← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ذكر الزوجة بالخير والثناء عليها ومن المعاشرة بالمعروف: أن الرجل لا يزال يذكر زوجته بخير، ولو بعد وفاتها: وقد كان ﷺ حسن العهد وفياً، وكان كثيراً ما يحسن إلى خديجة بعد وفاتها، ﵂، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (ما غِرْتُ على امرأة ما غِرْتُ على خديجة، ولقد هَلَكَتْ قبل أن يتزوجني رسول الله ﷺ بثلاث سنين، لِمَا كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة، ثم يهدي في خَلَّتها منها) يعني: في صُوَيْحِباتِها منها، وهن خلائلها وصديقاتها. وورد في البخاري في الأدب المفرد: (كان النبي ﷺ إذا أُتِي بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لـ خديجة). وأخرج الحاكم والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: (جاءت عجوز إلى النبي صلى الله وعليه وسلم، فارتاع لها وخرج، فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خَرَجَت قلت: -يعني عائشة غارت- يا رسول الله! تُقْبِل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: يا عائشة! إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان). (وجاءت هالة أخت خديجة، فقام وارتاع لها، ويسأل عن حالهم، وعن أخبارهم، فكانت عائشة تقول: ما تريد من امرأة حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها؟! -يعني: يعني: ماذا تريد بعجوز قد أبدلك الله خيراً منها- قال: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد) فهو لا يزال يذكر زوجته الأولى خديجة، ولا شك فهي التي أعانته لما نزل الوحي، وهي التي هدَّأت من روعه، وهي التي آزرته ونصرته، وهي التي دعمته بمالها وساعدته، وكانت نعم الزوجة لزوجها، ولذلك بُشِّرت خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. فهذا من المعاشرة بالمعروف، والمعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة. فإننا قلنا: إن هناك حقوقاً على الزوج وحقوقاً على الزوجة، وهذا الحق وهو المعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة، ولذلك فإن حسن المعاشرة مذكورة في الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] لاحظ بلاغة القرآن في بيان الحق المشترك: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] فلكل من الزوجين حق المعاشرة بالمعروف على الآخر؛ ولكن يختلفان في المعروف في الحق في بعض المواضع. ولذلك قال العلماء، ويسن لكل من الزوجين تحسين خُلُقه لصاحبه، والرفق به، واحتمال أذاه. ولذلك جاءت الشريعة بالحرص على دوام حسن المعاشرة بين الزوجين، وأن تكون الروابط قوية ومتينة، وإزالة ما يكدر هذا الصفو، إذا حصل شقاق فهناك علاجات، لعلنا نذكر تفصيلها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء:٣٥]. فهنا يتبين مسألة حق الزوجة على زوجها في المعاشرة بالمعروف. وهناك أشياء أخرى تفصيلية سنذكرها في النفقة، والوطء، والمبيت، والعدل بين الزوجات، مما يجب على الزوج، وأشياء أخرى تفصيلية في القرار في البيت، والاستئذان، وحفظ المال، ونحو ذلك مما سنذكره في حقوق الزوج على زوجته. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1122

حق النفقة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد سبق الكلام -أيها الإخوة- في الحقوق الزوجية في أمور شتى. وسنتكلم في هذه الليلة إن شاء الله عن مسألة مهمة، ذكرها الفقهاء، وتعرضوا لها، ألا وهي: موضوع نفقة الزوجة.

стр. 1123

أدلة وجوب النفقة على الزوج من حقوق المرأة التي جاءت بها الشريعة: وجوب نفقة المرأة على زوجها، وعلى هذا دلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأجمع عليه العلماء، ولوجوب النفقة للزوجة على زوجها شروط معينة، وهي مقدرة شرعاً، لكفايتها من الطعام واللباس، والسكن، على قدر حال الزوج يساراً وإعساراً. وهذا النفقة فرض على الزوج لا بد أن يقوم به، ولا تسقط عنه، بل تصبح ديناً في ذمته إذا عجز عنها. وهناك أمور كثيرة تتعلق بالنفقة، مثل: وجوبها، وكيفيتها، وأنواعها، ومقدارها، واستيفائها، والاختلاف فيها، ومسقطات النفقة. أما وجوب نفقة الزوجة: فإنه واضح من الكتاب العزيز كما ذكر أهل العلم، واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج النفقة والكسوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة:٢٣٣]: عليه، فيفيد الوجوب ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]. وثبت من قوله ﵊: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف). وكذلك قال النبي ﷺ لـ هند زوجة أبي سفيان: (خذي -يعني: من مال زوجك أبي سفيان - ما يكفيك وولدك بالمعروف). قال ابن قدامة ﵀: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، واحتج بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ﴾ [الطلاق:٧] هذا أمر ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] وبقوله صلى الله وعليه وسلم: (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف). وقد دل الكتاب العزيز على وجوب إسكان الزوجة في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦]. يعني: على قدر ما يجد أحدكم من السعة والمقدرة، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق أيضاً؛ لأنها لا تصل إلى النفقة إلا بالخروج للاكتساب، وهي ممنوعة من الخروج بحق الزوج، إذاً وجب عليه أن يكفيها الخروج، وأن ينفق عليها. وقال الله تعالى: ﴿تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق:٦] أي: لا تضارُّوهن في الإنفاق، فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن لطلبها. وقال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].

стр. 1124

سبب وجوب النفقة على الزوجة وما هو سبب النفقة على الزوجة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن سبب وجوب النفقة على الزوجة، أنها محبوسة عند زوجها بحبس النكاح، ممنوعة من الخروج للاكتساب؛ لأنها إذا كانت محبوسة عنده، كما قال ﷺ : (فإنهن عوان عندكم) ولا يجوز لها أن تخرج إلا بإذنه، فمعنى ذلك أنها لا تستطيع أن تخرج لتكتسب إلا بإذنه، وهي محبوسة لحقه، متفرغة لشأنه وأولاده وبيته. فإذاً لا بد أن تنال كفايتها، وكل من كان محبوساً على أمر من الأمور بحيث يشغله هذا الأمر عن النفقة على نفسه، فإنه يُفرض له من بيت المال، كالقاضي والمفتي ونحوهم، إذا فُرِّغوا لأجل مصالح المسلمين، وجب أن يعطوا من بيت المال النفقة عليهم. وكذلك المرأة محبوسة عن النفقة، أسيرة في بيت زوجها، فكان لا بد له أن ينفق عليها. وذهب بعض أهل العلم -أيضاً- إلى أن سبب نفقة الزوجة على زوجها التي يجب أن يسلمها إياها هو تسليم نفسها إليه، وتمكينه تمكيناً تاماً من الاستمتاع بها، فإذا كانت الزوجة قد سلمت نفسها لزوجها وجب على زوجها أن ينفق عليها. وقال العلماء: إذا بذلت الزوجة تسليم نفسها البذل التام، بألا تسلم في مكان دون آخر، أو بلد دون آخر، بل بذلت نفسها لزوجها، وخلَّت بينها وبينه؛ بحيث يستمتع بها متى شاء، فإنه يجب عليه أن ينفق عليها. إذاً: إذا سلَّمت نفسها للزوج وجب الإنفاق. فلو قال قائل: أنا عقدت على امرأة وهي عند أبيها، ولم تسلِّم نفسها بعد، هل يجب علي أي نفقة؟ الجواب لا. لأن النفقة لا تجب إلا عند تسليم الزوجة لنفسها، فإذا سلمت نفسها، فإنه يجب على الزوج أن ينفق عليها. وكذلك فإن العقد الصحيح سبب لوجوب النفقة، لأن العقد الفاسد ليس فيه نفقة، ولا يجب على الزوج أن ينفق عليها، ولذلك بعض الذين يسافرون إلى الخارج، ويقترفون المحرمات، ويفعلون الفواحش، ثم ترسل له الزانية بصورة البنت أو الولد قائلة: أرسل النفقة! هل عليه نفقة؟ ليس عليه نفقة؛ لأن هذا زنا وليس بزواج، وهذه البنت ليست ابنته، بل هي بنت الزانية تُنسب إليها، ولذلك لا نفقة لها، ولا لمن يأتي من الزنا، فالنفقة من النكاح الصحيح، وليس من النكاح الفاسد. وكذلك فإن الزوجة إذا نشزت وامتنعت عن تسليم نفسها لا نفقة لها، فتسليم الزوجة نفسها للزوج في نكاح صحيح، وحبسِها لنفسها في بيته هو سبب النفقة. فإذاً: لا يجوز للزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها لزوجها بدون سبب شرعي، وعليها أن تخلي بين نفسها وبين زوجها، وفي هذه الحالة تستحق النفقة، وإذا امتنعت عن الذهاب معه إلى بيته، فليس لها نفقة. وينبغي أن يكون تسليمها لنفسها حقيقياً بأن تأتي إلى بيته، فإذا زفت إليه -مثلاً- تم التسليم، كما يُعتبر التسليم حاصلاً حكماً إذا كانت مستعدة للانتقال إلى بيته في أي وقت شاء؛ لكنه هو الذي أخر هذا الانتقال، فهي إذاً جاهزة من أجله، فهنا يجب عليه النفقة.

стр. 1125

حالات يحق للزوجة فيها الامتناع عن تسليم نفسها وللزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها بسبب شرعي، من أمثلة ذلك:

стр. 1126

الامتناع عن إعطائها مهرها المعجل ألا يعطيها مهرها وحقها: فإذا امتنع عن إعطائها المهر، جاز لها أن تمتنع عن الحضور إلى بيته، المهر المعجَّل الذي اتفقوا على تعجيله، سواءً أكان المهر كاملاً معجلاً أو جزءاً منه معجلاً، لا بد أن يسلَّمَ المهر كاملاً، وإذا لم يسلِّم المهر جاز للمرأة أن تمتنع عن تسليم نفسها، ويكون امتناعها مشروعاً؛ لأنه هو الذي امتنع عن تسليم الحق.

стр. 1127

عدم تهيئة البيت الشرعي لها وكذلك عدم تهيئة البيت الشرعي: كأن يسكنها في بيت ضرتها، أو في بيت فيه بعض أهله، أو في بيت لا تتوفر فيه شروط البيت الشرعي، فإن لها أن تمتنع عن تسليم نفسها إليه. ولذلك فإن من حقها أن يسكنها في دار مفردة لها؛ لأن السكن من كفايتها.

стр. 1128

إذا سافر بها إلى بلاد الكفار أو بلد غير مأمون وكذلك إذا أراد أن يسافر بها سفراً غير مأمون: أو أن يسافر بها إلى بلاد الكفار، ويجلسها هناك في مكان الفتنة، لغير حاجة ولا ضرورة فإن لها أن تمتنع، ويكون امتناعها امتناعاً شرعياً.

стр. 1129

حالات نشوز المرأة أما إذا نشزت المرأة، وعصت الزوج، وامتنعت عما أوجبه الشارع عليها، كما لو امتنعت عن فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مناسب لها، أو امتنعت من السفر معه سفراً مباحاً، فإنها في هذه الحالة لا نفقة لها؛ لأنها ناشز وعاصية، وخروج المرأة من بيت زوجها بدون إذنه يعتبر نشوزاً يسقط حقها في النفقة؛ لأنها بهذا الخروج قد خرجت عن طاعته، وفوتت عليه حق الاستمتاع بها، وخدمتها له. فمتى امتنعت من فراشه، أو خرجت من منزله بغير إذنه، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن لائق بها وشرعي متوفر فيه كل الشروط، ليس بمسكن ضرة ولا ضرار، أو امتنعت من السفر معه فلا نفقة لها ولا سكنى. فلو قال: تأتين معي إلى هذا البيت، أو إلى هذا البلد، الذي صار فيه رزقي وعملي، فامتنعت بدون سبب شرعي، ولا شرطت شيئاً في العقد، فإنها ناشز وعاصية، ولا نفقة لها. ولو قالت له: أرسلني يجوز له أن يمتنع عن الإرسال؛ لأنها عاصية وناشزاً. أما إذا شرطت في العقد ألا تسافر من بلد أهلها -مثلاً- ووافق الزوج، فإن شرطها ملزم للزوج، وملزم للإنفاق عليها، ولو غادر هو البلد. نقول أيضاً: إن امتناع المرأة ونشوز المرأة يعتبر مسقطاً للنفقة. وكذلك إذا خرجت من بيته بدون إذنه، فإنها تعتبر ناشزاً إذا كان خروجها لغير سبب مشروع. وكذلك فإنها إذا امتنعت عن الزفاف والقدوم إلى بيت زوجها، وقد أعطاها مهرها المعجل، وقالت: لا آتي إلى بيتك، ولا أريد الدخول، ولا أريد الزفاف، فإنها في هذه الحال تعتبر ناشزاً، ولا نفقة لها. وكذلك إذا امتنعت عن الوطء، وعن إعطاء الزوج حقه بالاستمتاع، فإنها تعتبر ناشزاً إذا امتنعت عن الوطء أو مقدماته بدون سبب شرعي، بحيث كان ممكناً لها حصول الوطء والاستمتاع من قبل الزوج؛ ولكنها تأبَّت وتمنعت وخرجت عن فراشه، فإنها لا نفقة لها، وتعتبر ناشزاً عاصية لله تعالى. وأما خروج المرأة للحج، فإن كان الحج فريضة أو العمرة واجبة فإن خروجها صحيح، ولها النفقة؛ لأنها فعلت ما أوجب الشرع عليها. وكذلك صيام رمضان، فإنها تمتنع عن زوجها بالاستمتاع لأجل حق الله. ولذلك لا يعتبر امتناعها في نهار رمضان عن زوجها نشوزاً، ولا يعتبر خروجها لحج الفريضة أو العمرة الواجبة خروجاً ولا نشوزاً عن طاعة زوجها، وبالتالي النفقة تكون سائرة ومستمرة لها، ولا تعتبر ناشزاً في هذه الحالة، بخلاف خروجها في حج النافلة بغير إذن الزوج؛ فإنها تعتبر ناشزاً. وأما خروج الزوجة الموظفة أو ذات الحرفة إلى العمل: هل يعتبر نشوزاً أم لا؟ إذا كانت شرطت على زوجها ذلك في العقد ووافق، وكان العمل حلالاً، أو سمح لها الزوج بالخروج، فإن خروجها صحيح إذا كان بالشروط الشرعية، ولها النفقة حتى لو كانت موظفة، لها النفقة، أما إذا لم يسمح لها الزوج بالخروج، وأمرها بالقرار في البيت، فخرجت بدون إذنه إلى وظيفتها -مثلاً- فإن خروجها يعتبر نشوزاً، فهي لم تحتبس في بيت زوجها، ولم تجلس فيه، وفوتت عليه مقاصده، وما يريد منها من القرار في البيت، فإن استمتاعه يكون به ناقصاً إذا كانت في النهار تعمل وتكدح، فتكون في الليل عنده متعبة. فإذاً إذا لم يحصل منها اشتراط، ولم يسمح لها الزوج، فإن خروجها للوظيفة نشوز يُسقِط النفقة، وعليها أن تتوب إلى الله، وترجع عن هذا النشوز؛ لأنها تكون عاصية لله تعالى، فإذا تابت إلى الله، وأطاعت برجوعها إلى بيته، عادت النفقة لها لعودها إلى الطاعة.

стр. 1130

حكم النفقة حال الإعسار والغيبة وكذلك فإن المرأة إذا كانت ذات زوج معسِر، فما هو حقها في النفقة؟ إذا كان معسراً فإن حقها في النفقة ثابت، ويكون ديناً على زوجها، يجب عليه الوفاء به إلا إذا سامحته، ولا شك أن أمور الزواج مبنية على التسامح والمحبة، ولكن الحقوق لا بد من ذكرها حتى يُعرف الحد، وأما بالنسبة لقضية التسامح فإنها لا بد أن تكون هي الطاغية والحاصلة؛ ولا يكون شأن الزوجين التحاكم إلى القاضي في كل صغيرة وكبيرة، ولكن إذا علم كل واحد منهم ما أوجبه الله عليه فإنه يسارع إلى بذله، وكذلك ينفع هذا العلم عند حصول الخلاف، فيعرف كل من الزوجين ماذا يجب عليه. ثم إن بعض انتهاكات الحقوق الشرعية هي من مسببات الخلاف في الغالب، فتقصير الزوج في النفقة من مسببات الخلاف، خروج الزوجة للعمل من مسببات الخلاف. انظر إلى مسببات الخلافات الزوجية تَجِد أن أكثرها يعود إلى مُخالَفة هذه الحقوق التي تذكر. والزوجة إذا غاب زوجها عنها، فإن عليه أن ينفق عليها أثناء غيابه، وأن يرسل لها بالنفقة في غيبته؛ لأنها سلمت نفسها، لكن هو الذي سافر. وبالتالي فإن زوجة الغائب نفقتها على زوجها، إذا كانت قد سلمت نفسها إليه؛ ولكنه هو الذي سافر عنها. والنفقة تصير ديناً في ذمة الزوج إذا امتنع عن أدائها، وإذا كان معسراً فإنها تبقى ديناً عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] وكلمة (على) تفيد الإيجاب، فأخبر سبحانه عن وجوب النفقة والكسوة، وأطلق ذلك عن الزمان، أي: أنه دائماًَ عليه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] فإذا وجبت فإنها لا تسقط، لأنها مثل الحقوق، فإنها ما دامت عنده مسلِّمة نفسها يستمتع بها، فالنفقة عليه.

стр. 1131

أنواع النفقة على الزوجة وكذلك فإن النفقة على الزوجة أنواع: الله تعالى يقول: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]. ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] هذا المطلقة الرجعية، لها النفقة والسكنى، فمن باب أولى الزوجة التي ليست بمطلقة. وقد قال حكيم بن معاوية القشيري: (يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ، ولا تقبح الوجه، ولا تهجر إلا في البيت). وكذلك قال النبي ﵊ في حجة الوداع: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا لهن في كسوتهن وطعامهن). فدلت الآيات والأحاديث على أن الزوج ملزم بالنفقة على زوجته في هذه الأنواع الثلاثة، ما هي الأنواع الثلاثة؟ أولاً: السكن. ثانياً: الطعام. وثالثاً: الكسوة. ثلاثة أشياء واجبة على الزوج، يلزمه كل ما تحتاج إليه المرأة من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن، وتوابع هذه الأشياء، كما قلنا، مثل: الخادم إذا كانت من أهل بلد هذا عُرْفُهُم، لا يمكن أن تعيش بدلاً منه، وهذا قضية تختلف باختلاف الأحوال.

стр. 1132

أدوات الزينة والتنظيف والأدوية وكذلك تكلم الفقهاء رحمهم الله تعالى في مسألة أدوات الزينة، والتنظيف، والطيب، والأدوية، وأجرة الطبيب. بالنسبة لهذه الأشياء، فإنه إذا لم يكن عليه واجباً، فإنه لا بد أن يكون من مكارم الأخلاق، وحسن العشرة، أن يداويها إذا احتاجت، وأن ينفق عليها بأجرة الطبيب؛ لأن علاجها من مصلحته هو، ومرضها يفوت عليه الاستمتاع، وإنجاب الولد ونحو ذلك، وكثيراً ما تكون المرأة ليست ذات مال، وإنما معتمدة بعد الله على زوجها اعتماداً كلياً، فمن المعاشرة بالمعروف وهي شريكة العمر أن ينفق عليها فيما تحتاجه من الأشياء الأخرى، مثل: الأدوية، ونفقة الطبيب، وأدوات الزينة، والطيب، ونحو ذلك. ولو أن جمهور الفقهاء قد قالوا بأنه: لا يجب على الزوج الزينة، وأدواتها؛ ولكنه إذا طلب التزين لزمه أن يأتي بأدوات الزينة. قال الفقهاء: وعلى الزوج لزوجته مئونة نظافتها من دهن وسدر مثل: الصابون الآن، والشامبو، وغيره، وثمن ماء، ومشط، ويلزم الزوج ما يراد لقطع رائحة كريهة من جسمها. أما الحناء والخضاب ونحو ذلك من الأصباغ، مثل: ما يُحَمَّر به وجه، أو يُسَوَّد به شعر، فلا يُلْزَم الزوجُ بذلك؛ لأن ذلك من الزينة فلا يجب عليه. كما لا يجب عليه شراء الحلي، ولكن لو طلب الزوج من زوجته ما تتزين به له فهو عليه. وهو إذا أرادها للاستمتاع فإنه لا بد أن يعطيها ما يحصل به الاستمتاع من الطيب، وأدوات التنظيف، والحلي، ونحوه، إذا طلب منها لبسه وجب عليه أن يشتريه هو. ثم إن من مكارم الأخلاق أن يهديها في الأعياد وغيرها من الحلي على قدر ما أعطاه الله تعالى. فلو راجع الإنسان كتب بعض الفقهاء، ووجد فيها كلاماً عن عدم وجوب شراء الحلي، فهذا لا يعني أنه لا يكون من المستحب، ومن المعاشرة الطيبة، فالهدية إذا كانت مطلوبة بين الإخوان فالزوجة من باب أولى؛ لأنها أقرب الناس إلى زوجها، ولكن المرأة في المقابل لا تكلِّف زوجها ما لا يطيق، فتشترط أنواعاً من المكياجات، وأشياء من الحلي لا قِبَل للزوج بشرائها، وربما امتنعت عن فراشه إذا امتنع عن الإتيان بها، وعجز عن الإتيان، وربما خرجت من بيته، وبهذا تكون ناشزة. فإذا علمت المرأة أن هذه الأشياء الزينة والحلي في الأصل أنها ليست واجبة على الزوج، وإنما يفعل ذلك منه تكرماً وتلطفاً، فإنها لابد ألا تثقل عليه بطلب هذه الأشياء والمغالاة فيها، وإنما تطلب بما هو متعارف عليه، ومعتاد، وما هو -وهذا هو الأهم- في طاقة الزوج وحدوده التي لا يستطيع أن يتعداها. ولذلك فإن هذه المسألة من القضايا المهمة، ولا بد من معرفتها؛ لأنها تكون مثار خلافات زوجية كثيرة.

стр. 1133

الطعام أما بالنسبة للنفقة، فإن نفقة الطعام تختلف باختلاف قوت البلد، وما كان غالباً على قوت البلد يجب على الزوج أن يأتيها به، في ما يسد كفايتها, وهذا الواجب ينبغي أن يكون معلوماً، خصوصاً عند حدوث الخلاف أو الشقاق، فيما يجب عليه في قضية النفقة. ونحن في الأحوال العادية ربما لا نَسأل عن ذلك، ولا نحتاج إلى أن نعرف أن على الزوج الموسر مُدَّان من الطعام كل يوم لزوجته، لا داعي لهذا، فهو يشتري الطعام، ويأتي به للعائلة كلها، وهي تطبخ له ولها وللأولاد؛ ولكن إذا علمنا أن هناك بعض الأزواج بخلاء للغاية، حتى الطعام لا يأتون به إلى البيت، وربما تجلس المرأة ما عندها خبز في البيت، ولا ترى اللحم، وربما مِن بُخله يقول لها: اذهبي واستعيري من الجيران، خذي من هؤلاء خبزاً، ومن هؤلاء لحماً، ومن هؤلاء خضاراً، ومن هؤلاء فاكهةً. ولذلك ترى المسكينة إلى أي شيء تحتاج وتُدفع! تطرق الأبواب وزوجها مِن بُخله لا ينفق عليها، لو كان فقيراً لقلنا: مسكين، يُعطَى من الصدقات ومن الزكاة ومن الجيران ومن غيره، لكن بعض الناس عنده البخل والعياذ بالله مرض مستحكم، ولذلك الجيران يقولون: طبخة هؤلاء الجماعة علينا مقسطة، يأخذون الخبز من هؤلاء، والطماطم من هؤلاء، والخضار من هؤلاء، واللحم من هؤلاء، ويستلفون حتى الملح، أعطونا ملحاً، أعطونا كبريتاً، أعطونا، ما عندكم حفائظ أطفال؟ ما عندكم؟ ويستعيرون فعلاً أشياء يخجل الإنسان من ذكرها، بسبب بخل الرجل. ولذلك عندما نفتح ونقرأ في كتب أهل العلم، وأنهم أوجبوا على الزوج وماذا يجب عليه في النفقة بالتحديد، ماذا يجب عليه من الطعام، وماذا يجب عليه من الإدام، وماذا يجب عليه في اللحم، وماذا يجب عليه في الماء، وماذا يجب عليه في الملابس، وقضية النفقة في الشتاء والصيف، فهذه المعلومات مهمة في مسألة إلزام الزوج البخيل بإخراج النفقة، وبإعطائها إياها، فإن بعض الناس والعياذ بالله ربما لا يدفع إلا تحت تهديد القاضي. فالشاهد: أن ما غلب على البلد من الإدام والطعام، ما هو مستعمل فيه من زيته وسمنه وجبنه وتمره وخله وملحه ونحو ذلك، فإن عليه أن يأتيها بكفايتها. وهذا أيضاً متعلق بيسار الزوج وإعساره وتوسطه، فإذا كانت عادة أهل البلد تناول اللحم في كل يوم، كان لها ذلك، ولا يتقدر بوزن، وينبغي عليه أن يأتيها به، وللزوجة كذلك على زوجها ماء الشرب، ذكر ذلك الفقهاء، وربما يستغرب البعض هذا، ولكن في بعض الأماكن لا يكون الماء واصلاً إلى البيوت، فعليه أن يأتي بالماء إلى البيت ولا يتركهم بغير ماء، وربما ينقطع الماء في بعض البيوت، وربما ينقطع يوماً أو يومين متواليين أو أكثر، فمن النفقة أن يأتي لها بالماء، ينبغي أن يَعْلَم ذلك. وهذه النفقة مقدرة بالكفاية: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] أوجب الله النفقة مطلقاً غير مقيدة بتقدير وسمَّاها رزقاً: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣] يجب أن يرزق زوجته، ورزق الإنسان كفايته في العرف والعادة. ولما جاءت هند امرأة أبي سفيان، قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال ﷺ : خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف). فإذاً: يجوز للمرأة أن تأخذ كفايتها، فإذا ما أتى لها بالطعام تأخذ مالاً من جيبه وتشتري به طعاماً، وتأتي بالحاجة إلى البيت. فإذاً: نفقة الزوجة مقدرة بكفايتها، وبعض العلماء قالوا: يقدر بمُدَّين من طعام في اليوم، ويقدر بكذا من اللحم، ولكن الراجح أنه بحسب الحاجة، بدليل الحديث: (خذي من مال أبي سفيان -وهو زوجها- ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف). فإذاً: هذا هو الصواب في المسألة، ويترتب على كون نفقة الطعام للزوجة مقدرة بكفايتها، أنه يجب على الزوج لزوجته من نفقة الإطعام قدر ما يكفيها من الطعام، كالخبز والإدام والدهن ونحو ذلك مما يؤكل مأدوماً، والله تعالى قال في كفارة إطعام المسكين: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩] يعطِي المسكين في كفارة اليمين من أوسط ما يطعم أهله، ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة:٨٩]. إذاً ينبغي أن يكون هذا هو ما يعطَى للزوجة، ما يكفيها ويسد حاجتها، ولا يقول: كُلِي خبزاً طيلة الشهر، أو طيلة السنة، ما هنا إلا الخبز، يكفيك الخبز، ولن تموتي من الجوع، نقول: لكنه ليس بالمعروف! أين المعروف؟ فينبغي أن يكون طعاماً بالمعروف.

стр. 1134

الكسوة أما بالنسبة للكسوة، فإن بعض العلماء قال: الكسوة مقدرة بنفسها. وقال الآخرون: هي مقدرة بكفاية الزوجة، مثل ما قالوا في الطعام. والذين قالوا: إنها تعطَى ما يكفيها، أو تعطَى الكسوة، قالوا: إنها تعطَى كفايتها، بطولها وقصرها، وسمنها ونحفها، وباختلاف البلاد في الحر والبرد، فماذا تحتاج؟ لو كان البلد برداً: إذاً تحتاج إلى كسوة من نوع خاص. إذا كان البلد حاراً: تحتاج إلى كسوة تناسب الحرارة. لو كانت المرأة طويلة أو سمينة، هزيلة أو قصيرة: كل امرأة تحتاج إلى كسوة بحسبها. ولذلك قال بعض أهل العلم: يجب للزوجة على زوجها كسوة في كل سنة مرتين، كسوة صيفية في الصيف، وكسوة شتوية في الشتاء؛ لأنها كما تحتاج إلى الطعام والشراب، تحتاج أيضاً إلى اللباس لستر العورة، ولدفع الحر والبرد، وكذلك يجب لها عليه ما يستر عورتها من الخمار إذا أرادت الخروج، والغطاء، ونحو ذلك. وعلى الزوج أن يتجمل لزوجته، وأن يعاشرها بالمعروف في مسألة اللباس، ويعطيها من أنواع الثياب التي تحتاج إليها، داخلية وخارجية، وداخل البيت وخارج البيت بالمعروف بما يكفيها، وألا يضيق عليها حتى ربما صارت رثة الثياب، مخرقة الأكسية، وهو لا يعطيها حقها. فإذاً: الإنفاق عليها في اللباس بحسب حاجتها، وفي المقابل المرأة لا تغالي وتطلب الغالي، ولا تقول: اشترِ من المحل الفلاني بشيء قيمته نصف راتب الزوج أو ربعه، فإنه لا يطيقه، وفي المقابل يكسوها بما يكفيها من اللباس الداخلي والخارجي، وما تظهر به خارج البيت من الخمار، والدرع، والغطاء، والجوارب، وقفازات، فعليه أن يسترها في داخل البيت وخارجه، وعندما تكون في الحر أو البرد وبحسب طولها وقصرها وسمنها ونحفها، فإنها تراعَى في كل هذا، وحراً وصيفاً وبرداً وشتاءً، فإنها بالمقابل لا تغالي في طلب الكسوة، فتقول: اشترِ هذا، واشترِ هذا، ولا يكفيني، وتريد أن تجدد في كل شهر لباساً، وفي كل حفلة فستاناً، وفي كل عرس كذا وكذا، هذا مما لم يأتِ في الشرع، فإن طلبات المرأة من هذا النوع يعتبر إرهاقاً وظلماً للزوج، ولا يجوز لها أن تكلفه ما لا يطيق. ثم هذه المغالاة وهذه الألبسة الكثيرة جداً التي ربما لا تلبسها في السنة ولا مرة، فبعض النساء عندهن ألبسة لا تلبسها في السنة حتى مرة، وإذا لبست فستاناً لا تريد أن يراها النساء وهو عليها مرة أخرى، وإذا رأينها عليها الفستان مرة ثانية صار عيباً عندها، ولذلك فإنها تكون في هذه الحالة مسرفة، والله يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١].

стр. 1135

السكن وأما بالنسبة للسكن فإن العلماء قالوا: ليس للرجل أن يجمع بين امرأتين في مسكن واحد بغير رضاهما، صغيراً كان أو كبيراً؛ لأن عليهما ضرراً لما بينهما من الغيرة، واجتماعهما في بيت واحد يثير الخصومة، وتسمع كل واحدة منهما حسه إذا أتى الأخرى، أو ترى ذلك، لكن إذا رضيتا جاز؛ لأن الحق لهما، فلهما المسامحة. فإذاً: يجب على الزوج أن يسكنها في دار تصلح لمثلها، فيها مقومات البيت التي لا بد منها، ولا يسكن زوجتين في بيت واحد إلا بإذنهما، وإلا فالأصل أن كل واحدة لها بيت مستقل، إلا إذا رضيتا بأن تكونا معه في بيت واحد؛ فإن الحق لهما. ومن كفاية المسكن: أن يكون بين جيران صالحين؛ لتأمن أذاهم، ولهذا فإن البيت إذا كان فيه جيران سوء، لا تأمن المرأة على نفسها منهم، وربما تسوروا عليها سور البيت، وربما حاولوا إيذاءها، أو النظر من خلال النوافذ، ونحو ذلك، فإن هذه الدار لا تصلح سكناً لها في هذه الحالة. وأما بالنسبة لأثاث المسكن، فإن البيت لا بد أن يحتوي ما تتهيأ به حاجة المرأة من أثاث لنومها وجلوسها، وما تحتاج من أدوات الطبخ والطعام، ونحو ذلك؛ لأن المرأة ليس عليها إلا تسليم نفسها في بيته، وعليه أن يهيئ لها جميع ما يكفيها بحسب حالها، من أكل، وشرب، ولبس، وفرش، وأثاث، وأدوات منزلية، ولذلك نص الفقهاء على أنه يهيئ لها آلة الطحن، والخَبز، وآنية الشرب، والطبخ، وسائر أدوات البيت، والأثاث، كحُصُر وطنفِسَة -التي يجلس عليها- لكن هذا كان في السابق، حيث كان عندهم هذه الأشياء. وقال صاحب كشاف القناع ﵀: وللنوم: فراش، ولحاف، ومخدة، وملحفة؛ لأنه معتاد، وللجلوس بساط من صوف. لأن هذا هو المعتاد عندهم، والآن يوفر لها سريراً، ويوفر لها ما تجلس عليه في البيت، ويوفر لها ما تطبخ به من قدور، وسكاكين، وملاعق، وما تحتاجه، والآن صارت الثلاجة من الأساسيات، ولم تكن عند العلماء من قبل؛ فلا بد من أن يوفر لها هذا، فإذا كان من المعروف أن يشتري لها غسالة اشترى، ولا يقول: اغسلي على يديك، وافعلي على يديك، مادام هذا صار عرف البلد مما يؤتَى به للزوجة لا شيء في مغالاة، ولا هو خارج عن العادة، ولا هو خارج عن الحد، مثل الغسالة، والثلاجة، فقد أصبحت هذه أشياء لا بد منها وهي من توابع السكن. كذلك مثلاً: البيت اليوم في مثل هذا البلد، لا يمكن أن يُعاش فيه في الصيف من غير تكييف وشيء يلطف الحرارة؛ لأن الجدران الإسمنتية والمسلح بالحديد من الداخل يكنز الحرارة، ولا يمكن أن يطيق الإنسان العيش فيه، ولذلك بيت بلا تكييف لا يُعتبر مسكناً يسد الحاجة. والإنسان مطالَب أيضاً على قدر حاجته، وعلى الزوجة ألا تقول: اشترِ لي آخر ما وصل إليه العلم والتكنولوجيا من العصارات والفرامات، وهات، وهات لا بد أن تجدد الأثاث كل ستة أشهر، مللنا من الكنب، ومللنا من غرفة النوم، ومللنا من كذا، ولا بد أن تجدد، هذا إسراف وتكليف للزوج وخروج عن المألوف، وهو غير مكلف بإعطائها ذلك، ولا بالاستجابة لها. قال ابن قدامة ﵀: يكون المسكن على قدر يساره وإعساره، لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] فإذا كان يستطيع بيتاً مستقلاً فيسكنها بيتاً مستقلاً، وإذا لم يستطع فيسكنها شقة، ثم الشقق تختلف، هناك شيء بغرفة ومجلس وصالة ومطبخ وحمام، وهناك شيء بغرفتين، وشيء بثلاث، وشيء بأربع، وشيء بأكثر، فهو يسكنها على قدر ما تحتاج، على قدر ضيوفها، وحاجتها، وأولادها. فإذاً: السكنى على حسب حال الزوج، الله يقول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] من وجدكم: بحسب ما يتيسر لك فعليك أن تسكِن. ثم إن الزوج إذا امتنع عن أداء النفقة فإنه يجوز للزوجة أن تأخذ مما تصل إليه يدها من ماله، بقدر ما يكفيها ويكفي ولدها إن كان لها ولد، ولو كان بغير إذنه، تأخذ بالمعروف وبالقدر الذي عُرِف بالعادة بالكفاية، هذا أباحه النبي صلى الله وعليه وسلم. وإن امتنع وأخفى المال وما أبقى فلساً في البيت، فيجوز لها أن تذهب إلى القاضي تطالب بالنفقة، ويرتب القاضي لها نفقة، ويجبره على الدفع والإنفاق عليها ولها أن تطالب؛ لأن هذا حقها، لا بد أن يسلِّم لها حقها. وكذلك فإن على المرأة أن تحفظ مال زوجها في البيت، وسنأتي على ذلك في الحلقة الأخيرة من حقوق الزوج على زوجته. وقلنا: هذه النفقة تسقط بأشياء كثيرة، وذكرنا بعض هذه الأشياء، ومنها: سقوط النفقة بالطلاق: إذا انتهت العدة ما لها نفقة، إذا مات الزوج ليس لها نفقة بعد وفاته وانتهاء عدة الوفاة، وإنما تأخذ إرثها، ويكون هذا هو الذي انتهى إليها من حقها مما جاء من قِبَله. والمسألة على وجه العموم -أيها الإخوة- كما قلنا: بالمعروف، ينبغي أن يكون كل شيء بالمعروف، والزوج لا يحتاج أن يقول: أمشي على ما ذكر الفقهاء من الواجب، وما لي إلا واجب، نقول: لا، إذا أعطاك الله ويسَّر عليك وسِّع عليها، وأنت مأجور في كل ما تنفقه عليها، وكل ما توسِّع به على أهلك، وخصوصاً في الأعياد، لِمَا هو في معنى العيد من التوسعة على الأولاد، والأهل، والزوجة، التوسعة عليهم بالهدايا، بالطعام، بالكسوة، بالذهب، والحلي، يوسع عليها. ولذلك ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن مَن جعل يوماً معيناً يوسع فيه على أهله، يعود ويتكرر، يوسع فيه ويعطيهم نفقات وأشياء، فإنه في معنى العيد، ويكون هذا التعيين محرماً، مثل ما يحدث في بعض الاحتفالات التي يسمونها الآن بـ (القِرْقِيْعان)، والتي سنأتي عليها في هذه الأيام، ترى بعض الآباء يشترون للأولاد هدايا وتوسيعات، حقوقاً وأشياء، ويفرحونهم بهذا اليوم المعين، وهو الخامس عشر من رمضان أو الرابع عشر أو قبله أو كذا، ويُجعل احتفالاً ويُجعل فرحةً للأولاد في يوم معين، ويُشترى فيه أشياء وأكسية معينة للـ (قِرْقِيْعان)، وحلويات معينة، ومكسرات معينة لأجله، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للإفتاء، برئاسة سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز فتوى بتحريم الاحتفال بهذا، وقطع الطريق على من يريد إضافة أعياد أخرى حتى على مستوى الأطفال، بل إن فرحة الأطفال بـ (القِرْقِيْعان) هذا أشد من فرحتهم بعيد الفطر والأضحى في بعض الحالات، ثم إنه طبعاً صار وسيلة للرقص، وعرض المحرمات، ومشاركة البنات الكبيرات، وصارت مؤخراً -يا جماعة- احتفالات في الفنادق، حفلة (قِرْقِيْعان) في الفندق الفلاني، ونساء وبنات كبيرات. فانظروا ما يجر إليه الشر، يجر بعضُه بعضاً! وتنمو هذه الأشياء وتكثر! وتأسَّسَ عيدٌ عند الناس، وهكذا تكون البِدَع، وتستشري، وتستفحل. نسأل الله السلامة والعافية. ومن تأمل في الواقع عَرَف كيف يؤتى المسلمون من إحياء هذه الأمور التي يجب أن تمر كأي يوم آخر، ولا يكون التوسعة والفرحة والعيد الذي يعود ويتكرر إلا الفطر والأضحى. هذا نهاية الكلام عن موضوع نفقة الزوجة. نسأل الله أن يجعلنا من الكرماء الأوفياء القائمين بحقوق الزوجات والأولاد. والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 1136

وصايا من الله في العشرة الزوجية إن المتأمل في آيات كتاب الله يجد فيها توجيهات كثيرة تتجلى فوائدها في معالجة الواقع، من هذه الآيات آيتان في سورة النساء يبين الله فيهما قوامة الرجل والحكمة من جعل القوامة والسيادة للرجل، ويبين صفات المرأة المسلمة، ثم يتطرق إلى قضية من القضايا الزوجية وهي النشوز، واضعاً الأساليب والطرق لعلاجها.

стр. 1137

الرجال قوامون على النساء (الحكم والأسباب) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ الآية) [النساء:٣٤] ومعنى قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] أن الرجل هو القائم على المرأة، ويجب على المرأة أن تطيعه فيما يأمرها به بالمعروف، فإن طاعة المرأة للرجل ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بحديثه ﷺ (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وطاعة المرأة للرجل واجبة إذا كانت بالمعروف، فإذا أمرها بأمر ليس فيه إثمٌ، وجب عليها أن تطيعه.

стр. 1138

الحكمة من جعل الرجل هو السيد ولا يصلح حال البيوت إلا إذا صار الرجل هو السيد، ولذلك يخطئ كثير من الناس الذين يقولون: السيدات والسادة، فإن سيد المرأة هو الرجل وهو سيد البيت، أما المرأة فإنها لا تكون سيدةً؛ لأن السيد هو الذي يسود، والمرأة لا تكون سيدة على زوجها، ولكنها قد تملك عبداً، فتكون هي سيدة ذلك العبد، وإما إطلاق السيدة على المرأة، فهو من الإطلاقات البدعية المخالفة للكتاب والسنة. وقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] يعطي معنى السيادة للرجل بالمعروف، إذ أن الله تعالى جعل فيه من المزايا ما يكون به أهلاً للسيادة في الغالب، ولذلك يقول النبي ﷺ : (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري عن ابن عمر ﵄، فإذا جعل الرجال أمرهم إلى امرأة، فإن أمرهم إلى زوال وتباب، ولن يفلحوا. وقد يكون في بعض النساء رجاحة في العقل وفطنة وذكاء، ولكنها لا تزال تحيض ويقع لها في النفاس، وتكون معرضة لأنواع الضعف النفسي والعاطفي والجسمي بما لا تصلح معه أن تكون هي القائمة بالأمر مهما كان ذكاؤها وفطنتها. ولأن المرأة مطمعٌ للطامعين، ومجالٌ لعبث العابثين، وهدفٌ لأصحاب الشهوات من أولياء الشياطين، جعل الله تعالى الرجل حامياً لها وحافظاً، فجعل الأب ولياً، والزوج سيداً، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم يقوم عليها ويحفظها؛ لأن سفرها بغير محرم يجعلها عرضةً للطامعين وأهل الشهوات، وتكون هي أيضاً معرضة للانحراف، فإذا أمن منها لم يؤمن عليها، ولذلك أحاطت الشريعة المرأة بحماية الرجل فقال الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤].

стр. 1139

فضل الله الرجل على المرأة بمزايا هي من أسباب القوامة لقد بين الله السبب الذي من أجله جعل الرجل قائماً على المرأة، فقال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤] استحقوا هذه المزية بتفضيل الله للرجال على النساء بما فضلهم به من الصفات في العقول والأجسام، فأما من جهة العقل فإن الرجل غالباً هو الأعقل -مع وجود نساء أعقل من بعض الرجال، ولكن الحكم للأعم الأغلب، والشريعة لا تأتي بالحكم للنادر والقليل- بما جعل الله للرجل من العقل الراجح على المرأة، وكذلك الجسم، ولذلك كان الغزاة وقواد الجيوش، والحكّام، والأمراء، والخلفاء في الشريعة الإسلامية جميعاً من الرجال، فلا يجوز في الإسلام أن تكون المرأة هي الخليفة، أو الحاكم، أو الأمير، أو القاضي، فلابد أن يكون الرجل هو الذي يتولى هذه الأمور، والجهاد في الإسلام على الرجال، والمرأة تؤدي أدواراً جانبية في الجهاد كمداواة الجرحى، والسقي إذا أمنت الفتنة، وربما تضطر المرأة أحياناً لحمل السلاح في الحالات الاضطرارية، لكن أن نجعل هناك جيشاً من النساء، فهذا ليس من شريعة الله، ولذلك قال النبي ﷺ : (الحج جهاد كل ضعيف) وفي الرواية الأخرى الصحيحة (جهادكن الحج) لأن المرأة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن الله فضل الرجال بكذا وكذا، ويجاهدون معك، فماذا لنا نحن من الجهاد؟ فالنبي ﷺ قال: (جهادكن الحج) فجعل الحج هو جهاد النساء. إن المرأة مكفية محمية، والعتب على الرجال الذين يضيعون نساءهم، فلا يقومون بأمرهن، وربما تركها الواحد تسافر بغير محرم، أو يهجر البيت ويسافر فترة طويلة، وربما تكون المرأة معرضة لمن يسطو على البيت، أو يقتحم البيت ونحو ذلك، فنقول: لا يجوز ذلك، والنبي ﷺ قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) فالعتب على بعض الذين يخرجون بحجة الدعوة ويتركون نساءهم في البيوت مضطرات إلى الأجانب، فتركب سيارة أجرة بمفردها، أو تذهب لشراء الأغراض بمفردها، وقد تكون وحيدة في البيت، أو معها أولاد صغار لا تأمن على نفسها، فهذا من التضييع المحرم ولا شك، ولذلك كان عمر ﵁ وأرضاه لا يؤخر الزوج عن زوجته في الجهاد أكثر من أربعة أشهر أو ستة؛ على خلاف بين أهل العلم في المدة القصوى في ابتعاد الرجل عن زوجته، وكم تتحمل المرأة من فراق الزوج، ولذلك كان الذين يهجرون زوجاتهم فترات طويلة من الزمن متسببين في وقوع الزوجات في الفاحشة والحرام، وهذا واضحٌ في زمننا أشد الوضوح، فإنك لا تزال تسمع عن القصص الكثيرة المؤلمة والمأساوية التي وقع فيها عدد من النساء في الحرام، نتيجة هجر الزوج لزوجته، أو ترك البيت، أو السفر الطويل، فكان لابد من المحافظة على الزوجة. ويوجد بعض العمال الذين يذهبون للعمل والوظائف في البلدان الأخرى ملزمين في الشريعة باستئذان زوجاتهم إذا أرادوا الغياب عنهن أكثر من أربعة أشهر أو ستة، فإذا كان عقده سنوياً، ولا يأخذ إجازة إلا شهراً في السنة، وأحياناً لا يأخذها إلا كل سنتين مرة، فما حكم غيابه عن زوجته؟ الجواب حرام لا يجوز إلا إذا وافقت الزوجة، ولم يكن عليها ضرر، ولا فتنة، ويجب عليه أن يستأذنها، فيقول: إني أريد الغياب في طلب الرزق أكثر من ستة أشهر، فهل تسمحين لي بذلك؟ فإن سمحت بهذا الغياب الطويل، وكانت في مكان آمن وليس عليها خوف من فتنة، جاز له هذا السفر الطويل، وإلا لم يجز، ولزمه أن يعود إليها.

стр. 1140

النفقة على الزوجة من أسباب القوامة قال الله تعالى في سبب تفضيل الرجال على النساء: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فالله تعالى جعل الرجل هو الذي يعمل وينفق ويكسب، وأوجب النفقة عليه، ولذلك يلزم القاضي الرجل البخيل، أو الذي لا يعطي زوجته النفقة بإخراج النفقة، وتعتبر النفقة ديناً إذا عجز عنها، ويمكن أن تطالب به المرأة. والنفقة لا حد لها في الشريعة بمبلغ معين، ولكنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] فينفق عليها بالمعروف، فيشتري لها طعامها الذي تحتاجه، ولباسها الذي تحتاجه، ويهيئ لها سكنها الذي تحتاجه، وبالجملة فحاجات النساء متعددة، فيجب عليه أن ينفق عليها بالمعروف، وأن يكسوها بالمعروف، وأن يطعمها بالمعروف. فإذا بخل ومنع النفقة الواجبة وتركها وأولادها دون مال وطعام، أو دون كسوة بالمعروف، فإن لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه، وقد رخص لها الشارع في الأخذ من ماله بغير إذنه، ولذلك قال ﷺ للمرأة الصحابية: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) أي: من وراء الرجل إذا كان بخيلاً، أما إذا كان يعطيها، فلا يجوز لها أن تأخذ من ماله شيئاً، ولا أن تتصدق بطعامه الذي يشتريه للبيت إلا بعد إذنه، فإذا علمت أنه يسمح بالتصدق بالطعام -والنبي ﷺ قال (ذلكم أفضل أموالنا) - فيجوز لها أن تتصدق به، وإلا فلا بد من استئذانه. فتبين أنه يجب على المرأة أن تطيع الرجل؛ لأنه ينفق عليها، ولأنه قوامٌ عليها، وهو سيدها وبيده عصمتها وطلاقها، ولذلك قال النبي ﷺ (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان) يعني: أسيرات، جمع عانٍ، وقال النبي ﷺ (فكوا العاني) والعاني هو: الأسير. فلما أوجب عليه النفقة أوجب له الطاعة، ولذلك كانت المرأة التي لا تطيع زوجها محرومة من النفقة في الشريعة، فلو أنها خرجت من بيته بغير إذنه وذهبت إلى بيت أهلها وعصته ولم ترجع، فليس لها قرش واحد، ولا يجب عليه النفقة عليها، ولا أن يرسل لها بالمصروف إلى بيت أهلها، لأنها نشزت أي: خرجت عن الطاعة، إذ خرجت من بيت الزوجية بغير إذنه، فإذا هجرته وتركته وخرجت، فليس لها مصروف ولا نفقة، ويختلف الأمر فيما لو كان هو الذي طردها فقد يرسل لها لإصلاح الأوضاع، أو لإزالة حنقها، أو لتأليف قلبها، لكن لا يجب عليه ذلك، ولذلك فإن موضوع النفقة في الإسلام موضوع مهم، يجب معرفة حدوده وضوابطه، وقد تكلم العلماء في موضوع النفقة في تفصيلات كثيرة، ولا يزال موضوع النفقة من الأشياء التي يحصل فيها الخلاف بين الرجال والنساء، والتي هي مثار لكثير من الخلافات الزوجية، فإنك لو تتبعت أسباب الخلافات الزوجية، لوجدت أن من أسباب الخلافات الزوجية الخلاف على النفقة، فقد تقول هي: أنت لا تعطيني إلا القليل، ويقول هو: أعطيك ما يكفيك وزيادة، فيختلفان في النفقة.

стр. 1141

معاشرة النساء وحكم توظيفهن والأخذ من رواتبهن ونلاحظ أيضاً أن المرأة عندما تكون موظفة، فإنها تدخل في شيء من حق الرجل، أو من ميزة الرجل، الرجل مكلف بالنفقة، فعندما تكون موظفة ولها راتب، فكأنها تزاحمه في موضوع النفقات، ولذلك تحصل الاحتكاكات والمشاكل، ويقول لها: ادفعي راتب الخدامة عليك إيجار البيت فواتير الهاتف عليك، ادفعي معي نصف الإيجار، ملابسك تشتريها من نفسك، فيحصل التنازع والخصام.

стр. 1142

أصل النفقة على الزوج وإن كانت المرأة موسرة فإذا قال الإنسان: ما حكم الإنفاق في هذه الحالة أي: لو كانت الزوجة موظفة، وربما تأخذ راتباً أكثر من زوجها، فهي مدرسة لها في الخدمة كذا سنة، وهي تستلم ثمانية آلاف ريال، وهو موظف على المرتبة الرابعة، أو الخامسة لا يقارب راتبه خمسة آلاف، فراتبها ضعف راتبه أو حول ذلك، فما حكم الإنفاق في هذه الحالة؟ الجواب لا يزال الإنفاق على الرجل، ولم يجعل الله على الزوجة نفقة ولو كانت غنية، هب أنه تزوج ابنة رجل غني فمات، فورثت عن أبيها عشرات الملايين، وهو يأخذ بضعة آلاف لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، فلا زالت النفقة على الزوج ولو كانت الزوجة غنية، ولذلك يقول الله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] ولا يجب على الزوجة لو قال لها: ادفعي الإيجار الفواتير أو راتب الخدامة ونحوها من مصاريف البيت، فتقول: لست ملزمة بذلك، ولها الحق في ذلك، لكنها تخرج من البيت للعمل، ويجوز للزوج أن يمنعها من الخروج، صحيح أنها غير ملزمة بالنفقة، ولا الاشتراك في النفقة، لكنها تخرج من البيت للعمل، فيجوز للزوج أن يمنعها منه إلا إذا كان شرطاً في العقد، فلو اصطلحا فقال لها: أتركك تخرجين للعمل مقابل المشاركة في النفقة، جاز هذا الصلح، بما أنه يحق له أن يمنعها من العمل والخروج إلى العمل، وبما أنها لا يجب عليها النفقة، فلو قال لها: أنت تخرجين من البيت وهذا يلحق بي ضرراً، فأنا أعود قبلك أحياناً من العمل، وأعود ولا أجد طعاماً جاهزاً، وأعود فأجدك متعبة منهكة، والأولاد ليسوا في رعايتك في الفترة الصباحية، وهذا لا شك أن فيه ضرراً.

стр. 1143

الأصل ألا تعمل المرأة إلا لحاجة والبيت أفضل ولا ينصح بعمل المرأة إلا للحاجة، فما خرجت بنتا الرجل الصالح إلا للحاجة قال الله: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] لولا أنه كبير لا يستطيع الرعي ما خرجنا، أي: نحن خرجنا اضطرارً للعمل، ولذلك فكثير من النساء في الحقيقة مخطئات أشد الخطأ عندما يخرجن للعمل للتسلية، أو لتبوء المكانة الاجتماعية التي تظن الواحدة منهن أن هذه المكانة المرموقة هي إثبات للجدارة، وإثبات للوجود في الوظيفة وهذا كلام فارغ وغير شرعي، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ولذلك لا تخرج إلا للحاجة، كأن تساعد زوجها كما كانت تخرج بعض النساء للزرع والرعي مساعدة للزوج، وابنتما الرجل الصالح خرجتا لمساعدة الأب غير القادر على الإنفاق، أو أباها، فقد يكون الأب مريضاً، قد يكون طاعناً في السن، قد يكون مشلولاً وليس عنده ذكور، أو عنده ذكور، لكنهم عاقون لأبيهم، فالأب والأم، والأولاد الصغار، بل البيت قائم على هذه البنت الموظفة، هذه امرأة مأجورة في الحقيقة إذا خرجت تعمل لأنها تقوم بأمر بيت هي التي تنفق عليه، لأن البقية الذين في البيت لا يستطيعون النفقة، فيكون خروجها محموداً شرعياً وهي مأجورة عليه، لكن إذا خرجت للتسلية، أو لإثبات الجدارة، أو لتبوء المكانة كما يقولون فهي مخطئة، وقد أتت الأمر على غير وجهه الشرعي، لأنه ليس للمرأة الخروج من البيت للتسلية في العمل، أو لإثبات الجدارة، ولذلك تجد بعض النساء تريد أن تعمل بأي طريقة ولو بخمسمائة ريال المهم أنها تعمل، ويصير اسمها موظفة، وأصبح جلوس المرأة في بيتها عيباً، وجلوسها بعد خروجها من الكلية يعتبر سلبية وطاقة معطلة. وسبحان الله العظيم! جعل الله البنت عند الأب -لو حصل انفصال بين الزوج وزوجته- قبل البلوغ لأجل أن تستعد للخاطب إذا جاء، فالله جعل البنت عند البلوغ لا هم لها إلا انتظار الزوج القادم، لا وظيفة، ولا شيء، والعمل الأساسي للمرأة أنها تقوم بالبيت، زوجة، وأم وحارسة للقلعة، وليست مسئولة عن الوظائف والإنفاقات والماديات أبداً. ثم إن كثيراً من النساء اللاتي يخرجن للوظائف إنما ينفقن جزءاً كبيراً من الراتب في الموضات والأزياء، وأدوات الزينة والتجميل، فتخرج بما كره لها الشرع الخروج فيه لتضع المال فيما كره لها الشرع أن تضعه فيه، تخرج بطريقة لا تحمد شرعاً، وتضع المال في شيء لا يحمد شرعاً، ولذلك تجد العاقلات من النساء في الإنفاق من الموظفات قليلات، ومن هنا جعلت الشريعة الإنفاق على الرجل، وهو الذي يعرف أوجه الإنفاق أكثر من المرأة. والحاصل أن خروج المرأة له ضوابط، ويجوز أن يصطلح الرجل وزوجته الموظفة على قدر من المال تنفقه؛ كأن يكون عليها نصف إيجار البيت، أو نصف المصروف، أو ربع المصروف، أو تعطي زوجها نصف الراتب، أو ربع الراتب بحيث يسمح لها بالعمل، وهذا جائز شرعاً، فيجوز الاتفاق على مثل هذا مقابل خروجها من البيت، وما يتسبب من ذلك من تعطيل حق الزوج.

стр. 1144

صفات المرأة المسلمة قال الله : ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ [النساء:٣٤] قانتات أي: مطيعات لله، ثم مطيعات للأزواج، قائمات بما يجب عليهن من حقوق الله وحقوق الأزواج. ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤] وهو الشيء المخفي، أي: عند غيبة الزوج، فإذا غاب عنها الرقيب حفظت نفسها وفرجها وولدها وبيتها ومال زوجها، قال الله في ذكر صفات المرأة الصالحة: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] يعني: بحفظ الله ومعونته، فإنها لا تستطيع أن تحفظ عفتها ونفسها ومال زوجها وأولاده إلا إذا أعانها الله على ذلك فالحفظ الحقيقي من الله ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾ [يوسف:٦٤]. والعبد يقوم بما عليه من الحفظ ضمن حفظ الله تعالى، فهذه صفات المرأة الصالحة: ﴿قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤] فلو وجدت لك امرأة قانتة، مطيعة لله، قائمة بأمر الله، محافظة على الصلوات وما طلب الله منها من الحجاب، قانتة لله، عندها أمانة في دينها، وفي حفظ عفتها ومال زوجها وولده، فارج خيراً منها، فلخص الله صفات الزوجة الصالحة بقوله: ﴿قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء:٣٤].

стр. 1145

من أحكام النشوز ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] انتقل بعد ذلك لبيان حال غير الصالحة إذا طرأ خلل في صلاحها، أو نقصٌ في حالها من جهة الزوج، فتمردت عليه وعصته. ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] والنشوز هو العصيان، وقالوا: نشزت المرأة إذا استعصت على بعلها بأن تعصيه ولا تطيع أمره، أو تخرج من بيته بغير إذنه، أو تمنعه نفسها بلا عذر. وللنشوز صور كثيرة: فخروجها من بيت زوجها بغير إذنه نشوز، ومنعه نفسها بدون عذر شرعي نشوز، وإنفاق ماله في غير ما أمرها به نشوز، أمرها بأن تعمل بالمعروف فرفضت إذا قلنا أن الخدمة واجبة عليها، فقالت: لا أطبخ طعامك، ولا أنظف بيتك، ولا أغسل ثيابك، ولا أقوم بأطفالك، دبر نفسك، اشتر لك غسالة وخدّامة، واشتر الأكل من المطعم، وهذا نشوز، هذه صور واضحة من صور النشوز، فإذا حصل هذا، فما هو موقف الزوج شرعاً؟ وهل يلجأ مباشرة إلى الطلاق بالثلاث مثلاً؟ الجواب لا. فقد جعل له الشارع طرقاً وأساليب منها:

стр. 1146

وعظ المرأة الناشز أولاً أولاً: يقول الله : ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]. الإجراء الأول تذكيرها بما أوجب الله عليها من الطاعة وحسن العشرة والترغيب والترهيب، فيقول لها مثلاً: اتقي الله يا امرأة! إن الله وعد المؤمنات اللاتي يطعن أزواجهن، فقد ذكر النبي ﷺ أنهن من أهل الجنة بأن قال: (من عبدت ربها، وأطاعت زوجها، وحفظت فرجها، قيل لها: ادخلي الجنة) (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناهن على ولد في صغره، وأرعاهن للزوج بما في ذات يده) فحنو المرأة على الطفل، ورعايتها لمال الزوج من الخصائص العظيمة التي تميزت بها نساء قريش الصالحات، واشترك معهن من اشترك بتفاوت من بقية الصالحات من غير قريش. فتذكر ميزة المرأة إذا أطاعت زوجها، وتُذكر أيضاً بعقابها إذا لم تطعه، وأنها إذا تخلفت عن فراشه وقد دعاها لغير عذر، فإن ربها يغضب عليها ويسخط عليها وتلعنها الملائكة، فتوعظ هذا الوعظ ترغيباً وترهيباً، ترغيباً فيما لها إذا أطاعت، وترهيباً فيما لها إذا عصت، فإذا لم ينفع ذلك، فينتقل إلى إجراء أشد، لكن ليس هو الإجراء النهائي.

стр. 1147

هجر الناشز شرعاً إن لم تتعظ ثانياً: يقول الله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] أي: تباعدوا عن مضاجعتهن، قيل: أن يوليها ظهره في الفراش، وقيل: أن يغادر الفراش وينام في غرفة أخرى مثلاً، وقيل: ألا يكلمها: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] وإذا لم يفد هذا الهجر مع أنه يؤثر في المرأة أن يتركها زوجها، طبعاً الترك المعروف، أما الهجر بغير معروف، فحرام، فبعض الرجال ظالماٌ في الهجر؛ يهجر زوجته فترة طويلة جداً مما يتسبب في وقوعها في الفاحشة، أو تعريضها للأذى النفسي البالغ، فالذي يهجر لأتفه الأسباب، أو يهجر وهو المخطئ المعتدي، ثم يقول: اعتذري! أو يفارق البيت ويتركها وحدها في البيت فهو ظالم، لكن إذا كانت هي الظالمة بعد الوعظ فيهجرها في المضجع.

стр. 1148

ضرب الناشز للتأديب ضرباً غير مبرح ثالثاً: فإن لم يفد الهجران في المضجع، ينتقل بعد ذلك إلى الضرب، قال : ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] وهذا الضرب ليس ضرب انتقام وطغيان، وإنما هو ضرب تأديب وإصلاح، وإذا كان ضرب تأديب وإصلاح وليس ضرب تخريب وعدوان، فمعنى ذلك أنه لن يكون فيه كسر عظم، ولا إراقة دم، ولا ضرب على الوجه -ولا يجوز الضرب على الوجه أبداً- فقد يسبب عاهة، قد يذهب بسمعٍ أو بصرٍ، وبعض الرجال كثيراً ما يخطئون في الضرب، فيتعدى في الضرب، وقد يضرب بسلك، أو حديدة، أو قطعة من الخشب، وقد يكون عنده حزام أسود في الكاراتيه، أو في غيرها من الألعاب، فيمارس بعض ما تدربه على زوجته، فهذا الرجل ظالم ولا شك؛ لأن الضرب بهذه الكيفية ليس هو المقصود، فليس مقصود الشارع الضرب بالعنف، وإنما هو ضرب تأديب وإصلاح. ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٣٤] أي: فإذا سلمت المرأة وأطاعت بعد هذه الإجراءات سواءً بعد الوعظ، أو بعد الهجر، أو بعد الضرب ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤] فإذا تركن النشوز فلا يجوز البغي عليهن، ولا يجوز الهجر ولا الضرب ما دامت قد أطاعت ورجعت إلى رشدها، ثم ختم الله الآية باسمين كريمين مناسبين للواقع، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:٣٤] فإذا أنت أعلى من المرأة فالله أعلى منك، وإذا أنت أكبر من المرأة، فالله أكبر، فانظر كيف انتهت الآية، قال: ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:٣٤] فانتهاء الآيات مناسبة للموضوع، وما فيها من المعاني وهذه حكمة بالغة وبلاغة قرآنية عالية؛ فيا أيها الزوج لا تبغ؛ فإن هناك من هو أقوى منك، ولا تستعلِ فهناك من هو أعلى منك، ولا تستكبر فهناك من هو أكبر منك: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء:٣٤].

стр. 1149

بعث حكمين للإصلاح من أهل الزوجين ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء:٣٥] يعني: تفاقم الخلاف، ولم تؤد المسألة إلى نتيجة إيجابية، وازدادت الهوة يبنهما واتسعت الشقة، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، أي: ابعثوا إلى الزوجين حكماً من أهلها وحكماً من أهله، حكماً يحكم بينهما ممن يصلح لذلك عقلاً وإنصافاً، فلا تبعث أحمق لا يحسن التصرف، أو متهور لا يصلح أن يكون حكماً، فإن الحكم لا بد أن يكون منصفاً عاقلاً صاحب دين: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] ولم يقل: حكماً خارجياً كإمام المسجد؛ لأن الحكم الذي من أهله والحكم الذي من أهلها سيكونان قريبين من موقع المشكلة ومعرفة الخلاف، لأن القضايا الداخلية لا يطلع عليها من في الخارج، ولأنه في الغالب يكون متابعاً لتطورات المشكلة، فمثلاً: لو كان عمها يسمع أخبارها مع زوجها؛ أخوه أو أبوه يسمع عن أخباره مع زوجته، لكن الأجنبي الخارجي قد لا يسمع شيئاً ولم يعايش المشكلة، ولا يعرف تفاصيلها، ولا يعرف الأطوار التي مرت بها المشكلة، ومعرفة الأطوار والخلفية التاريخية مهم في أي مشكلة، فلذلك قال: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] لأنهما أعرف بأحوال الزوجين. ثانياً: أنهما أحفظ لأسرار الزوجين، لأن الغريب لو جيء به لربما يخطب بهما خطبة الجمعة، أو يدلي بالتصريح في المجالس عما حصل بين فلان وفلانة، وأما إن كان من داخل العائلة، فإنه يكون في الغالب حافظاً للأسرار، لأنه لا يريد أن يمس سمعة العائلة بسوء، ولا يريد أن تنتشر الأخبار السيئة عن العائلة، فهذه هي الحكمة في أن يكون الحكمان من أهله وأهلها والله أعلم. قال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] يسعيان في الإصلاح، ويبذلان جهدهما في ذلك، فمثلاً: إذا كان الخلاف عن النفقة، يقول: يعطيها خمسمائة، وتقول: أريد ألفاً، فيجتمع الحكمان، فينظران في احتياجات الزوجة، وكم هو الإنفاق بالمعروف حسب حاله ومرتبه ودخله مثلاً، وحسب أسعار السوق وتكاليف المعيشة، فيحكمان بنفقةٍ متوسطةٍ، إن كان ما قاله الزوج حق، يقولان لها: ليس لك إلا ما يعطيك الزوج، ولو كان الزوج يعطيها قليلاً، يقولان له: زد قليلاً، فاجعل لها كذا وكذا، ويكتبان ذلك ويشهدان عليه إن رأياً كتابته والإشهاد عليه. لكن متى يحصل التوفيق بينهما؟ بشرط مهم جداً ذكره الله تعالى وهو: حسن نية الحكمين، فقال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] إذا كانت نيتهما طيبة، يريدان إصلاحاً بين الزوجين يوفق الله بينهما، فتعود الألفة وحسن العشرة إليهما، لكن إذا لم يريدا الإصلاح، اختلف الحكمان قبل أن يوفقا بين الزوجين، وستتسع دائرة الخلاف، وينظم كل واحد منهما إلى صاحبه أو إلى قريبه، وتتسع دائرة المشكلة، وسنحتاج إلى من يصلح بين الحكمين، ولذلك قال: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] فانعكست النية الطيبة للحكمين على الزوجين، لأن الخلاف بين الزوجين. هذا مثال على أن النية الحسنة يكون لها أثر حسن في إزالة المشكلات، ولا شك أن الحكمين لهما أجرٌ عظيمٌ إذا أرادا إصلاحاً، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] فلا شك أن المصلح بين المتخاصمين له أجرٌ عظيمٌ، وهو من الذين يسعون بالخير، ولا شك أن الساعي بالخير مأجورٌ أجراً عظيماً عند الله، وهذا نفعه متعد وليس نفعه على نفسه فقط، وقد يكون إنقاذ البيت على يديهما، وتعود الألفة بسببهما، ويأخذان الأجر العظيم من الله تعالى، ويجوز لهما حتى الكذب، لو اضطرا إليه واحتاجاه للإصلاح، لأنه لا يعتبر كاذباً الذي يصلح بين متخاصمين. فهذه بعض من توجيهات الله تعالى الحكيمة التي تتجلى فوائدها في الواقع لمن تأملها في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة النساء، في هاتين الآيتين بيَّن قوامة الرجل، ولماذا صار هو السيد عليها، وصفات الزوجة الصالحة، وما هي الإجراءات التي يفعلها الرجل إذا نشزت زوجته، ثم الكلام عن الإصلاح بين الزوجين، والتوسع فيه مجال كبير في الكلام عن قضية القوامة، وقضية النفقة، وقضية النشوز، وقضية الإصلاح بين الزوجين، وهذه من الموضوعات التي ينبغي أن تطرق، لأن المجتمع فيه كثير من هذه الخلافات، ثم إذا حصل التفكك الأسري، يتبعه حصول الفواحش وانتشارها، ووقوع الخراب والدمار، وتفرق العائلة، وتشتت الأولاد، ولا شك أن ذلك سيترك مخلفات نفسية سيئة جداً على الجميع. نكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1150

ماذا ينقصنا ؟ في هذا الدرس تحدث الشيخ عن بعض الأشياء التي تنقص المسلمين في واقعهم، وركز على أهمية توافرها في حياة الأمة والفرد، ومن تلك: الإخلاص القدوات الثبات العلم الشرعي الأخلاق وحسن المعاملة التربية الاعتزاز بالإسلام الرجولة وغيرها.

стр. 1151

الإخلاص الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحياكم الله ومرحباً وأهلاً في هذا البيت من بيوت الله، ونسأل الله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا شقياً ولا محروماً: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:١٢٦]. أيها الإخوة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، عنوان درسنا إن شاء الله "ماذا ينقصنا؟ " ولقد تأملت في النواقص التي تنقصنا نحن المسلمين، وفكرت في هذا العنوان، فرأيت أن الذي ينقصنا من كثرته لا يحصى، وأنه لعل الأجدى أن نفكر فيما يوجد عندنا، فهو أسهل في الحصر، وأما ما ينقص، فيصعب حصره من كثرته، ولكن من باب المحاسبة لأنفسنا؛ تعالوا نفكر في شيء مما ينقصنا؛ لنحاول الاستدراك وتحصيل بعض المطلوب، وقد قال الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ماذا ينقصنا؟ أول ما يخطر في البال مما ينقصنا تحقيق الإخلاص لله ، الإخلاص مسألة المسائل وأصل الأصول، الإخلاص الذي إذا حصله الإنسان المسلم؛ صلح حاله في كل شيء.

стр. 1152

أقوال السلف في الإخلاص قال الشيخ ابن سعدي ﵀: يتعين على أهل العلم من المتعلمين والمعلمين، أن يجعلوا أساس أمرهم الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص التام، والتقرب إلى الله تعالى بهذه العبادة التي هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها نفعاً، ويتفقد هذا الأصل النافع في كل دقيق وجليل من أمورهم، فإن درسوا، أو دارسوا، أو بحثوا، أو ناظروا، أو أسمعوا، أو استمعوا، أو كتبوا، أو حفظوا، أو كرروا دروسهم الخاصة، أو راجعوا عليها أو على غيرها الكتب الأخرى، أو جلسوا مجلس علم، أو نقلوا أقدامهم في مجالس العلم، أو اشتروا كتباً، أو ما يعين على العلم، كان الإخلاص لله واحتساب أجره وثوابه ملازماً لهم؛ ليصير اشتغالهم كله قوةً وطاعةً، وسيراً إلى الله وإلى كرامته، وليتحققوا بقوله ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له طريقاً إلى الجنة) أخرجه مسلم؛ فكل طريق حسيٍ أو معنويٍ يسلكه أهل العلم يعين على العلم أو يحصله؛ فإنه داخل في هذا. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً، وقال ابن أبي مليكة: [أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل] ويُذكر عن الحسن: [ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق]. ما خاف عذاب الله إلا مؤمن، ولا أمن عذاب الله إلا منافق، هذا بعض ما ورد عن السلف مما يدفعنا إلى الحرص على الإخلاص، ومجاهدة النفس في سبيل الوصول إليه.

стр. 1153

الطريق إلى الإخلاص وهنا يأتي السؤال المهم: ما الطريق إلى الإخلاص؟ كيف نحصل الإخلاص؟ هذا السؤال يجيبنا عليه العلامة ابن القيم ﵀، فيقول: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، الضب والحوت -فالضب يسكن في الصحراء والحوت يكون في الماء- فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولاً، فاذبحه بسكين اليأس، عليك بالإياس مما في أيدي الناس، ولا ترجو على عملك الصالح شيئاً دنيوياً، اقطع الطمع من الدنيا بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء، فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؛ سهل عليك الإخلاص، فإن قلت: وما الذي يسهل عليَّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقيناً أنه ليس من شيء يُطمع فيه إلا وهو بيد الله وحده، لا يملكه غيره، ولا يؤتي العبد منها شيئاً، ولا يؤتي العبد منها إلا ما أراد. وأما الزهد في الثناء والمدح، فيسهله عليك علمك أنه ليس أحدٌ ينفع مدحه ويضر ذمه إلا الله وحده. كما ذكر ذلك الأعرابي للنبي ﵊: إن مدحي زينٌ، وإن ذمي شينٌ، فقال: (ذلك الله ، الذي مدحه زين، وذمه شين). إذا مدح الله أحداً، كان زيناً، وإذا ذم أحداً؛ كان شيناً على هذا المذموم. فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه، وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين؛ كنت كمن أراد السفر في البحر بغير مركب، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].

стр. 1154

علامات الإخلاص ما هي العلامات التي يعرف بها العبد أنه مخلص؟ إذا كان يراقب الله في أعماله، ويحتسب الأجر في أفعاله وأقواله، ويعمل بعلمه، وينصر سنة نبيه ﷺ ، ويقمع البدعة، ويحلي باطنه، ويزكي نفسه، ويحس بقربه من الله، وأن قلبه منير، فعند ذلك هو إذاً من المخلصين. كان الصالحون يدخرون أعمالاً معينة عظيمة لآخرتهم، يقول ابن كثير ﵀ عن السلطان عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب ملك دمشق والشام، يقول: لما توفي أبوه كان شجاعاً باسلاً عالماً فاضلاً، هذا الرجل تولى بعد أبيه، وكان شجاعاً باسلاً عالماً فاضلاً، اشتغل بالفقه على مذهب أبي حنيفة، وفي اللغة والنحو على التاج الكندي، وكان قد أمر أن يُجمع له كتاب في اللغة يشمل الصحاح للجوهري والجمهرة لـ ابن جريج والتهذيب للأزهري، وأمر أن يرتب له مسند الإمام أحمد، وكان يحب العلماء ويكرمهم ويجتهد في متابعة الخير، ويقول: أنا على عقيدة الطحاوي، وأوصى عند وفاته ألا يكفن إلا في البياض، وأن يلحد له، ولا يبنى عليه، وكان يقول: واقعة دمياط أدخرها عند الله تعالى، وأرجو أن يرحمني بها، يعني: أنه أبلى بها بلاءً حسناً رحمه الله تعالى، وقد جُمع له بين الشجاعة والبراعة والعلم ومحبة أهله. فالإنسان وكل واحد منا يحاول أن يعمل أعمالاً صالحةً يدخرها عند الله، هذه لآخرتي، هذه ليوم العطش الأكبر، هذه ليوم الخوف الأعظم، يعمل الصالحات ويدخرها للآخرة، اعمل وخبئ وادخر لذلك اليوم.

стр. 1155

القدوات أي شيء ينقصنا أيضاً بعد الإخلاص؟ ينقصنا -أيها الإخوة- القدوات، نحن في قحط في القدوات إلا من رحم الله فوفقه للقدوات: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] يؤتم به، قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤]. ما طلبوا ذلك للشهرة، وإنما طلبوه ليحصل لهم أجر الاقتداء، لماذا يريدون أن يكونوا أئمة يُقتدى بهم؟ ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤]؟ لكي يحصل لهم الأجر بالاقتداء: (من دل على هدى، كان له من الأجور مثل أجر من تبعه).

стр. 1156

أهمية القدوة وموقع القدوة خطيرٌ ومهمٌ، ولذلك فإن الإنسان إذا صار يُقتدى به؛ لا بد أن يلاحظ أعماله، ويحاسب نفسه على تصرفاته أكثر من أن يكون شخصاً عادياً، ولذلك أهل القدوة الحقيقيون لا يكاد يوجد عليهم مقال، [عن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود، فقالت: أنبئت أنك تنهى عن الواصلة -التي تصل الشعر- فقال: نعم، فقالت: أشيء تجده في كتاب الله، أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: أجده في كتاب الله وسمعته من رسول الله ﷺ ، فقالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف، فما وجدت فيه الذي تقول، فقال: فهل وجدت فيه، أي: في القرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]؟ قالت: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ : (نهى عن النامصة والواشرة، والواصلة والواشمة، إلا من داء) قالت المرأة: فلعله في بعض نسائك، سمعنا أن زوجتك تفعل شيئاً من هذا، فقال لها: ادخلي البيت وانظري إلى نسائي في البيت، فدخلت، ثم خرجت فلم تجد فيه شيئاً مما ذُكر] أي: من المنكرات في الأعراس، أو في غيره، فإن ذلك قدحٌ في خيره وصلاحه وعلمه، لأنه يجب عليه تغيير ذلك، وإن كان هذا في حق الناس كلهم ممنوعاً في النكاح وغيره، لكن في حق العدل آكد، لأنه إذا حضر شيئاً من هذا وما شاكله، ترتب عليه مفسدتان عظيمتان: إحداهما وهي أشدها: سقوط عدالته، ولا تقبل شهادته، لأن الإنسان إذا جاء إلى منكر وجلس، وجلوسه حرام، فهو مجاهر بجلوسه في المنكر، وجلوسه منكر. والثانية: أنه قدوة، فيقع العوام بسبب تعاطيه ذلك في اعتقاد جوازه في الشرع، فيكون ذلك سبباً للإحداث في الدين. إذاً موقع القدوة مهم، إذا جعلك الله يا أخي قدوةً إماماً أو مدرساً، أو في أي مكان أنت فيه قدوة، حتى لو كنت أباً لأولادك أنت قدوة في البيت، فاحرص كل الحرص أن تعطي القدوة حقها، فلا تفعل منكراً، ولا تأته، ولا تجلس في مكانه، لماذا قيل في الصلاة على المجاهر بالمعصية المصر عليها أن أهل العلم والفضل لا يصلون عليه؟ لو جيء برجل معروف بشرب الخمر، أو مات منتحراً، أو مات بالمخدرات، جيء به إلى شيخ إمام معروف، أو عالم، أو داعية مشهور، فينبغي ألا يصلي عليه، ويقول: صلوا على صاحبكم، لماذا؟ لأنه موقع القدوة.

стр. 1157

السلف في موقع القدوة نحن أيها الإخوة! ينقصنا قدوات، وينقصنا تحقيق موقع القدوة، قال الليث بن سعد: كنت في المدينة مع الحجاج وهي كثيرة السرجين، أي: الزِّبل من كثرة دواب الحجاج، فكنت ألبس خفين خفاً على خف، فإذا بلغت باب المسجد، نزعت أحدهما ودخلت، فقال يحيى بن سعيد الأنصاري: لا تفعل هذا، فإنك إمام منظور إليه، يريد لبس خف على خف، على مسألة بسيطة، قال: انتبه يا ليث أنت إمام ينظر إليك. وفي مجلس البخاري ﵀ رفع إنسان قذاة من لحيته وطرحها في الأرض في المسجد، قال الراوي: فرأيت محمد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس، رأيته مد يده ورفع القذاة من الأرض، فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد، أخرجها وطرحها في الأرض، فكأنه صان المسجد عما تصان عنه اللحية، فكان أبو عبد الله محط الأنظار، قدوة. ولذلك نقلت القصة، وكان هناك من يراقب ويشاهد، لأن هؤلاء أئمة، والإنسان إذا خالط القدوات يتعلم ويستفيد، ولذلك يقول أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀: زرت أحمد بن حنبل، فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقي، وأجلسني في صدر المجلس، فقلت: يا أبا عبد الله أليس يقال صاحب البيت، أو المجلس أحق بصدر بيته، أو مجلسه؟ قال: نعم، نعم هو أحق، لكن يقعد ويقعد من يريد، وأنا أردت أن أوثرك، فأقعدتك. فقلت في نفسي: خذ إليك أبا عبيد فائدة، ثم قلت: يا أبا عبد الله لو كنت آتيك على حق ما تستحق، لأتيتك كل يوم، فقال: لا تقل ذلك، فإن لي إخواناً لا ألقاهم في كل سنة إلا مرة، أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم، مع أني ما أراهم في السنة إلا مرة لبعد البلدان والانشغالات ونحو ذلك، لكني أحبهم أكثر من بعض الناس الذين أراهم يومياً، ذلك الغائب أحب إلي، قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد، أي: لا يلزم أن يكون من لا يرى باستمرار مكروهاً، أو أقل محبة. فلما أردت القيام، قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، قال: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار، ويؤخذ بركابه، قلت: يا أبا عبد الله من عن الشعبي؟ قال: ابن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي، قلت: يا أبا عبيد هذه الثالثة. نحن يا إخوان! ينقصنا الآن نقصاً حاداً جداً وجود القدوات، وجود القدوات في المدرسين والمدرسات، فهناك مدرس خلف سور المدرسة يدخن والطلاب في الطابور، وأخلاقه شرسة، ومدرسة تقول: الكعب العالي ممنوع يا بنات، واللباس لا بد أن يكون محتشماً، وهي كعب حذائها ارتفاعه كبير، والفتحة في تنورتها طويلة، وهناك أبٌ مقصرٌ في الصلاة ويريد من أولاده أن يصلوا، ويشاهد التلفزيون ويريد من الأولاد الامتناع، كيف سيحدث هذا؟!!

стр. 1158

نقص في وجود الدعاة وأهل العلم عندنا نقصٌ حادٌ في وجود الدعاة، وأهل العلم، ومفاتيح الخير في الناس، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه) رواه ابن ماجة ﵀ وصححه الألباني نفس الله عنه وشفاه) إن من الناس مفاتيح للخير) المفتاح: آلة فتح الباب المعروفة، والمقصود: أن الله أجرى على أيدي هؤلاء العباد مفاتيح للخير، أجرى على أيديهم فتح أبواب الخير للناس، يفتحون للناس باب علم، أو باب صلاح، أو باب هداية، حتى كأنهم صاروا مفاتيح كأن المفاتيح وضعت في أيديهم، فيقال: هذا جعل الله مفاتيح الخير على يديه. أثنى النبي ﵊ عليهم قال: (طوبى) طوبى لذلك، فمن الناس من يشتغلون بالخير ويشغلون غيرهم للخير، فيعمل حلقةً، فيأتي أصحابه إليها يستفيدون، أو يعمل مشروعاً خيرياً، فيشترك فيه الناس، فينتفع آخرون، وينتفعون هم، وينتفع هو في الدرجة الأولى، وهكذا يمشي في إصلاح بين الخلق، فيحصل الصلح وترجع المياه إلى مجاريها، ويرجع الوئام ويتصل حبل المودة، وتنصلح أحوال الأسرة، أو أحوال الشركاء المختلفين، فهذا الإنسان من مفاتيح الخير. ونحن في وضعنا الذي نعيش فيه نحتاج حاجةً ماسةً إلى مفاتيح الخير هؤلاء، لو قلّ أهل الخير في المجتمع؛ فإننا على خطر عظيم، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن بشر، قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان، يقول: (إذا كنت في قوم عشرين رجلاً، أو أقل، أو أكثر، فتصفحت في وجوههم، فلم تر فيهم رجلاً يُهاب في الله، فاعلم أن الأمر قد رق) إذا صرت في مكان، في شركة، أو مكتب، أو مدرسة، فنظرت في عشرين رجلاً حولك لم تر فيهم واحداً من يُهاب لله، فاعلم أن الأمر قد رق، وأن أمر الدين صار رقيقاً ليس متيناً. ينقصنا دعاة، لأننا في حال بئيس، الناس يعيشون أزمة في العقيدة، وأزمة في الأخلاق، وأزمة علاقات اجتماعية، فيهم شرك، وفيهم بدعة، وفيهم معاصٍ، وفيهم موبقات، وتفكك أسري، وتناحر، وعصبية، وكيد، وسحر، وعين، من كل الجهات، إذا جئت تنظر؛ وجدت شراً كبيراً، ما الذي يصلح الأمر؟ وجود الدعاة إلى الله الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ونحن نعلم أن مهمة التغيير مهمة شاقة وصعبة. إن عمر بن عبد العزيز ﵀ لما تولى المهمة العظيمة وشعر بحجم المسئولية، والخلافة تولاها على المسلمين، قال: "إني أعالج أمراً -أكافح وأناضل وأصارع، وأبذل الجهد- لا يعين عليه إلا الله، قد شب عليه الصغير، وهرم عليه الكبير، وهاجر عليه الأعرابي، وفصح عليه الأعجمي حتى حسبه الناس ديناً لا يرون الحق غيره". تعودوا على منكرات وأخطاء، شبوا عليها ونشئوا حتى صاروا يرونها حقاً، وأنا جئت أريد أن أغير "إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله" ابتداءً من الشرك الموجود في عصرنا بين المسلمين الذين يسألون غير الله، ويطلبون من أصحاب القبور قضاء الحوائج. ذهب موحدٌ فاضلٌ إلى أحد شيوخ الصوفية، فقال له: دعاء غير الله حرام وشرك، إذا سألت فاسأل الله، بدلاً من أن تقول: يا عبد الله وتنادي الميت، قل: يا ألله! قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤] قال: يا ابني هذه آية وهابية ما لك فيها!! وذهب أحد الأفاضل إلى شيخ من هؤلاء، فقال له: إن الاستغاثة بالأموات حرام وشرك، والأدلة من القرآن والسنة كذا كذا، فقال ذلك الضال: فقط أنت عندك أدلة، أنا عندي أدلة، قال: وما هو دليلك؟ قال: عمتي تقول: يا شيخ سعد، أي: تنادي الولي سعد تستغيث به، فهذا دليل.

стр. 1159

واقع الأمة المزري فإذا ذهبت تنظر يا أخي في واقع الأمة فيما أصابها من الشرك الأكبر فضلاً عن الشرك الأصغر، لوجدت ذلك منتشراً معشعشاً. وإذا نظرت في قضية البدع، لوجدت أموراً لا يحصيها إلا الله. وعلى مستوى التفكك الأسري طلاق، ومهاجرات، وخصومات، وقضايا، وتشرد أولاد، وعدد كبير من حالات الانحراف في الفتيات وفي الأولاد في البيوت المفككة. فلانة أبوها طلق أمها ثم انتقلت إلى بيت جدتها، الرقيب ضعيف، فانحرفت البنت. وأخرى أبوها طلق أمها، ثم عاشت في بيت زوج أمها، لم تجد الرعاية، فانحرفت البنت، وانتقلت إلى بيت خالها، فحصل السوء، وهكذا التفكك يولد الفجور. وعلى مستوى الانحطاط الأخلاقي هناك أفلام وقنوات، وفحش في الأطباق الفضائية وأناس تستأجر شقة مفروشة بخمسين ريالاً في الليلة إلى الصباح ليسهروا على القنوات التافهة التي تأتي بها أجهزة مركبة على الصحون الفضائية، واشتراكات في القنوات ومواقع على شبكة نسيج العنكبوت الإنترنت، ودسكات كمبيوتر متداولة بأيدي المراهقين في المدارس المحملة بالأشياء القذرة حتى في شهر رمضان، والبريد الإلكتروني يرسل الفحش، وأشياء منتشرة كانتشار النار في الهشيم. ما الذي يصلح هذا الحال؟ قيام دعوة إلى الله بقوة لإصلاح الخلق ودعوتهم إلى الله بترقيق قلوبهم، وتذكيرهم ووعظهم. وترى التشبه بالكفار أمراً منتشراً متفشياً قد يصيب البعض باليأس، فقد دخلت داعية من الداعيات إلى مسرح مدرسة لإلقاء كلمة في الطالبات، فهالها وأصابها الإحباط أن كل ما رأت بعينها كان أحمر اللون، الطالبة التي ليست معها وردة حمراء معها شال أحمر، أو قفاز أحمر، أو حقيبة حمراء، أو منديل أحمر، لماذا هذا؟ عيد الحب، انتهت الورود الحمراء من المحلات في ليلة، إنها مصيبة وكارثة، البنات في المتوسطة يقلدنَ الكفار في عيد الحب. إن انتشال هؤلاء وإصلاح الأوضاع بحاجة ماسة إلى دعاة، الوضع يحتاج إلى حركة في الدعوة إلى الله، وإصلاح المجتمع، وإصلاح الخلق، وبذل الجهد في هذا، ما أسهل الهدم! وما أصعب البناء! والإنسان الداعية يأخذ أجر من اتبعه على الهدى الذي يدعو إليه إلى يوم القيامة، ولو تسلسل الناس الذين تعلم كل واحد من الآخر. ثم الداعية من فضله قد ينتج شخصاً أفضل منه، قد يكون داعية يدعو أحد الناس، وهذا الشخص يتفوق على الداعية مستقبلاً في العلم والقدرات والإمكانات ونصرة الدين، ولكن ذلك الأول مع أنه أقل في الإمكانات، لكنه لما أنتج هذا وهذا وهذا، سيكون له شيءٌ عظيمٌ من الأجر. ويقول أبو سليمان الداراني: اختلفت إلى مجلس قاص، واعظ، فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت، لم يبق في قلبي منه شيء، فعدت إليه ثانيةً، فأثر كلامه في قلبي بعدما قمت وفكرت، ثم عدت إليه الثالثة، فأثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، فكسرت آلات المخالفات، عود، وطنبور، وربابة، ومزمار، وطبل، والآن الشاشات والأفلام. أحد الشباب حضر جنازة عظيمة لامرأة نحسبها من الصالحات، فلما رأى كثرة الناس اتعظ من منظر الجنازة وهو ذاهب إلى المقبرة أخذ أشرطة الغناء من السيارة كلها وألقاها في الشارع. فالإنسان قد يتأثر فعلاً ويتعظ في لحظات، يقول أبو سليمان: أول مرة كان التأثير ضعيفاً، وفي المرة الثانية حصل التأثير في الشارع، وفي المرة الثالثة رجعت إلى منزلي فكسرت آلات المخالفات، ولزمت الطريق المستقيم، فحكيت هذه الحكاية لـ يحيى بن معاذ بعد سنين أي عندما صار أبو سليمان رجلاً مشهوراً ومعروفاً بالزهد والورع والعبادة والذكر، قال يحيى: عصفورٌ اصطاد كركياً -يبدو أن الكركي هذا نوع نادر ونفيس من الطيور- فقال: عصفورٌ اصطاد كركياً، أي: يقول: انظر سبحان الله! هذا القاص مثل: العصفور، لكن اصطاد لنا هذا الشخص العظيم. فالداعية له أجر وفضل، فليحرص الدعاة على دعوة الخلق وإنتاج الصالحين؛ لأنهم إذا بثوا في المجتمع، حصل نفعٌ كبيرٌ.

стр. 1160

الثبات وينقصنا فيما ينقصنا الثبات، لأن الإنسان قد يهتدي من داعية، وقد يهتدي من شريط يسمعه، أو محاضرة، وقد يهتدي من موت قريب، أو من منامٍ يراه، أو من مرض يمرض به، أو من حادث أو يرى الموت بعينه، ويقول: نجوت الآن وفي المرة القادمة لعلي لا أنجو، فيهتدي، لكن يحتاج إلى الثبات على الهداية. ولذلك نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] ونكررها في الصلاة مراراً، زدنا هداية وثبتنا على الصراط المستقيم، ومعنى التكرار هنا طلب المزيد وطلب الثبات والدوام، والثبات مهم؛ لأن وضع المجتمعات الحالية التي يعيش فيها المسلمون، وفيها من أنواع الفتن والمغريات التي نكتوي بنارها يومياً، وشبهات وشهوات تبث بسببها صار الدين غريباً، وانطبق المثل العجيب: القابض على الدين كالقابض على الجمر.
следующие страницы →