← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بدعة القول بتحريم النقاب أيها الأحبة! إن مما ابتلينا به في هذه الأيام: بدعة محدثة خطيرة، وقولة آثمة شريرة، ألا وهي القول بتحريم النقاب، تولى كبرها طبيب بيطري يرأس تخصصات الطب الشرعي والسموم بجامعة القاهرة. إن هذه الدعوى أوسع من الغبراء، وأكبر من أن تظلها الخضراء دعوى مخترعة محدثة لم تسمع من قبل من أحد من العلماء دعوى فاسدة يغني فسادها عن إفسادها باطلة يغني بطلانها عن إبطالها. إنها دعوى أن المحجبة المنقبة آثمة عاصية مجرمة مستحقة لعقاب الله وغضبه بسبب ارتدائها النقاب، وأن المتهتكة المتبرجة أفضل منها؛ لأنها أقل ابتلاءً وأقرب إلى سواء السبيل، فإنا لله وإنا إليه راجعون! هل سمعتم -يا عباد الله! - قولة خطيرة على مدى التاريخ كله كهذه القولة الجائرة الظالمة؟! لماذا يثير النقاب هذه البغضاء الكامنة في قلوب هؤلاء؟ لماذا لا يطيقون رؤية النقاب؟ لماذا يعلنون الحرب على الستر والعفاف؟ لماذا لا تكون هذه الحرب الهوجاء على التبرج والعري والعهر والفجور والإباحية والعربدة تحت ستار المدينة والتطور المظلم الأسود؟ لماذا لا تكون هذه الحرب الشعواء على المتبرجات على الكاسيات العاريات المائلات المميلات، اللائي ينفثن سموم الفتنة في قلوب الشباب والرجال في الليل والنهار؟ لقد أصبحت المنقبة الطاهرة آثمة في عصر تبدلت فيه الحقائق، وانقلبت فيه الموازين، فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، والسنة بدعة والبدعة سنة. أصبحت المنقبة هي الآثمة العاصية المجرمة، والمتهتكة الخليعة المتبرجة هي الأقرب إلى سواء السبيل!! رويداً رويداً، ومهلاً مهلاً يا دعاة التبرج والسفور! فأين حديث رسول الله ﷺ الذي رواه مسلم وأحمد وهو من معجزات النبي الخالدة من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا). وفي رواية الإمام الطبراني: (العنوهن فإنهن ملعونات). فلا تبال بما يلقون من شبه وعندك العقل إن تدعيه يستجب سليه من أنا من أهلي لمن نسبي للغرب أم أنا للإسلام والعرب؟ لمن ولائي لمن حبي لمن عملي لله أم لدعاة الإثم والكذب؟ وما مكاني في دنيا تموج بنا في موضع الرأس أم في موضع الذنب هما سبيلان يا أختاه ما لهما من ثالث فاكسبي خيراً أو اكتسبي سبيل ربك والقرآن منهجه نور من الله لم يهزم ولم يغب في ركبه شرف الدنيا وعزتها ويوم نبعث فيه خير منقلب هذه الدعوة خطيرة، وكان من الواجب على كل العلماء والدعاة أن يتصدوا لها، لماذا؟ لأنها اشتهرت وانتشرت، وفرضتها جريدة النور -حيث لا نور- على الناس فرضاً ولمدة تسعة أشهر كاملة! وأخيراً تحولت هذه الفتوى إلى كتاب كبير يعلن عنه في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ومما يؤلم القلب أن مجلة (أكتوبر) قد أجرت حواراً مع فضيلة المفتي بعنوان (مجرد غسيل مخ)، وزعم فضيلته أن النقاب ليس من الإسلام في شيء، ثم أثنى ثناءً حميداً على مقالات: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، ووصفها بأن حجتها قوية وقاطعة. ونود أن نذكر فضيلة المفتي بما كتبه هو بيده في تفسيره للقرآن العظيم في سورة الأحزاب، فلقد فسر فضيلته آية الإدناء بأنها تشمل تغطية الوجه من المرأة، ولكن هذا الحكم الذي كتبه فضيلته كان قبل أن يتولى فضيلته منصب الإفتاء، نسأل الله الثبات على الحق، ونسأل الله حسن الخاتمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ورد في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي عمرو جرير بن عبد الله أنه ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء). أيها المسلمون! أيتها المسلمات! إليكم بعض الأقوال الخطيرة التي نشرها صاحب هذا الكتاب لتشهدوا عليه وعليها أمام الله -إن لم يتب ويرجع إلى الله- في يوم سيعرض فيه الجميع على الله جل وعلا في يوم لا تنفع فيه الكراسي الزائلة، والمناصب الفانية، في يوم تنصب فيه الموازين، وتتطاير الصحف، وتقرأ الكتب، وصدق الله إذ يقول: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]. وصدق من قال: مثل وقوفك يوم العرض عريانا مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا اقرأ كتابك يا عبد على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا لما قرأت ولم تنكر قراءته إقرار من عرف الأشياء عرفانا نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبدٍ عصى للنار عطشانا المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا نسأل الله أن يسترنا وإياكم في يوم الفضائح، إنه ولي ذلك ومولاه، وأن يجعل قولنا وعملنا خالصاً لوجهه إنه سميع مجيب الدعاء!

стр. 1157

تدليس الكاتب وتحريفه ثانياً: إن الكاتب -وهذا أمر خطير- استحل واستباح التدليس والتلبيس والتحريف والمراوغة، ولم يكن أميناً في نقل أدلة من خالفه من العلماء، بل كذب على العلماء وافترى على العلماء وقال عليهم ما لم يقولوه، لا ندعي ذلك جزافاً، ومن ذلك أنه دلس على شيخ الإسلام ابن تيمية وكذب عليه. فالكاتب يقول في صفحة رقم (مائة وواحد وتسعين): قال ابن تيمية ﵀ في الصراط المستقيم: ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأول على أهل الذمة أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن لكي لا يتشبهن بالمسلمات، ثم يعلق الكاتب ويقول: ويفهم -هذا ما يفهمه الكاتب- ويفهم من كلام ابن تيمية ﵀: أن الوجه لنساء المؤمنين لم يكن مغطى، وهذا عين الكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، كيف فهم الكاتب هذا؟ ومن أين جاء بهذا الفهم؟ وهو يعلم -وأنا واثق من ذلك- أن شيخ الإسلام ابن تيمية من أوائل من يقولون بوجوب النقاب وبوجوب ستر الوجه، حيث يقول شيخ الإسلام في آية الحجاب، أي في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]: والجلباب هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عبيدة السلماني وغيره: أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكان النساء ينتقبن، وفي الصحيح: (إن المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين)، فإذا كن -وما يزال الكلام لـ شيخ الإسلام - فإذا كن (أي: النساء) مأمورات بالجلباب وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب، كان حينئذ الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب، هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بنصه من مجموع الفتاوى المجلد الثاني والعشرين صفحة رقم مائة وعشرة ومائة وإحدى عشر، ذكرت هذا ليتبين لكم -أيها الأحباب وأيتها الفضليات- كيف سمح هذا الكاتب لنفسه أن يكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن يقول عنه ما هو بريء عنه براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وقد أوهم الكاتب القراء الذين يقرءون كتابه، من الذين لا حظ لهم من علم الأصول أو من الفهم الدقيق؛ أوهم أن الإمام ابن القيم ﵀ يصف النقاب بالتنطع والغلو والتشدد والتكلف، فيأتي الكاتب بعدما وصف النقاب بأنه غلو وتنطع وتشدد، يأتي ببعض الألفاظ التي قالها الإمام ابن القيم ليرد بها على أهل الغلو والتنطع، يأتي بها الكاتب ليصف بها ما يقوله هو من أن النقاب تنطع وغلو؛ ليوهم الناس بأن هذه الكلمات التي ذكرها الإمام ابن القيم إنما يصف بها النقاب، وأنه من الغلو والتنطع والتشدد، ومعلوم أن الإمام ابن القيم يقول بوجوب النقاب كما في إعلام الموقعين عن رب العالمين في الجزء الثاني في فصل: الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة، ويوهم الكاتب أيضاً أن الإمام القرطبي يوافقه في مذهبه من تخصيص الحجاب بأمهات المؤمنين ﵅، فيقول الكاتب في صفحة رقم مائة وسبعة وأربعين بهذه الروح العجيبة التي أشرنا إليها آنفاً يقول: وقد فهم القرطبي هذا المعنى الأساسي مثلما ذهبنا إليه تماماً. سبحان الله! القرطبي هو الذي فهم مثل ما ذهب إليه الكاتب، مع أن الإمام القرطبي ﵀ يقول في تفسير نفس السورة في آية الحجاب: ويدخل في ذلك -أي: في عموم الحجاب لجميع البدن- جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة، هذا قول الإمام القرطبي الذي أوهم الكاتب أنه وافقهم في مذهبه بتخصيص أمهات المؤمنين بالحجاب وحدهن ﵅. ثم يكذب الكاتب على العلماء الذين قالوا: بأن الحجاب ليس خاصاً بأزواج النبي ﷺ وحده وهم كثرة، كما سنرى ليأتي بهذا الإجماع الغريب العجيب فيقول في صفحة رقم ثلاثة وعشرين: وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النقاب خاص بأزواج النبي وحده، ثم نقل الإجماع! ومن أين جاء به؟ والله إنه عين الكذب على من قال: إن تخصيص الحجاب لزوجات النبي ﷺ وحدهن، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق كما سنرى في الأدلة الشرعية، وهذا الكاتب يقول: أجمع على ذلك المؤيدون لتعليمه والمعارضون، وهذا بهتان عظيم! وأكتفي بهذا القدر لضيق الصدر وتألم النفس، وإلا فوالله لو وقفنا مع كل صفحة من صفحات هذا الكتاب لرددنا عليه.

стр. 1158

كتاب (تذكير الأصحاب) في الميزان العنصر الثالث من عناصر هذه المحاضرة: كتاب تذكير الأصحاب في الميزان. أيها الأحباب! أيتها الفضليات! إن نظرة سريعة للكتاب تضحك وتبكي في آن واحد، نعم، فالكاتب الذي يقول دائماً: كما هو مقرر في الأصول؛ لا يحسن معنى الدليل، ولا يحسن مراتب الأدلة، ويجهل قواعد الجمع والترجيح، ويسيء فهم قواعد علم الأصول، ومن ذلك حتى لا يظن أحد أننا ندعي ذلك جزافاً: أولاً: أن الكاتب لا يعلم كيف يستفاد الحكم بالتحريم، فمعلوم أن الحرام كما يقول الدكتور زيدان في كتابه القيم: الوجيز في أصول الفقه: الحرام هو ما طلب الشارع الكف عنه على وجه الحتم والإلزام، فيكون تاركه مأجوراً مطيعاً، وفاعله آثماً عاصياً، سواءً أكان دليله قطعياً لا شبه فيه كحرمة الزنا، أم كان دليله ظنياً كالمحرمات بالسنة (الأحاديث). ثم يقول (أي الدكتور زيدان حفظه الله): ويستفاد الحكم بالتحريم -انتبه وانتبهن أيتها الفضليات! ويستفاد الحكم بالتحريم من استعمال لفظ يدل على التحريم بمادته كلفظ الأم أو لفظ البنت كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وكقوله ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) رواه البيهقي والدارقطني. أو يستفاد الحكم بالتحريم من صيغة النهي المقترنة بما يدل على الحتم كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]. أو يستفاد الحكم بالتحريم من ترتيب العقوبة على الفعل كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]. والشرع الحكيم -وما يزال الكلام للدكتور زيدان حفظه الله- والشرع الحكيم لم يحرم شيئاً إلا لمفسدته الخالصة أو الغالبة، وهذه المفسدة إما أن ترجع إلى ذات الفعل المحرم، وهذا هو المحرم لذاته أو لعينه، وإما أن ترجع المفسدة إلى أمر اتصل بالفعل المحرم، وهذا هو المحرم لغيره كالصلاة في الأرض المغصوبة، أو كالبيع في وقت نداء الجمعة، فالبيع مثلاً في ذاته مباح، ولكن لوقوعه في وقت نداء الجمعة وإعاقته عن السعي إلى أداء صلاة الجمعة جاء النهي عنه من الشرع الحكيم. هذه هي قواعد علم الأصول التي تعلمناها من علمائنا ومشايخنا، والتي يستفاد منها الحكم بالتحريم، فأين هذه القواعد من هذه الفتوى الجائرة الظالمة بتحريم النقاب، كيف فهم الكاتب هذه القواعد التي يستفاد منها الحكم بالتحريم؟ اسمعوا واستمعن، هل ورد نص بلفظ حرمة النقاب؟ هذه هي قواعد علم الأصول التي يستفاد منها الحكم بالتحريم، هل ورد نص بلفظ حرمة النقاب؟ أو هل ورد نص بنفي الحل عن النقاب؟ أو هل ورد نهي من الشرع عن ارتداء النقاب، سواء على سبيل التحريم أو حتى على سبيل الكراهة؟ أو هل ورد نص يحتم العقوبة على من تلبس النقاب؟ أجبنا أيها الكاتب! ومما يزيد الأسى أن الكاتب لا يعرف الفرق بين النقاب والحجاب، نعم، لا يعرف الفرق اللغوي بين معنى النقاب والحجاب، فهو يقول: إن كلامنا عن النقاب أفضل من كلامنا عن الحجاب؛ لأن الأول -أي: كلامنا عن النقاب- يدرأ فتنة، أما الثاني (أي: كلامه عن الحجاب) فيجلب المصلحة، ومعلوم أن درأ الفتن أو المفاسد مقدم على جلب النعم أو المصالح كما هو مقرر في الأصول، وليعلم الكاتب أن الحجاب أشمل وأعم من النقاب، والنقاب جزء من الحجاب الشرعي أو صورة من صور الحجاب الشرعي، فليتعلم معنى النقاب ومعنى الحجاب ليطبق القاعدة التي ذكرها آنفاً في علم الأصول تطبيقاً صحيحاً، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1159

الرد على دعوى عدم وجود دليل شرعي على مشروعية النقاب والقفازين ومن أقواله الخطيرة التي يسخر فيها من العلماء، يسخر فيها من الأئمة الأعلام ومصابيح الظلام، ويتهم العلماء بالإفلاس وعدم الفهم وقلة العقل، يقول في صفحة رقم (مائتين وثلاثة عشر): انظر كيف يفعل الإفلاس بأصحابه حين أصبحوا عاجزين عن الإتيان بدليل شرعي يقيني واحد على مشروعية النقاب أو القفاز، فلما لم يجدوا الدليل ألجأهم العجز إلى القصص، إلى القصص والإشاعات التي لا يعرف لها مصدر علمي، علهم يجدون فيها ما ينقلهم من الحرج الذي وضعوا أنفسهم فيه، إنها رواية أشبه بما يحكى عن أبي زيد الهلالي والزير سالم وغيرهما، فهل يمكن الاحتجاج بما يقال فيه: قال الراوي: يا سادة! يا كرام! فيقدم للناس على أنه من الدين الحنيف. أسمعتم أيها الأحباب! إلى هذا الحد صارت السخرية والاستهزاء بأئمة الهدى ومصابيح الظلام! ثم يقول في صفحة رقم (مائتين وخمسة وعشرين): إن كل مدافع عنه (أي: عن النقاب) عاجز تماماً عن الإتيان بدليل شرعي واحد يعتد به على جواز التمسك به، وإن الذين زينوا للعوام الجهلة فعل التنقب ولبس النقاب، إنما هم في أكثرهم نقلة صحف، لا يفقهون ما ينقلون، ولا يعقلون ما يكتبون، وفي أقلهم حفظة يرددون ما يحفظون دون أن تترسخ لهم قدم، فيحسبون أنهم على شيء من العلم بدقائق الشرع الشريف الحنيف، وهم واهمون؛ لأنهم عادة متحمسون وأنى للمتحمسين أن يحسنوا الحياد في العلم والموضوعية في البحث؟! هكذا أيها الأحباب! وهذه حروف الكاتب تماماً، أسأل الله العافية، فالعلماء الأجلاء وورثة الأنبياء في نظر هذا الكاتب نقلة صحف، لا يفقهون ما ينقلون، ولا يعقلون ما يكتبون، فإلى الله المشتكى، والله المستعان، ونسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة. ومن أقواله التي تفوح منها هذه الروح قوله في عدد (٢٨/ ١/١٤١١هـ) من جريدة النور قال: وقد صدق ظني عندما أصدرت كتابي عن النقاب، وقلت: إنه لا يستطيع نقده أو الرد على بعض ما فيه، فليست العصمة إلا للأنبياء، إلا واحد من اثنين: إما الألباني العلامة المشهور، وإما ابن باز العالم الكبير -هذا على حد تعبير الكاتب-، وإني أتشوق لذلك، وإن كنت أتوسم بفضل الله تعالى أن أدافع عما يوجه إلي منهما إلى آخر كلامه، وسوف أرد عليه بكلام مصباحي الدجى، ومجددي شباب الأمة، بكلام شيخنا الألباني وشيخنا ابن باز في موضعه بإذن الله جل وعلا. ثم تعلن هذه الروح عن نفسها صراحة، فيقول في عدد (٢/ ٤/١٤١١هـ) من جريدة النور: إنني أطلب من علماء الكرة الأرضية بقاراتها السبع أن يأتي واحد منهم بدليل واحد على كون النقاب من الإسلام! وسوف آتيه بعشرات الأدلة بإذن الله جل وعلا. وأكتفي أيها الأحباب! بذكر هذه الأقوال، وإلا فهي خطيرة كثيرة تبعثرت في الكتاب كله، فيشهد الله لقد ضاق صدري، وتألمت نفسي وكفى، وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]: هذه بعض الأقوال التي ذكرها الكاتب، وسأترك للمسلم والمسلمة أن يحكم على هذه الأقوال الخطيرة، وليشهد بها وعليها أمام الله ، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ونسأل الله العفو والعافية.

стр. 1160

الرد على القول بأن المتبرجة أفضل من المنقبة من أقواله الخطيرة: قوله في صفحة رقم (مائتين وستة وعشرين) و (مائتين وسبعة وعشرين): إن المتبرجة أفضل من المنقبة -اسمع لقوله- يقول: لأن الأولى (أي: المتبرجة) عاصية تعلم أنها عاصية بينما الثانية المنقبة عاصية تعلم أنها فاضلة. كما أن الأولى (أي: المتبرجة) ليست عرضة للكبر والعجب المانعين من دخول الجنة، بينما الثانية (أي: المنقبة) أكثر عرضة لذلك، يقول: فأيهما أحق بالإشفاق؟ وأيهما أقرب للتوبة؟ وأيهما أولى بالاستغفار؟ إن المنقبة -هذا قوله- إن المنقبة تحتاج إلى أن نستغفر لها مرتين، بينما المتبرجة مرة واحدة؛ لأنها أقل ابتلاءً، وأقرب إلى سواء السبيل. إنا لله وإنا إليه راجعون، وأنا أسأل كل عاقل على وجه الأرض، هل المنقبة التي غطت نفسها تماماً، وتمشي على استحياء، شاخصة ببصرها إلى موضع قدمها، هي التي يتملكها العجب والكبر والغرور أم المتبرجة التي خرجت تتفنن بعرض زينتها وفتنتها وجمالها وهي تقول بلسان الحال: ألا تنظرون إلى هذا الجمال؟ هل من راغب في القرب والوصال؟ إنها تعرض جمالها في الأسواق والشوارع والطرقات كما يعرض البائع المتجول سلعة. سأترك لك الجواب أيها المسلم! وأيتها المسلمة!

стр. 1161

الرد على القول بأن النقاب بدعة ومن أقواله التي استدل بها على تحريم النقاب: قوله في صفحة رقم (مائتين وثمانية وعشرين) و (مائتين وتسعة وعشرين) من كتابه: إن المنقبة تشبهت ببعض طوائف أهل الكتاب، طوائف من الراهبات يلبسن مثل هذا النقاب. وأنا أسألك أيها الكاتب! لأني رأيت صورته على غلاف كتابه بلحية كبيرة كثة، أسألك: هل يجوز أن تحلق لحيتك؛ لأن بعض القساوسة قد أعفى وأطلق لحيته؟ ومن أقواله الخطيرة التي استدل بها أيضاً على تحريم النقاب: قوله في صفحة رقم (مائة وثمانين) و (مائة وواحد وثمانين): إن تنقب عموم النساء أمر محدث في الدين، وكل محدث حرام ومردود، ولا يرد إلا الحرام والخبيث، والحرام معروف حكمه، والخبيث في النار، وأصحابه هم الخاسرون ثم يشير إلى أن النقاب من هذا الخبيث ومن الخبائث ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، إنا لله وإنا إليه راجعون! ومن أقواله الخطيرة: أنه ادعى أن الصحابة ﵃ قد أجمعوا إجماعاً فعلياً -أي: عملياً- على وجوب كشف الوجه، كما يقول في صفحة رقم (مائتين وسبعة وعشرين)، وهذا والله بهتان عظيم، فمن أين جاء بهذا الإجماع؟ من أين جاء بهذا الإجماع الخطير؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! ومن أقواله الخطيرة التي يستدل بها أيضاً على تحريم النقاب: قوله في صفحة رقم (سبعة وثلاثين): الوجه أصل الفطرة والفطرة، محمودة دائماً، وديننا هو دين الفطرة، ومن أدان الفطرة فقد أدان الإسلام. ما شاء الله على هذا الاستدلال المنطقي! وهو كقول من قال: كل فرار من العدو جبن، وكل جبن مصنوع من اللبن، إذاً: كل فرار من العدو مصنوع من اللبن.

стр. 1162

الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب أيها الأحباب وأيتها الفضليات: تعالوا بنا إلى العنصر الرابع من عناصر المحاضرة وهو: الأدلة الشرعية على وجوب الحجاب:

стр. 1163

الدليل الأول: آية الإدناء أيها الأحباب وأيتها الفضليات: تعالوا بنا إلى العنصر الرابع من عناصر المحاضرة وهو: الأدلة الشرعية على وجوب الحجاب:

стр. 1164

كلام الإمام الرازي في آية الإدناء قال الله في سورة الأحزاب في الآية (٥٩) بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩].

стр. 1165

ذكر كثير من العلماء القائلين بوجوب الحجاب أيها الأحباب: رجح كثير من أهل العلم وجوب النقاب -كما سمعتم آنفاً إلى أقوالهم القيمة الطيبة- ولولا أنني أخشى الإطالة لذكرت كل أقوالهم مفصلة، ولكنني سأكتفي بذكر مزيد من أسماء هؤلاء الأئمة العلماء مشيراً فقط إلى المصدر الذي ورد فيه قولهم بوجوب النقاب أو بوجوب ستر الوجه، من هؤلاء العلماء الذين قالوا بوجوب ستر الوجه: - الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الكريم في تفسير سورة الأحزاب الآية (٥٩). - ومنهم الإمام البغوي في معالم التنزيل في تفسير سورة الأحزاب الآية (٥٩). - ومنهم الإمام الزمخشري في الكشاف في تفسير سورة الأحزاب الآية (٥٩). - ومنهم الإمام ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير في تفسير سورة الأحزاب الآية (٥٩). - ومنهم الإمام البيضاوي في أنوار التنزيل وأسرار التأويل في تفسير سورة الأحزاب الآية (٥٩). - وبه -أي: بوجوب ستر الوجه- قال الإمام النسفي في مدارك التنزيل وحقائق التأويل في تفسير سورة الأحزاب. - وبه قال الإمام ابن حيان الأندلسي في البحر المحيط في تفسير سورة الأحزاب في الآية (٥٩). - وبه قال الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب ذاكراً تفسير عبيدة السلماني ﵀. - وبه قال الإمام الخطيب الشربيني في السراج المنير في تفسير سورة الأحزاب. - وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير سورة النور وغيرها. - وبه قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين في فصل: الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة. - وبه قال الإمام ابن حزم في المحلى في الجزء الثالث تحقيق الشيخ أحمد شاكر ﵏. - وبه قال العلامة الشوكاني في فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير في تفسير سورة الأحزاب. - وبه قال العلامة الألوسي في روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني في تفسير سورة الأحزاب. وبه قال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل في تفسير سورة الأحزاب. - وبه قال علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، في تفسير سورة الأحزاب. - وبه قال الدكتور محمد محمود في التفسير الواضح في تفسير سورة الأحزاب. - وبه قال شيخنا أبو بكر الجزائري حفظه الله في أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير في تفسيره لسورة الأحزاب. - وبه قال فضيلة الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي ﵀ في كتابه القيم: يا فتاة الإسلام اقرئي حتى لا تخدعي. وأعتقد أيها الأحباب! أن هذا يكفي رداً على قول الكاتب وتحديه لكل علماء الكرة الأرضية أن يأتوا بدليل واحد على كون النقاب من الإسلام. وصدق الله جل وعلا إذ يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. وصدق من قال: إن الحجاب الذي نبغيه مكرمة لكل مسلمة ما عابت ولم تعب نريد منها احتشاماً عفة أدباً وهم يريدون منها قلة الأدب يا رب أنثى لها عزم لها أدب فاقت رجالاً بلا عزم ولا أدب ويا لقبح فتاة لا حياء لها وإن تحلت بغالي الماس والذهب

стр. 1166

كلام الشيخ المودودي في الأمر بالحجاب قال الشيخ المودودي ﵀ في آية الإدناء صفحة رقم (٢٥٠): نزلت خاصة في ستر الوجه. ثم يقول: ومعنى الآية بالحرف: أن يرخين جانباً من خمورهن أو ثيابهن على أنفسهن، وهذا هو المفهوم من ضرب الخمار على الوجه، والمقصود به ستر الوجه وإخفاؤه، سواء كان بضرب الخمار أو بلبس النقاب أو بطريقة أخرى غيره. ثم يقول الشيخ المودودي ﵀ في صفحة رقم (٣٣٠): وإن الوجه هو المظهر الأكبر للجمال الخلقي والطبيعي في الإنسان، فهو أكثر مفاتن الجمال الإنساني جذباً للأنظار واستهواءً للنزعات، ثم هو العامل الأقوى للجاذبية الجنسية بين الصنفين.

стр. 1167

كلام الشيخ ابن عثيمين في وجوب الحجاب ويقول شيخنا الحبيب ابن عثيمين حفظه الله في رسالة قيمة بعنوان (توجيهات للمؤمنات حول التبرج والسفور). يقول في صفحة (١٧ - ١٨ () من هذه الرسالة القيمة: وقد دلت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، والنظر الصحيح والاعتبار والميزان على أنه يجب على المرأة أن تستر وجهها عن الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها. ثم يقول: وإذا تأمل العاقل المؤمن هذه الشريعة وحكمها وأسرارها تبين أنه لا يمكن أن تلزم -أي: الشريعة- المرأة بستر الرأس والعنق والذراع والساق والقدم، ثم تبيح -أي: الشريعة- للمرأة أن تخرج كفيها ووجهها المملوء جمالاً وتحسيناً، فإن ذلك خلاف العفة إلى آخر كلامه حفظه الله.

стр. 1168

كلام الشيخ الشنقيطي في الحجاب يقول العلامة الرباني الشيخ الشنقيطي ﵀ في آية الإدناء: وفي الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] يدخل في معناه: ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها. والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: (قل لأزواجك)؛ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، بل هذا مما يوافق عليه الكاتب. يقول الإمام الشنقيطي: فذكر الله تعالى الأزواج مع البنات مع نساء المؤمنين في آية واحدة وفي حكم واحد يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب، فكيف تستقيم دعوى الخصوصية والله تعالى يقول: (ونساء المؤمنين)؟ اهـ. وهذا واضح جداً لمن لم يدخل الهوى في قلبه، فيعمي بذلك عقله والعياذ بالله. ويقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله في كتابه القيم: نظرات في حجاب المرأة المسلمة في صفحة رقم (٤٨) في الهامش، يقول عن آيات الإدناء: لو لم يكن من الأدلة الشرعية على منع كشف الوجه إلا هذا النص من الله تعالى لكفى به حكماً موجباً؛ لأن الوجه هو العنوان من المرأة لنعرف بها من الناحية الشخصية ومن الناحية التي تجلب الفتنة. ثم يقول: وهذا الأمر يقتضي الوجوب ولا يوجد أي دليل ينقله من الوجوب إلى الاستحباب أو الإباحة.

стр. 1169

كلام ابن جرير الطبري في تفسير آية الإدناء يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير آية الإدناء في سورة الأحزاب: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: -واحفظوا هذا القول لـ ابن عباس ﵄؛ لأنه سيفترى عليه قولاً آخر- أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. ويقوي هذا الإسناد ما صح عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني -وعبيدة السلماني هو التابعي الجليل الفقيه العلم، آمن في حياة النبي ﷺ ، ونزل المدينة في عهد عمر بن الخطاب ﵁، ولم يزل عبيدة في المدينة حتى مات ﵀، وقد فسر آية الإدناء تفسيراً عملياً وفعلياً وواقعياً يوضح ما كان عليه نساء الصحابة ﵅ جميعاً- يقول ابن سيرين: سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]، يقول: فأخذ بثوبه فغطى رأسه ووجهه، وكشف ثوبه عن إحدى عينيه. هذه صورة فعليه عملية للتابعي الجليل الذي عاش في المدينة المنورة في زمن عمر ﵁ وإلى ما بعده، وهو يوضح فعل الصحابيات وما كن عليه ﵅، فإلى الله المشتكى والله المستعان على ما قيل كذباً على أصحاب رسول الله ﷺ من أنهم أجمعوا إجماعاً فعلياً على وجوب كشف الوجه والكفين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!! يقول الإمام الرازي في آية الإدناء أيضاً: وفي هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريبة فيها.

стр. 1170

كلام الشيخ ابن باز في الحجاب يقول والدنا الكريم وشيخنا الحبيب الشيخ ابن باز حفظه الله -ولقد تعمدت أن أبدأ بقوله؛ لأن الكاتب قد طلب أن يرد عليه الشيخ ابن باز أو الشيخ الألباني - يقول شيخنا ابن باز -واسمع أيها الكاتب- في هذه الآية، في كتاب (ثلاث رسائل في الحجاب) صفحة رقم (٧): أمر الله -والأمر صيغة من صيغ الوجوب كما تعلمنا في علم الأصول- يقول الشيخ: أمر الله سبحانه جميع نساء المؤمنين بإدناء جلابيبهن على محاسنهن من الشعور والوجه وغير ذلك حتى يعرفن بالعفة إلى آخر كلامه حفظه الله. فالشيخ أيها الكاتب يقول بوجوب النقاب؛ لأن الأمر صيغة من صيغ الوجوب.

стр. 1171

الدليل الثاني: آية الحجاب الدليل الثاني: قول الله ﵎ في سورة الأحزاب في الآية (٥٣) بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وهذه الآية هي التي تسمى بآية الحجاب، نزلت في ذي القعدة في السنة الخامسة من الهجرة، وهي نص واضح في وجوب تحجب النساء عن الرجال وتسترهن منهم، وهذا لا خلاف فيه بنص الآية، ولكن الذي يحتاج إلى البحث: قول الكاتب: إن هذه الآية -بما تحمله من حكم بوجوب الحجاب- خاصة بأمهات المؤمنين ﵅ فقط دون غيرهن من النساء.

стр. 1172

ذكر كلام أهل العلم في تفسير الآية يقول الإمام القرطبي في: (الجامع لأحكام القرآن الكريم): ومما يؤيد عموم آية الحجاب وأنها ليست خاصة بأمهات المؤمنين ﵅ قوله تعالى بعدها: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] إلى آخر الآية. ويقول العلامة القرآني الأمين الشنقيطي ﵀: وفي هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء لا خاص بأزواجه ﷺ ، وإن كان أصل اللفظ خاص بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] هو علة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وهو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه. وقال مفتي مصر سابقاً الشيخ حسنين مخلوف ﵀ في تفسيره (صفوة البيان لمعاني القرآن): وحكم نساء المؤمنين في ذلك حكم نسائه ﷺ . ويقول صاحب كتاب (فقه النظر في الإسلام): فإن قال قائل: إن هذه الآية خاصة بأمهات المؤمنين وقد نزلت بحقهن، قلت: إنها وإن كانت خاصة بنساء النبي ﷺ من جهة السبب فهي عامة من جهة الأحكام؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم يقول: فادعاء أنها خاصة بنساء النبي ﷺ لا ينهض حجة؛ لأن الاستثناء في آية: (لا جناح عليهن في آبائهن) إلى آخره عام وهو فرع من الأصل وهو الحجاب، فدعوى تخصيص الأصل يستلزم تخصيص الفرع وهو غير مسلم. ويقول صاحب كتاب (كشف النقاب): وإذا كانت نساء النبي ﷺ المطهرات من السفاح، المحرمات علينا بالنكاح، الموصوفات بأنهن أمهات المؤمنين قد أمرن بالحجاب طهارة لقلوبهن وقلوب أبنائهن المحرم عليهم نكاحهن، فماذا نقول في غيرهن، المحللات لنا بالنكاح، المتطلع لهن أهل السفاح، هل يجوز لهن أن يكن سافرات غير منتقبات، وبارزات غير محجبات؟! ويقول صاحب كتاب (فقه النظر) في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣]. يقول: إنها وصايا ربانية، وأوامر إلهية، فأي منها لا يتصل بعامة النساء المسلمات؟! وهل النساء المسلمات لا يجب عليهن أن يتقين الله أو قد أبيح لهن أن يتبرجن تبرج الجاهلية؟ ثم هل ينبغي لهن أن يتركن الصلاة ويمنعن الزكاة ويعرضن عن طاعة الله ورسوله؟ وهل يريد الله أن يتركهن في الرجس؟ فإذا كانت هذه الأوامر والإرشادات عامة لجميع المسلمات، فما المبرر بتخصيص ما ورد في سياق مخاطبة أمهات المؤمنين من قرار في البيوت وملازمة للحجاب وعدم مخالطة الأجانب بهن خاصة؟ نعم. ما هو الدليل على أن هذه التكليفات والأوامر خاصة بزوجات النبي ﷺ وحدهن؟ وهكذا أيها الأحباب! وأيتها الفضليات! فدليل الأولوية واضح وضوح الشمس في هذه الآيات الكريمات، وهو أن أمهات المؤمنين كن أطهر نساء الدنيا قلوباً، وأعظمهن قدراً في قلوب المؤمنين، ومع ذلك أمرن بالحجاب طلباً لتزكية قلوب الطرفين، فغيرهن من النساء أولى بهذا الأمر والتكليف. وقال الشيخ عبد العزيز بن خلف حفظه الله: لم يرد في آية النور وآية الأحزاب أي تخصيص لأزواج النبي ﷺ بما قضت به من الأحكام، فهي أحكام عامة للمسلمات من أمة محمد ﷺ إلى يوم القيامة، وإن من الزعم الباطل أن يقال: إن آية الحجاب خاصة بأزواج النبي ﷺ ، إلى آخر ما ذكره في كتابه: (نظرات في كتاب حجاب المرأة المسلمة) في صفحة (٩٩ - ٩٣) حفظه الله. ويقول شيخنا أبو بكر الجزائري حفظه الله في كتابه (فصل الخطاب في المرأة والحجاب) صفحة (٣٤ - ٣٥): ومن عجيب القول: أن يقال: إن هذه الآية نزلت في نساء النبي ﷺ ، فهي خاصة بهن دون باقي نساء المؤمنين، إذ لو كان الأمر كما قيل لما حجب أصحاب رسول الله ﷺ نساءهم، ولما كان لإذن رسول الله ﷺ للخاطب أن ينظر لمن يخطبها معنى أبداً. اهـ وهذا واضح وضوح الشمس في ضحاها، ولولا أنني أخشى الإطالة لتعاملت مع هذا الدليل بإطالة، وذكرت أقوال أهل العلم مفصلة كما تعاملنا مع الدليل الأول في آية الإدناء.

стр. 1173

الديل الثالث: قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) الدليل الثالث: قول الله تعالى في سورة النور الآية (٣١)، ويستدل العلماء بثلاث مواضع من هذه الآية الكريمة على وجوب الحجاب: الموضع الأول: قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوز لها -أي: للمرأة- إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم. وصح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] الثياب. وإسناده في غاية الصحة، رواه ابن جرير الطبري وابن أبي شيبة والحاكم من طريقه وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص. وأما ما ينسب إلى ابن عباس ﵄ من أنه فسر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين؛ فلا يصح إسناده إلى ابن عباس ﵄، وهذا الأثر المروي عن ابن عباس أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره، والإمام البيهقي في (السنن الكبرى) فلنتعرف على صحة هذين الإسنادين من عدمها. الطريق الأول: قال الإمام ابن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا مروان قال: حدثنا مسلم الملائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال ابن عباس: الكحل والخاتم. قال الشيخ عبد القادر السندي: قلت: إسناده ضعيف جداً، بل هو منكر. قال الإمام الذهبي في ترجمة مسلم الملائي الكوفي: متروك الحديث، وقال عنه يحيى: ليس بثقة. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الشيخ السندي: وهذا الإسناد ساقط لا يصلح للمتابعات والشواهد كما لا يخفى على أهل هذا الفن. الطريق الثاني: ما ورد في السنن الكبرى للإمام البيهقي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا حفص بن غياث عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ما في الكف والوجه. قال الشيخ السندي: إسناده مظلم ضعيف لضعف راويين هما: أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال الذهبي: ضعفه غير واحد. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال مطين: كان يكذب. وقال ابنه عبد الرحمن: كتبت عنه وأمسكت عن التحديث عنه لما تكلم الناس فيه. وقال الحافظ في التقريب: ضعيف. والراوي الثاني هو عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، قال الحافظ الذهبي: ضعفه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وضعفه النسائي. وقال الحافظ في تقريب التهذيب: ضعيف. قال الشيخ السندي: هذان الإسنادان ساء حالهما إلى حد بعيد، لا يحتج بهما ولا يكتبان. أيها الأحباب: ويؤكد صحة ذلك أيضاً ما ذكرناه سابقاً عن ابن عباس ﵄ أنه قال فيما رواه عنه علي بن أبي طلحة قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة. يقول شيخنا ابن باز حفظه الله: وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والتحقيق، وهو الحق الذي لا ريب فيه. وقال شيخنا الحبيب محمد بن عثيمين حفظه الله: إن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة مطلقاً إلا ما ظهر منها، وهي التي لابد أن تظهر كظاهر الثياب؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، ولم يقل: إلا ما أظهرن منها، ثم نهى ﵎ مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم، فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى، فالزينة الأولى: هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد ولا يمكن إخفاؤها، والزينة الثانية: هي الزينة الباطنة التي يتزين بها، ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة. ويقول العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١]، يقول: توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة قول من قال: هي الوجه والكفان، وهذه القرينة هي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلل والحلي، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. ثم استشهد على ذلك بأن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن الكريم مراداً به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها، كقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، وكقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف:٧]، وكقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩] وهكذا وأما الموضع الثاني في هذه الآية الكريمة فهو قول الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخمر التي تغطي الرأس والوجه والعنق، والجلابيب: التي تسدل من فوق الرءوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح حديث عائشة: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، شققن مروطهن فاختمرن بها. يقول إمام أهل الحديث الحافظ ابن حجر: فاختمرن بها، أي: غطين وجوههن. يقول العلامة الشنقيطي ﵀: وهذا الحديث صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن لوجوههن تصديق لكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى. ثم يقول: فالعجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنة ما يدل على ستر المرأة لوجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيماناً بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى. والموضع الثالث في هذه الآية: قول الله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، يقول الشيخ الجزائري حفظه الله: فإذا حرم الله تعالى بهذه الآية على المرأة أن تضرب الأرض برجلها؛ خشية أن يسمع صوت حليها فيفتن به سامعه، كان تحريم النظر إلى وجهها وهو محط محاسنها أولى وأشد حرمة.

стр. 1174

الدليل الرابع: قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي) الدليل الرابع من الأدلة التي استدل بها العلماء الذين يقولون: بوجوب ستر الوجه: قول الله ﵎ في سورة النور في الآية رقم (٦٠) بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٦٠]. أكتفي بتعليق شيخنا ابن باز حفظه الله في: رسالة الحجاب والسفور صفحة رقم (٦ - ٧ - ٨) إذ يقول في هذه الآية: يخبر سبحانه أن القواعد من النساء وهن العجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً، لا جناح عليهن أن يضعن ثيابهن عن وجوههن وأيديهن إذا كن غير متبرجات بزينة، فيعلم بذلك أن المتبرجة بالزينة ليس لها أن تضع ثوبها عن وجهها ويديها وغير ذلك من زينتها، وأن عليها جناح في ذلك ولو كانت عجوزاً؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة؛ ولأن التبرج يفضي إلى الفتنة بالمتبرجة ولو كانت عجوزاً، فكيف يكون الحال بالشابة والجميلة إذا تبرجت؟ لاشك أن إثمها أعظم، والجناح عليها أشد، والفتنة بها أكبر. وشرط الله سبحانه في حق العجوز ألا تكون ممن يرجون النكاح، -وما زال الكلام لشيخنا ابن باز - وما ذاك والله أعلم إلا لأن رجاءها النكاح يدعوها إلى التجمل والتبرج طمعاً في الأزواج، فنهيت عن وضع ثيابها عن محاسنها صيانة لها ولغيرها من الفتنة، ثم ختم الآية سبحانه بتحريض القواعد على الاستعفاف، وأوضح أنه خير لهن، فظهر بذلك فضل التحجب والتستر بالثياب ولو من العجائز، وأنه خير لهن من وضع الثياب، فوجب أن يكون التحجب والاستعفاف عن إظهار الزينة خيراً للشابات من باب أولى وأبعد لهن عن أسباب الفتنة. وسأكتفي أيها الأحباب! بهذه الأدلة القرآنية على وجوب ستر الوجه رداً على الكاتب الذي تحدى علماء الكرة الأرضية بقاراتها السبع على أن يأتي عالم واحد بدليل واحد على كون النقاب من الإسلام، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولضيق الوقت فقط ما استطعت أن أسرد أقوال أهل العلم في كل دليل كما فعلنا وتعاملنا مع الدليل الأول في آية الإدناء. فيا أيتها الأخت الفاضلة! أختاه يا بنت الإسلام تحشمي لا ترفعي عنك الحجاب فتندمي صوني جمالك إن أردت كرامة فالناس حولك كالذئاب الحوم ما كان ربك جائراً في شرعه فاستمسكي بعراه حتى تسلمي ودعي هراء القائلين سفاهة إن التقدم في السفور الأعجم حلل التبرج إن أردت رخيصة أما العفاف فدونه سفك الدم فتعلمي وتثقفي وتنوري والحق يا أختاه أن تتعلمي لكنني أمسي وأصبح قائلاً أختاه يا بنت الإسلام تحشمي

стр. 1175

الأدلة من السنة على وجوب الحجاب أما الأدلة من الأحاديث النبوية فكثيرة ولله الحمد والمنة، وسأشير إلى بعضها، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب أهل العلم التي استشهدت بها آنفاً في خلال هذه المحاضرة:

стр. 1176

الدليل الأول: حديث: (لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين) الحديث الأول: ما رواه البخاري ومالك في الموطأ والترمذي وقال: حسن صحيح، وأبو داود والنسائي وأحمد من حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين). يقول الشيخ أبو هشام الأنصاري في: إبراز الحق والصواب في مسألة السفور والحجاب: هذا الحديث أحسن دليل على ما وقع من التغيير والتطور في ألبسة النساء بعد نزول الحجاب، والأمر بإدناء الجلباب وأن النقاب قد صار من ألبسة النساء، وحيث لم يكن يخرجن إلا به، وليس معنى النهي عن الانتقاب للمحرمة أنها لا تستر وجهها، وإنما المراد أنها لا تتخذ النقاب لباساً على حدة من ألبستها، وإنما تستر وجهها بجزء من لباسها. وقال ابن تيمية ﵀ معلقاً على هذا الحديث: وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.

стр. 1177

الدليل الرابع: حديث: (المرأة عورة) الدليل الرابع: حديث صحيح رواه الإمام الترمذي وقال: حسن غريب. ورواه الطبراني وصححه الألباني في إرواء الغليل من حديث عبد الله بن مسعود أنه ﷺ قال: (المرأة عورة)، ولقد أوضحت ذلك آنفاً مفرقاً بين العورة بالنسبة للصلاة وبالنسبة لنظر الأجانب، وسأكتفي أيها الأحباب! بهذا القدر من أحاديث النبي ﷺ ، وكم كنت أود أن أفند كل الحجج التي استدل بها من خلال بعض الأحاديث التي ذكرها كحديث الخثعمية والمرأة سفعاء الخدين وغيرهما، ولكن أختم ببعض ما قاله شيخنا الألباني، فعلى الرغم من أنه لم يقل بالوجوب -أي: بوجوب تغطية الوجه- إلا أنه لم يقل بالحرمة ولم يقل بأن النقاب بدعة، بل قرر الشيخ أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وأنه كان معهوداً في زمن النبي ﷺ وساق الأدلة على ذلك حفظه الله. وقال الإمام أبو حامد الغزالي في (الإحياء): لم يزل الرجال على مر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات. وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني: إن العمل استمر على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال. وفي هذا كفاية أيها الأحباب! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].

стр. 1178

الدليل الثاني: حديث عائشة: (كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات) الحديث الثاني: ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجة والبيهقي والدارقطني عن عائشة قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه). وهذا الحديث للأمانة حديث ضعيف، ولكن له شاهد قوي من حديث فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك) فهو حديث صحيح صححه ابن خزيمة، وأخرجه مالك والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقره الذهبي. يقول شيخنا ابن عثيمين حفظه الله: وكشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من أهل العلم، والواجب لا يعارضه إلا ما هو واجب، فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عند الأجانب ما ساغ ترك الواجب من كشفه في حالة الإحرام.

стр. 1179

الدليل الثالث: أحاديث النظر إلى المخطوبة الدليل الثالث: أحاديث النظر إلى المخطوبة، وهي أحاديث صحيحة، كحديث جابر والمغيرة ومحمد بن مسلمة، وأكتفي بقول الشيخ أبي هشام الأنصاري معلقاً عليها: وهذا يدل -أي: معاني هذه الأحاديث- وهذا يدل على أن النظر إلى النساء لم يكن سهلاً، ولو كانت النساء تخرج سافرات الوجوه في ذلك الزمان لم يكن لشرط الاستطاعة في النظر إليهن معنى، وهذا واضح جداً.

стр. 1180

عتاب ودعوة ومن عناصر هذه المحاضرة حتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك: عتاب ودعوة: عتاب إلى صاحب جريدة النور الذي وقف مع أعداء الصحوة الإسلامية في خندق واحد، في الوقت الذي تصب فيه الفتن على رءوس أبناء الصحوة صباً، وتكال لهم الاتهامات كيلاً، وكم كنت أتمنى أن يفي صاحب الجريدة بما قطعه على نفسه من عهد، حيث قال لصديقه الحميم صاحب فتوى التحريم: إننا اعتدنا أن ننشر في جريدة النور الرأي والرأي الآخر، بل كنت أتمنى أن ينشر في الجريدة الردود على كتاب صاحبه كرد الشيخ محمد بن إسماعيل حفظه الله: بل النقاب واجب، أو غيره من الردود. وكم كنا نود أن يفعل صاحب الجريدة مع إخوانه وأخواته ما فعله مع السكرتير الثاني لدولة أفغانستان الشيوعية، فلقد نشرت له جريدة النور مقالة طويلة بطول الصفحة هاجم فيها المجاهدين الأفغان، ودافع عن الحكومة الشيوعية العميلة، ونشرت الجريدة مقالته بمنتهى الأمانة. ما كنا نتوقع ذلك أبداً من صاحب الجريدة، ولكن بالرغم من كل ذلك فإننا على يقين أن الكمال لله وحده، وأن العصمة لنبيه ﷺ ، وأن الخطأ صفة ملازمة للبشر ولا عيب في أن يخطئ الإنسان فهو بشر، ولكن العيب والخطر أن يتمادى الإنسان في خطئه، فهذه ذكرى ودعوى، نسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه، وندعو الكاتب الذي سمعت عنه أنه كان من المحاربين للبدع والمبتدعين، وكان من المدافعين بقوة وصراحة عن السنة المطهرة، وندعو صاحب جريدة النور، وندعو كل من افتتن بهذه الفتوى وهذا الكتاب؛ أن يرجعوا جميعاً إلى الله ، وأن يتوبوا إلى الله ﵎، ورحمة الله وسعت كل شيء، وفي الحديث الذي رواه مسلم وأحمد من حديث أبي موسى الأشعري أنه ﷺ قال: (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، ولكني أود أن أذكر أن من شروط هذه التوبة: البيان والإعلان؛ لقول الله ﵎: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٠]. نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة، وأن يغفر لجميع المسلمين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1181

صبراً أيتها المنقبة الطاهرة وأخيراً: أيتها المنقبة الطاهرة! اصبري وصابري واحتسبي، واعلمي أن أشد ساعات الليل سواداً هي الساعة التي يليها ضوء الفجر، وفجر الإسلام قادم، وفجر الحق قادم، ولن تستطيع جميع الأفواه ولو اجتمعت على أن تطفئ نور الله ، وصدق الله إذ يقول: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]. وفي الحديث الذي رواه أحمد والطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال الألباني: بل هو على شرط مسلم من حديث تميم الداري أنه ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر). فليكن ردك أيتها المنتقبة على كل هذه الحملات المسعورة المزيد من التمسك بالحجاب، والصبر على هذه الفتن، والإصرار على السير على طريق الحق والهدى وإن قل السالكون، ولا تغتري بطريق الضلالة وإن كثر الهالكون. بلغت يا ذات الحجاب مناك وحباك ربك عزه ورعاك لبيت صوت الحق دون تلعثم وعصيت صوت الفاجر الأفاك جانبت أخلاق العدو تكرماً وتبعت خلقاً سنه مولاك أختاه إن خسر العدو بجولة سيعاود الأخرى ولن ينساك فتأهبي دوماً وكوني حرة لا يخدعنك كاذب متباك زعموا الدعارة والخنا حرية هتكاً لعرضك فاحذري إياك أختاه! قد تلقين ضيماً أو أذى فثقي بربك واثبتي لعداك فالابتلاء يزيد دينك قوة والمؤمنات صبرن قبل أذاك فلأم عمار وأم عمارة أسمى المواقف من ذوي الإدراك وكذاك أسماء وإن تستخبري عنهن تاريخ العلا أنباك يا بنت فاتح لقنيهم في الصبا تاريخ مجد كان من أسراك شهدت به الدنيا وذل لسيفه كل الملوك وكان فيه علاك أضحى به صرح الشريعة شامخاً وهوت لديه معاقل الإشراك أختاه! إن الدرب صعب مجهد يحتاج زاداًً والتقى بيداك قومي إذا جن الظلام ورتلي آيات ربك ولتجد عيناك فالله حرم أن تمس جهنم عيناً بكت فلتسعدي ببكاك ولتذكري بظلامه قبراً غداً يمسي من الدنيا به مثواك صومي نهارك ما استطعت فإنه يطغي به يوم الحساب ضماك ولتحكم الأخلاق عمرك كله حب النبي وقربه وكفاك أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل قولنا وعملنا خالصاً لوجهه، إنه ولي ذلك ومولاه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1182

حسن الخلق لقد امتدح الله نبيه ﷺ بحسن الخلق، والله سبحانه لا يمتدح إلا من كان أهلاً لذلك، وقد كان ﷺ أحسن الناس خلقاً مع أمته ورعيته وأهل بيته، فكان ﷺ حليماً متواضعاً سمحاً كريماً رحيماً، وما أحوج الأمة الإسلامية اليوم إلى التأسي بخلقه ﷺ والمضي على دربه.

стр. 1183

حسن خلق النبي ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله -جميعاً- أيها الإخوة الفضلاء الأعزاء! وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم -جميعاً- من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله! حسن الخلق يُحَب لذاته، فكيف لو اجتمع مع حسن الخلق حُسنُ الخَلق؟! ذلكم هو المصطفى ﷺ .

стр. 1184

إسلام ثمامة بن أثال وبيان جميل خلقه ﷺ معه روى البخاري ومسلم رضوان الله ورحمته عليهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (بعث رسول الله ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربط الصحابة ثمامة بن أثال في سارية -أي: في عمود من أعمدة المسجد النبوي- فدخل النبي ﷺ المسجد فوجد ثمامة مربوطاً في سارية من سواري المسجد فعرفه -لأن ثمامة كان سيداً في قومه- فأقبل عليه رسول الله ﷺ وقال له: ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي خير يا محمد! إن تقتل تقل ذا دم! -يعني: إن قتلتني قتلت رجلاً له مكانته في قبيلته، ولن تفرط قبيلتي في دمي وفي الأخذ بثأري -إن تقتل تقتل ذا دم وإن تُنْعِم تنعم على شاكر- يعني: فإن أطلقتني سأعترف لك بهذا الجميل وسأشكره لك ما حييت- وإن كنت تريد مالاً فسل تعط من المال ما شئت، فتركه صاحب الخلق الكريم ﷺ ، وفي اليوم الثاني دخل النبي ﷺ المسجد فأقبل على ثمامة فقال له: ماذا عندك يا ثمامة قال: عندي ما قلت لك يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط من المال ما شئت، فتركه صاحب الخلق الكريم ﷺ ، وفي اليوم الثالث دخل النبي ﷺ المسجد فأقبل على ثمامة فقال: ماذا عندك يا ثمامة قال: عندي ما قلت لك يا محمد! إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط من المال ما شئت، فقال المصطفى: أطلقوا ثمامة أطلقوا ثمامة لا نريد فدية ولا مالاً، بل ولا نلزمه بالإسلام، ولا نكرهه على الإيمان أطلقوا ثمامة فانطلق ثمامة. بعد أن فكوا قيده وانطلق إلى أقرب نخل إلى جوار المسجد النبوي فاغتسل، ثم عاد مرة أخرى إلى مسجد رسول الله ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله). أخي الحبيب! تدبر معي قول ثمامة: يا رسول الله! والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فأصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على الأرض دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينُك أحبَّ الدين كله إلي، والله ما كان على الأرض بلدٌ أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحبَّ البلاد كلها إلي! ثم قال: يا رسول! الله لقد أخذتني خيلك وأنا أريد العمرة، وقد كانوا يعتمرون ويحجون إلى البيت وهم على الكفر والشرك. كان أحدهم يلبي فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، فإذا سمع النبي ﷺ هذا الكلمات يقول: قط قط. يعني: قد اكتفيتم قفوا عند هذا القدر ولا تزيدوا، ثم يزيدون قائلين لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك! ولو تدبر أحدهم في الإضافة بتعقل لوجد أن هذا الإله المعبود من دون الله لا يملك لنفسه شيئاً. ولو تدبر أحدهم بتعقل لعلم أن هذه الآلهة لا تضر ولا تنفع، ورحم الله من رأى يوماً على صنمه بولاً فنظر حواليه فوجد ثعلباً يلعب بالقرب من معبوده، فعلم أن الذي فعل هذه الفعلة الشنعاء هو هذا الثعلب، فنظر إلى إلهه والنجاسة تنساح عليه، وتفكر وتدبر في الأمر وقال بعقل راجح راشد: رب يبول الثُعلبان أو الثَعلبان -واللغتان صحيحتان كما قال ابن منظور في لسان العرب- ربٌ يبول الثُعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب فلو كان رباً كان يمنع نفسه فلا خير في رب نأته المطالب برئت من الأصنام في الأرض كلها وآمنت بالله الذي هو غالب يقول ثمامة: (لقد أخذتني خيلك يا رسول الله! وأنا أريد العمرة فماذا ترى أن أصنع؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر). قال الحافظ ابن حجر: فبشره رسول الله ﷺ ، أي: بالجنة أو بخيري الدنيا والآخرة، أو بمحو سيئاته. يا له من فضل (وأمره النبي ﷺ أن يعتمر، فأقبل ثمامة إلى مكة ملبياً، فكان ثمامة هو أول من جهر بالتلبية في مكة، فأخذته قريش وقالوا: من هذا الذي اجترأ علينا -أي: جهر بالتلبية بين أظهرنا- من هذا الذي يردد الكلمات التي يعلمها محمد ﷺ لأصحابه؟! فأخذوه وضربوه ضرباً شديداً حتى قال قائلهم: دعوه إنه فلان فأنتم تحتاجون الميرة من اليمامة فجلس ثمامة وهو يقول: والله لا تصل إليكم بعد اليوم حبة حنطة إلا أن يأذن فيها رسول الله) هذا لفظ مسلم والحديث في الصحيحين. وفي رواية ابن إسحاق بسند صحيح: (لما جهر ثمامة بالتلبية وأقبل عليه المشركون فضربوه، وقال أبو سفيان: ألا تعرفون الرجل؟ إنه ثمامة سيد أهل اليمامة، دعوه فأنتم تحتاجون إلى الحنطة -أي: القمح- والميرة من اليمامة، فلما جلس ثمامة قال: والله لا تصل إليكم بعد اليوم حبة حنطة إلا أن يأذن فيها رسول الله). أقول: من أول لحظة دخل فيها ثمامة الإسلام جعل ووضع كل طاقاته ووجاهته ومكانته وقدراته وإمكانياته في خدمة الدين، عرف الإسلام فوضع كل ما يملك من قدرات وطاقات في خدمة دينه الذي اعتنقه، وأنار الله قلبه به، وبالفعل أدى العمرة.

стр. 1185

التسليم لأقدار الله وهنا أقف مع جزئية أخرى فريدة ألا وهي: أن أسر ثمامة كان سبب نجاته من النار، وسبب سعادته في الدنيا والآخرة! ولو علم أن أسره سيكون سبباً لسعادته في الدنيا والآخرة؛ لرحب به، فلقد خرج ليؤدي العمرة على الشرك فأبى الله إلا أن يؤدي العمرة على التوحيد، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. إذاً: لابد أن نسلم لكل أقدار الله، ولابد أن تعلم يقيناً أن قدر الله دائماً هو الخير، فقد ينظر أحدنا إلى قدر الله من وجهة نظره، فيراه شراً عليه، لكن الله جل وعلا يقول: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]. كن عن همومك معرضاً ودع الأمور إلى القضا وانعم بطول سلامة تُسليك عما قد مضى فلربما اتسع المضيقُ وربما ضاق الفضا الله يفعل ما يريد فلا تكن متعرضا قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧].

стр. 1186

الولاء والبراء في الله انطلق ثمامة إلى اليمامة فمنع الميرة عن قريش، وقال: (والله لا تصل إليهم حبة حنطة بعد اليوم إلا أن يأذن رسول الله) إنه الولاء لله ورسوله والمؤمنين! إنه البراء المعلن من الشرك والمشركين. فلابد من هذه المفاصلة، ولابد من هذا الفرقان، فإنك إن عشت طوال حياتك حالة الغبش التي يحياها كثير من المسلمين اليوم، فلن تنصر ديناً ولن تنشر سنة. لا تكن مذبذباً بين هؤلاء وهؤلاء، فهناك صنف من الناس الآن كالشاة العائرة بين الغنمين تيعر إلى هذه مرة، وهي لا تسير مع هذه الأغنام، ثم تأتي في المنتصف لتيعر إلى هذه مرة، وهي لا تسير أيضاً مع هذه الأغنام، وهذا شأن النفاق وأهله، فهم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ترى أحدهم إن جلس مع عامة المسلمين مع بداية انتخابات مقبلة لمجلس شعب أو لمجلس شورى، إن جلس مع أهل الالتزام والسنة قال: قال الله جل وعلا، وقال النبي ﷺ ، وأنا والله أحب اللحية وأحب الحجاب، بل وأنا ألزم بناتي بذلك! فإن جلس مع غير هذا الصنف الكريم، وجلس مع العلمانيين المجرمين ممن يعزفون على وتر التحرر والمدنية والبعد عن الرجعية! ومحاربة التزمت والتخلف والرجعية إلى آخر هذه التهم المعلبة! إن جلس معهم قال: أعوذ بالله، عقول جامدة متخلفون متأخرون رجعيون متنطعون أصوليون وصوليون فوضويون! وحاله كما وصف الله فقال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥]. إن قلت قال الله قال رسوله همزوك همز المنكر المتغالي أو قلت قال الصحابة والأولو تبعٌ لهم في الفضل والأعمال أو قلت قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة والإمام الغالي صدوك عن وحي الإله ودينه واحتالوا على حرام الله بالإحلال يا أمة لعبت بدين نبيها كتلاعب الصبيان في الأوحال حاشى رسول الله يحكم بالهوى والجهل تلك حكومة الضلال ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥]. أعلن ثمامة المفاصلة الحاسمة بصدق، فلنقتد به، ولنخرج من حالة الغبش والتذبذب بين الإيمان والنفاق بين أهل الإيمان تارة وأهل النفاق تارة، بين أهل الطاعة تارة وأهل المعصية تارة، بين أهل السنة تارة وأهل البدع تارة، فبهذا لا تصح لك حياة، وبهذه الشاكلة وبهذا الغبش يحيا الآن كثير من الناس! لابد من أن تعلن المفاصلة، ولابد أن تستبين سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين، ولابد من إقامة الفرقان الإسلامي الآن؛ لأن كثيراً ممن ينتمون إلى الإسلام، بل من الكتاب والمفكرين والأدباء يغنون للحاكم بالإشتراكية إن كان الحاكمُ إشتراكياً، ويرقصون ويعزفون على الديمقراطية المزعومة إذا كان الحاكم ديمقراطياً، فهم يركبون كل موجة ويعيشون في كل بيئة، ويتلونون بلون كل أرض، فهم يعيشون حالة غبش وتذبذب لا ينبغي لمسلم صادق يحترم نفسه أن يحيا هذه الحياة أبداً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الممتحنة:١] نداء لأهل إيمان: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]. وقال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له؟! إن حبيب حبيبي حبيبي، وعدو حبيبي عدوي، هذا هو الولاء، وهذه قاعدة الولاء والبراء: حبيب حبيبي حبيبي وعدو حبيبي عدوي، من أحب الله ورسوله فهو حبيبي في أي أرض وتحت أي سماء، ومن عادى الله ورسوله فهو عدوي فوق أي أرض وتحت أي سماء!! أتحب أعداءَ الحبيب وتَدَّعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلافك ما يحبُ فأنت ذو بهتان وقال آخر: لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهلَ الحقِ سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلمٌ ولكن بأشراطِ هُنالك تُذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]. فنحن أولى الناس بإبراهيم ﵇. أعلن ثمامة الفرقان، أعلن ثمامة المفاصلة: (والله لا تصل إليكم حبة حنطة إلا أن يأذن فيها رسول الله)

стр. 1187

قصة رأس النفاق مع ولده روى الطبري بسند حسن: (أن النبي ﷺ نادى عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وقال له المصطفى ﷺ : يا عبد الله! هل سمعت ما قال أبوك؟! فقال عبد الله: وماذا قال بأبي أنت وأمي يا سول الله؟! فقال المصطفى: قال أبوك: لئن رجعنا المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل -يذكر رأس النفاق أنه سيخرج من المدينة رسول الله، وهو الذي قال قولته الخبيثة: سمن كلبك يأكلك- فقال عبد الله: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فوالله لأنت الأعز وهو الأذل)! انظروا إلى المفاصلة! وقفوا على الفرقان: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. قال عبد الله ﵁: (بأبي أنت وأمي يا رسول! فوالله لأنت الأعز وهو الأذل! ثم قال: يا رسول الله! والله لقد قدمت يثرب ولا يعلم أحد من أهل يثرب أن هناك من هو أبر بأبيه مني، أما وقد قال ما قال، لتسمعن ما تقر به عينك يا رسول الله! وأخذ عبد الله السيف وانطلق إلى ناصية المدينة، فلما أقبل أبوه وقف له ولده ورفع السيف في وجهه وقال: إلى أين؟! قال: إلى بيتي إلى المدينة، فقال عبد الله: والله لا يأويك ظلها -يعني: المدينة- ولن تبيت الليلة في دارك إلا بإذن من رسول الله؛ لتعلم من الأعز ومن الأذل! إنه الفرقان إنها المفاصلة فصرخ رأس النفاق: يا للخزرج! يا للخزرج! ابني يمنعني داري! وأبى عبد الله أن يأذن لوالده فانطلقت الرسل إلى خير رسل الله في الأرض إلى المصطفى: يا رسول الله! قد حدث كيت وكيت وكذا وكذا، فأرسل صاحب الخُلق الرفيع إلى عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وقال له: يقول لك رسول الله: ائذن لأبيك، فقال عبد الله: أما وقد جاءك الإذن من رسول الله فلتدخل الآن لتعلم من الأعز ومن الأذل) إنه الفرقان!

стр. 1188

أهمية تحقيق الولاء والبراء لا سيما في زماننا إننا في أمس الحاجة الآن إلى هذا الفرقان، فلا تكن مذبذباً وكن على سنة ولا تحد عن الطريق، ولا تطلق اللحية مرة فإذا وقفت أمام المرآة شعرت أنك تحتاج إلى حلقها بالمرة، لا تجلس في مجالس العلم مرة فإذا تعرضت لفتنة تركت مجالس العلم بالمرة. لا تجلس أمام كتاب الله مرة، ثم تتخلى عن كتاب الله بالمرة، لا ترتدي النقاب، ثم إذا تعرضتي لمحنة تجردتي من ثوب العزة والشرف. أخي! لا تكن مذبذباً، بل كن مستقيماً، كما قال المصطفى: (قل آمنت بالله ثم استقم) وكما قال عمر رضوان الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] قال: ثم استقاموا على دين الله فلم يروغوا روغان الثعالب، فلا تكن كل يوم على حال، إن جلست مع المتبعين فأنت متبع، وإن جلست مع العلمانيين فأنت كذلك. قال ثمامة: (والله لا تصل إليكم بعد اليوم حبة حنطة حتى يأذن رسول الله ومنع الميرة حتى أكلت قريش العلهز، -أي: وبر الإبل مع الدم يضعونه على النار ويشوونه ليأكلوه في وقت المجاعة- فأرسل أبو سفيان إلى صاحب الخلق ﷺ ، يقول له: إنك تصل الرحم ونحن رحمك -مع أنهم على الكفر والشرك- إنك تصل الرحم ونحن رحمك، ولقد منع ثمامة عنا الميرة فاكتب إليه، فكتب إليه رسول الله ﷺ أن يخلي بين قريش وبين الميرة، التي كانت تصل إليهم من اليمامة). أيها الإخوة! أعترف منذ البداية أنني عاجز عن أن استخراج الدروس والعظات والعبر من هذا الحديث الجليل المبارك، لكنني أود أن أقف وقفات متأنية مع هذا الحديث العظيم الغالي؛ لأبين لحضراتكم أن الرفق والحلم والخلق حوّل البغض في قلب ثمامة إلى حب فياض. تدبر معي كلمات ثمامة: (والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فأصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إليّ). لماذا؟ إنه الرفق إنه الحلم إنه الخلق إنه الأدب، ولقد تعمد المصطفى ﷺ أن يظل ثمامة مربوطاً في المسجد، وهذا دليل آخر على جواز دخول المشرك إلى المسجد، إن دخل في حاجة أو لغاية بشرط أن لا يدخل للإفساد أو للنجاسة أو لامتهان مقدسات المسلمين. ظل ثمامة في المسجد ثلاثة أيام، وقد تعمد النبي ﷺ أن يكون ثمامة في داخل المسجد؛ ليسمع القرآن غضاً طرياً بأذنه من فم المصطفى ﷺ ، وليرى الصحابة بين يدي رسول الله كيف يعاملونه؟ وكيف يتأدبون في حضرته؟ وكيف إذا أمرهم ابتدروا أمره؟ وكيف يسمعون له؟ وكيف وكيف؟ رأى ثمامة في هذه الأيام الإسلام يتحول إلى واقع عملي وإلى منهج حياة في مسجد النبي ﷺ فتعلق قلبه بهذا الدين والنبي العظيم ﷺ . إنه الخلق، والحديث عن خلق النبي ﷺ أحوج ما تكون الأمة إليه الآن. الكل ينادي بالعودة إلى خلق النبي ﷺ ، لكن من منا الليلة سيتخلق بخلق النبي؟! كلنا يعلم حلمه كلنا يعرف كرمه كلنا يعرف رقته كلنا يعرف أدبه كلنا يعرف تواضعه كلنا يعرف فضله كلنا يعرف رفقه كلنا يعرف جماله كلنا يعرف حسن خلقه وخلقه لكن من منا سيشهد الليلة أو من الليلة لدين النبي شهادة عملية على أرض الواقع، ليحول شيئاً من خلق النبي ﷺ في حياته إلى واقع عملي ومنهج حياة؟!

стр. 1189

تعظيم الله لرسوله ﷺ قال ربنا جل في علاه لسيدنا رسول الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، بل وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] قال ابن عباس: فرسول الله رحمة للبار والفاجر، فمن آمن به تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن كفر به أجلت له العقوبة إلى الآخرة مصداقاً لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] قال ابن عباس: (والله ما ذرأ الله وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد ﷺ . وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس والحديث في البخاري أيضاً قال: (لما أوتي بالبراق -واللفظ لـ مسلم - للنبي ﷺ ليركبه ليلة المعراج فانتقض البراق، فقال جبريل للبراق: أبمحمد تفعل هذا؟! فوالله ما ركبك قط رجل هو أفضل عند الله من محمد فارفض البراق عرقاً، وقال المصطفى: فارفض البراق عرقاً)، ما من نبي ولا رسول إلا وله مكانة عند الله، لكن تتجلى مكانة سيد رسل الله في الأرض حينما نقف مع آيات القرآن، فنرى ربنا جل وعلا يخاطب كل الأنبياء والرسل بأسمائهم مجردة إلا المصطفى، فيقول الله: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا﴾ [هود:٤٨] (يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠] ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥] ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود:٨١] ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾ [مريم:٧] ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦]. ولما خاطب المصطفى ﷺ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة:٤١]. وناداه بصفته: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢].

стр. 1190

وجوب الاقتداء العملي بخلق الرسول ﷺ هذه مكانة النبي عند الله وهذا قدر النبي ﷺ عند الرب العلي جل في علاه، فمن منا سيشهد من الليلة عملياً للنبي ﷺ ودينه؟ ما أيسر التنظير لمن يدعى حب النبي ﷺ هو بعيد عن هدي النبي ﷺ . ما أيسر أن نتكلم كلاماً نظرياً جميلاً! لكن من منا سيتحلى في مظهره بشكل النبي ﵊؟! من منا سيتحلى في مخبره بالنبي ﵊؟! من منا سيسير على منهج النبي ﷺ فيمتثل أمره ويجتنب نهيه؟! ومن منا سيتخلق بأخلاق رسول الله ﷺ ؟! أيها الأحبة! ما أحوج الأمة الآن بحكامها وعلمائها ودعاتها ورجالها ونسائها وأطفالها إلى أن ترجع من جديد إلى أخلاق النبي ﷺ .

стр. 1191

حلمه ﷺ أيها الأحبة! روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: (أن أعرابياً قام في طائفة المسجد النبوي - يعني: في جانب من جوانب المسجد النبوي- يتبول في حضرة رسول الله ﷺ بين أصحابه! فقام الصحابة وقالوا: مه مه! ماذا تصنع أيها الأعرابي الجلف؟! لم تجد مكاناً لتتبول فيه إلا في مسجد رسول الله ﷺ وصاحب الخلق يقول: لا تزرموه) ووالله لو سكت لكان فعلاً كريماً، ولكان هذا الفعل خلقاً كريماً، لكنه يقول: (لاتزرموه) يعني: دعوه يكمل بوله! والآن ماذا لو تبول طفل من أطفالنا في المسجد؟! ماذا لو دخل سفيه إلى مسجدنا في جميع كبير كهذا الجمع وتبول، أو وقف أمام الشيخ وتبول؟! ماذا لو دخل سفيه الآن فسبني وأنا أتكلم؟! ولكن صاحب الخلق يقول: (لا تزرموه) يعني: لا تقطعوا عليه بوله، وأكمل الأعرابي تبوله تماماً بطمأنينة كاملة وكأنه في خلاء بيت: (ثم نادى عليه رسول الله وقال له: إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا، وإنما جُعلت للصلاة ولذكر الله ولقراءة القرآن، يا فلان! ائتني بدلو من الماء، فأفاضوا عليه دلواً من الماء فطهر المكان) وهكذا أنهى الإشكال كله، فانفعل الأعرابي بهذا الحلم وهذا الخلق والرفق، فدخل في الصلاة -والحديث في صحيح البخاري في كتاب الأدب- فدخل الصلاة وقال بصوت مرتفع: (اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال له صاحب الخلق بخلق: لقد حجرت واسعاً!). يعني: لماذا تضيق ما وسع الله وهو القائل سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]؟!

стр. 1192

رفقه في تعليم المخطئين ﷺ وروى مسلم في صحيحه من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (دخلت الصلاة خلف رسول الله ﷺ فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله. يقول معاوية: فرماني القوم بأبصارهم، -يعني: نظروا إليه- فقلت: وا ثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟! يقول: فضربوا بأيديهم على أفخاذهم يصمتونني فسكت، فلما قضى النبي صلاته بأبي هو وأمي والله لم أر معلماً قبله ولا بعده أحسن منه، والله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني إنما قال لي: إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتهليل وقراءة القرآن). ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].

стр. 1193

حكمته ﷺ وأختم هذا الدرس بهذا الحديث الغالي جداً، والحديث في البخاري ومسلم ومسند أحمد وعند أصحاب السنن وغيرهم، من حديث أبي سيعد وعلي وعبد الله بن عمرو وغيرهم: أن النبي ﷺ لما قسم الغنائم يوم حنين أعطى المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، ووكل الأنصار إلى إيمانهم بالعزيز الغفار وحبهم للنبي المختار، وأعطى المال للمؤلفة قلوبهم ليتألفهم، وليحببهم في الإسلام، فوجد الأنصار في أنفسهم، وقالوا كلمات شديدة، منها: (غفر الله لرسول الله، غفر الله لرسول الله يعطي قريشاً ولا يعطينا ولا زالت سيوفنا تقطر من دمائهم؟!). وقالوا أيضاً: (والله لقد لقي رسول الله قومه) يعني: من لقي أحبابه نسي أصحابه؟! لما رأى النبي قومه من قريش نسينا فأعطاهم ولم يعطنا، فسمع سعد بن عبادة هذه الكلمات وهو سيد الأنصار فأسرع إلى النبي المختار وأخبره بما قال الأنصار، فقال المصطفى: اجمع لي الأنصار يا سعد فإذا اجتمعوا فأعلمني، فانطلق سعد بن عبادة فجمع الأنصار جميعاً، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! قد جمعت لك الأنصار حيث أمرتني فانطلق النبي ﷺ . أخي الحبيب! أعرني قلبك وسمعك وانتبه! قام النبي ﷺ في الأنصار خطيباً، وهو أفصح الخطباء الذي كانت تهتز بين يديه لكلماته أعواد المنابر، فهو أفصح من نطق بالضاد وأصدق الناس لهجة: (قام النبي ﷺ خطيباً في الأنصار فقال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟! عالة -أي: فقراء- فأغناكم الله؟! أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟! فقالوا: المن لله ولرسوله، المن لله ولرسوله، فقال المصطفى: والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك عائلاً فواسيناك مخذولاً فنصرناك، فقالوا: المن لله ولرسوله، فقال: يا معشر الأنصار! أوجدتم في أنفسكم في لعاعة -أي: في أمر تافه من أمر الدنيا- أتألف به أقوماً ووكلتكم إلى إيمانكم بالله جل وعلا؟! يا معشر الأنصار! والله لولا الهجرة لكنت رجلاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباًَ لسلكت شعب الأنصار، فاللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى الأنصار جميعاً حتى اخضلت لحاهم، ثم قال: يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يرجع الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير وترجعون أنتم إلى رحالكم برسول الله؟! فقال الأنصار جميعاً على قلب ولسان رجل واحد: رضينا بالله ورسوله قسماً ومغنماً). أيها الأحبة! إنه الخلق، فوالله ثم والله لو ظللت أتحدث طوال الليل عن خلق النبي ﷺ -على رغم جهلي وقلة بضاعتي- ما مللتم. أيها الإخوة! ما أحوج الأمة الآن أن تحول خلق النبي ﷺ في حياتها إلى منهج حياة إلى واقع يتألق سمواً وعظمة وروعة وجلالاً، ما أيسر أن تحتفل الأمة وتحتفي بالمولد تارة وبالهجرة تارة، وبليلة النصف من شعبان تارة إلى آخره من هذه الاحتفالات والأعياد التي كثرت في أمتنا، أسأل الله أن يكثر أعيادها على السنة. ما أحوج الأمة التي تجيد الكلام والخطابات والاحتفالات والقصائد والأشعار إلى أن تحول خلق النبي المختار إلى واقع عملي ومنهج حياة. أيها الأحبة! لو ظللنا الدهر كله نتغنى بخلق النبي ﷺ ونحن لم نمتثل أمره ولم نجتنب نهيه ولم نقف عند حده، ولم نذب وندافع عن سنته ولم نحمل هم دعوته، فوالله لن نغير من الواقع شيئاً، فما أحوج الأمة في هذا الشهر الذي تحتفل فيه برسول الله ﷺ أن تحول خلقه إلى واقع عملي ومنهج حياة. وقبل أن أنهي الحديث أريد أن أشير وأنبه إلى ما حدث في أثناء المحاضرة: أقول: أنا قلت للأخ السائل أثناء المحاضرة: اجلس ولم أجبه لسؤاله، وهذا من السنة، والدليل على ذلك: ما رواه البخاري ومسلم: (أن رجلاً دخل المسجد فرأى النبي ﷺ يحدث الناس فقال: يا رسول الله! متى الساعة فمضى النبي ﷺ في حديثه ولم يجب السائل، فلما قضى النبي ﷺ حديثه قال: أين السائل؟ قال: هأنذا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال السائل -الفقيه-: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، فمن السنة أن يقول الخطيب أو المتكلم للسائل: اجلس حتى ينهي حديثه، فإن أراد أن يسأل عن السائل فعل وإلا فلا حرج ولا عيب. أسأل الله جل وعلا أن يرد الأمة إلى القرآن والسنة رداً جميلاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1194

الأسئلة

стр. 1195

حكم منع المرأة من زيارة أمها السؤال أخ ملتزم وزوجته ملتزمة، ولكن ظروفه المادية صعبة، وعنده مشاكل مع أم زوجته، فمنع زوجته من زيارة أمها، فهل هذا يجوز؟ الجواب لا يجوز له أن يمنع زوجته من أن تزور أمها وأن تبر بها، حتى ولو كانت أمها على الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، لكن يجوز له هو أن يمتنع عن زيارة أم زوجته، يقول: والله أنا لا أريد أن أذهب إلى هناك، ولا حرج عليه لاسيما إذا شعر أن هذا قد يسبب له ضرراً أو فتنة في دينه، لكن ليس من حقه أن يمنع الزوجة، وإن قال: إن بيت أم زوجته فيه معاصي، فأقول: فلتذهب زوجتك للبيت ولتجلس قليلا بنية الصلة ولترجع، فلا ذنب بعد الشرك ولا ذنب بعد الكفر، وقد أمر الله بالصلة مع الشرك والكفر، فلا تمنع امرأة من أن تكون برة واصلة لأمها. أقول: وصّل الزوجة إلى بيت أمها، واتفق معها على موعد محدد لترجع لها، ولكن لا تقطع الرحم. أسأل الله أن يرشدنا وإياكم بهداه.
следующие страницы →