Полный текст (1 901 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أصناف الخلق
قال علماؤنا: لقد خلق الله الخلق على أربعة أصناف: خلق الله آدم من غير أب ومن غير أم.
وخلق الله حواء من أب دون أم.
وخلق الله عيسى من أم دون أب.
وخلق الله سائر الناس من الأب ومن الأم.
وهذا دليل على كمال قدرة الله جل وعلا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]، ورحم الله من قال: الناس من جهة الأصل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشابهة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء وإن يكن لهم من أصلهم حسب يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أجلاء فقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، وهكذا تذوب جميع الفوارق، وتسقط جميع هذه الرايات المنتنة، التي قال عنها النبي ﷺ : (دعوها فإنها منتنة) هذه العصبيات الجاهلية الممقوتة، التي نجح أعداء ديننا في بذرها في قلوب كثير من المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، لا راية في الإسلام إلا للتقوى، ولا ميزان في الإسلام يخفض ويرفع إلا للتقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
ولما سئل النبي ﷺ -كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري -: (يا رسول الله! أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم) إلى آخر الحديث.
стр. 72
تعريف التقوى وأركانها
فما هي التقوى؟! الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى وقت طويل جداً، ولكنني سأوجز الجواب عن هذا السؤال الهام؛ لأني قد أفردت خطبة كاملة قبل ذلك للحديث عن التقوى، وهذا من باب: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]؛ فما هي التقوى أيها الأحباب؟ التقوى هي: وصية الله جل وعلا لجميع خلقه، ووصية النبي ﷺ لجميع أمته، وهي الوصية التي ما زال يتوارثها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم جميعاً، وقد عرفها أحد السلف فقال -نقلاً عن الحافظ بن رجب في جامع العلوم والحكم- التقوى: هي أن تعمل بنور من الله، في طاعة الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله.
وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم وصححه من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً وموقوفاً -وقال الحافظ بن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم: الموقوف أصح- أنه قال في قول الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، قال عبد الله بن مسعود ﵁: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
إذاً: فأركان التقوى هي: أن يطاع فلا يعصى.
وأن يذكر فلا ينسى.
وأن يشكر فلا يكفر.
стр. 73
أول أركان التقوى: طاعة بلا معصية
الركن الأول: طاعة بلا معصية، والمعصية سبب لسخط الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، ولها آثار خطيرة على العبد -عافانا الله وإياكم منها- ذكرها وأسهب في تفصيلها الإمام ابن القيم في كتابه القيم الداء والدواء، أو بعنوان آخر: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، حتى لا يلتبس الأمر على بعض الإخوة.
إن للمعصية آثاراً خطيرة، وهي سبب لسخط الله جل وعلا في الدنيا والآخرة، والمعصية لها ظلمة في القلب، وأذكر نفسي وإخواني من طلبة العلم، بأن المعصية سبب رئيس من أسباب حرمان العلم، قال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأوصاني بأن العلم نور ونور الله لا يهداه عاصي ومن آثارها الخطيرة: أن صاحب المعصية يحس للمعصية بظلمة وبوحشة في قلبه، لا يعلمها إلا الله، كما قال الحسن ﵀: أبى الله إلا أن يذل من عصاه، ورحم الله ابن عباس حينما قال: إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للمعصية سوداً في الوجه، وظلمة في القلب، وضيقاً في الرزق، ووهناً في البدن، وبغضاً في قلوب الخلق.
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذلك التقوى واصنع كماش على أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى إياك أن تحتقر معصية، فإن المؤمن ينظر إلى معصيته، على أنها كبيرة من الكبائر، ولو كانت من الصغائر، ولكن المنافق ينظر إلى عظم المعصية، كأنها ذبابة وقعت على أنفه فذبها عنه فطارت، لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت! إن خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل: عليَّ رقيب فعليك أن تطيع الله جل وعلا، وأن تراقب الله في سرك وعلنك، ولقد أمسك أعرابي بأعرابية في الصحراء، وأراد أن يفعل بها الفاحشة، فقالت له الأعرابية: هل نام الناس في الخيام؟ فذهب الأعرابي فرحاً مسروراً بمعصية زائلة وبلذة فانية، وبمعصية تعرضه لسخط الله جل وعلا، وعاد إليها -وقد تملكه السرور- وهو يقول: أبشري لقد نام الناس جميعاً، ولا ترانا إلا الكواكب، فقالت له هذه المرأة النقية: وأين مكوكبها؟! ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]، لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت، وإن خلوت بنفسك فلابد أن تعلم أن الله جل وعلا يسمع ويرى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٦] ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
إن خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت، ولكن قل: عليَّ رقيب
стр. 74
ثاني أركان التقوى: أن يذكر فلا ينسى
الركن الثاني: (أن يذكر فلا ينسى)، والله إنه لشرف أن تذكر الله فيذكرك مولاك: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، والله لو ذكرت عند ملك من ملوك الأرض، أو عند حاكم من حكام الأرض، وذكرت بالخير لسعدت بذلك سعادة غامرة، فكيف إذا قيل لك: لقد ذكرك ملك الملوك، وجبار السماوات والأرض؟! ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم) أي: ذكرت في الملأ الأعلى يا عبد الله! ذكر الله حصن حصين، يتحصن به الذاكر من شياطين الإنس والجن، إن مثل الذاكر لله جل وعلا، كمثل: رجل خرج العدو في أثره سراعاً، فأتى إلى حصن حصين، فاحتمى بهذا الحصن من عدوه، كذلك الذاكر لله جل وعلا، يحتمي بذكر الرحمن من الشيطان.
فلا تغفل عن ذكر الله، وليكن لسانك دائماً رطباً بذكر الله، وإن ذكرت الله جل وعلا فأنت في كنفه ورعايته، والحديث عن الذكر طويل، إلا أن أفضل الذكر كما قال النبي ﷺ هو: (لا إله إلا الله) كلمة التوحيد والإيمان، (أفضل الذكر لا إله إلا الله).
стр. 75
ثالث أركان التقوى: أن يشكر فلا يكفر
الركن الثالث: (وأن يشكر فلا يكفر)، وكم من نعم لله جل وعلا علينا وهي بحاجة إلى شكر، ولابد أن نفرق بين معنى الشكر والحمد، فإن معنى الشكر أعم من معنى الحمد: فإن الحمد يقترن باللسان والقلب، ولكن الشكر لابد له من أركان، لابد له من شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر الجوارح والأركان، كما قال صاحب فتح المجيد ﵀: إن الشكر أعم من الحمد قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣].
ولقد وعد الله بالزيادة على الشكر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
والشكر -كما قال الإمام ابن القيم - هو: الحافظ وهو الجالب: هو الحافظ للنعم، وهو الجالب للنعم، أو لفضل الله جل وعلا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، والشكر لابد أن يكون بالقلب واللسان والأركان، فإن منّ الله عليك بنعمة المال وأردت أن تشكر الكبير المتعال، فشكرك لا يكون بالثناء فقط، وإنما يكون بالثناء على الله والإنفاق في سبيل الله.
وإن منّ الله عليك بنعمة الصحة، فلا ينبغي أن تقتصر على أن تحمد الله فقط، بل ينبغي أن تستغل هذه النعمة في طاعة الله جل وعلا، لذا فإن الشكر يدور على ثلاثة أركان: الركن الأول: هو الاعتراف بنعمة الله جل وعلا.
والركن الثاني: هو الثناء على الله جل وعلا.
والركن الثالث: هو أن تستغل نعم الله في طاعة الله .
فلا تستغل نعم الله في معصية الله؛ لأن الذي من عليك بالنعم قادر على أن يسلب منك هذه النعم، ولا شك أن أفضل نعمة أمتن الله بها علينا هي نعمة التوحيد.
ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا نعمة، لو ظللنا الليل والنهار نشكر الكبير المتعال عليها ما وفيناه حقها أبداً، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، أما أنت فلقد أمتن الله عليك بالتوحيد، من غير إرادة منك، ومن غير حول منك ولا قوة، وذلك فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فهذه هي أركان التقوى بإيجاز شديد، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
فالتقوى: أن يطاع الله فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
стр. 76
تعريف الإمام علي ﵁ للتقوى
وقال الإمام علي ﵁: التقوى هي: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
(العمل بالتنزيل) سل نفسك: أين أنت من أوامر الله جل وعلا؟ وأين أنت من نهي الله جل وعلا؟ وأين أنت من حدود الله جل وعلا؟ هل نفذت أوامر الله؟ وهل انتهيت عن نواهي الله؟ وهل وقفت عند حدود الله جل علا؟ إن الله لم ينزل القرآن على النبي ﷺ وعلى الأمة من بعده لتحلى به الجدران، أو لتحلى به الصدور، أو ليقرأ على القبور، أو ليوضع في البراويز الذهبية والفضية، أو في علب القطيفة؛ ليهدى في المناسبات الرسمية وغيرها.
﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢]، يقول صاحب ظلال القرآن: يا محمد! ما أنزل الله عليك هذا القرآن لتشقى به، أو لتشقى بتكاليفه، أو لتشقى به أمتك من بعدك، ولكن ما أنزلنا عليك هذا القرآن إلا لتقيم به أمة، وإلا لتنشئ به دولة، وإلا لتربي به العقول والقلوب والضمائر والأخلاق، هذه مهمة القرآن.
ويوم إن هجرت الأمة القرآن أذلها الله جل وعلا، ولا عزة للأمة إلا إذا عادت إلى مصدر عزها، ألا وهو قرآن ربها وسنة نبيها ﷺ .
اعرض نفسك على كتاب الله جل وعلا، لترى أين أنت من الأوامر والنواهي والحدود؟ وهذه من بنود التقوى.
(والرضا بالقليل) أن تحمد الله جل وعلا على ما امتن به عليك، فإن من حرم القناعة لن يملأ عينه إلا التراب.
النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنى يطغيها وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبيت فجميع ما في الأرض لا يكفيها هي القناعة فالزمها تكن ملكاً لو لم تكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن (والخوف من الجليل) أن تراقب الله جل وعلا في سرك وعلنك، وأن تخشى الله ﵎.
(والاستعداد ليوم الرحيل) لا تنشغل بهذه الفانية عن دارك الباقية، والله لست بمخلد في هذه الأرض.
أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسيا أنسيت لقاء الله واللحد والثرى؟ ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا لو أن المرء لم يلبس ثياباً من التقى تجرد عرياناً ولو كان كاسيا ولو أن الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حياً وباقيا ولكنها تفنى ويفنى نعيمها وتبقى الذنوب والمعاصي كما هيا استعد ليوم ستعرض فيه على محكمة قاضيها الله، لا تقبل الرشوة، ولا تقبل المحسوبية، ولا تقبل المحاماة، ولا تقبل الاستئناف للأحكام، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
الاستعداد ليوم الرحيل، ليوم ستنام فيه على فراش الموت، ولا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين أمر الله جل وعلا.
حتى ولو اجتمع إليك أطباء الدنيا فلن يستطيعوا أن يحولوا بينك وبين قدر الله ، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، والحق: أنك تموت، والله حي لا يموت، والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب، والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.
﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، أي: ذلك ما كنت منه تهرب وتفر وتجري، تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ثم ماذا أيها القوي الفتي؟! أيها الذكي العبقري! يا أيها الكبير! ويا أيها الصغير! ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، وصدق من قال: كل باك فسيبكى، وكل ناع فسينعى، وكل مذكور سينسى، وكل مذخور سيفنى، ليس غير الله يبقى، من على فالله أعلى.
(العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل) هذه بعض اللمحات في التقوى، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتقين، إنه ولي ذلك ومولاه.
وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 77
لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بمن اتقى
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه.
هكذا يقول الحق جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، لا من أجل أن يفخر بعضكم على بعض، ولا من أجل أن يتعالى بعضكم على بعض.
﴿لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]، عليم بكم، خبير بأموركم، فهو الذي يعلم التقي من الشقي، وهو الذي يعلم الصالح من الطالح، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
أسأل الله جل وعلا أن يرزقني وإياكم لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، وأن يجعلنا وإياكم من المتقين، اللهم اجعلنا من المتقين، اللهم اجعلنا من المتقين، اللهم اجعلنا من المتقين، اللهم لا تحرمنا التقوى يا أرحم الراحمين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضا، ولنا فيها صلاح، إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا ولا حولنا شقياً ولا محروماً، اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 78
فضل الدعاء
الإنسان في حاجة دائمة إلى أن يستلهم الرحمات ويقرع أبواب السماوات، ويناجي المولى لينال عظيم الأجر وحسن الثواب، ويرفع أكف الضراعة إلى الله في وسط أمواج الفتن الدهماء؛ لينجو من الشهوات والأمراض والهوى، ويتصل بالملك الأعلى.
وفي هذه الرسالة يتحدث الشيخ عن فضل الدعاء وآدابه وشروطه.
стр. 79
أهمية اللجوء إلى الله في حياة المسلم
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
أحمدك يا رب وأستعينك وأستغفرك وأستهديك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، جل ثناؤك، وعظم جاهك، ولا إله غيرك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن وهو بكل شيء عليم، هو الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين؛ فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته.
اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فمرحباً بكم أحبتي في الله، ومع اللقاء الثالث من لقاءات هذا الشهر الكريم المبارك، ولقد كان لقاؤنا الأول في هذا الشهر العظيم عن فضل الصوم، وكان لقاؤنا الماضي عن فضل القرآن، ولقاؤنا اليوم عن (فضل الدعاء).
أحبتي في الله: إن الإنسان يعيش في عصر طغت فيه الماديات والشهوات، وكثرت فيه الفتن والشبهات، وكثرت فيه المطامع والرغبات، وكثرت فيه الأهواء والنزوات، واشتدت فيه الفتن والضوائق والكربات، وأصبح الإنسان المكروب في كل هذه الفتن في أمس الحاجة إلى حبل يربطه بخالقه جل وعلا، وفي أمس الحاجة إلى صلة تسكب في قلبه الأمن والإيمان، والراحة والسكينة، والهدوء والاطمئنان، وأصبح في أمس الحاجة إلى أن يتوقف طويلاً طويلاً ليلتقط أنفاسه؛ ليترك كل هذه الفتن وكل هذه الأهواء، وكل هذا العالم الذي يتخبط ويتلاطم في الصراعات والخلافات ليقف لحظة بين يدي الله جل وعلا، يرفع إليه أكف الضراعة مبتهلاً متذللاً متضرعاً، فيخشع قلبه، ويقشعر جلده، وتبكي وتدمع عينه، وبعدها يحس براحة لا يمكن على الإطلاق أن تعبر عنها كل الكلمات التي وردت في قواميس اللغة، ذلكم هو الدعاء.
إنها الصلة التي تربط العبد الفقير العاجز بربه القوي الغني، إن الإنسان بحاجة إلى أن يتوقف ليرفع أكف الضراعة إلى الله جل وعلا، ورحم الله من قال:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وبتُّ أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا أملي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أموراً أنت تعلمها مالي إلى حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل مبتهلاً إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد
إن الإنسان في حاجة إلى الدعاء، في حاجة إلى أن يقف على أبواب الرحمات، في حاجة إلى أن يحس بعجزه وفقره، وأن يعلم أنه لا ملجأ ولا ملاذ في هذا الكون من الله إلا إلى لله جل وعلا، وأن يلجأ إلى الله وهو يعلم عجزه، أي: ويعلم الإنسان عجزه وفقره وضعفه، وإذا لجأ إلى الله فإنما يلجأ إلى القوي الغني العزيز الحكيم.
إن موضوع الدعاء موضوع كريم، ونظراً لأن هذا الموضوع طويل طويل فسوف أركز الحديث مع حضراتكم في عدة عناصر: أولاً: فضل الدعاء من القرآن والسنة.
ثانياً: شروط لابد منها لقبول الدعاء، وانتبهوا أيها الأحبة؛ لأننا نرى كثيراً من الناس يشتكي ويقول: بأنني قد دعوت الله كثيراً كثيراً ولم يستجب الله جل وعلا لي، فما هي الأسباب؟ فانتبهوا معي يرحمنا الله جل وعلا وإياكم.
ثالثاً: آداب الدعاء.
رابعاً: من هم الذين يستجاب دعاؤهم.
خامساً: من هم الذين يتقبل الله جل وعلا منهم الدعاء.
стр. 80
فضل الدعاء من القرآن والسنة
والله لو لم يكن في فضل الدعاء من القرآن إلا آية سورة البقرة لكفى بها فضلاً ورحمة، ألا وهي قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] إن هذه الآية -أيها الأحبة- آية عجيبة تسكب في قلب المؤمن اليقين والثقة، ويعيش منها المؤمن في جناب رضا الله عنه، وفي ود مؤنس، وفي حالة من الأمن والأمان، والسكينة والهدوء والاطمئنان.
وفي هذه الآية لفتة عجيبة ينبغي أن ننتبه وأن نلتفت إليها: أولاً: ما سئل النبي ﷺ عن سؤال إلا وكان الجواب من الله تعالى على رسوله ﷺ بقوله جل وعلا: قل يا محمد كذا وكذا قال الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة:٢١٩] ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧] ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة:٢٢٢] ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال:١] ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٣] إلا في هذه الآية، فلم يقل ربنا جل وعلا لنبيه ﷺ : وإذا سألك عبادي عني فقل، لا والله، وإنما تولى الله جل وعلا بذاته العلية الإجابة على عباده، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ولم يقل: قل: يا محمد إني قريب، لماذا؟ حتى لا تكون هناك واسطة بين العبد وبين الله جل وعلا، ولو كانت هذه الواسطة هي رسول الله ﷺ ، لا واسطة بين العبد وبين الله، ادع الله جل وعلا في أي وقت شئت، ارفع أكف الضراعة إلى الله، لا تسأل نبياً ولا تسأل ولياً، وإنما سل الله الواحد القهار، ارفع أكف الضراعة إليه في أي وقت شئت، بل وفي أي مكان شئت، لترى الله جل وعلا سميعاً بصيراً مجيب الدعاء.
: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] لا سؤال إلا منه، ولا طلب إلا منه، ولا رجاء إلا فيه، ولا توكل إلا عليه، ولا تفويض إلا إليه، ولا استعانة إلا به، ولا استغاثة إلا به، ولا ذبح إلا له، ولا نذر إلا له، ولا حلف إلا به، ولا طواف إلا ببيته جل وعلا، فلتكن عقيدتك وليكن توحيدك وإيمانك، أن ترفع إلى الله أكف الضراعة، بقولك: اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الصبر إلا على بابك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الرجاء إلا لما في يديك الكريمتين، ومن الرهبة إلا لجلالك العظيم: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
: (من لم يسأل الله يغضب عليه) والحديث رواه الترمذي وغيره، وهو حديث حسن، وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع.
الله أكبر! الله يريد منك أن تتذلل إليه، وأن تعلن عجزك وفقرك وحاجتك، وأن تلجأ إلى الله الغني القوي العزيز الحكيم؛ لأن: (الدعاء هو العبادة) والحديث صحيح صححه شيخنا الألباني في صحيح الجامع من حديث النعمان بن بشير أنه ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) لأن الدعاء تذلل إلى الله، تضرع إلى الله، أن تلقي بحاجتك عند الله جل وعلا، وأن تسأل الله حاجتك: (الدعاء هو العبادة) بل: (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) أسمعتم يا عباد الله؟! والحديث رواه أحمد ورواه الإمام البخاري في الأدب المفرد، وهو حديث صحيح.
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
لأنه الفقير وإن كان غنياً؛ العاجز وإن كان في عرف الناس قوياً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧].
أيها الإنسان! ما غناك إلى جوار غنى الله؟ ما قوتك إلى جوار قوة الله؟ ما عزك إلى جوار عز العزيز الحكيم؟ ما سلطانك وما ملكك إلى جوار ملك الملوك جل وعلا؟ أيها الإنسان! اعلم بأنك الفقير إلى الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧] ذلكم هو الدعاء (إن الدعاء هو العبادة) (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء).
واسمعوا معي إلى هذا الحديث الذي يسكب الود والأمن والطمأنينة في قلوب المؤمنين سكباً، يقول النبي ﷺ والحديث رواه أحمد وأبو داود، وحسنه شيخنا الألباني في صحيح الجامع أن النبي ﷺ قال: (إن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) الله يستحي منك وأنت لا تستحي من الله؟! لا إله إلا الله! فارفع أكف الضراعة إلى الله جل وعلا، وقل لربك وخالقك ورازقك:
بك أستجير ومن يجير سواكا فأجر ضعيفاً يحتمي بحماكا
إني ضعيف أستعين على قوى ذنبي ومعصيتي ببعض قواكا
أذنبت يا ربي وآذتني ذنوب ما لها من غافر إلاكا
دنياي غرتني وعفوك غرني ما حيلتي في هذه أو ذاكا
رباه قلب تائب ناجاكا حاشاك ترفض تائباً حاشاكا
فليرض عني الناس أو فليسخطوا أنا لم أعد أسعى لغير رضاكا
الجأ إلى الله جل وعلا، واعلم بأن الله سميع قريب يجيب الدعاء، يسمع دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] تقول أمنا عائشة ﵂: [والله لقد كنت في جانب الغرفة فما سمعت حوار المجادلة، وسمعه الله من فوق سبع سماوات] نعم إنه السميع القريب المجيب: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] خطاب الله إلى موسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٦].
الله جل وعلا يسمع، الله جل وعلا يرى، الله جل وعلا يجيب، هذه صفات من صفات الله فلا تعطلوها، ولا تكيفوها ولا تمثلوها، ولا تقولوا بأن الله يسمع بكيفية كذا، ويرى بكيفية كذا، فكل ما دار ببالك -يا عبد الله- فالله بخلاف ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] لا تدركه العقول، ولا تكيفه الأذهان: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] جل عن الشبيه والمثيل والنظير، لا ند له ولا كفء له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا مثيل له ولا شبيه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] جل ربنا ﵎ عن المثيل وعن الشبيه وعن النظير.
ادع الله ، والجأ إلى الله جل علا، واعلم أن الله سميع بصير قريب مجيب الدعاء.
وأختم هذا العنصر الأول في فضل الدعاء بهذا الحديث العظيم الجليل الكريم الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، يقول: (كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فجعل الناس يرفعون أصواتهم بالتكبير، فقال النبي ﷺ -المعلم والمربي والإمام والقدوة بأبي هو وأمي ﵊ أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، والذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]- يقول أبو موسى الأشعري ﵁: وأنا خلفه ﷺ ، أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فالتفت إليه النبي ﷺ ، وقال: يا عبد الله بن قيس! ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله، فقال ﷺ : لا حول ولا قوة إلا بالله) وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وصححه شيخنا الألباني في صحيح ا
стр. 81
شروط لابد منها لقبول الدعاء
ثانياً: من عناصر هذا اللقاء: شروط لابد منها لقبول الدعاء: وانتبهوا إلى هذا العنصر الهام؛ لأنه -كما ذكرت آنفاً- يشتكي كثير من الناس ويقول: دعوت الله ودعوت الله فلم يستجب لي، فما هي الشروط التي لابد منها لقبول الدعاء؟
стр. 82
الإخلاص
أولاً: إخلاص النية وإخلاص الدعاء لله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤] الإخلاص سر القبول وهو: تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، والله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً، والخالص هو: ما ابتغي به وجه الله، والصواب هو: ما كان موافقاً لشرع رسول الله ﷺ ، ولكن لا تنس الآخرة، ولا يشغلك جمع المال عن حقوق الكبير المتعال، هذا هو المراد المقصود.
стр. 83
إطابة المطعم
ثانياً: أيها الأحبة الكرام! أكل الحلال، أن تأكل من الحلال، وأن تشرب من الحلال، وأن تلبس من الحلال، وأن تتغذى من الحلال، واحذر تمرة تأكلها من الحرام، الرسول ﷺ في ليلة من الليالي نظرته عائشة ﵂ قلقاً متقلباً في فراشه، فسألته ﵊، أتدرون ماذا قال النبي ﷺ ؟ قال: (وجدت تمرة على فراشي فأكلتها، وأخشى أن تكون من تمر الصدقة) فإلى من ملئوا بطونهم بالحرام، اتقوا الله جل وعلا، واعلموا أن الله لا يقبل الدعاء ممن غذي بالحرام، وأكل من الحرام، وشرب من الحرام، ولبس من الحرام.
وفي الحديث الجامع الذي رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ولقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] ثم ذكر ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب! يا رب! ومأكله حرام، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك) هذا كلام النبي ﷺ .
كيف تأكل الحرام وتدعو ويستجيب الله؟! كيف تلبس الحرام وتدعو ويستجيب الله؟! كيف تشرب الحرام وتدعو ويستجيب الله؟! كيف تتغذى بالحرام وتدعو ويستجيب الله؟! فأنى يستجاب لذلك؟! وذكر الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵄ في كتاب الزهد لأبيه: أن بني إسرائيل قد أصابهم بلاء، فخرجوا إلى الصعيد يسألون الله جل وعلا، فأوحى الله إلى نبيهم وقال: قل لهم: الآن خرجتم إلى الصعيد بأبدان نجسة -نجستها المعاصي والذنوب- ورفعتم إلي أكفاً قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بيوتكم من الحرام، الآن وقد اشتد غضبي عليكم، فلن تزدادوا مني إلا بعداً.
стр. 84
اليقين والثقة بالله تعالى
أما الشرط الثالث من شروط قبول إجابة الدعاء: أن يكون الداعي على يقين وثقة بالله جل وعلا، لقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما وحسنه شيخنا الألباني أنه ﷺ قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافل لاهٍ) يا له من دواء، وكم استمعت إلى شكاوى كثير من المسلمين، يشتكون من طول الدعاء وما ذاك إلا لأن قلوبهم لاهية؛ لأن قلوبهم قد انشغلت وهامت في كل وادٍ، ما تحرك قلبه وما خشع قلبه، وما اقشعر جلده، وما دمعت عينه، وما أحس باللذة في مناجاته لله جل وعلا، فلو استمع إلى خمس دعوات أو عشر دعوات لأحس بالملل والضجر والطول، لماذا؟ لأنه والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من مناجاة ربنا جل وعلا، كيف وأنت تناجي القوي العزيز الكريم: (والله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه).
وأخيراً أيها الأحبة! نقلاً عن الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن الكريم، قال: مر إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة يوماً فالتف الناس حوله، وقالوا: يا أبا إسحاق! يرحمك الله، مالنا ندعو الله فلا يستجاب لنا؟ فقال إبراهيم: لأنكم أمتم قلوبكم بعشرة أشياء: عرفتم الله فلم تؤدوا حقوقه، وزعمتم حب رسوله ولم تعملوا بسنته، وقرأتم القرآن ولم تعملوا به، وأكلتم نِعَم الله ولم تؤدوا شكرها، وقلتم: بأن الشيطان لكم عدو ولم تخالفوه، وقلتم: بأن الجنة حق ولم تعملوا لها، وقلتم بأن النار حق ولم تهربوا منها، وقلتم بأن الموت حق ولم تستعدوا له، ودفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم، وانتبهتم من نومكم فانشغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم.
إنا لله وإنا إليه راجعون! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 85
آداب الدعاء
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك وزد عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد فيا أيها الأحبة! ثالثاً: آداب الدعاء، فالدعاء له آداب كثيرة، وسوف ألخصها تلخيصاً لضيق الوقت:
стр. 86
تحري أوقات الإجابة
أولاً: يجب على الداعي أن يتحرى الأوقات والأحوال الشريفة التي يستجيب الله تعالى فيها الدعاء، وهي بحمد الله وفضله كثيرة في هذه الأمة الميمونة المباركة: أولاً: من الشهور، شهر رمضان، وفي الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه وأحمد وغيرهما، وحسنه الحافظ ابن حجر من حديث أبي هريرة ﵁، أنه ﷺ قال: (ثلاثة لا ترد دعوتهم -وأولهم- الصائم حين يفطر) لك دعوة مستجابة أيها الصائم، فلا تنس نفسك بهذه الدعوة المقبولة إن شاء الله جل وعلا.
ومن الأيام يوم عرفة: (إن أكرم الدعاء يوم عرفة وهو دعاء مستجاب) كما ورد في حديث الترمذي وحسنه، وكذلك يوم الجمعة، فإن النصوص قد تواترت على أن في الجمعة ساعة إذا سأل العبد ربه حاجة استجاب الله جل وعلا وأعطاه إياها.
كذلك من أوقات القبول ومن الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء، ليلة الجمعة كيوم الجمعة أيضاً.
ومن الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء من الساعات: ساعات الثلث الأخير من الليل، ولقد ورد الحديث في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا) نزولاً يليق بكماله وجلاله، فكل ما دار ببالك فالله خلاف ذلك، فلا تقل: ينزل بكيفية كذا، أو كيف يتنزل الله جل وعلا؟ كما قرأنا في كتب لعلماء كبار أنهم يقولون: إن صفة النزول هي: تنزل رحمة الله جل وعلا، لماذا؟ هل أنت أعلم بالله من الله؟ هل أنت أعلم بالله من رسول الله ﷺ ؟ الرسول يقول: ينزل الله، ولكن صفة النزول إذا ما اقترنت بالله فإنها لا تشبه صفات المخلوق أبداً: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] (ينزل الله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأول، ويقول: أنا الملك، أنا الملك، من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يضيء الفجر).
فهيا أيها الحبيب قم في أوقات القبول، وفي أوقات الإجابة.
أيضاً من الساعات التي يستجاب فيها: الدعاء بين الأذان والإقامة، والحديث رواه الترمذي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد -وفي رواية الترمذي - قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ فقال ﷺ : سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة) أي: ادعوا الله جل وعلا بهذه الدعوة الجامعة: (اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة).
وأيضاً من الساعات التي يستجاب فيها الدعاء وأنت ساجد بين يدي الرب جل وعلا، لقول النبي ﷺ ، والحديث رواه مسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء) وهكذا أيها الأحباب!
стр. 87
الخشوع والتذلل بين يدي الله
ثانياً: من آداب الدعاء أن يكون الداعي خاشعاً متضرعاً مبتهلاً متذللاً إلى الله جل وعلا، فلقد ورد في الحديث الذي رواه البخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه).
стр. 88
عدم التعجل في الإجابة
ثالثاً: من آداب الدعاء المهمة جداً: عدم التعجل، ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل) وكثير منا يعجل، وفي رواية مسلم: (قيل: وما الاستعجال يا رسول الله؟ فقال ﷺ : يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم يستجب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء) فليس من الأدب مع الله أن تتعجل على الله، بل من آداب الدعاء ألا تتعجل.
стр. 89
عدم الدعاء بإثم أو قطيعة رحم
رابعاً: من آداب الدعاء المهمة أيها الأحباب: ألا تدعوا بإثم أو بقطيعة رحم على أحد من الناس، وألا تدعو على أولادك، وكثير من الناس قد وقع في هذا المرض، يدعو على أمواله، وإذا غاظته زوجته دعا عليها، وإذا غاظه ولده دعا عليه، ويستجيب الله جل وعلا، وحينئذٍ يضع يده مرة أخرى على رأسه ويقول: يا رب يا رب! وهو سبب هذا البلاء، ورد في الحديث الذي رواه أبو داود بسند صحيح، أنه ﷺ قال: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا على أموالكم، فتصادفوا من الله ساعة نيل فيها عطاء فيستجيب لكم) هذا بإيجاز عن آداب الدعاء.
стр. 90
من هم الذين يستجاب لدعائهم ؟
أما العنصر الأخير من عناصر هذا اللقاء هو: من هم الذين يستجيب الله جل وعلا لهم الدعاء؟ أولاً: الصائم.
ثانياً: الإمام العادل.
ثالثاً: المظلوم.
والحديث كما ذكرته أنفاً رواه الترمذي وأحمد وغيرهما، وحسنه الحافظ ابن حجر من حديث أبي هريرة قال: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم؛ يرفعها الله فوق الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول ربنا لهذه الدعوة: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) واعلموا بأن الله تعالى لا يرد دعوة المظلوم ولو كانت من كافر، لا تقولوا بأن هذا كافر لا حرمة له، نعم.
لا حرمة له؛ لأنه كافر نجس، ولكن لا تظلمه، ولا تأكل عليه حقه، ولا تأخذ منه حقه، أعطه حقه كاملاً موفوراً غير منقوص ولا تظلمه، فلو دعا عليك وهو كافر لاستجاب الله دعوته، وكفره على نفسه، وفجوره على نفسه، أما دعوة المظلوم فيرفعها الله فوق الغمام، ويقول لها: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) وكانت وصية النبي ﷺ لـ معاذ وهو ذاهب إلى اليمن: (واتق دعوة المظلوم -وكم من الناس لا يهتم بها، ولا يأبه لها- فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
اعلم بأن الله يمهلك ولا ينساك ولا يغفل عنك، فإن كنت ظالماً لأحد من عباد الله ولأحد من خلق الله كافراً كان أو مسلماً، فرد إليه المظلمة قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار، ولا مناصب ولا كراسي ولا وزارات، ويؤخذ من حسناتك -يا عبد الله- فتعطى لمن ظلمت، حتى إذا ما فنيت حسناتك أُخذ من سيئات من ظلمتهم في الدنيا فطرحت عليك، فطرح صاحب المظالم على وجهه في النار، وهذا هو المفلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! أيضاً ممن يستجيب الله لهم الدعاء: دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب، والحديث رواه مسلم: (ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل -وفي رواية أبي داود - إلا وقالت الملائكة: آمين ولك بمثل) فلا تنسنا أخي الحبيب بدعوة منك في ظهر الغيب، واعلم بأن الله جل وعلا سيستجيب منك هذه الدعوة وسيعطيك مثلها بموعود النبي ﷺ .
أيضاً دعوة المسافر -أيها الأحباب- فدعوة المسافر لا ترد، ودعوة الوالد على ولده لا ترد، هذا بإيجاز شديد.
стр. 91
تفريج الهم والغم
وأختم بعنصر أخير ربما نسيته في أول اللقاء وأنا أعدد العناصر ألا وهو: تفريج الهم والغم، ولقد تعمدت ذلك لكثرة الهموم والغموم والكربات، لتحفظوه أحبتي في الله، وأسأل الله جل وعلا أن يفرج عني وعنكم الهم والغم والكرب؛ إنه ولي ذلك ومولاه.
وهذا الدعاء ورد في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده، وأبو يعلى والبزار والإمام الطبراني، وصححه الإمام ابن القيم في بدائع الفوائد، وصححه شيخنا الألباني في سلسة الأحاديث الصحيحة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أنه ﷺ قال: (ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب غمي وهمي، قال النبي ﷺ : من قال هذه الدعوات أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحاً، قيل: يا رسول الله! أفلا نتعلمهن؟ فقال ﷺ : بل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن).
أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم تقبل منا الدعاء يا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن بطن لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن بطن لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها، اللهم اجعلنا من المقبولين، اللهم اجعلنا من المقبولين، اللهم تقبل منا دعاءنا، وتقبل منا صيامنا وقيامنا.
اللهم قيض لأمة التوحيد أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أنت ولي ذلك ومولاه.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 92
العقل البشري ومنهج الله
تحدث الشيخ عن تساؤل مهم وهو: هل يمكن للبشرية الاستغناء عن منهج الله مهما بلغت من تقدم علمي وتقني؟ ثم وضح أن البشر لما انحرفوا عن منهج الحق؛ وقعوا في ضحالة ومهانة وتردٍ في جوانب متعددة أمنية، وأخلاقية، واقتصادية، وأنه لا نجاة لهم إلا بالتمسك بالدين الإسلامي الدين الحق.
وقد بين عجز العقل البشري عن التوصل إلى منهج كامل شامل، ذاكراً نتيجة الإعراض عن الدين الحق.
стр. 93
مصادمة العقل البشري لمنهج الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة، وزكى الله هذه الأنفس، وشرح الله هذه الصدور، وطبتم جميعاً أيها الأطهار الأخيار الكرام وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله جل وعلا أن يجزيكم على هذا الجهد، وهذه المشقة، وهذا الصبر تحت حرارة هذه الشمس؛ أن يجزيكم خير الجزاء بمنه وكرمه وفضله، إنه ولي ذلك وولي العطاء، أسأل الله ﵎ أن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أحبتي في الله! هل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تقود نفسها بعيدة عن منهج الله؟ هل أصبحت البشرية اليوم قادرة على أن تعيش بعيداً عن منهج الله؟ أقول: سؤال يقفز إلى أذهان الكثيرين في قرننا العشرين، في وقت بلغت فيه البشرية هذا المبلغ من التقدم العلمي والمادي المذهل، فغاصت بعيداً في أعماق البحار، وانطلقت بعيداً في أجواء الفضاء، وفجرت الذرة، بل وحولت البشرية من خلال هذه التقنية الحديثة في عالم المواصلات والاتصالات، حولت العالم كله إلى قرية صغيرة، ما يحدث هنا يسمع ويرى هنالك في نفس اللحظة.
стр. 94
دعوة شيطانية للتمرد على منهج الله
مع هذا التقدم العلمي والمادي الذي يأخذ العقول والألباب، نفخ كثير من شياطين الإنس في عقول كثيرٍ من البشر دعوة التمرد على منهج الله جل وعلا بحجة واهية سخيفة ألا وهي: أن في الانقياد لمنهج الله حجر على هذا العقل البشري المارد العملاق الذي استطاع أن يصل إلى ما وصل إليه في هذا القرن العشرين، إن هذا العقل الذي فجر الذرة، وغاص في أعماق البحار، وانطلق بعيداً في أجواء الفضاء، واخترع القنبلة النووية، وصنع الصاروخ والطائرة، بل ووصل إلى سطح القمر، إن هذا العقل ينبغي أن ينطلق ليقنن لنفسه وليشرع لنفسه، كما اختار لنفسه هذه التقنية العلمية في جانب الدنيا؛ لأن الانقياد لمنهج الله حجر على هذا العقل المارد العملاق، الذي وصل إلى ما وصل إليه.
دعوة متبجحة جريئة، بدأ يؤجج نارها ويشعل فتيلها كثير من العلمانيين لا في مصر وحدها، بل في كل أنحاء الدنيا، بحجة ما وصل إليه العقل البشري من تقنية وتقدم علمي مذهل.
أيها الأحباب الكرام! نحن المسلمين لا ننكر ما وصلت إليه البشرية من تقدم علمي، ولكننا على يقين جازم أيضاً أن الحياة البشرية لا تقف عند هذا الجانب المادي فحسب، ولا يمكن على الإطلاق لطائرٍ جبار عملاق أن يحلق في أجواء الفضاء بجناح واحد، ولو نجح في ذلك لفترة ولو طالت فإنه حتماً ساقط منكسر؛ لأن الحياة ليست كلها مادة، ولا تقف الحياة عند هذا الجانب المادي فحسب، ومن أراد يا شباب الصحوة أن يتعرف على هذه الحقيقة الكبرى فليراجع إحصائيات الجريمة بكل أشكالها وصورها وألوانها في هذا العالم المتحضر -زعموا- ليرى ما هي الحقيقة لهذا العقل البشري حينما تحدى نور الوحي الإلهي، وحينما تحدى منهج الله رب العالمين.
стр. 95
ضحالة العقل البشري حال استغنائه عن الله
انظر إلى هذا العقل الجبار، وإلى هذا العقل العملاق الذي وصل في الجانب المادي إلى ما وصل إليه، انظر إليه في الجانب الآخر؛ في الجانب العقدي والإيماني والروحي والديني، الذي لا بد فيه وحتماً لهذا العقل أن ينقاد إلى منهج الله، وأن يذعن إلى منهج أنبياء الله ورسله، انظر معي أيها الحبيب لتتعرف على حقائق وضحالة هذا العقل البشري.
فهذا هو العقل الروسي العفن الذي وصل إلى ما وصل إليه في جانب الدنيا، شعاره الذي يعلنه في الجانب الآخر العقدي شعاره الذي يعلنه ويتغنى به، أنه يقول: أنه يؤمن بثلاثة ويكفر بثلاثة: يؤمن بـ ماركس ولينين واستالين، ويكفر بالله وبالدين وبالملكية الخاصة.
وهذا هو العقل الأمريكي الجبار الذي وصل إلى ما وصل إليه في الجانب المادي ما زال إلى يومنا هذا يدافع عن العنصرية اللونية البغيضة، وما أحداث لوس أنجلوس منا ببعيد، وهذا هو العقل الأمريكي الجبار لا زال يدافع إلى يومنا هذا عن زواج الرجل بالرجل، وهذا هو العقل الأمريكي الجبار الذي يتغنى بـ الديمقراطية وحرية المعتقدات لا زال يكيل بمكيالين، ويبارك هذه الإبادة الوحشية، وهذه التصفية الجسدية لكل من وحد الله في أرض الله جل وعلا.
وهذا هو العقل اليوناني يدافع عن الدعارة، وهذا هو العقل الروماني يدافع عن مصارعة الثيران، وهذا هو العقل الهندي يدافع عن إحراق الزوجة مع زوجها، بل وهذا هو العقل الهندي في قرن الذرة والفلك والفضاء والقمر والتقنية يدافع إلى يومنا هذا عن عبادة البقرة، وجاء زعيمهم الكبير غاندي ليقول بملء فمه وبأعلى صوته: إنني حينما أرى البقرة لا أجدني أرى حيواناً؛ لأنني أعبد البقرة، وسأظل أدافع عن عبادة البقرة أمام العالم أجمع.
ومضى عابد البقر يقول: إن هناك ملايين الهنود الذين يتجهون بالعبادة والإجلال للبقرة -يقول غاندي - وإنني لأجد نفسي واحداً من هؤلاء الملايين.
هذا في قرن الذرة والعلم الحديث أيها الأحباب، بل وفي الهند ذاتها تقام المعابد الفخمة، وتقدم إليها القرابين والنذور، ولكن يا ترى لأي آلهة تقدم هذه القرابين، ولأي آلهة تقدم هذه النذور؟!! ستضحكون بملء أفواهكم إذا علمتم أن هذه الآلهة هي الفئران.
وهذا هو العقل العربي في جاهليته الأولى يدافع عن عبادة الأصنام، ويدافع عن وأد البنات، وهذا هو العقل العربي في جاهليته المعاصرة حينما تحدى منهج الله، وانفك عن نور الله جل وعلا، هاهو يدافع عن الكفر والإلحاد والزندقة باسم القومية تارة، والبعثية تارة أخرى، وحرية الفكر تارة ثالثة، فيقول الأول:
هبوا لي ديناً يجعل العُرْب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
يدافعون عن الكفر باسم القومية والعروبة.
ويقول آخر:
آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
ويقول ثالث بحجة حرية الفكر، بل هي حرية الكفر ورب الكعبة، يقول: إن تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر ردة حضارية بكل المقاييس.
هذا هو العقل يا سادة! الذي فجر الذرة في الجانب المادي، يفجر الكفر والإلحاد والزندقة في الجانب العقدي.
هذا هو العقل البشري يا سادة! الذي غاص بعيداً في أجواء الفضاء، وفي أعماق البحار، يغوص بعيداً في أعماق الكفر والزندقة والأوحال.
هذا هو العقل البشري حينما ينفك عن نور الوحي الإلهي، ويتحدى منهج الله، وينطلق ليقنن لنفسه وليشرع.
стр. 96
عجز العقل البشري عن وضع المنهج السوي
ولا يمكن على الإطلاق أيها الأحباب مهما بلغ العقل البشري أن يضع منهجاً يتصف بهذه الصفات: بالتكامل والشمول، والتوازن والاعتدال، وبالتميز والمفاصلة؛ لأن الإنسان محكوم من ناحية الزمان والمكان، إن وضع منهجاً فقد يصلح هذا المنهج لزمان ولا يصلح لآخر، وقد يصلح هذا المنهج لمكان ولا يصلح لآخر، وقد يصلح هذا المنهج لطائفة من الناس ولا يصلح لآخرين.
وهكذا أيها الأحبة! أما منهج الله الذي خلق الإنسان، ويعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، هو الذي يعلم ما يصلح خلقه وما يفسدهم، ومن ثمَّ جاء منهج الله جل وعلا متصفاً بهذه الصفات: بالتكامل والشمول، بالتوازن والاعتدال، بالتميز والمفاصلة؛ لأنه منهج الله خالق الإنسان الذي يقول جل وعلا: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
стр. 97
نور الوحي لا يطمس نور العقل
إن نور الوحي الإلهي لا يطمس نور العقل البشري أبداً، حتى لا نتهم بأننا ضيقو الأفق، كلا.
إننا نحترم العقل، ونقدر العلم، بل ونتباهى ونتغنى به، ولكننا لعلى يقين جازم أن نور الوحي لا يطمس نور العقل، بل يباركه ويقويه ويزكيه، شريطة أن يسجد العقل مع الكون كله لله رب العالمين، شريطة أن ينطلق العقل البشري في هذا الكون ليتقرب من خالقه جل وعلا، وليعلم علم اليقين إن ما وصل إليه في هذا الكون من اختراعات واكتشافات إنما أودعها الله في الكون منذ آلاف السنين، وما اكتشفها العقل البشري إلا يوم أن قدر الله له أن يكتشف، وإلا يوم قدر الله له أن يخترع، وحينئذٍ وجب على هذا العقل البشري أن يتعرف على الله، وأن يزداد قرباً من الله، وأن يقف أمام قول الله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
стр. 98
منهج الله في إرسال الرسل
أيها الأحبة الكرام! ولما كان الله هو الذي خلق البشرية، ويعلم ضعف الإنسان وفقره وعجزه وجهله، والشهوات التي تحكمه، والشبهات التي تضغطه؛ اقتضت حكمته ورحمته جل وعلا أن يرسل إلى البشرية الأنبياء والمرسلين مبشرين ومنذرين، ليبينوا لهم منهج الله جل وعلا الذي يضمن لهم السعادة في الدنيا والآخرة، لذا جاء كل نبي ورسول بمنهج واحد، بعقيدة واحدة، بدين واحد، لم يأت نبي بدين يخالف دين النبي الذي سبقه أبداً، ما جاء نوح إلا بنفس الدين الذي جاء به محمد، ما جاء عيسى إلا بنفس الدين الذي جاء به محمد، ما جاء إبراهيم إلا بذات المنهج الذي جاء به محمد ﷺ .
ما جاء نوح إلا بالإسلام، قال الله حكاية عن نوح في سورة يونس: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وما جاء إبراهيم إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧ - ١٢٨].
وما جاء يعقوب إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣].
وما جاء لوط إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة الذاريات: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣١ - ٣٦].
وما جاء موسى إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة يونس: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤].
وما جاء عيسى إلا بالإسلام، قال الله حكاية عنه في سورة آل عمران: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢].
وما جاء سليمان إلا بالإسلام: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٠ - ٣١].
وما دخلت بلقيس يوم أن أسلمت إلا في الإسلام، قال الله جل وعلا حكاية عنها: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:٤٤].
بل والإسلام دين الجن المؤمن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن:١٤ - ١٥].
بل وجاء لبنة تمامهم ومسك ختامهم وإمامهم ﷺ ، جاء بالإسلام، وخاطبه ربه جل وعلا بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، فالإسلام منهج الله للبشرية كلها، لتسعد به في الدنيا والآخرة.
انتبه أيها الحبيب! إن من كفر بنبي واحد من هذه الكوكبة ومن هذا الموكب الكريم فقد كفر بهم جميعاً، ولذا انتبه إلى القرآن، وعش مع آياته، وقس كلماته، ما كذب قوم نوح إلا نوحاً ﵇، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥].
وما كذب قوم لوط إلا لوطاً ﵇، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٦٠].
وما كذبت عاد إلا هوداً ﵇، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٢٣].
وما كذبت ثمود إلا صالحاً ﵇، وبالرغم من ذلك قال الله جل وعلا: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٤١].
وهكذا أيها الأحبة! فمن كفر بواحد منهم، فقد كفر بنبيه ابتداء، وبإخوانه من الأنبياء انتهاء، ولذا أثنى الله على حبيبه المصطفى وعلى الموحدين معه بصفة الإيمان برسول الله وبجميع إخوانه من رسل الله، فقال جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥].
стр. 99
نتيجة الإعراض عن منهج الله
أيها الأحباب الكرام! أعود للسؤال الأول الذي طرحت، وهو: هل أصبحت البشرية قادرة على أن تعيش بعيدة عن منهج الله؟
و
الجواب
كلا.
هل قبلت البشرية هذا المنهج الذي أهداه الله لها؛ لتعيش سعيدة في الدنيا والآخرة؟ والجواب: لا.
لم تقبل هذا المنهج.
فما هي النتيجة؟ الجواب: النتيجة في إيجاز شديد حتى لا أشق على الأحباب في الشمس بخارج المسجد، أقول: النتيجة أننا نرى العالم اليوم محروماً من الأمن والأمان، والرخاء والاستقرار، والطمأنينة النفسية والسعادة القلبية وانشراح الصدر.
لماذا؟ لأن البشرية قد أعرضت عن منهج الله، وأخذت تقنن للعالم بصفة عامة، والإسلامي منه بصفة خاصة، إلا من رحم الله جل وعلا.
أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن رحم، أخذت الأمة تلهث وراء الشرق الملحد تارة، ووراء الغرب الكافر تارة أخرى؛ لتقنن لنفسها منهجاً في الدماء والأعراض والأموال والتشريعات بعيداً عن منهج رب الأرض والسماوات، فسامها الله ذلاً، وأذلها لمن كتب الله عليهم الذل والذلة من إخوان القردة والخنازير، وأنا أسأل عن عمدٍ متكرر، وأقول: هل هناك أذل ممن أذله الله للأذل؟ والجواب: لا ورب الكعبة.
стр. 100
الحرمان من الأمن والأمان
أيها الأحباب الكرام: النتيجة لإعراض البشرية عن منهج الله هي: أن العالم محروم من الأمن والأمان، هذا بالرغم من وجود كثرة من الوسائل الأمنية المذهلة التي اخترعها العلم الحديث في هذه الأيام، وبالرغم من التخطيط الهائل المبني على الوسائل العلمية والنفسية لمحاربة الجريمة بكل أشكالها وصورها، وبالرغم من هذه الاختراعات التي يولد منها كل يوم الجديد والجديد، بالرغم من هذا كله، أقول: أولاً إن العالم محروم من الأمن والأمان، وبدون ذرة مبالغة: ما من يوم إلا وتسفك فيه دماء، وتتمزق هنا وهنالك أشلاء، ويعيش الملايين في الدنيا في حالة ذعر ورعب وخوف، بل وينتظرون الموت في كل لحظة، ونسأل الله ألا يحرم مصر من الأمن والأمان، وإننا قد لا نشعر بهذا، ولا نتألم له، ولا نحس إلا بمجرد أن نردد كلمات باردة باهتة على الألسنة، أما القلوب والجوارح فإنها لا تشعر بهذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إن كثيراً من الناس اليوم من المسلمين يعيشون في حالة ذعر ورعب، وينتظرون الموت في كل لحظة، بل واسودت الدنيا عليهم، على الرغم من كثرة الأضواء من حولهم، بل وضاقت الدنيا عليهم على الرغم من هذا الفضاء الموحش؛ لأنهم قد طردوا من ديارهم وأموالهم وأوطانهم، وتركوا كل شيء وذهبوا يعيشون في الغابات وحول المستنقعات يبحثون عن لقمة الخبز في صناديق القمامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والخبراء والمفكرون يجتمعون، والمفكرون يبحثون عن الأسباب، والخبراء يضعون الحلول ثم لا أسباب ولا حلول.
إن العالم محروم من الأمن والأمان، بل تحولت الوسائل الأمنية التي اخترعها العالم اليوم إلى وسائل ذعر ورعب وإبادة للجنس البشري ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فورب الكعبة يا أحبابي أقول: أصبحنا الآن نرى أن الإنسان يفعل بأخيه الإنسان ما تستحي الوحوش أن تفعله في عالم الغابات.
стр. 101
الحرمان من الرخاء الاقتصادي
إن العالم اليوم محروم من الرخاء الاقتصادي، على الرغم من كثرة الأموال والبنوك واتساع الأسواق، وبالرغم من ذلك فإننا نرى الملايين يبحثون عن لقمة الخبز بل ويبذلون ماء وجوههم للحصول على الملبس، وقد يضحون بأرواحهم للحصول على مسكن يعيشون فيه، ومنهم من يعيش تحت الكباري، ومنهم من يعيش بين القبور، ومنهم من لا يجد مكاناً تحت دوي هذه القنابل، وأصوات هذه المفرقعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله رب الأرض والسماوات، هذا لأن العالم قد شذ وتحدى منهج الله الذي ما أنزله للبشرية إلا لتسعد به في الدنيا والآخرة.
стр. 102
الحرمان من طمأنينة النفس
إن العالم اليوم أيضاً محروم من طمأنينة النفس، وانشراح الصدر، وراحة البال.
لماذا؟ لأن النفس البشرية يا أحبابي إن حرمت من انشراح الصدر، وطمأنينة النفس، وهدوء البال، واستقرار الضمير، لا تستلذ بعيشٍ ولو كان رخياً، ولا تهنأ بثوب ولو كان فاخراً، ولا بمركب ولو كان فارهاً؛ لأن الأصل هو انشراح الصدر، فإننا نرى كثيراً ممن منّ الله عليهم بالمال وبالمناصب وبالكراسي يعيشون في حالة رعب وضيق وعدم توازن.
لماذا؟ يقول الحسن: [إنهم وإن طقطقت بهم بالبغال، وهملجت البراذين، فإن ذل المعصية في وجوههم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه] أما قرأت قول الله: ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٧] ليست السعادة في الكراسي والمناصب، ولا السعادة في الأموال، ولكن السعادة كل السعادة في انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، واستقرار الضمير، وهدوء البال، لذا امتن الله على رسوله بهذه النعمة الكبيرة في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
النفس تجزع أن تكون فقيرة والفقر خير من غنىً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها
هي القناعة فالزمها تكن ملكا لو لم تكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
أقول: السؤال الأخير أيها الأحباب هو: هل حقق منهج الله الذي نتغنى به الآن في فترة من الفترات الأمن والأمان، والرخاء والاستقرار، وانشراح الصدر وسعادة القلب وطمأنينة البال؟ والجواب بملء فمي: نعم.
والتفصيل بعد جلسة الاستراحة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 103
لا سعادة إلا بالإسلام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة الكرام! أقول: إن الله جل وعلا هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي شرع له المنهج الذي يسعده في الدنيا والآخرة، ولكن أبى الإنسان بجهله وضعفه وعجزه وفقره أن يحيد عن منهج الله إلا من رحم ربك جل وعلا، فأعرض عن هذا المنهج الرباني في جوانب كثيرة، ومن ثمَّ عاشت البشرية في هذا الضنك والشقاء، ولا يزال العالم يعيش في هذا الضنك وهذا الشقاء -العالم بصفة عامة والإسلامي منه بصفة خاصة- ولن تعود البشرية إلى رشدها وسعادتها إلا إذا عادت مرة أخرى إلى منهج الله جل وعلا، ولن تتخلص من لفح الهاجرة القاتل الذي يصفع وجهها كل يوم إلا إذا عادت مرة أخرى وولت وجهها إلى الله ومنهج الله، وانقادت لشريعة الحبيب رسول الله ﷺ .
стр. 104
شهادة التاريخ للإسلام بأنه منهج حياة
نحن لا نقول ذلك من باب العاطفة، وإنما نقول ذلك من باب الحق؛ لأن منهج الله هو منهج الحق، واقرءوا التاريخ لتتعرفوا على أن منهج الله جل وعلا قد حقق الأمن والأمان، لا للمسلمين الذين حققوا منهج الله، بل لليهود والنصارى الذين عاشوا تحت ظلال منهج الله.
اقرءوا التاريخ: هاهو علي يقف إلى جوار يهودي بعدما سرق اليهودي درع علي، ويقاضي علي اليهوديَّ أمام قاضي المسلمين، -انظر معي- يقف أمير المؤمنين علي ﵁ أمام خصمه، أمام قاض من قضاة المسلمين في ساحة القضاء، ويكني شريح القاضي ﵀، أي: ينادي عليه بكنيته ويقول: يا أبا الحسن! وينادي على اليهودي باسمه مجرداً دون تكنيه، فغضب علي، ونظر إلى شريح وقال: إما أن تكني الخصمين معاً، وإما أن تدع تكنيتهما معاً.
! ارفعوا رءوسكم إلى كواكب الجوزاء في عنان السماء، وبينوا للعالم كله إسلامكم.
والله لقد جاء دورك أيها المسلم العملاق الحنون، فقم وضم العالم كله إلى صدرك، وأسمعه خفقات قلبك الذي وحد الله جل وعلا، قم أيها العملاق الحنون، ودثر العالم كله ببردتك ذات العبق المحمدي، واسق الدنيا كأس الفطرة لتحيا بعد ممات، ولتروى بعد ظمأ، ولتهدى بعد ضلال، قم فوالله لقد جاء دورك، قم بالحكمة والرحمة والموعظة الحسنة، وتذكر دائماً أمر الله لحبيبه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
فإن الشدة تفسد ولا تصلح، وإن العنف يهدم ولا يبني، فتحركوا بسلاح من الخلق العذب، والحكمة البالغة، والموعظة الحسنة؛ لتحولوا القلوب والأعمال والسلوك، بل ولتحولوا البشرية كلها بمنهج ودين الله كما أراد الله ورسوله ﷺ .
وقف علي إلى جوار اليهودي أمام القاضي، فقال شريح لـ علي ﵁: ما قضيتك؟ فقال علي: الدرع درعي ولم أبع ولم أهب.
سرق اليهودي درع علي، فنظر شريح إلى اليهودي وقال: ما تقول في كلام علي؟ فقال اليهودي بخبث ودهاء معهودين: الدرع درعي وليس أمير المؤمنين عندي بكاذب.
فنظر شريح بعظمة لـ علي وقال: هل معك من بينه؟ يقول لمن؟ لأمير المؤمنين، لخليفة المسلمين، لحاكم الدولة، والله ما غضب علي، ولا أمر باعتقاله وبسجنه، وقال: تطلب مني أنا البينة والدليل، أما تستحي؟! كلا.
لأنهم ينطلقون من قواعد ثابتة، من كتاب الله ومن سنة حبيبهم رسول الله ﵌.
نظر علي بمنتهى الغبطة والسعادة إلى قاضيه المسلم العادل إلى شريح ﵁ وأرضاه، وقال: صدقت يا شريح ليس معي من بينة.
فقضى شريح بالدرع لليهودي.
وانطلق أمير المؤمنين ﵁، وخرج اليهودي ليكلم نفسه، وقال: ما هذا؟! أقف أنا وأمير المؤمنين في ساحة قضاء واحدة، ويحكم القاضي بالدرع لي وهو درعه؛ لأنه لم يقدم البينة، والله إن هذه أخلاق أنبياء، فيرجع اليهودي ليقف أمام علي وأمام شريح، ليقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وينظر علي لليهودي ويقول: أما وقد أسلمت فالدرع مني هدية لك.
стр. 105
عدالة يشهد لها التاريخ
واقرءوا التاريخ.
وتعالوا بنا لنطير على جناح السرعة إلى سمرقند التي فتحها الإسلام وهي الآن ترضخ تحت نيران الحكم الشيوعي ولا حول ولا قوة إلا بالله.
سمرقند فتحها المسلمون والأبطال والموحدون لله جل وعلا، وأرسل حاكم سمرقند رسالة إلى قاضي قضاة المسلمين: بأن الفتح الإسلامي لـ سمرقند فتح باطل.
لم؟ قال: لأنكم ما التزمتم بالإسلام، يعلمون حقيقة هذا الدين ورب الكعبة، قال: ما دعوتمونا للإسلام، فإن أبينا فالجزية، فإن أبينا فالقتال، وإنما نابزتمونا بالقتال دون دعوة ودون جزية.
فماذا فعل القاضي؟ أرسل القاضي رسالة إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، وأخبره بأن الفتح الإسلامي لـ سمرقند لا يجوز بحال، وأمره أن يأمر القائد في سمرقند بسحب الجيوش فوراً، وما تردد عمر، فأرسل عمر رسالة إلى قائد الجيوش في مدينة سمرقند، وأمره أن يسحب الجيش فوراً، وما أن وصل الأمر من عمر بن عبد العزيز إلى قائد الجيوش إلا وأصدر الأوامر إلى الجند بالانسحاب من سمرقند، فما كان من هؤلاء الناس إلا أن خرجوا عن بكرة أبيهم أمام هؤلاء الأطهار وأعلن الجميع على قلب رجل واحد: نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله.
الإسلام دين الأمن والأمان، فلماذا يخشى العلمانيون من الإسلام؟ ولماذا يخشى المرجفون من الإسلام؟ ولماذا يخشى المنافقون من الإسلام؟ أفسحوا الطريق للعلماء ليعلموا الشباب حقيقة الإسلام لتروا الأمن والأمان، والرخاء والاستقرار، وانشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وراحة البال.
وحقق الإسلام الرخاء الاقتصادي؛ لأنه وضع نظاماً لو طبق ما وجدنا فقيراً، أما قرأتم التاريخ ووجدتم أنه قد مر على الناس يومٌ أرسل فيه الخليفة منادياً لينادي: من كان عليه دين فسداد دينه من بيت المال، من أراد الحج ولم تبلغه النفقة فحجه من بيت مال المسلمين، من أراد من الشباب أن يتزوج ولم يستطع الباءة فزواجه من بيت مال المسلمين، أين هذا؟ هذا وقع.
اقرءوا التاريخ أيها الأحباب؛ لتعلموا أن الأمة يوم أن حققت منهج الله رزقها الله من بين أيديها ومن تحت أرجلها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦].
ولقد قرأت في مسند أحمد أنهم وجدوا حبة قمح بمقدار نواة التمرة في خزائن بني أمية في غلافها، وقد كتب عليها: هذا كان ينبت في الأرض في زمن العدل، فنزع العدل، ووقع الظلم، ورفع دين الله، وبدلت شريعة الله، فماذا تنتظرون؟!
стр. 106
سنة ربانية لا تتغير
و
السؤال
قد يسألني أحد الشباب ويقول: فماذا تقول في هذه الأموال التي أغدقت على هؤلاء الكفار والمرجفين والمنافقين؟ أقول: لا بد أن نعي سُنَّةً ربانية لله جل وعلا، ألا وهي: سنة الفتح، يفتح الله على هؤلاء: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام:٤٤].
إنها سنة ربانية ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، إذا رأيت الرجل في نعمة من الله وهو على معصية الله؛ فاعلم بأنه استدراج له من الله جل وعلا.
وقد حقق منهج الله لأتباعه وأبنائه انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وراحة الضمير، وسعادة البال، وهذه نعم لا يحظى بها إلا المؤمنون، قال الحبيب ﷺ كما في صحيح مسلم من حديث صهيب: (عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).
أيها الأحباب الكرام! لا بد أن نعود إلى منهج الله جل وعلا، وابدأ بنفسك ابتداءً أيها الحبيب الكريم، فأنت على ثغرة، فإياك أن يؤتى الإسلام من قبلك، واتق الله، وكن جندياً مخلصاً لدين الله ولمنهج الله.
أقول ورب الكعبة: إن أعظم خدمة نقدمها اليوم للإسلام هي: أن نشهد للإسلام شهادة عملية وواقعية وأخلاقية وسلوكية، اقطعوا الطريق على المزورين الذين يشيرون إلينا بأصابع الاتهام، بينوا لهم الإسلام في رحمته وعظمته وأخلاقه وعطائه وصدقه وأمانته، بينوا الإسلام للعالم كله وللدنيا كلها بصورته المشرقة التي جاء بها محمد ﵌، وحولها الرعيل الأول إلى منهج حياة، وإلى واقع يتحرك في دنيا الناس.
أيها الشاب الحبيب! تحرك لدين الله، ولدعوة الله، افهم الإسلام بكماله وشموله حتى لا تفتن وتنحرف عن المنهج الحق والطريق السوي، واسمع للعلماء المتحققين، واسع وابذل وقتك ودمك ومالك وولدك وأهلك لتتعلم هذا الدين، وتحرك لتأخذ العلم عن أهله المتحققين به، فإن العلم سبب من أسباب الهداية، وسبب عظيم من أسباب عدم الانحراف عن جادة الطريق، أما إذا ذهب هذا ليأخذ علمه عن الصحافة، أو عن هؤلاء الذين لم يتحلوا بالعلم الشرعي، فإنه حتماً سيضل وسينحرف عن الطريق وعن جادة الصواب، فاجلسوا بين يدي أهل العلم المتحققين به، وخذوا علومكم الشرعية عن هؤلاء العلماء، فإن الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أنه ﵌ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).
لا أريد أن أطيل أكثر من هذا.
أسأل الله جل وعلا أن يأجر الإخوة الجالسين تحت حرارة هذه الشمس بأن يقينا الله وإياهم حر جهنم، اللهم حرم وجوهنا على النار، اللهم حرم أجسادنا على النار، اللهم أدخلنا الجنة مع الأبرار.
اللهم لا تدع لأحدٍ منا في هذا الجمع الكريم المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضىً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً.
اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا سبباً لمن اهتدى.
اللهم أنت غياثنا فبك نغوث، اللهم أنت ملاذنا فبك نلوذ، اللهم أنت عياذنا فبك نعوذ، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، يا سامع كل نجوى، يا عظيم الإحسان، يا دائم المعروف، يا ذا الجلال والإكرام، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما يريد، يا ذا البطش الشديد، يا من ملأ نوره أركان عرشه، يا مغيث المستغيثين، ويا مجيب المضطرين، ويا مفرج كرب المكروبين، ويا كاشف هم المهمومين، اللهم فرج كربنا، اللهم اكشف همنا، اللهم أزل غمنا، اللهم ارحم ضعفنا، اللهم اجبر كسرنا، اللهم بين يديك ذل قلوبنا.
اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم أعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم احمل المسلمين الحفاة، اللهم اكس المسلمين العراة، اللهم أطعم المسلمين الجياع.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم فك سجن المسجونين، وأسر المأسورين، اللهم اهدِ شبابنا يا رب العالمين، اللهم احفظ شبابنا، اللهم أصلح شبابنا، اللهم احفظ نساءنا، اللهم استر أخواتنا، اللهم بارك في بناتنا.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] اللهم اجعلنا للمتقين إماماً.
اللهم لا تتخل عنا يوم تخلى عنا المعين، اللهم كن لنا ناصراً يوم قل الناصر، اللهم كن للمسلمين ناصراً يوم قل الناصر، يا غياث المستغيثين! هتكت أعراض أخواتنا، وسفكت دماؤنا، وسلبت أرضنا، فاللهم مكن لأمة حبيبك المصطفى، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم اقبلنا وتقبل منا، وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم لا تحرم مصرنا من الأمن والأمان، اللهم اجعل مصر سخاء رخاء وسائر بلاد المسلمين، اللهم ارفع عن مصر الغلاء والفتن والبلاء، اللهم اجعل مصر مسلمة لك بقدرتك يا أرحم الراحمين، اللهم استرنا ولا تفضحنا، وأكرمنا ولا تهنا، وكن لنا ولا تكن علينا.
اللهم اشرح صدورنا بالإسلام، واملأ قلوبنا بالإيمان، اللهم ارزقنا الصدق في أقوالنا، والإخلاص في أعمالنا، واليقين في أحوالنا.
اللهم جنبنا الرياء والنفاق، اللهم وطهر قلوبنا من النفاق، اللهم اجمع صفنا، اللهم اجمع شملنا، اللهم ألف بين قلوبنا، اللهم وحد كلمتنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وفق جميع إخواننا الطلاب، اللهم ذلل لإخواننا الطلاب الصعاب، اللهم يسر لهم الأسباب، اللهم فتّح لهم الأبواب، اللهم ذكرهم ما نسوا، اللهم علمهم ما جهلوا، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم سدد أقلامهم، اللهم ذلل لهم الصعب، اللهم لا تفجع والديهم يا أرحم الراحمين.
أحبتي في الله! أكثروا من الصلاة والسلام على حبيبنا محمد كما أمرنا الله جل وعلا بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على نبينا وحبينا محمد، وعلى آله وصبحه وسلم.
هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو زلل أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
стр. 107
فصبر جميل
الصبر الجميل هو ترفع على الألم، الذي يضرب أعماق المؤمن، واستعلاء على الفتن، التي تعصف بالقلوب، وتزلزل الأفئدة، وثبات على محن الدعوة، وثقة كاملة في وعد الله جل وعلا، بالنصر الذي يأتي كسنة ثابتة من سنن الله، تلك عقبى الذين اتقوا، وعقبى الكافرين النار.
стр. 108
الصبر زاد الدعاة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وما كان معه من إله، الذي لا إله إلا هو، فلا خالق غيره ولا رب سواه، المستحق لجميع أنواع العبادة؛ ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الواحد الذي لا ضد له، وهو الصمد الذي لا منازع له، وهو الغني الذي لا حاجة له، وهو القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو جبار السماوات والأرض فلا راد لحكمه ولا معقب لقضائه وأمره.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في سبيل الله حتى أجاب مناديه، وعاش طوال أيامه ولياليه يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد، يوضح الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علَّم الجاهل، وقوم المعوج، وأمَّن الخائف، وطمأن القلق، ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار، فاللهم اجزه عنا خير ما جازيت نبياً عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:
стр. 109
أنواع الفتن
فمع اللقاء الحادي عشر من خواطر الدعوة إلى الله ، ولا زال حديثنا بفضل الله جل وعلا عن الزاد الذي لابد لكل داعية يسلك طريق الدعوة الطويل من تحصيله والتزود به، ولا زال حديثنا بفضل الله جل وعلا عن الصبر، وزاد اليوم: صبر جميل صبر جميل.
أحبتي في الله! ليس الإيمان كلمة تقال باللسان فحسب، ولكن الإيمان حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد مرير يحتاج إلى صبر جميل، ولا يكفي أن يقول الناس: آمنا حتى يتعرضوا للفتن، ويثبتوا عليها، ويخرجوا منها خالصة عناصرهم صافية قلوبهم ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فالفتنة أصل ثابت وسنة جارية في ميزان الله جل وعلا ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، فكما تفتن النار الذهب لتخلص بينه وبين العناصر الشائبة والرخيصة العالقة به، كذلك تفعل الفتن في النفوس البشرية، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، لماذا؟ لأن هناك نموذجاً من الناس يعلن كلمة الإيمان في وقت الرخاء، يحسبها هينة الحمل، خفيفة المئونة، فإذا ما تعرض لفتنة من الفتن حتى ولو كانت هذه الفتنة هينة لينة استقبلها بهلع وجزع وفزع، واختلت في نفسه القيم، وطاشت بين يديه الموازين، وتزلزلت في قلبه العقيدة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، إنه نموذج متكرر من البشر في كل حين وفي كل جيل، إنه نموذج يزن العقيدة والدعوة بميزان الربح والخسارة، يظن العقيدة والدعوة صفقة يتاجر بها في أسواق التجارة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]، هذا الصنف أيها الأخيار الكرام لا يصلح أن يكون صاحب دعوة، ولا حامل رسالة، ولا أميناً على منهج؛ لذا لو كان طريق الدعوة إلى الله جل وعلا هيناً ليناً مفروشاً بالزهور والورود والرياحين لسهل على كل إنسان أن يكون صاحب دعوة، وأن يكون حامل رسالة، وأن يكون مؤتمناً على منهج، وما اختلطت حينئذ دعوات الحق بدعوات الباطل الزائفة الكاذبة؛ لذا فلابد على طول طريق الدعوة إلى الله من الفتن التي تعصف بالقلوب، وتزلزل الأفئدة، لماذا؟ ليغربل الله ويمحص القائمين عليها ويفرز الزائفين عنها، ولتبرز دعوات الحق من بين دعاوى الباطل الكاذبة الزائفة: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، فمن ثبت بعد هذه الفتن المزلزلة على طريق الدعوة الطويل فهو بحق وجدارة صاحب الأهلية لحمل راية الدعوة إلى الله ؛ ليسير بها بين الأشواك والصخور.
إنها فتن قاسية، إنها فتن مزلزلة، فهناك فتنة الظلم والبطش والطغيان من أهل الباطل والجبروت التي تصب صباً على رأس الداعية إلى الله جل وعلا، إن سلك طريق نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد تُصب على رأسه الفتن صباً، ويُصب عليه البلاء والاضطهاد صباً، وتزداد الفتنة حين لا يرى من يسانده ومن يقف إلى جواره من البشر، وتزداد الفتنة إذا لم يجد من القوة والمنعة والحماية ما يدفع به عن نفسه الأذى والبطش والظلم والجبروت والطغيان.
وهناك فتنة الأهل والأولاد الصغار الذين يخشى عليهم الداعية أن يصيبهم الأذى والفتنة بسببه، وقد يهتفون به، وينادون عليه، ويصرخون في وجهه باسم الحب باسم القرابة باسم الرحم أن يسالم أو يستسلم للبطش والظلم والطغيان، وقد تزداد الفتنة أذىً وبلاءً على رأس الداعية المؤمن إذا وقع الأذى على أهله وأولاده أمام عينيه وبين يديه، وهو لا يملك لهم شيئاً، ولا يستطيع أن يرد عنهم من الأذى شيئاً.
وهناك فتنة إقبال الدنيا على الظالمين، على المبطلين، على المهرجين، على الساقطين والراقصين، فتنة إقبال الدنيا عليهم، ورؤية الناس لهم مرموقين ناجحين: تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير المخدوعة، وتصاغ لهم الأمجاد، وتحطم في طرقهم العوائق، وتذلل لهم الصعاب، وتيسر لهم الأسباب، وتفتح لهم الأبواب؛ والداعية المؤمن والمؤمن التقي النقي مهمل منكر، لا يحس به أحد، ولا يكرم من أحد، ولا يحتفي به أحد، بل ولا يحس بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً.
وهناك فتنة الشهوات والشبهات التي تعصف بقلوب كثير من الناس، وتحيد بهم عن طريق الحق وعن الصراط المستقيم، وقد يحس الداعية أحياناً بشيء من اليأس والملل والفتور والقنوط، ويظن أن هذه القلوب لا يمكن أبداً أن تأتي وأن تسجد لعلام الغيوب جل وعلا.
وهناك فتنة أخرى خطيرة، نراها بارزة في هذه الأيام، تعصف بقلوب كثير من المسلمين، بل وتعصف بقلوب بعض الدعاة أحياناً ألا وهي أننا نرى أمماً ودولاً غارقة في الكفر والشرك، ومع ذلك نراها تقدر الإنسان كإنسان، نراها تقدر عقله وتحترم فكره وتنمي مواهبه وتزكي قدراته، بل وتفتح ذراعيها لكل المبدعين والموهوبين في شتى المجالات، حتى ولو كانوا من غير بني جنسها؛ في الوقت الذي يرى المؤمن نفسه في كثير من بلدان المسلمين مهضوماً، يحتقر فكره، ويزدرى عقله، ويمتهن رأيه، ويشار إليه بأصابع الإرهاب وأصابع التطرف والأصولية، ويسجن عقله، بل ويسجن بدنه.
إنها فتن قاسية فتن خطيرة، ويزداد الهم والغم والبلاء على كل سالك لهذا الطريق إذا طال أمد الفتنة، وأبطأ نصر الله جل وعلا، حينئذ تكون الفتنة أشد، ويكون الابتلاء أقسى وأعنف، ولا يثبت على طريق الدعوة إلى الله إلا من ثبته الله جل وعلا، وأمده الله بخير زاد، وأمده الله بأقوى ضياء وأعظم زاد للبلاء، ألا وهو الصبر الجميل، لابد تجاه كل هذه الفتن من الصبر الجميل، فما هو الصبر الجميل؟ هل الصبر الجميل هو الذي تصاحبه الشكوى؟! هل الصبر الجميل هو الذي يصاحبه الأنين والألم؟! هل الصبر الجميل هو الذي تصاحبه الشهوة الخفية -وإن لم تترجم على اللسان- ويقول حينها الداعية: هأنذا يا ربي قد دعوت فلم يستجب لي؟! كلا، إنما الصبر الجميل هو ترفع على الألم، واستعلاء على الفتن، وثبات على محن الدعوة، وثقة كاملة في وعد الله جل وعلا، واطمئنان مطلق في حكمة الله ورحمة الله وقدرة الله ووعد الله .
стр. 110
تعريف الصبر وأقسامه
حد الصبر الإمام ابن القيم حداً جامعاً في كتابه القيم (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) فقال: الصبر: هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي، وحسب الجوارح عن المعاصي.
وقسمه إلى ثلاثة أقسام، وهي: صبر على الطاعة أو صبر على المأمور، وصبر عن المعصية أو صبر عن المحظور، وصبر على البلاء والمصائب أو صبر على المقدور، صبر على الطاعة وصبر عن المعصية وصبر على المصائب والفتن والبلايا، ولابد لكل داعية إلى الله جل وعلا يسلك طريق الدعوة الشاق الطويل من التزود بأنواع الصبر الثلاثة، لابد أن يتزود بالصبر على طاعة الله، ولابد أن يتزود بالصبر عن معصية الله، ولابد أن يتزود بالصبر على جميع الفتن والبلايا والمصائب التي ستكال على رأسه كيلاً؛ لمجرد أنه سلك طريق لا إله إلا الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠]، إرهابيون أصوليون متطرفون متعنتون متشددون سطحيون ساذجون: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣٠ - ٣٢]، لا إله إلا الله! هذا وعد الله جل وعلا وشهادة الله سبحانه.
следующие страницы →