← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الوقت يمر مر السحاب يزداد الأمر خطراً إذا علمنا أن من أهم خصائص الوقت: أنه يمر مر السحاب، ويجري جري الرياح، فدنياك مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر، فالأيام تمر ونحن في غفلة، الأيام تمر والأشهر تجري وراءها، وتسحب معها السنين، وتجر خلفها الأعمار، وتطوى حياة جيلٍ بعد جيل. وبين يدي الملك الجليل سيعلم الذين خسروا أنفسهم وضيعوا أوقاتهم وأعمارهم أنهم ما لبثوا في هذه الدنيا إلا ساعة إلا يوماً أو بعض يوم، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٨] ومن أهم خصائص الوقت: أنه ما مضى منه لا يعود أبداً ولا يعوض. أتحداك أن تسترد اليوم الذي فات، لقد انتهى اليوم. كان الحسن البصري ﵀ يقول: ما من يوم ينشق فجره إلا وهو ينادي بلسان الحال: يابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد؛ فاغتنمي فإني لا أعود إلى يوم القيامة. ومع أن الوقت أيها الأخيار هو أغلى وأثمن ما يملكه الإنسان، فإننا نرى كثيراً من إخواننا يقتلون الوقت قتلاً، ويضيعون العمر تضييعاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل ولا يقفون على خطر العوائق التي تحول بينهم وبين الاستفادة من أوقاتهم وأعمارهم.

стр. 1122

معوقات الاستفادة من الوقت تعرف على عوائق الاستفادة من الوقت؛ لتحذرها أيها الكريم!

стр. 1123

اتباع الهوى العائق الأول: اتباع الهوى، والهوى مَلِكٌ ظلوم غشوم جهول، يهوي بصاحبه إلى الشر في الدنيا، والهلاك في الآخرة. يقول ابن عباس: ما ذكر الله الهوى في موضع من كتابه إلا وذمه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] ولقد حذر الله نبياً كريماً من أنبيائه من الهوى فقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦] وخاطب الله نبيه المصطفى بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨] فالهوى يهوي بصاحبه إلى الشر في الدنيا والآخرة، وفي الحديث الذي رواه البزار والبيهقي والحاكم -والحديث حسن بمجموع طرقه- من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: (ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، أما الثلاث المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه). هذه إن اجتمعت على عبد أهلكته (شح مطاع) أي: رجل شحيح بخيل يدعى إلى الإنفاق في سبيل الله فيحول الهوى والشح بينه وبين ذلك. قال: (وأما الثلاث المنجيات: فخشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا). هذه هي طريق الهلاك، وهذه هي طريق النجاة، يلخصها لنا من آتاه الله جوامع الكلم في ست كلمات فقط: (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات). فلو انقاد الإنسان لهواه لزين له جلسة الفارغين وجلسة البطالين، وزين له تحلل المتحللين من أوامر رب العالمين. ترى المسلم يقضي الساعات الطويلة في الليل على المقهى، أو يقضي جل الليل أمام المسلسلات والأفلام، وإن سألت واحداً من هؤلاء: ما الذي أجلسك هذه الجلسة الطويلة على المقهى أو أمام التلفاز؟ يقول لك: أضيع الوقت أقتل الوقت إنا لله وإنا إليه راجعون!! وهو لا يدري أنه يقتل نفسه، وأنه ينتحر انتحاراً بطيئاً؛ لأن الإنسان مجموعة أيام، فإن انقضى يوم من أيامه استقبل به الآخرة، واستدبر به الدنيا. كان لقمان يقول لولده: (أي بني! إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة، فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها!) فيا أيها المسلم! إن وقتك هو الحياة إن وقتك هو العمر فلا تضيع ساعة من عمرك إلا وأنت في خير للدنيا أو في خير للآخرة، وإلا فورب الكعبة سنندم على كل ساعة مضت من أعمارنا قضيناها في معصية ربنا ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالهوى مَلِكٌ ظلوم غشوم، سيزين لك الفراغ سيزين لك المعصية سيزين لك الباطل سيزين لك الفراغ القاتل، ولا يصل العبد إلى حقيقة الإيمان إلا إذا وافق هواه ما جاء من عند الله وما جاء به رسول الله، قال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. فالهوى من أخطر العوائق التي تصرف العبد عن استثمار وقته فيما يُرضي الله جل وعلا.

стр. 1124

طول الأمل العائق الثاني: طول الأمل، جميل أن تحمل أملاً في قلبك لتعمر الكون، فالإنسان مفطور على حب الحياة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل بالقرآن والسنة. جميل أن أعيش في الدنيا وأنا أحمل الأمل في قلبي أن أُعَمِّر بيتاً لأولادي، وأن أصل إلى أعلى المناصب، وأرقى الدرجات، وأن أحصل على الملايين المملينة من الأموال من الحلال الطيب. هذا شيء جميل، لكن الخطر أن يحول طول الأمل بينك وبين طاعة الله جل وعلا!! فطول الأمل -مع قتل الوقت وتضييع العمل- مصيبة كبيرة، ومرض عضال، إن أصاب الانسان شغله عن طاعة الكبير المتعال، وفتنه بالدنيا وأنساه الآخرة، فتراه لطول أمله في غفلة يقضي الليل والنهار في أمور الدنيا، إن ذكَّرته بالله ما تذكَّر، إن تلوت عليه القرآن ما تأثر، إن ذكرته بحديث النبي ما تحرك قلبه، إنه في غفلة، ومع ذلك يمنيه طول الأمل بـ (سوف)! واحسرتاه من (سوف)! سوف أصلي غداً، سوف أقيم الليل غداً، سوف أتصدق غداً، سوف أتفرغ للعبادة إذا خرجت على المعاش، سوف أرتدي الحجاب أيها الشيخ إذا تزوجت! سوف وسوف وسوف سوف أحج في العام المقبل. ويرى الإنسان نفسه في لحظة بين عسكر الموتى بين يدي الله جل وعلا، يتمنى الرجعة، فيقال له: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] لا وزن لها، ولا يجيبه الله جل وعلا. جميل أن تحمل الأمل في قلبك، لكن احذر أن يحول طول الأمل بينك وبين طاعة الله سبحانه، وأن يمنيك بكلمة: سوف تفعل، وسوف تفعل، وسوف تفعل! ولقد حذر النبي ﷺ من طول الأمل فقال كما في صحيح البخاري لـ ابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). الغريب في بلد يفكر في العودة إلى موطنه، وعابر السبيل في بلد يفكر في العودة إلى بلده، فكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء). هذا هو الفهم الحقيقي للأمل، فلا تكن أيها المسلم! مثل من قال الله تعالى فيهم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]. قال القرطبي: أي: يشغلهم الأمل عن طاعة الله جل وعلا. أخي الحبيب! أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا نسيت لقاء الله واللحد والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا لو أن المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً). وهذا ليس من كلام النبي، وإنما هي حكمة لأحد السلف، والراجح أنها من قول علي بن أبي طالب ﵁. اخرج لعملك وأنت مستعد للقاء الله، بل وأنت في شوق في كل يوم للقاء الله جل وعلا، ففي الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة: فكلنا يكره الموت. قال: ليس ذلك يا عائشة، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بسخط الله وعذابه كره لقاء الله وكره الله لقاءه)، يمنيك بطول الأمل، ويقول لك: لا تعمل الآن كذا، فرِّغ نفسك الآن للمعصية أو للهو أو لمتع الدنيا أو للشهوات أو للملذات، يقول الرجل لنفسه: أنا لا زلت شاباً، ولا زالت بين يدي حياة أستمتع بها وأتلذذ بها! أذهب إلى هنا، وأنطلق إلى هنالك، وأعدك -يا شيخ- إذا بلغت سن المشيب لن أفارق بيت الله جل وعلا لحظة! قال لي إخواننا في أمريكا: إن رجلاً من الله عليه بالأموال، وهو جار للمسجد، وما دخل المسجد مرة، ذكَّروه بالله فما تذكر، حذروه من النار فما خاف النار، ذكروه بكلام النبي المختار فما تحرك قلبه، وصدق فيه قول الله : ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، أسأل الله أن يحفظنا من الغفلة. فذهبت إلى هذا الرجل، فرأيته يبيع الخمر في محله، ويبيع لحم الخنزير، فقلت له: يا أخي! اتق الله! ألست مسلماً؟! المسجد إلى جوارك، وما خطوت إليه خطوة! تلوت عليه القرآن، وذكرت هذا المسكين بحديث النبي ﵊، فقال لي -ورب الكعبة-: يا شيخ! أعدك إن عدت إلى بلدي -بعد ما أحصل من المال ما أريد- أن أبني لله مسجداً، وأن أعتكف فيه، ولن أفارقه! قلت له: انتظر حتى أوقع هذا العقد بينك وبين ملك الموت! أعطني هذه الفرصة لأوقع لك هذا العقد بهذه الصورة بينك وبين ملك الموت!!! هل ضمنت يا مسكين أن تعود إلى بلدك؟!! هل ضمنت يا مسكين أن تصبح إلى اليوم التالي! فنظر إلي وقال -وهو الذي صار عبداً للدولار-: أشهد الله، ثم أشهدك أنني إذا أصبت بحالة إعياء وحالة صداع فإني أضع ورقة الدولار من فئة المائة على رأسي فيطير الصداع والألم في الحال! قلت: أنت عبد للدولار، وأنت عبد للدرهم والدينار كما قال النبي المختار: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار) أنت تعيش من أجل المال، وتعيش من أجل الدنيا، والمال ظل زائل، وعارية مسترجعة، والدنيا إلى زوال وإلى فناء، ولو دامت لأحد لدامت لسيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله ومن والاه القائل: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء)، فلا يغرنك طول الأمل. ورحم الله الحسن إذ يقول: (ما أطال عبد الأمل إلا وقد أساء العمل).

стр. 1125

الفراغ العائق الثالث: الفراغ. آهٍ من الفراغ على شبابنا وأخواتنا!! آهٍ من الفراغ وخطره!! الفراغ يعد نعمة من أجل النعم ونحن لا ندري!!

стр. 1126

نعمة الصحة ونعمة الفراغ روى البخاري من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). الصحة نعمة ونحن لا نشعر بقدر هذه النعمة، بل يظن كثير منا أن النعمة فقط هي الأموال، فإن منَّ الله علينا بالأموال فهذه هي النعمة، وإن حجب الله عنا المال، ومنَّ علينا بنعمة الإيمان ونعمة الإسلام، فهذه نعمة، فمن أجل النعم نعمة الإيمان والتوحيد لله جل وعلا. قال الشاعر: النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها وقال آخر: هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطيب والكفن ما أخذ دولاراً ولا ديناراً ولا سيارة ولا عمارة، ما أخذ شيئاً إلا العمل الذي سينفعه بين يدي الله جل وعلا، فالفراغ مقتلة وهو في الوقت نفسه نعمة إن استخدمت هذه النعمة في طاعة الله، والصحة نعمة وهي في الوقت نفسه مقتلة إن استخدمها الإنسان في معصية الله وتجبر بها على خلق الله، وطغى بها على عباد الله، (الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) قال الحافظ ابن حجر: فمن استغل صحته وفراغه في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استغل صحته وفراغه في معصية الله فهو المغبون.

стр. 1127

أنواع الفراغ الفراغ أنواع: الفراغ القلبي، والفراغ النفسي، والفراغ العقلي. هذه هي أنواع الفراغ. الفراغ القلبي: وهو أخطر أنواع الفراغ على الإطلاق، أن يفرغ القلب من الإيمان، أن يفرغ القلب من اليقين، أن يفرغ القلب من الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالمصطفى نبياً ورسولاً. إن فرغ القلب من الإيمان فصاحب هذا القلب ميت وإن تحرك بين الأحياء، فالقلب وعاء الإيمان كما قال المصطفى في حديث النعمان الذي رواه الشيخان وفيه: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). القلب هو الملك، والأعضاء جنوده ورعاياه: فإن طاب الملك طابت الجنود والرعايا، وإن خبث الملك خبثت الجنود والرعايا. فإن عمر القلب بالإيمان ما شعر الإنسان أبداً بالفراغ؛ لأنه في كل لحظة سيتلذذ بالأنس بالله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مساكين والله أهل الدنيا؛ خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا أطعم وأحلى ما فيها. قيل: وما أطعم ما فيها؟! قال: ذكر الله، والأنس بلقائه. الأنس في طاعة الله، والأنس في ذكر الله جل وعلا، فإذا عمر القلب بالإيمان شعر الإنسان بلذة الحياة، وبطعم الطاعة والعبادة لله جل في علاه، روى أبو نعيم والديلمي وصححه الألباني من حديث علي أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، فبينا القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم، فإذا تجلت عنه أضاء)، فكذلك نور الإيمان في القلب، إن حجب نور الإيمان بسحائب الظلم والذنوب والمعاصي؛ فتر الإنسان عن طاعة الله، بل وربما انجرف وانحرف؛ لأن القلب سيفرغ من حقيقة الإيمان، وفراغ القلب من الإيمان هلاك للعبد في الدنيا، وخسران له في الآخرة؛ لأن أصل النجاة هو الإيمان، ولأن مدار الفلاح على الإيمان بالله ﵎. فالفراغ القلبي من الإيمان سيعرض القلب لكل أنواع الفتن، روى مسلم من حديث حذيفة أن المصطفى قال: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مُربادّاً كالكوز مُجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض) فالقلب وعاء الإيمان ومحط الفتن، فإذا فرغ القلب من الإيمان تعرض الإنسان لكل فتنة، وتشربها قلبه.

стр. 1128

علاج الفراغ القلبي علاج الفراغ القلبي ودواء الفراغ القلبي بزيادة الإيمان؛ إذ إن الإيمان يزيد وينقص، كيف يزداد الإيمان في قلبي؟ يزداد الإيمان بالطاعات، وينقص الإيمان بالمعاصي والزلات، ونقب عن قلبك أيها الحبيب! وأنت الآن في مجلس علم كهذا، ثم نقب عن قلبك وأنت أمام التلفاز أو في مجلس غيبة أو نميمة، فتقف على حجم الفارق بين حال قلبك في الطاعة، وبين حال قلبك في المعصية. يقول عبد الله بن مسعود: (تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر والعلم، وفي وقت الخلوة بينك وبين ربك). ابحث عن قلبك في هذه المواطن: عند سماع القرآن إن وجل القلب، في مجالس العلم إن وجل القلب، في وقت الخلوة إن وجل القلب، فاحمد الله أنك تحمل قلباً، وسل الله أن يملأه إيماناً ورضى وتقىً، فإن لم تجد قلبك في هذه المواطن، فابحث عن قلب؛ فإنه لا قلب لك!! يقول ابن مسعود: إن لم تجد قلبك في هذه المواطن فابحث عن قلبك فإنه لا قلب لك، فإن القلب يمرض والإنسان لا يدري، وإن القلب يموت والإنسان لا يدري، إذا تعب القلب بمرض من الأمراض العضوية أسرعنا إلى الأطباء، هذه فطرة، لكن القلب قد يمرض بالشهوات وقد يموت بالمعاصي والملذات وصاحبه لا يدري على الإطلاق!!! يقول المصطفى كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت) فالذاكر لله حي وإن حبست منه الأعضاء، والغافل عن ذكر الله ميت وإن تحرك بين الأحياء!! وخذوا هذه الوصفة البليغة من سفيان الثوري لرجل مريض القلب مثلي، ذهب إليه رجل فقال: يا سفيان! لقد ابتليت بمرض قلبي فصف لي دواءً. فقال سفيان: عليك بعروق الإخلاص، وورق الصبر، وعصير التواضع، ضع هذا كله في إناء التقوى، وصب عليه ماء الخشية، وأوقد عليه نار الحزن على المعصية، وصفِّه بمصفاة المراقبة له، وتناوله بكف الصدق، واشربه من كأس الاستغفار، وتمضمض بالورع، وابعد عن الحرص والطمع، يشفى مرض قلبك بإذن الله. أسأل الله أن يعيننا على هذا الدواء الناجع النافع!! والفراغ الأخير هو الفراغ النفسي، فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، إن لم تفطمها بالطاعات قادتك إلى المعاصي والزلات، قال الله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣] فاللهم ارحمنا بفضلك. فيا أيها الأخ الحبيب! ويا أيها الوالد الكريم! الفراغ النفسي مقتلة شبابنا، فإذا فرغت نفوسهم قاموا إلى كل معصية، وانحرفوا في كل واد وفي كل طريق ضال، إذا لم يجد الشاب عملاً يقوم به، ورأى نفسه في فراغ، انشغل بالمعاصي انشغل بالفتن والشهوات انشغل بالأفلام والمباريات والمسلسلات انشغل بالمجلات الخليعة الجنسية الماجنة، وبقراءة القصص التي تحول الزهاد العباد إلى فساق فجَّار! إنه فراغ النفس، فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية. يظن الإنسان أنه يصعب عليه أن يطيع الله، والأمر سهل، فلو فطمت نفسك كفطمك للرضيع عن اللبن وعن ثدي أمه مرة بعد مرة لاعتادت الطاعة، ولشعرت براحة ولذة في أي طاعة لله، ولن تشعر بثقل على الإطلاق؛ لأن الله جل وعلا قد زكى النفس، ودلَّها على هذين الطريقين فقال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٩]. وقال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٤١]. فالناس صنفان: صنف قد انتصر على نفسه وقهرها، وألجمها بلجام الطاعة، وجعل النفس مطية إلى رضوان الله والجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم، وصنف قهرته نفسه، وانتصرت عليه نفسه، وغلبته وقادته إلى كل شر في الدنيا، وإلى الهلاك في الآخرة. أسأل الله أن يحفظنا وإياكم من نفوسنا الأمارة بالسوء، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ملء الفراغ النفسي يكون بالطاعة، فاشغل نفسك بطاعة الله وبعمل مفيد. والعقل نعمة، والفراغ العقلي حياة صاحبه دمار، وآخرته بوار، بدليل أن أهل النار وهم في النار بين يدي الواحد القهار يتصايحون بأنهم كانوا لا يحملون عقولاً يفكرون بها، سمعوا القرآن فما اتعظوا، سمعوا الحديث فما اعتبروا، ذكروا فما تذكروا، فكان المصير أن يتصايحوا في النار، وأن ينادوا على العزيز الغفار، ولكن هيهات!! قال الله جل وعلا عن هؤلاء الذين لا يحملون عقولاً يفكرون بها: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، لو كنا نحمل عقولاً سليمة نسمع بها الحق، ونذعن بها للحق، ونخضع بها لله ولرسوله ما كنا بين هؤلاء المجرمين من أصحاب النار. فيا أيها الوالد الكريم! ويا أيها الأخ الحبيب! لقد آتانا الله عقولاً، وهي من أعظم نعم الله علينا. وأنا أقول أيضاً: نحن لا نفكر في نعمة العقل، وقد ذكرتكم مراراً حينما ذهبنا مع إخواننا، لنزور إخواننا وأخواتنا في مستشفى الأمراض العقلية، ودخلنا عنبراً للنساء، ورأينا النساء بين أيدينا، وقد أعطاهن الله كمال الخلق، وفجأة اقتربت منا فتاة في الثانية والعشرين من عمرها؛ لتأخذ الغطاء الذي على الرأس، ولتمسك باللحية!! وفجأة رأينا هذه الفتاة ذهبت إلى جانب في العنبر، وتجردت من كل ثيابها كما ولدتها أمها! فخرجنا، وقلت لإخواني يومها: أشهد الله، ثم أشهدكم أنني ما عرفت قدر نعمة العقل إلا في هذه اللحظة، فلا تترك عقلك فارغاً للتفاهات للمسلسلات التافهة، وللأفلام القذرة، وللقصص الماجنة، بل املأ عقلك بالعلم النافع، بالقراءة الجيدة، بالأفكار الهادفة، واعلم بأنك تحمل قضية دين، وتحمل قضية أمة تُضرب الآن بالنعال على أم رأسها، فلا تشغل ولا تملأ فراغ عقلك -أيها الأخ الحبيب- بمثل هذه التفاهات، فوقتك أغلى من هذا، وعمرك أغلى من هذا الضياع الذي تضيعه أمام مسلسل أو فلم أو مباراة، أو على مقهى تقضي فيه الساعات الطوال.

стр. 1129

الفتن أيها الأحبة الكرام! من أخطر العوائق: الفتن، والفتن التي بين أيدينا كثيرة، وهي بالجملة تنقسم إلى نوعين: فتن الشهوات، وفتن الشبهات. ولا عون لك -لتستفيد من وقتك وسط هذه الفتن- إلا إذا استعنت بالله جل وعلا، وحرصت على مجالس الخير، وعلى مجالس العلم. أسأل الله أن يحفظني وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك ومولاه.

стр. 1130

العمر الحقيقي وكيفية إطالته ثالثاً: سؤال قد يستغربه الجميع: كيف يطول عمرك؟! الإنسان مفطور على حب الحياة، ويرجو أن لو طال عمره، بل ويتمنى الخلود إن استطاع، ولكن الموت يختطف الشاب في ريعان شبابه!! ويختطف الفتى المدلل الوحيد من بين أهله!! ويختطف العروس في ليلة عرسها!! ويختطف الحاكم القوي المرهوب من بين حرسه وجنوده!! فالأيام محسوبة، والآجال معدودة، وما دام الموت هو نهاية الحياة فإن العمر حينئذ قصير. الأيام تمر، والأشهر تجري، والسنين تولي، والعمر ينقضي!! فما دام الموت هو آخر المطاف فالعمر قصير، ولم يستطع العلم -بل ولن يستطيع- أن يرد الشيخوخة إلى شباب، أو أن يحول بين الإنسان وبين الموت، ومع ذلك قد يستطيع الإنسان أن يطيل عمره!! كيف؟! اعلم أيها الأخ الكريم! أن العمر الحقيقي للإنسان لا يقاس بسنواته التي قضاها من يوم ولادته إلى يوم وفاته، وإنما العمر الحقيقي للإنسان يقاس بقدر ما قدم الإنسان في سنوات عمره من عظائم الأعمال، وجلائل الأعمال الخيرات الصالحات الطيبات. إذاً: عمرك الحقيقي يقاس بعمل الخيرات وبالطاعات. فكم من عمر طالت آماده، وقلت خيراته وأمداده!! وكم من عمر قلَّت آماده، وكثرت خيراته وأمداده!! فالعمر الحقيقي يقاس بالأعمال يقاس بالطاعات، ولا يقاس بالسنوات، فكم من أناس قد مكثوا مائة سنة أو يزيد، ومع ذلك رصيدهم عند الله صفر أو دون الصفر بلغة المصارف والبنوك. بل عليه من الأوزار والذنوب ما تنوء بحملها الجبال، ومن الناس من يقضون سنوات قليلة: قد يموت الشاب في الثلاثين من عمره، أو في الأربعين من عمره، ورصيده عند الله جل وعلا مشرق منير، وعمره عند الله جل وعلا عظيم كبير؛ لأن الأعمار لا تقاس بالسنوات، وإنما تقاس بأعمال الخيرات والبر والطاعات.

стр. 1131

بركة أعمار الأنبياء انظر إلى نبي الله نوح قضى ألف سنة إلا خمسين عاماً في الدعوة إلى الله، وقدر الله جل وعلا ألا يؤمن معه إلا قليل! وانظر إلى عمر المصطفى محمد ﷺ كم عاش؟ وكم كان عدد سنوات دعوته؟ تزيد عن العشرين، فهي قليلة جداً، ومع ذلك استطاع المصطفى في هذا العمر القليل أن يقيم للإسلام دولة من فتات متناثر، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء! استطاع أن يرد الناس في صحراء تموج بالكفر موجاً إلى الله العلي الأعلى جل وعلا.

стр. 1132

بركة عمر أبي بكر الصديق صديق الأمة الأكبر مدة ولايته لا تزيد على سنتين ونصف، حَوَّلَ فيها المحن التي أصابت الأمة إلى منح! في سنتين ونصف قضى على فتنة الردة! في سنتين ونصف أنفذ بعث أسامة! في سنتين ونصف جمع القرآن الكريم، وَرَدَّ الأمة إلى منهج النبي الكريم!! فاستحق من النبي أن يبشره بأن أبواب الجنة كلها ستنادي عليه يوم القيامة؛ إذ إن كل باب من أبواب الجنة يريد أن يدخل منه أبو بكر ﵁، هل تصدق هذا؟! عبد من عباد الله تتمنى أبواب الجنة أن يمر منها، جاء في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (من أنفق زوجين في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير. فإن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، وإن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، وإن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. فقال أبو بكر: يا رسول الله! فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال المصطفى: نعم، وأنت منهم يا أبا بكر).

стр. 1133

بركة عمر أمير المؤمنين عمر فاروق الأمة عمر خلافته عشر سنوات وستة أشهر فقط، قدم فيها للدنيا كلها قدوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، في هذه الفترة القليلة التى لا تساوي أي شيء في حساب الزمن، يقدم عمر لدنيا الناس كافة قدوة لا تبلى بل ولن تبلى، إنها قدوة تتمثل في حاكم بركت الدنيا كلها على عتبة داره وهي مثقلة بالغنائم والأموال والكنوز والطيبات! فقام عمر يسرحها سراحاً جميلاً، قام لينثر على الناس خيراتها، وليدرأ عن الناس مضلاتها وفتنها، حتى إذا ما نفض يديه من علائق هذا المتاع الزائل، قام ليستأنف سيره ومسراه إلى مولاه، انظر إليه هنالك، ستراه يجري في وقت الظهيرة المحرقة وراء بعير من إبل الصدقة قد ند يخشى عليه الضياع، فيلتفت إليه عثمان من شُرفة بيته، يا ترى! من هذا الذي يجري في هذا الوقت الحار؟! إن الشمس تذيب الحجارة والحديد، بل وتكاد أشعتها التي انعكست على الرمال أن تخطف الأبصار، ولما دنا من هذا الذي يجري فإذا به عمر أمير المؤمنين! فقال عثمان: يا أمير المؤمنين! ما الذي أخرجك في هذه الساعة المحرقة؟! فيرد عمر: بعير من إبل الصدقة قد ند -يا عثمان - أخشى عليه الضياع!! وأخشى أن أسأل عنه بين يدي الله يوم القيامة!! فقال عثمان: تعال إلى الظل وإلى الماء البارد يا أمير المؤمنين! وكلف أحد عمالك بالبحث عن البعير، فالتفت إليه عمر وقال: عد إلى ظلك ومائك البارد يا عثمان، أأنت ستحمل عني وزري أمام الله يوم القيامة؟! إنه عمر الذي أرهب الملوك والحكام، وجاءت تحت قدميه مفاتيح أعظم الإمبراطوريات: إمبراطورية فارس، وإمبراطورية الروم، وانتشر الإسلام في عهد عمر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، بل ورفرفت راية الإسلام على روسيا في عشر سنوات وستة أشهر! إنها بركة الأعمار! إنها الأعمار الطويلة المزكاة المباركة من الله.

стр. 1134

بركة عمر معاذ بن جبل معاذ بن جبل شاب من شباب الأمة، شاب أسلم في الثامنة عشرة من عمره، وتوفي في الثالثة والثلاثين من عمره. لا أقول: في الثالثة والتسعين، ولا في الثالثة بعد المائة، بل في الثالثة والثلاثين من عمره!! في هذه السنوات القليلة، في عشر سنوات أو تزيد قليلاً استطاع معاذ أن يسطر على جبين الزمان، وعلى صفحات التاريخ والأيام، هذا المجد وهذه العظمة وهذا الخلود حتى قال له المصطفى يوماً: (يا معاذ! والله إني لأحبك).

стр. 1135

بركة عُمْرِ عُمَرَ بن عبد العزيز عمر بن عبد العزيز شاب في ريعان الشباب، استمرت ولايته قرابة سنتين ونصف، واستطاع فيها أن يضع يده على الداء الذي استشرى في أمة الحبيب محمد ﷺ ، ونجح في أن يستل جرثومته بيد بيضاء نقية، وأن يعيد البشرية عوداً حميداً إلى الهدى والنور، وكأنها تعيش في زمن الوحي، حتى خرج المنادي يقول: من كان عليه دين فسداد دينه من بيت مال المسلمين!! وهذا الشبل من ذاك الأسد، سدد عمر بن عبد العزيز الديون، وبقيت البركة باركة في بيت المال، فخرج المنادي يقول: من أراد -من شباب المسلمين- أن يتزوج فزواجه من بيت مال المسلمين!! فزوج الشباب، وبقيت البركة باركة في بيت المال!! فخرج المنادي للمرة الثالثة -وهي أعجب- ليقول: أيها الناس! من أراد حج بيت الله -وهو لا يستطيع- فحج بيت الله على نفقة بيت مال المسلمين! وخرج من أراد الحج وبقيت البركة باركة في بيت المال! هل فعل هذا في مائة سنة؟! في ألف سنة؟! لا والله، في سنتين ونصف، ألم أقل لكم: إن العمر يطول بجلائل الأعمال، وعظائم البطولات؟! فيأيها المسلم! أطل عمرك بعمل الخيرات وعمل الطاعات، قال رسول الله ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس، -هذا أمر نبيك، وهذه وصية حبيبك محمد، والحديث رواه أحمد وغيره وهو حديث صحيح- اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك). اغتنم هذه الغنائم: اغتنم الغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والصحة قبل المرض، والحياة قبل الموت!! اغتنم هذه الغنائم، ولا تضيع عمرك، ولا تضيع ساعات وقتك، فإن العمر يولي، وغداً سترى نفسك بين يدي الله. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1136

رسالة إلى قتلة الوقت الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأحبة الكرام! رسالة أخيرة إلى أشر القتلة! إلى من يقتلون الوقت قتلاً إلى من يقتلون العمر قتلاً إلى من يضيعون الحياة تضييعاً. يا من تضيع الوقت! أنت تضيع عمرك، وتضيع حياتك، وتنتحر انتحاراً بطيئاً وأنت لا تدري، بل ولا يذكرك أحد بهذه الجريمة الشنعاء التي ترتكبها في حق نفسك. تسأل الكثيرين الآن: لماذا تفعل كذا؟ يقول: أضيع الوقت!! بل -ورب الكعبة- رأيت بعيني على جبل عرفات في يوم عرفة ناساً بلباس الإحرام قد جلسوا على (الشيشة)! ورأيت بعضهم يجلس على السّلَّم والثعبان! ورأيت بعضهم يلعب (الكوتشينة)؛فتعجبت! واقتربت منهم، وقلت لأحدهم: يا أخي! اتق الله، أنت بلباس الإحرام في يوم عرفة، جئت لتتطهر من كل ذنب، ولترفع إلى الملك أكف الضراعة، وأراكم على هذا اللهو والعبث!! والله لقد رد عليّ جلهم، وقالوا: يا شيخ! اليوم طويل، ونحن نُضيِّع وقتنا! أتضيع وقت عرفات؟! أتضيع وقت الطاعات؟! أتضيع وقتاً يتنزَّل فيه رب الأرض والسماوات؛ ليباهي الملائكة بعباده الذين ذهبوا إليه شعثاً غبراً يطلبون رضوانه ومغفرته؟! أيها القاتل لوقتك، بل لعمرك، بل لحياتك!! والله الذي لا إله غيره ستندم يوم لا ينفع الندم، وستأتي عليك ساعة ستعرف فيها قدر الساعة، وسيأتي عليك زمن تعرف فيه قدر الزمن، وسيأتي عليك وقت تعرف فيه قدر الوقت!!

стр. 1137

الحسرة على ضياع الأوقات عند الموت إذا نمت على فراش الموت ستتمنى من الله أن تعود إلى الدنيا ساعة واحدة؛ لتعمل فيها عملاً صالحاً لله جل وعلا. انظر إليه وهو على فراش الموت، وهو صاحب الجاه والمنصب والأموال والسيارات والعمارات والدولارات! انظر إليه على فراش الموت، وقد اصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده، وبدأ يشعر بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه، يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة (لا إله إلا الله)، فيشعر أن الشفة كالجبل لا تريد أن تتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بلا إله إلا الله! فينظر في لحظة صحوه بين السكرات والكربات الناس من حوله مرة يقتربون، ومرة يبتعدون! ويرى الغرفة التي هو فيها مرة تتسع، ومرة تضيق! وفجأة! يا ترى من هذا الذي أراه يقترب إلي من بعيد، إنه ملك الموت! يا ترى! بأي شيء سينادي علي الآن؟! هل سيقول: يا أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض غير غضبان أم سيقول: يا أيتها الروح الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وعذاب؟! فإذا أفاق لحظة صحوه بين السكرات والكربات، رأى أهله من حوله، ورأى الأطباء من فوق رأسه، فقال بلسان الحال، بل وربما بلسان المقال: يا أولادي! يا أهلي! يا أحبابي! لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، افدوني بأعماركم، افدوني بأموالي، أنا أبوكم! أنا الذي بنيت لكم القصور، وأنا الذي عمرت لكم الدور، وأنا الذي نمَّيت لكم التجارة، فمن منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين؟! يريد أن يرجع إلى الحياة ساعة، وهنا يعلو صوت الحق: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٨٣ - ٩٦] يتمنى الرجعة، فيقال له: لا. قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٨] يتمنى أهل النار أن يعودوا إلى الدنيا؛ حتى لا يعودوا إلى الكفر، ولا إلى المعاصي ولا إلى الظلم أبداً، ولكن هيهات هيهات! يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. وقال جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ١٠٠] اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض. أيها الحبيب الكريم! اعرف قدر وقتك وشرف زمانك، وحقيقة عمرك، وحقيقة ساعات أيامك، فعد الليلة إلى الله، البدار البدار، قبل فوات الأعمار! واسمع إلى العزيز الغفار، وهو ينادي ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. اللهم لا تدع لأحد منا في هذا الجمع الكريم ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا ميتاً لنا إلا رحمته، ولا عاصياً بيننا إلا هديته، ولا طائعاً إلا زدته وثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى، اللهم يسر لأبنائنا التوفيق والنجاح يا رب العالمين! ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم أقِرَّ أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحدين، اللهم أقِرَّ أعيننا بنصرة الإسلام وعز الموحين، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ علمنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1138

بل هم الخنازير لقد تعرض رسول الله ﷺ لمحن وحوادث بسبب الحقد الدفين الذي يحمله اليهود من عهده ﷺ إلى يومنا هذا، فقد حاولوا في حياته قتله عدة مرات، وبعد موته حاولوا نبش قبره فأحبط الله كيدهم ومكر بهم، وهاهم اليوم يسخرون به ﷺ في الصحف والجرائد والقنوات، ويتطاولون على جنابه -أخزاهم الله- وهذا مبشر بفتح وخير، ومخرج لهذا الأمة من أزمة الذل والعار والاضطهاد إلى العزة والتمكين بإذن الله!

стр. 1139

إخوان القردة والخنازير يتطاولون على البشير النذير الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفر، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء! وأيها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، نضر الله وجوهكم، وزكى الله نفوسكم، وشرح الله صدوركم، وأسأل الله أن يجمعني مع حضراتكم مع سيد النبيين في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! إخوان القردة والخنازير يتطاولون على البشير النذير، هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذا اليوم الميمون المبارك، وكما تعودنا حتى لا ينسحب بساط الوقت من بين أيدينا سريعاً، فسوف أركز الحديث مع حضراتكم تحت هذا العنوان المخجل في العناصر التالية: أولاً: بل هم الخنازير. ثانياً: حقد قديم لن يزول. ثالثاً: الله يدافع عن نبيه. وأخيراً: نستبشر خيراً ولكن بشرط. فأعيروني القلوب والأسماع أيها الأحبة الكرام! وأنا أعلم أن من الأحباب من استمع إلى هذا الموضوع عبر شريط الكاست، ولكنني لا أود أن أحرم هذه الألوف المؤلفة ممن لم يستمعوا إلى هذا الموضوع الهام، أرجو أن لا أحرم أحبابي من هذه الكلمة التي أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن يتقبل منا ومنكم جميعاً صالح الأعمال.

стр. 1140

عصر الذل والهوان أولاً: بل هم الخنازير: آه يا مسلمون متم قروناً والمحاق الأعمى يليه محاق أي شيء في عالم الغاب نحن آدميون أم نعاج نساق نحن لحم للوحش والطير منا الجثث الحمر والدم الدفاق وعلى المحصنات تبكي البواكي يا لعرض الإسلام كيف يراق قد هوينا لما هوت وأعدوا وأعدوا من الردى ترياق واقتلعنا الإيمان فاسودت الدنيا علينا واسودت الأعماق وإذا الجذر مات في باطن الأر ض تموت الأغصان والأوراق آه يا مسلمون في زمن الردة والبهتان، والكل مهان وجبان! يتطاول الكلاب الحمير إخوان القردة والخنازير على البشير النذير، على النبي الكريم، على إمام الأنبياء، وقائد الأصفياء، وسيد الأتقياء، وحبيب رب الأرض والسماء. لم نر للأمة حتى في مؤتمر صحفي بارد كبرود الثلج موقفاً جاداً ولو بكلمات بائسة تلوكها ألسنة زعماء العرب، أو دخاناً يطير في الهواء، لتعبر الأمة أمام العالم الغربي العميل وأمام الدنيا عن غضبها لنبيها الكريم، لمحمد بن عبد الله ﷺ ، ماذا تنتظر الأمة بعد هذا الذل؟! لم يكتف اليهود باحتلال الأرض، لم يكتف اليهود بتدنيس الأرض، لم يكتف اليهود بالتخطيط لتدمير الأقصى، بل جاءوا في المرحلة الأخيرة ليجسوا نبض المسلمين، فإن أعظم ما يجب أن يعتز به مسلم هو دين الله، هو رسول الله ﷺ ، ولكن اليهود قد اطمأنوا طمأنينة كاملة إلى أن المسلمين قد كفنوا وماتوا، ودفنوا منذ أمد بعيد! فهم يجسون نبض المسلمين بالإهانة إلى رسول الله ﷺ ، كبروفة عملية قبل هدم الأقصى، كما قال أكبر حاخامات اليهود: (اهدموا الأقصى، واعلموا أن المسلمين سيغضبون في أول الأمر، ثم بعد ذلك سرعان ما يتناسون هذه القضية)، فهم يعلمون نفسيات الأمة، ويعلمون ذل الأمة، ويعلمون ضعف الأمة، ويعلمون أن الأمة الآن لا تعيش إلا للعروش والكروش والفروش ولا حول ولا قوة إلى بالله! ماذا بعد هذا الذل؟! ماذا بعد هذا الهوان؟! أن يتطاول الكلاب الخنازير على البشير النذير، ويصورونه على صورة خنزير، يطأ بقدميه قرآن الملك القدير، آه حال أمتنا حال عجيبه وهي لعمر الله بائسة كئيبه يجتاحها الطوفان طوفان المؤامرة الرهيبه ويخطط المتآمرون كي يغرقوها في المصيبه وسيحفرون لأمتنا قبوراً ضمن خطتهم رهيبه قالوا السلام قلت يعود الأهل للأرض السليبه وسيلبس الأقصى غداً أثواباً قشيبه فإذا السلام هو التنازل عن القدس الحبيبه بئس سلامهم إذاً وبئست هذه الخطط المريبه فالمسجد الأقصى الجريح بالدماء له ضريبه ما هذا الذل والهوان؟ والله والله إن الحياة بعد إهانة رسول الله لرخيصة، والله إن الحياة بعد إهانة رسول الله لحقيرة، ماذا تنتظر الأمة بعد ذلك؟! والله لو دخل اليهود لطحنوا الجميع، والله لن يستقر الكرسي تحت أحد إذا ما دخل اليهود الأرض، وهم الآن يلوحون بالحرب، بل لقد قال نتنياهو في اليابان في الأسبوع الماضي بالحرف الواحد: لقد قبل عرفات قبلة الموت لمحادثات السلام! لقد قبل عرفات قبلة الموت لمحادثات السلام! هم يلوحون الآن بشن حرب على سوريا، بل ويشنون الحرب الآن على جنوب لبنان، على إخواننا المسلمين في لبنان على مرأى ومسمع من العالم الغربي الحقير العميل. الأمة تنتظر بكل سذاجة أن الغرب سينصر قضيتها، غباء، بل قمة في الغباء، فإن الغرب يحمل نفس العقيدة، فالكفر ملة واحدة، يقول الله سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ولكن الأمة لا تصدق الله، وتصدق مجلس الأمن، وتصدق حلف الأطلسي، وتصدق هيئة الأمم التي وعدت الأمة منذ سنوات بأنها ستعيد لها أرضها المسلوبة، وستعيد لها مقدساتها، وستعيد لها عرضها، ولكن لا زالت الأمة تضرب بالنعال، وستظل الأمة تضرب بالنعال حتى تفيء إلى دين الكبير المتعال، وحتى تنصر دين سيد الرجال ﵌. والله إن القلب ليكاد ينخلع، والله إن حلقي ليجف، والله إن كلمات اللغة في كل قواميسها لتتوارى من بين يديَّ الآن خجلاً وحياءً، ماذا أقول؟! لقد مضى زمن التنظير، مضى زمن المحاضرات الرنانة، مضى زمن المحاضرات والخطب النارية المؤثرة، إن الأمة الآن لا يصلحها إلا الجهاد، إن اليهود الآن لن يتأدبوا إلا بالجهاد، لا تقلم أظفار اليهود إلا بالجهاد، لقد مضى زمن القلم، ومضى زمن الكلمة، وحان وقت الجهاد، حان وقت الجهاد في سبيل الله. أسأل الله أن يرفع علمه، وأن يرد الأمة إلى الجهاد في سبيله رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأسأل الله أن يرزقنا شهادة في سبيله إنه على كل شيء قدير.

стр. 1141

زمن العزة والتمكين في زمن العزة تطاول يهودي وقح على امرأة مسلمة في سوق بني قينقاع، فعقد طرف ثوبها من أسفل إلى أعلى، فلما قامت المرأة المسلمة انكشفت سوأتها، فضحك اليهود، فاليهود متخصصون في كشف السوءات والعورات فصرخت المرأة الحيية، فانقض رجل مسلم غيور على هذا اليهودي الخبيث فقتله، فانقض اليهود المجرمون على المسلم فقتلوه، فجر النبي ﷺ جيشاً جراراً، فأخرج يهود بني قينقاع إلى أذرعات الشام، وأجلاهم عن المدينة المطهرة المنورة بعدما غنم المسلمون أموالهم. في زمن العزة تلمح رجلاً اعتز بدينه، يقف بكل استعلاء -استعلاء العقيدة والإيمان- أمام قائد الجيوش الكسروية رستم. فيقول له رستم: ما الذي جاء بكم إلى هنا؟ فقال له ربعي: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فلقد ابتعثنا الله لندعو الناس إلى دينه، فمن حال بيننا وبين دعوة الناس إلى دين الله قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله. قال رستم: وما موعود الله؟ قال ربعي: الجنة لمن مات في سبيل الله، والنصر لمن بقي من إخواننا. فقال رستم: لقد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤجلوا هذا الأمر لننظر فيه ولتنظروا فيه؟ فقال ربعي بكل عزة: لا. ما سن لنا رسول الله عند لقاء العدو أن نؤخره أكثر من ثلاث ليال، فانظر في أمرك الآن وأمرهم، واختر لنفسك واحدة من ثلاث. قال رستم: ما هي؟ قال ربعي: أما الأولى: الإسلام، ونقبل وندعك وأرضك. قال: والثانية؟ قال ربعي: الجزية، ونقبل منك ونكف عنك، وإن احتجت إلينا لنصرتك نصرناك. قال: والثالثة؟ قال: أما الثالثة فالحرب، ولسنا نبدؤك بقتال فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، أنا كفيل بذلك عن أصحابي. فقال رستم: أسيدهم أنت؟ أي: هل أنت قائد المعركة؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد الواحد يجبر أدناهم على أعلاهم. بهؤلاء انتصر الإسلام، وبالرويبضات في عصرنا هزم الإسلام، وتطاول اليهود على نبي الإسلام محمد ﷺ ، هذه الحملة الشعواء التي يشنها اليهود الآن على الأقصى، وعلى رسول الله، وعلى الأمة ليطفئ اليهود بها مراجل الغل والحقد التي تغلي في صدورهم منذ أول لحظة بعث فيها المصطفى. أيها الآباء الفضلاء! أيتها الأخوات الفضليات! يجب أن يتعلم الآن كل مسلم هذه العقيدة، أعني: عقيدة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وعقيدة البراء من الشرك والمشركين، لتعلم -أخي- هذه العقيدة أولادك، ولتخرج من بيتك رجلاً يعرف الولاء والبراء، ليوم قادم حتماً بموعود الله وموعود رسوله، أسأل الله أن يجعل هذا اليوم قريباً.

стр. 1142

حقد قديم لن يزول اليهود منذ أول لحظة يحقدون على رسول الله، وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء، (حقد قديم لن يزول): لقد استفتح اليهود على الأوس والخزرج قبل بعثة النبي ﷺ بهذا النبي المنتظر، وقالوا: لنتبعن هذا النبي، ولنقتلن به المشركين قتل عاد وإرم، فلما بعث النبي من العرب حقدوا عليه ﷺ ، وناصبوه العداء منذ أول لحظة وصل فيها رسول الله إلى المدينة، بل وأعلنوا العداء ورسول الله في مكة، فلما هاجر جهروا بعدائهم للنبي ﷺ .

стр. 1143

تخطيط اليهود لاغتيال النبي ﷺ ولم يكتف اليهود بذلك أيها الإخوة الفضلاء! بل خططوا لاغتيال النبي ﷺ ، فقد ذهب النبي ﷺ إلى يهود بني النظير ليستعينهم في دية تحملها عن أصحابه، فاستقبله الخبيث حيي بن أخطب الثعبان وقال: نعم، لقد آن الأوان لنعطيك ما تريد منا يا محمد، اجلس هنا! وأجلس الوقح رسول الله إلى جوار حائط لبيت يهودي خبيث منهم، ثم خلا هذا الثعبان بإخوانه من اليهود، وقال: إنها فرصة، هيا اصعدوا إلى سطح هذه الدار وحطموا رأس محمد بهذه الحجرة العظيمة لنستريح من شره أبداً، وصعد المتآمرون إلى سطح الدار وحملوا حجرة عظيمة ليسقطوها على رأس المصطفى، ولكن هيهات هيهات! فإن الله لا يغفل ولا ينام، أطلع الله نبيه على هذه المؤامرة، فقام النبي ﷺ مسرعاً وامتن الله بهذا على نبيه والمؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:١١]. الفضل لله ابتداءً وانتهاءً، ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [المائدة:١١] فلما علم الصحابة بهذه المؤامرة، خرجوا مع النبي ﷺ فحاصروا يهود بني النضير، وأجلاهم البشير النذير ﵌ عن المدينة المنورة.

стр. 1144

تخطيط اليهود لقتل النبي ﷺ بالسم ولم يكتف اليهود بذلك، بل خططوا لسم النبي في خيبر، فلما فتح رسول الله خيبر سم اليهود شاة، وقدموا الشاة لرسول الله ليأكلها فيقتل، وأخذ منها قطعة فتوقف عن أكلها وقال: (إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم -بأبي هو وأمي- وجمع النبي اليهود وسألهم، فصدقوه في هذه وقالوا: نعم، لقد وضعنا فيها السم، قال: لماذا؟ فقال اليهود الخبثاء المجرمون: قلنا لو كنت نبياً لن يضرك مثل هذا، ولو كنت كاذباً استرحنا منك). فاليهود يحقدون على رسول الله، وعلى الأمة، وعلى الإسلام منذ أول لحظة بعث فيه النبي من العرب من غير جنس اليهود، ولن يرضى اليهود عن محمد وأمته ودينه أبداً إلا بشرط واحد ألا وهو: أن يقلع النبي عن دينه، وأن تقلع الأمة عن دين رسول الله، وأن تتبع الأمة دين اليهود المحرف المزور المبدل، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].

стр. 1145

تشكيك اليهود في دعوة النبي ﷺ ونبوته ثم شككوا في النبي وفي دعوته ونبوته يوم أن تحول النبي ﷺ من استقبال بيت المقدس إلى استقبال بيت الله الحرام، فأثار اليهود -كشأنهم في كل زمان ومكان- شبهات خطيرة؛ لتحويل النبي ﷺ القبلة، فقال اليهود: لماذا تحول محمد من قبلته الأولى إلى بيت الله الحرام؟! لو كانت القبلة الأولى حقاً ثم تحول عنها محمد فقد تحول من الحق إلى الباطل! ولو كانت القبلة الأولى باطلة فإن صلاتكم في السنوات الماضية إلى هذه القبلة الباطلة باطلة! ولو كان محمد نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء من قبله وما فعل اليوم شيئاً وخالفه غداً! فنزل قول الله جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٢ - ١٤٣]، والإيمان في هذه الآية هو الصلاة، أي: وما كان الله ليضيع صلاتكم إلى القبلة الأولى، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٣ - ١٤٤].

стр. 1146

إعلان اليهود الحرب والعداوة للنبي ﷺ ذهب -في أول يوم وصل فيه المصطفى إلى المدينة- حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب، فنظرا إلى وجه النبي فعرفاه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي: أهو هو؟ قال: نعم، والله إنه لهو. فقال أبو ياسر: هذا هو النبي الذي كنا ننتظر؟ فقال حيي: إي والله إنه لهو. فقال أبو ياسر: تعرفه بصفته؟ فقال حيي: نعم، أعرفه بصفته. فقال أبو ياسر: فماذا تجد في نفسك؟ فقال المجرم: عداوته والله ما بقيت. يا مجرم! أنت الذي ذكرت أنه هو النبي الذي ذكر في التوراة بصفته! ولكنه الحقد، وفي هذا اليوم جاء عبد الله بن سلام عالم اليهود الأكبر وحبر اليهود الأعظم إلى النبي ﷺ -كما في صحيح البخاري من حديث أنس - فقال: (يا محمد! إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فقال المصطفى: ما هي؟ قال عبد الله بن سلام: أسألك عن أول أشراط الساعة؟ وما هو أول طعام أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال المصطفى: لقد أخبرني بهذا جبريل آنفاً، أما أول أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة: فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع -أي: كان المولود ولداً- وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت -أي: كان المولود بنتاً- وفي لفظ مسلم من حديث ثوبان: إذا علا مني الرجل مني المرأة كان ذكراً بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل كأن أنثى بإذن الله، فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله)، عالم منصف. ثم قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، يعرفون الحق وينكرونه ويكذبونه، فأرسل إلى اليهود واسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فأرسل النبي إلى بطون اليهود فأقبل اليهود، فقال لهم بعدما اختفى ابن سلام: (ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، -وفي رواية: وأفضلنا وابن أفضلنا- فقال لهم المصطفى: فماذا لو أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فرد اليهود المجرمون على لسان رجل واحد وقالوا: هو سفيهنا وابن سفيهنا، وشرنا وابن شرنا). فاليهود قوم بهت، عرفوا النبي تماماً ولكنهم شككوا في نبوته منذ اللحظة الأولى، ونزل قول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦]. من أجمل ما قاله عبد الله بن سلام: (والله إني لأقر لمحمد بالنبوة أكثر مما أقر لابني بالبنوة) فإن الذي أخبر بنبوة محمد ﷺ هو الله رب العالمين، فشكك اليهود في نبوته منذ أول لحظة وصل إلى المدينة المنورة، بل منذ أول لحظة بعث فيها المصطفى ﵌، وقالوا: يا محمد! إن كنت رسولاً من عند الله فلقد جاءنا موسى بالألواح من السماء، فإن كنت نبياً حقاً فاطلب من ربك أن ينزل عليك ألواحاً من السماء لنطمئن لنبوتك، فنزل قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء:١٥٣]، أي: لموسى. وذهبوا للمصطفى ﵌ وقالوا: اطلب من ربك يا محمد أن يكلمنا وأن يخبرنا أنه قد أرسلك رسولاً، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء:١٥٣]، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:١١٨].

стр. 1147

إن الله يدافع عن نبيه أيها الأحبة الكرام! أبشروا فإن الله جل وعلا هو الذي يدافع عن نبيه، فلئن خذلت الأمة الآن رسول الله فوالله سيثأر الله وينتقم لرسوله، كما انتقم الله لرسوله في كل مرة تطاول فيها وقح مجرم على جناب رسول الله ﵌، وهذا هو العنصر الثالث: (إن الله يدافع عن نبيه). أيها الأحبة الكرام! والله ما تعرض أحد لرسول الله بسوء أو أذى إلا قصم الله ظهره، ودق الله عنقه، وأخزاه الله في الدنيا قبل الآخرة، وتدبروا معي هذه الأدلة الكريمة القوية الطيبة التي تؤكد لحضراتكم بأن الله جل وعلا هو الذي سيثأر لرسوله، في وقت خذلت فيه الأمة نبيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

стр. 1148

قصة النصرانيين اللذين أرادا سرقة الجثة النبوية من القبر الشريف أختم هذه الأدلة في هذا العنصر الثالث من عناصر لقائنا بهذه الحادثة المفجعة، التي ذكرت في كل كتب التاريخ، والتي أرخت للمدينة المنورة، ذكرت في كتاب تاريخ المدينة المنورة للإمام المراري، وذكرت في كتاب تاريخ المدينة المنورة للإمام المطري، وذكرت في الرياض النضرة لـ محب الدين الطبري، وذكرت في كتاب تاريخ المدينة المنورة للإمام السمهودي، وذكرت في كل الكتب التاريخية التي أرخت لمدينة رسول الله، هذه الحادثة حدثت في السنة السابعة والخمسين بعد الخمسمائة، في عصر السلطان العادل الزاهد الورع التقي محمود نور الدين زنكي، قام هذا الرجل يصلي، فلقد كان الزعماء قديماً يقومون الليل لله. قام هذا الرجل يصلي، فقرأ ما يسر الله له من القرآن، وصلى ما يسر الله له أن يصلي ثم نام، فجاءه المصطفى في المنام، وأشار المصطفى إلى محمود، ثم أشار إلى رجلين أشقرين، وقال المصطفى لـ محمود نور الدين زنكي: يا محمود! أنقذني من هذين الرجلين، فقام محمود من نومه فزعاً، فتوضأ وصلى، ثم نام، فما أن نام الرجل حتى جاءه النبي مرة ثانية وقال: أنقذني من هذين الرجلين يا محمود، فاستيقظ الرجل فزعاً فتوضأ وصلى وجلس، ثم نام، فجاءه النبي للمرة الثالثة وأشار على نفس الرجلين، وقال: أنقذني من هذين يا محمود، فقام الرجل وقال: والله لا نوم بعد الساعة، وأرسل إلى وزير صالح تقي في بطانته يقال له جمال الدين الموصلي، فجاء جمال الدين الموصلي في جوف الليل إلى السلطان التقي الزاهد الورع، فقص عليه السلطان ما رأى. فقال له جمال الدين: اخرج الآن يا مولاي إلى مدينة رسول الله، ولا تخبر أحداً لما ذهبت، فخرج في نفس الليلة مع جند من جنده وحمل أموالاً طائلة، وذهب إلى المدينة ووصل المدينة في أسبوعين فقط، ثم زار المسجد النبوي، ثم ذهب للسلام على الحبيب النبي، فلما سلم على رسول الله ﷺ -أسأل الله أن يرزقني وإياكم زيارة لمسجد حبيبه، وأن يشرفنا وإياكم بالسلام على المصطفى إنه ولي ذلك والقادر عليه- جلس السلطان الورع في الروضة الشريفة يبكي ويفكر ماذا يصنع؟ وماذا يفعل؟ فلما التف الناس حول السلطان من المدينة، قام الوزير الذكي العبقري جمال الدين الموصلي وقال: أيها الناس! لقد أتى مولاي لزيارة المسجد النبوي، وللسلام على النبي ﷺ ، وقد جاء بأموال كثيرة، وهو يريد أن يوزع هذه الأموال بنفسه على كل فرد من أفراد المدينة، ليرى السلطان الوجوه بنفسه، فجاء أهل المدينة إلى السلطان، وأخذ السلطان يمنح الأموال وينظر ويدقق النظر في الوجوه، فلم ير وجهاً من الوجهين اللذين أشار إليهما النبي ﷺ ، ففزع الرجل وقال: ألم يبق أحد؟! قالوا: لا. يا مولانا، فقال الرجل: لا والله، فكروا وتدبروا. قالوا: لم يبق أحد والله يا مولانا من أهل المدينة، فقال رجل: يا مولاي! لم يبق أحد إلا رجلين صالحين، وهما غنيان ثريان ينفقان على المسلمين، ولا يحتاجان الصدقة من أحد. فقال: عليّ بهما، فجاء الرجلان، فلما نظر إليهما السلطان العادل بكى، وقال: اللهم صل على محمد، هما والله هما، هما والله هما، قال: ما شأنكما؟! فقالا: أتينا حاجين، أتينا لنجاور الأسرة النبوية الشريفة، ولنتعبد لله إلى جوار رسول الله، ولنكثر الصدقة والنفقة على فقراء المسلمين. قال السلطان: أين بيتكما؟ والناس في حيرة ودهشة، ما هذا؟! لماذا يهتم السلطان لمثل هذا الأمر؟! وخرج السلطان بنفسه إلى بيت المجرمين الخبيثين، فدخل الحجرة فلم يجد شيئاً، بل وجد مصحفين، ووجد مسبحتين، ووجد أموالاً طائلة، ولم ير شيئاً يلفت النظر، فسأل عن الرجلين، وأهل المدينة يثنون على الرجلين خير الثناء. ودخل السلطان غرفة من غرف البيت فوجد حصيراً في جانب البيت، فرفع الحصير فوجد سرداباً تحت الأرض كاد أن يصل إلى قبر المصطفى، فقال: ما هذا؟ قصا عليَّ الخبر. فقالا: أرسلنا قومنا من النصارى بأموال طائلة لنتظاهر بالزهد والعبادة والورع، ولنحفر سرداباً تحت المسجد، لنصل إلى جثمان محمد لنخرجه من قبره! وظن هؤلاء الخبثاء المجرمون أنهم يستطيعون أن يصلوا إلى الجسد الطاهر، ولكن هيهات هيهات! ففي الليلة التي كادا أن يصلا فيها إلى القبر رعدت السماء وأبرقت، وظهر المصطفى في المنام لهذا السلطان الورع العادل، فلما عرف الأمر ضرب رأس كل واحد منهما تحت شباك الحجرة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام. وجلس السلطان يبكي بكاءً مريراً لهذا الشرف العظيم الذي شرفه الله به، ولم يغادر مدينة رسول الله حتى أمر بصب سور ضخم من الرصاص القوي المتين حول الحجرة النبوية الشريفة كلها، وقد ظن هؤلاء المجرمون أنهم سيصلون إلى الجثمان الطاهر، إلى جثمان الحبيب المصطفى ﷺ ، ونسي هؤلاء أن الذي حفظ نبيه وهو حي هو الحي الباقي الذي لا يموت، فالله ﷻ هو الذي يثأر لنبيه ويدافع عن نبيه. يا إخوتي! والله إني لأستبشر الآن خيراً بعدما وقع اليهود في عرض رسول الله، أستبشر الآن خيراً بعدما سب اليهود رسول الله، أستبشر بقرب الفتح إن شاء الله ﷻ ، فلقد وقفت على كلام كثير لشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الشهير الممتع: الصارم المسلول على شاتم الرسول، قال ابن تيمية: حدثني العدول من أهل الفقه أنهم كانوا يحاربون الروم، ويحاصرون الحصن أو المدينة شهراً أو أكثر فلا يستطيعون فتحه، يقول: حتى إذا وقع أهل الحصن في عرض رسول الله استبشرنا خيراً بقرب فتح الحصن، يقول: فوالله لا يمر يوم أو يومان إلا وقد فتحنا الحصن عليهم بإذن الله جل وعلا، ثم قال: كانوا يستبشرون خيراً بقرب الفتح إذا ما وقعوا في عرض رسول الله، مع امتلاء قلوبهم غيظاً على ما قالوه في حق المصطفى. ونحن والله نستبشر خيراً بقرب الفتح إن شاء الله، فالله يهيئ الأرض الآن لأمر أراده، الله يهيئ الكون الآن لأمر دبره: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، نستبشر الآن خيراً ولكن ليس بالأماني ولا بالكلمات بل بشرط عملي أرجئه إلى ما بعد جلسة الاستراحة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1149

عاقبة أبي جهل وهذا هو فرعون هذه الأمة أبو جهل عليه لعنات الله بقدر ما آذى رسول الله ﷺ ، روى مسلم في صحيحه: أنه سأل إخوانه من صناديد الشرك يوماً وقال: أيعفر محمد وجهه بين أظهركم -يعني: يسجد محمد بين أظهركم-؟ واللات والعزى؛ لئن رأيت محمداً لأطأن على عنقه، ولأعفرن وجهه بالتراب، فسجد المصطفى ﷺ ، فجاء هذا الوغد الوقح يزعم أنه سيطأ بنعليه على رقبة رسول الله وهو ساجد، فلما اقترب من النبي عاد القهقرى -عاد إلى الوراء- وهو يجمع بيديه هكذا وهكذا، فلما وصل إلى إخوانه من أهل الشرك قالوا: ما بالك رجعت؟ فقال أبو جهل: والله إن بيني وبين محمداً لخندقاً وهولاً وأجنحة، فقال المصطفى: (والله لو دنا مني لتخطفته الملائكة عضواً عضواً). هل تعرف نهاية أبي جهل؟ قتل في بدر، سقط وهلك في بدر، قتله صقران من صقور المسلمين، شابان في ريعان الشباب، اقتربا من عبد الرحمن بن عوف، وقال كل واحد منهما لـ عبد الرحمن: يا عماه! أين أبو جهل؟ فاستصغر عبد الرحمن بن عوف هذا الشاب الصغير، ماذا تريد من أبي جهل؟ فقال: سمعت أنه يسب رسول الله، والله لئن رأيته لأقلتنه، والتفت إلى يساره ووجد شاباً آخر يقول له مثل هذا الكلام، فلما رأى أبا جهل أشار إليهما فانقضا عليه كالصقرين، فقتلاه، وعادا في غاية الفرح والسرور إلى النبي ﷺ يقول كل واحد منهما: أنا الذي قتلت أبا جهل، والآخر يقول: لا، بل أنا الذي قتلت أبا جهل، فقال النبي ﷺ : (هل مسحتما الدماء عن سيفيكما؟ قالا: لا، فأخذ النبي السيف الأول، وأخذ السيف الآخر، فنظر إلى دماء المجرم على السيفين فقال لهما: كلاكما قتله)، لم يحرم النبي ﷺ أحدهما من هذا الشرف. وخلص ابن مسعود ﵁ بعد ذلك على هذا المجرم، وأهلكه الله ﵎، ورمي كالجيفة النتنة كما هو معلوم من كتب السير، هذه نهاية هذا المجرم الذي طالما سب وآذى النبي ﵌. أيها الأحبة الكرام! أقول: والله ما تعرض أحد للمصطفى بسوء أو أذى إلا قصم الله ظهره، ودق الله عنقه، وأخزاه الله في الدنيا قبل الآخرة، وفي الصحيحين من حديث جابر ﵄ قال: (كنا في غزوة ذات الرقاع، إذ رأينا شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ ، فنام النبي ذات يوم تحت الشجرة، وعلق سيفه عليها، فجاء رجل مشرك فأخذ سيف نبي الله، وأراد أن يهوي بالسيف على النبي وهو نائم، فلما استيقظ النبي ﷺ نظر إليه والسيف على رأسه، فقال له هذا المشرك واسمه غورث بن الحارث: أما تخافني يا محمد؟ قال المصطفى: لا، فقال غورث: فمن يمنعك مني الآن؟ قال المصطفى: الله، فسقط السيف من يد هذا الرجل، فأخذ النبي السيف بيده وقال له: من يمنعك مني الآن؟ قال: كن خير آخذ يا محمد، فقال له المصطفى: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال الرجل: لا، إلا أني أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى النبي ﷺ عنه، فانطلق الرجل إلى قومه ليقول لهم: يا قوم! والله لقد جئتكم من عند خير الناس، من عند محمد بن عبد الله ﷺ . فالله هو الذي يحفظ نبيه، وهو الذي يدافع عن نبيه، ولا أريد أن أكثر من الأدلة في هذا الباب، فإنني أرى إخواني -جزاهم الله خيراً- يقفون في الشمس قبل أن أرتقي المنبر، أسأل الله أن يقيهم وأن يقينا معهم حر جهنم، وأن يتقبل منا ومنهم جميعاً صالح الأعمال، وأن يجمعنا هكذا في جنات النعيم مع سيد الرجال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1150

عاقبة عقبة بن أبي معيط والله لا يعرف قدر رسول الله إلا الله، لذا تولى الله الثأر والانتقام والدفاع عن نبيه، وفي الحديث الذي رواه الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح، ورواه أبو نعيم في الدلائل بسند صحيح، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (أن عقبة بن أبي معيط -عليه لعنات الله بقدر ما آذى رسول الله- أتى النبي ﷺ يوماً في مجلسه فبصق في وجه المصطفى)، وهو الذي وضع النجاسة على ظهره يوماً، والحديث في البخاري، وهو الذي خنق النبي ﷺ يوماً حتى كادت أنفاسه أن تخرج، والحديث في البخاري. جاء هذا المجرم الوقح فبصق في وجه الحبيب ﵌، فما زاد النبي على أن مسح البصاق عن وجهه الأزهر الأنور، والتفت إلى هذا الوغد الوقح وقال: (والله لو رأيتك خارج جبال مكة لأضربن عنقك)، فارتعد هذا المجرم من هذا الوعد النبوي، انظر لتعلم نهاية كل من آذى رسول الله ﷺ . في غزوة بدر أبى هذا الجبان أن يخرج مع المشركين، قالوا: كيف يا عقبة؟ قال: أنسيتم ما وعدني به محمد أنه لو رآني خارج جبال مكة ليضربن عنقي! قالوا: إن لك ناقة لا تسبق، فإذا كانت الهزيمة طرت عليها إلى مكة، فخرج معهم هذا الجبان المجرم، ولكن أنى لهذا الوقح أن يفلت من وعد الصادق الأمين ﷺ ، لما تبعثر المشركون في أرض الجزيرة كتبعثر الفئران أمام ضربات الحق من سيوف الموحدين الصادقين مع رسول الله، جرى هذا الجبان على ظهر بعيره، ولكن هيهات هيهات فقد سقط به بعيره في بركة من طين، ووقف البعير لم يستطع أن يتحرك، وأخذ هذا المجرم مع أسرى المشركين، فقدم لرسول الله ليضرب عنقه فقال له عقبة: أتقتلني من بين هؤلاء يا محمد؟ فقال له المصطفى: (نعم أقتلك إذ بصقت في وجهي يوماً، أنسيت أني قلت لك: والله لو رأيتك خارج جبال مكة لضربت عنقك؟ فأمر النبي علياً فضرب علي عنقه)، هذه نهاية عدل.

стр. 1151

انتقام الله لنبيه من رجل اتهمه بالغباء حال حياته فلقد روى البخاري ومسلم من حديث أنس: (أن رجلاً نصرانياً أسلم وكتب الوحي لرسول الله، وقرأ البقرة وآل عمران، ثم ترك الإسلام وعاد إلى نصرانيته مرة أخرى، ثم كذب على النبي فقال: لا يعلم محمد إلا ما كنت أكتبه له، فأهلكه الله جل وعلا، فدفنه أصحابه فأصبحوا فوجدوا الأرض قد لفظته لم تقبل الأرض مثل هذا الخبيث الذي آذى وكذب على رسول الله فقد أصبحوا فوجدوا الأرض قد لفظته -أي: أخرجته على سطحها- فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، لما هرب منهم صاحبنا وعاد إلى ديننا أخرجوه ونبشوا عليه القبر، فدفنوه فلما أصبحوا وجدوا الأرض قد لفظته)، فأعمقوا له في الأرض، وقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، فلما أصبحوا وجدوا الأرض قد لفظته، فأعمقوا له ما استطاعوا ودفنوه، فلما أصبحوا وجدوا الأرض قد لفظته، فعلموا أن هذا ليس من فعل الناس، وعلم الناس يقيناً أن هذا من فعل رب الناس، ثأراً منه ودفاعاً عن سيد الناس ﵌. فالله جل وعلا هو الذي يدافع عن نبيه، بل ما من نبي من الأنبياء إلا وقد دفع عن نفسه التهم التي وجهت إليه من قبل القوم الذين أرسل إليهم: قال قوم نوح لنوح: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف:٦٠]، فقال نوح ﵇ مدافعاً عن نفسه: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف:٦١]. وقال قوم هود لهود ﵇: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف:٦٦]، فقال هود مدافعاً عن نفسه: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف:٦٧]. وقال فرعون لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء:١٠١]، فدافع موسى ﵇ عن نفسه وقال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]. أما المصطفى فإن الذي تولى الدفاع عنه هو الله ﷻ : اتهمه القوم بالجنون؛ فدافع الله عن حبيبه المصطفى فقال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:٢]، واتهمه القوم بالشعر والكهانة، فدافع الله عنه فقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١ - ٤٢]. اتهمه القوم بالضلال؛ فدافع الله عنه فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:٢]. اتهمه القوم بأن ربه قد غضب عليه وهجره وقلاه؛ فأقسم الله بالضحى والليل إذا سجى أن محمداً هو حبيبه، وأنه ما هجر محمداً وما قلاه، فقال جل في علاه: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]. أغر عليه للنبوة خاتم من نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد

стр. 1152

وقوع اليهود في عرض النبي ﷺ بشارة بعقابهم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! أقول: نستبشر خيراً أن وقع اليهود في عرض النبي ﷺ نستبشر بقرب الفتح إن شاء الله تعالى، ولكن بشرط ما هو؟ أن ترفع الأمة الآن راية الجهاد في سبيل الله، وأن يعود الزعماء بالأمة ابتداءً إلى شرع رب الأرض والسماء، وأن يصححوا العقيدة، ويخلصوا العبادة، ويحكموا شريعة النبي الطاهرة، وأن يرفعوا راية الجهاد في سبيل الله، فوالله -وأنا أعلنها وأدين لله بها- إن هذه المرحلة لا يصلحها ولا يصلح معها إلا أن تضحي الأمة بعشرات الآلاف من شبابها الطاهر الذي يتشوق الآن للجهاد في سبيل الله، ويكاد قلبه أن يحترق لينال هذا الشرف العظيم، لا سبيل لكرامة الأمة إلا أن تضحي بعشرات الآلاف من شبابها الصادق الطاهر لترفع دين الله، ولتعلي شأن شريعة رسول الله، ولتثأر من إخوان القردة والخنازير، للبشير النذير ﷺ ، فإن اليهود جبناء: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]. والله والله لو تبناها زعيم عربي واحد فاصطلح هو ابتداءً مع الله، وعاد إلى الله، وحكم شرع الله، وبين عشية وضحاها رفع راية الجهاد في سبيل الله، لانطوى تحت الراية ملايين الرجال، وملايين الشباب، وعشرات الآلاف من الأخوات والنساء، وخرج الجميع يقولون: حي على الجهاد، حي على الفلاح، وحينئذٍ سترى الأمة صدق وعد الله وصدق وعد رسول الله ﷺ . فلا عز لها إلا بالجهاد، ولا شرف لها إلا بالجهاد، قال النبي ﷺ : (يا معاذ! ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وقال المصطفى كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم). فلا عز للأمة إلا بالجهاد، وأنا أعلم أن للجهاد ضوابط، وأنا أعلم أن للجهاد أصولاً، فيجب على هذه الأمة أن تفسح المجال، وأن تهيئ الوقت والبيئة لتنال هذا الشرف بالجهاد في سبيل الله، فإن شباب الأمة الآن يحترق قلبه ويتشوق للجهاد، وأنا أعلم علم اليقين أنه ما من رجل أو شاب أو امرأة إلا ويتمنى أن لو نودي الآن في مثل هذه اللحظات: حي على الجهاد، والله لن يخرج كل هؤلاء من بين يدي إلا على ساحة الجهاد، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الشهادة في سبيله. فليكلفنا زعيم عربي واحد، فليكلف الدعاة وليكلف العلماء بعدما يعود هو ابتداءً إلى الله ﷻ ، ويحكم شريعة الله، وليكلف العلماء والدعاة، وسيجيش العلماء والدعاة ملايين الشباب من هذه الأمة، يخرج الكل يشتاق للشهادة في سبيل الله، ولصحبة رسول الله، وسيخرج أبناؤنا ليهتف الجميع: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.

стр. 1153

واجبنا في الدفاع عن الجناب النبوي الشريف أيها المسلم بين يدي! تعلم عقيدة الولاء والبراء، هذا هو ما في مقدورك الآن، فأنا لا أريد أن أنظر فقط، وأن يخرج الجمع يلتهب، ثم يتساءل: ماذا نصنع؟ وماذا نفعل؟ لا أريد التنظير، وإنما سأحدثك بما يمليه علينا الواقع الآن، أما إن أردت التنظير فما أيسره! فأقول لك أيها الحبيب: تعلم الآن عقيدة الولاء والبراء، تعلم الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وتعلم البراء من الشرك والمشركين، وحول هذه العقيدة في حياتك العملية إلى واقع عملي وإلى منهج حياة. ثانياً: علم هذه العقيدة لأولادك. ثالثاً: أخرج من بين أولادك رجلاً، وقل: اللهم إني قد نذرت هذا لك، فتقبله مني يا رب العالمين شهيداً في سبيلك، رب أولادك على روح الجهاد. رابعاً: استعد أنت استعداداً نفسياً وبدنياً ليوم قادم بموعود الله، إن أدركته فأنت مستعد، وإن لم تدركه فقدم له ولدك، قدم لهذا اليوم المقبل ولدك، أخرج من بيتك رجلاً بطلاً، يعرف الإسلام ويعيش للإسلام وبالإسلام. وأنتِ يا أختاه كوني عوناً للزوج في هذه المرحلة على أن تربي أولادكِ تربية طيبة، تليق بهذه الظروف الحرجة التي تمر بها أمتنا، فلن يحرر الأقصى إلا جيل تربى على القرآن والسنة، وإن أول من سيفر من الميدان هم الذين يرفعون الآن فوق الرءوس والأعناق من الممثلين والممثلات، والمطربين والمطربات، واللاعبين واللاعبات، ولن يقف في الميدان برجولة إلا من كان من أبناء الأمة الصادقين في مشارق الأرض ومغاربها، أسأل الله أن يرد الأمة إلى الحق رداً جميلاً. أيها المسلم الكريم: أرجو الله أرجو الله أرجو الله أن نكون كهؤلاء البكائين الذين جاءوا للنبي ﷺ ليحملهم إلى الجهاد في سبيل الله، فاعتذر لهم النبي أنه لا يجد لهم الناقة، ولا يجد لهم الدابة، ولا يجد لهم النفقات، فمنا الآن من لا يملك الناقة، ومن لا يملك النفقات، بل ومن ملك الذهاب إلى ساحة جهاد فسيحال بينه وبين الجهاد على أيدي هؤلاء الذين رفعوا الذل والمهانة. فأرجو الله -والله يعلم ضعفنا وفقرنا وذلنا- أن نكون من بين هؤلاء الذين جاءوا إلى النبي ﷺ ليحملهم معه، فلما اعتذر لهم رسول الله تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن رسول الله لا يقدر على أن يحملهم للجهاد، فعادوا إلى بيوتهم وهم يبكون، عادوا إلى بيوتهم وهم يتضرعون إلى الله أن يفتح لهم باباً للجهاد في سبيل الله. فأر الله اليوم من قلبك هذه النية، أروا الله اليوم من أنفسكم خيراً، فوالله ثم والله ثم والله لو سألنا الله الشهادة بصدق لكتبنا الله عنده في الشهداء، ولبلغنا الله منازل الشهداء ولو مات الواحد منا في مسجده الآن أو في فراشه أو في وظيفته، لقول النبي ﷺ كما في الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث سهل بن سعد، قال ﵊: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء)، وفي الصحيحين: (إن في المدينة أقواماً ما قطعتم وادياً، ولا سرتم مسيراً، ولا أنفقتم من نفقة إلا كانوا معكم شاركوكم الأجر، قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: حبسهم العذر). يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر نكابده ومن أقام على عذر كمن راح اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم اقمع أهل الزيغ والفساد، اللهم إنا نشكو إليك خيانة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك عمالة الخائنين، اللهم إنا نشكو إليك ضعف الموحدين، اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وفرج كروبنا، واكشف همومنا، اللهم فك أسرنا، اللهم تول أمرنا، اللهم أحسن خلاصنا، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا. اللهم عليك باليهود، اللهم أذل اليهود، اللهم املأ بيوتهم ناراً، اللهم املأ قلوبهم ناراً، اللهم زلزل حصونهم، اللهم دمر بيوتهم، اللهم رمل نساءهم، اللهم شتت أطفالهم، اللهم املأ قلوبهم ناراً كما ملئوا قلوب الموحدين غيظاً، اللهم دمرهم قبل أن يدمروا الأقصى، اللهم دمر اليهود قبل أن يدمروا الأقصى، إلهنا! لا إله لنا سواك فندعوه، ولا رب لنا غيرك فنرجوه، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، يا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا ألله يا ألله يا ألله ارفع مقتك وغضبك عنا، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. اللهم أقر أعيننا بنصرة الإسلام، وعز الموحدين، اللهم ائذن في تحرير الأقصى الأسير، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إن أردت بالناس فتنة فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين ولا مفرطين ولا مضيعين، ولا مغيرين ولا مبدلين. اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره في تدميره برحمتك يا أرحم الراحمين! نعوذ بك أن نغتال من فوقنا، نعوذ بك أن نغتال من تحتنا، نعوذ بك أن نغتال عن يميننا ويسارنا. اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين، اللهم احفظنا بحفظك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا. اللهم اجعل بلدنا مصر واحة للأمن والأمان، اللهم لا تحرم مصر من الأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجميع بلاد المسلمين، اللهم اجعل مصر سخاءً رخاءً وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أحبتي الكرام! هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني أنا ومن الشيطان والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.

стр. 1154

تحذير الأحباب ممن حرم النقاب لا يزال الحق والباطل يصطرعان ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، ولا يزال أهل الحق يكشفون شبه أهل الباطل المزخرفة، ويردون عليهم، ويفندون آراءهم، وإن من الأباطيل المحدثة: القول بحرمة النقاب، ووصفه بالتشدد والتنطع، وقد رد أهل العلم على هذه الدعوى السافرة والإفك المبين بالحجج البينات، والأدلة الواضحات.

стр. 1155

تحية وبشرى إلى بنت الإسلام أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد: فمرحباً مرحباً بأحبابي وإخواني في الله ، ومرحباً مرحباً بأخواتي الفضليات، واسمحوا لي أن يكون هذا اللقاء رداً علمياً هادئاً على من حرم النقاب، وأضرع إلى الله جل وعلا أن ينفع بهذا اللقاء، وأن يجعله خالصاً لوجهه، وأن يكون زاداً لنا يوم نلقاه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠]، وحتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا فسوف أركز الحديث في عدة عناصر: أولاً: تحية وبشرى إلى بنت الإسلام. ثانياً: دعوى محدثة وأقوال خطيرة. ثالثاً: كتاب تذكير الأصحاب في الميزان. رابعاً: الأدلة الشرعية على وجوب الحجاب. خامساً: عتاب ودعوة. سادساً وأخيراً: أيتها المنقبة! أولاً: تحية وبشرى إلى بنت الإسلام: هذا نداء أصل العز والشرف والحياء، إلى صانعة الأجيال ومربية الرجال، إلى من تربعت طيلة القرون الماضية على عرش حيائها، تهز المهد بيمينها، وتزلزل عروش الكفر بشمالها. إلى أختي المسلمة التي تصمد أمام تلك الهجمات الشرسة، وتصفع كل يوم دعاة التحرر والسفور بتمسكها بحجابها ونقابها. تحية وبشرى إلى هذه القلعة الشامخة أمام طوفان الباطل والكذب، إلى أختي الفاضلة التي تحتضن كتاب ربها وترفع لواء نبيها وهي تصرخ في وجوه المبتدعين قائلة: بيد العفاف أصون عز حجابي وبعصمتي أعلو على أترابي إليك أيتها الدرة المصونة! إليك أيتها اللؤلؤ المكنون! أقدم لك التحية والبشرى من رسول الله ﷺ في عهد الغربة الثانية التي تنبأ بها الصادق المصدوق ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: (بدأ الإسلام وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، طوبى لك يا بنت الإسلام! وهنيئاً لك يا صاحبة الحجاب! يا درة! حفظت بالأمس غالية واليوم يبغونها للهو واللعب يا درة! قد أرادوا جعلها أمة غريبة العقل غريبة النسب هل يستوي من رسول الله قائده دوماً وآخر هاديه أبو لهب؟ وأين من كانت الزهراء أسوتها ممن تقفت خطى حمالة الحطب؟ أختاه نفسك نبت لا جذور لها ولست مقطوعة مجهولة النسب أنت ابنة العرب والإسلام عشت به في حضن أطهر أم من أعز أب أيتها الأخت الفاضلة الصابرة! لقد علم أعداء ديننا أن المرأة المسلمة من أعظم أسباب القوة في المجتمع الإسلامي، فراحوا يخططون لها في الليل والنهار؛ لشل حركتها والزج بها في مواقع الفتنة، وأعلنوها صريحة في هذه المقولة الخطيرة، حيث قال أحدهم: كأس وغانية يفعلان في تحطيم الأمة المسلمة أكثر مما يفعله ألف مدفع، فأغرقوها في حب المادة والشهوات. لقد عز عليهم أن تجود المسلمة من جديد على أمتها بالعلماء العادلين والمجاهدين الصادقين، فصار همهم أن تصير المسلمة عقيماً لا تلد، خشية أن تلد من جديد خالداً وصلاح الدين وابن تيمية وغير هؤلاء. ولذلك لم يرفعوا أيديهم عن أمتنا ويسحبوا جيوشهم العسكرية من بلادنا، إلا بعد أن اطمئنوا أنهم خلفوا وراءهم خطاً فكرياً جديداً أميناً على كل أهدافهم، وأطلقوا على أفراد هذا الجيش أفضل الألفاظ والأوصاف كالمحررين والمجددين وأحاطوا هذا الصنف بهالة من الدعاية الفاسدة تخفي جهله، وتغطي انحرافه، وتنفخ فيه ليكون شيئاً مذكوراً، وتحدث حوله ضجيجاً يلفت إليه الأسماع ويلوي إليه الأعناق، وكل هذا في الحقيقة والله لا يفيد من جهله علماً، ولا من قلبه تقوى، ولا من بعده عن قلوب الناس قرباً، فهو كالطبل الأجوف يسمع من بعيد وباطنه من الخيرات خال. ومما يمزق الضمائر الحية أن يكون من بين هؤلاء بعض المتصدرين للفتوى، والمتسمين بسمة أهل العلم الشرعي الديني، الذين يزورون لأهل الباطل وأعداء الدين شبهاً عرجاء يتكئون عليها، لينفذوا مآربهم من تدمير صفة هذه الأمة، وتدمير وجهتها وقبلتها من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!

стр. 1156

بدعة القول بتحريم النقاب أيها الأحبة! إن مما ابتلينا به في هذه الأيام: بدعة محدثة خطيرة، وقولة آثمة شريرة، ألا وهي القول بتحريم النقاب، تولى كبرها طبيب بيطري يرأس تخصصات الطب الشرعي والسموم بجامعة القاهرة. إن هذه الدعوى أوسع من الغبراء، وأكبر من أن تظلها الخضراء دعوى مخترعة محدثة لم تسمع من قبل من أحد من العلماء دعوى فاسدة يغني فسادها عن إفسادها باطلة يغني بطلانها عن إبطالها. إنها دعوى أن المحجبة المنقبة آثمة عاصية مجرمة مستحقة لعقاب الله وغضبه بسبب ارتدائها النقاب، وأن المتهتكة المتبرجة أفضل منها؛ لأنها أقل ابتلاءً وأقرب إلى سواء السبيل، فإنا لله وإنا إليه راجعون! هل سمعتم -يا عباد الله! - قولة خطيرة على مدى التاريخ كله كهذه القولة الجائرة الظالمة؟! لماذا يثير النقاب هذه البغضاء الكامنة في قلوب هؤلاء؟ لماذا لا يطيقون رؤية النقاب؟ لماذا يعلنون الحرب على الستر والعفاف؟ لماذا لا تكون هذه الحرب الهوجاء على التبرج والعري والعهر والفجور والإباحية والعربدة تحت ستار المدينة والتطور المظلم الأسود؟ لماذا لا تكون هذه الحرب الشعواء على المتبرجات على الكاسيات العاريات المائلات المميلات، اللائي ينفثن سموم الفتنة في قلوب الشباب والرجال في الليل والنهار؟ لقد أصبحت المنقبة الطاهرة آثمة في عصر تبدلت فيه الحقائق، وانقلبت فيه الموازين، فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة. أصبحت المنقبة هي الآثمة العاصية المجرمة، والمتهتكة الخليعة المتبرجة هي الأقرب إلى سواء السبيل!! رويداً رويداً، ومهلاً مهلاً يا دعاة التبرج والسفور! فأين حديث رسول الله ﷺ الذي رواه مسلم وأحمد وهو من معجزات النبي الخالدة من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). وفي رواية الإمام الطبراني: (العنوهن فإنهن ملعونات). فلا تبال بما يلقون من شبه وعندك العقل إن تدعيه يستجب سليه من أنا من أهلي لمن نسبي للغرب أم أنا للإسلام والعرب؟ لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذب؟ وما مكاني في دنيا تموج بنا في موضع الرأس أم في موضع الذنب هما سبيلان يا أختاه ما لهما من ثالث فاكسبي خيراً أو اكتسبي سبيل ربك والقرآن منهجه نور من الله لم يهزم ولم يغب في ركبه شرف الدنيا وعزتها ويوم نبعث فيه خير منقلب هذه الدعوة خطيرة، وكان من الواجب على كل العلماء والدعاة أن يتصدوا لها، لماذا؟ لأنها اشتهرت وانتشرت، وفرضتها جريدة النور -حيث لا نور- على الناس فرضاً ولمدة تسعة أشهر كاملة! وأخيراً تحولت هذه الفتوى إلى كتاب كبير يعلن عنه في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ومما يؤلم القلب أن مجلة (أكتوبر) قد أجرت حواراً مع فضيلة المفتي بعنوان (مجرد غسيل مخ)، وزعم فضيلته أن النقاب ليس من الإسلام في شيء، ثم أثنى ثناءً حميداً على مقالات: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، ووصفها بأن حجتها قوية وقاطعة. ونود أن نذكر فضيلة المفتي بما كتبه هو بيده في تفسيره للقرآن العظيم في سورة الأحزاب، فلقد فسر فضيلته آية الإدناء بأنها تشمل تغطية الوجه من المرأة، ولكن هذا الحكم الذي كتبه فضيلته كان قبل أن يتولى فضيلته منصب الإفتاء، نسأل الله الثبات على الحق، ونسأل الله حسن الخاتمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ورد في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي عمرو جرير بن عبد الله أنه ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). أيها المسلمون! أيتها المسلمات! إليكم بعض الأقوال الخطيرة التي نشرها صاحب هذا الكتاب لتشهدوا عليه وعليها أمام الله -إن لم يتب ويرجع إلى الله- في يوم سيعرض فيه الجميع على الله جل وعلا في يوم لا تنفع فيه الكراسي الزائلة، والمناصب الفانية، في يوم تنصب فيه الموازين، وتتطاير الصحف، وتقرأ الكتب، وصدق الله إذ يقول: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]. وصدق من قال: مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبد على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا نسأل الله أن يسترنا وإياكم في يوم الفضائح، إنه ولي ذلك ومولاه، وأن يجعل قولنا وعملنا خالصاً لوجهه إنه سميع مجيب الدعاء!

стр. 1157

تدليس الكاتب وتحريفه ثانياً: إن الكاتب -وهذا أمر خطير- استحل واستباح التدليس والتلبيس والتحريف والمراوغة، ولم يكن أميناً في نقل أدلة من خالفه من العلماء، بل كذب على العلماء وافترى على العلماء وقال عليهم ما لم يقولوه، لا ندعي ذلك جزافاً، ومن ذلك أنه دلس على شيخ الإسلام ابن تيمية وكذب عليه. فالكاتب يقول في صفحة رقم (مائة وواحد وتسعين): قال ابن تيمية ﵀ في الصراط المستقيم: ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأول على أهل الذمة أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن لكي لا يتشبهن بالمسلمات، ثم يعلق الكاتب ويقول: ويفهم -هذا ما يفهمه الكاتب- ويفهم من كلام ابن تيمية ﵀: أن الوجه لنساء المؤمنين لم يكن مغطى، وهذا عين الكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كيف فهم الكاتب هذا؟ ومن أين جاء بهذا الفهم؟ وهو يعلم -وأنا واثق من ذلك- أن شيخ الإسلام ابن تيمية من أوائل من يقولون بوجوب النقاب وبوجوب ستر الوجه، حيث يقول شيخ الإسلام في آية الحجاب، أي في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]: والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عبيدة السلماني وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكان النساء ينتقبن، وفي الصحيح: (إن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين)، فإذا كن -وما يزال الكلام لـ شيخ الإسلام - فإذا كن (أي: النساء) مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب، هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بنصه من مجموع الفتاوى المجلد الثاني والعشرين صفحة رقم مائة وعشرة ومائة وإحدى عشر، ذكرت هذا ليتبين لكم -أيها الأحباب وأيتها الفضليات- كيف سمح هذا الكاتب لنفسه أن يكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن يقول عنه ما هو بريء عنه براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وقد أوهم الكاتب القراء الذين يقرءون كتابه، من الذين لا حظ لهم من علم الأصول أو من الفهم الدقيق؛ أوهم أن الإمام ابن القيم ﵀ يصف النقاب بالتنطع والغلو والتشدد والتكلف، فيأتي الكاتب بعدما وصف النقاب بأنه غلو وتنطع وتشدد، يأتي ببعض الألفاظ التي قالها الإمام ابن القيم ليرد بها على أهل الغلو والتنطع، يأتي بها الكاتب ليصف بها ما يقوله هو من أن النقاب تنطع وغلو؛ ليوهم الناس بأن هذه الكلمات التي ذكرها الإمام ابن القيم إنما يصف بها النقاب، وأنه من الغلو والتنطع والتشدد، ومعلوم أن الإمام ابن القيم يقول بوجوب النقاب كما في إعلام الموقعين عن رب العالمين في الجزء الثاني في فصل: الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة، ويوهم الكاتب أيضاً أن الإمام القرطبي يوافقه في مذهبه من تخصيص الحجاب بأمهات المؤمنين ﵅، فيقول الكاتب في صفحة رقم مائة وسبعة وأربعين بهذه الروح العجيبة التي أشرنا إليها آنفاً يقول: وقد فهم القرطبي هذا المعنى الأساسي مثلما ذهبنا إليه تماماً. سبحان الله! القرطبي هو الذي فهم مثل ما ذهب إليه الكاتب، مع أن الإمام القرطبي ﵀ يقول في تفسير نفس السورة في آية الحجاب: ويدخل في ذلك -أي: في عموم الحجاب لجميع البدن- جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة، هذا قول الإمام القرطبي الذي أوهم الكاتب أنه وافقهم في مذهبه بتخصيص أمهات المؤمنين بالحجاب وحدهن ﵅. ثم يكذب الكاتب على العلماء الذين قالوا: بأن الحجاب ليس خاصاً بأزواج النبي ﷺ وحده وهم كثرة، كما سنرى ليأتي بهذا الإجماع الغريب العجيب فيقول في صفحة رقم ثلاثة وعشرين: وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النقاب خاص بأزواج النبي وحده، ثم نقل الإجماع! ومن أين جاء به؟ والله إنه عين الكذب على من قال: إن تخصيص الحجاب لزوجات النبي ﷺ وحدهن، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق كما سنرى في الأدلة الشرعية، وهذا الكاتب يقول: أجمع على ذلك المؤيدون لتعليمه والمعارضون، وهذا بهتان عظيم! وأكتفي بهذا القدر لضيق الصدر وتألم النفس، وإلا فوالله لو وقفنا مع كل صفحة من صفحات هذا الكتاب لرددنا عليه.

стр. 1158

كتاب (تذكير الأصحاب) في الميزان العنصر الثالث من عناصر هذه المحاضرة: كتاب تذكير الأصحاب في الميزان. أيها الأحباب! أيتها الفضليات! إن نظرة سريعة للكتاب تضحك وتبكي في آن واحد، نعم، فالكاتب الذي يقول دائماً: كما هو مقرر في الأصول؛ لا يحسن معنى الدليل، ولا يحسن مراتب الأدلة، ويجهل قواعد الجمع والترجيح، ويسيء فهم قواعد علم الأصول، ومن ذلك حتى لا يظن أحد أننا ندعي ذلك جزافاً: أولاً: أن الكاتب لا يعلم كيف يستفاد الحكم بالتحريم، فمعلوم أن الحرام كما يقول الدكتور زيدان في كتابه القيم: الوجيز في أصول الفقه: الحرام هو ما طلب الشارع الكف عنه على وجه الحتم والإلزام، فيكون تاركه مأجوراً مطيعاً، وفاعله آثماً عاصياً، سواءً أكان دليله قطعياً لا شبه فيه كحرمة الزنا، أم كان دليله ظنياً كالمحرمات بالسنة (الأحاديث). ثم يقول (أي الدكتور زيدان حفظه الله): ويستفاد الحكم بالتحريم -انتبه وانتبهن أيتها الفضليات! ويستفاد الحكم بالتحريم من استعمال لفظ يدل على التحريم بمادته كلفظ الأم أو لفظ البنت كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وكقوله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه البيهقي والدارقطني. أو يستفاد الحكم بالتحريم من صيغة النهي المقترنة بما يدل على الحتم كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]. أو يستفاد الحكم بالتحريم من ترتيب العقوبة على الفعل كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. والشرع الحكيم -وما يزال الكلام للدكتور زيدان حفظه الله- والشرع الحكيم لم يحرم شيئاً إلا لمفسدته الخالصة أو الغالبة، وهذه المفسدة إما أن ترجع إلى ذات الفعل المحرم، وهذا هو المحرم لذاته أو لعينه، وإما أن ترجع المفسدة إلى أمر اتصل بالفعل المحرم، وهذا هو المحرم لغيره كالصلاة في الأرض المغصوبة، أو كالبيع في وقت نداء الجمعة، فالبيع مثلاً في ذاته مباح، ولكن لوقوعه في وقت نداء الجمعة وإعاقته عن السعي إلى أداء صلاة الجمعة جاء النهي عنه من الشرع الحكيم. هذه هي قواعد علم الأصول التي تعلمناها من علمائنا ومشايخنا، والتي يستفاد منها الحكم بالتحريم، فأين هذه القواعد من هذه الفتوى الجائرة الظالمة بتحريم النقاب، كيف فهم الكاتب هذه القواعد التي يستفاد منها الحكم بالتحريم؟ اسمعوا واستمعن، هل ورد نص بلفظ حرمة النقاب؟ هذه هي قواعد علم الأصول التي يستفاد منها الحكم بالتحريم، هل ورد نص بلفظ حرمة النقاب؟ أو هل ورد نص بنفي الحل عن النقاب؟ أو هل ورد نهي من الشرع عن ارتداء النقاب، سواء على سبيل التحريم أو حتى على سبيل الكراهة؟ أو هل ورد نص يحتم العقوبة على من تلبس النقاب؟ أجبنا أيها الكاتب! ومما يزيد الأسى أن الكاتب لا يعرف الفرق بين النقاب والحجاب، نعم، لا يعرف الفرق اللغوي بين معنى النقاب والحجاب، فهو يقول: إن كلامنا عن النقاب أفضل من كلامنا عن الحجاب؛ لأن الأول -أي: كلامنا عن النقاب- يدرأ فتنة، أما الثاني (أي: كلامه عن الحجاب) فيجلب المصلحة، ومعلوم أن درأ الفتن أو المفاسد مقدم على جلب النعم أو المصالح كما هو مقرر في الأصول، وليعلم الكاتب أن الحجاب أشمل وأعم من النقاب، والنقاب جزء من الحجاب الشرعي أو صورة من صور الحجاب الشرعي، فليتعلم معنى النقاب ومعنى الحجاب ليطبق القاعدة التي ذكرها آنفاً في علم الأصول تطبيقاً صحيحاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1159

الرد على دعوى عدم وجود دليل شرعي على مشروعية النقاب والقفازين ومن أقواله الخطيرة التي يسخر فيها من العلماء، يسخر فيها من الأئمة الأعلام ومصابيح الظلام، ويتهم العلماء بالإفلاس وعدم الفهم وقلة العقل، يقول في صفحة رقم (مائتين وثلاثة عشر): انظر كيف يفعل الإفلاس بأصحابه حين أصبحوا عاجزين عن الإتيان بدليل شرعي يقيني واحد على مشروعية النقاب أو القفاز، فلما لم يجدوا الدليل ألجأهم العجز إلى القصص، إلى القصص والإشاعات التي لا يعرف لها مصدر علمي، علهم يجدون فيها ما ينقلهم من الحرج الذي وضعوا أنفسهم فيه، إنها رواية أشبه بما يحكى عن أبي زيد الهلالي والزير سالم وغيرهما، فهل يمكن الاحتجاج بما يقال فيه: قال الراوي: يا سادة! يا كرام! فيقدم للناس على أنه من الدين الحنيف. أسمعتم أيها الأحباب! إلى هذا الحد صارت السخرية والاستهزاء بأئمة الهدى ومصابيح الظلام! ثم يقول في صفحة رقم (مائتين وخمسة وعشرين): إن كل مدافع عنه (أي: عن النقاب) عاجز تماماً عن الإتيان بدليل شرعي واحد يعتد به على جواز التمسك به، وإن الذين زينوا للعوام الجهلة فعل التنقب ولبس النقاب، إنما هم في أكثرهم نقلة صحف، لا يفقهون ما ينقلون، ولا يعقلون ما يكتبون، وفي أقلهم حفظة يرددون ما يحفظون دون أن تترسخ لهم قدم، فيحسبون أنهم على شيء من العلم بدقائق الشرع الشريف الحنيف، وهم واهمون؛ لأنهم عادة متحمسون وأنى للمتحمسين أن يحسنوا الحياد في العلم والموضوعية في البحث؟! هكذا أيها الأحباب! وهذه حروف الكاتب تماماً، أسأل الله العافية، فالعلماء الأجلاء وورثة الأنبياء في نظر هذا الكاتب نقلة صحف، لا يفقهون ما ينقلون، ولا يعقلون ما يكتبون، فإلى الله المشتكى، والله المستعان، ونسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة. ومن أقواله التي تفوح منها هذه الروح قوله في عدد (٢٨/ ١/١٤١١هـ) من جريدة النور قال: وقد صدق ظني عندما أصدرت كتابي عن النقاب، وقلت: إنه لا يستطيع نقده أو الرد على بعض ما فيه، فليست العصمة إلا للأنبياء، إلا واحد من اثنين: إما الألباني العلامة المشهور، وإما ابن باز العالم الكبير -هذا على حد تعبير الكاتب-، وإني أتشوق لذلك، وإن كنت أتوسم بفضل الله تعالى أن أدافع عما يوجه إلي منهما إلى آخر كلامه، وسوف أرد عليه بكلام مصباحي الدجى، ومجددي شباب الأمة، بكلام شيخنا الألباني وشيخنا ابن باز في موضعه بإذن الله جل وعلا. ثم تعلن هذه الروح عن نفسها صراحة، فيقول في عدد (٢/ ٤/١٤١١هـ) من جريدة النور: إنني أطلب من علماء الكرة الأرضية بقاراتها السبع أن يأتي واحد منهم بدليل واحد على كون النقاب من الإسلام! وسوف آتيه بعشرات الأدلة بإذن الله جل وعلا. وأكتفي أيها الأحباب! بذكر هذه الأقوال، وإلا فهي خطيرة كثيرة تبعثرت في الكتاب كله، فيشهد الله لقد ضاق صدري، وتألمت نفسي وكفى، وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]: هذه بعض الأقوال التي ذكرها الكاتب، وسأترك للمسلم والمسلمة أن يحكم على هذه الأقوال الخطيرة، وليشهد بها وعليها أمام الله ، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ونسأل الله العفو والعافية.

стр. 1160

الرد على القول بأن المتبرجة أفضل من المنقبة من أقواله الخطيرة: قوله في صفحة رقم (مائتين وستة وعشرين) و (مائتين وسبعة وعشرين): إن المتبرجة أفضل من المنقبة -اسمع لقوله- يقول: لأن الأولى (أي: المتبرجة) عاصية تعلم أنها عاصية بينما الثانية المنقبة عاصية تعلم أنها فاضلة. كما أن الأولى (أي: المتبرجة) ليست عرضة للكبر والعجب المانعين من دخول الجنة، بينما الثانية (أي: المنقبة) أكثر عرضة لذلك، يقول: فأيهما أحق بالإشفاق؟ وأيهما أقرب للتوبة؟ وأيهما أولى بالاستغفار؟ إن المنقبة -هذا قوله- إن المنقبة تحتاج إلى أن نستغفر لها مرتين، بينما المتبرجة مرة واحدة؛ لأنها أقل ابتلاءً، وأقرب إلى سواء السبيل. إنا لله وإنا إليه راجعون، وأنا أسأل كل عاقل على وجه الأرض، هل المنقبة التي غطت نفسها تماماً، وتمشي على استحياء، شاخصة ببصرها إلى موضع قدمها، هي التي يتملكها العجب والكبر والغرور أم المتبرجة التي خرجت تتفنن بعرض زينتها وفتنتها وجمالها وهي تقول بلسان الحال: ألا تنظرون إلى هذا الجمال؟ هل من راغب في القرب والوصال؟ إنها تعرض جمالها في الأسواق والشوارع والطرقات كما يعرض البائع المتجول سلعة. سأترك لك الجواب أيها المسلم! وأيتها المسلمة!
следующие страницы →