاً إن شاء الله تعالى، وأسأل الله أن يؤلف بين قلوبنا وإياكم على الحق.
стр. 1040
آه آه يا مسلمون !
في هذه المادة يتحدث الشيخ عن بعض مآسي المسلمين في العالم، والأوضاع المتردية التي تحياها الشعوب المسلمة، ومن تكالب الأعداء عليهم، واتفاق الخصوم فيما بينهم على عداوة الإسلام والمسلمين، متبعاً إياها بالحديث عن الموت وشيء من التذكير والوعظ.
стр. 1041
غربة الدين وأهله
الحمد لله رب العالمين، نحمدك يا رب ونستغفرك ونستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك وعظم جاهك ولا إله غيرك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو القاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصلِّ اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور:
أحبائي يا ملء الفؤاد تحيةً تجوز إليكم كل سدٍ وعائقِ
لقد شدني شوق إليكم مكللٌ بالحب والتقدير والدعاء المشفقِ
وأرقني في المظلمات عليكم تكالب أعداء سعوا بالبوائقِ
طلبتم رضا الرحمن قلباً وقالباً وما طلبوا إلا حقير المآزقِ
فسدد الله على درب الحق خطاكمُ وجنبكم فيه خطير المزالقِِ
طبتم جميعاً أيها الأطيار الأطهار، وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وحيى الله صاحبة النقاب والحجاب في عهد غربة الإسلام الثانية التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ ، فاسمحوا لي أن أكرر هذه التحية إلى صانعة الأجيال ومربية الرجال، إلى من تربعت طيلة القرون الماضية على عرش حيائها، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها:
يا درة حفظت في الأمس غاليةً واليوم يبغونها للهو واللعبِ
يا حرة قد أرادوا جعلها أمة غريبة العقل أو غريبة النسبِ
هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهبِ
وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطا حمالة الحطبِ
فلا تبالي بما يلقون من شبهٍ وعندكِ الشرع إن تدعيه يستجبِ
سليه من أنا من أهلي لمن نسبي للغرب أم أنا للإسلام والعربِ
لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذبِ
وما مكاني في دنيا تغوث بنا في موضع الرأس أم في موضع الذنبِ
هما سبيلان يا أختاه ما لهما من ثالثٍ فاكسبي خيراً أو اكتسبي
سبيل ربك والقرآن منهجه نورٌ من الله لم يحجب ولم يغبِ
فاستمسكي بعرى الإسلام واعتزي وصابري واصبري لله واحتسبي
حياكِ الله يا صاحبة النقاب، حياكم الله يا أصحاب أوسمة السنة والشرف، يا أصحاب اللحى، حياكم الله جميعاً، وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يربط على قلوبكم، وأن يثبتنا وإياكم على الحق، وأن يشرفنا وإياكم بالعمل لهذا الدين، وأن يتقبل مني وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيءٍ قدير.
стр. 1042
المستقبل لهذا الدين
أيها الأحبة في الله: تلبيةً لرغبة أحبابنا وإخواننا فإن حديثي الليلة مع أحبابي في الرقائق، وكم كنت أتمنى أن أعتذر عن الحديث في هذا الموضوع؛ لأنني أعلم يقيناً أنه لا يجيد الحديث عن الرقائق إلا أصحاب القلوب الحية، وأشهد الله أني لست منهم، كما كنت أتمنى أن يكون حديثنا في كل وقتٍ وفي كل مكان عن تصحيح بعض المفاهيم، وإيقاظ العقول والقلوبِ لهذه التحديات الخطيرة، ولهذه المؤامرات الكبيرة الرهيبة التي تحيط بأمتنا في الليل والنهار، والتي تحاك لهذا الدين، وتُحاك للمسلمين لاستئصال شأفتهم، وللقضاء على هذا الدين، ولكنني أقول بملء فمي: إن هذه المؤامرات، وإن هذه المكائد، التي تكاد لهذا الدين ولهذه الأمة في الليل والنهار، إنما هي إلى زوال، وإن أهلها إلى فناء، وسيبقى الإسلام شامخاً يناطح كواكب الجوزاء؛ لأنه دين رب الأرض والسماء.
إن المستقبل يا شباب الصحوة لهذا الدين ورب الكعبة رغم كيد الكائدين، ولن تستطيع جميع الأفواه ولو اجتمعت أن تطفئ نور الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
نعم.
أقول بملء فمي: نامت الأمة بل وراحت في سباتٍ عميق، وأقول بملء فمي: مرضت واعتراها الركود إلى سنوات طويلة، ولكن الأمة بحمد الله لم تمت، ولن تموت بإذن الله جل وعلا.
نعم.
ما تجنيه الأمة اليوم من ثمار الحنظل المرة إنما هي نتيجةٌ لفترة رقادها الطويلة التي طالت وطالت، فسلبت أرضها، وسفكت دماؤها، وانتهك عرضها، وهانحن نرى الآن، وينطبق على الأمة الآن قول القائل الصادق:
آه يا مسلمون متم قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق
أي شيءٍ في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج تساق
نحن لحمٌ للوحش والطير منا الـ جثث الحمر والدم الدفاق
وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق
سراييفو تباد والعالم كلـ ـه خسة وخيانةً ونفاق
سراييفو من دولة المجد عثما ن أبوها والفاتح العملاق
سراييفو من قلب مكة بالتو حيد يعلو لواءها الخفاق
تركوها وحولها من كلاب الصـ ـرب طوقٌ من خلفه أطواق
قدمتها الصلبان للصرب قربا ناً وللصرب كلهم عشاق
فوالله لو فعلنا بالصرب ما فعلو هـ لرأينا مثل الذي رآه العراق
انتهك عرضنا، وضاع شرفنا، ومسخت هويتنا، وراح عزنا، وزالت سيادتنا، وزعزع انتماؤنا يوم أن رقدت الأمة وطال رقادها، ونامت فطال سباتها؛ ولكنني أبشركم -أيها الأحباب- وأقول: إن أمة الإسلام قد مرضت واعترتها فترات من الركود الطويل، ولكنها بحمد الله تعالى ما ماتت ولم تمت ولن تموت بإذن الله مصداقاً لبشرى الحبيب المصطفى ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث معاوية: (لا تزال طائفة من أمتي قائمةً بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على الناس) فأسأل الله جلا وعلا أن يشرفني وإياكم لأن نكون من أفراد هذه الطائفة؛ إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيءٍ قدير.
стр. 1043
حياة القلوب وموتها
إذاً: أيها الأحباب! إن حديثنا الليلة في الرقائق لا ينقسم عن هذه التحديات، فإننا لن نواجه هذه المؤامرات الموثورة إلا برجال، وإننا الآن نريد أن نربي هؤلاء الرجال، وهؤلاء الرجال لن نبدأ تربيتهم إلا بتصفيح وتصليح قلوبهم، فإن الحديث عن الرقائق ليس بمعزلٍ عن مجابهة هذه التحديات؛ لأننا نرى الآن من بين أبناء الأمة قلوباً صدئة علاها الران، نرى أصحاب هذه القلوب الآن مع أنهم يتكلمون بألسنتنا ويلبسون زينا إلا أنهم قد انطلقوا بدون أدنى خجلٍ أو وجلٍ يحاربون الله ويصدون عن سبيل الله جلا وعلا.
فهؤلاء هل تعتقدون أنهم يحملون في صدورهم قلوباً تعرف ملك الملوك جل وعلا؟ هل يحملون في صدورهم قلوباً ترق إذا ذكر لله؟ وتبكي عيونهم إذا تلي كلام الله؟ وترق أفئدتهم إذا ذكِّروا بالله جل وعلا؟ وبيومٍ سيتركون فيه الجاه، والكراسي الزائلة، والمناصب الفانية، لا وزارة، ولا إمارة، ولا سيارة، ولا عمارة، ولا جاه، ولا منصب، وإنما سيقف هذا عارياً يبن يدي ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض ليكلمه ربه جل وعلا دون ترجمان: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
هؤلاء نسوا يوماً سيعرضون فيه على الله، لماذا؟ لأن قلوبهم قد ماتت في أكفان صدورهم، كفنتها الصدور منذ زمن، إذا ذكِّروا بالله سخروا، وإذا ذكِّروا بحديث رسول الله استهزءوا، وصفوا النقاب بأنه خيمة، ووصفوا اللحية بأنها عفن، ووصفوا شريعة الله بأنها تخلف، هل تعتقدون أن هؤلاء وإن كانوا يتحركون بين الأحياء يحملون قلوباً حية تعرف ملك الملوك جل وعلا؟ لا والله.
لا والله.
إذاً: فالنقطة الأولى -أيها الأحباب- هي كما قال الحبيب: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فلنفتش جميعاً في قلوبنا وعن قلوبنا.
أين يقع قلبك أيها الحبيب؟! هل قلبك من القلوب الحية؟ هل قلبك من القلوب السليمة؟ هل قلبك من القلوب المريضة؟ هل قلبك من القلوب الميتة؟ سل نفسك أيها الحبيب فتعالوا بنا لنخاطب القلب والعقل معاً بهذه الحقيقة الكبيرة، فوالله ما ظلم الظالمون، وما جار المتجبرون، وما ظلم الطغاة المتكبرون إلا يوم أن غفلوا عن يومٍ سيعرضون فيه بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، إلا يوم أن اعتقد أنه إله مخلد، إلا يوم أن رن في أذنيه قول فرعون -وهؤلاء أتباع الفراعنة- كما قال الله تعالى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] إلا يوم قال بلسان الحال: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١].
стр. 1044
(وجاءت سكرة الموت بالحق)
فيا أيها الحبيب! أخاطب الجميع الآن، أخاطب الكبير والصغير، أخاطب الرجل والمرأة، أخاطب الشاب والفتاة، أخاطب كل مسلم بهذه الحقيقة التي غفل عنها كثيرٌ من الناس، والتي سماها الله في قرآنه (بالحق) فقال جل وعلا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] والحق أنك تموت، والله حيٌ لا يموت: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] والحق أن قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ذلك ما كنت منه تهرب وتجري وتفر، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وإلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وإلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا؟ أيها القوي الفتي، يا أيها الذكي العبقري! يا أيها الأمير! يا أيها الوزير! يا أيها الكبير! يا أيها الصغير!
كل باكٍ فسيُبكى
كل ناعٍ فسيُنعى
كل مذخورٍ سيفنى
كل مذكورٍ سينسى
ليس غير الله يبقى
من علا فالله أعلى
يا من غرك جاهك! يا من غرتك وزارتك! يا من غرك كرسيك! يا من غرك منصبك! يا من غرك مالك! يا من غرك جندك! يا من غرتك قوتك! تذكر يوم أن تخرج من هذه الدنيا وقد انفض عنك الجمع، انفض عنك الجند والمال والأهل، انفض عنك الأحباب، فوقفت بين يدي الله جل وعلا ليسألك عن القليل والكثير، وعن الصغير والكبير.
تذكر وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا
والنار تلهب من غيضٍ ومن حنقٍ على العصاة ورب العرش غضبانا
اقرأ كتابك يا عبدي على مهلٍ فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا
لما قرأت ولم تنكر قراءته أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
قال الجليل خذوه
خذوه هو الذي حارب الله وحارب سنة رسول الله، وحارب النقاب، وهو الذي أعلن الحرب على الحجاب، وحارب الأبرار، وحارب الأخيار، خذوه.
قال الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا
المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ذلك ما كنت منه تهرب:: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] من الذي يرقيه؟ من الذي يبذل له الرقية؟ ومن الذي يقدم له الطب والعلاج؟ من الذي يحول بينه وبين أمر الله جل وعلا؟! انظر إليه وهو على فراش الموت، وهو من هو؟ صاحب الجاه والوزارة والإمارة والملك، نام على فراش الموت، التف الأطباء من حول رأسه، ذلك يبذل له الرقية، وذلك يقدم له العلاج، فهم يريدون شيئاً، وملك الملوك يريد شيئاً آخر.
انظر إليه وقد زحف الموت إليه، وقد اصفر وجهه، وشحب، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يشعر بزمهريرٍ قارص يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل لا تريد أن تتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بلا إله إلا الله، لأهل الإيمان، ولأهل التوحيد، ولأهل الاستقامة.
في هذه السكرات ينظر فإذا وعى ما حوله في لحظة الصحوات بين السكرات والكربات، ينظر فيرى ملائكة من بعيد تقترب يفرح أهذه ملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب؟ يا ترى أهذا الذي جالسٌ عند رأسي الآن من هو؟ إنه ملك الموت، يا ترى ماذا سيقول لي؟ هل سيقول لي: يا أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان وربٍ راضٍ غير غضبان، أم سيقول لي: يا أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخطٍ من الله وعذاب؟ فإذا نظر إلى أهله وأولاده وأحبابه ووعاهم نظر إليهم نظرة استعطاف ورجاء وأمل، وهو يقول بلسان الحال بل بلسان المقال: يا أحبابي! يا إخواني! يا أولادي! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، أنا أبوكم، أنا أخوكم، أنا كبيركم، أنا الذي بنيت لكم القصور، وعمرت لكم الدور، أنا الذي كان يقف الناس بين يدي، وكان يركع الناس بين يدي، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، أفدوني بأعماركم وبأموالكم، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، فهنا يعلو صوت الحق: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦].
سفري بعيدٌ وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني
ولي بقايا ذنوبٍ لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلنِ
أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني
ما أحلم الله عني حيث أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني
كأنني وحولي من ينوح ومن يبكي عليَّ وينعاني ويندبني
وقد أتوا بطبيبٍ كي يعالجني ولم أرَ الطب هذا اليوم ينفعني
واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرقٍ بلا رفقٍِ ولا هونِ
كأنني بين تلك الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني
وقام من كان أغلى الناس في عجلٍ نحو المغسل يأتيني يغسلني
فجاءني رجلٌ منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني
وغادروني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الماء ينظفني
وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفنِ
وحملوني على الأكتاف أربعةً من الرجال وخلفي من يشيعني
فقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني
صلوا عليَّ صلاةً لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني
وأنزلوني إلى قبري على مهلٍ وقدموا واحداً منهم يلحدني
فكشف الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني
وقال هلوا عليه الترب
يا مسكين! يا من ضحك الناس عليك! يا من نفخك الناس نفخاً! يا من غرك الناس غروراً! يا مسكين! رجعوا وتركوك، يا مسكين! في التراب وضعوك، يا مسكين! للحساب عرضوك، يا مسكين! والله لو ظلوا معك ما نفعوك، فلم يبق لك إلا عملك مع رحمة الحي الذي لا يموت.
وقال هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المننِ
يا نفس! ويحك توبي! اتق الله، اتق الله ولا تحارب الله ورسوله، ولا تحارب الأطهار، ولا تحارب الأخيار.
يا نفس ويحك توبي واعملي حسناً عساك تجزين بعد الموت بالحسنِ
وامنن علي بعفوٍ منك يا أملي فأنت الرحمن ذو المننِ
: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [المدثر:٢٧] من يرقيه؟ من يبذل له الرقية؟ من يقدم له العلاج؟ من يحول بينه وبين ما وقع به؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [المدثر:٢٧] من يرتقي بروحه إلى السماء؟ تفسيرٌ آخر من يحمل روحه ويرتقي بها إلى الله جل وعلا؟ أي: من الملائكة التي نزلت لتشيع هذه الروح بعد معالجة ملك الموت لها.
стр. 1045
الحقيقة الكبرى
قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] إنها الحقيقة الكبرى التي تصبغ الحياة البشرية بصبغة الذل والعبودية لقهار السماوات والأرض.
إنها الحقيقة الكبرى التي تُعلن على مدى الزمان والمكان، في أذن كل حاكم، وكل أديب، وكل مفكر، وكل سامع، أنه لا بقاء إلا للحي الذي لا يموت.
إنها الحقيقة التي تسربل بها طوعاً أو كرهاً العصاة والطائعون.
إنها الحقيقة التي شهد كأسها الأنبياء والمرسلون.
إنها الحقيقة التي تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة الذل والعبودية للحي الذي لا يموت جل وعلا.
أيها الحبيب الكريم: إنها الحقيقة التي أمرنا الحبيب بالإكثار من ذكرها: (أكثروا من ذكر هادم اللذات، قيل: وما هادم اللذات يا رسول الله؟! قال: الموت) والحديث رواه بعض أصحاب السنن من حديث عمر بن الخطاب، وهو حديثٌ حسن.
تذكر
يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليلُ
فتأهبي يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويلُ
فلتنزلن بمنزلٍ ينسى الخليل به الخليلُ
وليركبن عليك فيه من الثرى ثقلٌ ثقيلُ
قرن الفناء بنا فما يبقى العزيز ولا الذليلُ
لقي الفضيل بن عياض رجلاً فسأله الفضيل عن عمره، قال الفضيل: كم عمرك؟ قال الرجل: ستين سنة، قال الفضيل: إذاً أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله توشك أن تصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الفضيل: هل عرفت معناها؟ قال: نعم عرفت أني لله عبدٌ وأني إليه راجع، قال الفضيل: يا أخي! إن من عرف أنه لله عبدٌ وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوفٌ بين يديه، ومن عرف أنه موقوفٌ عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً، فبكى الرجل وقال: يا فضيل! وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة، قال: وما هي يرحمك الله؟ قال: أن تتقي الله فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى.
стр. 1046
رسالة إلى أصحاب الكراسي والأقلام
إلى أصحاب الكراسي، إلى أصحاب الأقلام، إلى أصحاب صفحات الصحف والمجلات
أيا من يدعي الفهم إلى كم يا أخا الوهم
تعبي الذنب بالذم وتخطي الخطأ الجم
أما بان لك العيب أما أنذرك الشيب
وما في نصحه ريب ولا سمعك قد صم
أما نادى بك الموت أما أسمعك الصوت
أما تخشى من الفوت فتحتاط وتهتم
فكم تسدر في السهو وتختال من الزهو
وتنصب إلى اللهو كأن الموت ما عم
كأني بك تنحط إلى اللحد وتنغط
وقد أسلمك الرهط إلى أضيق من سم
هناك الجسم ممدود ليستأكله الدود
إلى أن ينخر العود ويمسي العظم قد رم
وزود نفسك الخير ودع ما يعقب الضير
وهيئ مركب السير وخف من لجة اليم
بذا أوصيت يا صاح وقد بحت كمن باح
فطوبى لفتىً راح بآدابيَ يأتم
وصدق الله إذ يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٢٦ - ٣٠].
ويفتح سجله، ويفتح ملفه، ويفتح كتابه وإذا به: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢].
стр. 1047
مواقف البعث والنشور
: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:١٩ - ٢٠] لا بد من استقرار هذه الحقيقة في النفس، يموت الصالحون والطالحون، يموت الظالمون والمظلومون، يموت المجاهدون والقاعدون، يموت المستعلون بالعقيدة والمستذلون للعبيد، يموت المخلصون الصادقون، الرجال الذين يأبون الضيم والذل، والجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، يموت أصحاب الاهتمامات الكبيرة والأهداف الراقية العالية، والفارغون التافهون الذين لا يعيشون فقط إلا من أجل شهواتهم ونزواتهم، ومن أجل متعهم الرخيصة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:١٩ - ٢٠].
ليت الأمر توقف عند الموت، لكن كلا.
من علم أن الموت موعده، والقيامة مورده، والوقوف بين يدي الله مشهده، فحق له أن يطول بالدنيا حزنه.
من النافخ؟ إسرافيل، ويأمره الله جل وعلا أن ينفخ نفخة الفزع: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل:٨٧] فيأمره أن ينفخ نفخة ثانية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] أي: فمات، وحينئذٍ إذا أمر الله إسرافيل بالنفخ في الصور نفخة الصعق، ومات كل حيٍ على ظهر هذه الأرض، بل وأمر الله بموت الملائكة جميعاً يسود صمتٌ رهيب، يشق هذا الصمت صوت جليل مهيب، يسأل صاحب الصوت ويجيب، فما من سائل يومئذٍ غيره ولا مجيب، كما في الصحيحين: (إذا مات كل حي ينطق الحق جل وعلا، ويقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟! أين المتكبرون؟! أين الجبارون؟!) وفي رواية مسلم: (يقول الحق جل وعلا: لمن الملك اليوم؟ فيجيب على ذاته ويقول: ﴿الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]).
أين الظالمون؟ وأين التابعون لهم في الغي؟ بل أين فرعون وهامان؟!
أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلماً وطغيان
هل أبقى الموت عزٍ لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان
لا والذي خلق الأكوان من عدمٍ الكل يفنى فلا إنس ولا جان
أنا الملك ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٧] ثم يُؤمر إسرافيل بالنفخة الثالثة ألا وهي: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] قيامٌ انظر إلى هذا المشهد، فوالله أنه من أرهب مشاهد القيامة، يوم ترى الأرض كلها تتشقق هنا وهناك، ليخرج الناس جميعاً من لدن آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليخرج الناس من قبورهم حفاةً عراةً مرتاعين: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:١ - ٨].
أيها الحبيب: يخرج الناس جميعاً ممتدة رقابهم، شاخصة أبصارهم، يستجيبون لهذا الداعي الذي جاء ليقودهم إلى أرض المحشر، ليرى العبد نفسه واقفاً بشخصه ولحمه عارياً بين يدي ربه جل وعلا، ليعطى صحيفته، هذه الصحيفة التي لا تغادر بلية كتمتها، هذه الصحيفة التي لا تغادر مخبأة أسررتها، فكم من معصية قد كنت نسيتها ذكرك الله إياها، وكم من مصيبة قد كنت أخفيتها أظهرها الله لك وأبداها.
стр. 1048
تكليم الله للعبد وأخذ الكتاب باليمين أو بالشمال
انتبه أيها الحبيب! سينادى عليك في هذا المشهد الرهيب، في يوم الفضائح، ويوم القيامة والزلزلة والحسرة، في يوم الحاقة والقارعة: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠]
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير
وإذا البحار تفجرت نيرانها فرأيتها مثل الجحيم تفور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت وتقول للأملاك: أين نسير
وإذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور
وإذا الجليل طوى السما بيمينه طي السجل كتابه المنشور
وإذا الصحائف نشِّرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور
وإذا الجنين بأمه متعلقٌ يخشى القصاص وقلبه مذعور
هذا بلا ذنبٍ يخاف جنايةً كيف المصر على الذنوب دهور
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفير
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتىً على طول البلاء صبور
ينادى عليك باسمك لترى نفسك بين يدي الله بدون متكلمٍ أو ترجمان، كما في حديث عدي بن حاتم وهو مخرج في الصحيحين: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة).
إن كنت من المؤمنين الموحدين قربك الله جل وعلا منه، كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه ﷺ قال: (يُدنى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع رب العزة عليه كنفه) والكنف لغة لا تأويلاً للصفة: هو الستر والرحمة، فلا تؤولوا صفة ولا تعدوها: (حتى يضع رب العزة عليه كنفه، ويقرره بذنوبه) هذا العبد المؤمن، يقرره الله بذنوبه ويقول له: (أنت عملت كذا يوم كذا، وعملت كذا يوم كذا، فيقول المؤمن: ربِ أعرف! ربِ أعرف! فيقول الله جل وعلا: ولكني سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم) اللهم اجعلنا من هؤلاء.
ويعطيك الله كتابك بيمينك، وتنطلق ينير وجهك، ويشرق النور من على يمينك، ومن بين يديك: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم:٨].
أهل الأنوار إذا أعطاه الله الكتاب بيمينه انطلق في أرض المحشر وقد أشرقت أعضاؤه وأنار وجهه، ينطلق إلى أحبابه وإخوانه وإلى من هم على شاكلته ليبشرهم، فلقد سعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً، وفاز فوزاً لن يخيب بعده أبداً، ينطلق في أرض المحشر وكتابه بيمينه، ويقول لأحبابه ولإخوانه ولخلانه: هيا اقرءوا معي كتابي، انظروا هذا توحيدي وصلاتي وزكاتي وحجي ودعوتي وصبري على الابتلاء واحتسابي، وهذا ديني: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤].
وإن كانت الأخرى -والعياذ بالله- أعطاه الله كتابه بشماله أو من وراء ظهره، واسود وجهه، وكسي من سرابيل القطران، وقيل له: انطلق إلى أمك الهاوية، فينطلق في أرض المحشر وكتابه بشماله، وقد اسود وجهه، ويقول كما قال الله حكاية عن هذا الصنف الخبيث: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٧] نسأل الله أن يسترنا وإياكم يوم العرض، وتحت الأرض، وفوق الأرض، إنه ولي ذلك ومولاه.
стр. 1049
حقارة الدنيا
أيها الحبيب الكريم: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠] (يُؤتى بأنعم رجلٍ في الدنيا، ويغمسه الله غمسة واحدة في جهنم، ويقول له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا وعزتك ما رأيت نعيماً قط، ويؤتى بأتعس رجل من أهل الدنيا -ولكنه يوم القيامة من أهل الجنة- فيغمسه الله غمسة واحدة في جنات النعيم ويقول له: هل رأيت بؤساً قط؟) تذكر الآلام والمحن والفتن والاتهامات والابتلاءات والأذى: (هل رأيت بؤساً قط؟! فيقول: لا وعزتك ما رأيت بؤساً قط) أنساه نعيم الجنة كل بؤسٍ وشقاء، كما أن الأول أنساه جحيم جهنم كل نعيمٍ في الدنيا.
أيها الحبيب: إن الدنيا قصيرة، مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لا بد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لا بد من دخول القبر، وأريد أن أبشركم أيها الشباب! أيها الأطهار! أيها الأخيار! يا من عضضتم بالنواجذ على دينكم، في وقتٍ تكال لكم فيه الضربات كيلاً، وتصب على رءوسكم المحن صباً! اعلموا أن سلعة الله غالية: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
стр. 1050
هل من مشمر للجنة ؟
أيها الشاب الحبيب: يا من ابتليت في عرضك! يا من ابتليت في رزقك! يا من ابتليت في عملك! يا من ابتليت في دينك! اصبر فورب الكعبة ما هي إلا أيام وستجد نفسك بين يدي الله جل وعلا، فإن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، وإن دنياكم دار ممر، وإن أخراكم هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم.
أيها الحبيب: اصبر فإن سلعة الله هي الجنة، وما أدراكم ما الجنة؟ في الجنة: (ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ورد في سنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان، وفي إسناد الحديث سليمان بن موسى مختلفٌ فيه، وبقية رجال الإسناد ثقات من حديث أسامة بن زيد ﵁، أنه ﷺ وصف الجنة يوماً لأصحابه، فقال الحبيب ﷺ : (هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصرٌ مشيد، ونهرٌ مضطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجةٌ حسناء جميلة، ثم قال الحبيب: ألا من مشمرٍ للجنة؟ فقال الصحابة: نحن المشمرون لها يا رسول الله! فقال لهم: قولوا: إن شاء الله أسأل الله أن يمتعني وإياكم بالنظر إلى وجهه الكريم.
أيها الحبيب الكريم
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشرٍ خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
وكم من مدائن في الآفاق قد بنيت أمست خراباً وأفنى الموت أهليها
أين الملوك التي كانت مسلطنةً حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
إن المكارم أخلاقٌ مطهرةٌ الدين أولها والعقل ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها والجود خامسها والفضل باقيها
لا تركنن إلى الدنيا وزخرفها فالموت لا شك يفنينا ويفنيها
واعمل لدار غدٍ رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهبٌ والمسك طينتها والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها
أنهارها لبنٌ مصفى ومن عسلٍ والخمر يجري رحيقاً في مجاريها
والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله جهراً في مغانيها
من يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها
أيها الحبيب الكريم: اعلم بأن نعيم الجنة الحقيقي ليس في لبنها، ولا في خمرها، ولا في حورها، ولا في قصورها، ولا في ذهبها، ولكن نعيم الجنة الحقيقي في التمتع بالنظر إلى وجه ربها: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تعالى: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير بين يديك، فيقول ربنا جل وعلا: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى -وفي لفظ مسلم: ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ ألم تبيض وجوهنا- فيقول الله جل وعلا: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟! فيقول أهل الجنة: وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟! فيقول الله جل وعلا: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً -وفي لفظ مسلم: فيكشف الله الحجاب بينه وبينهم فما أُعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه الله جل وعلا، ثم تلا النبي قول الله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) والحسنى: هي دخول الجنة، والزيادة: هي التمتع بالنظر إلى وجه الله جل وعلا في الجنة.
أيها الحبيب: هل ستموت؟ إنك تعلم يقيناً بأنك ميت، وتعلم أن الموت نهاية كل حيٍ وإن تعددت الأسباب، فلم الجبن والكسل والخوف والتواني عن دعوة الحق؟
تعددت الأسباب والموت واحدُ
لماذا يتحرك كل أهل الباطل غضباً لباطلهم، ولا يتحرك أهل الحق لحقهم؟ ماذا تنتظر؟ ومن تنتظر؟ هل تنتظر الأوباش الأنجاس يتحركون لدعوة الله جل وعلا؟!!
стр. 1051
الدعوة إلى الله مسئولية الجميع
أيها الشباب: إنني أحملكم المسئولية جميعاً أمام الله، ليست الدعوة مسئولية الدعاة فحسب، ولكن كل مسلمٍ ومسلمة مسئولٌ مسئولية كاملة عن دين الله، فهيا -أيها الشباب- تحركوا من الآن، أيها الشاب صحح دينك، صحح اعتقادك، افهم إسلامك فهماً كاملاً شاملاً، وحول الإسلام في حياتك إلى واقع، وإلى منهج حياة، ثم انطلق على بركة الله، بقدر ما منَّ الله به عليك من علم وصدقٍ وإخلاص، لدعوة الناس إلى دين الحق بالحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، فإن الله جل وعلا يقول لحبيبه المصطفى ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أيها الحبيب: كن من حواري وأنصار رسول الله، ففي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود أنه ﷺ قال: (ما من نبيٍ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا وكان له في أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف -أسأل الله ألا نكون منهم- يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يُؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
أيها الحبيب الكريم: خذ أمر رسول الله ﷺ : (بلغوا عني ولو آية) والحديث رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر.
يا طالب العلم: فرق بين طلب العلم وبين الدعوة إلى الله، فإن طلب العلم لا ينتهي البتة، كما قال أحمد بن حنبل: مع المحبرة إلى المقبرة.
لكن الدعوة إلى الله واجب كل مسلمٍ ومسلمة، فلتتحرك أيها الحبيب للدعوة إلى الله، ولدين الله، بكلمتك الطيبة، وبدعوتك الصادقة، وبسلوكك وأخلاقك لنظهر للدنيا كلها حقيقة إسلامنا، فإننا الآن نعيش زماناً أصبح يُحكمُ فيه على الإسلامِ من خلال مكانة المسلمين المنحطة.
فنسأل الله جل وعلا أن يشرفنا وإياكم بأن نكون من حواري وأنصار رسول الله، وأن نتحرك للدعوة إلى الله، ولدين الله، ونحن على يقين جازم أن الأجل لا يقربه جبن جبانٍ ولا حرص حريص، وأن الرزق بيد الله جل وعلا، وبأن الأمر كله لله، فكن على يقينٍ بالله وثقةٍ بالله، واعلم بأن الملك كله لله، والأمر كله لله، وأسكن في قلبك الطمأنينة التي لا يجب على الإطلاق أن تشيبها شائبة شكٍ، أو أن تعصف بها رياح قنوط وأن الإسلام قادمٌ، وأن المستقبل لهذا الدين رغم كيد الكائدين.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1052
أبناؤنا بين البر والعقوق
لقد كثر عقوق الوالدين في زمننا، وأسباب ذلك كثيرة، منها: إهمال الوالدين تربية أبنائهما التربية الصحيحة.
ومنها: عدم اختيار الأم الصالحة عند الزواج.
ومنها: دور الإعلام في فساد الأخلاق.
ومنها: تقصير المدرسة في تعليم الأبناء الفضائل ومحاسن الصفات، بالإضافة إلى دور الشارع في فساد الأخلاق الحسنة.
فعلى الأبناء أن يعوا خطورة العقوق في الدنيا والآخرة، وكذلك على الآباء والإعلام والمدرسة أن يقوموا بدورهم في تربية الأبناء.
стр. 1053
حقاً إنها مأساة
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته، أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! أبناؤنا بين البر والعقوق، هذا هو عنوان لقائنا هذا، وسوف أركز الحديث تحت هذا العنوان المهم في العناصر الآتية: أولاً: حقاً إنها مأساة.
ثانياً: خطر العقوق.
ثالثاً: فضل البر.
رابعاً: حقوق تقابلها واجبات.
وأخيراً: إنها مسئولية المجتمع.
فأعيروني القلوب والأسماع، والله أسأل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن نكون من الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب.
أحبتي في الله! لا شك أن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى حب ورعاية الأولاد، بل وإلى التضحية للأولاد بكل شيء، حتى بالذات، فكما تمتص النبتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، وكما يمتص الفرخ كل غذاء فى البيضة فإذا هي قشرة هشة؛ فكذلك يمتص الأولاد كل رحيق وعافية واهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية، ومع كل ذلك فهما سعيدان، ولكن من الأولاد من ينسى هذا الحب والعطاء والحنان، ويندفع في جحود وعصيان ونكران؛ ليسيء إلى الوالدين بلا أدنى شفقة أو رحمة أو إحسان، وتتوارى كل كلمات اللغة على خجل واستحياء، بل وبكاء، حينما تكتمل فصول المأساة، ويبلغ العقوق الأسود منتهاه، حينما يقتل الولد أمه أو أباه! فعلى مقربة منا في إحدى القرى المجاورة حدثت جريمة مروعة؛ هي التي دفعتني للحديث عن هذا الموضوع: في أسرة فقيرة تتكون من عشرة أبناء، يقضى الوالد المسكين ليله ونهاره ليوفر لأبنائه العيشة الطيبة الكريمة، وبالفعل وفق الله الوالد في ذلك توفيقاً عظيماً، فقد استطاع أن يلحق أولاده جميعاً بالكليات والجامعات، ومن بين هؤلاء الأبناء ابن عاق؛ فبدلاً من أن يساعد أباه في نفقات هذه الأسرة الكبيرة ذهب يثقل ظهر والده بالنفقات؛ ليضيعها على (البانجو) والمخدرات والفتيات، فقال له والده المسكين: أي بني! أنا لا أقدر على نفقاتك ومصروفاتك، دعني لأواصل المسيرة مع إخوانك وأخواتك، وأنت قد وصلت إلى كلية العلوم فاشتغل أنت، وشق طريقك في الحياة، ولكن هذا الولد الذي تمرد على التقاليد والقيم وعلى سلطان البيت، بل وعلى سلطان الأسرة، بل وعلى سلطان الدين؛ قام هذا الولد العاق ليفكر بتفكير شيطاني خبيث؛ إنه يفكر كيف يقتل أباه، ولكن كيف قتل الولد أباه؟! إنه طالب في كلية العلوم، فقام يستغل دراسته وعلومه استغلالاً شيطانياً خبيثاً، حيث أعد مادة كيمائية بطريقة علمية معينة، وأخذ منها كمية كبيرة، وعاد إلى البيت، وانتظر حتى نام أبوه، فسكب المادة الكيميائية على أبيه وهو نائم، فأذابت المادة لحم جسده حتى بدت العظام! الله أكبر!! لا إله إلا الله!! لا إله إلا الله!! والله! إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع وإن الكلمات لتتوارى على خجل وحياء وبكاء أمام هذه المأساة المروعة بكل المقاييس.
قد يأتي الآن والد كريم من آبائنا أو أخ عزيز يجلس معنا ويقول: إنه الفقر، قاتل الله الفقر!! والجواب مع تقديري لكل آبائي وأحبابي: لا، لم يكن الفقر سبباً ليقتل الولد أباه، وإذا أردت الدليل فخذ الحادثة الثانية المروعة التى طالعتنا بها جريدة الأهرام: كان في محافظة الإسماعيلية أسرة غنية ثرية؛ وصل الوالدان فيها إلى مكانة اجتماعية مرموقة، فالأم في هذه الأسرة دكتورة مهندسة، وليس بعد ذلك درجة، جلست هذه الأم المثقفة لتناقش ابنها الذي أنهى دراسته الجامعية في أمر خطيبته التي أراد أن يتزوج بها، وأبت الأم على ولدها أن يرتبط بهذه الفتاة، فاحتج الولد على أمه وقال: كيف ذلك وهذا اختياري، وهذه رغبتي، وهذه حريتي؟! وما كان من هذا المجرم العاق إلا أن أسرع إلى المطبخ ليرجع بسكين كبيرة، ثم ينقض بالسكين على أمه بطعنات قاتلة حتى فارقت الحياة، ما هذا؟! ما هذا؟! والله! إن الحلق ليجف، وإن القلب لينخلع، وإن الكلمات لتتوارى على خجل واستحياء، بل وبكاء أمام هذه الصور البشعة من صور العقوق للآباء والأمهات، وقد حذر الله جل وعلا من العقوق في أدنى صوره، وأقل أشكاله وألوانه، فقال جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] رب ارحمهما كما ربيانا صغاراً؛ برحمتك يا أرحم الراحمين!
стр. 1054
خطر العقوق
أيها المسلمون! أيها الأبناء! يا أبناء الجامعات! أيها الأحباب الأعزاء! اعلموا بأن العقوق كبيرةٌ تلي كبيرة الشرك بالله.
العقوق من أكبر الكبائر، ففي الصحيحين من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: (ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان المصطفى متكئاً فجلس ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فمازال النبي يكررها حتى قلنا: ليته سكت) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (من الكبائر شتم الرجل والديه -لا أن يقتل الرجل والديه- فقال الصحابة: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟! -الصحابة في مجتمع الطهر استغربوا أن يشتم الرجل والديه- فقال المصطفى ﷺ : نعم، يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه) إن شتمت أبا رجل شتم أباك، فتكون قد شتمت أنت أباك، وإن شتمت أمه شتم الرجل أمك، فتكون قد شتمت أمك؛ فالعقوق من أكبر الكبائر والعياذ بالله! أيها الأبناء! العقوق سبب للحرمان من الجنة وسبب للطرد من رحمة الله الذي وسعت رحمته كل شيء، ففي الحديث الذي رواه النسائي والبزار بسند جيد، وحسنه الألباني، ورواه الحاكم في المستدرك، وصححه على شرط الشيخين البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة) وتدبروا -أيها الأبناء! وتدبروا أيها الآباء! - هذا الحديث العظيم؛ فإن هؤلاء قد خابوا والله! وخسروا؛ لأنهم طردوا من رحمة الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة والديوث) والمرأة المترجلة أي: المرأة المتشبهة بالرجال، وكم من امرأة تنتسب إلى الإسلام تتشبه في زيها، وفي مشيتها، وفي كلامها، وفي طريقة معاملتها بالرجال! بل وهي تشعر بلذة حين تتشبه بالرجال، والديوث هو: الذي يقر الزنا والفسق في أهله والعياذ بالله! وقال ﷺ : (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان).
أيها الأبناء! أخاطبكم بكل قلبي وكياني، أيها الأبناء! يا من منَّ الله عليكم الآن بنعمة الأمهات والآباء! وأنتم لا تدركون قدر هذه النعمة، ولن تشعروا بها إلا إذا فقدتم الوالدين، أسأل الله أن يبارك في أعمار آبائنا وفي أعمار أمهاتنا، وأن يختم لنا ولهم بصالح العمل؛ إنه على كل شيء قدير.
أيها الأبناء! عقوق الوالدين لا ينفع معه أي عمل، فإن صليت أو اجتهدت وأنت عاق لوالديك فلن ينفع مع العقوق عمل، ففي الحديث الذي رواه الإمام الطبراني وابن أبي عاصم في كتاب السنة -وحَسَّنَ الحديث الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة- من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً -أي: لا فرضاً ولا نفلاً ولا عملاً-: العاق لوالديه، والمنان، والمكذب بالقدر).
أيها الأحباء! أيها الأعزاء! أختم بهذه الكلمات؛ لأعرج على بقية عناصر الموضوع، فأقول: إن العقوق دين لابد من قضائه في الدنيا قبل الآخرة، فكما تدين تدان، فإن بذلت البر لوالديك سَخَّرَ الله أبناءك لبرك، وإن عققت والديك سَلَّط الله أبناءك لعقوقك، وستجني ثمرة العقوق في الدنيا قبل الآخرة، ففي الحديث الذي رواه الطبراني والبخاري في التاريخ وصححه الألباني من حديث أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اثنان يعجلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين).
أي: الظلم، فمهما كنت قادراً قوياً واستخدمت وجاهتك أو منصبك أو مالك في ظلم العباد؛ فاعلم بأن الله سيسلط عليك من يظلمك.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم عقوق الوالدين يعجل الله لك بسببه عقوق أبنائك في الدنيا، وتدبر معي والدي الكريم وأخي الحبيب: هذا ابن عاق يعيش معه والده في بيته، فكبر الوالد، وانحنى ظهره، وسال لعابه، واختلت أعصابه؛ فاشمأزت زوجة الابن من والد زوجها -وكم من أبناء يرضون الزوجات على حساب طاعة الآباء والأمهات، فاتق الله! وإياك أن تقدم امرأتك على أمك أو أبيك، فالمرأة لها حقوق، والأم لها حقوق، والأب له حقوق، فإياك وأن تقدم حق الزوجة على حق أبيك أو على حق أمك، فالحق الأول للأمهات، والحق الثاني للآباء، فلما اشمأزت هذه الزوجة من والد زوجها بدأت تعلم الأبناء هذا الشعور من جدهم، فأراد الولد أن يطرد أباه من البيت، فَرَقَّ طفلٌ صغير في البيت لجده، فقال لأبيه: لماذا تطرد جدنا من بيتنا يا أبت؟! فقال: حتى لا تتأففون منه، فبكى الطفل لجده، وقال: حسناً يا أبت! سوف نصنع بك ذلك غداً إن شاء الله!! إنه دَين والله! لابد من قضائه.
وهذا ابن آخر يقوم ويصفع والده على وجهه، فيبكي الوالد ويرتفع بكاؤه، فيتألم الناس لبكاء هذا الشيخ الكبير، وينقض مجموعة من الناس على هذا الابن العاق ليضربوه، فيشير إليهم الوالد ويقول لهم: دعوه، ثم بكى وقال: والله! إني منذ عشرين سنة وفي نفس هذا المكان صفعت أبي على وجهه!! فالعقوق دَين لابد من قضائه.
وهذا ابن ثالث يجر أباه من رجليه ليطرده خارج بيته، وما أن وصل الولد بأبيه حتى الباب، وإذا بالوالد يبكي ويقول لولده: كفى يا بني! كفى يا بني! إلى الباب فقط، إلى الباب فقط، فقال: لا، بل إلى الشارع، قال: والله! ما جررت أبي من رجليه إلا إلى الباب فقط!! فكما تدين تدان.
أيها الأخ الحبيب! اذهب اليوم إلى أبيك فقبل رجله، وارجع اليوم إلى أمك فقبل رجليها؛ فثمَّ الجنة.
العقوق خطره عظيم، وما أشقاها والله! من حياة! إنها حياة العقوق، وما أطيبها وأروحها وأسعدها وألذها من حياة! ألا وهى حياة البر، وهذا عنصرنا الثالث.
стр. 1055
فضل البر
أيها الحبيب الكريم! يكفي أن تعلم أن الله جل وعلا قد قرن بر الوالدين والإحسان إلى الوالدين بتوحيده، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة:٨٣].
قال ابن عباس: (ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لا يقبل الله واحدة بدون قرينتها: أما الأولى: فهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد:٣٣] فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.
وأما الثانية: فهي قول الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فمن أقام الصلاة وضيع الزكاة فلن يقبل منه.
وأما الثالثة: فهي قول الله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه).
قوله: (أن اشكر لي ولوالديك) ما أروحها والله! من حياة! إنها حياة البر، فإذا كنت باراً ستشعر بلذة، وبانشراح صدر، وستشعر بسعادة في كل الخطى، وسيوسع الله عليك رزقك، بل سيبارك الله لك في عمرك، كل هذا في بر الوالدين.
следующие страницы →