← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ظاهرة الفحش والبذاءة إن ظاهرة السب والشتم واللعن ظاهرة اجتماعية سيئة تفشت بين أوساط المجتمع الإسلامي، ولقد كان نبينا ﵊ صاحب المنزلة العالية في الآداب الحميدة والكلام الحسن والابتعاد التام عن فحش القول وزوره، وقد حذر من هذه الظاهرة القرآن العظيم والسنة المطهرة في مواضع كثيرة، فواجبنا تجاه هذه الظاهرة بترها وقطع دابرها حتى يعيش الناس على ألفاظ القرآن والسنة، ومجانبة الألفاظ التي تؤذي المسلمين.

стр. 1192

آداب النبي ﷺ في الكلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله! حديثنا في هذه الخطبة عن ظاهرة اجتماعية سيئة عمت كثيراً من الخلق، وهي متعلقة باللسان الذي هو أسهل الأعضاء حركة (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) وهذه الظاهرة هي ما نراه من انتشار السب واللعن والشتم في أوساط المسلمين، واستعمال الألفاظ البذيئة، فلا تكاد تدخل في سوق، أو محل، أو تجلس في مجلس إلا سمعت أشياء كثيرة، فضلاً عن الطرقات، والمدارس وغيرها من مجتمعات الناس. وهذه الظاهرة ظاهرة السب والشتم واللعن والبذاءة في الكلام قضية خطيرة، لا ينبغي التساهل فيها أبداً [لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً] رواه البخاري ومسلم. والفحش هو ما قبح من القول والفعل، وشر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء فحشة، فترى هؤلاء ينطقون بالأقوال الأثيمة، وأحدهم عينه غمازة، ولسانه لمازة، ونفسه همازة، وحديثه البذاءة، لا يذكر أحداً إلا شتمه، ولا يرى كريماً إلا سبه وتعرض له بالسوء. والسب والشتم والطعن: التكلم في عرض الإنسان بما يعيبه، وهو فسوق وخروج عن طاعة الله تعالى، والنبي ﷺ كان إذا بالغ في المعاتبة قال: (ما له ترب جبينه) وقال ﷺ : (إن الله يبغض الفاحش المتفحش البذيء) وقال: (إن الله لا يحب كل فاحش متفحش) وقال: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة) والجعظري هو: الغليظ المتكبر، والجواظ هو: الجموع المنوع، والصخاب هو: كثير الصياح. وهذه أوصاف تنطبق على كثير من الناس غالب أحاديثهم ألفاظ شنيعة مستبشعة، يأتون بها من الأماكن القذرة، وحديثهم من المراحيض، وفي العورات، وأسماء الدواب والبهائم على ألسنتهم، واللعن جارٍ عليها، وقد قال النبي ﷺ : (سباب المسلم فسوق) أي: يخرج عن طاعة الله تعالى، وقال: (ساب مؤمن كالمشرف على الهلكة) وقال: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان)، وقال ﷺ : (أربى الربا شتم الأعراض) (أتدرون من المفلس؟ إن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا الحديث) وفي آخره: (فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته، أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار). إذاً: عقوبة السب والشتم، والطعن واللعن، والفحش في القول يكون يوم القيامة، ولقد قال النبي ﷺ موصياً أحد الصحابة: (اتق الله! ثم قال له: وإن امرؤٌ شتمك وعيرك بأمر ليس هو فيك، فلا تعيره بأمر هو فيه، ودعه يكون وباله عليه، وأجره لك، ولا تسبن أحداً). إن النبي ﷺ لم يرضَ من عائشة فعلاً معيناً كان في أعداء الدين، فقد استأذن رهط من اليهود على رسول الله ﷺ ، فقالوا: السام عليكم- وكانوا يعنون بذلك الموت- أو يقولون: السِّلام عليكم- أي: الحجارة- فقالت عائشة ﵂ وقد فطنت لما قالوا وكانت نبيهة ذكية- قالت: وعليكم السام واللعنة، وفي رواية: عليكم السام ولعنة الله، وغضب الله عليكم، وفي رواية: عليكم السام والذام- أي: الموت والذم- هذه الكلمات التي تلفظت بها في حق هؤلاء اليهود، فقال رسول الله ﷺ وهو المربي لزوجته: (يا عائشة! لا تكوني فاحشة) وفي رواية: (مه يا عائشة! فإن الله لا يحب الفحش والتفحش، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت: وعليكم) رد بكلمة واحدة ليس فيها فحش ولا تفحش، وقال: (أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا؟) هذا كلامها ﵂ في هؤلاء.

стр. 1193

استخدام ألفاظ الكناية في الكتاب والسنة إن الله تعالى ورسوله ﷺ قد نهيا عن الفحش، ولا يريد الشارع أن يتعود لسان المسلم على السب والشتيمة واللعن مطلقاً، وتأمل طريقة القرآن في الكناية عما يستبشع ذكره ويستحيا منه. ألم تر أن الله كنّى عن الجماع بالملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والسِّر، قال ابن عباس: [المباشرة الجماع، ولكن الله يكني، أو يُكنِّي] وقد قال أيضاً: [إن الله كريم يكنِّي ما شاء، وإن الرفث هو الجماع].

стр. 1194

ألفاظ الكناية في القرآن قال العلماء: من أسباب الكناية في القرآن: أن يذكر بالكناية ما يفحش ذكره في السمع، فيكني عنه بما لا ينبو عنه الطبع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] ومما قيل في تفسيرها: أي: كنوا عن لفظه ولم يوردوه على صيغته، وقد قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة:٢٣٥] فكنى عن الجماع بالسر، وقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] فكنى عن الجماع بالمباشرة لما فيها من التقاء البشرتين، وقال: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] بدلاً من الجماع، إذ لا يخلو الجماع من ملامسة، وكنى كذلك بقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] واللباس من الملابسة وهي الاختلاط الحاصل عند الجماع. وكذلك قال في آية أخرى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] فكنى عنها بالحرث، وقال تعالى في قصة امرأة العزيز: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٢٣] فطلبت منه ما تطلب المرأة من الرجل، فعبر عن ذلك بالمراودة. وقال كذلك في الجماع: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾ [الأعراف:١٨٩]. وكنى عما يخرج من الإنسان من الفضلة في قصة مريم وابنها ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] قال بعض أهل العلم بالتفسير: "أراد أيضاً مع الأكل البول والغائط، فأخبر بالمسبب إذ لابد للإنسان من البول والغائط، لكن لما كان مما يستقبح كنى عنه بذلك، وأراد أن يقول: إن مريم وابنها يأكلان الطعام ويخرجان الفضلات، ولا يمكن لأحدهما أن يكون إلهاً، فإن الله تعالى منزه عن ذلك". وقال : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة:٦] والمقصود بالغائط قسيم البول، ما يخرج من الإنسان من الفضلة، ولكن قال: الغائط، وهو المكان المنخفض من الأرض، لأن العرب كانوا إذا أرادوا قضاء حاجاتهم أبعدوا عن العيون إلى مكان منخفض من الأرض، حتى إذا نزل أحدهم فيه ليقضي حاجته لا يرى، فكنى عنه بالغائط، فانظر إلى لطيف اللفظ، وكيف يعلمنا الله الأدب في كتابه. وقال: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٢] ومعلوم ماذا يوجد بين أرجلهن، فالكناية عن الزنا، وكنى عن الاست بالدبر، فقال: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠].

стр. 1195

ألفاظ الكناية في السنة النبوية أما النبي ﷺ فإنه كان في غاية الأدب وهو يتحدث بتلك الأحاديث مما يعلم منه سلامة لسانه ﷺ ، وعفته. روى البخاري عن عائشة ﵂ أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: (خذي فرصة من مسك، فتطهري بها) ومعنى فرصة: أي قطعة من القطن أو الصوف قد أصابها المسك لتطييب المكان بالرائحة الطيبة، فقالت المرأة: (كيف أتطهر؟ قال: تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله! تطهري) وفي رواية قالت أم المؤمنين: فاستحيا النبي ﷺ ، فعلمت ما أراد، قالت: فاجتبذتها إليّ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم، طهري واغسلي ونظفي مكان الدم من الداخل، والنبي ﷺ يقول: (سبحان الله! تطهري بها) ولم يزد على ذلك. وكان ﵊ حيياً أشد حياءً من العذراء في خدرها، ولما أراد أن يعلم الأمة متى يجب الغسل، قال: (إذا جاوز الختان الختان، فقد وجب الغسل)، وفي رواية: (إذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل) وقال ﷺ لما سألته امرأة عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها من غسل؟ فقال: (نعم إذا رأت الماء) وقال: (الماء من الماء) فسمى ما يخرج من الرجل عند الجنابة ماء، وقال باللفظ اللطيف: (الماء من الماء)، فغسل الجنابة ماؤه واجب من الماء الذي يخرج، وكذلك إذا مس الختان الختان. هل تراه ذكر أسماء العورات كما يذكرها الناس اليوم والتي يعبرون عنها بأبشع الألفاظ، وأسوأ العبارات، وهذا نبيهم ﷺ بهذا العفاف والطهر، ولكنهم لا يتعلمون منه، وترى المجالس يذكر فيها من أبشع الألفاظ وأسوأ العبارات، مما يخدش الحياء، ويذهب المروءة، والناس ساكتون، ومنهم من يضحك ويشارك، والنكات القذرة لا تخفى عليكم مما يذكر فيه كثير من هذا. قال النبي ﷺ : (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه) رواه أبو داود والنسائي وهو حديث صحيح. قال ابن الأثير ﵀: الاستطابة: الاستنجاء؛ لأن الرجل يطيب نفسه بالاستنجاء من الخبث، والاستنجاء أثر النجوة وهو الغائط، وهكذا إذاً كان رسول الله ﷺ يقول، وحتى الرواة لما نقلوا الكلام والفعل والحركة كانوا في غاية العفاف. ففي رواية أبي داود في الحديث الصحيح، قال: (فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى)، يقول أبو قتادة واصفاً صلاته ﷺ : (فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى، وجلس على مقعدته) فكنى واستخدم لفظ المقعدة فيما هو معلوم. وروى ابن ماجة في سننه في كتاب الطهارة -وهو حديث صحيح- عن عائشة (أن النبي ﷺ كان يغسل مقعدته ثلاثاً في التطهر من الغائط) وكذلك عندما كانت الاستفتاءات تأتي إلى النبي ﷺ بغاية الأدب، يقول: وقعت على أهلي، أو وقعت على امرأتي في رمضان أو نحو ذلك، ولا يفحشون، ولا يقولون فحش القول أبداً، كيف وهم أمام النبي ﷺ ؟! وهذه امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله ﷺ ، وكانت عائشة جالسة عنده، وعنده أبو بكر فقالت: يا رسول الله! إني كنت تحت رفاعة، فطلقني فبت طلاقي- أي: بالثلاث- فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها، تريد أنه ضعيف، لا يستطيع الوقاع والجماع، فكنّت بهذه الكناية اللطيفة، ما معه إلا مثل هذه الهدبة، فما تسمي شيئاً من العورة، أو تذكر شيئاً قبيحاً، ومع ذلك كان خالد بن سعيد بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر! ألا تنه هذه عما تجهر به عند رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ لا يزيد على التبسم، لأن من حق المرأة أن تستفتي وتشتكي، ثم قال ﵊: (لعلكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة- أي: الزوج الأول- لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) وهي: كلمة فيها معنى اللذة، وهي إشارة إلى وجوب الوطء بالنكاح الثاني، حتى إذا طلقها عادت إلى الأول. فانظر إلى عفافه ﷺ ، وقارن بينه وبين ما يتلفظ به كثير من الناس في هذه الأيام، [وقد جاء رجل إلى عائشة ﵂ وهو عبد الله بن شهاب الخولاني كما في صحيح مسلم، فقال: فنزلت عندها- نام ضيفاً- فقال: احتلمت في ثوبي فغمستهما بالماء، فرأتني جارية لـ عائشة فأخبرتها، فبعثت إلي عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه- لاحظ الأدب في العبارة والنائم يرى أشياء كثيرة، لكن فيها إشارة إلى شيء معين- قالت: هل رأيت فيهما شيئاً؟ قلت: لا، قالت: فلو رأيت شيئاً غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابساً بظفري]. لقد عبر الصحابة عن التبول بإراقة أو إهراق الماء، وكان أحدهم يقول: أصابتني جنابة، وكان يقال في الحديث: حصل بعض ما يكون بين الرجل وامرأته، ومعلوم ماذا يكون، ومع ذلك فإنهم كانوا يستخدمون الألفاظ المؤدبة النظيفة في الكلام والخطاب. وكذلك ما يحدث بين الرجل وامرأته لا يجوز الحديث به مع أنها امرأته وحلال له، فقد روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ أن رسول الله ﷺ قال: (لعل رجل يقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها، فأرمَّ القوم- أي: سكتوا- قال ﵊: لا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون) هذا إذا حدث بالحلال الذي بينه وبين زوجته، فانظر -الآن- ماذا فعلوا في الإجازة الماضية من المنكرات والكبائر، وهم يتفوهون بها. فإذاً هذه الألفاظ المستبشعة المستشنعة، وما يكون بين الرجل وزوجته لا يجوز الحديث به أمام الناس من باب الأدب، والعفاف.

стр. 1196

خطورة انتشار ظاهرة اللعن والسب بين الناس كذلك من المصائب المنتشرة اليوم فيما يتعلق بهذا: انتشار اللعن، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، وهو منتشر كثيراً على ألسنة الناس، وقد أخرج البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لعن المؤمن كقتله) وروى مسلم عن النبي ﷺ : (لا ينبغي لصديق أن يكون لعاناً) قال العلماء: "يحرم لعن إنسان بعينه أو دابة". وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبواب الأرض دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإن لم تجد مساغاً- أي: مسلكاً- رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها) إذا كان الملعون يستحق اللعن وقعت اللعنة، أو كان ممن لعنه الله تعالى أو رسوله، أو كان لعن الجنس كلعن اليهود والنصارى، أو لعن الفاسقين والمتبرجات، أو لعن النامصات والمتنمصات ونحو ذلك مما يجوز لعنه على وجه العموم، وإلا رجعت على صاحبها. حتى الدواب والبهائم والجمادات لا يجوز لعنها، فقد أخرج مسلم عن عمران بن حصين ﵁، قال: (بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فضجرت امرأة من الناقة، فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: خذوا ما عليها من المتاع، ودعوها، فإنها ملعونة) لا يمكن أن يصحبنا ملعون في السفر، قال عمران: فإني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد، الدابة مهملة ولا أحد اقترب منها، وقد قال النبي ﷺ : (دعوها) فتركوها، فإذاً هكذا عقوبة تعزيرية للاعن (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) حديث صحيح. إذاً: أيها المسلمون هذا اللعن المنتشر بين الناس حرامٌ في حرام، ويرجع على قائله في العموم والغالب، وحتى قضية السباب والشتام إذا جاوز الإنسان المسبوب والمشتوم، فإنه يأثم ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، وأخبر النبي ﷺ في الحديث أن إثم السب والشتم على البادئ إلا أن يتعدى المظلوم، فيسب ويشتم بأكثر مما حصل، وإن ترك السب والشتم حتى لو كان مظلوماً، فهو أحسن وأطيب. فعن أبي هريرة أن رجلاً شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، وأبو بكر ساكت، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله! كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت! قال: (إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله، وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال: يا أبا بكر! ثلاثٌ كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعزه الله بها ونصره الحديث) رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ولهذا ينبغي الامتناع والكف عن ذلك، وقد ضرب الصحابة المثل الرائع في هذا، فعن جابر بن سليم قال: (قلت: اعهد إليّ يا رسول الله- أوصني- قال: لا تسبن أحداً، قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً، ولا بعيراً ولا شاة) أخرجه أبو داود بإسناد حسن. كم بين هذا وبين ما يحدث الآن من السب والشتم واللعن في المجالس والهواتف، والدكاكين والمحلات، ومجتمعات الناس ظاهرة سيئة، ويسب الرجل زوجته، ويلعن أولاده، وحتى أقرب الناس إليه. نسأل الله أن يطهر ألسنتنا وقلوبنا، اللهم إنا نسألك العفة والعفاف، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا يا رب العالمين. أقول قولي لهذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1197

أسباب نهي الشارع عن اللعن والسب الحمد لله رب العالمين، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه وأنصاره والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله! إن التعود على السب والشتم عادة قبيحة جداً، وقد توقع -والعياذ بالله- في الكفر، كما إذا سب الله تعالى أو النبي ﷺ أو الملائكة، ومن السب ما يحكم بكفر صاحبه، ومنه ما يوجب الحد كما إذا قذف بالزنا، ولو قال: أنت أزنى من فلان فعليه حدان، لأنه قذف رجلين، وبعض ذلك يقتضي التعزير، وقد اتفق الفقهاء على أن من سب ملة الإسلام أو دين المسلمين يكون كافراً. وكذلك نهى الشارع عن سب الدهر، فقال: (لا تسبوا الدهر) لأن سب الدهر يعود على خالق الدهر، وهو الله تعالى، إذ أن الدهر لا ذنب له، وتأمل في سب الناس اليوم للساعة والأيام والسنين. وأما سب الأموات بغير مصلحة شرعية، فمنهيٌ عنه، وهو يفضي إلى إيذاء الأحياء، وأما أقوال العلماء في السب في هذه الألفاظ المنتشرة، فإن بعض أهل العلم قد ذكروا أنه إذا سبه سباً لا يصل إلى القذف بالزنا، فإنه يعزر بالجلدات المناسبة، أو ما يراه القاضي لدرء ذلك. وذكر العلماء ﵏ في كتبهم أمثله لمن سب شخصاً بألفاظ مقذعة، أو قال: يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا ديوث ونحو ذلك، فإنه يعزر تعزيراً رادعاً ينهاه وينهى أمثاله. وكذلك إذا شتمه ببعض أسماء البهائم، فإن بعض أهل العلم قد ذكروا -أيضاً- أنه يعزر في ذلك، وأما النطق بألفاظ الخنا على الملأ مما يستبشع، فإنه يسقط مروءة الإنسان، حتى قال بعضهم: لا تقبل شهادته، قال ابن الهمام ﵀: "إظهار الشتيمة مجون وسفه، ولا يأتي به إلا أوضاع وأسقاط".

стр. 1198

حالات جواز الجهر بالسب والشتم وهناك بعض الحالات التي يجوز فيها الجهر بالسب والشتم: كما إذا سب آلهة الكفار لإغاظتهم دون أن يكون هناك منكر أكبر من ذلك يترتب عليه، ولذلك قال أبو بكر ﵁ للمشرك: [امصص بضر اللات]، وكذلك قال النبي ﷺ : (من تعزى بعزاء الجاهلية- أي: تعصب العصيبة الجاهلية- فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) أي: قولوها بصراحة اللفظ، من باب زجره، والمراد بهن أبيه، أي: ذكر أبيه، يقال له ذلك: اعضضه، إذا تعزى بعزاء الجاهلية. وكذلك في استنطاق القاضي للمعترف بالزنا، كما قال الصحابي في كلمة النبي ﷺ لـ ماعز، ثم قال الصحابي، ولا يكني لأجل الحاجة، لأن المسألة فيها إزهاق روحه وقتله، فلا بد من استنطاقه باللفظ الصريح. وكذلك قال النووي رحمه الله تعالى: "يجوز للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وكل مؤدب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر ممن فعل شيئاً سيئاً: ويلك! أو يا ضعيف الحال! أو يا قليل النظر لنفسه! أو يا ظالم نفسه! وما أشبه ذلك، بحيث يؤدبه بمثل هذا، وهذه حاجة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". والحاصل أيها الإخوة! أن الباعث على الفحش إما أن يكون قصد إيذاء الناس، أو العادة التي جرت بمخالطة أهل الفسق واللؤم والخبث، فإن الاعتياد في مخالطة الفساق يسبب تكرار مجالستهم، والاستماع إليهم، والتعود على ألفاظهم، وزوال شناعتها من النفس، والتلفظ بها في تقليدهم والاقتداء بهم. وما فعلته الأقلام الهابطة في القصص السيئة الماجنة، والأفلام المنحطة، ما فعلته في نشر السباب والشتائم والألفاظ الشنيعة، وإزالة الحياء والكلام في العورات، والكلام في الرفث والجماع ونحو ذلك، أمر عظيم جداً، وأثره في الأجيال واضح للغاية، وأصحاب السوء، والناس في الشوارع الذين يتعلم منهم بقية الأولاد الصغار السباب والشتائم أمر واضح جداً. لقد أقيمت في بعض الأماكن مسابقة بعنوان: أبو عيون جريئة، يكون الفائز فيها أوقح الشبان وأقلهم حياءً وأدباً، فتصور ذلك في مجتمع من مجتمعات المسلمين إلى هذه الدرجة، من أوقح وأشد شناعة في لفظه هو الذي ينال الجائزة.

стр. 1199

واجبنا تجاه انتشار ظاهرة اللعن والسب فهذه الأشياء التي تنشر الفحش ينبغي بترها وقطع دابرها، وينبغي على الآباء أن يصونوا أولادهم عن مرافقة أهل السوء، ونحن الآن في بداية عام دراسي جديد، هل ذهبت يأيها الأب إلى المدرسة، وتفرست في وجوه الطلاب الذين يدرسون مع ولدك في الفصل الدراسي الذي هو فيه، فانتقيت له عدداً من الأخيار ولو قلوا، وقلت له: الزم هؤلاء ولا تتعداهم، وتسمح له بأن يزورهم ويزوروه؟ هذه مسئوليتك، ليست المسئولية شراء الأقلام والدفاتر، والمسارعة لتلبية احتياجات المدرسة، إنما الأهم من ذلك مراقبة الولد من هم أصحابه؟ من هم الذين يماشيهم ويحتك بهم؟ فإنهم مصدر أخلاقه، ومنبع عاداته. ولذلك فإن مسئولية الأب مسئولية عظيمة، وكل واحدٍ من الراشدين البالغين مسئولٌ عن نفسه في أصحابه الذين يماشيهم ويصادقهم، فإن صاحب الفحاشين صار فحاشاً، وإن صاحب النمامين المغتابين صار كذلك وهكذا أيها الإخوة. ولنذكر إخواننا في مطلع هذا العام الدراسي، بالاعتناء بتربية أبنائهم، وعدم الاكتفاء بذهابهم إلى المدرسة، ونذكر المدرسين بمسئوليتهم في التربية قبل التعليم، إذ أن هناك فرقاً بين التربية والتعليم، فليست القضية نقل المعلومات، وإنما تأديب الطلاب وتربيتهم على المنهج الإسلامي. وكذلك نذكر بالفقراء والضعفاء ممن يحتاجون إلى الصدقات حتى في شراء لوازم المدرسة، وقد أفتى أهل العلم بجواز دفع الزكاة لنفقة الدراسة للطالب الفقير؛ لأنها صارت حاجة في هذه الأيام، لا تنال شهادة أو وظيفة في الغالب إلا بها، بل حتى الزواج، ولذلك يجوز دفع الزكاة فيها، ما لم يكن فيها شرٌّ أو إثمٌ أو معصية. وكذلك أيها الإخوة! الشفاعة لمن يحتاج الشفاعة في قبول ولده في المدرسة ونحو ذلك، لقوله ﷺ : (اشفعوا تؤجروا) ونحو ذلك ممن يستحق من المسلمين. نسأل الله أن يجعل أعمالنا في طاعته، وأن يوفقنا إلى مرضاته. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك العفة والعفاف، اللهم ارزقنا الطهر والصدق يا رب العالمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين، وافتح لهم بلاد الكفار والمشركين، اللهم عجل بنصرهم، اللهم رد إلينا القدس الشريف وأخرج اليهود منه أذلة صاغرين، اللهم عليك بهم يا رب العالمين وبسائر أعداء الدين أرغم أنوفهم، وأفشل خططهم، واجعل مكرهم تدميراً عليهم يا رب العالمين. اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والصلاح للعباد. اللهم إنا نسألك الأمن في الأوطان والدور آمنا في أوطاننا، وارشد الأئمة وولاة الأمور، وارحمنا يا رحيم يا غفور. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمة يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1200

الصاحب في الهجرة أيها الإخوة: في هذا الدرس تعيشون مع أحد صحابة رسول الله، مع رفيقه وأنيسه ووزيره وأبي زوجته، تعيشون مع حادثة الهجرة مع النبي ﷺ والصديق ﵁ في أحداث الهجرة ومسائلها وما يستفاد منها.

стр. 1201

هجرة النبي ﷺ وأخبارها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: أيها الإخوة: حديثنا في هذه الليلة عن أحد أصحاب رسول الله، عن صاحبه ورفيق هجرته، وأنيسه في دربه، ووزيره ومواسيه في نفسه وماله، وأبي زوجته، وخليفته من بعده، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] في رحلته معه ﷺ من مكة إلى المدينة، وانتقاله ونقلة الدعوة معه من مرحلة إلى مرحلة، وصاحبه في ذلك الحدث الذي غير وجه الأرض في ذلك الوقت؛ وهو الحدث الذي أرّخ به المسلمون؛ إعلاماً للناس بأهمية هذه اللحظة وهذا الحدث وهو حدث الهجرة.

стр. 1202

الروايات في حادثة الهجرة روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة ﵂؛ ذكرت الحديث الطويل وفيه، فقال النبي ﷺ للمسلمين: (إني أُريت دار هجرتكم ذات نخلٍ بين لابتين وهما الحرتان) فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : (على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم) فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانت عنده ورق السَمُر -وهو الخبط- أربعة أشهر. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: (فبينما نحن يوماً جلوسٌ في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر). قالت: (فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي ﷺ لـ أبي بكر: أخرج من عندك؟ فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: فإني قد أُذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : نعم. قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال رسول الله ﷺ : بالثمن). قالت عائشة: (فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرةً في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب؛ فبذلك سميت ذات النطاقين). قالت عائشة ﵂: (ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر في غارٍ في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر؛ وهو غلامٌ شابٌ ثقفٌ لقنٌ فيُدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بـ مكة كبائتٍ فلا يسمع أمراً يُكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلٍ، وهو لبن منحتهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الدِيل؛ وهو من بني عبد عدي هادياً خريتاً -والخريت الماهر بالهداية- قد غمس حلفاً في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صُبح ثلاثٍ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل؛ فأخذ بهم طريق السواحل). قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي؛ وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم أن أباه أخبره: أنه سمع سراقة بن جعشم يقول: (جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحدٍ منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلسٍ من مجالس قومي -بني مُدلج- أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جُلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفاً أسودة بالساحل -أشخاص- أُراها محمداً وأصحابه) قال سراقة: (فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعةً، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها عليَّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت برمحي الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تُقرب بي حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره. -أي: لا يمضي ويرجع- فركبت فرسي وعصيت الأزلام تُقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمةً إذا بأثر يديها عثانٌ ساطعٌ في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية. وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني -لم يأخذا مني شيئاً- ولم يسألاني إلا أن قالا: أخفِ عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمنٍ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله ﷺ . وفي رواية: عن البراء قال: (اشترى أبو بكر ﵁ من عازب رحلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكر لـ عازب: مر البراء فليحمل إليَّ رحلي. فقال عازب: لا. حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم؟ قال أبو بكر ﵁: ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه؟ فإذا صخرة أتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته، ثم فرشت للنبي ﷺ فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله، فاضطجع النبي ﷺ ، ثم انطلقت أنظر ما حولي، هل أرى من الطلب أحداً؟ فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، سماه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت: فهل أنت حالب لنا؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاةً من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال: هكذا؛ ضرب أحد كفيه بالأخرى، فحلب لنا كثبة من لبن، وقد جعلت لرسول الله ﷺ إداوةً على فمها خرقة فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله؟ قال: بلى. فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحدٌ منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرسٍ له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، قال: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]). حصل بعد ذلك أن النبي ﷺ التقى بـ الزبير في الطريق، وكسا النبي ﵊ وأبا بكر ثياباً بيضاً حتى ينطبق الوصف الموجود عند اليهود في التوراة كيف سيدخل النبي ﷺ المدينة مع الصديق، وسمع المسلمون في المدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداةٍ إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم ورجعوا إلى بيوتهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطمٍ من آطامهم -على حصن قلعة لليهود، أشرف عليها اليهودي بعدما انصرف المسلمون الذين كانوا ينتظرون النبي- لأمر ينظر إليه، فبَصر برسول الله ﷺ وصاحبه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جَدكم الذي تنتظرون -جَدكم أي: حظكم- فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة. فاليهودي عرفه بصفاته المكتوبة عندهم في كتابهم، ولم يملك اليهودي نفسه أن صاح من هول المفاجأة والتطابق بين الواقع وبين الوصف المكتوب، وإلا فإن اليهودي لا يدل على الخير، ولكن من هول المفاجأة لم يملك اليهودي أن صاح: يا معاشر العرب: هذا جدكم -أي: حظكم، (وتعالى جدك) هذا شأنكم وهذا شرفكم- الذي تنتظرون. هذا الحديث الذي رواه الإمام البخاري ﵀ عن البراء ورواه أيضاً عن عائشة في هذه القصة المجموعة التي تبين قصة هجرة النبي ﷺ ، وفيها: أن النبي ﷺ قد أُوحي إليه بمكان الهجرة وأخبر الصحابة؛ فبدأ الصحابة يتسربون إلى المدينة، وأراد الله تعالى للصديق أن يؤاخي نبي الله ﷺ في هجرته، وأن يكون معه، هو رفيقه في حياته ﵁، ولذلك كان يرجو ﵊ أن يُؤذن له لينطلقا معاً، وهذا ما حصل. وكان أبو بكر قد حبس نفسه لعله يؤذن للنبي ﷺ فينطلق معه، واستعد براحلتين يطعمهما ورق السمر؛ وهو ورق الطلح يخبط بالعصا فيسقط وتُعلف به الدواب. واستغرقت فترة الإعداد التي كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يُعد فيهما هاتين الراحلتين أربعة أشهر، وهذه التي كانت بين ابتداء هجرة الصحابة وبين هجرته ﷺ .

стр. 1203

إجراءات النبي ﷺ لكتمان الهجرة جاء النبي ﷺ في نحر الظهيرة وفيه: أن التخطيط للهجرة كان دقيقاً، وفيه أن النبي ﷺ كان على قمة الأخذ بالأسباب. ولذلك فإنه من بداية الأمر اختار الوقت الذي يأتي فيه لـ أبي بكر الصديق يكون الناس نياماً في شدة الحر في الظهيرة (القيلولة). جاء في نحر الظهيرة في أول الزوال، وأشد ما يكون من حرارة النهار، ويقيل الناس فيها، أتاه ظهراً، فاستغرب آل أبي بكر الصديق قالوا: هذا رسول الله ﷺ متقنعاً، وهذا من الأسباب في إخفاء القضية أيضاً فإنه ﵊ جاء متقنعاً مغطياً رأسه في وقت يندر أن يوجد أحد يمشي في الطريق. عرف الصديق أن النبي ﷺ قد جاء لأمر مهم، فلما دخل النبي ﷺ -إجراء ثالث- قال: (أخرج من عندك؟) لأن النساء والصبيان يتكلمون، وكم أوتي من أوتي من الحذرين من جهة النساء والصبيان، فقد لا يأبه لهم فيتحدث أمامهم بسره، ثم يتسرب السر عن طريق طفل، أو امرأة. ولذلك فإن النبي ﷺ من اتخاذ الأسباب في هذا الأمر الخطير الذي يريد إخفاءه، قال: (أخرج من عندك؟) ولكن الصديق ﵁ يعرف من ربى وكيف رباهم؟ قال: (إنما هما ابنتاي، إنما هم أهلك يا رسول الله) كل من في البيت عائشة وأسماء رباهم الصديق على عينه، يعرف من عنده ويثق وهو على مستوى كلمته التي قالها وأكثر. (الصحبة يا رسول الله قال: نعم) في رواية قالت عائشة: (فرأيت أبا بكر يبكي وما كنت أحسب أن أحداً يبكي من الفرح) وهذا من إخلاصه ﵁؛ لأن صحبة النبي ﷺ في الهجرة شرف لا يعادله شرف؛ ولذلك بكى الصديق من الفرحة. فالبكاء: منه: بكاء حزن، وبكاء فرحة، وبكاء دهشة، وبكاء ألم، فالبكاء أنواع، وهذا كان بكاء فرحة. وعرض الصديق -من كرمه وبذله في سبيل الله- إحدى راحلتيه على النبي ﷺ ، فقال ﵊: (لا أركب بعيراً ليس لي. قال: هو لك. قال: لا. ولكن بالثمن). قيل: لماذا لم يقبل النبي ﷺ عطية صاحبه؟ قالوا: لأنه أراد أن يهاجر من ماله، ويكسب أجر الإنفاق على الهجرة من ماله؛ لأن الهجرة هنا سفر طاعة عظيم كلما أنفق الإنسان فيه كان أكثر أجراً، فأحب ألا تكون هجرته إلا من مال نفسه. قيل: إن هذه الناقة التي أخذها النبي ﷺ من أبي بكر الصديق بالثمن هي القصواء؛ وقد عاشت بعد النبي ﷺ قليلاً ثم ماتت في خلافة أبي بكر الصديق. وجهزت عائشة وأسماء -الفتاتان المؤمنتان- راحلتي النبي ﷺ وصاحبه -أبيهما- أحث الجهاز وأفضل الجهاز وكُل ما يحتاج إليه في السفر. (وصنعنا لهما سفرة في جراب) إذاً: الآن تجهيز جيد، والأخذ بالأسباب، حتى نعرف أن قضية الهجرة كان النبي ﷺ قد رتب لها ترتيباً عجيباً، واتخذ فيها أسباباً مدهشة لتنجح، ليُعلم الأمة كيف يُحكمون أمورهم ولا يتركون مجالاً واحداً للفشل. (وصنعنا لهما سفرةً في جراب) وعاء للزاد يوضع فيه الزاد من الماء والطعام، قيل: إنه كان في السفرة شاةً مطبوخة. بقي الآن قضيت الربط؛ بأي شيء يُربط؟ بحثتا عن شيء تربطان به فلم تجدا شيئاً، فشقت أسماء نطاقها؛ والنطاق: حزام تلبسه المرأة على وسطها. (شقت) جعلته جزأين. (وربطتا بهما الزاد) شدت بأحدهما الزاد واقتصرت على الآخر. فسميت أسماء، ذات النطاقين من هذا الفعل. شقت نطاقها فأوكأن بقطعة منه الجراب، وشدت فم القربة بالباقي على رواية أخرى فسُميت بـ ذات النطاقين. التخطيط: كان الاتجاه إلى غار في جبل ثور، عكس الجهة، ليس الجهة التي يَتبادر إلى ذهن الكفار أنه هرب منها، قيل: إن خروجهما كان من خوخة في ظهر بيت أبي بكر. وخروجه ﷺ كان يوم الإثنين. (ركبا حتى أتيا الغار وهو غار ثور فتواريا فيه) ومن إتمام الخطة أنه جاء: (أنه أمر علياً ﵁ أن يبيت على فراشه). جاء عند الإمام أحمد من حديث ابن عباس بإسناد حسن كما قال الحافظ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠] قال ابن عباس ﵁: (تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، نقيده ونربطه ونسجنه -يريدون النبي ﷺ وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه). (فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فبات علي على فراش النبي ﷺ تلك الليلة، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي ﷺ أي: ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه. فلما أصبحوا ورأوا علياً رد الله مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بـ الغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليالٍ، وخرجت قريش في كل وجهٍ، أي: في كل جهة تطلب النبي ﷺ . وبعثوا في أثرهما قائفين -القافة: قصاصي الأثر- اشتركوا في التتبع، ورأى كرز بن علقمة أحد القائفين نسج العنكبوت فقال: هاهنا انقطع الأثر، وكمنا في الغار ثلاث ليالٍ. وهذا سبب آخر من الأخذ بالأسباب المؤدية للنجاح، وبلوغ المطلوب. والصديق ﵁ بلغ من خشيته وخوفه على النبي ﷺ أنه كان يمشي بين يديه ساعة، وخلفه ساعة، ومرة أمامه ومرة خلفه، فسأله ﵊؟ فقال: يا رسول الله أذكر الطلب -أذكر الناس الذين يطلبونك- فأمشي خلفك حماية لظهرك، وأذكر الرصد -الذين يترصدون- فأمشي أمامك، فقال: (لو كان شيئاً أحببت أن تُقتل دوني؟ قال: إي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار). حتى لا يكون فيه دابة، أو شيء مؤذٍ، فاستبرأه ليطمئن إلى أنه مكان آمن؛ لكي يأوي إليه النبي ﷺ . فهل انتهت الأسباب؟ كلا. لقد كان من الخطة أن عبد الله بن أبي بكر الصديق ﵁: (وكان شاباً ثقفاً لقناً) ثقف أي: حاذق، لقن أي: سريع الفهم. كان يبيت مع كفار قريش في مكة في الصباح يستمع لكل الأخبار، ويلتقط الأخبار، ويحفظ كل شيء، (يصبح مع قريش بـ مكة كبائت) لماذا؟ لأنه يرجع قبل الفجر بغلس. (ثم يأتيهما بعد ذلك بالأخبار لا يسمع خبراً يُكتادان به) أي: من الكيد، لا يسمع خبراً فيه كيدٌ للنبي ﷺ وأبي بكر الصديق إلا جاءهم به أولاً بأول. إذاً: الأخبار تصل أولاً بأول، المراسلات والأخبار، وكالة الأخبار تأتي بالأخبار أولاً بأول. هل انتهت الإجراءات والأسباب؟ لا. هناك رجل من شخصيات القصة اسمه: عامر بن فهيرة؛ هذا الرجل كان معهما، قام بأدوار: من هذه الأدوار: آثار الأقدام بقاؤها خطير؛ لأن العرب كانوا مشهورين بقص الأثر، ويمكن عن طريق قص الأثر معرفة المكان الذي توجه إليه، إذاً: كان لا بد من إخفاء آثار الأقدام، وكانت الطريقة الطبيعية التي لا تلفت النظر في إخفاء آثار الأقدام أن يؤتى بقطيع غنم تمشي فوق آثار الأقدام لتختلط الآثار وتنطمس، وهذا الذي فعله عامر بن فهيرة، ثم إن الغنم هذه فيها فائدة أخرى، وهي قضية السقاية من لبنها للنبي ﷺ والصديق، تطمس آثارهما ويستقيان بلبنها، فكان يأتي باللبن الطازج أولاً بأول -من الغنم التي تطمس الآثار- إلى النبي ﷺ . يروح عليهما بالغنم كل ليلة فيحلبان، ثم تسرح بكرةً في الصباح فيُصبح عامر بن فهيرة وغنمه في رعيان الناس فلا يُفطن لها، فالتوقيت كان سليماً؛ للذهاب بالغنم وعودتها، حتى الغنم والدواب الذهاب بها والإتيان بها كان توقيتاً سليماً. ويوضع لهما في رسلٍ اللبن الطري وكذلك الرضيف، وهو اللبن المرضوف الذي وضعت فيه الحجارة المحماة بالشمس أو النار لينعقد ويشتد وتزول رخاوته، طعام وشراب حتى ينعق عامر بغنمه وهو صوت الراعي إذا زجر الغنم، ثم يسرح بها في رعيان الناس فيذهب في وقت صحيح لا يُتفطن له، هذا كان من بني الدِيل، من بني عبد بن عدي. لم تنته القضية بل هناك شخصية أخرى مهمة لها دور أيضاً: وهو عبد الله بن أريقط؛ هذا رجل مشرك، لكنه كان رجلاً مأموناً موثوقاً به، ولماذا اختير عبد الله بن أريقط رغم أنه مشرك؟ لأنه كان هادياً خريتاً، خبيراً بالطرق، والمسارات، ودروب الصحراء، والخريت: هو الماهر بالهداية مثل: خرت الإبرة أي: ثقب الإبرة، لأنه يهتدي لأخرات المفازة وهي طرقها الخفية، وهذا الرجل كان قد غمس حِلفاً تحالف؛ وكانوا بالجاهلية إذا تحالفوا يغمسون أيديهم في دم أو عطر يكون فيه صبغ لليد وتأكيد للحلف الذي تحالفوا عليه. هذا الرجل كان أميناً ثقةً بالرغم من أنه مشر

стр. 1204

سراقة بن مالك يدرك النبي ﷺ وصاحبه ثم اتجها عبر طريق الساحل؛ أيضاً تغيير الطريق المتوقع من الأسباب: (فأخذ بهما طريق الساحل) من أسفل مكة إلى الساحل حتى رجع مرة أخرى على طريق المدينة، على طريق الساحل فأبصر أحد الأشخاص بهم يمشون، والله عزوجل يقدر الأحداث حدثاً تلو الآخر: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١]. فأخبر هذا الرجل شخصاً من قريش اسمه: سراقة بن مالك بن جعشم، يقول له: إنني شاهدت أشخاصاً على طريق الساحل؛ وأنا أظن أن هؤلاء الأشخاص محمد وصاحبه، ومعهما الخادم. وسراقة بن مالك يعلم بأن قريش قد جعلت على كل رأس مائة من الإبل؛ الدية كاملة لمن يأتي بمحمد ﵊ وصاحبه أمواتاً، أو مأسورين. وسراقة بن مالك طمع في المائة؛ طمع في الدية، فكذّب الرجل الذي شاهد الأشخاص، قال: ليس ذاك ومستبعد أن يكونوا هم، هؤلاء فلان وفلان أشخاص آخرون قاموا من عندنا قبل قليل وذهبوا في ذلك الاتجاه أمام أعيننا، فطمع أن يكون له كل المال وهو مائة من الإبل. ثم استعد سراقة بن مالك للغنيمة، فأمر جاريته أن تُجهز له أمره، وعلى عادة المشركين الاستقسام بالأزلام قبل المضي في الأمر الخطير؛ فالاستقسام بالأزلام وهو نوع من الشرك: يضع الأزلام؛ وهي مثل السهام التي لا نصل لها ولا ريش؛ واحد مكتوب عليه: نعم، وواحد مكتوب عليه: لا، وواحد فارغ، يجعلها في مكان يسحب منه، ثم يسحب؛ فإذا طلع نعم مضى، وإذا خرج لا رجع، وإذا خرج الفارغ أعاد القرعة أو أعاد السحب. سراقة بن مالك لما أراد أن يُغادر استقسم بالأزلام؛ والاستقسام بالأزلام: هو تشاؤم، أو شيء لا علاقة له بالواقع، ولذلك هذا من سخافة العقل؛ لأنه ما العلاقة بين السحب نعم أو لا، وبين قضية أنه يذهب في السفر؟ أم لا يذهب في السفر؟ لكن يظنون أن الصنم يختار لهم الخير. استقسم؛ فلما سحب فإذا بالسهم المكتوب عليه: لا، فكره هذا لأنه يريد المائة من الإبل، يكره أن يخرج له السهم مكتوب عليه: لا. ولكنه بالرغم من ذلك مضى لأمره، جهز سلاحه ولبس لأمته -الدرع- وخفض رمحه لئلا يضرب عليها بريق الشمس فينعكس فيرى من بعد، فيتبعه أحد يشترك معه في الغنيمة، ولذلك جعل رمحه على الأرض ومضى. ثم أسرع بفرسه في تلك الجهة التي أخبره الرجل أنه رأى فيها الأشخاص، وفي الطريق أعاد مرة أخرى الاستقسام بالأزلام وأخرج الخريطة المستطيلة التي تُوضع فيها الأزلام ويسحب منها وسحب، وقلنا: الأزلام هي الأقداح وهي السهام التي لا ريش لها ولا نصل، فخرج الذي يكره، أي: لا يمضي، لا تضرهم، ولكنه استمر حتى بلغ النبي ﷺ وصاحبه من بعيد فرآه أبو بكر ﵁. فقال للنبي ﵊ أدركنا، فقال النبي ﷺ : كلا. فنذكر في هذا الموقف يقين الأنبياء بالله عزوجل، وثقتهم بنصر الله ، وحفظ الله ، وتمام التوكل على الله. هذا التوكل الصحيح، الأخذ بالسبب وتفويض الأمر إلى الله أن يكلأ ويحفظ ويأتي بالنجاح، ويحقق المطلوب، فقد أخذوا بكل الأسباب، ثم كون سراقة لحقهم بعد ذلك بالرغم من كل هذه الأسباب، فهذا شيءٌ ليس بأيديهم منعه ولا عدم حصوله، إذاً. ماذا بقي؟ التوكل على الله من قبل ومن بعد، فقال: (اللهم اصرعه) وفي رواية: (اللهم اكفناه بما شئت) هذه العبارة التي قالها غلام أصحاب الأخدود لما كان ذاهباً مع حرس الملك فوق الجبل وفي القارب فقال: (اللهم اكفنيهم بما شئت) فرجف الجبل فسقطوا وصرعوا، وانقلب القارب فغرقوا وبقي هو على قيد الحياة سليماً حتى أتى الملك. هذه العبارة التي كل إنسان إذا وقع في ورطة أو أراد أحد أن يعمل به شراً يقول: اللهم اكفنيه بما شئت. لما قال: (اللهم اكفناه بما شئت، اللهم اصرعه) فصرعه فرسه وساخت يدا الفرس، ووقعت على منخريها، دخلت يدا الفرس في الأرض وساخت حتى بلغت بطنها في الأرض، فارتطمت فرسه إلى بطنها، ودخلت يدا الفرس، أي: مقدمة الفرس، وهذا يدل على أن ركبتي البعير أو الفرس في يديه وليس في رجله، فساخت يدا الفرس حتى بلغتا الركبتين، والفرس صارت بطنها ملتصقة بالأرض. فوثب عنها سراقة، فقلت: ما هذا؟ ثم زجرتها فنهضت، وقامت تحمحم؛ والحمحمة صوت الفرس، ما كادت ترتفع الفرس إلا وثار عثانٌ؛ دخان من غير نار أو غبار، ثار الغبار، فعلمت أنه منع مني، أي: علمت أن المسألة الآن مسألة إلهيه، وأن النبي ﷺ لا يمكن الوصول إليه، لا يمكن إيذاؤه، ولا القبض عليه، ولا الوصول إليه، عند ذلك أُسقط في يدي سراقة ونادى بالأمان. الآن هذا رجل مُطارِد مُسلح تكون النهاية أنه يطلب الأمان، وهو لابس الدرع ومعه الرمح ومعه الجهاز ويطلب الأمان مستسلماً قائلاً: قد علمت يا محمد أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه والله لأُعمّين عليك من ورائي، أي شخص يطلبك ويطاردك أنا سأكفيكهُ، ورجع سراقة وقد تعهد بأن يُحافظ عليهما ويقول: وأنا لكم نافع غير ضار، وأنا راجع ورادهم عنكم، يقول سراقة في تلك اللحظة: وقع في نفسي حينما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، عرف أنه منصور وأنه ظاهر، وأنه سيستعلي على من حوله. بالإضافة إلى ذلك فإن سراقة أتى ببقية الأخبار؛ كانت الأخبار إلى حد مغادرة الغار، وبقية الأخبار أتى بها سراقة إليهم، فأخبر بما حصل أثناء غيابهما في هذه الفترة، قال: إن قريشاً جعلت جائزة لمن يأتي بكما كذا وكذا وكذا. وسراقة بالإضافة إلى ذلك عرض عليهما الزاد والمتاع، وقال لهما: إن إبلي على طريقكم فاحتلبوا من اللبن وخذوا سهماً من كنانتي أمارةً إلى الراعي، حتى يُصدق الراعي أنكما من طرفي -هذه علامة سهم من كنانتي أي أن له علامة خاصة يعرفها الراعي- فالنبي ﵊ رفض، فلم يأخذا منه شيئاً. قال: (لم ينقصاني مما معي شيئاً). قال: فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال: (لا حاجة لنا في إبلك، ودعا له). طلب منه شيئاً واحداً فقط، قال: (أخفِ عنا). فقال: قد كفيتم ما هاهنا. وجعل سراقة لا يلقى أحداً -بعدما رجع- من كفار قريش، ذاهباً في نفس الاتجاه إلا قال: قد كفيتم ما هاهنا، كفيتكم ما هاهنا، أنا فتشت من هذه الجهة فلا يحتاج أنكم تبحثون، لا يلقى أحداً إلا رده، ووفىّ لهما. وفي رواية أنه قال: (يا نبي الله مرني بما شئت. قال: قف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا، فكان أول النهار جاهداً على رسول الله ﷺ وكان آخر النهار مسلحة له) أي: حارساً له بسلاحه. والله على كل شيء قدير، وهذا يثبت قدرة الله على كل شيء، فقد كان هذا الرجل ذاهباً للقبض عليهما مسلحاً في أول النهار فيرجع في آخره حارساً عليهما، عكس الذي كان ذاهباً من أجله تماماً، يُضلل الباحثين ويحرس الجهات؛ يحرس الجهة والطريق التي سلكها النبي ﷺ ، ولا يجد أحداً إلا رده، يقول: قد فتشت قبلك ارجع لا يوجد لهما أثر. وقد طلب سراقة قبل أن يرجع حاجة: كتاب أمن بيني وبينك، يقول النبي ﷺ : (فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم) كتب له في جلد، أو في ورقة، أو في خرقة جعله سراقة في كنانته، كتب له كتاب أمان، سبحان الله! الآن المتوقع أن الخوف مع المُطارَدين، وإذا بالمطارِد المسلح يطلب كتاب أمان، يقول: اكتب لي كتاب أمان، فأمر عامر بن فهيرة فكتب له كتاب أمان.

стр. 1205

انكشاف أمر سراقة بعد فتح مكة وإسلامه فلما كانت معركة حنين بعد فتح مكة خرج سراقة ليلقى النبي ﷺ ومعه الكتاب، بعد سنوات، قرابة ثمان سنين لقيه بـ الجعرانة، فلما دنا منه رفع يده بالكتاب قالوا: يا رسول الله هذا كتابك، قال: يوم وفاء وبر، ادن فأسلمت، هكذا حصل لـ سراقة. وكان ﵊ قد أراد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قوم سراقة، بعث جيشاً يُغير عليهم ويغزوهم، وكانوا مشركين، فأتاه سراقة وقال: أحب أن توادع قومي، ففيهم نزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء:٩٠]. قيل: لما انكشفت القضية وصل النبي ﷺ وانكشف أمر سراقة بعد ذلك لقريش، فجعل أبو جهل يلوم سراقة كيف تركهم؟!! أي: النبي ﷺ وأبا بكر؟! فقال أبا حكم! -وأبو حكم هي كنية أبو جهل -: أبا حكم واللات؛ يقسم باللات لأنه كان مشركاً في ذلك الوقت. أبا حكم واللات لو كُنت شاهداً لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمداً نبيٌ وبرهانٌ فمن ذا يكاتمه؟! يقول: لو أنت كنت مقامي ورأيت الفرس تسيخ في الأرض ما قلت هذا الكلام. وحصل بعد ذلك أن النبي ﷺ لقي عبد الله بن الزبير في الطريق مصادفة عجيبة من قدر الله ، فهذه الصحراء المترامية التقاء بقدر الله النبي ﷺ والصديق بـ الزبير؛ كان راجعاً بثياب من الشام، فأعطى النبي ﷺ وأبا بكر وكساهما ثوبين أبيضين. فلما مشى أبو بكر الصديق ﵁ مع النبي ﵊ حتى قام قائم الظهيرة -نصف النهار- رفعت لنا صخرة يقول أبو بكر، أي: ظهرت، ولها ظل، وهنا يظهر حرص الصديق على النبي ﷺ وسعيه في راحته. فبسط فروة في الظل لأجل النبي ﷺ ، ونفض ما حولها من الغبار حتى لا تثيره الريح فتؤذي النائم، وجهز المكان ثم ذهب حوله ينظر الطلب يحرس النبي ﷺ ، وبعد ذلك شاهد راعياً فقال له: (أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قال: أفتحلب؟ قال: نعم) وهذا الراعي كان لرجلٍ من قريش، فسأل أبو بكر الصديق الراعي عن اسم صاحب الغنم فعرفه أبو بكر الصديق؛ وكان أبو بكر نسابة يعرف العرب وأنسابها وبطونها، فعرف الرجل صاحب الغنم، وطلب من الراعي أن يحلب، فلعل الصديق قد علم أن صاحب الغنم لا يمانع ولذلك طلب من الراعي أن يحلب، فقد يكون بينهما صداقة، والصديق يعرف أن صاحب اللبن يرضى، أو على عادة العرب كانوا يوصون الرعيان بأن يحلبوا للمسافرين من الكرم. فإما أن يكون هناك إذن عام أو أن أبا بكر الصديق يعرف الرجل هذا، فلذلك طلب اللبن، وهذا أحسن من أن يقال: إنه مال حربي يجوز أخذه لأنه مال مشرك محارب؛ لأنه لم يكن قد فُرض الجهاد ولا شُرعت الغنائم في ذلك الوقت، فمرده إلى هذا السبب، ولما كان الصديق حريصاً على صحة النبي ﷺ قال للراعي: (انفض يديك، انفض الضرع، اعتقل الشاة) فاعتقل الشاة أي: وضع رجلها بين فخذيه أو ساقيه يمنعها من الحركة من أجل الحلب (فأخذت قدحاً فحلبته) أو أمر الراعي فحلب كثبةً -قدر قدح- حلبة خفيفة من اللبن، وشرب النبي ﷺ . وفي هذه الرواية رواية البراء: أن سراقة جاء بعد هذه القصة، وأبو بكر الصديق ﵁ يقول للنبي ﷺ : (اشرب، قال: فشرب حتى رضيت) من الذي شرب؟ هو النبي ﷺ ومن الذي رضي؟ هو أبو بكر الصديق. (فشرب حتى رضيت) أي: أمعن في الشرب على غير عادته المألوفة ﷺ حتى رضي الصديق؛ واطمأنت نفسه بأنه ﵊ قد شبع وروي وأنه قد استراح. والنبي ﷺ نام وأبو بكر يحرسه، ثم لما استيقظ ﵊ قال: (قد آن الرحيل يا رسول الله؟!). وافق ﵊ وانطلقا. هذا ما حصل حتى وصلا المدينة، وخرج ذلك اليهودي لينظر فرآهما مبيضين؛ بالثياب البيض قد جاءا وعليهما الثياب البيض التي كساهما إياها الزبير: (يزول بهما السراب) أي: يزول السراب عن النظر بسبب عروضهم له، أو ظهرت حركتهم للعين، مطابقاً للوصف المذكور في الكتاب عند اليهودي، فدهش وصرخ: يا معاشر العرب! يا بني قيلة! وهي الجدة الكبرى للأنصار والدة الأوس والخزرج اسمها: قيلة. يا بني قيلة! هذا جدكم، هذا حظكم، وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه قد جاء، فاستقبلوا النبي ﷺ إلى آخر القصة التي حدثت بعد ذلك من المجيء إلى مكان المسجد وبقية التفاصيل.

стр. 1206

دروس مستفادة من القصة تلك كانت قصة الهجرة التي سافر فيها النبي ﷺ مع صاحبه، ومن أعظم الدروس التي فيها قضية الأخذ بالأسباب إذ كانت أمراً واضحاً جداً. وكذلك يُؤخذ من الحديث: تَطلب النظافة في الشرب، كما هو واضح من فعل أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وحرصه على صحة النبي ﷺ وعلى سلامة النبي ﷺ . وكذلك جواز التعامل مع المشرك إذا كان مأموناً؛ وهذه مسألة قد ينخدع فيها الكثيرون، ولكن أصحاب الدين والقلوب الحية يعرفون ويميزون الخائن من غيره. كذلك فيه ثبات قلب النبي ﷺ وثقته بالله لما قال له: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وفيه عجائب أقدار الله، تظهر من القصة عجائب أقدار الله عزوجل؛ كيف تتم هذه الأشياء بكل هذه الدقة، ثم بعد ذلك يكتشف سراقة المكان. ثم بعد ذلك يتخلص النبي ﷺ وصاحبه من سراقة، ثم بعد ذلك يجدان الراعي، وكذلك يجدان الزبير في الطريق ﵁ فيكرمهما حتى وصلا إلى المدينة. وكذلك في هذا الحديث استعمال ما كان مأذوناً فيه من مال الآخرين مثل: الشراب هذا، أو الحلب، إذا كان مأذوناً به، وخدمة الصاحب لصاحبه، وشدة محبة الصديق للنبي ﵊ وإيثاره إياه على نفسه. وكذلك تنظيف المأكل والمشرب، لو قيل: الإسلام دين النظافة فكيف ذلك؟ نقول: خذ هذا ما حصل، انظر كيف أمره أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمره أن ينفض كفيه، ثم حلب؛ حتى لا يقع شيءٌ مزعج في هذا الإناء. وكذلك فيه: استصحاب ما يحتاج إليه المسافر في السفر وأن ذلك لا يقدح في التوكل خلافاً لبعض الصوفية الذين يقولون: لا نتجهز ونتوكل، ولا نأخذ معنا شيئاً ونتوكل، فهذا ليس بتوكل مطلقاً. وكذلك فيه: كيف نصر الله الدين بهذه الهجرة؟ وكيف أخرج النبي ﷺ من بين ظهراني المشركين؟: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. وفي القصة فوائد أخرى نكتفي بهذا منها ونسأل الله عزوجل أن يجعلنا من المحبين لنبيه ﵊ والمتبعين لسنته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1207

الأسئلة

стр. 1208

طرق تحديد القبلة في السفر السؤال ما هي طريقة تحديد القبلة في الصلوات الخمس في السفر الطويل؟ الجواب قد يوجد مع الإنسان مثلاً بوصلة يحدد بها الاتجاه، فإن لم يوجد ففي النهار يعرف الشرق والغرب من خلال الظل، وكذلك في الليل يعرفه بالنجوم، مجموعة النجوم التي تظهر في الليل على شكل علامة الاستفهام، أو الملعقة، فأول نجمين من رأسها يمد خطاً مستقيماً بينهما إلى الجهة الأخرى ليكون بعد ستة أمثاله في القطب الشمالي؛ والنجم الذي يشير إلى جهة الشمال وهو نجم خلقه الله وجعله في ذلك المكان لا يُغير اتجاهه، دائماً يشير إلى جهة الشمال، أو كذلك المثلثان المتجاوران إذاً: ثلث الزاوية التي تكون في أول أحدهما المثلث الأول إلى جهة اليمين فأخذ هذا مستقيماً ثلث الزاوية فإنه سيكون في النهاية يمشي الخط إلى القطب الشمالي أو النجم القطب الشمالي، فيعرف منه جهة الشمال، إذا عرف جهة الشمال تحددت بقية الجهات وبناء عليه يعرف القبلة، قال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]. ثم إن الإنسان إذا خفي عليه الوقت وليس عنده ساعة بالعقارب والشمس، ولا عصا يعرف بها الظل، ولا نجوم في الليل، ولا بوصلة، ولا شيء، يسأل فإذا لم يجد أحداً يسأله اجتهد وصلى وصلاته صحيحة.

стр. 1209

حكم الضمادات للحاج السؤال هل يمكن لف الشاش على يد وكتف المصاب بالصدفية عند ذهابه للحج؟ الجواب نعم. لا بأس بذلك، هذه الضمادات وهذه اللاصقات التي توضع لا بأس بها إذا وضعها للحاجة ولا حرج عليه.

стр. 1210

الأرضين السبع السؤال أين توجد الأرضون السبع؟ الجواب قال بعض العلماء: هي الطبقات بعضها فوق بعض.

стр. 1211

حكم ما يتجاوز القبضة من اللحية السؤال ما هو آخر ما يتجاوز القبضة من اللحية؟ الجواب هذا رأي عبد الله بن عمر ﵁؛ كان إذا حج واعتمر قبض على لحيته فأخذ ما تجاوز من القبضة، والرأي الآخر: أن يعفيها ولا يأخذ منها شيئاً، وكلام العلماء في هذا معروف وهذه المسائل اجتهاديه فلا يكون فيها إنكار وخصومات، وإنما يتبع الإنسان السنة حيث ما تبينت له.

стр. 1212

عود الضمير في (أعوذ بك) السؤال ( أعوذ بك من شر ما صنعت) إلى أين يعود الضمير؟ الجواب أعوذ بالله من شر ما صنعتُ أنا، من شر ما اقترفت يداي وأثمتُ وأذنبتُ ونحو ذلك، لأن شر الذنب هو العذاب وسخط الله ومحق البركة وغير هذا.

стр. 1213

تجديد الوضوء لكل صلاة السؤال أتوضأ عند الخروج للعمل ثم أصلي ركعتي الضحى وفي نفس الوقت نية الوضوء بصلاة الظهر أيضاً. هل يلزم تجديد الوضوء؟ الجواب لا. الأحوال العادية لا يلزم تجديد الوضوء، لكن لصاحب السلس والمستحاضة فيجدد الوضوء بعد دخول وقت الفرض.

стр. 1214

حكم من اقترب من زوجته في نهار رمضان السؤال اقترب من زوجته في رمضان بعد صلاة الفجر؟ الجواب إذا لم يحصل إنزال ولا جماع فليس هناك شيء تفعله من جهة القضاء، أو الكفارة، فإذا حصل إنزال فيكمل اليوم، وعليه التوبة والقضاء، وإذا حصل الجماع فالكفارة المغلظة وإكمال اليوم والتوبة.

стр. 1215

حكم الإسبال السؤال ما حكم الإسبال لعدم القدرة على تقصير الثوب؟ الجواب كيف؟ ليس هناك أسهل من تقصير الثوب، فلا يجاب على هذا السؤال أصلاً.

стр. 1216

الزكاة في أموال الدين السؤال هل تجب الزكاة في أموال الدين؟ الجواب إذا كان مفقوداً معدوماً لا يُرجى تحصيله كأن يكون عند مماطل أو فقير؛ فلا زكاة فيه حتى تقبضه وتزكيه مرة واحدة.

стр. 1217

من عرض أرضاً للبيع السؤال من عرض أرضاً للبيع. فهل عليه الزكاة؟ الجواب نعم. من عرض أرضاً للبيع فعليه الزكاة.

стр. 1218

صحة قصة الحمامة السؤال صحة قصة الحمامة؟ الجواب قصة الحمامة فيها ضعفٌ، والعنكبوت ذكر الحافظ ﵀ كما قال عن ابن عباس، أي: موقوفاً بسند حسن وذكر القصة، فيمكن أن يُرجع إليها، وأيضاً هناك من حقق روايات الهجرة لـ ابن مسعود وهناك كتاب في تحقيق أحاديث الهجرة جيد أيضاً، وهناك من جمع قصصاً لا تثبت أيضاً ذكر تحقيقاً على الموضوع.

стр. 1219

تقويم التاريخ على عهد النبي ﷺ السؤال هل كان حساب عدد السنوات على عهد النبي ﷺ بالتقويم الميلادي لأن التقويم الهجري كان على عهد عمر؟ الجواب لا. هذا كلام غير صحيح، فالنبي ﷺ كان يعمل بالتقويم القمري، لكن بداية السنة الهجرية جعلها من محرم هو الذي كان على عهد عمر بن الخطاب، قال: يرجع الناس من الحج ومحرم أول السنة نجعله أول السنة نسميها السنة الهجرية أو من هجرة النبي ﷺ أرخوا، فجعلوا السنة رقم واحد هي السنة التي هاجر فيها؛ لأن الحدث هذا كان قد غير وجه الأرض، بداية الانتصارات وبداية قيام الإسلام حقيقةً كان بعد الهجرة. فلذلك قالوا: نجعل السنة رقم واحد هي السنة التي هاجر فيها، وشهر محرم نجعله أولها وهو شهر رقم واحد بعد رجوع الحجاج وبداية أعمال الناس نجعل شهر محرم رقم واحد، هذا الذي صار في عهد عمر ﵁، جعل السنة رقم واحدة سنة الهجرة، وشهر محرم رقم واحد، لكن على عهد النبي صلى الله ﵇ كان يؤرخ بالسنة القمرية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٦]. قال الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٩]. فكان النبي ﷺ يعتمد التقويم القمري أول الشهر وآخر الشهر، أشهر قمرية هي اثنا عشر شهراً ليس فيها كلام، الأشهر الحرم كل الأحكام، الأشهر التقويم القمري بالسنة القمرية وليست الشمسية ولا الميلادية، وموافقة هؤلاء الكفار لا تنبغي، فلا ينبغي أن نجعل مدار حياتنا كلها على التقويم الميلادي الموافق لما عند الكفار، فقد يضطر الإنسان أحياناً أن يقول: الموافق لكذا، لكن لا يصح أن ننسى التقويم القمري الهجري، أو نجعل حياتنا تسير على التقويم الميلادي وهذه مشابهة للكفرة وإن كانت مشابهة مكروهة كما ذكر العلماء، وجعل الرواتب بالميلادي مكروهة، هو لأنه أربح، لا لأن المشي على منوالهم وعلى طريقتهم ليس مستحباً لنا ولا صحيحاً ويُنسى التقويم القمري، الآن لو تسأل بعض المسلمين في بعض البلدان التي تمشي على تقويم الميلادي هذا، قد تسأله: عن ربيع الأول وعن رجب وعن شعبان؟ لا يدري، لا يدرون إلا إذا جاء رمضان، استعملوا رمضان لأجل العبادة وإلا ففي بقية الأشهر الولد في المدرسة لا يدري ما هي الأشهر الهجرية ومتى دخلت؟ ومتى خرجت؟

стр. 1220

زكاة ما يبقى من الراتب السؤال كيف تكون الزكاة فيما يبقى من الراتب؟ الجواب من أول استلامه مالاً بالغاً النصاب بعده يأخذ سنة قمرية هجرية ثم يخرج الزكاة على الموجود عنده.

стр. 1221

حكم البيع والشراء بعد الأذان الثاني السؤال ما حكم البيع والشراء بعد الأذان الثاني للجمعة؟ الجواب البيع والشراء في أذان الخطبة الذي يكون الإمام على المنبر يحرم ولا يجوز.

стр. 1222

الصوم في السفر السؤال أفطر الصائم في مدينة الدمام، وركب طائرة حربية ووصل إلى تبوك ولم يحن أذان المغرب. هل يمسك أم لا؟ الجواب العبرة بالإفطار والصيام في الطائرة، فإذا كان يريد أن يصوم؛ لأن المسافر يمكن أن يُفطر، لكن إذا قال: أريد أن أتم يوماً كاملاً صحيحاً فنقول: إذاً: تكون على الغروب، والفجر والمغرب في الطائرة في المكان الذي أنت فيه فوق تحت في أي مكان أنت فيه إذا غربت الشمس تُفطر. وإذا طلع الفجر تمسك، وهكذا، فإذا غادر هنا الدمام أو الظهران غادرها بعد المغرب اكتمل صومه ولا يضره إن رأى الشمس بعد أن أقلع إذا غادرها قبل المغرب وأراد أن يتم اليوم لا يُفطر إلا إذا غربت الشمس في المكان الذي هو فيه.

стр. 1223

بطاقات المعايدة السؤال بطاقات تهنئة في العيد نستخدمها في أعيادنا؟ الجواب لا بأس إذا لم يكن عليها شعار خاص بعيد الكفار. أي: إذا أرسل لك شخص مثلاً بمناسبة عيد الفطر بطاقة مكتوب عليها (مري كرسمس)!!

стр. 1224

معنى (التقاء الختانين) السؤال ما معنى: (التقاء الختانين)؟ الجواب الختان: هو موضع القطع من الذكر في الغلام والفرج في الجارية؛ فهذا الختان، إذا مس الختان الختان، أي: حصل إيلاج، والحشفة غابت ودخلت فمس الختان الختان وبدون غياب الحشفة لا يمكن أن يمس الختان الختان وإنما بعد إيلاج الحشفة، إذاً: هو غياب وولوج مقدمة الذكر في الفرج، فذلك التقاء الختان بالختان فعند ذلك يجب الغسل، أما مجرد المس من خارج دون ولوج الحشفة فلا يُوجب الغسل.

стр. 1225

لعن النساء المتبرجات السؤال هل يجوز لعن النساء المتبرجات؟ الجواب نعم من جهة العموم، تقول: لعنة الله على المتبرجات، لكن لا تقول: لعنة الله على فلانة بعينها؛ لأن لعن المعين لا يجوز؛ قد يتوب، قد يُسلم، أما لعن الجنس فنعم، تقول: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، لَعْنة اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، ألا لعنة الله على النامصات، لعنة الله على المتنمصات، لعنة الله على المتفلجات، لعنة الله على المتبرجات، نعم. لكن لا تلعن المعين.

стр. 1226

حكم الصيام بغير صلاة السؤال احتلم قبل صلاة الفجر، وقام متأخراً وذهب إلى عمله دون اغتسال؛ وبالتالي لم يُصلِ هذا اليوم كله. هل صيامه صحيح؟ الجواب الصيام صحيح، لكن الآن ما حكم إسلامه وقد ترك هذه الصلوات متعمداً؟ فيخشى على دينه، يُخشى على أصل القضية قبل الصيام، ولذلك عليه أن يتوب توبة عظيمة إلى الله، ويغتسل ويصلي كلما فات، ويقدم الصلاة على العمل، يحتاج الوضع إلى اغتسال يغتسل، الصلاة أهم تُتُرك لأجلها كل الأعمال، ويتحمل لأجلها كل العقوبات، ويُتحمل لأجلها كل الخصومات والخصميات.

стр. 1227

أسباب دخول الجنة بغير حساب السؤال ما هي الأعمال الصالحة التي هي سبب لدخول الجنة بغير حساب؟ الجواب بينها النبي ﷺ ؛ إن رأسها التوكل على الله: (يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة من غير حساب ولا عذاب) وأخبر أنهم: (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) فالتوكل على الله السبب الأساسي والرئيسي لدخول الجنة بغير حساب.

стр. 1228

حكم صلاة التراويح فرداً السؤال ما حكم صلاة التراويح والقيام فرداً؟ الجواب لا بأس.

стр. 1229

تعظيم آيات القرآن السؤال وجدت آيات من القرآن ممزقة في الأرض وقمت بجمعها وحرقها بنية أنها لا تُهان حيث أنها كانت ممزقة أو متسخة؟ الجواب قد فعلت خيراً وأنت مأجور إن شاء الله. والحرق أو الدفن يكون في أرض نظيفة وإذا جمع بينهما فهو أحسن وأفضل.

стр. 1230

(حكم قول القائل: (عملت الذي عليّ والباقي على الله السؤال عملت الذي عليَّ والباقي على الله. هذه العبارة كثيراً ما تقال، فهل فيها شيء؟ الجواب ما هو مقصود الذي يتكلم بمثل هذا كأن يقول مثلاً: أنا بذلت الأسباب والباقي على الله، لكن ينبغي ألا ينسى أن الذي بذل فيه الأسباب ينبغي أن يتوكل فيه على الله، أي: لا يقول: هذا توكلت فيه على نفسي، إلى هنا والباقي على الله، لا. التوكل على الله في كل شيء، الجزء الذي اتخذت فيه الأسباب والجزء الذي لم تتخذ فيه الأسباب كله تتوكل فيه على الله؛ لأن السبب قد يتعطل، وقد تبذل السبب ويصبح بالعكس. كان رجل كلما قاد السيارة ربط الحزام، وفي مرة من المرات نسي أن يربط الحزام، وسار في طريق الأحساء فصدم جملاً فمع الصدمة طار الرجل من الشباك، ولو كان رابطاً للحزام يقول: كان دهسه الجمل؛ لأن الجمل ركب فوق السيارة وصار سقف السيارة في بطن السيارة، فلو كان رابطاً للحزام لصار عجينه بداخل السيارة، لكن هذا لا يعني أننا لا نربط الأحزمة لأنه قد لا تصدم في جمل فقد تصدم في شيء آخر يجعلك تضرب بالمقود وتضرب بالزجاج وتحدث الكارثة، فلذلك الواحد يبذل الأسباب؛ لأن ربط الحزام من أسباب السلامة، لكن قد يربط الحزام فتحترق السيارة ولا يستطيع الخروج من السيارة بسبب الحزام فيكون الحزام سبباً في هلاكه. أي: أريد أن أقول من هذا الكلام وهذا المثال: أنه ليس على كل حال الأخذ بالأسباب في المنظور البشري يُؤدي إلى نتيجة سليمة، فقد تكون النتيجة غير ما تحسبه، من حيث لا تتوقع، ولذلك حتى لو أخذت بالأسباب يلزمك أن تتوكل على الله، في كل أجزاء العمل الذي تستطيعه وتأخذ بأسبابه والذي لا تستطيعه كذلك تأخذ بأسبابه وتتوكل فيه على الله.
следующие страницы →