← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

عظم وقع مصيبة فوات الصلاة على الصحابة قوله: (فلما استيقظ النبي ﷺ شكوا إليه الذي أصابهم)، وهذا يبين عظم وقع مصيبة فوات وقت الصلاة على الصحابة، وشدة محافظة القوم عليها، وتحسسهم من فقدها، وتأذيهم من ذلك لدرجة أنهم اعتبروها مشكلة أذية شكوا إليه الذي أصابهم، اعتبروها مصيبة أصابتهم، فشكوا إليه مصيبتهم التي أصابتهم، وما هي المصيبة؟ خروج وقت الصلاة، لا كما هو حالنا اليوم، فربما تفوتنا الصلوات والصلوات ولا يعتري الإنسان وربما لا يحدث له شيئاً، يقوم يصلي وكأنه لم يصبه شيء، لا مصيبة ولا أقل من المصيبة، ولا شك أن فوات العبادة يؤذي النفس المستقيمة، ويجعل الحرج موجوداً فيها، ولذلك النبي ﷺ من شدة ما رأى من وقع المصيبة عليهم وهي فوات صلاة الفجر؛ عزَّاهم وآنسهم، ولما عرض لهم من الأسف والحزن قال: (لا ضير أو لا يضير) قالها تأنيساً لقلوبهم، لا حرج عليكم لأنكم لم تتعمدوا، وهنا يكون الفرق بين من نام عن الصلاة وقد اتخذ الأسباب ففاتته، وبين من نام عن الصلاة مهملاً الأسباب، فالذي ينام عن الصلاة المكتوبة قد ورد عقابه في حديث البرزخ، رأى النبي ﷺ قوماً يعذبون في البرزخ، وكان عذاب الذي ينام عن الصلاة المكتوبة أن يشدخ رأسه بالحجر، ويعود رأسه كما كان، ثم يشدخ بالحجر، ويعود رأسه كما كان، إلى أن تقوم الساعة، قيل: إلى أن يبعث الناس من قبورهم، وهو عذاب في البرزخ على الراجح، من هو هذا الرجل؟ قال: (الذي ينام عن الصلاة المكتوبة) يرفض كتاب الله وينام عن الصلاة المكتوبة، هذه عقوبته، ولو قيل لك: ما عقوبة النوم عن الصلاة عمداً؟ فقل: هذا هو عقابه، وهذا يبعث الإحساس بالمسئولية للصلاة، خصوصاً عند أصحاب الأعمال الذين يشتغلون في النوبات، فبعض الأعمال في الشركات والمستشفيات أو الطيران ونحو ذلك فيها نوبات، فربما تنتهي نوبة أحدهم قبيل الظهر وهو ساهر أكثر الليل والصباح، فربما ينام ولا يصحو إلا المغرب، ويضيع العصر والظهر، وربما انتهى أيضاً قبل الفجر بقليل وينام ويضيع الفجر، وهكذا وهؤلاء ليس لهم عذر في أخذ الاحتياط لأجل الصلاة.

стр. 1087

سبب ارتحال النبي ﷺ من المكان الذي ناموا فيه إلى مكان آخر ثم قال ﷺ : (لا ضير، ارتحلوا) لماذا ارتحل النبي ﷺ ومن معه؟ ولماذا لم يصلوا في نفس المكان؟ ولماذا أمر الجيش أن يرتحل؟ قيل: إن ذلك بسبب حضور الشيطان في ذلك الموضع الذي كانوا فيه، كما ورد ذلك في صحيح مسلم: (إن هذا مكان فيه الشيطان قوموا) فقاموا من ذلك المكان الذي حضرهم فيه الشيطان. وجاء عند أبي داود من حديث ابن مسعود في هذه القصة: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) هذا وقد فات وقت الصلاة، فأمرهم بالارتحال من مكان الغفلة، لكي ينشط النائم ويقوم ويلحق بالناس من كان لم يقم بعد، ويتكامل العدد ويجتمعون، فنزل في مكان غير بعيد، لم يذهب ويؤخر الصلاة. بعض الناس يقول: ما دام فاتت فاتت! فإذا استيقظ الساعة السابعة، قال: ما دام فاتت فاتت، ويكمل النوم إلى الساعة العاشرة والحادية عشرة، ومع الظهر، وهذا من جهلهم؛ لأن الإنسان إذا نام عن الصلاة يجب عليه أن يؤديها حينما يستيقظ، لقوله ﷺ : (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فوقتها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) لابد إذا استيقظ من النوم أن يصلي مباشرةً، ويجوز أن يتأخر شيئاً يسيراً لمصلحة؛ كأن يكون هناك جماعة فاتتهم الصلاة، فيقوم بعضهم فيؤذنون ويصلون السنة، وينتظرون بقية أصحابهم لأن يأتوا، كأن يقوموا من النوم ويتوضئوا، فإن الناس في قيامهم من النوم وطهارتهم ليسوا سواء، فبعضهم يقوم بسرعة، وبعضهم نومه فيه بطء، وبعضهم يتوضأ بسرعة، وبعضهم يحتاج إلى قضاء حاجة، وبعضهم ربما يطيل في قضاء الحاجة، فليسوا سواء، فحتى يدرك الجميع الجماعة فلا بأس بالتأخر اليسير في مثل هذه الحالة. فالنبي ﷺ نزل غير بعيد وصلى، وقيل: إنه غيَّر المكان تحرزاً من العدو. وقيل: انتظاراً لما ينزل عليه من الوحي. وقيل: ليستيقظ من كان نائماً، وينشط من كان كسلاناً. وفيه: فائدة التحول من مكان الغفلة، فإذا كان في وادٍ يخرج منه. وقيل: إن هذا خاص بالنبي ﷺ ؛ لأنه لا يُدرى أن الشيطان حضر إلا بوحي. على أية حال: من حصل له غفلة عليه أن يغير مكانه، ولذلك ندبنا في خطبة الجمعة إذا نعس الواحد في مكانه؛ فعليه أن يغير مكانه مع من بجانبه من اليمين أو الشمال، يتحول إلى مكان صاحبه وليتحول صاحبه مكانه، كما جاء في الحديث، فإذا أشار لك من بجانبك في خطبة الجمعة بتغيير المحل فلا تقل: ماذا يريد؟ هو في وادٍ آخر. لا، عليك أن تفهم وتفقه وتتفطن أنه يريد أن يغير مكان الغفلة، ويجوز له أن يشير لأجل هذه المصلحة ولا يتكلم ولا تتكلم، ولا تقل: ماذا تريد؟ وإنما تغير مكانك بمكانه. إذاً: أُمر الناس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحول من مكانٍ إلى مكان آخر، وأن من حصلت له الغفلة عن عبادةٍ يتحول من ذلك المكان، وأن التأخر اليسير عن الصلاة بعد خروج وقتها لأجل انتظار الجماعة -مثلاً- أو أن ينشط الكسلان ويقوم النائم النعسان وثقيل النوم، أنه لا حرج فيه.

стр. 1088

مشروعية الأذان للصلاة الفائتة قوله: (ثم توضأ ونودي بالصلاة)، وهذا يدل على مشروعية الأذان للفوات، إذا فاتتك الصلاة فيشرع لك الأذان، ومنه يعلم أن الأذان ليس هو الإعلام بدخول الوقت فقط، بل فيه دعوة الناس للصلاة أيضاً. وفيه فائدة طرد الشيطان؛ لأن الشيطان إذا سمع التأذين ولَّى وله ضراطٌ حتى لا يسمع صوت التأذين، فإذا انتهى الأذان رجع، فإذا أقيمت الصلاة ولىّ، لأن الشيطان لا يطيق سماع الأذان ولا الإقامة، فإذا انتهت الإقامة رجع يوسوس للمرء ويحول بينه وبين صلاته. إذاً: الأذان للفائتة مشروع، وإذا كان هناك جماعة في سفر أو غيره، ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس، فإنهم يؤذنون، والأذان مشروع للفائتة.

стр. 1089

مشروعية الجماعة للصلاة الفائتة كذلك في هذا الحديث قوله: (فصلّى بالناس) يؤخذ منه أيضاً: مشروعية الجماعة للفائتة، فلو كان هناك جماعة فاتتهم صلاة فإنهم يصلون جماعة وليس هناك مانع، ولا يقل أحد: يجب أن يصلي كل إنسان لمفرده! لا. فهذا النبي ﵊ عندما فاتتهم الصلاة قام وصلَّى بالناس جماعة وأذن.

стр. 1090

تفقد الإمام والمسئول أحوال الرعية ووقع كذلك في هذا الحديث قصة الرجل الذي اعتزل القوم ولم يصلِّ معهم، وأن النبي ﷺ سأله، فينبغي على الإمام تفطن أحوال المأمومين، وينبغي للأمير في السفر أن يتفقد أحوال رعيته، ويتفطن لهم، ويسأل عنهم.

стр. 1091

التيمم للجنابة عند عدم وجود الماء رأى النبي ﷺ الرجل معتزل القوم لم يصل معهم، فسأله: (ما منعك أن تصلي مع القوم) فالرجل بين ذلك بقوله: "أصابتني جنابةٌ ولا ماء" أي: لا يوجد معي ماء للاغتسال، فقال: (عليك بالصعيد) فهنا يتبين أن الإنسان إذا أصابته الجنابة ولا يوجد عنده ماء فإنه يتيمم، لأن التيمم يرفع الجنابة، ولذلك لو كان معه ماء يكفي للوضوء فقط وأصابته جنابه، والماء لا يكفي للاغتسال، فعليه أن يتوضأ ثم يتيمم، كما قال بعض أهل العلم، أو يتيمم فقط، لكن الوضوء وحده لا يكفي لرفع الجنابة عند عدم وجود الماء الكافي للغسل، ولا يرفعها إلا التيمم، فإنه يكفيك. إذاً: من السنة أن الإنسان إذا عدم الماء ينتقل إلى البدل، وهذه السنة واجبة، ومشروعية التيمم للجنب واضحة في هذه القصة، والصحابي كان يجهل هذا الحكم، فبينه له النبي ﷺ .

стр. 1092

الحث على صلاة الجماعة وكذلك فيه الحث على صلاة الجماعة، لأنه قال: (ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) فهذا فيه الحث على صلاة الجماعة، وأن ترك الشخص الصلاة بحضرة الناس عيب، ولذلك لما رأى النبي ﷺ رجلين في آخر المسجد لم يصليا مع القوم، سألهما عن السبب، فقالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا. قال: (إذا أتيتما مسجد قومٍ فوجدتماهم يصلون فصليا معهم، ولو كنتم صليتم) فإذا حضر الإنسان مكاناً فيه أناس مجتمعون للصلاة فلا يعتزل ويدعهم يصلون، لأنه يكون في موضع تهمة، سيقول الناس: لماذا لم يصل؟ أهو مستهزئ أم أن الإمام لم يعجبه؟! فلذلك الإنسان لو صلى في مكان وجاء إلى مسجد آخر لدرس أو لحاجة، فإن وجدهم يصلون دخل معهم وصلى وهي له نافلة، ولو كان وقت نهي، لأن الحديث كان بعد الفجر، ولو كان بعد الفجر، أو بعد العصر، فيدخل ويصلي معهم وهي له نافلة. وكذلك فيه اللطف في السؤال، فإنه قال: (ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) أسلوب سؤال ولم يكن أسلوب توبيخ أو سخرية أو تأنيب أو قسوة، وإنما هو أسلوب سؤال لطيف لمعرفة سبب تخلف هذا الرجل عن الصلاة، وكذلك إنكار المنكر يكون بالأسلوب الحسن.

стр. 1093

مشروعية الأخذ بالأسباب في هذا الحديث مشروعية الأخذ بالأسباب؛ فإنه طلب من الصحابيين أن يتلمسا الماء، وأن الأخذ بالأسباب لا يقدح في التوكل، ومن الناس من يغلو في السبب حتى يجعل السبب هو كل شيء، ويعتمد عليه ويتوكل، وهذا حرام وشرك. ومن الناس في الجانب المقابل من يهمل الأسباب بالكلية، ويقول: إذا أراد الله أن تتيسر تيسرت، وإذا أراد الله أن تحصل حصلت، ولا يفعل شيئاً، فهذا إنسان غير عاقل، لأن العقل السليم يقتضي بذل الأسباب، وقد أمرت مريم أن تهز جذع النخلة مع أنها امرأة نفاس، في أضعف شيء، والنخلة قوية، وأمرت بهز النخلة، وكان يمكن أن ينزل عليها الرطب من غير هز، لكن الله تعالى يريد أن يعلم عباده الأخذ بما يستطيعون من الأسباب، فأنت خذ بالسبب والله تعالى يأتيك بالنتيجة. إذاً: الاعتماد على الأسباب شرك، وإهمال الأسباب جنون، وكلاهما مصادم لمفهوم التوكل الصحيح، أما الغربيون فإنهم يجعلون الأسباب هي كل شيء، ولذلك تراهم يخططون للأمر غاية التخطيط ولا يتوكلون على الله، ولا شك أن عندهم عقولاً وذكاءً، عندما يتخذون الأسباب، لكن ليس عندهم توحيد، ولذلك تجد الواحد يصاب بالانهيار إذا لم تأت النتيجة كما يريد؛ لأنه ليس عنده توكل على الله، والإنسان مهما كانت قوته، ومهما كان تخطيطه، وذكاؤه وعقله، فإنه في بعض الحالات يصل إلى طريقٍ مسدود، وفي بعض الحالات يشعر بالضعف، وأنه ليس هناك أسباب يمكن أن تفعل، أو أن الأسباب ضعيفة في بعض الأحيان، فلا ينجيه إلا إذا كان موحداً متوكلاً على الله تعالى. والطرف الآخر: هم بعض الصوفية ومن شابههم من الكسالى، فإن الكسالى مشابهون للصوفية في عدم الأخذ بالأسباب، فتجد الواحد منهم يقول: إذا أراد الله أن أنجح نجحت! وهو لا يريد أن يدرس، وبعض الناس يتركون الأسباب في مجال الأمور الدينية الشرعية، ويأخذون بالأسباب الدنيوية البحتة، فتراه إذا أراد تجارةً خطط ودبر وفعل ودرس وفكر وراقب وتابع وحضر وداوم، وفعل كل الأسباب! وفي الأمور الشرعية، يقول: إذا أراد الله أن يهديني اهتديت، وإذا أراد الله أن يعلمني تعلمت، وإذا أراد الله أن يفقهني تفقهت! ولا يأخذ سبباً. ولو قلت له: أنت الذي تقول هذا الكلام: إذا أراد الله أن يهديني اهتديت، وهذه حجة كثير من الناس عند النقاش، إذا كانوا مقيمين على منكر، يقولون: إذا أراد ربنا أن يهدينا اهتدينا! نقول: إذاً: لماذا لا تترك الزواج وإذا أراد الله أن يأتيك بولد أتاك؟ لا تتزوج ولا تنكح فسوف يضحك منك، ولذلك فإنهم يأخذون بالأسباب في الأمور الدنيوية، ويتركون الأسباب في الأمور الدينية، ويحتجون بأن الله إذا أراد شيئاً كان، وهذا هو فعل كثيرٍ من عصاة عصرنا.

стр. 1094

صلاة المتيمم عند فقد الماء وكذلك في الحديث: أن من تيمم وصلى فإنه لا يحتاج إلى إعادة الصلاة إذا وجد الماء، ولذلك عندما وجد الماء، ثم أتت المرأة بعد ذلك لم يقل: يا فلان! أعد الصلاة، وإنما أعطاه الماء ليغتسل به لأجل الصلاة التي بعدها ورفع الجنابة. إذاً: الإنسان إذا اتخذ الأسباب، واتقى الله ما استطاع، وفعل ما تيسر، يكفيه، ولا يحتاج إلى إعادة العبادة.

стр. 1095

حسن التعامل مع المرأة الأجنبية وكذلك في هذا الحديث: حسن التعامل مع المرأة الأجنبية ولذلك ما خلا واحدٌ منهما -أي من الصحابيين- بها، كانا جميعاً، وكان التوجيه بالكلام، وليس فيه أي ملامسةٍ ولا شبهةٍ، وهذا هو اللائق بالمسلم إذا وجد امرأةً وحيدةً منقطعة، وبعض من ركبه الشيطان واستحوذ عليه يعتبر الفرصة سانحة إذا رأى امرأة لوحدها، ويعتبرها غنيمة، ولذلك فإن الفسق يبلغ به أن ينتهز هذه الفرصة لتحقيق شهوةٍ في نفسه، أو انتهاك لحرمة الله تعالى، إذا وجد امرأة لوحدها، والعياذ بالله.

стр. 1096

حسن التخلص في المواقف في هذا الموضع أيضاً: حسن التخلص، فالصحابيان عندما قالا للمرأة: انطلقي، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ . قالت: الذي يقال له: الصابئ؟ التخلص الحسن أنهما قالا: "هو الذي تعنين". لأنهما لو قالا: لا، ليس بالصابئ، وأنكرا عليها، لخافت وشردت ورفضت أن تأتي معهما، وفات المقصود، ولو قالا: نعم، لوافقاها على الباطل، والنبي ﵊ ليس صابئاً، فتخلصا هذا التخلص الجميل بقولهما: هو الذي تعنين.

стр. 1097

جواز أخذ ماء الغير للضرورة وكذلك فإن أخذ الماء من المرأة يقال فيه: إما أنه من باب الضرورة، فيجوز أخذ الماء عند الضرورة من الآخر، ولو بغير رضاه. أو يقال: إنها من أهل الشرك كافرة حربية، فمالها حلالٌ لهم. وعلى تقدير أنها من أهل العهد نقول: إن ضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره، ثم إنهم قد أعطوها العوض بعد ذلك.

стр. 1098

معجزة النبي ﷺ في مباركة الماء كذلك في هذا الحديث: معجزةٌ ظاهرةٌ للنبي ﷺ ، وعلمٌ من أعلام نبوته، عندما حصلت البركة بمشاركة ريقه الطاهر المبارك للماء، فصار الماء كثيراً، وشرب منه أربعين رجلاً وملئوا الأواني، والمرأة ما نقص من مائها شيء، بل إنه أكثر مما كان، وهذا لا يمكن أن يكون إلا من نبي، ومهما حصل الآن من الاختراعات فلا يمكن أن يتوصلوا إلى أن يجعلوا قربة ماء تكفي أربعين رجلاً، ثم تملأ القرب وتكون أكثر مما كانت، فهذه معجزة لا يمكن أن تقع إلا لنبي، وهي من الآيات التي تقام بها الحجة على المشركين، ولذلك كانت المرأة مذهولة، وعرفت وقالت: أو إنه رسول الله. إما ساحر، وإما رسول الله.

стр. 1099

مصلحة الشرب مقدمة على الطهارة كذلك فيه: بيان أن شرب الآدمي والحيوان مصلحة مقدمة على الطهارة، فلو كان عند أحدٍ ماء قليل يكفيه إما للشرب وإما للطهارة، فإنه يقدم الشرب؛ لأن مصلحة بقائه على قيد الحياة أعلى من مصلحة الطهارة مع موته، فإنه إذا مات بعد ذلك فلا يتطهر ولا يتمكن من شيء. فيؤخذ منه لو أن إنساناً في الصحراء أو في مكان منقطع ليس عنده إلا ماءٌ قليل لا يكفي إلا للشرب، فإنه يتيمم ويجعل هذا الماء للشرب.

стр. 1100

حسن معاملة من أُخذ منه شيء وتطييب خاطره وكذلك في هذا الحديث: تطييب خاطر من أُخذ منه شيء، وحسن المعاملة مع الآخرين، وأن الإنسان لو أخذ شيئاً من غيره أو من صاحبه بغير رضاه لأجل الحاجة، فإنه يعوضه. وفيه: أن حسن المعاملة تأتي بالنتائج الباهرة، ولذلك المرأة مع أنه لم ينقص من مائها شيء، أعطيت وجمع لها طعام كثير وضع في ثوب، ووضع الثوب على البعير بين يديها ثم انطلقت. وكذلك فإن الحديث (ما رزئنا من مائك شيئاً) يدل على أن جميع الماء الذي أخذوه ليس من ملكها، لأنه مما زاده الله وأوجده.

стр. 1101

جواز استعمال أواني المشركين كذلك استدلوا بالحديث على جواز استعمال أواني المشركين ما لم يتيقن منها نجاسة، فهذه مشركة ومعها إناء لا يبدو منه نجاسة، ولا رائحة نجاسة، ولا طعم نجاسة، ولا لون نجاسة. إذاً: يجوز استعمال الأواني ما لم يظهر فيها نجاسة.

стр. 1102

دعوة المرأة لقومها إلى الإسلام ودور المرأة المسلمة وفيه كذلك وهي فائدة عظيمة: دعوة المرأة لقومها. وفيه: أن المسلمين كانوا يقصدون عدم الإغارة عليها لأجل المعروف الذي حصل منها، مع أنه حصل رغماً عنها، وأعطيت مقابلاً عليه، لكنهم ما كانوا يغيرون على قومها طمعاً في إسلامهم بسبب المرأة، أو رعاية للمعروف الذي أدته أو أُخِذَ منها. وفيه: أن ترك الهجوم على قومٍ لمصلحة تؤدي إلى إسلامهم أمرٌ شرعي، وترك بعض الكفار والهجوم على آخرين لعلهم يسلمون وهناك بوادر أمر شرعي، فلذلك ينبغي أن يكون الجهاد في حكمة، والهجوم في حكمة، وهذه المرأة بركتها على قومها عظيمة عندما قامت بدعوتهم، وذكرتهم بكف المسلمين عنهم، عندما قالت: " ما أرى إن هؤلاء القوم يدَعونكم عمداً -لا جهلاً ولا نسياناً ولا خوفاً- فهل لكم في الإسلام؟ وهذه هي الدعوة؛ فأطاعوها فدخلوا في الدين، وهذا فيه دليل على أنه ربما يكون المرأة على ضعفها وعجزها أثر بالغ على الرجال وعلى القوم كلهم، وفي زماننا نجد حالات في الواقع من هذا القبيل؛ أن بعض النساء يرزقها الله تعالى ديناً وإخلاصاً، فتقوم بدعوة أهل البيت، فيتدين أهل البيت على يديها، وتكون بركة عليهم امرأة واحدة ربما تكون سبباً في إسلام أو تدين جماعة من الناس، مثل هذه المرأة، فقد أسلم بسببها قومها كلهم. إذاً: المرأة إذا أحسنت تربيتها، وأحسن إعدادها، جاءت بالنتائج الباهرة، وكذلك يمكن أن تحمل هم الدعوة ومسئولية الدعوة، وتأتي بنتائج عظيمة قد لا يأتي بها بعض الرجال، وكم من زوجٍ صلح حاله بسبب زوجته، وكم من أبٍ اهتدى بسبب ابنته، وكم من أخٍ تدين بسبب أخته، وهذه أشياء مشاهدة في الواقع تدل على أهمية توجيه الدعوة للنساء، إذ بسبب هدايتهن ربما يحصل هداية البيت بأكمله، ونحن نرى في الواقع دخول الهداية والعلم والدين في بعض البيوت عن طريق النساء، وأن بعض البيوت ربما يفشل الرجال في إدخال شيءٍ إليها عن طريق رجل، فيأتي من طريق امرأة، وأن الضعيف ولو كان ضعيفاً لكن ربما يجري الله على يديه، أو يبارك في جهده بما لا يحصل لمن هو أقوى منه، فلا يصلح أبداً أن نستهين بدور المرأة في البيت، أو أن نهين المرأة، أو كما يفعل بعض الناس إذا قال: الحذاء عزك الله، يقول: المرأة أجلك الله! لماذا يقرنون في العبارة بين المرأة والحذاء أو النجاسة؟ هل هي شيءٌ يتقذر منه أو في ذكره عيب؟ ليس في ذكره عيب، فلذلك ليس من تكريم المرأة أن الإنسان يذكر عبارة يبين فيها أنها نجسه، أو أنها مستقذرة، أو أنها شيءٌ يستحيا من ذكره، كلا والله! فإن فضل بعض النساء على الرجال كبير، كما هو فضل عائشة وخديجة ومريم، وغيرهن من النساء، ثم إنه حتى على المستوى الدنيوي يوجد بعض النساء يتحملن بيوتاً، فربما يكون الذي في البيت عاجز عن الكسب من الرجال، أو أنه مهمل في القيام بشئون البيت، ثم هي تعمل وتحمل البيت بأكمله، وربما يدرس الأولاد ويكبر الذكور ويدرسوا وهي التي تنفق عليهم، وتنفق على أبيها وأمها، فلذلك إعداد النساء والقيام بالدعوة في صفوفهن ومراعاتهن يكون فيه خيرٌ بالغٌ، وأثرٌ كبيرٌ في داخل البيوت، بل على مستوى القوم أجمعين كما في هذه القصة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1103

الصاحب ساحب لقد جاءت الآيات والأحاديث الدالة على الأمر بصحبة الأخيار والصالحين الذين يعينون على الخير ويحثون عليه. فمن أراد صحبة الصالحين فليبحث عنهم في المساجد، فهي أكثر الأماكن التي يتواجدون فيها، وقد كان السلف رضوان الله عليهم يفاضلون بين الأشخاص بالعلم والسنة وخدمة الدين والخلق، وأما صحبة الأشرار فأقل ما فيها ضياع الأوقات وإهدارها فيما لا نفع فيه.

стр. 1104

الأمر بصحبة الأخيار إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن الله أوصانا بوصايا، وكذلك نبيه ﷺ حثنا على أمور، ولا يأمر الرب بشيء ولا نبيه ﷺ إلا وفيه مصلحة عظيمة لنا، وهذا الفرق بين أوامر الرب ورسوله وبين أوامر البشر. ومِن أوامر الرب وأوامر رسوله: الأمر بصحبة الأخيار: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] فأمر بصحبة الأخيار وملازمتهم، ونهى عن صحبة الأشرار: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨]. وهذه مسألة عظيمة من مسائل هذه الحياة؛ فإن الإنسان لا بد له من صديق وصاحب، ولا بد له من قوم يأوي إليهم، ويكون معهم. ولعل هذا الوقت (في بداية العام الدراسي) بل وعودة كثير من العمال والموظفين إلى أعمالهم، يكون وقتاً مناسباً للتذكير بهذا الموضوع (إنشاء العلاقات الجديدة) وتنقية العلاقات القديمة وتمحيصها. قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. وقال النبي ﷺ : (لا تصحب إلا مؤمناً). وقال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يخالل). وقال ﷺ : (المرء مع مَن أَحَب). قال بعض السلف: لقد عظُمت منزلة الصَدِيق عند أهل النار، قال الله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]. وقال بعضهم في قوله ﷺ : (المرء على دين خليله): انظروا إلى فرعون مع هامان، أضل هذا بهذا، وأخذ هذا من عزة هذا، وأعان بعضهم بعضاً على الكفر واستعباد البشر. وجليس الخير مفيد دائماً وأبداً، مثلما قال النبي ﷺ : (مثل الجليس الصالح كمثل العَطَّار، إن لم يعطِك من عطره أصابك من ريحه) وهذا هو الفرق بينه وبين نافخ الكير، الذي يحرق ثيابك، أو تجد منه ريحاً سيئة.

стр. 1105

مميزات الجليس الصالح جليسك الصالح: يأمرك بالخير، وينهاك عن الشر، ويُسمِعك العلم النافع، والقول الصادق، والحكمة البليغة، ويبصِّرك آلاء الله، ويعرِّفك عيوب نفسك، ويشغلك عما لا يعنيك. وإن كان قادراً: سَدَّ خَلَّتك، وقضى حاجتك، ثم لا تحتاج بعد الله إلى سواه، إن ذكَّرته بالله طمع في ثوابه، وإن خوَّفته من عذاب الله ترك الإساءة، يُجْهِد نفسه في تعليمك وإصلاحك إذا غفلتَ عن ذكر الله، وإذا أهملت بشَّرك وأنذرك، يعتني بك حاضراً وغائباً. وإن كان مثلك أو دونك فهو: يسُدُّ خَلَّتك، ويغفِرُ زَلَّتك، ويُقيل عثرتك، ويستر عورتك، وإذا اتجهت إلى الخير حثك عليه، وكان لك عوناً عليه، وإذا عملت سوء أو توجهت إلى سوء حال بينك وبين ما تريد، وقال: أعرض عن هذا، واستغفر لذنبك إنك كنت من الخاطئين. وصالح إخوانك: لا يمل قُرْبَك، ولا ينساك على البعد، تُسَر بحديثه إذا حضر، إنه يشهد بك مجالس العلم، وحِلَق الذكر، وبيوت العبادة، ويزين لك الطاعة، ويقبح لك المعصية، ولا يزال ينفعك حتى يكون كبائع المسك وأنت المشتري. ولِصَلاحِه: لا يبيع عليك إلا طيباً، ولا يغشك، ولا يعطيك إلا جيداً، وإن أبيت الشراء فلا تمر بشارعٍ إلا وجدت منه ريح الطيب الذي يملأ المعاطس والأنوف؛ أولئك القوم لا يشقى بهم جليسهم تنزل عليهم الرحمة، فيشاركهم فيها، ويهم بالسوء فلا يقوله ولا يستطيع فعله، إذا لم يكن مخافةً من الله فحياءً من عباد الله الصالحين. أوصى بعض الصالحين ولده لما حضرته الوفاة، فقال: يا بني! إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، واصحب من إذا مددت يدك للخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدَّها، وإن رأى منك سيئة سدَّها. وقال بعض السلف: عليكم بإخوان الصدق، فإنهم زينة في الرخاء، وعصمة في البلاء. فالأخيار الأبرار الأتقياء إذا وُجدوا في مجتمع جذبوا أشباههم أو انجذبوا إليهم وسرى تيار المحبة بينهم. والصاحب ساحب. لو أن مؤمناً دخل إلى مجلسٍ فيه مائة منافق ومؤمنٌ واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقاً دخل إلى مجلسٍ فيه مائة مؤمن ومنافقٌ واحد لا زال يمشي حتى يجلس إليه، وإن أجناس الناس كأجناس الطير، ولا يتفق نوعان في الطيران إلا وبينهما مناسبة. أيها الإخوة: ينبغي على الواحد منا أن يفتش نفسه. اعلم يا عبد الله! أن قلبك إن نفر من أهل الدين فأنت مريضٌ، فداو نفسك حتى تميل إلى أهل الخير، وإذا رأيت نفسك تميل إلى أهل الشر والفجور فاتهم نفسك واستدرك عمرك قبل الفوت. وإذا رأيت نفسك تميل إلى الأخيار، وتحب مُجالستهم مع علمك بسوء سيرتك، واعوجاج طريقتك، وقبح ما تُخفي وأنت بينهم؛ فاعلم أن فيك بقية خير، فاجتهد في اقتلاع الشر من نفسك لتكون مثلهم، وإذا رأيت نفسك تحب الذهاب مع المجرمين، وأنت من أهل الخير، ففيك شعبة من النفاق. إن الإخوان الصالحين نعمة عظيمة من الله. وقد روي عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: [لولا ثلاثٌ ما أحببت البقاء ساعة: ظمأ الهواجر -الصيام في النهار الحار- والسجود في الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر]. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: لولا القيام بالأسحار، وصحبة الأخيار؛ ما اخترت البقاء في هذه الدار. وكانوا إذا فقدوا أخاً عزيزاً عرف ذلك فيهم. قال أيوب السختياني ﵀: [إذا بلغني موت أخٍ لي فكأنما سقط عضوٌ مني]. أخاك أخاك فإن من لا أخاً له كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ ولذلك كان التفريط في الصالحين وتضييع الأخ الصالح من أعظم البؤس، وأشد البأس على النفس، وأعجز الناس من فرط في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع مَن ظَفَر به منهم، فربما يلقاهم ثم يضيعهم؛ فهذا أعجز مِن الذي فرط في ملاقاتهم والتعرف عليهم أصلاً؛ لأنه عرف النعمة ثم كفرها، فهم يعرفون نعمة الله ثم يجحدونها ويتخلون عنها. والرجل بلا إخوان كاليمين بلا شمال والشمال بلا يمين. وقال الأصمعي ﵀: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل ووفاء عهده، فانظر إلى حنينه إلى إخوانه، وتشوُّقه إليهم.

стр. 1106

فوائد صحبة الصالحين أيها الإخوة: إن مصاحبة الصالحين فيها فوائد كثيرة: ١ - النجاة يوم القيامة: كما قال النبي ﷺ : (المرء مع من أحب). ٢ - النجاة من فزع ذلك اليوم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:٦٧ - ٦٨]. فإذا كان معهم في الدنيا نَجَى مِن الفزعِ، ولعْنِ بعضِ الناس بعضاً يوم القيامة. ٣ - الانتفاع بدعائهم بظهر الغيب. ٤ - الانتفاع بمحبة الله لمحبتهم: لأن الله قال: (وجبت محبتي للمتحابين فِيَّ، والمتجالسين فِيَّ، والمتزاورين فِيَّ، والمتباذلين فِيَّ) كما جاء في الحديث الصحيح القدسي. ٥ - بركة المجالس والخير الذي يعم: (فتقول الملائكة: يا رب! إن فيهم فلاناً ليس منهم، إنما جاء لحاجة، فيقول الله للملائكة: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) لا يحرم من الفضل وإن جاء لحاجة، ما دام جلس مع الأخيار فلا بد أن يناله نصيب. قومٌ يذكرون الله فيناديهم المنادي من السماء: (قوموا مغفوراً لكم) فما أعظم النعمة بالجلوس معهم إذا كانوا سيقومون وقد غُفِر لهم؟! ٦ - جلساء الخير يعرفونك على إخوان الخير فتزداد المعرفة؛ فصاحب الخير يدلك على صاحب الخير، وهكذا تزيد الاستفادة. ٧ - التشبه بهم ثمرة من ثمرات مصاحبتهم: وإذا كانوا على خيرٍ صرت على خير. ٨ - يحفظون الوقت والعمر من الإهدار. ٩ - ذكر الله تعالى: قال ﵊: (أولياء الله تعالى الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله . وكان القعنبي ﵀ إذا خرج على الناس قالوا: لا إله إلا الله. وكان من أهل الحديث. ١٠ - هم الزينة في الرخاء، والعدة في البلاء: هذه العدة التي يحتاجها الإنسان. ١١ - وخير معينٍ على تخفيف الهموم والغموم: وكم في حياتنا هذه من غموم وهموم؟! وكم فيها من شدائد يحتاج الواحد إلى شخص يستمع إلى شكواه فلا يجد، ولو كان لا يريد منه شيئاً إلا مجرد السماع؛ لأن في بث الشكوى راحة، فبعض الناس من النعم التي حرموها أنهم لا يجدون أحداً يسمع شكواهم؛ لفَقْد صديق الخير، وصاحب الخير، لو ما سمع إلا الشكوى لكان في ذلك تنفيس وراحة، فكيف إذا كان سيعين ويساعد بعقله ومشورته، أو بماله وجاهه ومساعدته؟! خرج ابن مسعود مرةً على أصحابه فقال: [أنتم جلاء أحزاني]. وهكذا فعلاً يكون الإخوان تسليةً وتسريةً، يكون لقاء الأحبة مُصَفِّياً ومُنَقِّياً، ويكون طارداً للهم والغم. ١٢ - وكذلك فإن من أعظم النعم بمصاحبة الصالحين إن أُحْسِن الاختيار: تعلم العلم الشرعي. ١٣ - الإقبال على الدين. ١٤ - تكميل الشخصية. ١٥ - العون على العبادة. ١٦ - الحماس للطاعة. ١٧ - النصرة في الحق. ١٨ - الإعانة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ١٩ - السمو فوق عالم المادة. ٢٠ - النجاة من اليأس. ٢١ - الرأي السديد. ٢٢ - التخلص من العادات السيئة. ٢٣ - البركة: كما قال النبي ﷺ : (البركة في ثلاث: الجماعة، والثريد، والسحور). فإن قال قائل: أين أجد الصالحين؟ فنقول: من مظان وجود الصالحين، أعظم المظان على الإطلاق بيوت الله تعالى. عن الحسن بن علي قال: [من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب ثمان خصال: آية مُحكمة، وأخاً مُستفاداً، وعلماً مُستطرَفاً، ورحمةً منتظَره، وكلمةً تدله على هدى، أو تردعه عن ردى، وترك الذنوب حياءً، أو خشية]. المنطَلََق من المسجد، وهكذا يعرف الإنسان الإخوان وينتقيهم.

стр. 1107

اختيار الصاحب إذا قال قائل: إنني وجدت منهم عدداً، فأيهم الذي أصاحب؟ و الجواب نرجع إلى ما قاله السلف، فإنهم كانوا يفاضلون بين الأشخاص بأي شيء؟ بالعلم، والسنة، والعبادة، وخدمة الدين، والخلق. ولذلك فإن الإنسان لا يعْدِم مِن الموازنةِ التي تقوده إلى صاحبه الذي يخالطه، ويتابعه، ويعاشره، ويأوي إليه. فانظر فيهم: مَن أزكى علماً، وأشد اتباعاً للسنة، وأحسن خلقاً، وأكثر حرصاً على خدمة الدين والدعوة إلى الله؟ فعند ذلك تعرف من تخالط. ولذلك قال ابن الجوزي ﵀: "فالعجب ممن يترخص في المخالطة وهو يعلم أن الطبع يسرق، وإنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع والأعلى في العلم والعمل ليُستفاد منه، فأما مخالطة الدون فإنها تؤذي، إلا إذا كانت للتذكير والتأديب" وهذه كلمةٌ عظيمة. إن كنت أنت الذي تدعوه وهو دونك فنَعَم، وتعلمه وهو دونك فنَعَم، وإلا فإن الإنسان يحرص دائماً على صحبة الأرفع والأعلى والأكثر فائدة. وتأمل في علاقة الإمام أحمد ﵀ بـ محمد بن نوح كيف كانت متبادلة من الأعلى إلى الأدنى ومن الأدنى إلى الأعلى. قال الإمام أحمد ﵀ عن محمد بن نوح الشاب: ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد خُتِم له بخير. وذلك لأنه لما أخذا معاً إلى المأمون في فتنة خلق القرآن مقيدَين فمات محمد بن نوح في الطريق، فغسله الإمام أحمد ﵀ وكفنه وصلى عليه، وقال هذا الكلام في شأنه: إني لأرجو أن يكون قد خُتم له بخير. قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله! الله الله إنك لست مثلي! أنت رجلٌ يُقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لِمَا يكون منك، فاتقِ الله، واثبت لأمر الله. قال: فمات، وفُكَّ قيدُه، وصليت عليه، ودفنته يرحمه الله. اللهم ارحم موتانا، اللهم إنا نسألك صحبة الأخيار، وعيشة السعداء، وميتة الشهداء، وحياة الأتقياء، ومرافقة الأنبياء، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1108

صحبة الأشرار وأضرارها الحمد لله، وسبحان الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ الرحمة المهداة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: إن الله تعالى حذَّّرنا من أهل السوء، قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. يا من تُعاشِر صاحب سوء وأهل السوء! ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] لا تقعد بعد الذكرى مع أهل السوء؛ فإن الله نهاك عن ذلك: ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] هؤلاء الذين يتبرأ بعضُهم من بعض، ويقول الواحد منهم يوم القيامة: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨]. ولذلك كان ﵊ يستعيذ في دعائه من صاحب السوء كما قال: (اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة) لأنه ملازم؛ فإذا كان صاحب سوء فكيف يسلم من شره. (أعوذ بالله من صاحب السوء) قرين السوء الذي لا يمكن أن تأمنه على شيء؛ لا على عرض، ولا على مال، ولا على سر، لا يعينك على خير، ويزين المعصية، ويحث على الخبث. لا خير في صحبة من إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك، وإذا ائتمنك اتهمك، وإذا أنعمت عليه كفَرك، وإذا أنعم عليك مَنَّ عليك. ينبغي أن يُخْتَبَر الناسُ قبل مؤاخاتهم وذلك عند الهوى إذا هوى، وعند الغضب إذا غضِب، وعند الطمع إذا طمِع، ليُنْظر ما حاله في هذه المواقف الثلاثة! قال شيخ الإسلام ﵀: الناس كأسراب القَطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض. ولا تقل: إنه لا يضرني، فالصاحب ساحب، والتشبه حاصل. واختر قرينك واصطفيه تفاخراً فكلُّ قرين بالمقارَن يَقتدي مَن الذي علم أصحاب المخدرات المخدرات؟! ومَن الذي جر الفحش إلى كثير من أهل الفحش؟! ومَن الذي أعطى القصص الخليعة وروايات السوء إلى من تأثر بها؟! َمَن الذي جلب إليهم الأفلام؟! مَن الذي سافر معهم إلى بلدان الشر والفساد؟! مَن الذي ضيعهم عن أهليهم؟! مَن الذي جعلهم يضيعون أماناتهم، وزوجاتهم، وأولادهم؟! إنهم قرناء السوء، أثرهم واضح في الواقع، يضيِّعون العمر، إنهم مَرَضٌ وهَمٌّ، وغَمٌّ وعجز. أيها المسلم! يا عبد الله! قد تكون أنت من أهل الخير، ولكن في نفسك شيء من الهوى إلى الجلوس إلى بعض أهل السوء، فإياك إياك أن يأخذك إلى أي مكان؟! إن صاحب الخير يأخذك إلى مسجد، أو حلقة علم، أو زيارة نافعة، أو عبادة وطاعة، أو قربة، أو يصحبك في حجٍ أو عمرة. أما ذلك فيأخذك إلى مكان دمَّر حياةَ كثير من الناس! فهل من توبة؟! وهل من عودة؟! وأقل ما في صحبتهم: ضياعُ الأوقات. حدثني واحدٌ قال: ذهبنا ووقفنا على أرجلنا إلى الساعة الواحدة ليلاً، ننتظر عملية القمار والميسر، ماذا ستكون نتيجتُها؟! ومَن الذي سيفوز بالسحب؟! ضاع الوقت، وضاع العمر، ومشاهدة المعصية، وهكذا الفكر الخالي، والعقل الخالي، والقلب الخالي؛ يسهُل جَرُّ صاحبِه. والناس إذا كانوا أصحاب تفاهات لو قيل لهم: إن في فَتِّ البعر سراً لأقبلوا على فَتِّه؛ لأن كثيراً منهم ليسوا بأصحاب عقولٍ راجحة، فيسهل الضحك عليهم، ويسهل خداعهم، وهذا حال كثير من الناس. فإذا لم يُوَفَّق الإنسان بصاحب عقلٍ راجح فكيف يكون العيش؟! وإذا كان الإنسان في مكان لم يجد فيه قريناً صالحاً، قد يعيش في مَجْمَع سكني، أو مكانٍ ناءٍ لا يجد فيه صحبة صالحة، يُبْتلى العامل بعمال حوله من النصارى والهندوس، أو غير ذلك ممن يكونون معه، فربما لا يجد أحداً من أهل الخير، فماذا يفعل عند ذلك؟ قال العلماء: فالأَولى للرجل في هذه الحالة ألا يزور إلا المقابر، ولا يفاوض إلا الكتب، وليستعن بالله على التوفيق، ويجعل خلوته أنساً بالله تعالى. إذا لم تجد أصحاباً فخالط كتب العلماء، وإذا لم تجد صالحاً تزوره فزر القبور. أيها الإخوة: كثيرٌ من الناس لا يغيرون العلاقات السيئة؛ لِقِدَم العهد وجريان العادة، فهو لَمَّا تعود على هذه الشلة لا يريد أن يفارقها؛ إن هناك جاذبيةً، إن سريان الوقت قد جعله متعلقاً بهم، فانتشال النفس من بينهم يحتاج إلى دينٍ، ومجاهدة، وإرادة قوية لا يُرْزَقُها إلا من أخلص النية لله من أجل الخلاص. يا أيها الأب: ساهم في توجيه ولدك إلى أهل الخير في الوقت المبكر؛ فإن الولد إذا كَبُر فَبَنَى علاقاته بنفسه، فإنه يصعب عليك جداً أن تغيرها أنت، اختَر له قبل أن يختار هو، فإذا رأيته مال إلى أهل الخير فشجِّعه، وأيِّده، وانصره، ووافقه على ما مال إليه؛ لأنه فيه صلاح دينه ودنياه. وبعضهم يقول للأخيار: أدفع لكم نقوداً وخذوا ابني. وبعضهم اعتَبَر بضياع الولد الأول، فلا يريد أن يضيع الثاني، والذي رأى تجارب غيره لا يحتاج أن يجربها. وهذه من مسئوليات الآباء في اختيار الأولاد الصالحين لمرافقة أبنائهم منذ السن المبكرة، وأن يتعاون الجميع على أن يوجدوا بيئات صالحة؛ وإيجاد البيئات الصالحة مسئولية عظيمة، وصدقة جارية، والله إن الذي يوجِد مجموعةً صالحة يعيش فيها ولده وولد غيره وولد جاره صدقةً جارية، تكون له في كل علم اكتسبوه، وخلق انتفعوا به. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الذين ينشغلون بذكرك، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم اجعلنا ممن يصاحب الأخيار يا رب العالمين! اللهم لا تجعلنا من النادمين، اللهم لا تجعلنا من النادمين، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين. اللهم انصرنا على أعداء الدين، اللهم عجِّل فرج المسلمين. اللهم إنا نسألك أن تهلك الكفرة الذين يعادون رسلك ويكذبون وحيك يا رب العالمين! اللهم أنزل بهم بأسك وعذابك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، ونجنا برحمتك يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1109

حقها عليه إن من نعم الله على عباده أن جعلهما زوجين، ذكراً وأنثى، وجعل كلاً منهما يألف الآخر ويحن إليه، وقد جعل الشارع كذلك أسباباً وحقوقاً على كل من الزوجين تزيد في المودة والمحبة والألفة إن هم عملوا بها، ومن هذه الأسباب: حقوق الزوجة، وقد ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة بعض حقوق المرأة على الرجل كالعشرة والنفقة وأحوالها، وما يصلح وما لا يصلح فيهما.

стр. 1110

من حقوق الزوجة: المعاشرة بالمعروف الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: سنتحدث -يا أيها الإخوة- وما زلنا في الحقوق الزوجية، التي هي من الأمور الأساسية التي جاءت بها الشريعة في العلاقة بين الزوجين، وأن معرفة هذه الحقوق مما يدرأ المشكلات، ويجعل الحياة الزوجية حياة سعيدة, وأن كثيراً من أسباب الشقاء بين الزوجين يعود إلى الجهل بالحقوق الزوجية. ولا شك أن هناك حقوقاً تعود إلى الزوجة، مثل: المهر. والنفقة. والمعاشرة بالمعروف. وعدم الإضرار بالزوجة. والوطء وما يتعلق به. وأن هناك حقوقاً للزوج، مثل: طاعته. وقرارها في بيته. وألا تأذن لأحد بغير إذنه. وأن تحفظ مال الزوج. وأن تخدمه في بيته. وله عليها حق التأديب إذا احتاج الأمر إلى ذلك. وقد تكلمنا في المرة الماضية عن مسألة واحدة فقط من حقوق الزوج وهي: طاعتها له، ونتكلم اليوم عن حق من حقوق الزوجة، لنعود بعد ذلك إلى حقوق الزوج مرة أخرى، ونجعل هناك مناوبة بين الحقين. فمن حقوق الزوجة على زوجها: المعاشرة بالمعروف: أما بالنسبة للمعاشرة بالمعروف، فإن من حقوق الزوجة على زوجها: معاشرته لها بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] ولا بد أن نعرف ما معنى المعاشرة بالمعروف، وما هي مستلزمات هذه المعاشرة.

стр. 1111

معنى المعاشرة والمعروف في الآية ما المقصود بالمعاشرة؟ المقصود بالمعاشرة: المخالطة، والمصاحبة، وينبغي أن تكون هذه المعاشرة بالمعروف. فما هو المعروف، بعد أن عرفنا معنى المعاشرة؟ قال ابن كثير ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]: أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبون ذلك منهن، فافعلوا أنتم بهن مثله. وقال بعض المفسرين: النَّصَفَة في المبيت، والنفقة، والإجمال في القول. وقال الجصاص ﵀ في هذه الآية: أمر الله تعالى الأزواج بعشرة نسائهم بالمعروف، ومن المعروف: أن يوفيها حقها من المهر، والنفقة، والقَسْم -أي: القسم بين الزوجات إذا كان له أكثر من زوجة- وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض عنها، والميل إلى غيرها، وترك العبوس والتقطيب في وجهها بغير ذنب، وما جرى مجرى ذلك. إذاً: فَسَّر قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]: أن يوفيها حقها من المهر، والنققة، إذا كان له أكثر من زوجة، وأن يترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض، والميل إلى غيرها، وأن يترك العبوس والتقطيب في وجهها بغير ذنب منها. وقال القرطبي ﵀ في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]: أي: عاشروهن على ما أمر الله به من حسن المعاشرة، وذلك بتوفية حقها من المهر، والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقاً في القول؛ لا فظاً، ولا غليظاً، ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها -لا يظهر الميل إلى غيرها- فأمر الله تعالى بحسن صحبة النساء، إذا عقدوا عليهن، لتكون أُدْمَة ما بينهم -أي: خلطة ما بينهم- وصحبتهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش. وقال الشيخ: محمد رشيد رضا ﵀ في تفسير المنار في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]: أي: يجب عليكم -أيها المؤمنون- أن تحسنوا عشرة نسائكم بأن تكون مصاحبتكم ومخالطتكم لهن بالمعروف، الذي تعرفه وتألفه طباعهن، ولا يُسْتَنْكر شرعاً، ولا عرفاً، ولا مروءة، فالتضييق في النفقة، والإيذاء بالقول أو الفعل، وكثرة العبوس -عبوس الوجه وتقطيبه عند اللقاء- كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف، والغرض أن يكون كل منهما مدعاة سرور الآخر، وسبب هنائه في معيشته. وبالجملة: فإن قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] أن يجري مع زوجته بما جرى من عرف الناس، مما يعتبرونه من حسن المعاشرة، وتألُّف طباع النساء، وما يليق بكل زوجة بحسب حالها، بشرط ألا يُسْتَنْكَر ذلك شرعاً. فإذاًَ مراعاة العرف -أيضاً- من الأشياء المهمة ما لم يخالف الشرع.

стр. 1112

حكم المعاشرة بالمعروف والأدلة عليها ومعاشرة الأزواج للزوجات بالمعروف واجب، ليس مستحباً فقط، وإنما هو واجب؛ لأن الله أمر به، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب؛ إلا إذا قام الدليل على صرفه إلى الاستحباب، ولا صارف، هناك أمر، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يوجد صارف، إذاً ما حكم المعاشرة بالمعروف؟ واجب، إذا أخلَّ بها الزوج يأثم. بل إن الأدلة متضافرة على وجوب المعاشرة بالمعروف، وتأكيد هذا الوجوب، فمن ذلك قوله ﷺ : (استوصوا بالنساء خيراً) رواه الإمام مسلم. وهذه الوصية من النبي ﵊، أن نستوصي بالنساء خيراً؛ لأنهن عَوان عندنا، وأسيرات، فلا بد من إحسان العشرة معهن، والمخالِف لذلك كثير، ولذلك إذا طغى الزوج، أو بغى، أو كان فظاً، أو غليظاً، أو سيئ المعاملة، أو نابي الألفاظ، أو مقصراً في النفقة، أو مقطباً في وجه زوجته، أو لا يكلمها، ولا يعطيها اهتماماً، ولا عطفاً، ولا حناناً، فإنه بالتالي يكون مخالفاً لهذه الآية، والمخالفة خطيرة، ولذلك ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة. وقد حث الإسلام على الالتزام بهذا الأمر، وجعل أكثر الرجال خيرية خيرهم لنسائهم، فقد قال ﵊: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم). وجاء في حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). فإذاً جعل الخيرية في طبقات الرجال مَن كان خيراً لأهله؛ لأنه إذا كان معاشراً بالمعروف لأقرب الناس إليه، ومن كانت خلطته دائماً معها وهي زوجته وهو معها بشر وحسن خلق وحسن معاشرة فمن باب أولى أن تكون علاقته مع الناس البعيدين حسنة، ومع الناس الذين يجدهم بين الفينة والفينة حسنة، ولذلك تجد القاعدة فعلاً مُطَّرِدَة، إذا كانت معاشرة الرجل مع زوجته حسنة، في الغالب تجد أن معاشرته مع جميع الناس حسنة. ومما يؤكد وجوب المعاشرة بالمعروف للزوجة: التأسي بالنبي ﵊؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. وماذا كان يفعل ﷺ مع نسائه؟ كان جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف معهم، ويوسعهم نفقة، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان إذا صلى العشاء، يدخل منزله يسمُر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ ، ولذلك كَرِه السمر بعد العشاء إلا مع الأهل أو الضيف وما شابه ذلك من الحاجة، ولذلك فإن مسامرة الرجل لأهله من السنة، وسَمَرُه مع زوجته من السنة. ولعلنا نفرد فصلاً خاصاً لمعاشرة النبي ﵊ وهديه في معاشرة زوجاته.

стр. 1113

ضوابط معاشرة الزوج لزوجته ومع أن الإسلام أمر الزوج بمعاشرة زوجته بالمعروف، وجعل ذلك واجباً عليه، فإن هناك أموراً تعين الزوج على القيام بالواجب، ومنها:

стр. 1114

معرفة طبيعة المرأة أولاً: معرفته لطبيعة المرأة: ولذلك إذا عرف طبيعة المرأة سهل عليه أن يعاشرها بحسب ما يحتاج الأمر، فمثلاً بيَّن النبي ﷺ أن المرأة خُلقت من ضِلَع أعوج، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضِلَع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها على عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها). فإذا عرف الرجل أن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج، آدم لما خلقه الله أخذ ضلعاً من أضلاع صدره، والضلع معروف، ضلع الصدر لا بد أن يكون معوَجَّاً محنياً من جهة رأسه، ولذلك النبي ﵊ قال في الحديث الصحيح: (استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضِّلَع أعلاه) معنى ذلك: أن العوج موجود هنا أيضاً (إن أعوج ما في الضِّلَع أعلاه). فمعرفة أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، يعني: أن الاعوجاج موجود في طبيعتها، ولذلك لا تستنكر إذا حصلت أشياء لا تستقيم عندك، لأنك تعرف طبيعة المرأة سلفاً، صحيحٌ أن هناك عاقلات من النساء أكثر من بعض الرجال، لا شك، وكَمُل من النساء أعداد، كَمُل من النساء أربع، وهناك غيرهن قريبات من الكمال، وبعض النساء أعقل من بعض الرجال، لكن الغالب أن كمال العقل عند الرجل أكثر، كَمُل من الرجال كثير. والفساد يؤثر على الرجل، ربما يكون من شقائه: شربه للخمر، ومعاشرته، ومقارفة المنكرات، والكبائر، والفواحش، والأسفار، تكون المرأة هي العاقلة وهو الديوث، صاحب الفواحش الذي ليس فيه ولا يكاد يوجد فيه عقل، وتكون زوجته أعقل منه، وأربط للبيت منه، وأحفظ للبيت، ونحو ذلك؛ لكن الأصل أن الرجل هو الأعقل. فالآن تأمل معي أن أصل الخِلْقة، لما خلقت المرأة من ضِلَع، والضِّلَع مُعْوَجٌّ من الأعلى، كان هذا الشيء الذي هو أصل الخِلْقة مؤثراً على النتيجة التي هي المرأة المخلوقة (وإن أعوج شيء في الضِّلَع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته) الآن هذا الضِّلَع معوجٌّ، اخلع ضلعاً من ذبيحة، وحاول أن تقيم هذا الضلع من الأعلى وتجعله مستقيماً، إن جئت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوجاً (استوصوا بالنساء خيراً) معناه: هذا شيء أصلي موجود، وإصلاحه الجذري يجب أن تستبعده. ولكن لا شك أن الاعوجاج في النساء يختلف: فمنهن عاقلة موفورة العقل. ومنهن من لا يكاد يوجد فيها عقل. ولذلك لما قال: (استوصوا بالنساء خيراً) أي: اقبلوا وصيتي فيهن، واعملوا بها، وارفقوا بهن، وأحسنوا عشرتهن، (فإن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج) فلا يُنْكر اعوجاجها، وليست مفاجأة يعني: إذا تصرفت تصرفاً طائشاً ليست مفاجأة؛ لأنك تعرف سلفاً طبيعة الخلقة.

стр. 1115

أن الأصل في المرأة النقص وعدم الكمال كذلك المرأة إن أردت إقامتها على الجادة تامة مرضية لا تَعْوَجَّ أبداً، لا يمكن؛ لأنك إذا أردت أن تستقيم المرأة (١٠٠%) ما يمكن، إلا بكسرها، وكسرها طلاقها، ولذلك إذا أردتها سليمة (١٠٠%) فإنه لا بد أن يؤدي ذلك إلى الشقاق والفراق وهو كسرها؛ لأنه لا يمكن، ليس من وسعها واستعدادها أن تكون (١٠٠%) مستقيمة، وإن صبرتَ على سوء حالها، وعدم قيامها بحق زوجها دام الأمر لك، ما دمتَ متوقعاً سلفاً، ومستعداً لما يصدر، ودام استمتاعك بها، وحصل بها الإعفاف وطلب الذرية الصالحة. ولذلك قال في رواية الترمذي: (إن المرأة كالضِّلَع، إن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على عوج). وقد جاء في شرح الحديث: إن المرأة كالضِّلَع، يعني: أن النساء في خلقهن اعوجاج في الأصل، فلا يستطيع أحد أن يغيرهن عما جُبِلْن عليه، ولذلك ما معنى هذا؟ يجب على الزوج ألا يقسو عليها إذا صدر منها بعض التقصير في حقه، ولا يحمله تقصيرها على التقصير بواجب المعاشرة لها بالمعروف، فإن التقصير منها لا يقابَل بالتقصير منه، يجب أن يعرف الرجل أن زوجته ليست مثله في القوة والعقل والتحمل، وأنها إذا قصَّرت فإنه يعلم سلفاً أن تقصيرها بسبب أصل خلقتها، ولذلك لا يقابِل هو هذا التقصير بتقصير فتتسع الهوة، أو أنه يريد منها ألا تخطئ في شيء، فلذلك بعض الرجال إذا رأى شيئاً بسيطاً من التقصير، تأخر الغداء خمس دقائق، فوجئ أن الثوب غير مكوي، حصل أيُّ تقصير، زيادة الملح في الطعام، أقام الدنيا ولم يقعدها، فهذا النوع من الأزواج لا يفهم طبيعة المرأة أبداً، ما يعرف حديث: (إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج) أبداً، ثم إن الخطأ البشري ممكن؛ لأن المرأة بشر، والرجل قد يخطئ في أشياء كثيرة في عمله، ربما ينسخ على ورقة ليست مما يُكتب فيه، ويأخذ نموذجاً غلطاً يعبئه، واستمارة ليست هي المطلوبة، الخطأ يقع من الرجل أيضاً في أشياء كثيرة، فليتوقع أنه إذا حصل خطأ من المرأة أنه يعفو ويسامح، ومن سامح فهو كريم.

стр. 1116

اعوجاج المرأة لا يعني عدم تقييمها وكذلك فإن اعوجاج المرأة على النحو الذي بيَّنه الحديث لا يعني أن الزوج ما يقوم شيئاً في المرأة، هذه مسألة مهمة، ليس معنى الحديث تيئيس الرجل من تقويم زوجته، لا، لكن معنى الحديث: أن الرجل لو حاول كثيراً جداً، ثم لم تأتِ النتيجة على ما يريد، أنه لا يُحْبَط؛ لأن المسألة فيها طاقة وقدرة إلى هذا الحد، وأن هناك شيئاً جِبِلِّياً في الموضوع، وشيئاً خَلْقياً في الموضوع، وشيئاً فِطْرياً وغريزياً في القضية، وشيئاً أصلياً؛ ولكن لا يعني أن هناك أشياء لا تتحسن، بل إن هناك أشياء كثيرة تتحسن، لكن المقصود أنك لن تصل إلى الكمال؛ لكن يمكن أن تكون المرأة عندها اعوجاج كبير فيخف بالمتابعة، والمعاهدة، والتربية، والتعليم، والتوجيه، والملازمة، والتقويم، تتغير أشياء كثيرة في المرأة، ودلالة الحديث على ما في المرأة من الاعوجاج يعني: فقط أن الوصول إلى الكمال التام غير ممكن؛ لكن لا يعني أن التحسن غير ممكن، وهذا أمر يجب أن يفهم. فطبيعتها تستعصي على التقويم الكامل؛ لكنها لا تستعصي على التقويم إلى درجة مهمة، وليس من المتعذر تقويمها على نحو مهم وكبير بحيث يحسِّن من حالها، وخدمة زوجها، وطاعتها له، ونحو ذلك.

стр. 1117

أن الرفق واللطف مطلوب في إصلاح الزوجة ومن الأمور المهمة: أن يعلم الزوج أن إصلاح الاعوجاج يتطلب رفقاً ولطفاً، وقد جاء في الحديث الصحيح: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله، ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما نُزع منه إلا شانه). وإذا لم تستقم الزوجة لزوجها، ولم تقم بحقوقه على النحو الذي هو يتمناه ويرجوه، وبقيت بقية من النشوز والاعوجاج، فعليه ألا يستغرب؛ لأن المسألة أصلية، ولا يحمله ذلك على كسرها وهو طلاقها، بل يتحملها ويحتسب تحملها عند الله، ويؤدي حق الله عليه فيها بحسن معاشرته لها، فهذا كَرَمُ الرجال ومروءة الأزواج، والرجل لا بد أن يكون عنده شهامة، ومروءة، وكرم.

стр. 1118

تذكر حسنات الزوجة وكذلك من الضوابط الشرعية المهمة التي وردت في معاشرة الرجل لزوجه، مما يساعد على معاشرة الزوجة بالمعروف: أن يتذكر حسنات زوجته: وهذا الأصل وضحه ﵊ بقوله في الحديث الصحيح: (لا يفْرِك مؤمنٌ مؤمنة -يعني: أي لا يكره- إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر، أو رضي منها غيره). قال النووي ﵀ في شرح الحديث: أي: ينبغي ألا يبغضها؛ لأنه إن وجد منها خُلُقاً يكرهه، وجد فيها خُلُقاً مرضياً يقبله، كأن تكون شرسة في الخُلُق لكنها ديِّنة -يعني: ذات دين جيد-. وربما يكون فيها تقصير في الخدمة، لكن فيها جمال وعفة، وربما يكون عندها شيء من عدم الفطنة؛ لكنها رفيقة ومتحببة. إذاً: من الأشياء المهمة أن يتذكر الرجل حسنات زوجته؛ لأن تذكر الحسنات يطغى على السيئات، ويغطي التقصير، فلا يصح للزوج أن يركز نظره على الجانب الكريه من الزوجة، وينسى الجانب المضيء منها، لا يركز على الجانب المظلم، وينسى الجانب الطيب، عليه أن يستحضر حسناتها معه، وهو ينظر إلى سيئاتها معه أيضاً. إن هذا الاستحضار المزدوج يمكن أن يُسْتَشَف من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]. والله تعالى قال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١]. وقال: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥]. فإذاً: العدل يقتضي ألا نغمض أعيننا نحن الأزواج عن حسنات المرأة إذا صدر منها أمر سيئ؛ لأننا إذا كرهنا منها خُلُقاً وجدنا منها خُلُقاً آخر مرضياً، وأن نعلم أنها امرأة غير معصومة من الخطأ، وأن الله عفو يحب من عباده أن يتشبهوا بما يجوز لهم التشبه فيه من صفاته، مثل: العفو، والكرم. المخلوق عليه أن يقتبس من صفات الخالق التي يجوز له أن يقتبس منها لنفسه؛ ولذلك يكون الزوج عفواً كريماً. وقال القرطبي ﵀: يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب.

стр. 1119

أن الخير قد يكون في المرأة التي يكرهها ثم أيضاً من الأشياء التي تساعد على معاشرة الزوجة بالمعروف: ما قال الله تعالى في الآية: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩]: على الزوج أن يتذكر بأن الخير قد يكون في زوجته التي يكرهها، ويأتي عن طريقها، كأن يرزقه الله منها ولداً صالحاً تقر به عينه، وينتفع به المسلمون، فضلاً عن انتفاعه به هو في الدنيا، وانتفاعه به في الآخرة، كأن يكون ولداً صالحاً يدعو له، وربما ينفع الأب استغفار ولده له فترفع المنزلة في الجنة (فيقول: مِن أين لي هذا؟ فيقولون: باستغفار ولدك لك). والآن هذه الآية يجب أن تؤخذ بتمامها: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩]. إذاًَ: إذا كرهتم شيئاًَ، يمكن أن يكون فيه خير من وجه آخر. ولذلك قال المفسرون ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]: قال القرطبي: أي: لدمامة -إن كرهتموهن لقبح في الشكل، عدم وجود جمال- أي: لدمامة، أو سوء خلق، مِن غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فإذا ما وصلت المسألة إلى الفاحشة والنشوز فوجود شيء من الدمامة أو شيء من سوء الخلق يُنْدَب الزوج إلى تحمله؛ لأنه عسى أن يئول الأمر إلى أن يرزقه الله منها أولاداً صالحين، ويجعل الله منها خيراً كثيراً. وقال ابن كثير ﵀ في هذا الآية: أي: فعسى أن يكون في إمساكهن مع الكراهة فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة. كما قال ابن عباس في هذه الآية: [هو أن يعطف عليها فيُرزَق منها ولداً أو يكون في ذلك الولد خير كثير]. وقال ابن العربي ﵀: المعنى: إن وجد الرجل في زوجته كراهيةً، وعنها رغبةً -يعني: رغب عنها، وليس فيها- ومنها نفرة، من غير فاحشة ولا نشوز، فليصبر على أذاها، وقلة إنصافها، فربما كان ذلك خيراً له. وكذلك قال بعضهم: إنكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف، فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير، مثل ولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة، أو حصول الثواب الجزيل من الله؛ لتحمُّلِه إياها، والإحسان إليها، مع كراهيته لها. فإذاً: لاحظ أنهم قيدوا المسألة بما إذا لم يكن هناك فاحشة أو نشوز، إذا وجدت فاحشة فالمسألة انتهت، ليس هذا مما يُتَحَمَّل. ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩] قال الشيخ: محمد رشيد رضا ﵀: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩] أي: لعيب في الخَلْق أو الخُلُق مما لا يعد ذنباً لهن، أو لتقصير في العمل الواجب عليهن في خدمة البيت والقيام بشئونه، مما لا يخلو عن مثله النساء -يعني: الخلق هذا أو الاعوجاج أو التقصير موجود عند عامة النساء، إذا كان شيئاً موجوداً عند عامة النساء اصبر عليه، فالذي عند غيرك مثل الذي عندك، والتقصير الذي تشعر به يعاني منه كثيرون، فإذاً: المسالة في حدود العموم الموجود المنتشر الذي لا يخلو منه بيت، ولا تخلو منه امرأة- فلا تعجل بالمضارة والمفارقة ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] ومن الخير الكثير، بل أهمه وأعلاه: الأولاد النجباء، فرب امرأة يملها زوجها، ويكرهها، ثم يجيئه منها ما تقر به عينه من الأولاد النجباء، فيعلو قدرها عنده، ومن الخير الكثير أن يصلح حالها بصبره وحسن معاشرته، فتكون من أعظم أسباب هنائه. ولذلك بعض الناس يقول: أنا أول خمس سنوات من زواجي تعبت جداً، ولكن بعد ذلك ارتحت إلى الغاية، بسبب أنه صبر على اعوجاج الزوجة، ومن صبر ظفر. والحاصل أن الدين يسر، والإسلام يوصِي المسلمين بحسن معاشرة في النساء والصبر عليهن إذا كرههن الأزواج، رجاء أن يكون فيهن خير كثير.

стр. 1120

أن يعرف الرجل مركزه في البيت وقوامته ثم من أسباب المعاشرة بالمعروف، ومما يعين على المعاشرة بالمعروف: أن يعرف الزوج مركزه في البيت: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] أن يتذكر ذلك دائماً، ولا ينساه، أن له القوامة على زوجته، والرياسة على عموم العائلة، وأن أمره نافذ، وطاعته واجبة في غير معصية الله، وزوجته كالرعية بالنسبة إليه، وكالأسيرة بين يديه، والشأن في المسلم الذي يخاف الله، ويتذكر نعمه، وفضله عليه، أن جعله بمركز الراعي لزوجته، وهي كالأسيرة بين يديه، الشأن به أن يترفق بزوجته، ويحسن إليها، وألا يكون فظاً غليظاً معها. ولذلك قال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]: [الدرجة إشارة إلى حض الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلُق] يعني: يتحامل الإنسان على نفسه. فالمأمول والمرجو من الزوج المسلم أن ينأى بنفسه عن التعسف في استعمال سلطته الزوجية، وألا يسيء استعمال هذه السلطة ولا يستغل مركزه في البيت على نحو يضر بالزوجة، وليعلم أنه إذا ازداد تسامحاً مع زوجته وعفواً عندما يتكرر التقصير فإنه في هذه الحالة يصل إلى مبتغاه، من جهة أنه يجذبها إلى أن تتراجع عما هي متعنتة فيه عندما ترى عفوه ومسامحته. ولا شك أن القوي يستحي من إظهار عضلاته على مخلوقة ضعيفة. والرسول ﷺ لَمَّا شبه المرأة بأنها عانية عند زوجها، أي: أسيرة، ومعنى أسيرة: أنها مغلوبة على أمرها، وأنه هو المتحكم فيها، فينبغي أن يحسن إلى الأسيرة الموجودة عنده، ولذلك قال ﵊: (ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم) وعوان: جمع عانٍ، والعاني هو: الأسير، وقوله: (فكوا العاني) العاني هو: الأسير. فالمعاشرة بالمعروف: واجب على الزوج نحو زوجته كما هي واجب عليها نحو زوجها، وهذا ما أكده الإسلام وحث عليه، ولذلك رخص الكذب لأحد الزوجين فيما يُسْتَجْلَب به المودة، ولذلك يقول ﵊: (لا أعده كذباً، الرجل يصلح بين الناس، الرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها) ومعنى هذا: أن الإنسان لو قال لزوجته مثلاً: إن هذا أحسن طبخ رأيته وطعمته في حياتي، وإن هذا أفضل أكلة أكلتها، ونحو ذلك، وهذا الكلام فيه مبالغة؛ لكن الرجل يتوسع فيه من أجل تأليف قلب زوجته، ولو أنها قالت له: أنت أكرم رجل في الدنيا ممن رأيت أو ممن عرفت ونحو ذلك، ولو كان هناك أكرم منه ممن تعرفهم من أقربائها مثلاً، فإن هذا الكلام لتأليف قلب زوجها لا بأس به ولا حرج، ولا يُعتبر كذباً. فالكذب من أجل إصلاح ما بين الزوجين، أو تأليف كل واحد منهم للآخر لا بأس به.

стр. 1121

ذكر الزوجة بالخير والثناء عليها ومن المعاشرة بالمعروف: أن الرجل لا يزال يذكر زوجته بخير، ولو بعد وفاتها: وقد كان ﷺ حسن العهد وفياً، وكان كثيراً ما يحسن إلى خديجة بعد وفاتها، ﵂، فقد أخرج البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (ما غِرْتُ على امرأة ما غِرْتُ على خديجة، ولقد هَلَكَتْ قبل أن يتزوجني رسول الله ﷺ بثلاث سنين، لِمَا كنت أسمعه يذكرها، ولقد أمره ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب، وإن كان ليذبح الشاة، ثم يهدي في خَلَّتها منها) يعني: في صُوَيْحِباتِها منها، وهن خلائلها وصديقاتها. وورد في البخاري في الأدب المفرد: (كان النبي ﷺ إذا أُتِي بالشيء يقول: اذهبوا به إلى فلانة، فإنها كانت صديقة لـ خديجة). وأخرج الحاكم والبيهقي عن عائشة ﵂ قالت: (جاءت عجوز إلى النبي صلى الله وعليه وسلم، فارتاع لها وخرج، فقال: كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلما خَرَجَت قلت: -يعني عائشة غارت- يا رسول الله! تُقْبِل على هذه العجوز هذا الإقبال؟! فقال: يا عائشة! إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان). (وجاءت هالة أخت خديجة، فقام وارتاع لها، ويسأل عن حالهم، وعن أخبارهم، فكانت عائشة تقول: ما تريد من امرأة حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها؟! -يعني: يعني: ماذا تريد بعجوز قد أبدلك الله خيراً منها- قال: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد) فهو لا يزال يذكر زوجته الأولى خديجة، ولا شك فهي التي أعانته لما نزل الوحي، وهي التي هدَّأت من روعه، وهي التي آزرته ونصرته، وهي التي دعمته بمالها وساعدته، وكانت نعم الزوجة لزوجها، ولذلك بُشِّرت خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. فهذا من المعاشرة بالمعروف، والمعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة. فإننا قلنا: إن هناك حقوقاً على الزوج وحقوقاً على الزوجة، وهذا الحق وهو المعاشرة بالمعروف من الحقوق المشتركة، ولذلك فإن حسن المعاشرة مذكورة في الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] لاحظ بلاغة القرآن في بيان الحق المشترك: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] فلكل من الزوجين حق المعاشرة بالمعروف على الآخر؛ ولكن يختلفان في المعروف في الحق في بعض المواضع. ولذلك قال العلماء، ويسن لكل من الزوجين تحسين خُلُقه لصاحبه، والرفق به، واحتمال أذاه. ولذلك جاءت الشريعة بالحرص على دوام حسن المعاشرة بين الزوجين، وأن تكون الروابط قوية ومتينة، وإزالة ما يكدر هذا الصفو، إذا حصل شقاق فهناك علاجات، لعلنا نذكر تفصيلها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء:٣٥]. فهنا يتبين مسألة حق الزوجة على زوجها في المعاشرة بالمعروف. وهناك أشياء أخرى تفصيلية سنذكرها في النفقة، والوطء، والمبيت، والعدل بين الزوجات، مما يجب على الزوج، وأشياء أخرى تفصيلية في القرار في البيت، والاستئذان، وحفظ المال، ونحو ذلك مما سنذكره في حقوق الزوج على زوجته. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1122

حق النفقة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد سبق الكلام -أيها الإخوة- في الحقوق الزوجية في أمور شتى. وسنتكلم في هذه الليلة إن شاء الله عن مسألة مهمة، ذكرها الفقهاء، وتعرضوا لها، ألا وهي: موضوع نفقة الزوجة.

стр. 1123

أدلة وجوب النفقة على الزوج من حقوق المرأة التي جاءت بها الشريعة: وجوب نفقة المرأة على زوجها، وعلى هذا دلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأجمع عليه العلماء، ولوجوب النفقة للزوجة على زوجها شروط معينة، وهي مقدرة شرعاً، لكفايتها من الطعام واللباس، والسكن، على قدر حال الزوج يساراً وإعساراً. وهذا النفقة فرض على الزوج لا بد أن يقوم به، ولا تسقط عنه، بل تصبح ديناً في ذمته إذا عجز عنها. وهناك أمور كثيرة تتعلق بالنفقة، مثل: وجوبها، وكيفيتها، وأنواعها، ومقدارها، واستيفائها، والاختلاف فيها، ومسقطات النفقة. أما وجوب نفقة الزوجة: فإنه واضح من الكتاب العزيز كما ذكر أهل العلم، واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج النفقة والكسوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ [البقرة:٢٣٣]: عليه، فيفيد الوجوب ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]. وثبت من قوله ﵊: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف). وكذلك قال النبي ﷺ لـ هند زوجة أبي سفيان: (خذي -يعني: من مال زوجك أبي سفيان - ما يكفيك وولدك بالمعروف). قال ابن قدامة ﵀: نفقة الزوجة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، واحتج بقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ﴾ [الطلاق:٧] هذا أمر ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] وبقوله صلى الله وعليه وسلم: (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن، وكسوتهن بالمعروف). وقد دل الكتاب العزيز على وجوب إسكان الزوجة في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦]. يعني: على قدر ما يجد أحدكم من السعة والمقدرة، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق أيضاً؛ لأنها لا تصل إلى النفقة إلا بالخروج للاكتساب، وهي ممنوعة من الخروج بحق الزوج، إذاً وجب عليه أن يكفيها الخروج، وأن ينفق عليها. وقال الله تعالى: ﴿تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق:٦] أي: لا تضارُّوهن في الإنفاق، فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن لطلبها. وقال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧].

стр. 1124

سبب وجوب النفقة على الزوجة وما هو سبب النفقة على الزوجة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن سبب وجوب النفقة على الزوجة، أنها محبوسة عند زوجها بحبس النكاح، ممنوعة من الخروج للاكتساب؛ لأنها إذا كانت محبوسة عنده، كما قال ﷺ : (فإنهن عوان عندكم) ولا يجوز لها أن تخرج إلا بإذنه، فمعنى ذلك أنها لا تستطيع أن تخرج لتكتسب إلا بإذنه، وهي محبوسة لحقه، متفرغة لشأنه وأولاده وبيته. فإذاً لا بد أن تنال كفايتها، وكل من كان محبوساً على أمر من الأمور بحيث يشغله هذا الأمر عن النفقة على نفسه، فإنه يُفرض له من بيت المال، كالقاضي والمفتي ونحوهم، إذا فُرِّغوا لأجل مصالح المسلمين، وجب أن يعطوا من بيت المال النفقة عليهم. وكذلك المرأة محبوسة عن النفقة، أسيرة في بيت زوجها، فكان لا بد له أن ينفق عليها. وذهب بعض أهل العلم -أيضاً- إلى أن سبب نفقة الزوجة على زوجها التي يجب أن يسلمها إياها هو تسليم نفسها إليه، وتمكينه تمكيناً تاماً من الاستمتاع بها، فإذا كانت الزوجة قد سلمت نفسها لزوجها وجب على زوجها أن ينفق عليها. وقال العلماء: إذا بذلت الزوجة تسليم نفسها البذل التام، بألا تسلم في مكان دون آخر، أو بلد دون آخر، بل بذلت نفسها لزوجها، وخلَّت بينها وبينه؛ بحيث يستمتع بها متى شاء، فإنه يجب عليه أن ينفق عليها. إذاً: إذا سلَّمت نفسها للزوج وجب الإنفاق. فلو قال قائل: أنا عقدت على امرأة وهي عند أبيها، ولم تسلِّم نفسها بعد، هل يجب علي أي نفقة؟ الجواب لا. لأن النفقة لا تجب إلا عند تسليم الزوجة لنفسها، فإذا سلمت نفسها، فإنه يجب على الزوج أن ينفق عليها. وكذلك فإن العقد الصحيح سبب لوجوب النفقة، لأن العقد الفاسد ليس فيه نفقة، ولا يجب على الزوج أن ينفق عليها، ولذلك بعض الذين يسافرون إلى الخارج، ويقترفون المحرمات، ويفعلون الفواحش، ثم ترسل له الزانية بصورة البنت أو الولد قائلة: أرسل النفقة! هل عليه نفقة؟ ليس عليه نفقة؛ لأن هذا زنا وليس بزواج، وهذه البنت ليست ابنته، بل هي بنت الزانية تُنسب إليها، ولذلك لا نفقة لها، ولا لمن يأتي من الزنا، فالنفقة من النكاح الصحيح، وليس من النكاح الفاسد. وكذلك فإن الزوجة إذا نشزت وامتنعت عن تسليم نفسها لا نفقة لها، فتسليم الزوجة نفسها للزوج في نكاح صحيح، وحبسِها لنفسها في بيته هو سبب النفقة. فإذاً: لا يجوز للزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها لزوجها بدون سبب شرعي، وعليها أن تخلي بين نفسها وبين زوجها، وفي هذه الحالة تستحق النفقة، وإذا امتنعت عن الذهاب معه إلى بيته، فليس لها نفقة. وينبغي أن يكون تسليمها لنفسها حقيقياً بأن تأتي إلى بيته، فإذا زفت إليه -مثلاً- تم التسليم، كما يُعتبر التسليم حاصلاً حكماً إذا كانت مستعدة للانتقال إلى بيته في أي وقت شاء؛ لكنه هو الذي أخر هذا الانتقال، فهي إذاً جاهزة من أجله، فهنا يجب عليه النفقة.

стр. 1125

حالات يحق للزوجة فيها الامتناع عن تسليم نفسها وللزوجة أن تمتنع عن تسليم نفسها بسبب شرعي، من أمثلة ذلك:
следующие страницы →