Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1891–1901 · переход к 1896.
стр. 1891
واجب الإعلام في دول الإسلام
أين المحطة الفضائية التي تبين الصورة المشرقة للإسلام؟ إعلام الأمة إعلام سخيف، إعلام سافل منحط، ففي الوقت الذي تطحن فيه إسرائيل المسلمين في فلسطين تجد إعلام الأمة يذيع مباراة للأهلي مع (رويال مدريد) أو مع غيره، وفي الوقت الذي ترى فيه الصواريخ والطائرات تدك العراق دكاً ترى مسلسلاً هابطاً أو مسرحية ساقطة، أو فلماً داعرا!! فإعلام الأمة إعلام سافل لا يخدم قضية، بل لا يرقب في الإسلام ولا في المسلمين إلاً ولا ذمة، فمن يحمل هم الدين؟ وهذا وقت نفيس يحتاج العالم كله أن يتعرف على الإسلام بصورته المشرقة، ودعك من التصريحات السياسية التي تقال للاستهلاك المحلي، والصدور تكن ما أخبرنا به العزيز الغفور الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
لكن نريد أن نبين الصورة المشرقة لأفراد الشعوب؛ للشعب الأمريكي للشعب البريطاني للشعب الألماني لشعوب أوروبا، فلقد وقف وزير خارجية إيطاليا ليعلن بمنتهى الوضوح والصراحة أن الحضارة الغربية حضارة قد تفوقت على الإسلام.
ورب الكعبة! لا أقول ذلك إنصافاً مني للإسلام بدون عدل وحق، وإنما أقول: إن الحضارة الغربية هي حضارة الذئاب هي حضارة الأفاعي هي الحضارة المتعفنة الروح هي الحضارة المتحللة الضمير هي الحضارة التي شهدت البشرية في ظلها من صنوف البربرية والوحشية والإبادة ما تخشى الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها البعض في عالم الغابات.
وأنا لا أنكر ما وصلت إليه الحضارة الغربية في الجانب المادي والعلمي، لكن الحضارة لا يمكن أبداً أن تقوم على جانب واحد أو على شق واحد ألا وهو الشق المادي، بل لابد لأي حضارة على وجه الأرض من أن تقوم بشقين لا غنى للأول عن الثاني، ولا غنى للثاني عن الأول، ألا وهما: الجانب العلمي المادي، والجانب الأخلاقي والروحي.
وانظر إلى هذه الحضارة الغربية في جانبها الآخر، لقد وصلت إلى أسفل سافلين، كما قال رب العالمين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:٤ - ٦] الآيات.
فلقد وصلت هذه البشرية في الجانب الخلقي إلى مستنقع آسن عفن.
стр. 1892
حمل همّ الإسلام واجب على كل مسلم
عنصرنا الثالث هو: من يحمل همّ الإسلام؟ ومن هو الذي بين للعالم كله عظمة وحقيقة هذا الدين؟ لقد آلمني شاب أمريكي في مؤتمر من المؤتمرات التي حضرتها هنالك، وقد أمسك بذراعي وهو يبكي، ثم احتضنني وازداد بكاؤه، وعلا نحيبه، وقال لي في ترجمة شبه حرفية لقوله: والله! سأسلكم يوم القيامة بين يدي الله، لماذا تركتم والدي يموت على الكفر؟! فأين أنتم يا موحدون؟! وأين أنتم يا مسلمون؟! لم نر إلى الآن حتى محطة فضائية تتبنى قضية الإسلام باحترام، أو تخدم قضية الدين بمصداقية ومنهجية، لا بالصياح ولا بالجعجعة ولا بسوء الأدب، وإنما بالحقائق وبالأرقام وبفتح كتب التاريخ؛ فكتب التاريخ ما زالت مفتوحة مسطورة لكل منصف للحقيقة، لكل رجل يريد أن يتعرف على الحق.
لقد نشرت جريدة الأهرام في الأيام الماضية أنه لا يوجد الآن في أسواق فرنسا نسخة من نسخ القرآن الكريم المترجمة.
فكن ممن يخدم قضية الدين بمصداقية ومنهجية، لا بالصياح ولا بالجعجعة ولا بسوء الأدب، وإنما بالحقائق وبالأرقام وبفتح كتب التاريخ، فكتب التاريخ ما زالت مفتوحة مسطورة لكل منصف للحقيقة، ولكل رجل يريد أن يتعرف على الحق.
سحبت كل النسخ من أسواق فرنسا، لا بجهد من المسلمين الذين يتحركون للإسلام، وإنما بجهد ذاتي من غير المسلمين الذين بدءوا يتطلعون لمعرفة هذا الدين، حتى ولو أخذ من أخذ منهم هذه النسخ، من منطلق أن المسلمين بالفعل هم الذين قاموا بهذه العمليات التفجيرية؛ لأن هؤلاء قوم يعشقون القوة والأقوياء.
حتى من أخذ منهم بهذه النية أخذ نسخة القرآن المترجمة؛ ليتعرف على الإسلام، وكذلك في أمريكا.
стр. 1893
المستقبل للإسلام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! وأخيراً: المستقبل للإسلام، وأنا ألمح رياحاً عاتية من القنوط واليأس والشك والخوف على أهل الإسلام في هذه الأيام المقبلة، لا بملء الصوت، بل بأعلى الصوت وملء الفم، ولكن أقول: لا توجد قوة على وجه الأرض، ولن توجد قوة على وجه الأرض تستطيع أن تطفئ نور الله، كما قال : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩].
ولو حورب دين على وجه الأرض بمثل ما حورب به الإسلام لما بقي له على وجه الأرض من سبيل.
وأكرر: لو حورب دين على وجه الأرض -من الأديان الباطلة- بمثل ما حورب به الإسلام ما بقي له على وجه الأرض من سبيل.
فمن أول لحظة والإسلام محارب، ولكن الله أهلك كل من وقف في طريق الإسلام، وأبقى الله الإسلام شامخاً، وسيبقى بموعود الله وموعد الصادق رسول الله، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [الأنفال:٣٦]، بالمليارات ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
وقال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].
وقال جل وعلا: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران:١١١].
وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
اللهم ارزق الأمة الإيمان؛ لتستحق نصرتك يا أحكم الحاكمين! ويا رب العالمين!
стр. 1894
إخبار النبي ﷺ بانتشار الإسلام
وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: (إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وروى الإمام أحمد في مسنده، والطبراني بسند صححه الألباني من حديث تميم الداري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر -أي: هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر).
وتتدبروا معي هذا الحديث الذي ربما يسمعه كثير من الناس لأول مرة مع أنه في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ سأل أصحابه يوماً وقال (تعرفون مدينة جانب منها في البحر وجانب منها في البر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! -وهذه المدينة هي: القسطنطينية- قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها لم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، وإنما يقولون في المرة الأولى: لا إله إلا الله، والله أكبر! فيسقط جانبها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر! فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون في الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر! فيفرج لهم فيدخلونها).
قال الحافظ ابن كثير في تعليقه على هذا الحديث الجليل: (وبنو إسحاق في هذه النبوءة النبوية هم سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهؤلاء هم الروم).
والروم بلغتنا هم الأوروبيون.
قال الحافظ ابن كثير: (فالنبوءة النبوية تنص على أن الروم سيسلمون في آخر الزمان قبل قيام الساعة، وسيكون فتح القسطنطينية على أيديهم بإذن الله)
стр. 1895
اعترافات غربية بمستقبل الإسلام
وتدبروا ما تقوله الكلمات الغربية؛ لأن كثيراً من الناس لا يصدقون الوحي إلا إذا كان من أوروبا! قرأت في مجلة التايم الأمريكية وسأنقل خبراً كذلك من جريدة صنداي تلجراف البريطانية، وسأختم بخبر من مجلة لودينا الفرنسية.
تقول مجلة التايم الأمريكية: وستشرق شمس الإسلام من جديد.
وهذه ليست من عندي، وهذا ليس كلامي، بل كلام مجلة التايم ولكنها في هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا، فهي لا تشرق من المشرق كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب، من قلب أوروبا، تلك القارة العجوز التي بدأت المآذن فيها تناطح أبراج الكنائس في باريس، ومدريد، وروما، وصوت الأذان كل يوم في هذه البلاد خمس مرات خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً جديدة، وأتباعاً وجدوا فيه الطريق.
جريدة (الصندي تلجراف) البريطانية تقول: إن انتشار الإسلام مع نهاية هذا القرن ومطلع القرن الجديد ليس له من سبب مباشر، إلا أن سكان العالم من غير المسلمين بدءوا يتطلعون إلى الإسلام، وبدءوا يقرءون عن الإسلام، فعرفوا من خلال اطلاعهم أن الإسلام هو الدين الوحيد الأسمى الذي يمكن أن يتَّبع، وهو الدين الوحيد القادر على حل كل مشاكل البشرية!! ومجلة (لودينا) الفرنسية- وقد تعمدت أن أختم الخطبة بهذا الخبر؛ لأنه خبر استراتيجي عن خبراء الاستراتجية العسكرية، ودراسة قام بها متخصصون- تقول: مستقبل نظام العالم سيكون دينياً.
وهذا واضح لنا جميعاً الآن، فالحرب في الشيشان دينية، والحرب في كشمير دينية، والحرب في كوسوفا دينية، والحرب البوسنية دينية، والحرب في فلسطين دينية، والحرب التي في أفغانستان دينية، وكل حروب الأرض باسم الدين.
تقول الدراسة: مستقبل نظام العالم سيكون دينياً، وسيفوز النظام الإسلامي على الرغم من ضعفه الحالي؛ لأنه الدين الوحيد الذي يمتلك قوة شمولية هائلة! إنه دين الله الذي لم ينزل للعرب فحسب، بل للبشرية كلها: للأمريكان، وللأوربيين، وللعرب، وللمسلمين، إنه دين الله الذي رضيه لأهل السماء ولأهل الأرض كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]؛ لتسعد به البشرية في الدنيا والآخرة.
أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام، اللهم انصر الإسلام، اللهم انصر الإسلام، اللهم أعز المسلمين.
اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، واحفظ أهلنا في أفغانستان، واحفظ أهلنا في العراق، وأحفظ المسلمين في كشمير، وأحفظ المسلمين في الشيشان، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم إنك تملك القلوب فحول قلوب أعدائك عن المسلمين.
اللهم يا من تدبر أمر الكون! دبر الأمر للمستضعفين، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأطعمهم.
اللهم سلط الظالمين على الظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين، اللهم سلط الظالمين على الظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين.
اللهم اشرح صدورنا وردنا إلى الحق رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم اصرف مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
يا رب! فرج كرب أمة حبيبك محمد، اللهم فرج كرب أمة حبيبك محمد، اللهم اكشف الغمة عن الأمة، اللهم ارحم ضعفها، واجبر كسرها، واغفر ذنبها، واستر عيبها، وتول أمرها، وفك أسرها، وفرج كربها، واختم بالصالحات أعمالها.
اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة، ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ به أن أذكركم به وأنساه! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1896
التعبئة الإيمانية قبل التعبئة الجهادية
لا يخفى على مسلم ما تعانيه الأمة من تشتت، وما يفعله العدو من انتهاك لمقدساتها واستباحة لدمائها وأعراضها، ولا يشك مؤمن أنه لا عزة للأمة ولا مخرج لها من هذا النفق المظلم إلا بالجهاد.
لكن سنة الله في الجهاد أنه لا ينصر إلا عباده المؤمنين، ولذا كان لا بد من التعبئة الإيمانية حتى تثق الأمة بربها وتتأهل لاستحقاق النصر.
стр. 1897
وجوب الإعداد الإيماني قبل الجهاد
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد: ففي الحقيقة أن دروس الدار الآخرة دروس هامة جداً، وقد يظن بعض إخواننا أنها دروس بعيدة عن الواقع، ولكننا ندين الله بأن هذه الدروس هي من صلب هذا الواقع المرير؛ لأننا نعتقد أن الأمة لن تعود إلى كرامتها وإلى عزتها وإلى مجدها إلا إذا عادت ابتداءً إلى الله، ووالله! لو قعدت ألف سنة تشجب فغير ممكن أبداً أن تزول المستوطنات التي في القدس الشريف بالشجب، بل ستبنى رغماً عن أنف مليار مسلم؛ لأن الأمة كلها لا تجيد إلا أن تقول في (المانيتات): نشجب ونستنكر، وحتى إن منا من لا يشجب ولا يستنكر! فيا أخي! نحن أمة غابت عن الله أمة ابتعدت عن الله أمة انغمست في الشهوات والملذات أمة أصبحت تعبد الدنيا إلا من رحم ربك.
وأنا أقول لإخواننا دائماً: لو سألنا أنفسنا: من منا يا إخواننا! الذي يدعو في كل سجدة للأمة أن يردها الله إلى الدين، وأن يرد إليها الدين، وأن يرد إليها الأقصى الكريم؟! وفي الجواب أقول: هذه أمة بخلت بالدعاء، فهل تجود بالأموال والدماء؟!
الجواب
ممكن أنها أيضاً لا تجود، إلا من رحم الله.
فيا شبابنا! نريد أن نتعلم أن الجهاد لابد له من إعداد، وأول خطوة على طريق الإعداد هي الإيمان.
وأنا أفهم الواقع فهماً جيداً جداً، لكن ربنا لما أمر بالجهاد أمر المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورسوله﴾ [الصف:١٠ - ١١] فأمرهم بالإيمان مع أنه أثبت لهم الإيمان، وبعد الإيمان قال: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١١] فأثبت لهم عقد الإيمان فقال: يا أيها الذين آمنوا هل تريدون أن أدلكم على تجارة تنجيكم من العذاب والخزي في الدنيا والآخرة: تؤمنون بالله، وبعد الإيمان بالله تجاهدون؛ إذ ليس ممكناً أن يرفع السيف من لا يعرف الله، وأصحاب النبي إنما انتصروا بالإيمان.
وحتى لا يقول قائل: الشيخ في وادٍ والأمة في وادٍ أقول: الصحابة انتصروا؛ لأن الواحد منهم كان يدخل المعركة وهو يبحث عن الموت؛ والذي يدخل معركة وهو ينقب عن الشهادة وينقب عن الموت مؤمن بالله، والدنيا وإن طالت فهي قصيرة، إنما الآخرة هي الباقية.
ولما قال النبي ﷺ : (والذي نفس محمد بيده! لا يقاتلهم اليوم رجل وهو صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، قوموا لجنة عرضها السماوات والأرض)، كان أحد الصحابة قد أخرج تمرات يريد أن يأكلها حتى يقوي نفسه على القتال، فعندما سمع كلام النبي ﵊ حرك قلبه.
وأنا أقسم برب الكعبة -وأنا أعي ما أقول- إن هناك ممن ينتسبون إلى الإسلام الآن لو خرج إليهم النبي فكلمهم لكذبوه! فانظر إلى الكلمة لما قيلت كيف عمل الصحابي؟! رمى التمرات، وقام وهو يقول: (بخٍ بخٍ؛ جنة عرضها السماوات والأرض؟!) ما بيني وبين الجنة إلا أن ألقي بهذه التمرات وأن أنطلق في صفوف القتال لأقاتل فأقتل لأكون من أهلها، فرمى التمرات وقال: والله لئن حييت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة).
هؤلاء هم أهل الإيمان يا إخواننا! والعلماء كم لهم من سنة وهم ينفخون في قربة مقطوعة؟! لا يوجد إيمان إلا من رحم ربك في أفراد قلائل، أسأل الله أن يجعلنا منهم.
стр. 1898
التعبئة الحقيقية للجهاد هي برجوع الأمة إلى الدين
إن التعبئة الحقيقة للجهاد هي أن نرد الأمة من جديد إلى الله، هو هذا الطريق الذي ندين الله به: أن تُربى الأمة على القرآن والسنة، حتى لو قعدنا ألف سنة؛ لأنه لا طريق إلا هذا الطريق، فلا برلمانات ولا انتخابات أبداً، الطريق للتغيير هو طريق النبي محمد بن عبد الله؛ فقد بدأ بمجموعة وأفراد قلائل، كان يجتمع بهم في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فرباهم على القرآن وعلى السنة، وعلى الإيمان واليقين؛ حتى أخرج من هؤلاء الرجال الأبطال من أقام على أكتافهم للإسلام دولة من فتات متناثر، فإذا هي بناء شامخ لا يطاوله بناء، أذلت هذه الدولة المسلمة الأكاسرة، وأهانت هذه الدولة القياصرة، وغيرت مجرى التاريخ في فترة لا تساوي في حساب الزمن شيئاً على الإطلاق! فبهؤلاء وعلى أكتافهم أقام النبي علم الإسلام، فهذا هو الطريق الذي إذا سلكناه وصلنا إلى ما وصلوا.
فعليك يا أخي أن تربي، وليس لك دخل بالنتيجة، حتى ولو قعدت مائة سنة أو مائتي سنة؛ فالنتيجة ليست لك وليست لي وإنما وظيفتك أن تعمل فقط، ولا يهمك هل الشريعة تطبق في مصر أو لا تطبق؟ فإن ربنا لن يسألك عن تطبيق الشرع، وإنما سيقول لك: أنت عملت ماذا؟ أنت بذلت ماذا؟ أنت كنت سلبياً أو كنت إيجابياً؟ بذلت لدين الله على قدر استطاعتك أو كسلت؟ فعليك أنت أن تعمل وتجتهد، فتربيتك لنفسك هي على درب الفتح إن شاء الله، وتربيتك لأولادك بذر في طريق الفتح، وتربيتك لزوجتك بذر في طريق الفتح، وتصحيح العقيدة والإيمان بذر في طريق الفتح، هو هذا السبيل.
فعلينا أن نعمل ولو قعدنا مليون سنة، والواقع الآن خير شاهد؛ فإن كنا دائماً ممن يدندن دائماً على الواقع وعلى فقه الواقع وعلى فهم الواقع فإن الواقع يصدق ما نقوله الآن، فلا طريق إلا هذا الطريق، وأما النتائج فهي على الله، قال : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] فعليك أن تكون صحيح الإيمان، وأن تدعو غيرك إلى الرحمن جل وعلا وإلى سنة النبي ﵊ بحكمة ورحمة وموعظة حسنة.
стр. 1899
مراحل تغيير المنكر
وأريد أن أقول يا إخوان: إن العنف دائماً يهدم ولا يبني، فإذا قال قائل: فماذا أعمل؟ وأنا أريد أن أغير المنكر؛ وقلبي يحترق، فكيف أغيره؟ فنقول: إن قدرت أن تغير بيدك بحيث إن المعروف الذي يترتب على إنكارك يكون أكبر من المنكر نفسه فغير بيدك، فإن كان هذا الولد أو هذه البنت لك عليها سلطان فأنكر عليه ولو بالقوة، أما إذا كان إنكار المنكر سيترتب عليه منكر أكبر فلا تغيره؛ لأن ربنا أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها.
فلا تحسب نفسك عنترة بن شداد؛ وإنما كن فاهماً للواقع وفاهماً للشرع، فإذا لم تستطع التغيير باليد فالنبي ﷺ وضع لك مخرجاً فقال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه).
فعليك أن تمسك هذا الولد أو هذه البنت وتكلمهما بكلمتين طيبتين، وترغبهما وترهبهما وتذكرهما بالله.
стр. 1900
الأصل في الكبائر التوبة
وأقول لك أيها الأخ كلمة لو دفعت لي أموال الأرض فإنها لا تزن هذه الكلمة، هذه الكلمة هي لشيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه، يقول: (الأصل في الكبائر التوبة، وليس إقامة الحد!).
يعني: إن وقعت في كبيرة وربنا ستر عليك فاستر على نفسك، وتب إلى الله.
فإن قال قائل: هذا ماعز جاء بنفسه إلى النبي بعدما ارتكب كبيرة الزنا، ولم تأتِ به شرطة ولا هيئة أمر بمعروف، وإنما جاء يقول للنبي: طهرني يا رسول الله! فجاء معترفاً؛ والاعتراف سيد الأدلة، فأقول: إن النبي ﷺ قد قال له: (ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه)، فدل هذا على أن الأصل في الكبائر التوبة، وليس إقامة الحد.
فرجع ماعز ولم يقدر، لأنها قلوب تربت على الإيمان؛ أما اليوم فأحدنا يركب الحافلة العامة، وتراه يقطع السفنج، أو يسرق حديدة أو يسرق مسنداً ويقول لك: هذا مال سائب! وآخر يذهب إلى الوظيفة فيقعد ساعة ويعود، ويقول لك: على قدر فلوسهم! سبحان الله! فانظر الفرق الكبير؟! فـ ماعز رجع مرة ثانية وقال: (يا رسول الله! طهرني) فيقول له النبي ﷺ مرة ثانية: (ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه) فيرجع ماعز ثم يجيء في اليوم التالي ويقول: (يا رسول الله! طهرني).
فيقول له: (ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه) ويرجع ماعز وهو مصر على قوله، فيقول النبي ﷺ : (أبه جنون؟! قالوا: لا، يا رسول! فقال: هل شرب خمراً؟ فقام واحد من الصحابة فاستنكهه فلم يجد منه رائحة الخمر، فأمر النبي ﵊ بإقامة الحد عليه).
فلما وصل الأمر إلى ولي الأمر واعترف بهذه الصورة أقيم عليه الحد.
ومن أعجب ما قرأت أنه جاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ فقال: لقد هرب يا رسول الله ونحن نرجمه.
فقال المصطفى: (هلا تركتموه؟!) يا سبحان الله! انظر إلى عظمة هذا الدين! فإذا منّ الله عليك بأنك تستطيع أن تغير المنكر بيدك بدون مفاسد فغير، ولكن بالضوابط، فإذا لم تستطع فغير بلسانك بكلمة طيبة رقيقة، فإذا لقيت واحداً في معصية فذكره بالله، وذكره بالجنة والنار.
وأنا أريد أن أقول: جل الناس في قلبوهم الخير يا إخواننا! والله ما من مكان نتحرك إليه إلا ونرى الخير، وما من مكان نذهب إليه إلا نرى الشباب قبل الشيبان يتسابقون إلى الرحمن، والله إننا نجد آلافاً مؤلفة من الشباب يحضرون بين أيدينا في كل مكان نذهب إليه، بل يحضر عشرات الآلاف بدون مبالغة؛ فالناس مقبلة على الله، والناس ملوا من المعاصي والذنوب، وملوا من الكذب والدجل السياسي والإعلامي، وأصبح الناس يريدون أن يرجعوا إلى الله.
فهل يرجعهم غيركم أيها الدعاة؟! القاعدة لو بقيت كلها مسلمة لصلحت أحوال الأمة؛ وتصور لو أن الغالبية في مصر أسلمت لله إسلاماً حقيقياً، وأذعنت وانقادت وآمنت، فإن الحكومة التي نريد أن تطبق فينا شرع الله لن تأتي من المريخ، وإنما تأتي من هذه القاعدة، فإذا كانت القاعدة تقول: إسلام، فلا حاكم على ظهر الأرض يستطيع أن يقول: لا، أنا أريد أن أحافظ على الكرسي، فإذا كانت القاعدة تريد إسلاماً فسيكون إسلاماً، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فإذا لم تقدر أن تغير بلسانك فغير بقلبك.
стр. 1901
شروط التغيير بالقلب
التغيير بالقلب يكون بشرطين: الشرط الأول: أن يرى الله منك بغضك لهذا المنكر، فلا تقعد أمام التلفزيون تشاهد الفيلم الداعر أو المسلسل الفاجر وحين يجيء فيه مشهد راقصة عارية تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله! لا حول ولا قوة إلا بالله! فأنت بهذا تضحك على نفسك، وهذا كلام لا يليق على الإطلاق.
فأول شرط من شروط الإنكار بالقلب أن يحترق قلبك عند أن ترى منكراً والشرط الثاني من شروط التغيير بالقلب: أن تفارق المكان الذي يرتكب فيه المنكر؛ لأنك عاجز عن تغييره، فإذا كنت قاعداً في مجلس فيه الغيبة والنميمة التي أصحبت فاكهة المجالس فانههم، وقل لهم: اتقوا الله يا إخوان! وكل واحد يمسك لسانه، فإن لم يستجيبوا لك أو لم تستطع أن تغير فقم من هذا المجلس.
وبعض الناس ورع عن الحرام، لكنه لسانه ينهش في أعراض الأحياء والأموات، فاتقوا الله! أيها الإخوة؛ فإن الأمر كما قال جل وعلا: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، فكل كلمة تسجل على قائلها.
فإذا رأيت جماعة مصرين على الغيبة أو النميمة فقم فوراً، وانتبه أن تجلس، قال : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨]، ومن رحمة ربنا أن النبي ﷺ سمى إنكار القلب جهاداً، وفي هذا تسلية للمسكين الذي لا يقدر أن يغير بيده ولا بلسانه، فمن كان كذلك فليغير بقلبه؛ وهذا رحمة من الله بك أنك لو أنكرت المنكر بقلبك فأنت أيضاً مجاهد في سبيل الله، كما قال رسول الله ﷺ : (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن).
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.