← Джавами‘

Джавами‘ · id 7703

دروس للشيخ محمد حسان

محمد حسان

Полный текст (1 901 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

حب النبي ﷺ ومكانته في قلوب السلف وأختم بهذه الصورة المشرقة السريعة التي تبين كيف كانت محبة النبي في قلوب الأطهار الأبرار الأخيار؟ تدبر هذا المشهد أيها الحبيب! إنه المغيرة بن شعبة عند أن كان يقف ليظلل على رأس النبي من الشمس في الحديبية -كانوا لا يقبلون أن تلفح وجهه حرارة الشمس، ولا نسمة هواء باردة- فجاء عروة بن مسعود الثقفي رسولاً من قبل قريش ليفاوض النبي في الحديبية، فكان المغيرة واقفاً يظلل ويحمي رسول الله، فمد عروة بن مسعود يده ليداعب بعض الشعرات الطاهرات من لحية الحبيب محمد جرياً على عادة العرب في التودد إلى من يريد هذا المتحدث أن يكلمه، فمجرد ما مد عروة يده ليمسك لحية النبي ﵊ وإذ بـ المغيرة ابن أخي عروة يضرب يد عمه بمؤخرة السيف ضربة شديدة وهو يقول له: أخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، وإلا سأقطعها، مع أنه مدها مداعبة لشعرات النبي ﷺ ! وأنا أقول الآن: قد يُسب دين الله ودين رسول الله اليوم، في الوقت الذي ترون فيه على شاشة التلفاز أن لاعبي الكرة يرفعون على الأعناق، وتذلل لهم الصعاب، وتيسر لهم الأسباب، وتفتح لهم الأبواب، وتصاغ لهم الأمجاد، وتهتف وتصفق لهم الجماهير المخدوعة! وبالله عليك تخيل معي مشهد أبي دجانة رضوان الله عليه في غزوة أحد، وهو يترس على النبي، وقد أخذ النبي في صدره بين أحضانه وأعطى ظهره للسيوف والرماح والنبال؛ خشية أن يصل سهم طائش إلى صدر الحبيب سيد الرجال. وتدبر معي مشهد طلحة وهو يقاتل أمام النبي يمنة ويسرة، والرسول يقول لـ طلحة: (فداك أبي وأمي يا طلحة! وطلحة يلتفت إلى النبي ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله!). وتدبر معي هذا المشهد العجيب لشاب من شباب الصحابة كان في أحضان عروسه، إذ لا زالت الليالي الأولى لعرسه الكريم، فيسمع النداء: يا خيل الله اركبي، وسمع: حي على الجهاد، فينسل من بين أحضان عرسه ويتسلل تتسلل القطا، وإن شئت فقل: نزعه من أحضان عرسه حبه لله ولرسول الله، وانطلق مسرعاً لينال شرف الصف الأول خلف رسول الله، ويسقط شهيداً في الميدان وبعد انتهاء المعركة يرفع التقرير الطبي إلى الحبيب ﷺ ، ويقال: يا رسول الله! إنا نرى على حنظلة أثر ماء، فمن أين جاء هذا الماء والحرارة تذيب الحجارة والصخور؟! من أين هذا الماء، وينزل المصطفى بنفسه ليقرر حالة هذه الجثة الموحدة الطيبة الطاهرة ويرى النبي بعينه أثر الماء فيأمرهم أن يسألوا أهله، فتقول: لقد سمع منادي الجهاد يقول: يا خيل الله! اركبي، حي على الجهاد، فلم يمهله الوقت ليرفع عن نفسه الجنابة، فخرج إلى الميدان وهو جنب، فقال المصطفى: (إن الله تعالى قد أنزل ملائكة من السماء بطست من الجنة -بماء من الجنة- فغسلت حنظلة ليلقى الله طاهراً)، إنه الحب لله ورسوله ﷺ ! وآخر يقول له أبو سفيان وهو يعذب: أيسرك أن تكون في أهلك بين ولدك ومحمد في موضعك تُضرب عنقه؟! فقال هذا الصحابي الجليل: والله ما أحب أن تصيب رسول الله شوكة تؤذيه وأنا في أهلي معافى، فقال أبو سفيان قولته الخالدة: والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كما رأيت أصحاب محمد يحبون محمداً؛ لأنهم جسدوا الحب إلى واقع وعمل. وأنا أرى أعظم احتفاء بالنبي قولة الصديق يوم أن اتهم المشركون رسول الله بالكذب ليلة الإسراء، فرد الصديق بقوله: (إن كان محمد قال ذلك فقد صدق) هذا هو الاحتفاء. وأرى الاحتفاء الحقيقي في قولة فاروق الأمة عمر للنبي: (ألسنا على الحق؟! فقال رسول الله: بلى فقال: أليسوا على الباطل؟! فقال رسول الله: بلى، فقال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟) هذا هو الاحتفاء. وأرى الاحتفاء الحقيقي وقع يوم أن ارتقى النبي ﷺ المنبر وحث الناس على الصدقة، فجاء عثمان فملأ حجر النبي بالذهب والدنانير، ونزل النبي من على المنبر وهو يدعو الله لـ عثمان، ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) هذا هو الاحتفاء. وأرى الاحتفاء الحقيقي وقع يوم أن نام علي في فراش النبي ليلة الهجرة، وهو يعلم أنه إلى فناء، ولم لا؟ فليغن علي، وليبق حامل لواء الدعوة الحبيب النبي، هذا هو الاحتفاء. فإن أرادت الأمة أن تحتفي بالحبيب المصطفى فلتتبرأ من الشرك، لتحقق التوحيد، لتحكم شريعة النبي ﷺ ، ولتوالِ الله ورسوله والمؤمنين، لتحقق من جديد مبدأ السمع والطاعة، ولتسمع أمر ربها وأمر نبيها بلا تردد ولا انحراف، ثم عليها أن تنقب عن مكانة النبي في قبلها، ورحم الله من قال: من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهةٌ وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعةٌ ووفاءُ

стр. 1857

أحوال السنة مع القرآن وتدبروا معي هذا جيداً أيها المسلمون الأخيار! وخذوا مني هذه الهدية، فهي من أدق وأشمل وأنفس ما يُحصل بعد كلام الله وكلام الحبيب، وهذه الهدية هي للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إذ يقول: إن السُنَة مع القرآن على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكون السنة مؤكدة للقرِآن من كل وجه، وهذا يكون من باب تضافر الأدلة. الوجه الثاني: أن تكون السنة موضحة لما أجمله القرآن. فقد أمر القرآن بالصلاة؛ فجاءت السنة لتبين لنا كيفية الصلاة وأركانها وشروطها ونواقضها إلى آخره. الوجه الثالث: أن تكون السنة موجبة أو محرمة لما سكت عنه القرآن. فالرسول يحلل ويحرم، فيجب عليك أن تذعن لأمر النبي، وأن تحرم ما حرمه وتحل ما أحله النبي ﵌.

стр. 1858

حب النبي ﷺ بلا غلو أو إطراء المقتضى الأخير: حب يفوق حبك النفس والمال والأبناء بلا غلو أو إطراء. يجب أن يكون حبك للحبيب المصطفى ﵌ يفوق حبك لنفسك ولوالدك ولولدك، بل والناس أجمعين، فقد روى البخاري ومسلم من حديث أنس أن النبي ﵌ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين). وأقول: يجب أن يكون حبك للنبي يفوق حبك لوالدك وولدك والناس أجمعين، وسيقول لي الإخوة جميعاً: نشهد الله أننا نحب النبي أكثر من حبنا لآبائنا وأولادنا وأنفسنا، فأقول لك: قدم البرهان على هذه الدعوى، فلو بكى ولدك في الليل وصرخ هل ستتوانى عن تلبية صرخة ولدك؟ الجواب لا، بل ستسرع وتحتضن طفلك في صدرك، وتجري إلى أقرب طبيب أو إلى أبعد طبيب، وهذه رحمة في قلبك أسأل الله أن يأجرك عليها، لكن لما أمرك المصطفى هل أسرعت لامتثال أمره كما أسرعت لتلبية رغبة ولدك؟! وقد ذكرت سابقاً قصة التلميذ النجيب الذي جاء لأستاذه ليقول له: يا أستاذي! علمني كيف أرى رسول الله في نومي، فقال له أستاذه: أنت مدعو الليلة للعشاء عندي، وأحضر الأستاذ لتلميذه الطعام وأكثر فيه الملح ومنع عنه الماء، فطلب التلميذ ماءً، فقال له الأستاذ: الماء ممنوع، فكل، فأكل التلميذ حتى امتلئت بطنه بالملح، فقال أستاذه: نم، وقبل الفجر استيقظ -إن شاء الله تعالى- لأعلمك كيف ترى المصطفى في رؤياك، فنام التلميذ وهو يتلوى من شدة العطش، فلما استيقظ من نومه، قال له أستاذه: هل رأيت الليلة شيئاً في نومك قبل أن أعلمك؟ قال: نعم، رأيت، قال أستاذه: وماذا رأيت؟ قال التلميذ: رأيت الأمطار تنزل، والأنهار تجري، والبحار تسير، فقال له أستاذه: نعم، صدقت؛ صدقت نيتك فصدقت رؤياك، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله! فقدم البرهان على دعواك، وطبق هذا الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)، بل خذها مني: لا يكمل إيمانك إلا إذا فاق حبك للنبي حبك لنفسك التي بين جنبيك، فقد روى البخاري عن عمر ﵁ أنه قال لرسول الله: والذي نفسي بيده! لأنت أحب إلي من كل شيء يا رسول الله! إلا من نفسي، فقال المصطفى (لا يا، عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والذي نفسي بيده! لأنت أحب إلي من نفسي يا رسول الله! فقال المصطفى: الآن يا عمر!). قال أهل العلم: أي: الآن قد كمل إيمانك يا عمر!. فلابد أن تحب الحبيب أكثر من نفسك التي بين جنبيك، فنقب عن محبة الحبيب في قلبك، وقدم البرهان على هذه الدعوى، وقدم الدليل العملي على دعواك حب النبي. قال الإمام الخطابي: حب الإنسان لنفسه طبع، وحب الإنسان لغيره اختيار بتوسط الأسباب ونقل هذا القول عنه الحافظ ابن حجر في (الفتح) وهذا من أنفس ما يستفاد. يعني: أنا أحبك لأسباب، وأنت تحبني لأسباب، أما حبك لنفسك وحبي لنفسي فهذه جبلة طبيعية. فتدبر هذا الكلام النفيس! والنبي ﷺ لم يطلب من عمر حب الطبع، بل ما أراد منه إلا حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع عما جبلت عليه. فأراد النبي ﷺ أن يلفت نظر عمر إلى أن الله قد منَّ عليه فنجاه من النار عند أن أرسل له المصطفى المختار. وهذا فخر، كما قال الشاعر: ومما زادني فخراً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي! وأن أرسلت أحمد لي نبياً ولكن هناك فرق أيها الحبيب المحب! بين حب يدور على الاتباع وبين غلوٍ يدور على الابتداع؛ فقد قال المصطفى ﷺ : (لا تطروني) قال الحافظ ابن حجر: الإطراء هو: المدح بالباطل والكذب، يقول الحبيب: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله). بأبي هو وأمي. واسمع إلى هذا الذي يزعم أنه يمدح النبي فيقول للمصطفى: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فهل هذا حب للمصطفى؟! والله إن هذا لا يليق به ولا بكرمه ولا بجلال الله، فالحب هو أن تنسب ما لله لله، وأن تنسب ما للرسول للرسول؛ ففرق أيها المحب بين حب يدور على الاتباع وبين غلو يدور على الابتداع.

стр. 1859

السمع بلا تردد والطاعة بلا انحراف المقتضى الخامس: سمع بلا تردد وطاعة بلا انحراف. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥١ - ٥٢]. هذا هو شعار المؤمنين: سمع بلا تردد، وطاعة بلا انحراف؛ لأنهم موصوفون بهذه الآية: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فاعرض نفسك على الأمر النبوي والنهي النبوي والحد النبوي، وانظر هل امتثلت أمر النبي؟ وهل اجتنبت نهي النبي؟ وهل وقفت عند حدود النبي ﷺ ؟ فإن كنت ممن سمع الأمر فامتثله والنهي فاجتنبه والحد فوقف عنده فاسجد لربك شكراً، وسل الله أن يزيدك حباً على حب لحبيبك المصطفى. وإن كنت ممن سمع الأمر فلم يمتثل، والنهي فلم ينته، والحد فلم يقف، فاعلم أن زعمك أنك تحب النبي زعمٌ باهتٌ بارد لا ساق له ولا قدم. فشعار المؤمنين: السمع والطاعة، وشعار المنافقين: السمع والمعصية. قال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠]، هذا هو شعار المنافقين، ومعنى الآية: ألم تر يا محمد! إلى هذا العجب العجاب إلى قوم يزعمون أنهم آمنوا بك وبما أنزل عليك، بل وبما أنزل من قبلك، ومع هذا الزعم الباهت البارد الفارغ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به؟! وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ﴾ [البقرة:٢٥٦]، وقال: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فشعار المؤمنين: سمعنا وأطعنا، وشعار المنافقين: سمعنا وعصينا. فتدبر أيها المسلم الحبيب! فوالله ما رُحَمِتْ هذه الأمة إلا ببركة السمع والطاعة. ولما نزل قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] على الحبيب المصطفى شق ذلك على أصحابه، فانطلقوا حتى جثوا على الرُكب بين يديه، وقالوا: يا رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، ولقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، فغضب النبي ﷺ وقال: (أتريدون أن تقولوا ما قاله أهل الكتابين من اليهود والنصارى: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا)، فرد الصحابة على لسان وقلب رجل واحد وقالوا: سمعنا وأطعنا؛ غفرانك ربنا وإليك المصير، فنزل قول الله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] الآية. فيا من تدعي الحب للنبي! لقد أمرك المصطفى بالصلاة في وقتها، فهل أديت الصلاة في أوقاتها؟! وأمرك المصطفى بترك الحرام والربا، فهل تركت الربا؟! وأمرك المصطفى بعدم شرب الخمر، فهل تركت الخمر؟! وأمرك المصطفى بترك الزنا، فهل انصرفت عن الزنا؟! وأمرك ببر الوالدين، فهل امتثلت الأمر؟! وأمرك بالإحسان إلى الجيران، فهل امتثلت الأمر؟ وأمرك بالإحسان إلى الإخوة والأهل والأحباب، فهل امتثلت الأمر؟! وأمرك بإعفاء اللحية، فهل امتثلت الأمر؟! وأمرك بأوامر كثيرة، فهل امتثلتها؟ فاعرض نفسك على أوامر النبي ونواهيه وحدوده، فإن كنت ممن امتثل الأمر واجتنب النهي ووقف عند الحد الذي حده المصطفى فاسجد لله شكراً، وسل الله أن يزيدك حباً على حبك لحبيبك المصطفى. واحذر هذه الدعوى التي يغني بطلانها عن إبطالها، ويغني فسادها عن إفسادها ألا وهي: أنه يجب أن نعود الآن إلى القرآن فقط؛ لأن السنة فيها الضعيف والموضوع، احذر هذا! واعلم يقيناً بأنك إن عصيت رسول الله فقد عصيت الله، وإن أطعت رسول الله فقد أطعت الله، وإن صدقت رسول الله فقد صدقت الله، وإن امتثلت أمر النبي فقد امتثلت أمر الله، قال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧]. وقال جل وعلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢] وقال جل وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] وقال جل وعلا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١]. قال ابن عباس: أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. قال مجاهد: أي: لا تفتاتوا شيئاً على رسول الله حتى يقضي الله على لسان نبيه. قال القرطبي: أي: لا تقدموا قولاً ولا فعلاً على قول وفعل رسول الله. قال الشنقيطي: ويدخل في الآية دخولاً أولياً تشريع ما لم يأذن به الله، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله على لسان رسوله. فمن كذب المصطفى فقد كذب الله، ومن ضيع السنة فقد ضيع القرآن، ومن كفر بالنبي فقد كفر بالرحمن. فإن أردت أن تصل إلى الله فاسلك طريق رسول الله؛ ولا نجاة لك إلا إن سلكت هذا الطريق، فاسلك طريق النبي لتسعد في الدنيا والآخرة. وأحياناً يأتي إليّ أحد الأحبة بأذكار أو بأوراد للطائفة الفلانية أو للجماعة الفلانية أو للشيخ فلان أو للشيخ علان فأقول له: يا أخي الحبيب! هل تحب المصفطى؟! فيقول: والله ما حرصت على هذه الأوراد إلا حباً في المصطفى. فأقول لك: فلا تسلك إلا طريق المصطفى، فاذكر الله كما ذكر الله حبيبك المصطفى، وصل لله كما صلى لله حبيبك المصطفى، فأكمل الهدي هديه، وأحسن الكلام كلامه، فإن أردت السعادة فاسلك طريق محمد بن عبد الله، واقتف الأثر، وسر على الدرب، وإياك! أن تسمع لأحد يخالف قوله قول النبي، بل اعرض كل قول على قول النبي فإن كان قولي موافقاً لقول النبي فاقبله لأنه الحق، وإن خالف قولي قول النبي فاضرب به عرض الحائط، فمهما كان القائل لهذا القول فلا تقل: من القائل، ولكن قل: ما قوله؟! وماذا قال؟! فطاعتك للحبيب المصطفى هي أصلاً طاعة لله، بل لقد حذر النبي ﵊ من هذا الصنف الخبيث الذي يتغنى بالقرآن وبحب القرآن وبالإعراض عن السنة، فلقد روى أبو داود وصحح إسناد الحديث الألباني في (مشكاة المصابيح) من حديث المقدام بن معد يكرب أن النبي ﵌ قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) الكتاب أي: القرآن، ومثله أي: السنة، وهذه من معجزات المصطفى، يقول: (ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته، يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ثم قال الحبيب: ألا إن ما حرم الله كما حرم رسول الله).

стр. 1860

وجوب الولاء لله ورسوله والمؤمنين والبراءة من الشرك والمشركين المقتضى الرابع: الولاء والبراء فيا من ادعيت الحب لله ولرسوله! نقب عن هذا الأصل في قلبك، وانظر هل واليت الله ورسوله والمؤمنين وعاديت الشرك والمشركين لتكون بحق ممن أحب سيد النبيين، أم أنت بخلاف ذلك؟ قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠]. وقال جل وعلا: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]. آيات كثيرة في هذا الباب. هذا قرآن ربنا نستدل به حتى لا نتهم بالتطرف أو الإرهاب هذا هو القرآن لازال يتلى علينا في الليل والنهار: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، قرآن الله . فلا يكمل توحيدك إلا بالولاء والبراء، ولا يصح اعتقادك إلا بالولاء والبراء، أي: أنه يجب عليك أن توالي الله ورسوله والمؤمنين، وأن تتبرأ من الشرك والمشركين، كما قال الشاعر: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان! أن المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان نعم لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفرُ وواليت أهل الحق سراً وجهرةً ولما تعاديهم وللكفر تنصرُ فما كل من قد قال ما قلت مسلمٌ ولكن بأشراط هنالك تذكرُ مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهُم سراً لذاك وتجهرُ فهذا هو الدين الحنيفي والهدى ومِلَةُ إبراهيمَ لو كنت تشعرُ

стр. 1861

تحكيم الشريعة في كل شيء المقتضى الثالث: تحكيم الشريعة. أي أمة تدعي الحب للمصطفى وقد نحَت شريعته فهي أمة كاذبة، وأي أمة تحتفل بالمصطفى في كل ربيع من كل عام وقد حكمت في الأموال والأعراض والدماء والفروج القوانين الوضعية الفاجرة الجائرة، ونحت كتاب الله وشريعة رسوله فهي أمةٌ خاسرة لا ساق لها ولا قدم. وسترى الأمة تتعرض لمزيد من الضربات من إخوان القردة والخنازير ممن كتب الله عليهم الذلة حتى تفيء الأمة إلى منهج ربها، وإلى شريعة الحبيب نبيها ﷺ . ووالله إنه لا فلاح لها ولا عز ولا صلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا إذا عادت من جديد إلى الله، وأعلنت توبتها إلى الله، وحققت هذه التوبة على أرض الواقع في إذعان لأمر الله وانقياد لشرع رسول الله ﷺ ، كما قال الله جل وعلا على لسان نبيه يوسف: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠]، فأبت الأمة التي لا تستحي إلا أن تقول: إن الحكم إلا لمجلس الشعب، والله يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) فردت الأمة الجريئة وقالت: إن الحكم إلا للبيت الأبيض! الله يقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) فردت الأمة المخدوعة وقالت: إن الحكم إلا للبيت الأحمر! فركبت قارب القوانين الوضعية الجائرة وظنت الأمة المسكينة أنها قد ركبت قوارب النجاة وسط هذه الرياح الهوجاء والأمواج المتلاطمة، فخابت الأمة وخسرت وغرقت الأمة وأغرقت أبناءها. فأين الشريعة؟! يكاد القلب أن ينخلع من هذا، ووالله إن القلب لينزف حين تسمع عالماً يشار إليه بالبنان يظهر أمام شاشة التلفاز ليقول بجرأة وبجاحة: الشريعة الإسلامية في مصر مطبقة بنسبة (٩٩%) وهذا ظلم وكذب؛ وأين الشريعة في الحكم؟! وأين الشريعة في الإعلام؟! أين الشريعة في التعليم؟! وأين الشريعة في الاقتصاد؟! وأين الشريعة على شواطئ البحار العارية؟! وأين شريعة النبي المحكمة؟! قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء:٦٥] قال علماء اللغة: (لا) في الآية نافية، أي: ينفي الله الإيمان عن قوم أعرضوا عن حكم الله وعن حكم رسول الله. في (مدارج السالكين) عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: حكمي فيمن قدم حكمه على حكم النبي أن يضرب رأسه بالسيف) فعلق ابن القيم على مقولة عمر وقال: فكيف لو رأى عمر ما حدث في زماننا من تقديم رأي فلان وفلان على حكم رسول الله!! وأنا أقول: فكيف لو رأى ابن القيم ما حدث في زماننا من تحقير شريعة رسول الله وتنقيص قدرها، بل والسخرية منها، بل والاستهزاء بها، بل واتهامها بالجمود والرجعية والتخلف والتأخر وأنها لم تعد قادرة على مواكبة روح القرن العشرين!! فإن أرادت الأمة أن تعلن حب الله وحب رسول الله فلتسأل الأمة نفسها: أين هي من شريعة نبينها المصطفى؟! وأين شريعة المصطفى منها؟! أما أمة تغني للنبي ﷺ وقد نحت شريعته فهي كاذبة، أمة ترقص وتَطبل وتَزٌمر وتسمع الكلمات الرنانة، وتسمع الخطب المؤثرة والمواعظ الرقيقة من أعلى المستويات إلى أقل المستويات وإذا نظرت إلى واقعها بكيت دماً بدل الدمع!! لقد أصبحت الأمة أمة تذوب في بوتقة الغرب الكافر، وتركت بين يديها أصل العز ونبع الشرف ومعين الكرامة ومصدر الهداية، تركت القرآن والسنة والشريعة المحكمة المطهرة، وذابت في بوتقة الغرب في أحكامه في أخلاقه في معاملاته ويا ليت الأمة! قد نقلت أروع ما وصل إليه الغرب في الجانب العملي والمادي، ولكن الأمة -بكل أسف- تركت أروع ما وصل إليه الغرب في الجانب العلمي ونقلت أعفن وأقذر ما وصل إليه الغرب في الجانب العقدي والأخلاقي، ولا زلت تقرأ وتسمع إلى الآن أن من بين أبناء الأمة المخدوعين من يتغنى بالغرب!! وكأن الغرب الآن أصبح إلهاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!! قالوا لنا الغرب قلت صناعة وسياحة ومظاهر تغرينا لكنه خاوٍ من الإيمان لا يرعى ضعيفاً أو يسر حزينا الغرب مقبرة المبادئ لم يزل يرمي بسهم المغريات الدينا الغرب مقبرة العدالة كلما رفعت يد أبدا لها السكينا الغرب يحمل خنجراً ورصاصة فعلام يحمل قومنا الزيتونا؟! الغرب يكفر بالسلام وإنما بسلامه الموهوم يستهوينا كفر وإسلام فأنى يلتقي هذا بذلك أيها اللاهونا؟! أنا لا ألوم الغرب في تخطيطه لكن ألوم المسلم المفتونا وألوم أمتنا التي رحلت على درب الخضوع ترافق التنينا وألوم فينا نخوة لم تنتفض إلا لتضربنا على أيدينا يا مجلس الأمن المخيف إلى متى تبقى لتجار الحروب رهينا وترضى بسلب حقوقنا منا وتطلبنا ولا تعطينا لعبت بك الدول الكبار فصرت في ميدانهن اللاعب الميمونا شكراً لقد أبرزت وجه حضارة غربية لبس القناع سنينا شكراً لقد نبهت غافل قومنا وجعلت شك الواهنين يقينا يا مجلساً في جسم عالمنا غدا مرضاً خفياً يشبه الطاعونا إني أراك على شفير نهاية ستصير تحت ركامها مدفونا إن كنت في شك فسل فرعون عن غرق وسل عن خسفه قارونا اللهم أقر أعيننا بنصرة التوحيد والموحدين برحمتك يا أرحم الراحمين! إن أرادت الأمة أن تعلن الحب الصادق للنبي ﷺ فلتحكم شريعته، أما أن تتغنى بالكلمات والمحاضرات والعبارات والسهرات الحافلة الماجنة، فهذا حب كاذب، كما قال الشاعر: من يدعي حب النبي ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقاً طاعة ووفاء

стр. 1862

البراءة من دعاء القبور والأولياء والاعتقاد فيهم ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. لقد حدثني الإخوة مراراً وتكراراً عما يحدث عند قبور الصالحين، وأنا أود أن أنبه طلاب العلم إلى أنه لا ينبغي أن ننشغل برجل مقبور في مسجد أهو من الصالحين أم من غير الصالحين؟! لا ينبغي أن يشغلنا هذا؛ إذ إن الرجل بين يدي ربه جل وعلا، وقد أفضى إلى الله، لكن الذي ينبغي أن ننشغل به وأن نكثف الجهود من أجله هو ما يحدث من شرك حول قبر هذا الرجل إن كان من الصالحين أو من الطالحين. واعلموا يا شباب الصحوة! أن إصدار الأحكام على الناس بالتكفير والتفسيق فقط لن يغير الواقع شيئاً، إن حكمك على الناس بالإيمان لن يدخلهم الجنة إن كانوا من أهل النار، وإن حكمك على الناس بالكفر لن يدخلهم النار إن كانوا من أهل الجنة، فليس هذا من شأنك ولا من شأن جميع العبيد، بل هو من شأن العزيز الحميد جل وعلا، فلا تشغلوا أنفسكم أيها الشباب! بإصدار الأحكام على الناس، ولكن اشغلوا أنفسكم بتعليم الناس حقيقة التوحيد ليتغير هذا الواقع المر. فلما ذكرني الإخوة بما يقع، قلت: أود أن أرى بعيني، وأن أسمع بأذني؛ لأصل إلى السند من أعلاه، فغطيت وجهي وذهبت إلى مولد السيد البدوي بنفسي، وأدخلني إخوانكم في طنطا حتى وصلت إلى القبر، ووقفت لأرى بعيني ولأسمع بأذني، فسمعت امرأة مسكينة تقول: أنا زعلانة منك يا سيد! لأني آتي لك بالنذر لمدة خمس سنين وأنت لا تريد أن تعطيني ولداً!! فتدبر هذا! ثم يخرج علينا بعض العلماء ويتهموننا إذا تحدثنا عن هذا الشرك الغليظ بأننا ممن يعادي أولياء الله جل وعلا، وهذا ظلم فإننا ممن يقر أن المعجزة للأنبياء، وأن الكرامات الطيبة للأولياء، ولا ننكر هذا أبداً، لكن ينبغي أن نفرق بين شرك غليظ يُرتكب حول قبور هؤلاء وبين تكريمنا لأولياء الله جل وعلا؛ فإنه لا يقبل نبي ولا ولي هذا الشرك بأي حال، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. ولا أريد أن أطيل مع كل مقتضىً من مقتضيات الحب الصادق للحبيب المصطفى ﷺ ؛ لأعرج على بقية المقتضيات كلها إن شاء الله تعالى. فالمقتضى الأول: هو البراءة من الشرك إن أردت أن تنقب عن حبك للنبي في قلبك فسل نفسك: هل تبرأت من الأنداد والأرباب والآلهة والطواغيت؟! فإن كنت كذلك فقد دخلت في المقتضى الثاني ألا وهو تحقيق التوحيد لله العزيز الحميد.

стр. 1863

تحقيق التوحيد بأقسامه الثلاثة هذا هو المقتضى الثاني: تحقيق التوحيد. ويجب عليك أن تحقق التوحيد بأقسامه لله جل وعلا: فيجب أن تقر بتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية بإيجاز معناه: أن تعتقد وأن تقر لله بالخلق والرزق والأمر والتصريف والتدبير والإحياء والإماتة، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، فهل حققت توحيد الربوبية لله؟ وستعجب إذا قلت لك: إن توحيد الربوبية قد أقر به المشرك الأول في أرض الجزيرة العربية. فلو سألت أبا جهل من خالقك؟ لقال: الله. لو سألت المشرك من رازقك؟ لقال: الله. كما قال جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف:٨٧]. وقال جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]. بل لقد انفرد الأخنس بن شريق بـ أبي جهل، فقال الأخنس بن شريق: يا أبا الحكم! أستحلفك بالله إذ لا يوجد معنا أحد الآن يسمعنا، فأسألك بالله أمحمدٌ صادق أم كاذب؟! فقال أبو جهل: ويحك يا أخنس! والله إن محمداً لصادق! فنزل قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]. فهم كانوا يعلمون صدق النبي ﷺ ، بل قال قائلهم: والله! إني لأقر لمحمد بالنبوة أكثر مما أقر لابني بالبنوة؛ لأن الذي شهد بصدق محمد هو الله. وأقول: إن من بين من ينتسبون الآن إلى الإسلام من لم يحقق توحيد الربوبية لله الرحيم الرحمن! فهذا زعيم دولة خرجت من برك الدماء والأشلاء يقول: بأنه ممن يعتقد أن للكون أقطاباً وأوتاداً وأبدالاً تدبر نظام الكون وتسير شئونه!! والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٤]. قال الشاعر: يا صاحب الهمَ إن الهم منفرج أبشر بخيرٍ فإن الفارج الله إذا بليت فثق بالله وارض به إن الذي يكشف البلوى هو الله الله يحدث بعد العسر ميسرةً لا تجزعن فإن الخالق الله والله مالك غير الله من أحد فحسبك الله في كلٍ لك الله (قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)، فعليك أن تقر بتوحيد الإلوهية -توحيد العبادة- يعني: أن تصرف العبادة بركنيها: كمال الحب، وكمال الذل، وبشرطيها: الإخلاص والاتباع، إلى من يستحق العبادة وهو الله وحده لا شريك له. فسل نفسك أيها الحبيب! هل استغثت بالله وحده؟ وهل استعنت بالله وحده؟ وهل سألت الله وحده؟ وهل ذبحت لله وحده؟ وهل نذرت لله وحده؟ وهل حلفت بالله وحده؟ وهل طفت ببيت الله في مكة فقط؟! وهل قال لسانك وصدق قلبك وترجم عملك هذه الأقوال وهذه الكلمات؟ اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، وأبرأ من الأمل إلا فيك، وأبرأ من التسليم إلا لك، وأبرأ من التفويض إلا إليك، وأبرأ من التوكل إلا عليك، وأبرأ من الصبر إلا على بابك، وأبرأ من الذل إلا في طاعتك، وأبرأ من الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، وأبرأ من الرهبة إلا لجلالك العظيم. فهل امتثلت قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ أي: وذبحي، ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]؟! وهل آمنت بأسماء الجلال وصفات الكمال من غير تحريف لألفاظها أو لمعانيها؟ وهل أثبت ما أثبته الله لذاته وما أثبته له أعرف الناس به عبده ورسوله المصطفى ﷺ ؟ فلا يمكن على الإطلاق أن تدعي الحب للحبيب المصطفى إلا إذا حققت هذا التوحيد لله جل وعلا؛ فنسبت ما لله لله، وما لرسول الله لرسول الله لرسول الله ﷺ .

стр. 1864

البراءة من الشرك في المحبة أول مقتضى من مقتضيات حبك الصادق للنبي ﵌ هو: البراءة من الشرك: محال أن تدعي الحب للنبي ﷺ وقلبك لم ينق ولم يطهر من شوائب الشرك. قال الإمام ابن القيم ﵀: النفي المحض ليس توحيداً، وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمناً للنفي والإثبات معاً. قال علماؤنا: لابد من التخلية قبل التحلية. والتخلية هي: أن تكفر بالأنداد والأرباب والآلهة والطواغيت. فنقب في قلبك وانظر هل أخليته من هذا؟ وهل تبرأت من الأرباب والأنداد والآلهة والطواغيت وأخلصت القلب لله وحده لا شريك له؟ وهل كفرت بالطواغيت؟ والطواغيت: جمع طاغوت، والطاغوت كما قال عمر: هو الشيطان. وقال مالك: هو كل ما عبد من دون الله. وقال ابن القيم: الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فأنت مأمور يا من أحببت الله وأحببت رسول الله ﷺ ! أن تكفر بالطواغيت على ظهر الأرض، كما قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦]، ولاحظ أن الله قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله؛ إذ لابد من التخلية قبل التحلية. وعليك أن تكفر بالأنداد، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، اللهم ارزقنا حبك، وحب نبيك، وحب من أحبك يا رب العالمين! والمؤمن الصادق هو الذي امتلأ قلبه بحب الله وحب رسوله، ولكن كثيراً من الناس قد امتلأت قلوبهم بمحبة الأنداد من دون الله أو مع الله! ألم تسمع أن امرأة تخلصت من حياتها وانتحرت بسبب موت العندليب الأسود؟!! ألم تسمع عن رجلٍ جلس في استادٍ للكرة فصرخ صرخةً فقد فيها روحه؛ لأن فريقه قد مُنِي بهدفٍ من الفريق الآخر؟ ألم تسمع قول القائل: هبوني ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم سلامٌ على كفرٍ يُوَحَد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم ألم تسمع قول القائل: آمنت بالبعث رباً لا شريك له وبالعروبة دينًا ما له ثاني ألم تسمع قول القائل: إن مصر ستظل فرعونية، ولو وقف الإسلام حجر عثرة في طريق فرعونيتنا لنحينا الإسلام جانباً؛ لتظل مصر فرعونية؟!! ألم تسمع قول القائل: لقد عزمنا على أن نأخذ ما عند الغربيين حتى الالتهابات التي في رئاتهم والنجاسات التي في أمعائهم؟!! ألم يقل ربك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. قال رجل للحبيب المصطفى ﷺ : (ما شاء الله وشئت يا رسول الله! قال ﷺ : أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده). فهل كفرت بالأنداد؟! وهل كفرت بالأرباب غير الله جل وعلا؟ والأرباب جمع رب، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].

стр. 1865

البراءة من التحاكم إلى غير ما أنزل الله لاحظ أننا لا نخرج عن القرآن ولا عن السنة، ولا نقول إلا قال الله، وقال رسوله ﷺ فقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: اتخذوا العلماء والعبَّاد أرباباً من دون الله، كما روي أن عدي بن حاتم دخل على الحبيب المصطفى وهو يقرأ هذه الآية، فقال عدي: (يا رسول الله! ما عبدناهم من دون الله) أي: لم نتخذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله؛ ففسر له النبي ﷺ الآية، وبين له المعنى، فقال الحبيب (ألم يحلوا لهم ما حرم الله، ويحرمون عليهم ما أحل الله فأطاعوهم؟ فقال: بلى، قال المصطفى: فتلك عبادتهم إياهم). وقد اتخذت الأمة العلماء والعبَّاد أرباباً من دون الله؛ فإن قلت: كيف ذلك؟! فنقول: إن الأمة قد تركت لهؤلاء التشريع، فشرَّع هؤلاء للأمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ إذ عرض على أعضاء مجلس الشعب لأبناء هذه الأمة تشريع الله جل وعلا في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] الآيات، فأبى الأعضاء الموقرون وقالوا: لا، لا يتفق هذا التشريع الآن مع مدنية القرن العشرين! إذاً: ما تريدون؟! قالوا: إذا تم الزنا بالتراضي بين الرجل والمرأة يخفف الحكم إلى أقل درجة، فإذا جاء ولي المرأة الزانية وتنازل عن القضية لا يسجن الزاني ولا تسجن الزانية حتى ساعة واحدة، بل تسقط القضية!! وتقرأ الأمة في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] فتسمع الأمة لهذا الأمر الرباني، وفي السورة ذاتها يقول ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] فتقول طائفة من الأمة: لا، لن نقبل هذا الأمر أبداً! وتقرأ الأمة في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فتسمع الأمة لهذا الأمر وتتوضأ قبل الصلاة، وفي السورة ذاتها يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وقوله: (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] وقوله: (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] فتقول طائفة من الأمة: لا، لا نريد هذا الأمر؟! فنقول: كلا! كلا! قال ربنا جل وعلا: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. فهل كفرت بالأرباب من دون الله جل وعلا؟! وهل كفرت بالآلهة المكذوبة المدعاة؟! قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] فهل صرفت العبادة لله وحده؟ وهل امتثلت أمر الله؟

стр. 1866

قصيدة وعظية وأكتفي بهذا القدر، وهنا أذكر قصيدة طلبها والد كريم، ولا أرى لها مناسبة، لكن أذكرها تلبية لرغبة الأحبة وعلى رأسهم والدنا الكريم هذا، وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الصادقين، وهذه القصيدة هي لـ علي زين العابدين، وأسأل الله أن يفتح لها القلوب، وأن يرزقنا العمل. فأذكر جميع أحبابي بأن المحبة الصادقة للنبي ﵊ تتمثل في العمل، تتمثل في أن تحافظ على الصلاة، وتقرأ القرآن، وتبعد عن الحرام، وتحب الإخوة، وبالجملة أن تستقيم على منهج الله؛ لأن كل واحد وإن عمر مائة سنة أو ألف سنة فإنه في النهاية راحل وذاهب إلى الله ، فستلقى الله حتماً، فتفكر أين فرعون وهامان؟ وأين النمرود؟ وأين الظالمون؟ وأين التابعون لهم في الغي؟ كما قال الشاعر: أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم؟ وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل أبقى الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان فالدنيا مهما طالت -أخي الحبيب! فهي قصيرة، ومهما عظمت فهي حقيرة؛ لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، ولأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر. فالدنيا يا أخي الكريم! دار ممر، والآخرة هي دار المقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. قال زين العابدين علي بن الحسين ﵀: سفري بعيد وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوب لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلن ما أحلم الله عني حين أمهلني وقد تماديت في ذنبي ويسترني أنا الذي أغلق الأبواب مجتهداً على المعاصي وعين الله تنظرني كأنني بين جلّ الأهل منطرحاً على الفراش وأيديهم تقلبني وقد أتوا بطبيب كي يعالجني ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني واشتد نزعي وصار الموت يجذبها من كل عرق بلا رفق ولا هون كأنني وحولي من ينوح ومن يبكي علي وينعاني ويندبني وقام من كان حبُّ الناس في عجل نحو المغسِل يأتيني يغسلني فجاءني رجل منهم فجردني من الثياب وأعراني وأفردني وأودعوني على الألواح منطرحاً وصار فوقي خرير الما ينظفني وأسكب الماء من فوقي وغسلني غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن وحملوني على الأكتاف أربعة من الرجال وخلفي من يشيعني وأخرجوني من الدنيا فوا أسفاه على رحيل بلا زاد يبلغني وقدموني إلى المحراب وانصرفوا خلف الإمام فصلى ثم ودعني صلوا علي صلاة لا ركوع لها ولا سجود لعل الله يرحمني وأنزلوني إلى قبري على مهل وقدموا واحداً منهم يلحدني فكشََف الثوب عن وجهي لينظرني فأسكب الدمع من عينيه أغرقني وقال هلوا عليه الترب واغتنموا حسن الثواب من الرحمن ذي المنن يا نفس كفي عن العصيان واغتنمي فعلاً جميلاً لعل الله يرحمني اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياًَ إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً برحمتك يا أرحم الراحمين! والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1867

هذا هو الإسلام يا أمريكا الإسلام هو دين الله الذي ارتضاه لأهل سماواته وأرضه، وهو دين جميع الأنبياء ﵈، ولا تصلح حياة البشرية من أولها إلى آخرها إلا بهذا الدين؛ فإنه صالح لكل وقت وجيل، ولهذا لما خلت المجتمعات الغربية -مع تقدمها في الأمور الدنيوية- عن الإسلام كانت مجتمعات منحلة أخلاقياً؛ تسودها الجريمة والأخلاق السيئة. وأعداء الأمة اليوم يتهمون الإسلام بالإرهاب، وينسبون إليه أحداث (١١ سبتمبر)، وهو منها بريء، بل أصل الإرهاب هي أمريكا وإسرائيل.

стр. 1868

عالمية الإسلام إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الإخوة الأخيار! وطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم جميعاً من الجنة منزلاً، وأسأل الله الحليم الكريم جل وعلا الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أحبتي في الله: (هذا هو الإسلام) هذا هو عنوان لقائنا، وسوف ينتظم حديثي في هذا الموضوع الجليل في العناصر التالية: أولاً: عالمية الإسلام. ثانياً: أخلاق الإسلام. ثالثاً: من يحمل همّ الإسلام. وأخيراً: المستقبل للإسلام. فأعيروني القلوب والأسماع جيداً، والله أسأل أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام والمسلمين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أولاً: عالمية الإسلام.

стр. 1869

براءة الإسلام من الإرهاب ومن الجهل الفاضح والظلم البين أن يُتهم الإسلام بالإرهاب، وأن يُتهم الإسلام بالتطرف والرجعية والجمود والأصولية والتأخر والوحشية والبربرية، إلى آخر هذه التهم المعلبة التي تكال الآن للإسلام في الليل والنهار! إن وسائل الإعلام الغربية يتحكم فيها الآن في كل بقاع الأرض أنجس أهل الأرض من اليهود، لقد أصبحوا هم الذين يتحكمون في كل وسائل الإعلام، بل ويتحكمون حتى في السياسة الأمريكية، لا في سياستها الإعلامية، بل في سياستها الرسمية والاقتصادية والتعليمية والإعلامية، اقرءوا عمن يحكم الآن أمريكا؛ لتتعرفوا على الحقائق.

стр. 1870

أمريكا واليهود أصل الإرهاب وأساسه فأنا أتحدى أمريكا أن تثبت بالأدلة الدامغة أن المسلمين كانوا وراء التفجيرات في (نيويورك) وفي (واشنطن)؛ أتحدى أن تثبت بالدليل الدامغ أن المسلمين كانوا وراء هذه العمليات، بل هو من صنع اليهود، حقيقة يعلمها كثير ممن يتخذون القرار هنالك! فاليهود وراء كل مصيبة على وجه الأرض، أرادوا أمام هذا الزحف الإسلامي الهائل في قلب أمريكا، وفي قلب أوروبا -كما سأبين الآن بالدليل من أقوالهم لا من أقوالنا- أرادوا أن يوقفوا هذا المارد العملاق الذي بدأ يتململ من جديد، وبدأ يزحف إلى قلب أمريكا وقلب أوروبا، وأرادوا أن يضربوه بأقوى يد في الأرض، بشرطي العالم، بالسلاح الأمريكي. وأود أن أنبه هؤلاء الذين يعلنون الحرب الآن على الإرهاب بأنهم طلائع الإرهاب في العالم، ورواد الإرهاب على سطح الأرض. اقرءوا التاريخ لتتعرفوا على الحقائق، فمن الذي أباد ما يزيد على مائة وسبعين ألفاً في لحظات في هروشيما؟ وبعد ثلاثة أيام في (نجزاكي)؟ ويوم أن دخلت أمريكا الحرب ضد ألمانيا عام ألف وتسعمائة أربعة وأربعين في ضربات جوية غاشمة عشوائية على المدنين في ألمانيا، قتلت أمريكا في يوم واحد ما يزيد على خمسمائة وسبعين ألفاً من المدنيين، وجرحت ما يقرب من مليون في قصف عشوائي عن طريق الطائرات!! في هتلاك قتلت أمريكا ما يزيد على أربعة ملايين!! وفي العراق قتلت ما يزيد على مائتين وخمسين ألفاً، من الأطفال الذين لا يملكون حيلة ولا قوة!! وفي كل بقاع الأرض في السودان في أفغانستان قبل ذلك في العراق في ليبيا!! وخرج علينا جورج بوش ليعلن -بنفس الطريقة التي أعلن بها أبوه ذبح العراق- ذبح أفغانستان. فهؤلاء العزل الذين يعيشون تحت خط الفقر ولا يجدون لقمة الخبز يعاقبون ويقتلون من أجل فرد واحد، كما قال القائل: قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر لقد خرج الآن هذا الفرد المطلوب المشتبه فيه الأول، فماذا يريدون؟! وتصور رائدة الحضارة الغربية تطلب مشتبهاً فيه، ولا تقدم الأدلة الدامغة، وتعاقب شعباً كاملاً لا يملك سبيلاً من أجل فرد بدون أدلة!! هذه هي راعية الحضارة في العالم، ثم بعد ذلك تتهم الإسلام بالتطرف والإرهاب! ثم لماذا غضت الطرف عن إرهاب كلاب الأرض من اليهود الذين يذبحون المسلمين في فلسطين، ويقاتلون الشعب الأعزل من المدنيين بأحدث وسائل السلاح الأمريكي؟ لماذا غضت الطرف عن هذا الإرهاب؟ ولماذا غضت الطرف عن إرهاب الصرب ضد المسلمين في البوسنا؟ ولما تدخلت ما تدخلت لم تتدخل من أجل مصلحة المسلمين، بل من باب الخوف على مصالحها في قلب أوروبا، وخوفاً من أن يظهر هذا المارد الجديد في قلب هذه المنطقة، وهي الآن تريد ضرب الإسلام، وتريد السيطرة على منطقة بحر قزوين؛ لأنها المنطقة المؤهلة الآن لأكبر احتياطي نفط في الأرض كلها، بعد تناقص احتياطي النفط في منطقة الخليج. فهي تريد السيطرة باسم الحرب على الإرهاب على منطقة بحر قزوين، والقضاء على الإسلاميين في أفغانستان. لقد خرج الصرب بملحمته الخطيرة التي تسمى بإكليل الجبل، والذي تقول كلمتها: سلك المسلمون طريق الشيطان، دنسوا الأرض ملئوها رجساً، فلنعد للأرض خصوبتها، ولنطهرها من تلك الأوساخ، ولنبصق على القرآن، ولنقطع رأس كل من يؤمن بدين الكلاب ويتبع محمداً، فليذهب غير مأسوف عليه! فلماذا غضت أمريكا الطرف عن هذا الإرهاب؟ لقد اتخذ مجلس الأمن خمسين قراراً ضد إسرائيل لم تلزم أمريكا إسرائيل -طفلتها المدللة- بقرار واحد، في الوقت الذي أصرت فيه عن طريق مجلس الأمن وهيئة الأمم أن تنفذ قراراً واحداً اتخذه مجلس الأمن ضد العراق!! بل وضربت العراق بالصواريخ وتضرب في كل أسبوع تقريباً، فمن هو الإرهاب؟! وأين الإرهاب؟! اتهموا الإسلام بالإرهاب وهم رواد الإرهاب في الأرض؛ لأنهم يملكون إعلاماً خبيثاً يجيد قلب الحقائق. أما الأمة المسلمة فلا تملك إعلاماً يعرض قضيتها بوضوح، بل ويحبس كل صوت أبي صادق حر يبين الحقائق بلغة الأرقام، لا بلغة العاطفة والصراخ، بل بلغة الأرقام، فهم رواد الإرهاب في الأرض.

стр. 1871

سبب مشاكل البشرية هو ترك الإسلام ومحاربته والله! ما أحرق البشرية لفح الهاجرة القاتل، وما أرهق البشرية طول المشي في التيه والضلال إلا لمحاربتها للإسلام، وإلا لمعاداتها للإسلام، وإلا لانحرافها عن دين الله جل وعلا الذي أنزله الله للبشرية؛ لتسعد به في الدنيا والآخرة على السواء. فإن العالم كله اليوم محروم من نعمة الأمن والأمان، على الرغم من كثرة الوسائل الأمنية المذهلة، وعلى الرغم من التخصص العلمي المذهل المبني على العلوم النفسية والاجتماعية؛ لمحاربة العنف والجريمة في كل مكان، بل وإن العالم محروم من نعمة الأمن والأمان على الرغم من كثرة الأسلحة النووية والبيولوجية والسرية، بل وعلى الرغم من كثرة أحلافه العسكرية، وعلى الرغم من كثرة هيئاته ومنظماته، فبترك الإسلام حرم العالم كله من نعمة الأمن والأمان. بل إن ملايين البشر ينتظرون الموت الآن في كل لحظة؛ لأن الوسائل الأمنية التي اخترعتها البشرية النكدة البعيدة عن منهج الله تحولت إلى وسائل لإبادة الجنس البشري بين غمضة عين وانتباهتها، فتحولت وسائل الأمن إلى فزع ورعب!! إن ملايين البشر ينتظرون الموت في كل لحظة، فقد ضاقت الدنيا في وجوههم على الرغم من اتساع الأرض هنا وهنالك، بل واسودت الدنيا في أعينهم على الرغم من كثرة أضوائها، بل لا يجدون لقمَ الخبز على الرغم من كثرة الأسواق المشتركة العملاقة، وعلى الرغم من كثرة الأموال، بل ولا يشعر العالم كله الآن براحة النفس واستقرار الضمير وانشراح الصدر وهدوء البال، كل هذا نتيجة لانحراف البشرية المنكودة عن منهج الله جل وعلا، عن هذا الدين الذي رضيه الله للبشرية كلها لتسعد به في الدنيا والآخرة، كما قال جل وعلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧]. وهذه نتيجة حتمية للبعد عن منهج رب البرية، وللبعد عن منهج سيد البشرية ﷺ ، وهي نتيجة عادلة للإعراض عن منهج الله ﵎.

стр. 1872

الإسلام دين جميع الأنبياء أحبتي في الله! الإسلام هو المنة الكبرى، والنعمة العظمى، وهو الدين الوحيد الذي ارتضاه الله جل وعلا لأهل الأرض، بل لأهل السماء، فما من نبي ولا رسول إلا وبعثه الله جل وعلا بالإسلام بداية من نبي الله نوح كما قال ربنا حكاية عنه في سورة يونس: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]. وما بعث الله إبراهيم الخليل إلا بالإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٠ - ١٣٢]. وما بعث الله يعقوب إلا بالإسلام، كما قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]. وما بعث الله نبيه يوسف إلا بالإسلام، كما قال الله تعالى حكاية عنه في آخر سورة يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]. وما بعث الله سليمان إلا بالإسلام، فهذا هو كتابه إلى ملكة سبأ، التي قرأته على أتباعها في مملكتها، كما حكى الله ذلك بقوله: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣١]. وما دخلت في الإسلام إلا يوم أن شرح الله صدرها للحق، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤]. وما بعث الله نبيه موسى إلا بالإسلام، كما قال الله حكاية عنه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]. بل وما بعث الله نبيه عيسى إلا بالإسلام، كما قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢]. بل إن دين الجن المؤمنين هو الإسلام، كما قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن:١٤ - ١٥]. إلى أن بعث الله لبنة تمامهم ومسك ختامهم المصطفى ﷺ بالإسلام، قال الله تعالى لنبيه: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. وخاطبه الله جل وعلا بقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. فالدين الوحيد الذي ارتضاه الله لأهل السماء ولأهل الأرض هو الإسلام، وهو ليس لا للعرب فحسب بل للبشرية كلها، ولذا قال جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].

стр. 1873

أخلاق الإسلام مع غير المسلمين أما الإسلام فهو دين الرحمة والتسامح، ودين الوفاء بالعهود حتى للأعداء، وهذا هو عنصرنا الثاني: أخلاق الإسلام: وأنا لن أتكلم عن أخلاق الإسلام بين المسلمين، ولن أتكلم عن أخلاقه العقيدية، ولا عن أخلاقه التعبدية، ولا عن أخلاقه التشريعية، ولا عن أخلاقه السلوكية فيما بين أفراده. بل سأتحدث عن أخلاق الإسلام مع غير المسلمين، ونحن نعلم يقيناً أن اليهود ما ذاقوا طعم الأمن والاستقرار إلا في ظلال الإسلام، وما تعرض يهودي للأذى إلا يوم أن نقض اليهود العهود مع النبي ﷺ في المدينة، وما عرف الصليبيون والنصارى طعم الأمن والأمان إلا في ظلال الإسلام.

стр. 1874

تعظيم عمر بن الخطاب ﵁ للوفاء بالعهود وهذا جندي- ولا أقول: هذا قائد من قادة المسلمين- يعطي عهداً بالأمان لقرية في بلاد العراق وكانت تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵁، وأخبر الجندي قائده أبا عبيدة، فأرسل أبو عبيدة بن الجراح كتاباً على الفور إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليخبره بما كان، وليتلقى منه الأوامر. فأرسل عمر بن الخطاب ﵁ رسالة إلى أبي عبيدة بن الجراح وقال فيها بعد حمد الله والثناء عليه: إن الله تعالى قد عظّم الوفاء، ولا تكونون أوفياء حتى تفوا، فوفوا لهم بعهدهم، واستعينوا الله عليهم. وأود أن أقف لأستخرج أمرين من هذه الحادثة: الأول: أن عمر بن الخطاب أراد أن يبين كرامة الفرد ولو كان جندياً، وكان هذا امتثالاً عملياً من عمر لقول النبي كما في صحيح البخاري: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم على أعلاهم)، فأثبت عمر كرامة الفرد ولو كان جندياً قد أعطى الأمان لقرية أو لأهل بلد، فوجب على المسلمين -بما فيهم قائد الجيش- أن يفوا بعهد هذا الجندي لأهل هذا البلد. الأمر الآخر: لقد أثبت عمر عملياً أن معاني الإسلام العظيمة ليست حبيسة الأوراق، وليست حبيسة الأدراج كما فعلت الثورة الفرنسية، أو كما فعل إعلان الحقوق العالمية للإنسان في أمريكا أو في هيئة الأمم.

стр. 1875

عدل عمر رضي الله وأخلاقه مع أهل بيت المقدس واقرءوا بنود العهدة العمرية التي منحها عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدس يوم جاء من المدينة ليستلم مفاتيح بيت المقدس، فأعطاهم عهداً بالأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، ومن أراد أن يخرج منهم من أرض (إيلياء) فلابد أن يُعطى الأمان حتى يبلغ مأمنه، ومن أراد أن يبقى منهم في الأرض فلا يؤخذ منه شيء من المال حتى يحصل خراجه. فهذا هو الإسلام.

стр. 1876

وفاء النبي ﷺ بالعهود للكفار وفي صحيح مسلم قال حذيفة بن اليمان ﵁: ما منعني أن أشهد بدراً مع رسول الله ﷺ أنا وأبي حسيل ﵄ إلا أننا قد خرجنا فأخذنا المشركون، فقالوا لنا: أتريدون محمداً؟ قلنا: لا، بل نريد المدينة، قال حذيفة: فأخذ المشركون علينا عهد الله وميثاقه أن ننصرف إلى المدينة، وألا نقاتل مع رسول الله ﷺ . قال حذيفة: فانطلقت أنا وأبي إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بما قاله لنا المشركون، وبما قلناه للمشركين، فاسمع ماذا قال النبي ﵊ وهو في حال حرب لـ حذيفة وأبيه (انصرفا -أي: لا تشهدا معنا المعركة- نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم). ائتوني بلغة على وجه الأرض تجسد هذا الوفاء! هذا هو ديننا، وهذه هي أخلاق نبينا، فالحربي له عندنا معاملة، والذمي له عندنا معاملة، والعدو له عندنا معاملة، والحبيب والقريب له عندنا معاملة. ولقد وضع الإسلام القواعد والضوابط كلها وبين كل شيء، ومع أنهم في حال حرب إلا أنه يقول ﷺ : (انصرفا؛ نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم).

стр. 1877

حقوق الإنسان بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب

стр. 1878

موقف الغربيين من الإسلام هذا هو الإسلام، وددت لو أسمعت كل الغربيين هذه الحقائق، وأنا أعلم يقيناً أنهم يعرفونها، لكنه الحقد الذي أنطقهم بأنها حملات صليبية جديدة، وشاء الله جل وعلا أن يظهر المنافقون على زلات ألسنتهم، وعلى صفحات وجوههم، فلابد أن يعرف المسلمون أعداءهم في لحن القول، وإن جملوا بعد ذلك الأقوال من منطلق السياسة الخادعة الماكرة، أو من منطلق السياسة القاصرة، لكن يأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر لذوي البصائر من أهل الإسلام حقائق ما تكنه الصدور، وقد قال ربنا العزيز الغفور ﵎: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١]. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١].

стр. 1879

عمر بن عبد العزيز وموقفه من فتح سمرقند وهذا عمر بن عبد العزيز يوم فتح الإسلام والمسلمون مدينة سمرقند، وعرف أهل سمرقند أن الفتح لمدينتهم فتح باطل؛ سبحانك ربي! لماذا؟ لأن المسلمين دخلوا المدينة عنوة دون أن يبلغوا قومها الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال، هكذا علمهم سيد الرجال ﷺ ، ولكنهم ما فعلوا ذلك. فأرسل أهل سمرقند رسالة إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز طيب الله ثراه، وأخبروه بأن فتحهم الإسلامي لمدينتهم فتح باطل؛ وبينوا له ذلك، فما كان من هذا العملاق الذي تربى في مدرسة النبوة، إلا أن يصدر الأوامر إلى قائد جيشه الفاتح في مدينة سمرقند بالانسحاب فوراً، فخرجت الألوف المؤلفة من أهل سمرقند بين يدي هذا الجيش المنسحب المنتصر ليعلنوا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله!

стр. 1880

موقف صلاح الدين الأيوبي من عدوه ريتشرد قلب الأسد وهذا صلاح الدين يوم فتح القدس، قدم يومها درساً عملياً للصليبين الحاقدين من أعظم دروس التسامح، يوم أن أرسل طبيبه الخاص بدواء من عنده، لعلاج عدوه اللدود ريتشرد قلب الأسد.

стр. 1881

محمد الفاتح وتسامحه مع غير المسلمين وهذا محمد الفاتح يعلم الدنيا كلها درساً آخر من دروس التسامح الإسلامي مع غير المسلمين، يوم فتح ودخل القسطنطينية.

стр. 1882

اعتراف كتاب غربيين بتسامح الإسلام كل هذا تاريخ مسطور؛ ولذا يقول المفكر الشهير غستك لبون قولاً ينصر الحق قبل أن ينصف الإسلام والمسلمين، ليعلنها صريحة ويقول: ما عرف التاريخ ديناً فاتحاً متسامحاً كالإسلام، وما عرف التاريخ أمة فاتحة منتصرة متسامحة كأمة الإسلام!!

стр. 1883

الإسلام دين التسامح هذه حقائق واقعية، فالإسلام دين التسامح والرحمة، ويكفي أن نعلم الحديث الذي رواه البخاري في التاريخ، والنسائي في السنن، وصححه شيخنا الألباني في المجلد الثاني من صحيح الجامع من حديث عمرو بن الحمق الخزاعي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أمن رجلاً على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً).

стр. 1884

أوروبا وحقوق الإنسان لقد ظلت هذه القيم النظرية في أوروبا حبيسة الأوراق والأدراج، لكن في اليوم الذي أعلنت فيه الثورة الفرنسية مبدأ حقوق الإنسان وأن الناس جميعاً سواء استبعد القانون الفرنسي نفسه قرابة ما يزيد على نصف الشعب الفرنسي من التصويت في الانتخابات؛ لأنهم يعتبرون المواطن الفقير مواطناً سلبياً!! ولما أعلنت أمريكا مبدأ حقوق الإنسان بنص القانون أبقت استعباد الزنوج قرناً آخر من الزمان بعد إعلان هذا القرار النظري.

стр. 1885

الإسلام وحقوق الإنسان والحيوان فالإسلام لا يقدم مثُلاً نظرية، وإنما يقدم مثُلاً منهجية ربانية نبوية واقعية؛ لتتألق في دنيا الناس سمواً وعظمة وروعة وجلالاً. لقد تحولت هذه المثل في دنيا الناس إلى واقع أعلنه المصطفى ﷺ مدوياً: (وأيم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). وأعلنها رسول الله في بغي من بغايا بني إسرائيل أدخلها الله الجنة في كلب؛ لأنها رحمت كلباً وأحسنت إليه. وأعلنها مدوياً: (أن امرأة دخلت النار في هرة)، هذا هو إسلامنا.

стр. 1886

واجب المسلم تجاه المشركين أيها الموحد لله جل وعلا! أيها المسلم! يا من تدعي حب الله وحب رسوله! وما زلت توالي الشرك والمشركين: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحـ ب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر

стр. 1887

من يحمل هم الإسلام أيها الموحد لله جل وعلا! أيها المسلم! يا من تدعي حب الله وحب رسوله! وما زلت توالي الشرك والمشركين: أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان وكذا تعادي جاهداً أحبابه أين المحبة يا أخا الشيطان إن المحبة أن توافق من تحـ ب على محبته بلا نقصان فإن ادعيت له المحبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بهتان لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر وواليت أهل الحق سراً وجهرة ولما تعاديهم وللكفر تنصر فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهم سراً لذاك وتجهر هذا هو الدين الحنيفي والهدى وملة إبراهيم لو كنت تشعر

стр. 1888

يجب على المسلم أن يعمل للإسلام بقدر استطاعته أيها الأفاضل! الأمة كلها مطالبة بأن تتحرك الآن برجولة وبصدق وبكل الطاقات والإمكانيات وعلى جميع الأصعدة، وفي كل الأماكن والمستويات؛ لتبين الصورة المشرقة للإسلام. فإن كنت تعرف زميلاً لك في أمريكا فأرسل إليه رسالة أو اهد إليه شريطاً، المهم أن تبذل شيئاً للإسلام، وإن كنت من الصادقين فلن تعدم أن تجد لنفسك دوراً تخدم من خلاله دين الله ﵎؛ لأن الذي يؤلمني غاية الألم أن أرى كثيراً من المسلمين يسأل عن دوره بعد خطبة أو بعد محاضرة! فعليك أن تعيش لدينك قبل المحاضرة وبعدها، وبعد الخطبة وقبل الخطبة، ومع كل نفس من أنفاس حياتك، كما تخطط لتجارتك ولمستقبلك ولمستقبل أولادك ولمستقبل أسرتك، فلابد أن تخطط لهذا الدين، وأن تعيش لهذا الدين، وأن تنام وعيونك مليئة بالدموع، بل والدموع تنهمر على خديك لهمك الذي يحرق قلبك. أما أن ترى ما يفعله اليهود بإخواننا في فلسطين، وما يفعله عباد البقر في إخواننا في كشمير، وما يفعله الملحدون المجرمون بإخواننا في الشيشان، وما يفعله الصليبيون بإخواننا في أفغانستان، ثم بعد ذلك تأكل ملء بطنك، وتنام ملء جفنك، وتضحك ملء فمك، فعليك أن تبحث عن قلبك، وهل تحمل قلباً أم أنك لا تحمل قلباً بالمرة؟ قال ابن مسعود: (اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن, وفي أوقات الخلوة، وفي مجالس الذكر، فإن لم تجد قلبك في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب. فإن لم تحمل الآن هم الإسلام فمتى ستحمله؟ وإن لم يحترق قلبك الآن على هذا الدين فمتى سيحترق قلبك؟ وإن لم تتحرك الآن بكل ما تملك من عقل وفكر وكلمة وقلم وامرأة وولد ومال وجهد وطاقة وسكون وراحة وحركة لهذا الدين؛ فمتى ستبذل لهذا الدين؟! إن الأمة الآن كلها يجب عليها أن تبذل أقصى ما تملك لدين الله ﵎، وهي على يقين مطلق أن الكون لا يتحكم فيه الأمريكان، ولا يدير دفته الأوروبيون، بل إن الذي يدبر أمر الكون هو ملك الملوك سبحانه!

стр. 1889

وجوب الثقة بالله لابد أن تمتلئ القلوب ثقة مطلقة في الله، ولابد أن نعلم أن الذي يدير أمر الكون هو الله، ولا يقع شي في الكون إلا بإذنه وأمره وعلمه وحكمته وقدره وإرادته، فلا تظن أن الله قد خلق الخلق وغفل عنهم، حاشا لله! بل لا يقع في كونه إلا ما يريد، والله هو الاسم الذي تقال به العثرات، والله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات، والله هو الاسم الذي تستمطر به الرحمات، والله هو الاسم الذي تدفع به الكربات، والله هو الاسم الذي به ولأجله قامت الأرض والسماوات، والله هو مالك الملك وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض؛ فأين عاد؟ وأين ثمود؟ وأين فرعون؟ وأين قارون؟ وأين هامان؟ وأين أبرهة؟ وأين أصحاب الفيل؟ وأين الظالمون؟ وأين التابعون لهم في الغي؟ قال الشاعر: أين من دوخوا الدنيا بسطوتهم وذكرهم في الورى ظلم وطغيان هل خلد الموت ذا عز لعزته أو هل نجا منه بالسلطان إنسان لا والذي خلق الأكوان من عدم الكل يفنى فلا إنس ولا جان قال الرحيم الرحمن: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤]. وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥]. فلا أحد يتحكم في الكون إلا الواحد الأحد، فلماذا اختل اليقين في قلوبنا؟! ولماذا ضعفت الثقة بربنا؟ ولماذا أصبحنا لا نؤمن إلا بالماديات؟ وقد كنا قبل ذلك ندعو على أعداء الأمة، فتنظر إلينا بعض الأعين نظرات تحمل من المعاني ما الله به عليم، وكأنها تقول: ما يقول هؤلاء الدراويش؟ وما الذي ينتظرونه؟ فشاء الله جل وعلا أن يضمد جراح القلوب القلقة، وأن يذهب شك القلوب المتشككة، وأن يعلم أهل الأرض أن الذي يتحكم في الكون هو الله وحده، ولا تستطيع قوة على وجه الأرض أن تقضي على دين الله؛ لأن الذي وعد بحفظ هذا الدين هو رب العالمين، وهذا ما سنتعرف عليه في عنصرنا الأخير وذلك بعد جلسة الاستراحة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1890

لا يتحقق للمسلم كمال الاتباع حتى يدعو إلى الإسلام أما الحضارة الإسلامية وإن تقاعس المسلمون في السنوات الماضية عن أصول هذه الحضارة فلا زالت هي الحضارة المؤهلة لتحل كل مشاكل البشرية، كما سأذكر الآن بالدليل من أقوال الغربيين لا من أقوالنا نحن كمسلمين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. قال ابن القيم: ولا يكون الرجل من أتباع النبي حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة. انظر إلى هذا الشرف؛ شرف الانتساب، فلا يكون الرجل من أتباع النبي حقاً حتى يدعو إلى ما دعا إليه على بصيرة. فما هو همك الذي تفكر فيه الآن؟ لابد أن تزول كل الهموم أمام هذا الهم الأكبر، أمام همّ الإسلام، وأنا لا أنكر عليك أن تحمل همومك الشخصية، لكن لابد أن تذوب كل همومك إلى جوار هذا الهم الأكبر، همّ الإسلام همّ الدين، فكل يتقدم الآن بما يملك من كلمة رقراقة من شريط هادف من رسالة نافعة من مساهمة مادية لإخوانه هنا وهنالك. المهم أن تحمل الآن همّ الإسلام، فإن لم تحمل الآن همّ الدين فمتى؟! يقول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم أنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل). فهل أنت من حواريي رسول الله بحملك لهذا الدين، وتحركك له؟ فوظف منصبك، ووظف طاقاتك كلها، واستثمر جاهك ومكانتك بالاتصال بالمسئولين هنا وهنالك؛ لنبين هذه الصورة المشرقة للإسلام؛ لأن الإسلام الآن متهم شئنا أم أبينا. فالإسلام متهم بالإرهاب والتطرف، ونريد أن نظهر صورة الإسلام المشرقة، لا بأقوالنا فحسب، بل بأقوالنا وقلوبنا وأعمالنا، فما منا من أحد إلا وقد شهد للإسلام بلسانه، لكن من منا قد شهد للإسلام بجنانه وأعماله؟! إن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام هي أن نشهد له شهادة عملية على أرض الواقع بعدما شهدنا له من قبل جميعاً شهادة قولية بألسنتنا.

стр. 1891

واجب الإعلام في دول الإسلام أين المحطة الفضائية التي تبين الصورة المشرقة للإسلام؟ إعلام الأمة إعلام سخيف، إعلام سافل منحط، ففي الوقت الذي تطحن فيه إسرائيل المسلمين في فلسطين تجد إعلام الأمة يذيع مباراة للأهلي مع (رويال مدريد) أو مع غيره، وفي الوقت الذي ترى فيه الصواريخ والطائرات تدك العراق دكاً ترى مسلسلاً هابطاً أو مسرحية ساقطة، أو فلماً داعرا!! فإعلام الأمة إعلام سافل لا يخدم قضية، بل لا يرقب في الإسلام ولا في المسلمين إلاً ولا ذمة، فمن يحمل هم الدين؟ وهذا وقت نفيس يحتاج العالم كله أن يتعرف على الإسلام بصورته المشرقة، ودعك من التصريحات السياسية التي تقال للاستهلاك المحلي، والصدور تكن ما أخبرنا به العزيز الغفور الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. لكن نريد أن نبين الصورة المشرقة لأفراد الشعوب؛ للشعب الأمريكي للشعب البريطاني للشعب الألماني لشعوب أوروبا، فلقد وقف وزير خارجية إيطاليا ليعلن بمنتهى الوضوح والصراحة أن الحضارة الغربية حضارة قد تفوقت على الإسلام. ورب الكعبة! لا أقول ذلك إنصافاً مني للإسلام بدون عدل وحق، وإنما أقول: إن الحضارة الغربية هي حضارة الذئاب هي حضارة الأفاعي هي الحضارة المتعفنة الروح هي الحضارة المتحللة الضمير هي الحضارة التي شهدت البشرية في ظلها من صنوف البربرية والوحشية والإبادة ما تخشى الوحوش الضارية أن تفعله ببعضها البعض في عالم الغابات. وأنا لا أنكر ما وصلت إليه الحضارة الغربية في الجانب المادي والعلمي، لكن الحضارة لا يمكن أبداً أن تقوم على جانب واحد أو على شق واحد ألا وهو الشق المادي، بل لابد لأي حضارة على وجه الأرض من أن تقوم بشقين لا غنى للأول عن الثاني، ولا غنى للثاني عن الأول، ألا وهما: الجانب العلمي المادي، والجانب الأخلاقي والروحي. وانظر إلى هذه الحضارة الغربية في جانبها الآخر، لقد وصلت إلى أسفل سافلين، كما قال رب العالمين: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:٤ - ٦] الآيات. فلقد وصلت هذه البشرية في الجانب الخلقي إلى مستنقع آسن عفن.

стр. 1892

حمل همّ الإسلام واجب على كل مسلم عنصرنا الثالث هو: من يحمل همّ الإسلام؟ ومن هو الذي بين للعالم كله عظمة وحقيقة هذا الدين؟ لقد آلمني شاب أمريكي في مؤتمر من المؤتمرات التي حضرتها هنالك، وقد أمسك بذراعي وهو يبكي، ثم احتضنني وازداد بكاؤه، وعلا نحيبه، وقال لي في ترجمة شبه حرفية لقوله: والله! سأسلكم يوم القيامة بين يدي الله، لماذا تركتم والدي يموت على الكفر؟! فأين أنتم يا موحدون؟! وأين أنتم يا مسلمون؟! لم نر إلى الآن حتى محطة فضائية تتبنى قضية الإسلام باحترام، أو تخدم قضية الدين بمصداقية ومنهجية، لا بالصياح ولا بالجعجعة ولا بسوء الأدب، وإنما بالحقائق وبالأرقام وبفتح كتب التاريخ؛ فكتب التاريخ ما زالت مفتوحة مسطورة لكل منصف للحقيقة، لكل رجل يريد أن يتعرف على الحق. لقد نشرت جريدة الأهرام في الأيام الماضية أنه لا يوجد الآن في أسواق فرنسا نسخة من نسخ القرآن الكريم المترجمة. فكن ممن يخدم قضية الدين بمصداقية ومنهجية، لا بالصياح ولا بالجعجعة ولا بسوء الأدب، وإنما بالحقائق وبالأرقام وبفتح كتب التاريخ، فكتب التاريخ ما زالت مفتوحة مسطورة لكل منصف للحقيقة، ولكل رجل يريد أن يتعرف على الحق. سحبت كل النسخ من أسواق فرنسا، لا بجهد من المسلمين الذين يتحركون للإسلام، وإنما بجهد ذاتي من غير المسلمين الذين بدءوا يتطلعون لمعرفة هذا الدين، حتى ولو أخذ من أخذ منهم هذه النسخ، من منطلق أن المسلمين بالفعل هم الذين قاموا بهذه العمليات التفجيرية؛ لأن هؤلاء قوم يعشقون القوة والأقوياء. حتى من أخذ منهم بهذه النية أخذ نسخة القرآن المترجمة؛ ليتعرف على الإسلام، وكذلك في أمريكا.

стр. 1893

المستقبل للإسلام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! وأخيراً: المستقبل للإسلام، وأنا ألمح رياحاً عاتية من القنوط واليأس والشك والخوف على أهل الإسلام في هذه الأيام المقبلة، لا بملء الصوت، بل بأعلى الصوت وملء الفم، ولكن أقول: لا توجد قوة على وجه الأرض، ولن توجد قوة على وجه الأرض تستطيع أن تطفئ نور الله، كما قال : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٨ - ٩]. ولو حورب دين على وجه الأرض بمثل ما حورب به الإسلام لما بقي له على وجه الأرض من سبيل. وأكرر: لو حورب دين على وجه الأرض -من الأديان الباطلة- بمثل ما حورب به الإسلام ما بقي له على وجه الأرض من سبيل. فمن أول لحظة والإسلام محارب، ولكن الله أهلك كل من وقف في طريق الإسلام، وأبقى الله الإسلام شامخاً، وسيبقى بموعود الله وموعد الصادق رسول الله، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ [الأنفال:٣٦]، بالمليارات ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]. وقال جل وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. وقال جل وعلا: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران:١١١]. وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. اللهم ارزق الأمة الإيمان؛ لتستحق نصرتك يا أحكم الحاكمين! ويا رب العالمين!

стр. 1894

إخبار النبي ﷺ بانتشار الإسلام وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان قال الصادق الذي لا ينطق عن الهوى: (إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وروى الإمام أحمد في مسنده، والطبراني بسند صححه الألباني من حديث تميم الداري أن الحبيب النبي ﷺ قال: (ليبلغن هذا الأمر -أي: هذا الدين- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر). وتتدبروا معي هذا الحديث الذي ربما يسمعه كثير من الناس لأول مرة مع أنه في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، أن النبي ﷺ سأل أصحابه يوماً وقال (تعرفون مدينة جانب منها في البحر وجانب منها في البر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! -وهذه المدينة هي: القسطنطينية- قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاءوها لم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، وإنما يقولون في المرة الأولى: لا إله إلا الله، والله أكبر! فيسقط جانبها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله، والله أكبر! فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون في الثالثة: لا إله إلا الله، والله أكبر! فيفرج لهم فيدخلونها). قال الحافظ ابن كثير في تعليقه على هذا الحديث الجليل: (وبنو إسحاق في هذه النبوءة النبوية هم سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهؤلاء هم الروم). والروم بلغتنا هم الأوروبيون. قال الحافظ ابن كثير: (فالنبوءة النبوية تنص على أن الروم سيسلمون في آخر الزمان قبل قيام الساعة، وسيكون فتح القسطنطينية على أيديهم بإذن الله)

стр. 1895

اعترافات غربية بمستقبل الإسلام وتدبروا ما تقوله الكلمات الغربية؛ لأن كثيراً من الناس لا يصدقون الوحي إلا إذا كان من أوروبا! قرأت في مجلة التايم الأمريكية وسأنقل خبراً كذلك من جريدة صنداي تلجراف البريطانية، وسأختم بخبر من مجلة لودينا الفرنسية. تقول مجلة التايم الأمريكية: وستشرق شمس الإسلام من جديد. وهذه ليست من عندي، وهذا ليس كلامي، بل كلام مجلة التايم ولكنها في هذه المرة تعكس كل حقائق الجغرافيا، فهي لا تشرق من المشرق كالعادة، وإنما ستشرق في هذه المرة من الغرب، من قلب أوروبا، تلك القارة العجوز التي بدأت المآذن فيها تناطح أبراج الكنائس في باريس، ومدريد، وروما، وصوت الأذان كل يوم في هذه البلاد خمس مرات خير شاهد على أن الإسلام يكسب كل يوم أرضاً جديدة، وأتباعاً وجدوا فيه الطريق. جريدة (الصندي تلجراف) البريطانية تقول: إن انتشار الإسلام مع نهاية هذا القرن ومطلع القرن الجديد ليس له من سبب مباشر، إلا أن سكان العالم من غير المسلمين بدءوا يتطلعون إلى الإسلام، وبدءوا يقرءون عن الإسلام، فعرفوا من خلال اطلاعهم أن الإسلام هو الدين الوحيد الأسمى الذي يمكن أن يتَّبع، وهو الدين الوحيد القادر على حل كل مشاكل البشرية!! ومجلة (لودينا) الفرنسية- وقد تعمدت أن أختم الخطبة بهذا الخبر؛ لأنه خبر استراتيجي عن خبراء الاستراتجية العسكرية، ودراسة قام بها متخصصون- تقول: مستقبل نظام العالم سيكون دينياً. وهذا واضح لنا جميعاً الآن، فالحرب في الشيشان دينية، والحرب في كشمير دينية، والحرب في كوسوفا دينية، والحرب البوسنية دينية، والحرب في فلسطين دينية، والحرب التي في أفغانستان دينية، وكل حروب الأرض باسم الدين. تقول الدراسة: مستقبل نظام العالم سيكون دينياً، وسيفوز النظام الإسلامي على الرغم من ضعفه الحالي؛ لأنه الدين الوحيد الذي يمتلك قوة شمولية هائلة! إنه دين الله الذي لم ينزل للعرب فحسب، بل للبشرية كلها: للأمريكان، وللأوربيين، وللعرب، وللمسلمين، إنه دين الله الذي رضيه لأهل السماء ولأهل الأرض كما قال : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]؛ لتسعد به البشرية في الدنيا والآخرة. أسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا جميعاً بنصرة الإسلام، اللهم انصر الإسلام، اللهم انصر الإسلام، اللهم أعز المسلمين. اللهم احفظ أهلنا في فلسطين، واحفظ أهلنا في أفغانستان، واحفظ أهلنا في العراق، وأحفظ المسلمين في كشمير، وأحفظ المسلمين في الشيشان، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم إنك تملك القلوب فحول قلوب أعدائك عن المسلمين. اللهم يا من تدبر أمر الكون! دبر الأمر للمستضعفين، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأطعمهم. اللهم سلط الظالمين على الظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين، اللهم سلط الظالمين على الظالمين، وأخرج المسلمين من بينهم سالمين غانمين. اللهم اشرح صدورنا وردنا إلى الحق رداً جميلاً يا رب العالمين! اللهم اصرف مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. يا رب! فرج كرب أمة حبيبك محمد، اللهم فرج كرب أمة حبيبك محمد، اللهم اكشف الغمة عن الأمة، اللهم ارحم ضعفها، واجبر كسرها، واغفر ذنبها، واستر عيبها، وتول أمرها، وفك أسرها، وفرج كربها، واختم بالصالحات أعمالها. اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل مصر واحة للأمن والأمان وجميع بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجميع بلاد المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله أن أكون جسراً تعبرون عليه إلى الجنة، ويلقى به في جهنم، ثم أعوذ به أن أذكركم به وأنساه! وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →